العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عائلة السّلمي المسلّاتي (القرنان 8-9هـ/ 14-15م) من هوامش جبال طرابلس الغرب إلى وجاهة حواضر المشرق خلال العصر المملوكي

عائلة السّلمي المسلّاتي (القرنان 8-9هـ/ 14-15م) من هوامش جبال طرابلس الغرب إلى وجاهة حواضر المشرق خلال العصر المملوكي

The

حافظ عبدولي | حافظ عبدولي

الملخّص

وفق مقاربة منهجية تقوم على مقارعة المعطيات التي توفرها المصادر الأدبية المختلفة مع نظيرتها الطوبونيمية والأثرية، تتناول هذه الدراسة تاريخ عائلة السَّلَمي المَسَلّاتي في حواضر المشرق خلال العصر المملوكي، وتبرهن على أصولها المغاربية على خلاف ما كان شائعًا في الدراسات السابقة. وتتوقّف الدراسة في مبحثها الأول عند الصمت الهيستوريوغرافي، وتحاول الكشف عن الخلل المنهجي الذي أدّى إلى سقوط العائلة من اهتمام الدراسات التي عالجت مسألة هجرة العلماء المغاربة إلى المشرق. وفي مبحثها الثاني، تعمل على تحديد الموطن الأصلي للعائلة، وتُثبت انحدارها من موقع قلعة/ حصن سَلَمَة الذي يوجد في جبل مَسَلّاتة في نواحي طرابلس الغرب. ثم في مبحثها الثالث، تسلّط الضوء على المكانة العلمية والاجتماعية التي حققها أفراد هذه العائلة في مدن المشرق في العصر المملوكي (القاهرة، القدس، وخاصة دمشق)، وتحاول في الأثناء تبيّن الاستراتيجيات والآليات التي اعتمدتها العائلة لبلوغ تلك المكانة الاجتماعية والمحافظة عليها داخل الفلك العائلي عبر الأجيال المتعاقبة.

Abstract

This article deals with the history of the as - Salami - al-Masallati family in the major cities of the Mashreq during the Mamluk era. The aim is to prove the Maghrebian origins of the family, contrary to what has been previously suggested. In the first part, the article looks at the methodological gap which led the absence of this family in the previous studies that dealt with the migration of Maghrebian scholars to the Mashreq. The second part, through the interweaving of various sources, paper aims to determine the original dwelling of the family and to prove that their descent is linked to the castle / fort of Salama site which is at Gabal Masallata in the eastern suburbs of Tripoli (western Libya). Finally, this article highlights the prestigious scientific and social status reached by the members of this family in the cities of the Mamluk Mashreq (Cairo-Jerusalem and especially Damascus) and trying to identify the strategies adopted by the family to achieve and preserve this social status within the family orbit through successive generations.

الكلمات المفتاحية:
  • طرابلس الغرب
  • العصر المملوكي
  • هجرة العلماء المغاربة
  • عائلة المسلاتي
  • حصن سلمة
Keywords:
  • Migration of Maghrebi Scholars
  • Mamluk Era
  • al-Masallati Family
  • Western Tripoli

From Tripoli Mountains Margins to the Prestige of the Mashreq Metropolises During the Mamluk Era

مقدمة

تقف هذه الدراسة على الحياد في محور التناظر بين تاريخ النخب وتاريخ المجالات الهامشية، وهي كذلك مترددة في مركز التجاذب بين البروسبوغرافيا والبيوغرافيا العائلية أو التاريخ العائلي1(، تتقاطع فيها كل هذه الأنماط وتأبى التصنيف المنهجي ضمن جنس بعينه. وعبر تشبيك هذه المناهج المختلفة وتنويع المصادر التقليدية (كتب التاريخ العام، ومصنّفات الجغرافيا والرحلة وكتب التراجم) ومقارعتها بنظيرتها الأثرية والطوبونيمية، تسعى هذه الدراسة لتسليط الضوء على المراحل الباهتة من تاريخ عائلة "السّلمي المسالّ تي"، وهي عائلة نشأت في مجال هامشي في جبال طرابلس الغرب، ثم هاجرت إلى المشرق، وتبوّأت أعلى المراتب العلمية والاجتماعية في كبرى الحواضر المملوكية في المشرق (الإسكندرية، القاهرة، دمشق، بيت المقدس)، إلّ أنها ظلّت مهمّشة ومغيّبة في كل البحوث السابقة التي اهتمت بدراسة العلماء المغاربة في المشرق خلاال العصر المملوكي (القرنان 8 - 9 ه/ 14 - 15 م)2(. وهذا التهميش غير المقصود حتمًا من الدراسات السابقة لعائلة كانت على هذا القدر من الأهمية، يُعدّ، في واقع الأمر، المحفّز الأساسي والمبرر الرئيس لإقدامنا على التأريخ لها وفق منهج مغاير يعتمد أساسًا على تنويع المدوّنة المصدرية وتشبيك المناهج. فكيف سقطت هذه العائلة من الدراسات السابقة؟ وكيف تحوّلت من عائلة أصيلة في مجال هامشي ببلااد المغرب إلى عائلة وجاهة اجتماعية في حواضر المشرق خلاال العصر المملوكي؟

أوالً: إشكالية عدم حضور عائلة "السّلمي المسّلتّي" ي ف الدراسات السابقة

ظهرت هذه العائلة على سطح الأحداث في حواضر المشرق خلاال العصر المملوكي منذ منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلاادي على وجه التقريب. وهي عائلة علمية اختصّت أساسًا بوظيفتي التدريس والقضاء، علااوة على وظائف أخرى. كشفت عملية الجرد الدقيق لمصنّفات التراجم التي اهتمت بأعيان وعلماء العصر المملوكي أن هذه العائلة امتدت أربعة أجيال، على فترة زمنية تناهز القرن، حيث احتفت هذه المصادر بتراجم أفرادها منذ منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلاادي حتى الربع

  1. حول المقاربات النظرية لهذه المناهج المستعملة في الكتابة التاريخية، ينظر مثلً: رجاء عنقود، "البروسبوغرافيا: منهج لدراسة النخب والفئات الاجتماعية، محاولة تعريف"، أسطور، العدد 11 (كانون الثاني/ يناير 2020)، ص 81 - 100؛ Giovanni Levi, "Les usages de la biographie," Annales: Economies, Sociétés, Civilisations , vol. 44 , no. 6 (1989), pp. 1325 - 1336. يمكن مراجعة ترجمته إلى العربية: "استعمالات البيوغرافيا"، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، أسطور، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص 25 - 38؛ Julien Loiseau, "Histoire de la famille, histoires de famille," Annales islamologiques , vol. 47 (2013), pp. 3 - 13.
  2. بخصوص الدراسات السابقة التي اهتمت بهجرة العلماء المغاربة إلى المشرق خلاال العصر المملوكي ولم تتطرق إلى عائلة السّلمي المسالّتي، ينظر على سبيل الذكر: علي أحمد، الأندلسيون والمغاربة في بلاد الشام من نهاية القرن الخامس وحتى نهاية القرن التاسع الهجري (دمشق: دار طلااس للدراسات والترجمة والنشر، 1989)؛ إبراهيم زعرور، "القضاة الأندلسيون والمغاربة في بلااد الشام في عصر المماليك"، دراسات تاريخية، العددان 53 - 54 (تموز/ يوليو–كانون الأول/ ديسمبر 1995)، ص 61 - 79؛ أحمد بن معمر، "المغاربة ومنصب قاضي القضاة المالكي في دمشق المملوكية"، مجلة التراث (اتحاد الكتاب العرب بدمشق)، عدد خاص بمناسبة دمشق عاصمة الثقافة العربية (2008)، ص 145 - 162؛ الحاج عيفة، "إسهامات المغاربة والأندلسيين في مصر وبلااد الشام من بداية القرن السادس إلى نهاية القرن التاسع الهجري (12 – 15 م)"، أطروحة دكتوراه في التاريخ الوسيط، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الجزائر، 2009 – 2010؛ عمار مرضي علااوي، "أثر المغاربة في بلااد الشام: القضاء أنموذجًا"، مجلة ديالي، العدد 56 (2012)، ص 1 - 36؛ عبد الكريم شباب، "علماء المغرب الإسلاامي في بلااد الشام خلاال القرون 5 - 8 ه"، أطروحة دكتوراه في التاريخ الوسيط، قسم التاريخ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة أبي بكر بلقايد، تلمسان، الجزائر، 2014 - 2015؛ نجاة الجويني، "هجرة العلماء المغاربة إلى المجال المملوكي ودورها في تطور الحياة الفكرية من خلاال كتب الوثائق المملوكية: صبح الأعشى مث لً"، مجلة قبس للدراسات الإنسانية والاجتماعية، مج 3، العدد 1 (حزيران/ يونيو 2019)، ص 208 - 228.

الأول من القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلاادي. وتُنسب هذه العائلة إلى زين الدين عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك بن المنجّى بن علي بن جعفر السلمي المسالّتي3(. وعلى الرغم من أننا لم نتوصّل، من خلاال المصادر، إلى ترجمة تخصّ هذا الشخص المسمى عبد الرحيم، فإن ترجمة ابنه تُسعفنا بمعرفة أنه قد عاش على الأرجح في أواخر القرن السابع وبداية القرن الثامن للهجرة4، وتفيدنا كذلك أنه قد خُصّ بأحد الألقاب المضافة إلى الدين وهو لقب "زين الدين" الذي يوحي بأنه كان من طبقة العلماء خلاال العصر المملوكي، حيث يُخبرنا القلقشندي (ت. 821 ه/ 1418 م) أن لقب زين الدين كان قبل عصره (يقصد خلاال عصر المماليك البحرية) خاصًا بأسماء أبي بكر وعبد الرحمن وعبد الرحيم من المنتمين إلى طبقة القضاة والعلماء5(. أما الجيل الثاني من هذه العائلة في مصنفات التراجم، فيُمثّله ابنا زين الدين عبد الرحيم، وهما: عبد العزيز بن عبد الرحيم، وجمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم. وبخصوص عبد العزيز، فيبدو أنه لم يكن له شأن يذكر في الحياة العلمية، حيث لم تترج م له المصادر، ولم يُمنَح له لقبٌ مُضاف كما هي الحال بالنسبة إلى باقي أفراد العائلة، وإنما ذُكر اسمه ضمن ترجمة ابنه أمين الدين محمد الذي ينتمي إلى الجيل الثالث6. أما الابن الثاني لعبد الرحيم، الملقّب ب "جمال الدين"، فهو: "محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك بن المنجّى بن علي بن جعفر السّلمي المسالّ، تي جمال الدين بن زين الدين المالكي"، فيُعدّ المؤسس الفعلي لمجد العائلة ووجاهتها في كبرى حواضر المشرق خلاال العصر المملوكي. وقد ولد "تخمينًا" في عام 699 ه/ 1300 م على حد قول المقريزي7(، وبحسب رواية تنسب إليه في عام 701 ه/ 1302 م8(. وقد ترجمت له جُل المصادر التي اعتنت بأعيان المئة الثامنة للهجرة، حيث اشتُهر بتدريس الحديث والإفتاء على المذهب المالكي، وبرع في الأدب شعرًا ونثرًا، وأتت شهرته أساسًا من تقلّده منصب قاضي القضاة المالكي في مدينة دمشق مدة طويلة، ناهزت عشرين عامًا، وتذكره المصادر ضمن وفيات عام 771 ه/ 1370 م، تاركًا للعائلة إرثًا رمزيًا وثروة مادية طائلة9.

  1. أبو العباس أحمد بن علي المقريزي، درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة، حققه وعلّق عليه محمود الجليليّ (بيروت: دار الغرب الإسلاامي، 2002)، ج 3، ص 326
  2. ينظر مثلً: المرجع نفسه؛ أبو العباس أحمد بن علي المقريزي،، تحقيق محمد عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية السلوك لمعرفة دول الملوك، 1997)، ج 4، ص 338؛ ج 5، ص 210؛ أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، تحقيق محمد عبد المعيد ضان، ط 2 (حيدر آباد: مجلس دائرة المعارف العثمانية، 1972)، ج 5، ص 258؛ محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، بدائع الزهور في وقائع الدهور (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983)، ج 1، ص 99؛ أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الشهير بابن طولون، قضاة دمشق: الثغر البسّام في ذكر من ولّي قضاء الشام، تحقيق صلااح الدين المنجد (دمشق: المجمع العلمي العربي، 1956)، ص 248 - 249؛ أبو المحاسن يوسف الأتابكي بن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي؛ دار الكتب المصرية، [د. ت.])، ج 11، ص 109 - 110.
  3. أبو العباس أحمد القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا (القاهرة: المطبعة الأميرية، 1915)، ج 5، ص 489؛ حسن الباشا، الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار (القاهرة: الدار الفنية للنشر والتوزيع، 1989)، ص 314.
  4. ينظر مثلً: أبو المعالي محمد بن رافع السلاامي،، تحقيق صالح مهدي عباس، إشراف ومراجعة بشار عوّاد معروف (بيروت: مؤسسة الرسالة الوفيات، 1982)، ج 2، ص 273 - 274؛ ابن حجر العسقلااني، ج 4، ص 17؛ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، العبر في خبر من غبر، تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول (بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.])، ج 4، ص 204 - 205.
  5. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 188.
  6. أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي، غاية النهاية في طبقات القراء (بيروت: دار الكتب العلمية، 2006)، ج 2، ص 151.
  7. حول ترجمته، ينظر: المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 188 (ترجمة عدد 1090)، ص 326 (ترجمة عدد 1253)؛ ابن رافع، ج 2، ص 360؛ ابن حجر العسقلااني، ج 4، ص 11 - 12؛ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام، تحقيق بشار عوّاد معروف وعصام فارس الحرستاني وأحمد الخطيمي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1995)، ص 177؛ ابن الجزري، ج 2، ص 151؛ أبو الطيب محمد بن أحمد بن علي الفاسي الحسني المكي، ذيل التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، تحقيق محمد صالح بن عبد العزيز المراد (مكة المكرمة: جامعة أم القرى، 1997)، ص 269 - 270؛ المقريزي، السلوك، ج 4، ص 338؛ ابن إياس الحنفي، ج 1، ص 99؛ أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي، الذيل على العبر في خبر من غبر، تحقيق صالح مهدي عباس (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1989)، ص 300 - 301؛ أبو بكر أحمد بن قاضي شهبة الأسدي الدمشقي، تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش (دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1994)، ج 3، ص 377؛ ابن تغري بردي، ج 11، ص 109 - 110.

