العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

A Reading of Europe in the Nineteenth Century: Napoleon

عادل الطاهري

Adil ET-Tahiri

الملخّص

باحث مغربي، حاصل على الماجستير في التاريخ من جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب.

Abstract

A Moroccan researcher, he holds a master's degree in history from Ibn Tofail University, Kenitra, Morocco. adil.ettahiri.hist@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • أوروبا
  • القرن التاسع عشر
  • نابليون
  • الثورة
Keywords:
  • Revolution
  • Europe
  • Nineteenth Century
  • napoleon

يُعتبر المؤرخ المغربي محمد حبيدة من المتخصصين البارزين في التاريخ الأوروبي الحديث في العالم العربي، ويندرج كتابه أوروبا في القرن التاسع عشر ضمن هذا المشروع التاريخي الرامي إلى تقريب التاريخ الأوروبي الحديث من القارئ العربي. وتكمن أهميته في الاطلااع الواسع للمؤرخ على النتاج التاريخي للمؤرخين الأوروبيين باللغتين الفرنسية والإنكليزية. فالكتاب، إذًا، لبنة جديدة في اهتماماته التي تتخذ طابع المشروع، لقد كتب حبيدة تاريخ أوربا: من الفيودالية إلى الأنوار1(. وهو الكتاب الذي يرصد فيه مجمل التغيرات الثقافية والسياسية والاقتصادية للاانتقال من العصر الوسيط الأوروبي إلى عصر الحداثة، أي القرن الثامن عشر. ويستمر المؤرخ في حفرياته التاريخية مع القرن الموالي: القرن التاسع عشر. ويتميز هذا الانتقال كذلك بخاصية عزيزة عند المؤرخ وهي الانتقال من المونوغرافيا إلى التركيب. فحبيدة إضافة إلى كتابه هذا موضوع قراءتنا أصدر مؤخرًا عملً آخرَ عن القرن التاسع عشر، وهو ترجمة كتاب ضخم بعنوانتاريخ العالم في القرن التاسع عشر2(، ويتراءى في عمل المؤرخ ذاك التجاوز لنقد سبق أن قام به للأبحاث المونوغرافية التي تحصر اهتمامها في مجال ضيق، وغياب التركيب في الكتابات المغربية والعربية عمومًا، وهو الغياب الذي يصفه بالعقدة3. ومما تبلور عن هذا الانفتاح على التاريخ الأوروبي أن رصد المؤرخ النقاشات المنهجية التي تحتدم بين المؤرخين الغربيين، أو بين المؤرخين وزملاائهم في العلوم الإنسانية، سوسيولوجيين وأنثروبولوجيين... إلخ، وهي نقاشات ثرية وذات أهمية كبيرة في تطوير الكتابة التاريخية. زد على ذلك ما قدّمه من أبحاث لتجاوز الشحّ الواضح في الكتابات ذات الطابع المنهجي في العالم العربي. وقد أصدر المؤرخ حبيدة دراسات متعددة في هذا المجال، كان آخرها الكتاب المهم المدارس التاريخية: من المنهج إلى التناهج4 والذي يعدّ من الكتب التجديدية المبدعة التي انضافت إلى المكتبة العربية بعد كتاب مفهوم التاريخلعبدالله العروي وكتاب تاريخ التأريخلوجيه كوثراني. ويتميز هذا الكتاب أيضًا بتنظيمٍوترتيبٍ محكميَن، فهو يناقش فيه المسارات التي اتبعها التاريخ الغربي إبستيمولوجيًا5 والمنعطفات المعرفية التي حققها، من برلين إلى ستراسبورغ، التي تحيل على مدرسة الحوليات، مرورًا بالسوربون معقل المدرسة الوضعية. منهجيًا، لا يبدو أن حبيدة تنصل في كتابه الأخير أوروبا في القرن التاسع عشر من ذاك التأثير الذي مارسته الأجيال المختلفة لمدرسة الحوليات على المؤرخ العربي ذي التكوين المزدوج، أي المتخصص في التاريخ المحلي لبلده والتاريخ الغربي. ففي المقدمة التي كتبها المؤرخ التونسي الطاهر المنصوري لترجمة كتابه التاريخ الجديد يذكر حبيدة باعتباره واحدًا من المؤرخين المعاصرين المتأثرين بالحوليات6(، لكن المؤرخ في كتابه الأخير يعود ليلتقي مرة أخرى بما سُمّي في تاريخ مدرسة الحوليات ب "المنعطف النقدي" أو "عودة الحدث". لقد كان التاريخ قبل مدرسة الحوليات واقعًا في تصنيمات ثلااثة بحسب عبارة فرانسوا سيميان7: الصنم الفردي والصنم السياسي والصنم الكرونولوجي. ثم تمردت الحوليات على "أصنام قبيلة المؤرخين" هذه، فغيبت الفرد واستبدلته بالبنيات التي يصير معها الفرد قشة في مهب الريح، وهمشت السياسة وأعلت من شأن الاقتصاد والاجتماع والذهنيات... إلخ، ثم أقصت الكرونولوجيا والحدث الزمني العابر الذي يطفو على السطح ليتبوأ مكانه الزمن الطويل. عاد حبيدة إلى هذه الأقانيم الثلااثة، الفرد: نابليون، وميدانه السياسة والحرب، ومقياسه الزمني الكرونولوجي قصير.

