العودة إلى تفاصيل المؤلَّف اتجاهات كتابة تاريخ مصر في الحقبة العثمانية خلال الربع الأخير من القرن العشرين

اتجاهات كتابة تاريخ مصر في الحقبة العثمانية خلال الربع الأخير من القرن العشرين

Trends in Writing the History of Egypt in the Ottoman Era During the Last Quarter of the Twentieth Century

حسام عبد المعطي | حسام عبد المعطي

الملخّص

ترجع أهمية هذه الورقة إلى تحليل مراحل كتابة تاريخ مصر العثمانية والتناقضات التي شكّلت تلك الكتابات. فقد تشكلت رؤية الجيل الأول من المؤرخين الأكاديميين المصريين عن تاريخ مصر العثمانية من خلال كتابات المستشرقين، وأسهم ذلك في تكون رؤية سلبية عن تاريخ هذه الفترة؛ نتيجةً للواقع السياسي الذي مرّت به العلاقات بين الدولة العثمانية والقوي الأوربية، إضافةً إلى عدم اعتماد هذه الدراسات على الأرشيف اعتمادًا كبيرًا خلال هذه المرحلة، وهو ما عرقل تشكّل رؤية حقيقية للواقع الذي كانت عليه ولاية مصر العثمانية، غير أنّ حقبة التسعينيات شهدت متغيرات للواقع الفعلي للدراسات العثمانية؛ إذ ظهرت العديد من الدراسات الأجنبية والعربية التي اعتمدت كثيرًا على الأرشيف العثماني والأرشيف المحلي في مصر. تسعي هذه الورقة لتحليل رؤية هذه التيارات المتعددة في كتابة تاريخ مصر العثمانية، وأثرها في تبلور وظهور نخبة جديدة في التسعينيات، ممثلةً في ظهور سيمنار القاهرة للدراسات العثمانية، ذلك السيمنار الذي تبنّته الجمعية المصرية للدراسات التاريخية تحت إشراف رؤوف عباس ونيللي حنا. وقد أثر ذلك في إنتاج دراسات جديدة متعلقة بهذه الحقبة من تاريخ مصر، وفي إعداد جيل جديد من المؤرخين بإتاحة نافذة فكرية جديدة لهم للنقاش الحر حول تاريخ تلك الحقبة العثمانية من تاريخ مصر.

Abstract

Expert at the Bibliotheca Alexandrina, he received a PhD. in Islamic Archaeology from Cairo University.

الكلمات المفتاحية:
  • مصر
  • الكتابة التاريخية
  • ندوة أسطور
  • الدولة العثمانية
Keywords:
  • Ottoman Empire
  • Histography
  • Ostour Seminar
  • Egypt

الرواية التاريخية لعلم الآثار يف مصر

مقدمة

يُعدّ سرد الرواية التاريخية لعلم الآثار سردًا لتطور وعي المصريين بحضارتهم وتاريخهم ومدى إدراكهم لدور الأثر في تشكيل الهوية الوطنية، وهنا نرى جد لً وشدًّا وجذبًا، بل قلقًا مثارًا ورغبة عارمة في الحفاظ على التراث الوطني، وبلوَرةً نحو بناء علم للآثار في مصر، وقصورًا هنا وهناك، وومضات مشرقةً هنا وهناك. في هذه الدراسة يطرح الباحث كل هذه المظاهر من خلاال سردية تهدف إلى بناء رؤية لعلم الآثار في مصر مرتبطة بتطوّر النظر إلى الآثار ودورها في صياغة الهوية الوطنية.