في حين يمثل الجيل الثالث من هذه العائلة في كتب التراجم في الأساس ثلااثة أشخاص، اشتهر اثنان منهم خاصة في سلك القضاء؛ الأول يدعى أمين الدين أبو حيّان محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم، وهو ابن أخ قاضي القضاة المشهور جمال الدين محمد بن عبد الرحيم وزوج ابنته، وتفيد المصادر أنه نشأ على الشافعية واشتغل بالحديث، ثم تحوّل مالكيًّا لينوب صهره جمال الدين في الحكم بقضاء دمشق. وتذكره التراجم ضمن وفيات عام 764 ه/ 1363 م، حيث توفّ في جديا من ضواحي دمشق، ودفن في مقبرة الباب الصغير. وعلى الرغم من وفاته في سن مبكرة نسبيًا، فإن المصادر تشيد بأهليته علميًا وحُسن سيرته مهنيًا وأخلااقيًا10. أما الشخصية الثانية المشهورة من هذا الجيل الثالث، فيمثلها سري الدين أبو الخطاب محمد بن محمد بن عبد الرحيم، وهو ابن قاضي القضاة المذكور جمال الدين محمد، المولود في شهر رمضان 751 ه/ 1350 م في المدرسة الصمصامية في دمشق، مقر إقامة أبيه وعمله في ذلك الوقت11(، وهو كذلك سبط قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن السبكي، الشافعي المشهور، وزوج ابنة القاضي ذائع الصيت برهان الدين إبراهيم بن جماعة. نشأ على الشافعية لدى أخواله من عائلة السبكي، ثم بعد مصاهرته ابن جماعة، نابه في القضاء في القاهرة، ثم استقل لاحقًا بمنصب قاضي القضاة الشافعي في دمشق، كما شغل مناصب أخرى مهمة سنعرضها لاحقًا في سياقها المنهجي، وتُرجم له ضمن وفيات عام 799 ه/ 1397 م، حيث توفي في القاهرة ودُفن عند والده في مقبرة الصوفية12. أما الشخصية الثالثة من هذا الجيل الثالث فيمثّلها أخ القاضي الشافعي سري الدين، وابن القاضي المالكي جمال الدين محمد، وهو عمران بن محمد بن عبد الرحيم، وقد ذُكر عرَضًا في ترجمة ابنه شرف الدين محمد. وأخيرًا يمثل الجيل الرابع من العائلة في كتب التراجم شخصان: الأول هو شرف الدين محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك السّلمي المسالّ تي، وقد تفرّد بذكره عبد الباسط بن خليل الظاهري، ناسبًا إليه خطأ تقلّد القضاء في دمشق في عام 790 ه/ 1388 م، حيث يخلط بينه وبين عمّه سري الدين الذي تولّ المنصب في ذلك التاريخ. والشخصية الثانية من هذا الجيل الرابع الذي يبدو معها قد أفل مجد العائلة، فيمثّلها جمال الدين الحفيد، وهو ابن سريّ الدين محمّد بن جمال الدّين. وتذكر المصادر أنه أتلف كل ما ورثه من أبيه من مناصب وثروة مادية، إلى درجة أنه لم يجد ثمن كفنه يوم وفاته في 18 صفر 814 ه/ 11 حزيران/ يونيو 1411 م13. يُعرّف عادة أفراد هذه العائلة في كتب التراجم بنسبة "السّلمي المسَالّ تي"، وفي المقابل لم يتوقف محققو هذه المصنفات ولو في مناسبة وحيدة لتوضيح هذه النسبة وتحديدها. بل نجدهم أحيانًا يؤكدون ضبط كلمة "السّلمي" على النحو التالي "السُّلَم " ي (برفع السين المشدّدة وفتح اللاام وكسر الميم)14. أما في خصوص لفظة المسالّ تي"، فقد ضبطت في مخطوطات المصادر بصيغ مختلفة، مثل "السالّ تي" أو "المسالّقي" أو "السالّلي"، كما عمد أحيانًا بعض المحققين إلى اختيار الصيغة الخطأ من بين نسخ

  1. ابن رافع، ج 2، ص 273 - 274؛ ابن حجر العسقلااني، ج 4، ص 17؛ الذهبي، ج 4، ص 204 - 205؛ ابن العراقي، ج 1، ص 137 - 138.
  2. المدرسة الصمصامية: من مدارس المالكية في مدينة دمشق، تقع في محلة حجر الذهب، شرق دار القرآن الكريم الوجيهية وقبلي المسرورية الشافعية، ينظر: عبد القادر بن محمد النُّعيمي الدمشقي، الدارس في تاريخ المدارس، تحقيق جعفر الحسني (دمشق: مطبعة الترقي، 1951)، ج 2، ص 8. ويقول في شأنها أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي المعروف بابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (بيروت: دار صادر، 1964)، ص 94: "وبها يسكن قاضي قضاة المالكية وقعوده للأحكام"؛ وينظر بشأنها أيضًا: حسن حلمي أبو الفضل العسيري، "مدارس دمشق ودورها الثقافي من خلاال وصف ابن بطوطة "، مجلة المؤرخ العربي، مج 2، العدد 28 (2020)، ص 184.
  3. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 72 - 73؛ المقريزي، السلوك، ج 4، ص 391؛ ج 5، ص 210؛ ابن حجر العسقلااني، ج 4، ص 12؛ أبو العباس أحمد بن حجي السعدي الحسباني الدمشقي، تاريخ ابن حجي: حوادث ووفيات 796 - 815 ه، ضبط النص وعلّق عليه أبو يحيى عبد الله الكندري (بيروت: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، 2003)، ج 1، ص 228، 230.
  4. ابن حجي، ج 2، ص 977.
  5. ينظر مثلً،: المقريزي درر العقود، ج 3، ص 188، 326؛ ابن طولون، ص 249.

المخطوطة المختلفة15(. ويمكن تفسير انعدام أيّ محاولة لتوضيح هذه النسبة في هوامش كتب التراجم واختلااف ضبط ألفاظها أو تشكيلها أحيانًا بطريقة خاطئة بعدم إلمام المحققين بطوبونيميا بلااد المغرب، خاصة منها المجالات الريفية والجبلية في نواحي طرابلس الغرب. تزيد الدراسات التي اهتمت بمسألة هجرة العلماء المغاربة إلى المشرق خلاال العصر المملوكي في تعميق هذه الإشكاليات التي تطرحها أولً عمليات نسخ مخطوطات المصادر وتحقيقها. ويبدو أن هذه الدراسات قد استكانت بطمأنينة مُبالَغ فيها أحيانًا للمعطيات التي توفّرها عمليات التحقيق، حيث اعتمد المحققون التشكيل المذكور للفظة "السُّلَمِي"، ما جعلهم يعتقدون – خطأً - أن نسبة هذه العائلة تعود إلى النسبة القبلية المشتقة من "قبائل بني سُلَيْم" ذائعة الصيت وواسعة الانتشار في المشرق16(. وجعلت هذه الطمأنينة الزائدة على الحد، من دون التسلّح بالحد الأدنى من الحس النقدي المطلوب لدى المؤرخ، من عائلة مغاربية على هذا القدر من الأهمية، تسقط من دراساتهم المخصصة للعلماء المغاربة في المجال المملوكي. بل إن بعض الدراسات تذكر قاضي القضاة المالكي جمال الدين محمد بن عبد الرحيم، المؤسس الفعلي لمجد هذه العائلة، من بين الاستثناءات المشرقية التي تقلّدت منصب قاضي قضاة المالكية في مدينة دمشق: "هذا ولم يكن منصب قاضي القضاة المالكي حكرًا على المغاربة وحدهم، بل كان يتقلّده غيرهم من أهل مصر والعراق والشام، فبعد موت جمال الدين الزواوي، تعاقب على هذا المنصب وعلى مدار نصف قرن مجموعة من القضاة غير المغاربة، وهم فخر الدين أحمد بن أبي الخير سلاامة الإسكندري، فالقاضي شرف الدين أبو عبد الله محمد الهمذاني، ثم القاضي جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسلااتي، أطولهم مدة حيث دامت ولايته زهاء عشرين سنة (748 - 767 ه/ 1348 - 1366 م)، عُزل في أواخر سنة 759 ه/ 1358 م بشرف الدين أحمد بن الحسين العراقي، ثم أ عيد إلى القضاء في أوائل السنة الموالية"17(. وقد لفتنا، بكل تجرد، هيمنة التناص بين هذه الدراسات التي ينقل بعضها عن بعض منهجًا ومضمونًا، فلو توقفت قليلً، بحسب اعتقادنا، بالبحث في النسبة الثانية الملحقة بأفراد هذه العائلة "المسالّتي"، واعتمدت في الأثناء على مقارعة المصادر المشرقية بنظيرتها المغربية، لتمكّنت من تجاوز هذا الإشكال. وإضافة إلى ذلك، لاحظنا أن عملية الجرد لمتون مدوّنة التراجم بدورها لم تُنجزها هذه الدراسات بالدقة المطلوبة، لأن المقريزي (ت. 845 ه/ 1442 م) يقدم معطى كفيلً بحل الإشكال الذي تطرحه نسبة العائلة، حيث يتفرّد عن باقي المصادر خلاال ترجمته لجمال الدين محمد بن عبد الرحيم، بذكر معلومة عن موطنه الأصلي، تبدو كافية للااستدلال وبصفة قطعية على الجذور المغاربية لهذه العائلة: "محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك بن المنجّى بن علي بن جعفر السلميّ، أبو عبد الله جمال الدين المسالّتي المالكي قاضي دمشق. ولد بقلعة سلما من أطرابلس المغرب في سنة تسع وتسعين وست مائة تخمينًا، وقدِم إلى القاهرة، فسمع بالإسكندرية من عبد الرحمن بن مخلوف، ومن عز القضاة عبد الواحد بن المنيّ، وبدمشق من أحمد بن الشحنة "18. وفي المبحث الثاني نحاول تحديد موقع "قلعة سلما من أطرابلس المغرب"، الموطن الأصلي لعائلة "السلمي المسالّ تي"، وذلك عبر تشبيك هذا المعطى الذي توفّره كتب التراجم بأصناف أخرى من المصادر، ونحاول أيضًا الوقوف على الظروف المحيطة بهجرتهم إلى الحواضر المملوكية في المشرق في بداية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلاادي.

  1. ابن حجر العسقلااني، ج 4، ص 17 (هامش 2)؛ ابن تغري بردي، ج 11، ص 109 - 110؛ عبد الباسط بن خليل بن شاهين الظاهري الحنفي، نيل الأمل في ذيل الدول، تحقيق عمر عبد السلاام تدمري (بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية للطباعة والنشر، 2002)، ج 2، ص 262 (هامش 2.)
  2. حول قبائل بني سُلَيْم، ينظر مثلً: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، جمهرة أنساب العرب، تحقيق لجنة من الناشرين (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998)، ص 261 - 264؛ Michael Leker, "Sulaym," Encyclopédie de l'Islam , tome IX, 2 ème éd. (Leiden: Brill, 1998), pp. 852 - 853 ; Radhi Daghfous, "De l'origine des Banu Hilal et des Banu Sulaym," Cahiers de Tunisie , vol. 26 , no. 91 - 92 (1975), pp. 41 - 68.
  3. بن معمر، ص 151 - 152.
  4. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 188.

شكل يوضح تفرّع شجرة نسب عائلة السَّلَمِي المسلّتي من خلال المصادر

المصدر: من إعداد الباحث.

ثانيًا: تحديد الموطن الأصي ل لعائلة السّلمي المسّلتّي وظروف هجرتها إىل المشرق

1. الموطن الأصلي لعائلة السّلمي المسّلتّي قبل هجرتها إلى المشرق

يُذكر أفراد هذه العائلة في كتب التراجم أحيانًا بنسبة مفردة "المسالّتي" أو "المعروف بالمسالّتي "19 أو "ابن المسالّ تي" بالنسبة إلى أبناء الجيل الثالث20. وتستعمل أحيانًا أخرى نسبة مركّبة من لفظين متلاازمين "السّلمي المسالّ تي"، وتخص عادة تراجم جمال الدين محمد بن عبد الرحيم21(، حيث تُحيل النسبة الأولى "السَّلَم ي" إلى مسقط رأسه وموطنه الأصلي "قلعة سلمَا". ويتفرّد بذكر هذا الموقع الرحالة التجاني من بين المصادر المغاربية التي تعود إلى العصر الوسيط، بتصحيف بسيط عن الرسم الذي أورده المقريزي "حصن سلمَة"، حيث

  1. ينظر مثلً: ابن رافع، ج 2، ص 360؛ السخاوي، ج 1، ص 177؛ الفاسي، ج 1، ص 270؛ المقريزي، السلوك، ج 4، ص 338؛ ابن إياس الحنفي، ج 1، ص 99؛ ابن العراقي، ص 300.
  2. ابن شاهين الظاهري، ج 2، ص 380؛ أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلااني، إنباء الغمر بأبناء العمر، تحقيق حسن حبشي (القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلاامية - لجنة إحياء التراث الإسلاامي، 1969)، ج 1، ص 106، 351؛ ابن تغري بردي، ج 12، ص 160؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 5، ص 265؛ ابن العراقي، ج 1، ص 137.
  3. يراجع مثلً،: المقريزي درر العقود، ج 3، ص 188، 326؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11 - 12؛ ابن الجزري، ج 2، ص 151؛ ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377.

زاره طلبًا للراحة من مرض ألمّ به، فأجبره على التخلّف عن قافلة الحج والعدول عن مواصلة الطريق. فكان مسلك الرجوع مختلفًا عن مسار الذهاب؛ إذ غادر الطريق الساحلية، معرّجًا نحو الجنوب، ليبلغ "حصن سلمَة" في جبال مسلااتة، حيث استقر مدة ستة أيام، حتى تعافى من مرضه (بين 11 و 16 من شهر محرم سنة 709 ه/ 1308 م). ومن خلاال تلك الإقامة، ترك لنا التجاني الوصف الوحيد الذي بلغنا عن الموقع خلاال الفترة الوسيطة، وسنعمل على عرضه كاملً للوقوف على مدى دقته بعد مقارعته بالواقع الميداني: "وانتقلنا من البئر المذكورة (بئر ينوت) يوم السبت إلى الحصن المعروف بحصن سلمة وهو من أرض مسالّ تة، فرأيت ملجأ، يذكر سلمى وأجأ، وهو علىً رأس جبل، وقد دارت به دور كثيرة، وتحفّ بهذا الجبل مغارس زيتون وكرم ومزارع وهي كلها في ثنايا وأودية بين جبال وعرة، وتحت هذه القرية في قاعة مستوية قرية صغيرة تُعرف بتاغِرمت – بكسر الغين المعجمة وكسر الراءِ - وبها مبانٍ ضخمة بالنسبة إلى تلك القرى، وشرب جميعهم من أجباب مملوكة لهم تملأها السيول المنحدرة من تلك الجبال في أوقات الأمطار، وما وراء هذه الجبال من قبليها يسمّى بالظاهر، وما بين يديها من جهة البحر يسمّى بالباطن. فأقمنا بظاهر هذا الحصن ستة أيام آخرها يوم الخميس السادس عشر، إلى أن وجدت خفة من المرض، وارتحلنا غدوة يوم الجمعة السابع عشر، مغرّبين، آخذين ذات اليمين ممّا يلي باطن الجبل"22. الخريطة (1) مسار طريق التجاني شرق مدينة طرابلس وتعريجه على حصن سلمَة في جبل مسلّتة

المصدر: من إعداد الباحث.