  1. محمد حبيدة، تاريخ أوربا: من الفيودالية إلى الأنوار (الرباط: دار أبي رقراق، 2010.)
  2. بيير سينغارافيلو وسيلفان فينير، تاريخ العالم في القرن التاسع عشر، ترجمة محمد حبيدة [وآخرون] (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2021.)
  3. محمد حبيدة، بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 2015.)
  4. محمد حبيدة، المدارس التاريخية: برلين، السوربون، استراسبورغ: من المنهج إلى التناهج (الرباط: دار الأمان، 2018.)
  5. ينظر دراسة في الخلفيات الإبستيمولوجية للكتاب: عادل الطاهري، "الكتابة التاريخية: المنعطفات الإبستمولوجية"، أسطور، العدد 13 (كانون الثاني/ يناير 2021.)
  6. جاك لوغوف [وآخرون]، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 26.
  7. François Simiand, "Méthode historique et sciences sociales," Annales , no. 1 (1960), pp. 1 - 15.

ولعل المؤرخ حبيدة فكّر بصوتٍ عالٍ في مقدمة كتابه كعادة التأليفات الرصينة التي تكشف عن عدّتها المنهجية من الصفحات الأولى للكتاب. فيذكر هذا التحديد المنهجي الذي أشرنا إليه سابقًا ويقرّ بعودته إلى الحدث. ويُذكّر بما بسطه بإسهاب في كتابه المدارس التاريخية عن سمات المنعطف النقدي ومراجعات برنار لوبوتي8(، بعد تشظي التاريخ وفقدانه لهويته مع الجيل الثالث بالخصوص لمدرسة الحوليات؛ أو ما سُمّي بالتاريخ الجديد بحسب عنوان الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه جاك لوغوف، والذي هو بمنزلة "مانيفست" لهذا الجيل. نقرأ في مقدمة كتاب حبيدة: "يبقى أن هذا الدرس درس في التاريخ، التاريخ الذي يأخذ الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين مأخذ الجد كما يقول برنار لوبوتي" (ص. 23). غير أن قارئ الكتاب، وهو ينغمس في الحدث السياسي يصادف استطرادات لا تخلو من بصمة إبداعية منفلتة تحيد عن السياسة وتوسع من منظور البحث. وهي إضافات نوعية تضفي مسحة جمالية خاصة على الكتاب، لنذكر هنا ثلااثة نماذج تبين ما نقصده هنا: في الفصل الذي يناقش فيه حبيدة حملة نابليون على مصر وبعد سرده لأهم الأحداث الكرونولوجية يفتح قوسًا ليفسح المجال للثقافة. فيستدعي الدراسات ما بعد الكولونيالية المتمثلة في عمل إدوارد سعيد المرجعي الاستشراق، ويذكر - استنادًا إليه - ما خلفته هذه الحملة على الوعي الغربي في نظرته إلى الشرق. وكذلك في خضم سرد مغامرات نابليون في ألمانيا يستطرد المؤلف مطلً على قارة الفلااسفة ومجرداتهم النظرية، وما أثاره من انطباع تزامن لحظة وصول نابليون إلى ألمانيا مع فراغ هيغل من تأليفه كتابه فينومينولوجيا الروح9(، والنموذج الثالث والأخير هو استحضار حبيدة للأعمال الأدبية التي أبدعها الروس عن الحرب البونابارتية في روسيا، ومن المعلوم أن الأدب الروسي قدّم للعالم أجمل الروائع الأدبية. هذه الانزياحات عن السرد السياسي الجاف قد تزكي ما ذهب إليه حبيدة بقوله: "هذا الدرس ليس بيوغرافية عن نابليون في شكلها التقليدي" (ص. 22) لنقف وقفة موجزة مع العنوان، نلااحظ أن العنوان الكبير شامل وعامّ بينما العنوان الفرعي جزئي، والواقع أن هذا النبش في التاريخ العام من خلاال شخصية تجسد نبض قلبه الذي يضخ فيه دماء الحياة مما درج عليه المؤرخون، فلبعض الشخصيات مكانة مركزية خاصة في كل فترة تاريخية، تكون كالبؤرة التي تتدفق منها كل الإشعاعات، لقد كان نابليون رجل بداية القرن التاسع عشر بامتياز، وطابعه الإمبراطوري يضفي مزيدًا من الشرعية على هذا الاختيار، نقرأ في الكتاب عن سبب اختيار نابليون: "لا أحد يشك في الدور الهائل الذي لعبه هذا الرجل في تغيير وجه فرنسا، وفي فعفعة يقين المونارشيات والإمبراطوريات الأوربية العريقة" (ص. 18)، وفي الواقع نجد سمة التدرج في العناوين والقفز من العام إلى الخاص حاضرة في مؤلفات مؤرخين بارزين، كلوسيان فيفر الذي ألف كتابًا بعنوان "مشكلة الكفر في القرن 16 "، ثم جعل له عنوانًا فرعيًا: "ديانة رابليه"10. يحضر مفهوم القرن التاسع عشر في عنوان الكتاب؛ ومعنى ذلك أن المؤرخ كان لا بد له من أن يعرّج على إشكالية التحقيب التي هي إشكالية ذات أهمية في الفكر التاريخي المعاصر. إن المؤلف يرى أن القرن التاسع عشر نُظر إليه من منظور "المدة الطويلة". وذلك يعني أن الإمساك بجذور هذا القرن يتطلب العودة إلى ماضٍ أبعد من دخول القرن التاسع عشر، ذلك أنه من المنظور التاريخي البحت بداية قرن ما ليست بالضرورة بداية لمسار جديد في العالم. فالتاريخ باعتباره مسارًا لا يعي تعاقب السنوات، وهكذا فالقرن التاسع عشر هو امتداد طبيعي لثورة الأنوار والتي تجسدت واقعيًا مع الثورة الفرنسية سنة 1789. بل وفي لفتة نبيهة يصل حبيدة بين مبادئ الأنوار وصعود نجم نابليون. إن شخصية هذا الكورسيكي ما كانت لتبزغ في أوروبا ويكون لها كل ذلك الحضور الوازن لولا مبادئ الثورة