أوالً: المشهد الأثري

يعتبر المشهد الآثاري في مصر مشهدًا متشعّبًا ومعقّدًا ومركّبًا عاكسًا لطبيعة مصر، فهو قديم قدم الزمن وحديث بدأ مع الحداثة المعاصرة. وبناءً عليه، فإن الباحث يذهب إلى تقسيم الفضاء الآثاري في مصر إلى: علم المصريات الذي يتناول مصر من عصور ما قبل التاريخ حتى نهاية العصر البطلمي. علم الآثار الرومانية البيزنطية الذي يمتدّ من الاحتلاال الروماني لمصر إلى الفتح العربي الإسلاامي. علم الآثار الإسلاامية الذي يبدأ مع الفتح العربي الإسلاامي لمصر ويمتدّ إلى نهاية عصر أسرة محمّد علي. لا بدّ من التنبيه في البداية إلى أن ما نقصده بعلم الآثار هو العلم الذي يقدّم الإطار الفلسفي وتاريخ العلم الآثاري، ويتناول طبيعة هذا العلم والتطوّرات المتلااحقة فيه. وهو يتداخل مع بناء الدولة الوطنية في مصر التي يبدأ التأريخ لها مع تولّ محمّد علي باشا حكم مصر في عام 1805، وإن كان بعضهم يبدأ تأريخ علم الآثار مع الحملة الفرنسية على مصر 1798. غير أن الفرنسيين عملوا لصالحهم، وإن كان إسهامهم في مجالات الآثار كافّةً لا ينكر، فإنهم حفزوا على نهب تراث مصر. لكنّ الفرنسيين أثاروا بعنايتهم اهتمام المصريين، وساهموا في بناء علم المصريات، وكان للنخبة الوطنية التي تعلّمت في أوروبا دور في الحفاظ على آثار مصر ودراستها. وتجلّ وعي النخبة المصرية من خلاال كتابتها التي بدأت بصورة محدودة في مجلّة روضة المدارس المصرية التي كان يصدرها رفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873) من ديوان المدارس؛ فقد حمل الطهطاوي وعيًا مبكرًا بأهمية بالتراث الوطني. ودليل ذلك قوله:

  1. خبير في مكتبة الإسكندرية، حاصل على الدكتوراه في "الآثار الإسلاامية" من جامعة القاهرة. dr.khaledazab.alex@gmail.com

"إذ هي زينة مصر ولا يجوز تجريد مصر من حليتها التي تجلب إليها المتفرّجين من سائر بلااد الدنيا (((". ولا شكّ في أن الطهطاوي كان بذلك يوجّه نقدًا إلى محمّد علي باشا (1805 - 1848) لموافقته على نقل مسلّة مصرية إلى فرنسا لتنصب في ميدان الكونكورد في باريس (((، ويعتبر هذا النقد من النوادر التي حدثت من رجال دولة محمّد علي له. كان الطهطاوي من أوائل النخبة المصرية التي اهتمت بتاريخ مصر القديمة، وقدم لنا سردًا تاريخيًّا مختلفًا لأول مرّة عن كلّ ما سبقه من مرويات باللغة العربية عن تاريخ مصر في عصور ما قبل الإسلاام، وذلك في كتابه أنوار علويّ الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل. ومن الضروري أن نشير إلى أن تقويم هذه السردية عن تاريخ مصر قبل الإسلاام ينبغي أن يأخذ في الاعتبار سياق العصر الذي جرى فيه إنتاجها. يبقى تعامل الدولة مع الآثار حاسمًا في الحفاظ عليها وفي اكتشاف الذات الوطنية في ضوء مكتشفات هذا العلم. ويشير أمرٌ أصدره حاكم مصر محمد علي باشا في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1835 إلى أنّ محمد علي باشا نفسه في بدايات القرن 19 كان له اهتمام بالآثار. يشدّد محمّد علي في هذا الأمر على تعليمات سابقة في هذا الشأن، بل نرى الأمر يوضّ ح أنّ على مشايخ النواحي إرسال ما لديهم إلى مدرسة الألسن لدى الطهطاوي بقائمة ترسل صورة منها إلى ديوان الوالي. هنا كانت بدايات فكرة الحصر والتسجيل التي تأتي في السياق البيروقراطي للدولة المركزية المصرية، لنرى مشروعًا لمتحف مصري أسند تصميمه إلى يوسف حككيان (1807 - 1875)1(، وهو مهندس أرمني كان والده يشتغل ترجمانًا لدى محمد علي. كان يوسف ضياء أفندي أوّل مسؤول مصري يعنى بالحفاظ على الآثار من الحفر خلسة، عيّ له ممثّلون في الأقاليم لدعمه في التفتيش على المواقع الأثرية. هذه الجهود الأولى لم يبُنَ عليها جيّدًا؛ إذ كان نهب الأوروبيين لتراث مصر أكبر ممّا يُتخيّل الآن، عدا أن عدم إدراك الدولة قد أدّى لاحقًا إلى إهداء أول مقتنيات متحف مصري إلى الأوروبيين. إنّ إشكالية الآثار، بوصفها علمًا، تقوم على أنّ له شقًّا عمليًّا تطبيقيًّا؛ إذ من دون حفائر لا مكتشفات تقود إلى الجديد، ومن دون متحف لن تحفظ المكتشفات وتدرس، ومن دون مواقع وبنايات أثرية لن نعرف الطرز المعمارية وتراث الأقدمين؛ لذا فإنّ تطوّر الرواية التاريخية للآثار المصرية جرى على نحوٍ ملاازم لتطوّر بنية الحفاظ على الآثار وبناء المتاحف.