  1. أبو محمد عبد الله بن محمد التجاني، رحلة التجاني، تقديم حسن حسني عبد الوهاب (تونس: الدار العربية للكتاب، 1981)، ص 318.

وظل الاعتقاد طويلً أن الموقع مندرس، وما عاد له أثر في الميدان، وتضاربت الفرضيات بشأن تحديد موضعه بدقة، إلى أن تمكّنا خلاال الأعوام الأخيرة من تحديده، وأفردناه بدراسة أثرية ستصدر قريبًا23(. وقد مكّنتنا الزيارات الميدانية من الوقوف على دقة وصف التجاني وأمانته، المطابق للشواهد الأثرية والمعطيات الطوبونيمية التي ما زال يختزنها المجال والذاكرة الجمعية للسكان. فالموقع ما زال يعرف بين الأهالي بحصن أو قصبة سلمَة، ويُنطق محليًا تقريبًا كما ورد في رسم المقريزي "سلمَا" (بفتح السين واللاام والميم). وهو عبارة عن حصن (قصبة/ قلعة)24 مركزي تحيط به آثار وحدات سكنية ومنشآت تخزين وتموين مختلفة. وينتصب الموقع على قمة صخرية من جبال مسالّ تة، ويرتفع تقريبًا 300 متر فوق مستوى سطح البحر. ويوجد تحديدًا على مسافة تناهز 90 كلم إلى الشرق من مدينة طرابلس، ويبعد نحو 14 كلم إلى الغرب من مدينة مسالّتة الحالية. وكل هذه الشواهد الأثرية التي يحتضنها المجال وتوحي بالطبيعة التحصينية للموقع (تحصينات طبيعية ومعمارية) إلى جانب المعطيات الطوبونيمية التي يحفظها الأهالي، لا تترك مج لً للشك في أننا إزاء مسقط رأس جمال الدين محمد بن عبد الرحيم قلعة سلمَا/ حصن سلمَة الذي تُرجع إليه العائلة بنسبة "السَّلَم يُّ" (بفتح السين)، وليس كما ورد في كتب التراجم "السُّلَمِيُّ" (بضم السين). وتتنزل هذه النسبة المشتقة من الموطن الأصلي، وليس من الانتماء القبلي كما كان معتقدًا، في إطار القاعدة المعروفة "ينسب إلى بلده من عاش خارجها." الصورة (1) مشهد عام لموقع حصن سلمَة، الموطن الأصلي لعائلة السَّلَمِي المسلّتي

المصدر: من تصوير الباحث.

  1. Hafed Abdouli, "Le peuplement et l'organisation territoriale à Ğabal Msallâta (Libye) au bas Moyen Âge: L'exemple du Hisn Salama," Archeologia Medievale , vol. 48 (2021).
  2. حول مفهوم الحصن ومسألة تفضيل المشارقة استعمال مصطلح "القلعة" عوضًا عن "القصبة" التي تعدّ أساسًا مصطلحًا مغربيًا، ينظر مثلً: أحمد الباهي، سوسة والساحل في العهد الوسيط: محاولة في الجغرافيا التاريخية (تونس: مركز النشر الجامعي، 2004)، ص 662، 668؛ Asa Eger, "Hisn, Ribat, Thaghr or Qasr? Semantics and systems of frontier fortifications in the Early Islamic Period," in: Paul M. Cobb (ed.), The Lineaments of Islam: Studies in Honor of Fred McGraw Donner (Leiden: Brill, 2012), pp. 427 - 455.

الصورة (2) واجهة الحصن الذي يمثّل النواة الرئيسة لموقع سلمَة الأثري

المصدر: المرجع نفسه.

أما عن النسبة الثانية "المسَالّ تي" التي عادة ما تقترن بالأولى "السَّلَمِي"، وهي في واقع الأمر الأكثر شيوعًا عند استعمال النسبة المفردة (المسَالّ تي/ ابن المسَالّتي)، فتُحيلنا إلى المجال الأرحب الذي تنتمي إليه قلعة سلمَا/ حصن سلمَة. ويتمثل هذا المجال في جبل مسَالّتة الذي يمثل الجزء الشرقي من سلسلة الجبال المحيطة بمدينة طرابلس، حيث يقول ابن خلدون: "ويتصل به (جبل نفوسة) من جانب الشرق جبل مسالّتة ويعتمره قبائل هوارة إلى بلد مسراتة وبرقة وهو آخر جبال طرابلس "25. وقد اشتقت تسمية الجبل من قبيلة مسالّتة البربرية، أحد فروع قبائل هوارة التي استوطنت هذه النواحي إلى الشرق من مدينة طرابلس منذ زمن الفتح العربي الإسلاامي26. وبعد إثبات الأصل المغاربي لعائلة "السَّلَم يُّ المسَالّتي" على خلااف ما كان شائعًا، وتفسير النسبتين الملحقتين بالعائلة، حيث تبيّ أن الأولى تتعلق بالفضاء الضيق للمنشأ الأصلي للعائلة، والثانية مشتقة من المجال الأرحب الذي تنحدر منه، يبدو أن التمشّ المنهجي في هذه المرحلة يستوجب التوقف عند الظروف المحيطة بهجرة العائلة إلى المشرق.

  1. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، تحقيق خليل شحادة، ط 2 (بيروت: دار الفكر، 1988)، ج 6، ص 188.
  2. بشأن قبائل هوارة ومجالات استيطانها، ينظر مثلً: الأمجد الدريدي، "التحرّك المجالي لقبيلة هوّارة من القرن الأول إلى القرن الخامس للهجرة (القرن السابع إلى القرن الحادي عشر ميلاادي)"، في: الجبل والسهل في حوض المتوسط: أعمال الندوة العلمية الدولية الرابعة لقسم علم الآثار بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان (5 - 7 ديسمبر 2011)، نصوص جمعها وأعدّها للنشر جعفر بن نصر والنوري بوخشيم (القيروان: جامعة القيروان، 2015)، ص 103 - 150؛ Aleya Bouzid, "Recherches sur les Hawwara," Mawarid (Revue de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines de Sousse), no. 9 (2006), pp. 193 - 254.

الخريطة (2) موقع حصن سلمَة/ قلعة سلمَا بجبل مسلّتة

المصدر: المرجع نفسه.

2. ظروف هجرة عائلة السَّلَمِي المسّلتّي إلى المشرق

استنادًا إلى سنة ميلااد جمال الدين محمد بن عبد الرحيم في قلعة سلَما/ حصن سلمَة، في نواحي جبال مسالّ تة من أطرابلس الغرب، التي توافق 701 ه/ 1302 م، وتواريخ وفاة أهم شيوخه في مدينتي الإسكندرية والقاهرة خلاال الربع الأول من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلاادي27(، واعتبارًا من جهة ثانية أن والده عبد الرحيم قد حمل الألقاب العلمية في المشرق مثل لقب الشيخ28وزين الدين29(، نُرجّح أن هذا الأخير قد هاجر بعائلته إلى الإسكندرية في بداية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلاادي خلاال الفترة نفسها التي زار فيها الرحالة التجاني موطنهم "حصن سلمَة". وبعد مرحلة التعلّم والتحصيل في مدن مصر، مثل الإسكندرية والقاهرة، برز مجد العائلة في مدن الشام، خاصة مدينة دمشق، منذ منتصف القرن الثامن الهجري، مع جمال الدين محمد بن عبد الرحيم، المؤسس الفعلي لهذا المجد.

  1. مثل: عبد الرحمن بن مخلوف (ت. 722 ه/ 1322 م)، وتقي الدين بن الصائغ (ت. 725 ه/ 1324 م.)
  2. ينظر مثلً: ابن تغري بردي، ج 11، ص 109.
  3. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 326؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11؛ ابن إياس الحنفي، ج 1، ص 99؛ ابن طولون، ص 248.

لقد أسهبت الدراسات في عرض الظروف التي ساهمت في هجرة العلماء المغاربة إلى المشرق منذ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلاادي، وفصّلت عوامل الطرد الناجمة عن حالات الفوضى الأمنية وعدم الاستقرار السياسي التي كانت تعيشها بلااد المغرب. وفي المقابل، توافرت عوامل جذب عدة في المشرق، شجّعت العلماء المغاربة على الهجرة إلى مدن مصر والشام منذ العصر الأيوبي، وتواصلت على الوتيرة نفسها خلاال العهد المملوكي30. من جهتنا، سنعمل على رصد الظروف المحيطة بهجرة عائلة السَّلَمي المسالّ تي إلى المشرق، محاولين التركيز على حيثيات الحياة السياسية والعلمية في نواحي طرابلس الغرب خلاال الفترة المباشرة لتاريخ هجرتهم، وتحديدًا بين أواخر القرن السابع ومنتصف القرن الثامن للهجرة. لقد كانت مدينة طرابلس طوال الفترة المذكورة مسرحًا للثورات الدامية وتستقطب الذين يطالبون بالسلطة وزعماء الانفصال عن السلطنة الحفصية التي كانت في حالة من الوهن والصراعات السياسية العميقة، حيث تواترت الانتفاضات والمحاولات الانفصالية في نواحي طرابلس في أواخر القرن السابع الهجري، ونذكر منها ثورة الدّعيّ ابن أبي عمارة ومرغم بن صابر بين عامي 681 و 683 ه/ 1282 و 1284 م31(اللذين عملاا، في محاولة لإنجاح ثورتهما، على الاتصال بسلطان مصر المملوكي، المنصور قلااوون، طلبًا للدعم والمساندة32. ثم تلتها بعد أعوام قليلة انتفاضة أبي دبوس في عام 688 ه/ 1289 م ضد الدولة الحفصية، انطلااقًا من أراضي طرابلس، وكان قد تحالف مع "ألفونسو الثالث" صاحب مملكة أرغونة33. وفي عام 709 ه/ 1309 م، انطلقت كذلك من طرابلس الدعوة إلى إنقاذ السلطة الحفصية من الفوضى السياسية التي كانت تعيشها، وتزعّم هذه الدعوة الأمير الحفصي أبو يحيى زكرياء بن أحمد اللحياني الذي كان في ذلك الوقت في طرابلس، حيث اجتمعت عليه وبايعته القبائل العربية، وعلى رأسها قبيلة الكعوب بزعامة أولاد أبي الليل34(. وقد انتهت هذه الموجة من الثورات والقلااقل المتواترة إلى استقلاال منطقة طرابلس عن الدولة الحفصية، حيث ضجر السكان من هذه الوضعية، فساعدوا أسرة بني ثابت من الأرستقراطية التجارية لقبيلة الجواري الوشاحيين للااستقلاال بحكم طرابلس بين عامي 724 و 803 ه/ 1323 و 1400 م35. لكن حتى خلاال فترة الحكم الذاتي لأسرة بني ثابت، لم تسلم مدينة طرابلس من التدخل الخارجي، حيث كانت هدفًا للهجوم المريني في عام 748 ه/ 1347 م36(، واستبيحت فترةً تناهز خمسة شهور من الجنويين في عام 755 ه/ 1354 م37.

  1. ينظر مثلً: عيفة، ص 26 - 66؛ أحمد، الأندلسيون والمغاربة، ص 83 - 116؛ الجويني، ص 211 - 213؛ عبد الواحد ذنون طه، الرحلات المتبادلة بين الغرب الإسلامي والمشرق (بيروت: دار المدار الإسلاامي، 2005)، ص 42 - 49؛ هشام صمايري، "عائلة القسطلااني من خلاال كتب التراجم والطبقات: محاولة في الإحاطة بصنف من النخب العلمية المهاجرة إلى المشرق ومكانتها في المجتمع"، العبر للدراسات التاريخية والأثرية، مج 1، العدد 2 (أيلول/ سبتمبر 2018)، ص 97 - 133؛ Louis Pouzet, "Maghrébins à Damas au VII/ XIII siècle," Bulletin des Etudes Orientales , vol. 28 (1975), pp. 167 - 199.
  2. روبار برنشفيك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م، ترجمة حمّادي الساحلي (بيروت: دار الغرب الإسلاامي، 1988)، ج 1، ص 116 - 119؛ صالح الصادق السباني، ليبيا أثناء العهد الموحدي والدولة الحفصية (ق 6 - 10 ه/ 12 - 16 م) (طرابلس، ليبيا: مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2006)، ص 292 - 300.
  3. محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر، تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور، تحقيق مراد كامل (القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1961)، ص 41: "لما عاد مولانا السلطان (المنصور قلااوون) من غزوات التتار المباركة وجد رسُلً في أبوابه قد حضروا من جهة الأمير مرغم بن صابر أمير طرابلس الغرب وبلاادها وإليه تجتمع ألوف الألوف من عربانها، قد أحضروا إلى أبواب مولانا السلطان معهم هدايا من خيل سوابق، ومعهم كتاب من الأمير مرغم يعرض على مولانا السلطان فتوح بلااد المغرب ويسأل إنفاذ سنجق شريف يفتح له البلااد."
  4. برنشفيك، ص 129 - 131؛ السباني، ص 300 - 302.
  5. برنشفيك، ص 159 - 161؛ السباني، ص 305 - 308.
  6. السباني، ص 308 - 310.
  7. المرجع نفسه، ص 311 - 313.
  8. برنشفيك، ص 203 - 205.