  1. Bernard Lepetit, "Histoire et sciences sociales: Un tournant critique?" Annales , no. 2 (1988).
  2. هيجل، فينومينولوجيا الروح، ترجمة ناجي المونلي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006.)
  3. Lucien Febvre, Le problème de l'incroyance au 16 ème siècle. La religion de Rabelais (Paris: Albin Michel, 1942).

الفرنسية وعلى رأسها "المساواة المدنية". فنابليون هو نتاج عوامل عجنتها فلسفة الأنوار والثورة الفرنسية، أما القرن فإن حبيدة يرى أنه ينتهي سنة 1914؛ سنة اندلاع الحرب العالمية، وهي حرب لا يمكن فهم حيثياتها إلا بالعودة إلى القرن التاسع عشر الذي شهد صعود ألمانيا قوةً سياسية. يستهل المؤلف مدخل كتابه بالتذكير بالمعلم الكبير للقرن التاسع عشر، إنه عصر الحداثة الكبرى، في مقابل الحداثة الصغرى التي عرفتها أوروبا في عصر النهضة، ثم الحداثة الكلااسيكية التي تتوافق مع الأنوار، ويذكّر بالخصائص الكبرى لهذا القرن؛ فاجتماعيًا سيعرف ظهور طبقة البروليتاريا والتي تبرعمت بسبب الانتشار الواسع للمصانع البرجوازية وبما سيفد عليها من رقيق، كما أن القرن تميز بنفسه الثوري النقابي، فقد اندلعت عدة ثورات سميت ب "ربيع الشعوب" منذ سنة 1848، وبزخم صناعي انطلق من إنكلترا في القرن الثامن عشر ثم انتشر في باقي القارة الأوروبية في القرن التاسع عشر، وترافق مع هذه الثورة الصناعية تغيرات على مستوى البنية التحتية حيث امتدت السكك الحديثة وانتشرت المدن السوداء التي تحيل على دخان المصانع، وجرّت معها هذه الثورة الصناعية ظاهرة أخرى شكلت علاامة بارزة للقرن التاسع عشر وهي الاستعمار، إذ إن تضخم الإنتاج في أوروبا ولّد رغبة في تصدير الإنتاج. ولعل هذا هو ما أدى إلى حدوث اصطدامات بين دول الشمال ودول الجنوب كانت لها تداعيات غير هينة على الدول المستعمرة. وثمة المدخل الجيوسياسي لتناول القرن التاسع عشر. ويمكن التمييز في هذا القرن بين ثلااث مراحل: المرحلة الأولى عرفت تفوقًا فرنسيًا بعد حروب نابليون والتي انتهت مع مؤتمر فيينا سنة 1815، المرحلة الثانية تلت هذا المؤتمر وتميزت بهيمنة بريطانيا "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، أما المرحلة الثالثة فاتسمت بظهور ألمانيا قوةً لها وزنها بعد تحقيق وحدتها السياسية مع بسمارك. يناقش حبيدة في الفصل الأول من كتابه علااقة نابليون بونابارت بالثورة. ومما يمكن رصده منهجيًا في هذا الفصل انفتاحه على درس العلوم الإنسانية الذي دقق أكثر في دلالات الثورة. وهذا ميسم لافت في الفصل، إذ غالبًا ما يخلط المؤلفون في التاريخ بالخصوص والعلوم الإنسانية عمومًا بين دلالات المفاهيم فيطلقون مفهوم الثورة على أحداث تاريخية عرفت تمردات لا ترقى إلى مستوى الثورة. ويستمد حبيدة تصوره الحديث من كتاب المفكرة الألمانية حنا آرنت الموسوم في الثورة، وحَدّه أنه كل فعل جماهيري مضاد للسلطة القائمة في أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية، لكنه كذلك فعل بنّاء؛ أي إنه يقدم نموذجًا حضاريًا جديدًا متكاملً. وكان هذا التدقيق المفاهيمي لمفهوم الثورة هاجسًا في الكتابات السابقة للمؤلف، ففي كتابه بؤس التاريخوفي سياق مقاربته لتاريخ العنف في المغرب، نزع الطابع الثوري عنه، وأشار إلى تفطن المؤرخين للتمايزات بين الثورة والتمردات العابرة التي لا تخلف أيّ أثر في البنيات11. يلااحظ حبيدة في هذا الفصل أن نابليون بونابارت ابن الثورة. إنه من جهة إفراز مباشر لمبادئ الثورة الفرنسية وفلسفة الحداثة، حيث تسلُّق المناصب العليا ممكن بعد إسقاط الامتيازات التي كانت متوارثة في بنية العصر الوسيط، لهذا استطاع هذا الشاب الكورسيكي القادم من الهامش أن يصير على رأس فرنسا ثم إمبراطورًا. من جهة أخرى يتلمس المؤرخ روح مبادئ الأنوار في الإصلااحات التي باشرها نابليون. نقرأ في الكتاب: "فيما يتصل بالسياسة العامة فإن توجه نابليون ظل مرتبطًا أيضًا بالثورة، ذلك ما تؤكده الإصلااحات الكبرى التي باشرها لمّا صار سيد البلااد بلاا منازع. ويتعلق الأمر بالمدونة المدنية التي تأسست على مبدأ المساواة بين المواطنين الذي بلوره مفكرو عصر الأنوار وصاغه الثوار في إعلاان حقوق الإنسان" (ص. 28). والوجه الثالث الذي قد يكون أقل بروزًا نظريًا، لكنه كان له أبلغ الأثر في حفظ الثورة بما هي مكسب للأمة الفرنسية قاطبة، هو الدور الفائق الأهمية الذي أدّاه نابليون في سحق المناوئين داخليًا وخارجيًا. لقد كانت الثورة على كفّ عفريت بسبب كثرة المتربصين بها، سواء من أصحاب الامتيازات الذين أغاظهم ذهاب امتيازاتهم،