ثانيًا: الآثار وإعادة اكتشاف مصر

في عهد عبّاس حلمي الأول (1848 - 1854) نرى بعدًا آخر فيه إدراك لماهية الآثار بالنسبة إلى مصر، إذ نصّ أمر صدر من مجلس الأحكام في 10 أيار/ مايو 1849 على ما يلي: "إنّ الآثار القديمة الموجودة [في] الأراضي المصرية توجب افتخار البلااد [وتزيينها]، و[هي] سبب للااستكشاف والاطلّااع على الأحوال الماضية، [ولزوم حفظها ووقايتها"]2(، لنرى أنّ في عصر عباس حلمي الأول كانت هناك خطوة

  1. رفاعة رافع الطهطاوي، أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوفيق بني إسماعيل، ج 1 (القاهرة: بولاق، 1868)، ص 49.
  2. المرجع نفسه.
  3. يوسف حككيان أرمني ولد في إستانبول في عام 1870، هاجر إلى مصر مع والده، وابتعثه محمد علي باشا إلى بريطانيا ليدرس فيها في عام 1817، وظلّ هناك إلى عام 1831، حيث درس الهندسة وركّز على آلات الغزل والنسيج وبناء الطرق والكباري. تقلّد العديد من الوظائف في دولة محمد علي، وترك 24 مجلدًا دوّن فيها يوميّاته موظفًا في الدولة المصرية، وهي محفوظة في المكتبة البريطانية، عمل في عهد كلّ من عباس الأول وسعيد باشا حيث كانت له أدوار مهمّة في إدارة الدولة. لمزيد من التفاصيل عن دوره ينظر: أحمد عبد الرحيم مصطفى، عصر حككيان، سلسلة مصر النهضة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990.)
  4. أشرف محمد حسن علي، الآثار المصرية المستباحة (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2019)، ص 258 - 259.