وإضافة إلى حالة الفوضى وعدم الاستقرار السياسي، كانت نواحي طرابلس تعاني خلاال تلك الفترة وجودها بين فكّ القرصنة في البحر وانخرام الأمنالذي تُحدثه القبائل العربية في البر. وقد وصف الرحالة العبدري هذه الحالة بقوله: "اكتنفها البحر والقفر، واستولى عليها من عربان البر ونصارى البحر النفاق والكفر، وتفرّقت عنها الفضائل تفرّق الحجيج يوم النفر"38(. ويؤكد هذا الانفلاات الأمني، الذي تُحدثه القبائل بطريق الحج المعروف بالجادة الكبرى، الرحالةُ ابن بطوطة من خلاال تجربة شخصية له في بداية القرن الثامن الهجري، وهي الفترة نفسها التي هاجرت خلاالها عائلة السّلمي المسالّ تي إلى المشرق، بقوله: "ثم خرجت من طرابلس، أواخر شهر المحرّم، من عام ستة وعشرين وسبعمائة ومعي أهلي وفي صحبتي جماعة من المصامدة، وقد رفعت العلمَ وتقدمت عليهم. وأقام الركب في طرابلس خوفًا من البرد والمطر وتجاوزنا مسالّتة ومسراتة وقصور سرت، وهناك أرادت طوائف العرب الإيقاع بنا ثم صرفتهم القدرة، وحالت دون ما راموه من أذيتنا"39(. أما حوادث القرصنة المسيحية والقرصنة المضادة التي كانت سواحل طرابلس مسرحًا لها خلاال هذه الفترة، فهي عديدة، تحفظها المصادر وتؤكدها الدراسات التي اعتنت بهذه المسألة40. ويكفي الإشارة إلى أن كتب التراجم المشرقية ذكرت حسن بن مسلم السلمي ضمن وفيات عام 764 ه/ 1363 م، وهو أحد الزهّاد المنحدرين من المنطقة، وكان ينفق على نفسه وعلى رفاقه من الفقراء في مصر من عائدات جهاد الفرنج في سواحل طرابلس: "وتوفي الفقير المعتقد حسن بن مسلم السلمي، المقيم بجامع الفيلة. وكان يجاهد الفرنج من جهة طرابلس المغرب، ويقيم حاله وحال من معه من الفقراء المسلمين مما يكون من الغنائم"41. يبدو أن هذه الوضعية السياسية المضطربة والأمنية المتردية التي كانت تعيشها نواحي طرابلس خلاال أواخر القرن السابع وبداية القرن الثامن للهجرة، قد أثّرت في الحياة العلمية والثقافية في مدينة طرابلس، حيث ما عادت تستقطب العلماء، وانعدمت فيها تقريبًا الحركة الفكرية. وتعكس شهادة ابن رشيد السبتي الذي زار طرابلس في طريق عودته من الإسكندرية في عام 685 ه/ 1286 م هذه الحالة من الركود التي عرفتها الحياة العلمية في المدينة، حيث يقول: "ولم يتمكّن لنا سماع من الشيخ أبي محمد42 لاستعجال الحال ولا استجزناه، ولم نلق بها أحدًا من أهل العلم ولا كان بها، إلّ ما ذكر لنا من شخص له مشاركة في العربية لم يُتمكن لقاؤه"43. ويؤكد حالة الركود تلك أيضًا الرحالة العبدري بأسلوبه الساخط المعهود خلاال زيارته المدينة بعد ثلااثة أعوام من مرور ابن رشيد: "ثم وصلنا إلى مدينة طرابلس، وهي للجهل مأتم وما للعلم بها غرس: أقفرت ظاهرًا وباطنًا، وذمّها الخبير بها سائرًا وقاطنًا"44. مثّلت هذه الوضعية المتردية سياسيًا وأمنيًا - التي انعكست بظلاالها على الحياة العلمية والفكرية في نواحي طرابلس - حزمة من العوامل المنفّرة التي دفعت بطالبي العلم إلى الهجرة. وتناظر هذه الوضعية، في الجهة المقابلة، حركية علمية نشطة في مختلف حواضر مصر وبلااد الشام، وهي نتيجة لسياسة الاحتفاء بالعلماء والاعتناء بمؤسسات العلم التي سنّها الناصر صلااح الدين منذ العهد الأيوبي، وتواصلت على الوتيرة نفسها خلاال العصر المملوكي، وهو ما يعكسه قول ابن خلدون: "أهل هذه الدولة التركية بمصر والشام

  1. أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري، رحلة العبدري، تحقيق علي إبراهيم الكردي، ط 2 (دمشق: دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)، ص 184.
  2. ابن بطوطة، ص 19.
  3.  ينظر مثل: Henri Bresc, "La Sicile et l'espace libyen au Moyen Âge," Africa: Rivista trimestrale di Studi e documentazione dell'Istituto italiano per l'Africa e l'Oriente , vol. 63 , no. 2 (2008), pp. 187 - 208.
  4. المقريزي، السلوك، ج 4، ص 270؛ ابن تغري بردي، ج 11، ص 22.
  5. قاضي وفقيه طرابلس (أواخر القرن 7 ه/ 13 م): أبو محمد عبد الوهاب بن أبي الحسن بن عبد السيد، ينظر بشأنه: ناصر الدين محمد الشريف، الجواهر الإكليلية في أعيان علماء ليبيا من المالكية (عمان: دار البيارق للطباعة والنشر والتوزيع، 1999)، ص 111.
  6. أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد السبتي، "ملء العيبة لما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة"، مخطوطة الإسكوريال رقم 1736، ص 3، نقلً عن: محمد يوسف نجم وإحسان عباس، ليبيا في كتب الجغرافية والرحلات (بنغازي: دار ليبيا للنشر والتوزيع، 1968)، ص 116 - 117.
  7. العبدري، ص 184.

معنيّون - على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيوب - بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التخلّق بآداب الصوفية [...] واقتدى في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرياسة والثروة، فكثرت لذلك المدارس والخوانق بمدينة القاهرة"45. هذه السياسة المشجعة على طلب العلم والمبجّلة لأصحابه هي سنّة جُبلت عليها حواضر المشرق، حيث يقول ابن جبير معدّدًا مناقب الإسكندرية وفضائل سلطانها صلااح الدين الأيوبي: "ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه: المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبّد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنًا يأوي إليه ومدرّسًا يعلّمه الفن الذي يريد تعلّمه وإجراء يقوم به في جميع أحواله"46(. ثم يردف انبهاره بوفرة المؤسسات التي تيسّ ظروف طلب العلم للغرباء في دمشق بنصيحة يوجّهها إلى شباب بلااد المغرب: "فمن شاء الفلااح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه البلااد (البلااد المشرقية) ويتغرّب في طلب العلم، فيجد الأمور المعينات كثيرة، فأوّلها فراغ البال من أمر المعيشة، وهو أكبر الأعوان وأهمّها"47. هذا التوجه السياسي المشجّع على طلب العلم والاحتفاء بطالبيه من الغرباء - خاصة منهم المغاربة - والذي تواصل على النسق نفسه بين العهدين الأيوبي والمملوكي، دعّمته طبيعة المجتمعات المشرقية المنفتحة على الآخر ومجهوداتهم المبذولة لتهيئة الظروف لطالبي العلم من بلااد المغرب. وكانت هذه الميزة التي طبعت مجتمعات حواضر المشرق خلاال ذلك العصر من العوامل المفصلية التي استقطبت هجرات العلماء المغاربة وساعدت على سرعة اندماجهم في النسيج المجتمعي المشرقي، حيث توافر المناخ المشجع على طلب العلم والمساعد على الانصهار والتواشج بين أهالي دمشق والوافدين المغاربة، وهو ما يؤكده ابن بطوطة: "وأهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد، وهم يُحسنون الظن بالمغاربة ويطمئنون إليهم بالأموال والأهلين والأولاد، وكل من انقطع بجهة من جهات دمشق لا بد أن يتأنّ له وجه من المعاش من إمامة مسجد، أو قراءة بمدرسة، أو ملاازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه [...] ومن أراد طلب العلم أو التفرّغ للعبادة وجد الإعانة التامّة على ذلك"48(. وقد كانت زيارة ابن بطوطة إلى المدينة في عهد السلطان الناصر أبي الفتح محمد بن المنصور بن سيف الدين قلااوون (709 - 741 ه/ 1309 - 1340 م)، وهي الفترة نفسها التي هاجرت فيها على الأرجح عائلة السَّلَم ي المسالّتي إلى المشرق لتحقق مجدًا علميًا أساسه في مدينة دمشق. وعلااوة على هذه الظروف الموضوعية، والمتمثلة في عوامل طاردة في نواحي طرابلس ومجمل بلااد المغرب، وأخرى جاذبة ومستقطبة في حواضر مصر وبلااد الشام، تجدر الإشارة إلى خصائص ذاتية كانت تميّز أهالي نواحي مسالّ تة من باقي سكان المنطقة، منها الشغف في طلب العلم، حيث كانت من المنارات العلمية في إقليم طرابلس (الجهة الغربية من ليبيا الحالية) منذ أواخر الفترة الوسيطة وخلاال العهد العثماني49(، كما تعدّ نسبة "المسالّ تي" من أكثر النسب الحاضرة بتراجم المؤلفات المشرقية، مقارنة بباقي المناطق الطرابلسية. ويدعم هذا المعطى ما أورده في خصوصهم الرحالة العبدري على خلااف أسلوبه الساخط على باقي سكان المنطقة: "وفي جنوب بني حسن مسالّ، تة وهم قوم يبرون أهل الدين، ويُكرمون الحجاج، وهم على خير وصلااح"50.

  1. ابن خلدون،، ج العبر 7، ص 667.
  2. محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي، رحلة ابن جبير (بيروت: دار صادر، 1964)، ص 15 - 16.
  3. المرجع نفسه، ص 258.
  4. ابن بطوطة، ص 104 - 105.
  5. غيث عبد الله العربي، مسلّتة في العهد العثماني الثاني 1835 - 1911: دراسة في الأوضاع السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية (طرابلس، ليبيا: مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2010)، ص 141 - 232.
  6. العبدري، ص 483.

ثالثًا: الوجاهة لااجتمعية لعائلة المسلّي ت و لااستراتيجيات المعتمدة لتحقيقها

1. أوجه الوجاهة لااجتمعية والعلمية للعائلة

تمكّنت عائلة السَّلمي المَسالّتي من تصدّر مكانة مرموقة في المجتمع المشرقي، حيث حقق أفرادُها مجدًا عائليًا تشكّل في أوجهٍ عديدة، منها الوظائف الدينية والعلمية السامية التي شغلوها، والألقاب النخبوية التي حملوها، والثروة المادية التي حققوها. أ. تقلد الوظائف السامية

وظيفة قاضي القضاة

كانت الخطط القضائية من أهم المناصب الإدارية - الدينية التي شغلها أفراد عائلة السّلمي المسالّتي، خاصة منها خطة قاضي القضاة على المذهبين المالكي والشافعي في مدينة دمشق. وتُعدّ هذه الوظيفة من أرفع المناصب الإدارية - الدينية خلاال العصر المملوكي51، حيث كان تعيين قاضي القضاة يتم بتوقيع رسمي من السلطان المملوكي في القاهرة، ويحمله البريد إلى دمشق، ويجري التقليد في الجامع الأموي، وكان القاضي المعيّ يجلس في محراب المقصورة المخصصة لمذهبه ويقرأ كتاب التقليد، ثم يسير القاضي وعليه الخلعة في موكب حافل إلى دار السعادة، ليسلّم على نائب السلطنة، وفي اليوم الموالي يباشر عمله في الحكم52(. ويبرز سموّ هذه الوظيفة وجلاالتها أيضًا في نظر الحكام والعامة على حد السواء، من خلاال دلالة الألفاظ التي يخاطبون بها عندما توجّه إليهم المراسلاات، حيث عادة ما تستهل بالديباجة التالية: "المقر الشريف العالمي المولوي القضائي الكبيري الإمامي العالمي الصلااحي "...53(. وكان أول من تولّ هذه الوظيفة من العائلة هو جمال الدين محمد بن عبد الرحيم (ت. 771 ه/ 1370 م) يوم الأحد، في الرابع والعشرين من محرّم 748 ه/ 1348 م54، ويُعد من أشهر القضاة المالكية الذين تولوا خطة القضاء في مدينة دمشق خلاال العصر المملوكي. وقد تجاوزت مدة ولايته هذه الخطة عشرين عامًا (748 - 771 ه/ 1348 - 1370 م)، تخلّلتها فترات من العزل، لكن سرعان ما كان يعود إلى منصبه من جديد، حيث عزل في أواخر عام 759 ه/ 1358 م بشرف الدين بن الحسين العراقي، ثم أعيد إلى خطته في أوائل السنة الموالية. كما عزل مرة ثانية في عام 767 ه/ 1366 م، ثم عُيّ من جديد في عام 769 ه/ 1368 م عوضًا عن سري الدين أبي الوليد إسماعيل بن محمد بن محمد بن هاني الأندلسي المالكي55. وقد

  1. بشأن منصب قاضي القضاة ودوره خلاال العصر المملوكي، ينظر مثلً: خالد محمد الحريري، "قاضي القضاة ودوره في دولة المماليك البحرية (658 - 748 ه/ 1260 - 1382 م)"، رسالة ماجستير في تاريخ العرب والإسلاام، قسم التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة دمشق، 2011 - 2012؛ محمد الرحيل غرايبة، "تعدّد منصب قاضي القضاة في العصر المملوكي وآثاره (663 ه/ 1265 –م 922 ه/ 1517 م")، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية (جامعة قطر)، العدد 13 (1995)، ص 253 - 291؛ علي صالح رسن المحمداوي، "علااقة القضاة المماليك البحرية بالسلطة الحاكمة في مصر (648 - 784 ه/ 1261 - 1382 م")، مجلة أبحاث البصرة (العلوم الإنسانية) (العراق)، مج 31، العدد 1 (2006)، ص 90 - 105؛ علي أحمد، "القضاء في عصر المماليك"، مجلة دراسات تاريخية، العددان 87 - 88 (أيلول/ سبتمبر - كانون الأول/ ديسمبر 2004)، ص 263 - 296.
  2. بخصوص مراسم تقليد قاضي القضاة خلاال العصر المملوكي، ينظر: عصام محمد شبارو، قاضي القضاة في الإسلام، ط 2 (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1992)، ص 58 - 59؛ الحريري، ص 67 - 69.
  3. القلقشندي، ج 12، ص 290 - 291؛ زعرور، ص 82؛ بن معمر، ص 149.
  4. أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنهاية، تحقيق حسن إسماعيل مرَوة، ط 2 (دمشق: دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، 2010)، ج 16، ص 336.
  5. ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11 - 12؛ المقريزي، السلوك، ج 4، ص 235، 329، 336؛ الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب، تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، حققه ووضع حواشيه محمد محمد أمين (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986)، ج 3، ص 300؛ ابن العراقي، ج 1، ص 300 - 301.