  1. Guy Fourquin, Les soulèvements populaires au Moyen Age (Paris: PUF, 1972).

أو من الدول المجاورة التي توجست خيفة من هذه المبادئ الحديثة خشية أن تصلها شراراتها، فكان نابليون رجلَ حرب محنكًا ورجل المرحلة الذي ثبّت أركان دولة الثورة. ولا يفوت المؤرخ التنبيه إلى بعض ما سُجّل على نابليون من انزياح عن بعض مبادئ فلسفة الأنوار. إن تأسيس الإمبراطورية هو عودة إلى العهد البائد يقدم المؤرخ بصددها تأويلً آخر، إذ يقول: "يذهب بنا التأويل إلى أن نابليون وسعيًا منه لإخراج فرنسا من حالة القلااقل والفتن التي عرفتها عقب الثورة، أراد من خلاال النظام الإمبراطوري إظهار عظمة الدولة الموروثة عن الرومان" (ص. 40)، كما أن مزاجه النفسي قد حاد به عن الحرية. ويعبّ المؤلف عن ذلك بقوله: "إن التغير الذي طرأ في ذهن الرجل وانعكس على سلوكه الميداني مرتبط بمجريات الأحداث، بطبيعة الحال، وأيضًا بنوع من جنون العظمة الذي غلب على نفسيته وحاد به عن مبدأ الحرية الذي دافع عنه الثوريون" (ص. 26) يعرج حبيدة بعد ذلك على حملة نابليون بونابارت على مصر، ويبدو لنا أنّ خيطًا دقيقًا يبرر هذا الانتقال من مقاومة التهديد الخارجي الذي جسدته بريطانيا إلى غزو مصر له ما يبرره، لقد انتقل المؤرخ من رصد آلية الدفاع إلى الوقوف على آلية الهجوم. إن الحملة على مصر كانت تروم مزاحمة بريطانيا على الشرق الأوسط، بعد أن أبعد خطرها الداخلي، إنها الإرهاصات الأولى للتنافس الإمبريالي بين الدول الرأسمالية الصاعدة على المستعمرات، يكتب حبيدة: "كانت هذه الحملة تدخل ضمن خطة تقضي بمضايقة الإنجليز وبفتح آفاق تجارية أمام البرجوازية الفرنسية بالتجارة مع الشرق العربي، والتفكير في فتح قناة تربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر للتجارة مع الهند والشرق الأقصى ومنافسة التجار البريطانيين" (ص. 44). وقد تمكّن نابليون بالفعل من الوصول إلى القاهرة بعد مقاومة ضعيفة في 23 تموز/ يوليو 1798، وكان هذا اللقاء بمنزلة "اصطدام بين آنية من حديد وآنية من فخار" كما قال جون دو لافونتين، في إشارة إلى قوة الغرب الذي خضع منذ قرون لدينامية نشيطة من الطفرات التي شملت المجالات المعرفية والسياسية والاقتصادية (عصر النهضة، والأنوار، والثورة الصناعية)، والشرق الذي ظل قابعًا تحت ركود وتقليد. وكان لهذا الغزو ما بعده في مصر، حيث أضحى المحرك والمحفز لمباشرة محمد علي باشا إصلااحات جادة "وإن كانت عسيرة ومتذبذبة بسبب مقاومة القوى المحافظة" (ص. 46). أما بالنسبة إلى فرنسا ونابليون، فلاا شك في أنّ الحملة باءت بالفشل بسبب تظافر عوامل مركبة، كانت عودة نابليون إلى فرنسا من أجل التصدي للتهديد البريطاني النمساوي ثم تحالف العثمانيين وبريطانيا لطرد فرنسا من مصر أحد وجوهها، لقد انسحب الجيش الفرنسي بالفعل سنة 1801 بعد هزيمته في مواجهة الأسطول البريطاني. أما على مستوى العلااقة بين الشرق والغرب، فيرى المؤلف أنّ حملة نابليون دشنت لخطاب الاستشراق. لقد شكلت الحملة للمرافقين العلميين مناسبة لاتخاذ مصر عيّنة تجريبية لدراسة المشرق، فخرجوا بمجموعة من التمثلااث والتصورات عن الشرق، وصار المشرق منذ تلك اللحظة مسرحًا جديدًا للدراسات الغربية، ومجموع تلك الدراسات التي تنطلق من الذات الغربية وتقرأ الآخر على ضوئها شكّلت في مجموعها مادة الاستشراق. وأوضح المؤلف ذلك قائلً: "دشنت الحملة لسلسلة من التمثلاات والخيالات والتصورات والخطابات الغربية التي راجت عن الشرق وابتدعته كمفهوم وكيف منحت لهذا الغرب أداة من أدوات التفوق الحضاري ووسيلة لتبرير التوسع الاستعماري على مدى القرن 19 " (ص. 50) ومما يلااحظ في خطاب نابليون بونابارت إلى مسلمي مصر أنه يقطع مع تلك الخطابات الصدامية للعصر الوسيط، بحيث إنه لا يصور الغزو كما لو كان حربًا دينية أو "حربًا صليبية" كما أنه لا يتعرض للمقدسات الإسلاامية بالإساءة، يقول نابليون: "يا أيها المصريون قد قيل لكم: إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم فذلك كذب صريح فلاا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد لله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم" (ص. 108)، وعلى الرغم من أن نابليون سلك هذا المسلك الذي يحاول استمالة الإنسان العربي المسلم