أخرى متأخرة أيضًا في إدراك أهمية الحفاظ على البنايات القديمة والتلاال الأثرية، مع البدء بحفظ سجالّت بها لدى الدولة. لكن القول في الأمر بالافتخار كان يعني أنّ هناك تسرّبًا بدأ تأثيره بأهمية تاريخ مصر قبل الإسلاام، وأنّ في هذا التراث إنجازًا يستحق الاهتمام. وقد اتخذت خطوة أخرى مهمة في مسلسل مأسسة العمل الأثري بتعيين أوغست مارييت (1821 - 1881) Mariette August3 في وظيفة (مأمور أشغال العاديات) في مصر ليبدأ بتشييد متحف للآثار افتتحه الخديوي إسماعيل في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 1863. كان هذا نتاجًا لضغطٍ مارسته النخبة المصرية التي تبلور دورها في وظائف عليا في الدولة المصرية؛ ما جعلها مؤثّرة في اتّخاذ القرار خاصة وأنّها كانت تمتلك وعيًا وإدراكًا قويًّا لماهية مصر نتيجة للااكتشافات الأثرية وتزايد حجم المعارف عن مصر القديمة. ويبرز من هذه النخبة بصورة أساسية علي باشا مبارك (1823 - 1893)، الذي تقلّد العديد من المهمّات ذات الصلة بالبنايات الأثرية، حيث كان وزيرًا مرّات عديدة في "قطاع الأعمال العام" ووزيرًا للأوقاف. ويكشف كتابه الخطط التوفيقية4 عن أول حصر للتلاال الأثرية والمواقع الأثرية في مصر، ونرى أيضًا بين فقراته إلمامًا بالنظر في تاريخ مصر وآثارها (الفرعونية)، وقد كان لعدد قليل من الأوروبيين والأميركيين دور في ذلك. أدّت الحفريات غير المنظمة، التي أجراها الأوروبيون والمصريون، إلى عدم بناء سجل علمي منظّم للعديد من القطع المكتشفة؛ إذ بفقدان السجالّت التي تحدّد مكان اكتشاف القطعة ومثيلتها، فقدنا محدّدًا تاريخيًّا لزمن القطعة ومكانها يحدّد سياقها الذي وجدت فيه. هذا ما تنبهت له النخبة المصرية، فليس الأمر متعلقًا بتهريب الآثار والحفر خلسة فقط، ولكنّه متعلق أيضًا بفقدان التسلسل الزمني ومكان اكتشاف القطع الأثرية المهرّبة. وهذا ما أحدث خللً في كتابة أجزاء من تاريخ مصر القديمة، لنرى صرخات النخبة المصرية لا تذهب سدى، حيث استجاب الخديوي إسماعيل لها بإنشاء مدرسة اللسان المصري القديم في عام 1868، التي عاد فألغاها في عام 1874. أنشئت هذه المدرسة على نحو ما كانت تعرفه البلدان الأوروبية التي أحدثت في جامعاتها مدارس لتدريس علم الآثار، وبالخصوص علم المصريات، وعهد بإدارتها إلى هاينريش كارل بروغش (1827 - 1894) Brugsch Karl Heinrich، وقد استقطبت المدرسة في سنتها الأولى عشرة طالّب، وما لبث أن تخرج فيها مصريون متخصّصون في هذا العلم. لقد كان لإنشاء هذه المدرسة دور كبير في خلق اهتمامٍأكبر بالآثار المصرية القديمة؛ فالوعي والإدراك الوطني أصبح أكثر تفاعلً مع هذه الآثار، حتّى ألقى بروغش محاضرات في كلية دار العلوم كان يترجمها من الفرنسية للطالّ ب أحد تلاامذته. صاحب هذا نشاط متزايد للمجمع العلمي المصري في محاضرات عامة تلقى عن الاكتشافات الأثرية الجديدة، ثمّ مقالات تنشر عن تاريخ الفراعنة في الصحف، لكن أيضًا أفسح الطهطاوي المجال في مجلّةروضة المدارسللنشر عن آثار الفراعنة. اقترح جاستون كاميل شارل ماسبيرو (1846 - 1916) Maspero Charles Camille Gaston، الذي تولّ إدارة الآثار في مصر، على مجلس النظّار المصري افتتاح مدرسة ملحقة بالمتحف المصري، وبدأت المدرسة بإشراف أحمد كمال بخمسة طالّ ب. استمرّت المدرسة أربع سنوات، وفي 29 كانون الأول/ ديسمبر 1885 ألغاها ماسبيرو.

  1. جاء ماسبيرو إلى مصر في عام 1850 من قبل متحف اللوفر لجمع البرديّات إلّ أنّه فشل في مهمّته، فتوجه إلى الحفائر الأثرية، وهرّب من مصر 513 قطعة إلى فرنسا، وبدعم من فرنسا تولّى مسؤولية مصلحة الآثار وأسّس المتحف المصري، وكان له هنا دور إيجابي في تكوين مجموعاته. وائل إبراهيم الدسوقي، التاريخ الثقافي لمصر الحديثة، سلسلة نهضة مصر (87) (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2012)، ص 235 - 240.
  2. الخطط التوفيقية   هو واحد من أهم الكتب التي تقدّم وصفًا مسهبًا لمدن مصر وقراها، وللحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر. وبمقارنته بكتابوصف مصر الذي ألّفه علماء الحملة الفرنسية وتقارير الرحالة الأجانب عن مصر، يستطيع الباحث رصد التطوّر الذي حدث في مصر خلاال القرن 19 الميلاادي. يتكوّن الكتاب من عشرين جزءًا، وأهميّته في مجال الآثار أنه يقدّم وصفًا للتلاال والمعابد الأثرية التي هدمت أو نهبت بعد ذلك، ثمّ يصف العديد من الآثار الإسلاامية التي هدمت أو اندثرت لاحقًا، لذا فهو مصدر لا غنى عنه للباحثين. نشر أول مرة في عام 1886، ثمّ تعدّدت طبعاته. وقد نسب علي باشا مبارك الكتاب إلى الخديوي توفيق الذي صدر الكتاب أثناء حكمه مصر.