اشتهر جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسالّتي بالعدل والنزاهة، وتميّز، شأنه شأن قضاة المالكية، بالصلاابة تجاه الزنادقة والمرتدين. وفي هذا السياق، يذكر ابن كثير حادثتين قد أصدر فيهما جمال الدين حكم الإعدام، تتعلق الأولى برجل من نصارى قرية الرأس التابعة لبعلبك، يدعى داود بن سالم، مُتّهم بالسب والقذف في حق الرسول، حيث حكم عليه بالقتل بعد اعترافه بالتهم المنسوبة إليه، ونفّذ فيه الحكم في سوق الخيل بعد آذان العصر، من يوم الأربعاء الحادي عشر من رجب 756 ه/ 1353 م56. أما الحادثة الثانية، فتتعلق بإصدار حكم الإعدام في حق "رافضي" يُدعى محمود بن إبراهيم الشيرازي، متّهم بسب ولعن الصحابة في عام 766 ه/ 1366 م57. أما الثاني الذي تقلّد منصب قاضي القضاة من عائلة السَّلَمِي المس الّتي، فهو سري الدين محمد، وهو ابن جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المس الّتي المذكور سابقًا، وسبط القاضي تقي الدين أبي الحسن ع يل السبكي، وصهر قاضي قضاة الشافعية برهان الدين إبراهيم بن جماعة (ت. 790 ه/ 1388 م). وقد جرى تعيينه في خطة قاضي القضاة الشافعي في دمشق، وحُمل إليه التقليد في أواخر شعبان 790 ه/ أوائل أيلول/ سبتمبر 1388 م عوضًا عن صهره برهان الدين بن جماعة58(. ويجدر التنويه إلى أن القضاة الشافعية من الأندلسيين والمغاربة في مدينة دمشق كانوا قلي يل العدد إذا ما قورنوا بالقضاة المالكية، ويفَّسَّ ذلك بشدة المنافسة في مجال يهيمن عليه المذهب الشافعي، ما يجعل فرصة الوصول إلى هذه الخطة عادة من الأمور الصعبة بالنسبة إلى المغاربة59(. لكن تميّز سري الدين بأهليته العلمية من جهة، والسلوكية الأخلااقية من جهة أخرى، أهلّااه لتولي خطة قاضي القضاة الشافعي، حيث "كان معدودًا من علماء الشافعية" ع ىل حد قول ابن تغري بردي60. علااوة على منصب قاضي القضاة، شغل معظم أفراد العائلة خطة إنابة الحكم على المذهبين المالكي والشافعي، حيث ناب جمال الدين محمد بن عبد الرحيم عن القاضي المالكي في دمشق شرف الدين أبي عبد الله محمد الهمذاني، قبل استقلااله بمنصب قاضي القضاة في عام 748 ه/ 1347 م61(. كما استناب ابنه سري الدين عن صهره برهان الدين بن جماعة في قضاء الشافعية في القاهرة في عام 777 ه/ 1376 م بعد زواجه من ابنته، ودامت مدة نيابته نحو سنة62(. وكذلك ناب أمين الدين محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم المسلااتي عن عمّه وصهره جمال الدين محمد بن عبد الرحيم على القضاء المالكي في دمشق63.

وظيفة قاضي العسكر في دمشق

يختص هذا القاضي بفضّ النزاعات التي تحدث بين عناصر الجيش في مدينة دمشق. وبخلااف خطة قاضي القضاة التي تمثل المذاهب الأربعة، عادة ما يقتصر منصب قاضي العسكر على المذهب الشافعي64(. وقد شغل هذه الخطة من عائلة المسالّ تي القاضي سري الدين محمد بن جمال الدين محمد بن عبد الرحيم في أواخر القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلاادي65.

  1. ابن كثير، ج 16، ص 378.
  2. المرجع نفسه، ص 455.
  3. ابن حجر العسقلااني، إنباء الغمر، ج 1، ص 351، 541؛ ابن حجي، ج 1، ص 230؛ المقريزي، السلوك، ج 5، ص 210.
  4. عيفة، ص 285 - 286؛ زعرور، ص 74.
  5. ابن تغري بردي، ج 12، ص 160.
  6. ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377؛ ابن كثير، ج 16، ص 336؛ بن معمر، ص 152.
  7. ابن حجر العسقلااني، إنباء الغمر، ج 1، ص 106، 541؛ ابن حجي، ج 1، ص 230.
  8. ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 17؛ ابن رافع، ج 2، ص 273 - 274؛ ابن العراقي، ج 1، ص 137 - 138؛ السخاوي، ج 1، ص 134.
  9. فريال يوسف بدوي، "الحياة الاجتماعية في دمشق في العهد المملوكي"، رسالة ماجستير في التاريخ، كلية الآداب، الجامعة الأردنية، عمّان، 1980، ص 134.
  10. ابن حجي، ج 1، ص 230.

وظيفة إفتاء دار العدل في دمشق

يأتي منصب مفتي دار العدل من حيث الأهمية بعد قاضي العسكر، وكان في دمشق خلاال العصر المملوكي مفتيان، أحدهما شافعي والآخر حنفي، ويتم تعيينهما من النائب في دمشق66(. وقد تقلّد هذه الخطة في أواخر القرن الثامن الهجري سري الدين محمد بن جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسالّتي67.

خطابة المساجد الكبرى في بلااد الشام

تولّ هذه الوظيفة في أكبر مساجد بلااد الشام من حيث المكانة والرمزية قاضي القضاة الشافعي سري الدين محمد، المعروف بابن المسالّتي، حيث شغل خطة خطيب الجامع الأموي في دمشق في 791 ه/ 1388 م68، كما تولّ خطابة المسجد الأقصى في بيت المقدس بعد وفاة أخ زوجته وابن برهان الدين بن جماعة، محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة.(ت 795 ه/ 1392 م)69.

مشيخة الشيوخ في دمشق

تولّ سري الدين محمد بن المسالّتي وظيفة شيخ الشيوخ في دمشق في عام 791 ه/ 1388 م70(. وكان من مهمات صاحب هذه الخطة الإشراف على شيوخ الزوايا وتأطير أنشطتهم، ويمثل حلقة الوصل بينهم وبين السلطات، كما كان يشرف على الخوانق والفقراء ويهتم بما تحتاجه هذه المؤسسات71.

خطة ناظر الأوقاف

تُعد من الوظائف الدينية - الإدارية التي ازدهرت خلاال العصر المملوكي، وأصبحت وظيفة ذات شأن كبير، وتُوكل إلى صاحبها مهمة الحفاظ على الأوقاف وإحصاء إيراداتها وتدبير شؤونها72(. وقد تولّ هذه الخطة كذلك القاضي سري الدين محمد الذي يقول في شأنه ابن حجي: "وكان عفيفًا نزيهًا شريف النفس حسن المباشرة للأوقاف، ولم يكن بالمتبسط في مأكله ومشربه، ولا في ملبسه"73.

وظيفة التدريس

تميّز أفراد أسرة المسالّتي في مجال التدريس في مدينة دمشق خلاال العصر المملوكي، وكانت لهم مساهمة فعالة ومنوّعة، حيث درّست غالبيتهم في عدد من المدارس، بل كان لبعضهم الدور الأبرز في تلك المدارس، وقد برعوا خاصة في علم الحديث، مثل المحدّث

  1. بدوي، ص 135؛ حسام الدين عباس الحزوري، "من مظاهر الحياة الاجتماعية في نيابة دمشق خلاال عصر المماليك البحرية 659 - 784 ه/ 1261 - 1383 م"، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد 63 (2014)، ص 424.
  2. ابن حجي، ج 1، ص 230.
  3. المرجع نفسه؛ المقريزي، السلوك، ج 5، ص 259.
  4. ابن حجي، ج 1، ص 230.
  5. المقريزي، السلوك، ج 5، ص 259.
  6. بدوي، ص 138.
  7. المرجع نفسه، ص 135 - 136؛ عمار مرضي علااوي، "الحياة المعيشية والاقتصادية للعلماء في العصر المملوكي 648 - 923 ه"، مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 28، ج 2 (2018)، ص 161.
  8. ابن حجي، ج 1، ص 230.

جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسالّتي الذي درّس علم الحديث في المدرسة الظاهرية74، إذ تُفيد المدوّنة المصدرية أنّ تقيّ الدين بن رافع السالّمي قد خرّج له جزءًا حدّث به أو "مشيخة "75(. ومن أشهر تلااميذه نذكر ابن العراقي ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسن (ت. 826 ه/ 1423 م) صاحب كتاب الذيل على العبر في خبر من غبر الذي سمع عليه علم الحديث76، وابن الجزري الدمشقي أبو الخير محمد بن محمد (ت. 833 ه/ 1430 م) صاحب كتاب غاية النهاية في طبقات القرّاء الذي صحبه كثيرًا وسمع منه الدعاء للمحاملي وغيره77(. كما تولّ جمال الدين محمد أيضًا مشيخة الحديث في المدرسة الظاهرية78(، وهي الوظيفة التي ورثها من بعده ابنه سريّ الدين محمد79(. وتولى هذا الأخير أيضًا التدريس في مدارس شافعية عدة، مثل المدرسة الركنية80 والشامية الجوانية81(، وهي وظائف سيمرّرها بدوره إلى ابنه جمال الدين بن سري الدين محمد، إلى جانب خطة ناظر الخانقاه المجاهدية82. كما كان لأفراد عائلة المسالّتي دورٌ في التدريس من خلاال المؤسسات التعليمية الأخرى من غير المدارس، فقد درّس جمال الدين محمد بن عبد الرحيم في حلقة صاحب حمص83 في الجامع الأموي في دمشق84(، وكان عادة ما ينوبه فيها ابن أخيه وزوج ابنته أمين الدين محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم المسالّتي85. ب. حمل الألقاب الشرفية - النخبوية من أوجه وجاهة أفراد عائلة السّلمي المسالّتي في المجتمع المشرقي، خاصة في مدن مصر وبلااد الشام، تلقّبهم بالألقاب الشرفية التي عادة ما تطلق على النخب الدينية وأرباب القلم خلاال العصر المملوكي، وهي ألقاب تعكس المكانة الاجتماعية المرموقة التي كان يتمتع بها أفراد هذه العائلة في مدن القاهرة ودمشق وبيت المقدس، ويمكن حصرها من خلاال كتب التراجم في الألقاب التالية:

الإمام

تلقّب به قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسالّتي86(. وقد اصطلح في البداية أن يطلق هذا اللقب على من يُعتَب قدوةً في شأنٍ من شؤون الدين، ثم شمل لاحقًا أهل الصلااح والزهد ورجال العلم والدين87.

  1. المدرسة الظاهرية (الجوانية): من أهم مدارس الشافعية في مدينة دمشق، تقع داخل باب الفراديس، في جوار الجامع الأموي وشمال باب البريد، وتقابل المدرسة العادلية الكبرى، وكانت من قبل تُعرف بدار العقيقي، ثم اشتراها بعد وفاته الملك الظاهر بيبرس من ورثته وبناها مدرسة ودار حديث في حدود عام 670 ه/ 1271 م. ينظر: النعيمي، ج 1، ص 348 - 349؛ العسيري، ص 181.
  2. ينظر مثلً: ابن طولون، ص 248؛ ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377؛ ابن رافع، ج 2، ص 360؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11.
  3. ابن العراقي، ص 301.
  4. ابن الجزري، ج 2، ص 151.
  5. ابن العراقي، ج 1، ص 300 - 301؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11 - 12؛ السخاوي، ج 1، ص 177؛ ابن رافع، ج 2، ص 360؛ المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 326 - 327؛ ابن طولون، ص 248 - 249.
  6. ابن حجي، ج 1، ص 230.
  7. المدرسة الركنية الجوانية: من المدارس الشافعية في دمشق، واقفها ركن الدين منكورس عتيق فلك الدين سليمان العادلي. ينظر: النعيمي، ج 1، ص 190.
  8. الشامية الجوانية: تقع قبلي المارستان النوري، أنشأتها ست الشام ابنة نجم الدين أيوب بن شادي، أخت الملك الناصر صلااح الدين. ينظر: المرجع نفسه، ص 208، 227.
  9. المرجع نفسه، ص 230؛ ج 2، ص 977.
  10. يذكرها النعيمي باسم "سبع ابن صاحب حمص"، وهي من الأسباع المجري عليها الأوقاف في الجامع الأموي. ينظر: المرجع نفسه، ج 2، ص 411.
  11. ابن رافع، ج 2، ص 360؛ السخاوي، ج 1، ص 177.
  12. ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 3، ص 17؛ ابن رافع، ج 2، ص 273 - 274.
  13. الذهبي، ج 4، ص 145.
  14. الباشا، ص 171 - 172.

سيدنا

هو في الأصل لقب "السيد" الذي يُضاف إلى ضمير المتكلم الجمع، فيقال "سيدنا"، وكان يستعمل في مخاطبة أجلّ رجال السياسة والعلم والدين88(. وقد أطلقه الذهبي على القاضي جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسالّتي89.

الشيخ

حمل هذا اللقب كل من زين الدين عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك السّلمي المسالّتي90(، وابنه قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عبد الرحيم91(. وكان هذا اللقب يطلق على كبار السن ومن يراد توقيره من العلماء، ثم اتسع مجاله، حيث أ طلق خلاال العصرُ المملوكي على كبار العلماء والوزراء ورجال الكتابة والمحتسبين92.

شيخ الشيوخ

لقّب به كبير الصوفية، حيث كان يطلق على متولّ الإشراف على رجال الصوفية جميعًا. وخلاال العصرين الأيوبي والمملوكي، أصبح لقبًا فخريًا، يطلق على شيخ الخانقاه الصلااحية، ثم لاحقًا على شيخ الخانقاه الناصرية التي بناها السلطان الملك الناصر محمد بن قلااوون في سرياقوس، حيث صارت مشيخة الشيوخ إلى شيخها93. وفي عام 778 ه/ 1376 م، أ بطل هذا اللقب من متولّ مشيخةُ خانقاه سرياقوس وحمله ضياء الدين عبيد الله القرمي الذي استقر في مشيخة المدرسة الأشرفية، ثم حمله من بعده أحد أفراد عائلة المسالّتي، وهو قاضي القضاة سري الدين محمد بن المسلااتي، خطيب الجامع الأموي، وشيخ الشيوخ في دمشق، وكان ذلك في عام 791 ه/ 1388 م94.

الألقاب المضافة إلى الدين

ويُعرف هذا النوع من الألقاب عند القلقشندي ب "لقب التعريف الخاص"95(. ومن هذا الصنف حمل أفراد عائلة السّلمي المسالّ تي الألقاب التالية:

  1. المرجع نفسه، ص 348 - 349.
  2. الذهبي، ج 4، ص 204.
  3. ابن تغري بردي، ج 11، ص 109.
  4. ابن طولون، ص 248.
  5. الباشا، ص 364؛ سعود محمد العصفور، "ألقاب الصوفية في العصر المملوكي (الجزء الأول")، مجلة "المواقف" للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ، العدد 1 (كانون الأول/ ديسمبر - كانون الثاني/ يناير 2007)، ص 228 - 229.
  6. الباشا، ص 366 - 367؛ العصفور، ص 229 - 230.
  7. المقريزي، السلوك، ج 5، ص 259؛ العصفور، ص 229.
  8. القلقشندي، ج 5، ص 489.