بدغدغة مشاعره الدينية، فإنّ الدراسات الاستشراقية اللااحقة ستغير خطتها، لكن كما يقول إدوارد سعيد فنابليون هو الذي رسم الخطة وشق الطريق بالاستعانة بعلماء وخبراء رغم الفشل اللااحق للحملة على مصر، فنقرأ: "إن الفشل العسكري الذي مني به احتلاال نابليون لمصر لم يقض على خصب الخطة الشاملة التي كان الاحتلاال قد وضعها لسائر بلااد الشرق. وأقول دون أدنى مبالغة إن الاحتلاال قد خرجت من رحمه الخبرة الحديثة بالشرق برمتها، بحيث أصبحت صورة الشرق قائمة على التفسير الذي يدور في الفلك الفكري الذي أنشأه نابليون في مصر"12. بعد ذلك يعود حبيدة لتسليط الضوء على المغامرات النابليونية داخل أوروبا، وبالخصوص الحروب الكثيرة التي خاضها نابليون وانتصر في أربعين منها، وخصوصًا معركة أوستيرليز Austerlitz ضد التحالف النمساوي الروسي سنة 1805، ومعركة فاغرام Wagram التي واجه فيها الجيش النمساوي سنة 1809، ويلااحظ المؤرخ أن نابليون اعتلى عرش أوروبا بقوة السلااح، ويعتبر المؤرخون هذه الحروب هي "أول الحروب المدمرة في تاريخ البشرية" (ص. 53). ويدرس المؤرخ الحروب النابليونية دراسة متعددة الأبعاد، إنه إضافة إلى الإشارة المنهجية لطبيعة الكتابات الأوروبية التي تناولت الموضوع، نجده يطرق باب موضوع الجيش نفسه باعتباره موضوعًا عزيزًا عند المؤرخين، فيستعرض التطور التاريخي الذي عرفه تكوين الجيوش في أوروبا، وهي الطفرة النوعية بلاا شك، التي سمحت له ببسط سيطرته وتحقيق تفوّقه على باقي العالم. إن نابليون أتىى في فترة زمنية كان التكوين الأكاديمي في الحروب قد قطع أشواطًا مهمة منذ لويس الخامس عشر في فرنسا، بل تعددت المدارس الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال، وكانت أول أكاديمية حربية تأسست سنة 1751. وبعد ذلك يستعرض حبيدة الفرق بين الجيش الفرنسي والجيش البريطاني، ويرى أن الذي صنع الفارق بين الجيشين هو تطور الأسطول البحري البريطاني الذي حسم في رجحان كفته على كفة الجيش الفرنسي، فبريطانيا انفتحت عسكريًا على البحر منذ سنة 1651 "عندما اعتمد كرومويل Cromwell قوانين الملااحة وجرى التركيز على إنشاء أسطول بحري قوي" (ص. 56) وعلى الرغم من التفوق البحري لبريطانيا والذي تجسد بالخصوص في انتصارها على فرنسا في معركة حاسمة سميت "الطرف الأغر" سنة 1805، وهي الهزيمة التي لم يتقبّلها نابليون بونابارت وأسدل على خبرها تعتيمًا في فرنسا، فإن نابليون استطاع أن يحاصر بريطانيا اقتصاديًا، وذلك بخوضه مغامرات حربية مكّنته من احتلاال عدة دول أوروبية كانت تربطها علااقات اقتصادية ببريطانيا. فكان أن قطع نابليون تلك العلااقات معها، وهو الذي تسبّب في تراجع الاقتصاد البريطاني. يقول المؤلف في هذا الصدد: "ركز نابليون جهوده على ألمانيا، ومحاربة بريطانيا على الصعيد الاقتصادي، بفرض حصار تجاري عليها بمقتضى ما يُعرف بمرسوم برلين (21 نونبر 1806)، إذ منع على البلدان الأوروبية الخاضعة له التعامل التجاري معها (...) وكان من نتائج هذا الحصار المعروف تاريخيًا بالحصار القاري الذي استمر إلى عام 1813: ركود التجارة في بريطانيا، وركود المعاملاات البنكية، وركود الصناعة" (ص. 63) يستعرض حبيدة بعد ذكره للتأثير الذي مارسه نابليون مع غزو ألمانيا وتوحيدها تحت 39 إقليمًا وإخضاعها للقانون الروماني، الأثر الذي تركه هذا الإمبراطور في الفلسفة الألمانية، وبالخصوص الفلسفة الهيغلية. إن ألمانيا، كما يقول المؤرخ، عرفت الإصلااح الديني مع لوثر، والتنوير الفكري مع كانط، ورهافة الفن مع بيتهوفن ورقيّ الأدب مع غوته، لكنها مع ذلك كانت تنظر بإكبار إلى فرنسا بالنظر إلى أنها لم تحقق الوحدة السياسية التي تمتعت بها خلاال الحكم النابليوني، ويظهر هذا الإعجاب في أرقى تعبيراته مع الفيلسوف هيغل الذي كتب رسالة إلى صديقه نيتهامر بتاريخ 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1806، يقول: "رأيت الإمبراطور نابليون وقد بدا كأنه روح العالم، رأيته خارجًا من المدينة (مدينة جينا) يتفقد الأحوال. يا له من إحساس رائع أن يرى المرء شخصًا مثل نابليون في مكان بعينه وهو على صهوة جواده يسود على العالم" (ص. 66)

  1. إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية، 2006)، ص 161.

ومثلما فعل حبيدة مع غزو فرنسا مصر وما خلفه ذلك على الوعي العربي، فإن المؤرخ يتوقف كذلك عند الانطباعات التي تركها نابليون في فيلسوف الحداثة الأكبر هيغل. إن مصادفة تزامن إنهاء هيغل كتابه الأساس فينومينولوجيا الروحمع دخول نابليون ألمانيا قد حرّكت الخيال الغربي لتقديم تأويل لهذه الحادثة. وقد نظر البعض إلى ذلك على أنه لحظة التقاء الفكر والسياسة، فنابليون بحروبه وغزواته التي تتطلع إلى نشر الحداثة سياسيًا قد حقق واقعيًا ما حققه هيغل على مستوى الفكر، يقول نيكولا بروسار: "ما معنى ذلك من زاوية فلسفة التاريخ؟ أن يتم فيلسوف الحداثة الكبير هيجل تحرير فينومينولوجيا الروح عشية دخول نابليون المدينة، هذا الحدث الذي لا يتكرر إلا كل مئة أو ألف سنة، معناه أن الأمر يرتبط من منظور هيجيلي بطارئة تاريخية، التقى فيها التاريخ السياسي بالفلسفة: أنجز نابليون على مستوى الفعل السياسي ما حققه هيجل على مستوى الفكر" (ص 66 - 67.) بعد ذلك ينتقل حبيدة ليرصد تحركات نابليون داخل القارة الأوروبية ووصوله إلى إسبانيا واستسلاام ملكها شارل الرابع سنة 1808، وهي حركة كانت لها تداعيات على المغرب13(بالنظر إلى التماسّ الجغرافي بينهما، بل إن حبيدة، بالاعتماد على بعض المراجع والمصادر التاريخية، يلفت الانتباه إلى أن السلطان مولاي سليمان العلوي كان مهتمًا بهذا الإمبراطور المغامر منذ الحملة على مصر، والتي حصل في طريقه إليها تحرير لبعض الأسرى المسلمين المغاربة من احتجاز فرسان القديس يوحنا الأرشيليمي، وهو ما استحسنه مولاي سليمان وحمله على الإشادة ب "البطل الخالد بونابارت". لقد ألقى الصراع البريطاني الفرنسي بظلااله على المغرب، فقد كان هذا الأخير تربطه علااقات تجارية بالإنكليز، وبالنظر إلى ذلك الحصار الذي أراد نابليون ضربه على بريطانيا فقد أمر مولاي سليمان بلغة لا تخلو من تهديد بقطع علااقاته معه، جاء في رسالة كتبها نابليون لمولاي سليمان في 18 أيار/ مايو 1808: "نطالبكم بإبعاد الإنجليز عن سواحلكم [...] أما إذا فضلتم السير في الاتجاه المعاكس فسنكون مجبرين على وضعكم في صفوف أعدائنا." بالموازاة مع طموحاته التوسعية، قاد نابليون حركة إصلااح شاملة في الداخل الفرنسي لا سيما ما تعلق منها بالجانب القانوني. وفي هذا الصدد يقول حبيدة: "اعتمد نابليون في صياغة القانون الجديد على رجل دولة محنّك مختص في القانون وهو جون جاك ريجيس دو كامباسيريس" (ص. 90)، ويشير المؤرخ إلى أن هذا القانوني كان متأثرًا بمجمل تيارات الفكر القانوني الأنواري، روسو في عقده الاجتماعي، ومونتسكيو في روح القوانين وجون لوك في الحكم المدني، ولهذا فهذه المدونة القانونية الضخمة التي استمر العمل عليها أكثر من عشر سنوات انتصرت للقيم الثورية ووضعت حدًا للاامتيازات المستمدة من الأعراف الفيودالية. أما من الناحية الكمية فقد احتوت المدونة على 36 قانونًا و 2281 بندًا، أما من ناحية الاستمداد فهي مدونة مركبة "جمعت بين القانون الروماني وعرف باريس والتشريعات المحلية والمبادئ التي أعلنتها الثورة" (ص. 91)، وثمة ميزة أخرى لهذه المدونة النابليونية وهي وحدة القانون التي تعتبر ظاهرة حديثة بالقياس إلى ما كان معروفًا في الماضي الفيودالي من تعدد الأعراف. وفي هذا الباب يورد حبيدة استشهادًا لأحد المختصين في قانون نابليون وهو جون لوكير، يقول: "هذه المدونة ثورية لأنها جعلت القانون يحذف كل المصادر التشريعية الموجودة إلى ذلك الحين، ولأن وحدة القانون حلّت محل تعدد القوانين: قانون واحد لكل الفرنسيين كيفما كانت انتماءاتهم الاجتماعية." وبعد أن وصل نابليون إلى أوج مجده، تطلّع إلى خوض مغامرة غير محسوبة العواقب، ومن ثمة تلك الهزيمة التي مني بها بادئة التراجع وأفول نجم الإمبراطور. لقد خاض نابليون حربًا شرسة مع خصم شرس وهو روسيا سنة 1812 وسميت هذه المعركة في فرنسا معركة موسكوفا، أما الروس فقد أطلقوا عليها اسم بورودينو، لكنه لم يفلح في هزمه وعاد فارًّا مع ضباطه إلى باريس بعد أن تسبب في واحدة من أفظع الحروب من حيث عدد القتلى ومن حيث الفظاعات والأهوال التي تسبب فيها. وقد خصص حبيدة حيزًا من كتابه لذكر بعض