زين الدين: وهومن الألقاب المركبة خلاال عصر المماليك وتخص أرباب الأقلاام وكبار التجار والعسكريين والقضاة ورجال الصوفية وأهل الصلااح96(. وقد حمله من عائلة المسالّ تي عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك السّلمي المسالّتي، والد قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عبد الرحيم97. جمال الدين: لُقّب به كل من قاضي قضاة المالكية المشهور في دمشق محمد بن زين الدين عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك المسالّتي98وحفيده جمال الدين بن سري الدين محمد99(. وقد شاع هذا اللقب خلاال العصر المملوكي بين العسكريين من الترك والمدنيين من القضاة والعلماء100. سري الدين: من الألقاب المستخدمة لأرباب القلم والقضاة خلاال العصر المملوكي، وقد تلقّب به ابن جمال الدين محمد قاضي القضاة الشافعي، سري الدين محمد بن جمال الدين محمد بن زين الدين عبد الرحيم المسالّتي101. أمين الدين: من ألقاب النخبة من رجال الدين والعلم والقضاة، وقد حمل هذا اللقب ابن أخ وصهر قاضي القضاة جمال الدين محمد المسالّتي، المعروف بأمين الدين محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك المسالّتي102. شرف الدين: يفيد بالشرف والعلوّ، وقد دخل لفظ "شرف" في تكوين الكثير من الألقاب المركبة خلاال العصر المملوكي، مثل ألقاب كبار رجال الدولة والعلماء والقضاة103(. وقد لُقّب به من عائلة المساّلتّي حفيد قاضي القضاة جمال الدين محمد، المدعو شرف الدين محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك السّلمي المسالّتي104. ج. الشرف لااجتمعي والثروة تمكّنت عائلة السّلمي المسالّتي من الانصهار مع العائلاات ذات المكانة الاجتماعية المرموقة عبر شبكة المصاهرات التي ربطتهم بأعيان عصرهم، ومثّل ذلك بالنسبة إليهم شكلً من أشكال الوجاهة الاجتماعية، حيث تزوج قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عبد الرحيم (ت. 771 ه/ 1370 م) بستيتة (ت. 776 ه/ 1374 م)، ابنة تقي الدين أبي الحسن علي السبكي (ت. 756 ه/ 1355 م)، بعد وفاة زوجها الأول القاضي تقي الدين أبي الفتح محمد بن عبد اللطيف السبكي (ت. 744 ه/ 1353 م)105(. ويعتبر تقي الدين السبكي، صهر جمال الدين المسالّتي، وجدّ ابنه سري الدين المعروف بابن المسالّتي، مؤسسَ مجد عائلة آل السبكي في نيابة دمشق خلاال العصر المملوكي،

  1. المرجع نفسه، ص 488 - 489؛ الباشا، ص 313 - 314.
  2. على سبيل الذكر لا الحصر، ينظر: المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 326؛ المقريزي، السلوك، ج 4، ص 338؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 5، ص 258؛ ابن إياس الحنفي، ج 1، ص 99؛ ابن طولون، ص 248 - 249؛ ابن تغري بردي، ج 11، ص 109 - 110.
  3. المرجع نفسه.
  4. ابن حجي، ج 2، ص 977.
  5. القلقشندي، ج 5، ص 488 - 489؛ الباشا، ص 240.
  6. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 72 - 73؛ المقريزي، السلوك، ج 4، ص 391؛ ج 5، ص 210؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 12؛ ابن حجي، ج 1، ص 228، 230؛ ابن شاهين الظاهري، ج 2، ص 380.
  7. ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 17؛ الذهبي، ج 4، ص 204 - 205؛ ابن العراقي، ج 1، ص 137 - 138؛ ابن رافع، ج 2، ص 273 - 274.
  8. الباشا، ص 355 - 357.
  9. ابن شاهين الظاهري، ج 2، ص 262.
  10. ابن حجي، ج 2، ص 977؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11 - 12؛ ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377؛ ابن طولون، ص 248 - 249. حول ترجمة تقي الدين أبي الفتح محمد بن عبد اللطيف بن علي بن تمام السبكي، ينظر مثلً: الذهبي، ج 4، ص 133؛ أبو الفلااح عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد العكري الحنبلي الدمشقي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق محمود الأرناؤوط (دمشق: دار ابن كثير، 1993)، ج 8، ص 245.

فهو أول من قدِم من عائلته إلى دمشق لتولّ قضاء الشافعية في 19 ذي الحجة 739 ه/ 1339 م106. وأصل العائلة من قرية سبك العبيد من أعمال المنوفية في مصر، وهي أسرة شريفة النسب، كريمة الحسب، تنتمي إلى قبيلة الخزرج الأنصارية من بطن أسلم107. ويقول في شأن نسبها فضل الله العمري في أثناء حديثه عن الشيخ تقي الدين السبكي: "جواد جرى على أعراقه، وجاء على أثر سباقه، من عصابة الأنصار حيث تعرف في الحسب التليد، وتدّخر شرف النسب للمواليد"108(. وكان لعائلة السبكي دورٌ مهمٌ في نيابة دمشق، من حيث دورهم في الحياة العلمية والإدارية، وكذلك من خلاال الوظائف السامية التي تولّوها (تدريس، وخطابة، وقضاء)109. أما الأسرة الثانية التي اندمجت فيها عائلة السَّلَمِي المسالّتي عبر المصاهرة، فهي أسرة بني جماعة، حيث تزوج سري الدين محمد بن جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسلااتي بابنة قاضي القضاة في مصر والشام وخطيب المسجد الأقصى، برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة (ت. 790 ه/ 1388 م)110(. وهي أسرة عربية عدنانية كانت مستقرة في حماة من بلااد الشام، ثم انتقلت لتحقّق مجدًا ومكانة اجتماعية مرموقة في مدينة القدس111(. وكان إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر (ت. 675 ه/ 1276 م)، والملقب ببرهان الدين أبي إسحاق الكناني الحموي، أول من سكن من هذه الأسرة في مدينة القدس112(. وقد أسس هو وعقبه من بعده أسرة علمية كبرى في مدينة القدس، كان لها أثر واضح في الحياة العامة على امتداد العصر المملوكي113(، وقد وصفهم الذهبي ب "بيت الدين والصلااح"114(. أما العليمي، فنعتهم ب "بيت علم ورياسة"115. وعلااوة على اشتغالها بخطة القضاء، تميزت أسرة بني جماعة خاصة في مجال الخطابة، ويتجلّ ذلك في عدد الخطباء المنتمين إلى هذه العائلة من جهة، وهيمنتهم على خطابة المسجد الأقصى برمزيته من جهة أخرى، ولعل هذا ما يفسّ تحوّل اسم شهرة العائلة من "بني جماعة" إلى "آل الخطيب" في أواخر العهد العثماني116(. ومن الناحية المنهجية، يمكن اعتبار مصاهرة العائلاات المرموقة أحد مظاهر الوجاهة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه من الاستراتيجيات التي عملت عليها العائلة لتحقيق هذه الوجاهة وديمومتها، كما سنبّي ذلك لاحقًا.

  1. ابن كثير، ج 16، ص 286، 377 - 378؛ ابن الجزري، ج 1، ص 551؛ تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناجي، ط 2 (الجيزة: دار هجر للطباعة، 1992)، ج 10، ص 139 - 338؛ ابن العماد الحنبلي، ج 8، ص 180 - 181؛ حسام الدين عباس الحزوري، دمشق والسبكيين خلال العصر المملوكي: تاريخ وحضارة (دمشق: دار الحافظ الدولية للااستشارات والنشر والتوزيع، 2013)، ص 33 - 56؛ محمد الصادق حسين، البيت السبكي: بيت علم في دولتي المماليك (القاهرة: دار الكتاب المصري، 1948)، ص 50 - 60.
  2. الحزوري، دمشق والسبكيين، ص 29 - 33.
  3. أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، تحقيق إبراهيم صالح (أبوظبي: المجمع الثقافي، 2002)، ج 5، ص 746؛ السبكي، ج 10، ص 145.
  4. الحزوري، دمشق والسبكيين، ص 128 - 130.
  5. ابن حجي، ج 1، ص 230؛ المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 72 - 73. وبخصوص ترجمة برهان الدين بن جماعة، ينظر مثلً: ابن تغري بردي، ج 11، ص 314 - 315؛ ابن حجر العسقلااني، إنباء الغمر، ج 1، ص 355.
  6. ضياء الدين محمد يونس حماد، "الأسر العلمية في القدس ودورها في الحياة العامة خلاال العصر المملوكي (648 - 922 ه/ 1250 - 1516 م)"، رسالة ماجستير في التاريخ، كلية الآداب، الجامعة الإسلاامية بغزة، فلسطين، 2019، ص 10 - 11.
  7. المرجع نفسه، ص 11.
  8. المرجع نفسه، ص 27 - 31، 47 - 48، 80 - 81، 88 - 91.
  9. أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق عمر عبد السلاام تدمري، ط 2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1993)، ج 47، ص 460.
  10. مجير الدين الحنبلي العليمي، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، تحقيق عدنان يونس أبو تبانة (عمان: مكتبة دندنيس، 1999)، ج 2، ص 116.
  11. حماد، ص 11.

إلى جانب اندماج أسرة السَّلَمِي المسالّتي في الطبقات الاجتماعية المرموقة، وتحقيق شرف اجتماعي لافت، تمكّن أفرادها من تجميع ثروة مادية طائلة من خلاال الوظائف السامية التي تقلّدوها، حيث تُخبرنا المصادر أن القاضي جمال الدين محمد بن عبد الرحيم قد ترك ثروة بعد وفاته117(. وتفيدنا أيضًا أن ابنه سريّ الدين محمد ترك لابنه جمال الدين الحفيد من بعده أمو لً طائلة وأملااكًا كثيرة وأوقافًا يبدو أنها من صنف "أوقاف الذرية"118(. لكن هذا الأخير أتلف كل شيء وصار يسأل الناس، حيث يقول ابن حجي في ترجمته: "ويومئذ توفي جمال الدين ابن القاضي محمد ابن القاضي جمال الدين محمد المسالّ تي، ولد بعد موت أبيه، عيّ له تدريس الشامية الجوانية والركنية وغيرها من الوظائف وخلّف له م لً كثيرًا وملكًا ووقفًا، فأتلف الجميع وصار يسأل الناس ولما مات [...] له كفنًا"119. يبدو أن مجد عائلة السَّلَمِي المسالّتي ومكانتهم الاجتماعية قد أفلت وضاع مع جمال الدين الحفيد الذي يمثل الجيل الرابع، وهو ما يوافق النظرية الخلدونية التي تقول إن "نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء"، ويفصّل في تفسيرها قائلً: "ومعناه أن كل شرف وحسب فعدمه سابق عليه، شأن كل محدث، ثم إن نهايته في أربعة آباء، وذلك أن باني المجد عالم بما عاناه في بنائه ومحافظ على الخلاال التي هي أسباب كونه وبقائه، وابنه من بعده مباشر لأبيه فقد سمع منه ذلك وأخذ عنه إلّ أنه مقصّ في ذلك تقصير السامع بالشيء عن المعاني له، ثم إذا جاء الثالث كان حظه الاقتفاء والتقليد، خاصة، فقصّ عن الثاني تقصير المقلّد عن المجتهد، ثم إذا جاء الرابع قصّ عن طريقتهم جملة وأضاع الخلاال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهّم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلّف وإنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس بعصابة ولا بخلاال"120.

2. لااستراتيجيات المعتمدة لصنع المجد العائلي

اعتمدت عائلة السّلمي المسالّتي استراتيجيات منوعة في سبيل تحقيق الوجاهة الاجتماعية والوصول إلى المناصب العليا، وسلكت في ذلك سبل شتّى، أهمها: أ. التحصيل العلمي والحصول على الإجازات العلمية حرص أفراد عائلة المسالّتي على النهل من مختلف المراكز العلمية في المشرق خلاال العصر المملوكي، مثل الإسكندرية والقاهرة ودمشق؛ فقد سمع جمال الدين محمد بن عبد الرحيم الدعاء للمحاملي في الإسكندرية عن عبد الرحمن بن مخلوف (ت. 722 ه/ 1322 م)121، ومن عز القضاة عبد الواحد بن منصور بن المنير الإسكندري المالكي (ت. 733 ه/ 1333 م) سمع موطأ مالك122(. وفي القاهرة قرأ القراءات السبع على الشيخ تقي الدين بن الصائغ (ت. 725 ه/ 1324 م)123، كما قرأ على الشيخ أبي الحسن علي القونوي وعلى الشيخ أبي حيّان124.

  1. ابن رافع، ج 2، ص 360.
  2. حول أصناف الوقف خلاال العصر المملوكي، ينظر: الحزوري، دمشق والسبكيين، ص 22 - 23. أما بخصوص توريث الوقف، ينظر مثل:ً Julien Loiseau, "Choisir sa famille: Waqf et transmission patrimoniale en Egypte au XVe siècle," Annales Islamologiques , vol. 47 (2013), pp. 175 - 195.
  3. ابن حجي، ج 2، ص 977.
  4. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة، تحقيق خليل شحادة، ط 2 (بيروت: دار الفكر، 1988)، ص 171 - 172.
  5. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 188؛ ابن رافع، ج 2، ص 360؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11؛ الفاسي، ج 1، ص 261 - 270؛ ابن الجزري، ج 2، ص 151؛ ابن العراقي، ج 1، ص 300 - 301؛ ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377؛ ابن طولون، ص 248 - 249.
  6. الفاسي، ص 270؛ المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 188؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11.
  7. ابن الجزري، ج 2، ص 151.
  8. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 326؛ ابن رافع، ج 2، ص 360؛ ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11 - 12؛ ابن العراقي، ج 1، ص 301؛ ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377؛ ابن تغري بردي، ج 11، ص 110.