  1. يقول المؤلف في مساهمته بكتابتاريخ المغرب: تحيين وتركيب: "تمثل حملة نابليون بونابارت على مصر في يوليوز [تموز/ يوليو] 1798 محطة من محطات مسلسل الوعي بالآخر، فقد فهم المولى سليمان بناءً على تداعيات هذا الحدث والأخبار التي نقلها الحجاج المغاربة العائدون من المشرق، أنه قد أصبح من غير الممكن الانخراط في التصدي للأوروبيين". ينظر: محمد القبلي [وآخرون]، تاريخ المغرب: تحيين وتركيب (الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011)، ص 456.

ما ترويه المذكرات من أحداث أليمة ومشاهد الموت قتلً أو بسبب الظروف الجوية القاسية والصعبة لروسيا. كما أنه ألمح إلى الأعمال والروائع الأدبية التي تناولت هذه الحرب؛ ومنها الرواية العالمية للأديب الروسي ليو تولستوي Tolstoy Leo، يقول حبيدة "بالإضافة إلى الدراسات؛ حفزت الحملة على روسيا قلم وريشة الأدباء والفنانين من مختلف الأقطار، وتبقى رواية الأديب الروسي ليون تولستوي الحرب والسلم الصادرة أول الأمر في شكل فصول بين عامي 1865 و 1869 من أهم ما كتب في هذا الشأن، إذ يعتبرها الأدباء والنقاد من أروع الروايات في تاريخ الأدب العالمي" (ص. 79) يناقش حبيدة في أحد الفصول الأخيرة نهاية نابليون، وسياق ذلك. إن نجم نابليون انطفأ نهائيًا بعد المعركة التي تحمل ثلااثة أسماء: واتيرلو عند الإنكليز، والتحالف الجميل عند الألمان، ومون سان جون لدى الفرنسيين. لقد كان تاريخ 18 حزيران/ يونيو 1815 هو اليوم الأخير الذي أسدل فيه الستار على هذه الشخصية السياسية البارزة، وذلك بعد تحالف رباعي ضم تحت لوائه: بريطانيا والنمسا وروسيا وبروسيا، وقد تم هذا التحالف بعد مؤتمر فيينا الذي دام من 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1814 إلى حزيران/ يونيو 1815، وفي تموز/ يوليو نُفي إلى سانت هيلاانة جنوب المحيط الأطلنطي. ومن المنظور التاريخي للمؤرخ، فهذا المؤتمر الذي هو الأكبر من نوعه في أوروبا، والذي تزعمته بريطانيا، يمكن تصنيفه في الأدبيات السياسية المعاصرة في ما يسمى بالثورات المضادة. صحيح أن نابليون لم يكن وفيًا تمامًا لقيم الثورة الفرنسية، لكنه مع ذلك استطاع أن يمنع عودة واقع ما قبل ثورة 1789. وأما بريطانيا فكانت تروم استعادة المونارشيات إلى مكانتها التي احتلتها قبل الثورة، نقرأ في الكتاب: "كان مؤتمر فيينا حدثًا سياسيًا غير مسبوق في تاريخ أوربا، كونه أكبر تجمع سياسي وديبلوماسي من نوعه إلى ذلك الحين. كانت الغاية التي سطرتها بريطانيا هي العودة بأوربا إلى وضع ما قبل 1789 وتثبيت دعائم الأنظمة الملكية بالتأكيد على شرعية السلاالات الحاكمة" (ص. 83) يختم حبيدة كتابه بفقرات يتداعى فيها الوجداني بالموضوعي، وتختلج القارئ الأشجان والأحزان على ذاك السقوط الذي لا يخلو من مهابة، المهابة التي ترافق عادة سقوط الكبار، من جهة بسبب النهاية المأساوية لرجل كبير ملأ الدنيا وشغل الناس، إنها نهاية درامية بكل المقاييس قد تحجب عن المؤرخ الموضوعي بل القارئ العادي صفحات أخرى من حياة نابليون حيث تظهر مظاهر الجبروت السياسي والرغبة الجارفة في الهيمنة، ويستسلم للعاطفة والتعاطف، لكن من جهة أخرى يلااحَظ أن حبيدة يحرص في تناوله على ما هو موضوعي كذلك، فيرصد بدقة أن الشعب الفرنسي لم يبدأ في تذكر نابليون بشعور نوستالجي