أما في دمشق، فقد تتلمذ على مسندها أبي العباس الحجار وسمع منه صحيح البخاريوجزء ابن مخلد125(، وكذلك سمع فيها من أحمد بن الشحنة، ومن أيوب الكحّال والقاضي شرف الدين بن الحافظ وغيرهم126. وتذكر المصادر أن ابن جمال الدين محمد القاضي سري الدين محمد قد تتلمذ، شأن ابنه عمّه أمين الدين، على سادة العلم في عصره، مثل محمد بن الخباز وغيره127. وقد حرص جمال الدين المالكي على أن يتفقّه ابنه سري الدين على مذهب أخواله الشافعية (آل السبكي)، حيث نشأ عندهم وحفظ العمدة لعبد الغني في الحديث والألفية لابن مالك وبعض النبيه في اختصار التنبيه128. كما عمد في عام 754 ه/ 1353 م إلى إجازته من كبار شيوخ عصره في القاهرة وعمره لم يتجاوز ثلااثة أعوام129(. ويعتبر الحرص على تعليم الصغار وإجازتهم من الاستراتيجيات الرائجة خلاال العصر المملوكي لدى العائلاات العلمية من أجل المحافظة على رأسمالها الثقافي وتمريره إلى الأجيال المتعاقبة130. ب. مصاهرة العائلات العلمية المتنفّذة يبدو أن عائلة السَّلَمِي المسالّتي قد حرصت على مصاهرة العائلاات العلمية المتنفّذة اجتماعيًا والمؤثّرة سياسيًا، من أجل صنع مجدها العائلي والمحافظة على مرتكزاته الرمزية والمادية. وتُعدّ المصاهرة من الاستراتيجيات الرائجة خلاال ذلك الوقت من أجل تحقيق الشرف الاجتماعي والوصول إلى المناصب السامية في الدولة131(، حيث يؤكد ابن خلدون أن القرابة والمصاهرة تُعدّان من المحددات الرئيسة في ثقافة المجتمع الذي عاش فيه وبنيته132(. وتفيدنا المصادر أن عائلة المساّلتّي اعتمدت نظام المصاهرة من داخل العائلة، إلى جانب انفتاحها الزواجي على العائلاات العلمية المشهورة، وذلك من أجل توريث ما يسمّى "رأس المال الثقافي والاجتماعي"133. فقد تزوّج أمين الدين محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم المسالّتي بابنة عمّه قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسالّتي134. أما بخصوص الانفتاح على مصاهرة العائلاات العلمية المشهورة حتى يقوى جانبها ب "الوصلة والالتحام"، بحسب التعبير الخلدوني، فقد صاهرت العائلة أسرة آل السبكي من خلاال زواج جمال الدين محمد بن عبد الرحيم (ت. 771 ه/ 1370 م) بستيتة ابنة قاضي القضاة المشهور تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي بن تمام بن يوسف السبكي الشافعي (ت. 756 ه/ 1355 م)135. ولتأكيد المكانة العلمية والاجتماعية

  1. الفاسي، ج 1، ص 269 - 270؛ ابن العراقي، ص 300؛ ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377.
  2. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 188؛ الفاسي، ج 1، ص 270.
  3. ابن رافع، ج 2، ص 273 - 274؛ ابن حجي، ج 1، ص 230.
  4. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 72 - 73؛ ابن حجي، ج 1، ص 230.
  5. ابن حجي، ج 1، ص 230.
  6. ينظر حول هذه المسألة: Houari Touati, "Les Héritiers: Anthropologie des maisons de sciences maghrébines au XIe/ XVIIe et XIIe/ XVIIIe siècle," in: Hassan Elboudrari (dir.), Modes de transmission de la culture religieuse en islam (Caire: Institut français d'archéologie orientale - IFAO, 1993), pp. 65 - 92 ; Jonathan Berkey, The Transmission of Knowledge in Medieval Cairo: A Social History of Islamic Education (Princeton: Princeton University Press, 1992); Jonathan Berkey, The Formation of Islam: Religion and Society in the Near-East, 600 - 18 00 (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), pp. 224 - 230 ; Franz Rosenthal, Knowledge Triumphant: The Concept of Knowledge in Medieval Islam (Leiden/ Boston: Brill, 2007), pp. 322 - 333 ; Michael Chamberlain, Knowledge and Social Practice in Medieval Damascus, 1190 - 13 50 (Cambridge: Cambridge University Press, 1994), pp. 87 - 90.
  7. حول مراهنة العائلاات العلمية على استراتيجية المصاهرة خلاال العصر المملوكي، ينظر مثل:ً Anne - Marie Eddé, "Stratégies familiales et transmission du savoir: Les Yūnīnī dans le Bilād al - Šam de la fin du XIIe au milieu du XIVe siècle," Annales islamologiques , vol. 47 (2013), pp. 115 - 132.
  8. ابن خلدون، المقدمة، ص 160 - 161.
  9. صمايري، ص 122.
  10. ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 17؛ ابن العراقي، ج 1، ص 137 - 138؛ السخاوي، ج 1، ص 134؛ ابن كثير، ج 16، ص 445.
  11. ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 11 - 12؛ ابن قاضي شهبة، ج 3، ص 377؛ ابن طولون، ص 248 - 249؛ ابن حجي، ج 1، ص 230.

المرموقة لهذه العائلة في نيابة دمشق، يكفي التذكير بالمناصب والوظائف التي تولّها أفرادها (في مجالات التدريس والقضاء والخطابة)، والألقاب العلمية والدينية التي خُلعت على تقي الدين السبكي (حجة الإسلاام، شافعي الزمان، حبر الأمة، أستاذ الأمة... إلخِ)136. كذلك، حظي أفراد عائلة السبكي بتعظيم أكابر الدولة وقبول شفاعتهم، ولا أدلّ على ذلك من قول ابن حجر العسقلااني في أثناء ترجمته لتقي الدين أبي الحسن علي السبكي، صهر جمال الدين المسلااتي: "وكان كريم الدين الكبير والجاي الدوادار وجنكلي بن البابا والجاولي وغيرهم من أكابر الدولة الناصرية، يعظمونه ويقضون بشفاعته الأشغال"137(. ويبدو أنه كان لهذه المصاهرة الأثر الكبير في نحت مسيرة جمال الدين وابنه سري الدين سبط القاضي تقي الدين السبكي، حيث فتحت للعائلة أبواب تقلّد المناصب الكبرى وتصدّر مكانة اجتماعية مرموقة. ولعله ليس من باب الصدفة أن يكون انتهاء مجد عائلة المسالّتي في بداية القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلاادي، متزامنًا مع أفول دور عائلة السبكي في مدينة دمشق، حيث مثلت في عام 809 ه/ 1406 م تاريخ انتهاء سلسلة تولّ آل السبكي منصب القضاء، بعزل القاضي علي بن محمد، وهو آخر من تولّ القضاء من آل السبكي138. أما المصاهرة الخارجية الثانية، فقد ربطت العائلة بأسرة بني جماعة ذات المكانة العلمية والاجتماعية المرموقة في بلااد الشام، حيث تزوج سري الدين محمد بن جمال الدين المسالّتي بابنة قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة (ت. 790 ه/ 1388 م)139(. ويبدو أن هذه المصاهرة كانت بدورها مؤثرة ومحددة مسيرة سري الدين المهنية، حيث ورث عن أصهاره المناصب العليا، مثل قاضي قضاة دمشق وخطابة المسجد الأقصى والمسجد الأموي وغيرها من الوظائف السامية140. وهي في واقع الأمر انعكاس لتنفّذ أسرة بني جماعة في الحياة السياسية خلاال العصر المملوكي، علااوة على مكانتهم العلمية والاجتماعية المرموقة141(. وأبرز المتنفّذين من أفراد هذه العائلة هو برهان الدين إبراهيم بن جماعة، صهر سري الدين ابن المساّلتّي، حيث يقول ابن حجر العسقلااني في شأن مكانته لدى السلااطين المماليك: "ثم خُطب إلى قضاء الديار المصرية فوليه مرتين بصرامة وشهامة وقوة نفس وكثرة بذل وعزل نفسه مرارًا، ثم يُسأل ويُعاد، حتى همّ السلطان في بعض المرات أن ينزل إليه بنفسه ليترضّ" اه142. ج. توريث الوظائف تفيدنا المدوّنة المصدرية أن مسألة توريث الوظائف العلمية والدينية، مثل القضاء والتدريس والخطابة، كانت من الأمور الشائعة داخل الأسر العلمية خلاال العصر المملوكي، حيث تتعدّد الأمثلة التي تشير إلى تعاقب الآباء والأبناء أو الأصهار على هذه المناصب عبر استنابة أحد أفراد العائلة، أو التنازل عن المنصب لفائدته، أو التدخل لدى الحكام للحصول على تعيين رسمي لمن سيخلف المنصب من بعده143.

  1. الحزوري، دمشق والسبكيين، ص 128 - 130.
  2. ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 4، ص 75.
  3. الحزوري، دمشق والسبكيين، ص 128.
  4. ابن حجي، ج 1، ص 230؛ ابن حجر العسقلااني، إنباء الغمر، ج 1، ص 541.
  5. ينظر مثلً: ابن حجي، ج 1، ص 230.
  6. حماد، ص 47 - 48، 80 - 81، 88 - 91.
  7. ابن حجر العسقلااني، إنباء الغمر، ج 1، ص 355.
  8. حول استراتيجية توريث وظائف القضاء والتدريس داخل العائلاات العلمية خلاال العصر المملوكي، ينظر مثلً: الحريري، ص 133 - 135؛ Eddé, pp. 121 - 125 ; Elise Voguet, "Les modalités de nomination des professeurs dans les Madrasa - s de Damas (XIIe - XVe siècle): La fonction de Mudarris, une charge d'enseignement ou une dignité rémunératrice?" Bulletin d'Etudes Orientales , vol. LV (2003), pp. 47 - 49.

وبخصوص عائلة السّلمي المسالّتي، تستعمل المصادر مجموعة من المصطلحات والأفعال التي تفيد باختيار صاحب الوظيفة نائبه أو وريثه في المنصب، مثل "نزل له فلاان عن" أو "عيّ له كذا" أو "استناب فلاان". وقد استفاد من هذه الظاهرة خاصة سري الدين الذي "نزل له والده عن التدريس بحلقة صاحب حمص [...] وعن مشيخة دار الحديث بالظاهرية"144(. كما "استنابه" صهره برهان الدين إبراهيم بن جماعة في قضاء القاهرة في عام 777 ه/ 1375 م145(، وخلفه في منصب قاضي قضاة الشافعية في دمشق عند وفاته في عام 790 ه/ 1388 م146(. أما أمين الدين بن عبد العزيز بن عبد الرحيم المسلااتي، فقد استنابه عمّه وصهره جمال الدين بن عبد الرحيم المسالّتي في الحكم مطلقًا، وفي القضاء والتدريس عند غيبته147. وأخيرًا استفاد أيضًا جمال الدين (الحفيد) ابن القاضي سري الدين محمد بن جمال الدين محمد بن عبد الرحيم المسالّتي من هذه الظاهرة، حيث "عين له تدريس الشامية الجوانية والركنية وغيرها من الوظائف"148. تُعدّ هذه الظاهرة من الاستراتيجيات المعتمدة داخل العائلاات العلمية خلاال العصر المملوكي للمحافظة على الوجاهة الاجتماعية والعلمية واحتكار المناصب السامية داخل الفلك العائلي، وهي عبارة عن عملية تمرير سلسة للوظائف من الآباء إلى الأبناء، أو بين الأصهار باعتماد أساليب تهدف إلى وضع اليد على المنصب أو حجزه للعائلة ك "رأس مال رمزي" أطول مدة ممكنة. د. استراتيجية تغيير المذهب عند لااقتضاء تُعدّ هذه الاستراتيجية من الاستراتيجيات المعتمدة خلاال العصر المملوكي، خاصة من الأسر العلمية المغاربية المهاجرة إلى مدينة دمشق، باعتبارها وسيلة إلى بلوغ أسمى المناصب العلمية والإدارية. ويبدو أن ظاهرة تغيير المذهب عادة ما تكون في الجيل الثاني الذي نشأ ودرس في مدينة دمشق149(. وهي حال الجيل الذي ولد في مدينة دمشق من عائلة السّلمي المساّلتّي، حيث سجلنا انتقال سري الدين من مذهب أبيه المالكي إلى مذهب الشافعية. وتفيدنا المصادر أنه تتلمذ على المذهب الشافعي لدى أخواله من آل السبكي، ثم تحوّل شافعيًا في عام 777 ه/ 1375 م لينوب صهره برهان الدين بن جماعة في قضاء مصر ويخلفه لاحقًا في القضاء الشافعي في دمشق150. أما الحالة الثانية، فيمثلها أمين الدين بن عبد العزيز بن عبد الرحيم المسالّ تي الذي نشأ على الشافعية، ثم تحوّل مالكيًا لينوب عمّه وصهره جمال الدين بن عبد الرحيم في القضاء والتدريس على المذهب المالكي في مدينة دمشق151.

  1. ابن حجي، ج 1، ص 230.
  2. المقريزي، السلوك، ج 4، ص 391؛ المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 72 - 73.
  3. ابن حجي، ج 1، ص 230؛ ابن حجر العسقلااني، إنباء الغمر، ج 1، ص 351، 541؛ المقريزي، السلوك، ج 5، ص 210.
  4. ابن كثير، ج 16، ص 445؛ السخاوي، ج 1، ص 134.
  5. ابن حجي، ج 2، ص 977؛ 48. p , Voguet.
  6. Louis Pouzet, Damas au VIIe/ XIIIe siècle: Vie et structures religieuses dans une métropole islamique (Beyrouth: Dar el - Machreq Sarl Editeurs, 1988), pp. 96 - 99.
  7. المقريزي، درر العقود، ج 3، ص 72 - 73؛ ابن طولون، ص 248 - 249؛ ابن حجر العسقلااني، إنباء الغمر، ج 1، ص 106، 541؛ ابن حجي، ج 1، ص 230؛ المقريزي، السلوك، ج 4، ص 391.
  8. ابن حجر العسقلااني، الدرر الكامنة، ج 5، ص 265؛ الذهبي،، ج العبر 4، ص 204 - 205.

خاتمة

يمكن القول إن عائلة السَّلَمي المسالّتي قد شغلت دورًا مهمًّا في الحياة العلمية والدينية في حواضر المشرق المملوكي (القاهرة، دمشق، القدس)، ولا سيّما منذ النصف الثاني من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلاادي، وهو القرن الذي مثّل بداية عصر الموسوعات العلمية والأدبية، ولمعت خلااله في مجال الفكر شخصيات فريدة، وظهرت عائلاات علمية مشهورة. وكانت أسرة السَّلَم ي المسالّتي من بين الأسر التي أسهمت في صنع تلك النهضة الفكرية. ونستطيع الجزم بأن الأصول المغاربية لهذه العائلة قد أصبحت حقيقة ثابتة لا يرقى إليها الشك بعد أن بيّنا أنها تنحدر من قلعة/ حصن سلمَة في جبال مسالّ تة الواقعة في النواحي الشرقية لطرابلس الغرب، بخلااف ما كان شائعًا في الدراسات السابقة التي أثارت مسألة هجرة العلماء المغاربة إلى المشرق خلاال العصر المملوكي. وهو ما يؤكد مرة أخرى قناعتنا الراسخة بأن الإضافة التاريخية لا تتوقف دومًا على السبق إلى اكتشاف مصادر جديدة، بقدر ما تحققها المقاربات المنهجية المجدّدة التي تعتمد أسلوب مقارعة المصادر المختلفة وتشبيك المناهج المنوعة.