إلا بعد أن صدرت مذكراته. نقرأ عن هذين الوجهين المتجاورين في خاتمة الكتاب: "إن الذي أنهى حياة نابليون هو غم العزلة والحنين إلى ماض ولى من غير رجعة"، وفي موضع آخر: "عاش نابليون حياة عاصفية، ومات في جو عاصفي، كان يحتضر وعاصفة هوجاء تضرب الجزيرة" (ص. 100)، أما عن الجانب التاريخي الموضوعي الذي لم يفت المؤرخ حبيدة أن يستحضره، فنقرأ: "إن أسطرة شخصية نابليون في فرنسا لم تتضخم إلا مع مذكرات سانت هيلاانة التي نشرها لاس كاز سنة 1823، قبل هذا التاريخ، لا سيما عقب هزيمة واتيرلو كانت قد سادت بالأحرى صورة الرجل الدموي الذي ماثل نيرون الروماني وأتيلاا الهوني" (ص. 102) وكان الاقتباس الأخير الذي ختم به حبيدة متن الكتاب من مذكرات نابليون يزخر بهذا القلق في الحكم على شخصه، والتأرجح بين التمجيد والتبخيس، لكن هذه المرة فالقلق ينبع من قلم نابليون نفسه وهو يخاطب المؤرخ مستبقًا أحكامه التي أصدرها في حقه، كان نابليون مولعًا بالتاريخ في حياته، ولهذا لم يتوان عن أن يرشده إلى مكامن القوة في مسيرته، ويقدم ما يشبه التبريرات لما قد يبدو له إدانة لنزعته الاستبدادية ويطالبه بكل وضوح بأن ينتصر للإمبراطور العظيم، يكتب نابليون: "سيكون المؤرخ مجبرًا للحديث عن إمبراطوريتي"، لنسرد الإدانة "قد يعاتبني على استبدادي.. وقد يؤاخذني على تضييقي للحرية"، لكن بعد ذلك يأتي الوجه الآخر، وجه الرجل المخلص الذي رفع فرنسا عاليًا، يقول: "[لكني] تغلبت على الفوضى.. أنقذت الثورة وأعدت الاعتبار للشعب"، فماذا يطلب نابليون من المؤرخ؟ يجيب باستفهام استنكاري: "كيف للمؤرخ ألّ يدافع عني؟."

المراجع

References

العربية

حبيدة، محمد. تاريخ أوربا: من الفيودالية إلى الأنوار. الرباط: دار أبي رقراق، 2010..________ بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات. الرباط: دار الأمان، 2015.

.________ المدارس التاريخية: برلين، السوربون، استراسبورغ: من المنهج إلى التناهج. الرباط: دار الأمان، 2018..________ أوروبا في القرن التاسع عشر: نابوليون. الرباط: دار أبي رقراق، 2021. سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية، 2006. سينغارافيلو، بيير، وسيلفان فينير. تاريخ العالم في القرن التاسع عشر. ترجمة محمد حبيدة [وآخرون]. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2021.

الطاهري، عادل. "الكتابة التاريخية: المنعطفات الإبستمولوجية." أسطور. العدد 13 (كانون الثاني/ يناير 2021.) القبلي، محمد [وآخرون.] تاريخ المغرب: تحيين وتركيب. الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011. لوغوف، جاك [وآخرون.] التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007. هيجل. فينومينولوجيا الروح. ترجمة ناجي المونلي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006.

الأجنبية

Febvre, Lucien. Le problème de l'incroyance au 16 ème siècle. La religion de Rabelais. Paris: Albin Michel, 1942.

Fourquin, Guy. Les soulèvements populaires au Moyen Age. Paris: PUF, 1972.

Lepetit, Bernard. "Histoire et sciences sociales: Un tournant critique?" Annales. no. 2 (1988).

Simiand, François. "Méthode historique et sciences sociales." Annales. no. 1 (1960).