المراجع

العربية

ابن جبير الأندلسي، محمد بن أحمد. رحلة ابن جبير. بيروت: دار صادر، 1964.

ابن الجزري الدمشقي، أبو الخير محمد بن محمد. غاية النهاية في طبقات القراء. بيروت: دار الكتب العلمية، 2006.

ابن العراقي، أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين. الذيل على العبر في خبر من غبر. تحقيق صالح مهدي عباس. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1989.

ابن العماد، أبو الفلااح عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي الدمشقي. شذرات الذهب في أخبار من ذهب. تحقيق محمود الأرناؤوط. دمشق: دار ابن كثير، 1993.

ابن إياس الحنفي، محمد بن أحمد. بدائع الزهور في وقائع الدهور. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983.

ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي. تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. بيروت: دار صادر، 1964. ابن تغري بردي، أبو المحاسن يوسف الأتابكي. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي؛ دار الكتب المصرية، [د. ت.].

ابن حبيب، الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر. تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه. حققه ووضع حواشيه محمد محمد أمين. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.

ابن حجر العسقلااني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد. إنباء الغمر بأبناء العمر. تحقيق حسن حبشي. القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلاامية - لجنة إحياء التراث الإسلاامي، 1969.

.________ الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. تحقيق محمد عبد المعيد ضان. ط 2. حيدر آباد: مجلس دائرة المعارف العثمانية، 1972. ابن حجي، أبو العباس أحمد السعدي الحسباني الدمشقي. تاريخ ابن حجي: حوادث ووفيات 796 - 815 ه. ضبط النص وعلّق عليه أبو يحيى عبد الله الكندري. بيروت: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، 2003.

ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري. جمهرة أنساب العرب. تحقيق لجنة من الناشرين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1998.

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. تحقيق خليل شحادة. ط 2. بيروت: دار الفكر، 1988.

.________ المقدمة. تحقيق خليل شحادة. ط 2. بيروت: دار الفكر، 1988.

ابن رافع السلاامي، أبو المعالي محمد. الوفيات. تحقيق صالح مهدي عباس. إشراف ومراجعة بشار عوّاد معروف. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1982.

ابن شاهين، زين الدين عبد الباسط بن خليل الظاهري الحنفي. نيل الأمل في ذيل الدول. تحقيق عمر عبد السلاام تدمري. بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية للطباعة والنشر، 2002.

References

ابن طولون، أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد. قضاة دمشق: الثغر البسّام في ذكر من ويلّ قضاء الشام. تحقيق صلااح الدين المنجد. دمشق: المجمع العلمي العربي، 1956.

ابن عبد الظاهر، محيي الدين عبد الله. تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور. تحقيق مراد كامل. القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1961.

ابن قاضي شهبة، أبو بكر أحمد الأسدي الدمشقي. تاريخ ابن قاضي شهبة. تحقيق عدنان درويش. دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1994.

ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر. البداية والنهاية. تحقيق حسن إسماعيل مرَوة. ط 2. دمشق: دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، 2010.

بن معمر، أحمد. "المغاربة ومنصب قاضي القضاة المالكي في دمشق المملوكية." مجلة التراث (اتحاد الكتاب العرب بدمشق). عدد خاص بمناسبة دمشق عاصمة الثقافة العربية (2008.)

أحمد، علي. الأندلسيون والمغاربة في بلاد الشام من نهاية القرن الخامس وحتى نهاية القرن التاسع الهجري. دمشق: دار طلااس للدراسات والترجمة والنشر، 1989.

________. "القضاء في عصر المماليك." مجلة دراسات تاريخية. العددان 87 - 88 (أيلول/ سبتمبر - كانون الأول/ ديسمبر 2004.) الباشا، حسن. الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار. القاهرة: الدار الفنية للنشر والتوزيع، 1989.

الباهي، أحمد. سوسة والساحل في العهد الوسيط: محاولة في الجغرافيا التاريخية. تونس: مركز النشر الجامعي، 2004.

بدوي، فريال يوسف. "الحياة الاجتماعية في دمشق في العهد المملوكي". رسالة ماجستير في التاريخ. كلية الآداب، الجامعة الأردنية. عمّان، 1980.

برنشفيك، روبار. تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م. ترجمة حمّادي الساحلي. بيروت: دار الغرب الإسلاامي، 1988.

التجاني، أبو محمد عبد الله بن محمد. رحلة التجاني. تقديم حسن حسني عبد الوهاب. تونس: الدار العربية للكتاب، 1981.

الجبل والسهل في حوض المتوسط: أعمال الندوة العلمية الدولية الرابعة لقسم علم الآثار بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان (5 - 7 ديسمبر 2011.) نصوص جمعها وأعدّها للنشر جعفر بن نصر والنوري بوخشيم. القيروان: جامعة القيروان، 2015.

الجويني، نجاة. "هجرة العلماء المغاربة إلى المجال المملوكي ودورها في تطور الحياة الفكرية من خلاال كتب الوثائق المملوكية: صبح الأعشى مث ل." مجلة قبس للدراسات الإنسانية والاجتماعية. مج 3، العدد 1 (حزيران/ يونيو 2019.)

الحريري، خالد محمد. "قاضي القضاة ودوره في دولة المماليك البحرية (658 - 748 ه/ 1260 - 1382 م)". رسالة ماجستير في تاريخ العرب والإسلاام. قسم التاريخ. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة دمشق، 2011 - 2012.

الحزوري، حسام الدين عباس. دمشق والسبكيين خلال العصر المملوكي: تاريخ وحضارة. دمشق: دار الحافظ الدولية للااستشارات والنشر والتوزيع، 2013.

________. "من مظاهر الحياة الاجتماعية في نيابة دمشق خلاال عصر المماليك البحرية 659 - 784 ه/ 1261 - 1383 م." مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية. العدد 63 (2014.)

حسين، محمد الصادق. البيت السبكي: بيت علم في دولتي المماليك. القاهرة: دار الكتاب المصري، 1948.

حماد، ضياء الدين محمد يونس. "الأسر العلمية في القدس ودورها في الحياة العامة خلاال العصر المملوكي (648 - 922 ه/ 1250 - 1516 م.") رسالة ماجستير في التاريخ. كلية الآداب. الجامعة الإسلاامية بغزة. فلسطين، 2019.

الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز. العبر في خبر من غبر. تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول. بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.].

.________ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. تحقيق عمر عبد السلاام تدمري. ط 2. بيروت: دار الكتاب العربي، 1993. زعرور، إبراهيم. "القضاة الأندلسيون والمغاربة في بلااد الشام في عصر المماليك." دراسات تاريخية. العددان 53 - 54 (تموز/ يوليو– كانون الأول/ ديسمبر 1995.)

السباني، صالح الصادق. ليبيا أثناء العهد الموحدي والدولة الحفصية (ق 6 - 10 ه/ 12 - 16 م.) طرابلس، ليبيا: مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2006.

السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي. طبقات الشافعية الكبرى. تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناجي. ط 2. الجيزة: دار هجر للطباعة، 1992.

السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن. وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام. تحقيق بشار عوّاد معروف وعصام فارس الحرستاني وأحمد الخطيمي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1995.

شباب، عبد الكريم. "علماء المغرب الإسلاامي في بلااد الشام خلاال القرون 5 - 8 ه". أطروحة دكتوراه في التاريخ الوسيط. قسم التاريخ. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. جامعة أبي بكر بلقايد. تلمسان، الجزائر، 2014 - 5120.

شبارو، عصام محمد. قاضي القضاة في الإسلام. ط 2. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1992.

الشريف، ناصر الدين محمد. الجواهر الإكليلية في أعيان علماء ليبيا من المالكية. عمان: دار البيارق للطباعة والنشر والتوزيع، 1999. صمايري، هشام. "عائلة القسطلااني من خلاال كتب التراجم والطبقات: محاولة في الإحاطة بصنف من النخب العلمية المهاجرة إلى المشرق ومكانتها في المجتمع." العبر للدراسات التاريخية والأثرية. مج 1، العدد 2 (أيلول/ سبتمبر 2018.)

طه، عبد الواحد ذنون. الرحلات المتبادلة بين الغرب الإسلامي والمشرق. بيروت: دار المدار الإسلاامي، 2005.

العبدري، أبو عبد الله محمد بن محمد. رحلة العبدري. تحقيق علي إبراهيم الكردي. ط 2. دمشق: دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع، 2005.

العربي، غيث عبد الله. مسلّتة في العهد العثماني الثاني 1835 - 1911: دراسة في الأوضاع السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية. طرابلس، ليبيا: مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2010.

العسيري، حسن حلمي أبو الفضل. "مدارس دمشق ودورها الثقافي من خلاال وصف ابن بطوطة." مجلة المؤرخ العربي. مج 2، العدد 28 (2020.)

العصفور، سعود محمد. "ألقاب الصوفية في العصر المملوكي (الجزء الأول.") مجلة "المواقف" للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ. العدد 1 (كانون الأول/ ديسمبر - كانون الثاني/ يناير 2007.)

علااوي، عمار مرضي. "أثر المغاربة في بلااد الشام: القضاء أنموذجًا." مجلة دياليي. العدد 56 (2012.)

________. "الحياة المعيشية والاقتصادية للعلماء في العصر المملوكي 648 - 923 ه." مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية. العدد 28، ج 2 (2018.)

العليمي، مجير الدين الحنبلي. الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل. تحقيق عدنان يونس أبو تبانة. عمان: مكتبة دندنيس، 1999. العمري، حمد بن يحيى بن فضل الله. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. تحقيق إبراهيم صالح. أبوظبي: المجمع الثقافي، 2002. عنقود، رجاء. "البروسبوغرافيا: منهج لدراسة النخب والفئات الاجتماعية، محاولة تعريف." أسطور. العدد 11 (كانون الثاني/ يناير عيفة، الحاج. "إسهامات المغاربة والأندلسيين في مصر وبلااد الشام من بداية القرن السادس إلى نهاية القرن التاسع الهجري (12 – 15 م.") أطروحة دكتوراه في التاريخ الوسيط. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الجزائر، 2009 – 2010.

غرايبة، محمد الرحيل. "تعدّد منصب قاضي القضاة في العصر المملوكي وآثاره (663 ه/ 1265 –م 922 ه/ 1517 م.") مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية (جامعة قطر). العدد 13 (1995.)

القلقشندي، أبو العباس أحمد. صبح الأعشى في صناعة الإنشا. القاهرة: المطبعة الأميرية، 1915.

الفاسي الحسني المكي، أبو الطيب محمد بن أحمد بن علي. ذيل التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد. تحقيق محمد صالح بن عبد العزيز المراد. مكة المكرمة: جامعة أم القرى، 1997.

ليفي، جيوفاني. "استعمالات البيوغرافيا". ترجمة محمد الطاهر المنصوري. أسطور. العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016.)

المحمداوي، علي صالح رسن. "علااقة القضاة المماليك البحرية بالسلطة الحاكمة في مصر (648 - 784 ه/ 1261 - 1382 م.") مجلة أبحاث البصرة (العلوم الإنسانية) (العراق). مج 31، العدد 1 (2006.)

المقريزي، أبو العباس أحمد بن علي. السلوك لمعرفة دول الملوك. تحقيق محمد عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية، 1997..________ درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة. حققه وعلّق عليه محمود الجليليّ. بيروت: دار الغرب الإسلاامي، 2002. نجم، محمد يوسف وإحسان عباس. ليبيا في كتب الجغرافية والرحلات. بنغازي: دار ليبيا للنشر والتوزيع، 1968.

النُّعيمي الدمشقي، عبد القادر بن محمد. الدارس في تاريخ المدارس. تحقيق جعفر الحسني. دمشق: مطبعة الترقي، 1951.

الأجنبية

Abdouli, Hafed. "Le peuplement et l'organisation territoriale à Ğabal Msallâta (Libye) au bas Moyen Âge:

L'exemple du Hisn Salama." Archeologia Medievale. vol. 48 (2021).

Berkey, Jonathan. The Transmission of Knowledge in Medieval Cairo: A Social History of Islamic Education.

Princeton: Princeton University Press, 1992.

________. The formation of Islam: Religion and Society in the Near-East, 600-18 00. Cambridge: Cambridge

University Press, 2003.

Bouzid, Aleya. "Recherches sur les Hawwara." Mawarid (Revue de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines

de Sousse). no. 9 (2006).

Bresc, Henri. "La Sicile et l'espace libyen au Moyen Âge." Africa: Rivista trimestrale di Studi e documentazione

dell'Istituto italiano per l'Africa e l'Oriente. vol. 63 , no. 2 (2008).

Chamberlain, Michael. Knowledge and Social Practice in Medieval Damascus, 1190-13 50. Cambridge: Cambridge

University Press, 1994.

Cobb, Paul M. (ed.). The Lineaments of Islam: Studies in Honor of Fred McGraw Donner. Leiden: Brill, 2012.

Daghfous, Radhi. "De l'origine des Banu Hilal et des Banu Sulaym." Cahiers de Tunisie. vol. 26 , no. 91 - 92 (1975).

Eddé, Anne - Marie. "Stratégies familiales et transmission du savoir: Les Yūnīnī dans le Bilād al - Šam de la fin du

XIIe au milieu du XIVe siècle." Annales islamologiques. vol. 47 (2013).

Elboudrari, Hassan (dir.). Modes de transmission de la culture religieuse en islam. Caire: Institut français

d'archéologie orientale - IFAO, 1993.

Encyclopédie de l'Islam. 2 ème éd. Leiden: Brill, 1998.

Levi, Giovanni. "Les usages de la biographie." Annales: Economies, Sociétés, Civilisations. vol. 44 , no. 6 (1989).

Loiseau, Julien. "Choisir sa famille: Waqf et transmission patrimoniale en Egypte au XVe siècle." Annales

Islamologiques. vol. 47 (2013).

________. "Histoire de la famille, histoires de famille." Annales islamologiques. vol. 47 (2013).

Pouzet, Louis. "Maghrébins à Damas au VII/ XIII siècle." Bulletin des Etudes Orientales. vol. 28 (1975).

________. Damas au VIIe/ XIIIe siècle: Vie et structures religieuses dans une métropole islamique. Beyrouth: Dar

el - Machreq Sarl Editeurs, 1988.

Rosenthal, Franz. Knowledge Triumphant: The Concept of Knowledge in Medieval Islam. Leiden/ Boston: Brill,

Voguet, Elise. "Les modalités de nomination des professeurs dans les Madrasa - s de Damas (XIIe - XVe siècle):

La fonction de Mudarris, une charge d'enseignement ou une dignité rémunératrice?" Bulletin d'Etudes

Orientales. vol. LV (2003).