ثالثًا: التأليف يف الآثار

ثمّ بدأت الكتب تنشر عن مصر الفرعونية مترجمةً ومؤلّفة، وفي هذا السياق يبرز اسم عبد الله أبو السعود بك5(. لم يكن أبو السعود مترجمًا، بل كان ذا رؤية في تقديم المادة المترجمة لقرّائه ليستوعبوها. ترجم كتاب قناصة أهل العصر من خلاصة تاريخ مصر، الذي يعرّف بتاريخ قدماء المصريين، والذي ألّفه أوغست مارييت (1821 - 1881) Auguste Mariette، وقد ترجم الكتاب بأمر من نظارة المعارف المصرية، وهو ما يعني أنّ الدولة المصرية تولي هذا التاريخ والمعرفة به ونشره اهتمامًا خاصًّا. وقد ضمّ أبو السعود إلى الكتاب ملحقين أحدهما للمسائل التاريخية وتسلسل الأحداث، والثاني لما رآه من غرائب في طيّات الكتاب. وطبع الكتاب سنة 1281 ه/  1864 م. وإضافة إلىقناصة أهل العصر، عكف أبو السعود على ترجمة دليل المتحف المصري بعنوان فرجة المتفرّج على الأنتيقة خانة الخديوية الكائنة ببولاق مصر المحمية، وهي عبارة عن وصف نخبة الآثار القديمة المصرية الموجودة في خزينة التحف العلمية المصرية، وقد طبع في مطبعة وادي النيل (1286 ه/ 1869 م.) ويمكن القول، من خلاال هذه الأعمال، بوجود اتجاه لدى المصريين للتأليف في تاريخ مصر الفرعونية؛ فقد ألّف أحمد حسن المصري لبّ التاريخ العامّ فيما صدر في غابر الأعوام، الذي صدر في عام 1887، ثمّ ألّف سيّد عزمي إتحاف أبناء العصر بذكر قدماء ملوك مصر، الذي طبع في عام 1900 في المطبعة الأميرية. ولم يكن هؤلاء في مستوى ما بلغته الدراسات الأوروبية في علم المصريات، إّل أنّ أعمالهم تعتبر مؤشًّا د لًّ على بداية التأليف برؤى مصرية. وقد تكرّس هذا التوجّه لاحقًا في أعمال اثنين من خرّيجي مدرسة اللسان المصري، هما: أحمد نجيب (1847 - 1910): عمل مفتّشًا للآثار في القرن التاسع عشر، وأتاحت له وظيفته إجراء حفريّات أثرية لأول مرة بأيدٍ مصرية، وقد تدرّج في المناصب حتى صار أول مصري يشغل منصب (مفتّش عموم الآثار المصرية)، وألّف واحدًا من أفضل الكتب في تاريخ مصر القديمة، هو: الأثر الجليل لقدماء وادي النيل، صدر في عام 1892، ويُعدّ أفضل ما كتب في عصره6(. وإضافة إلى هذا المؤلّف، أعدّ أحمد نجيب كتابين آخرين: الأول بعنوان العقد النظيم في مأخذ الحروف المصرية من اللسان القديم، وقد صدر في عام 1872، وهو عبارة عن ترجمة لمؤلف أستاذه بروغش. أمّا الكتاب الثاني فهو بعنوان القول المفيد في آثار الصعيد، وقد نشر في بولاق عام 1893. أحمد كمال (1850 - 1923)7(: كان التحاق أحمد كمال بالعمل في المتحف المصري حدثًا كسر احتكار الأجانب له. اقتصر شغله في البداية على العمل في المكتبة والقيام بأعمال أخرى، غير أنّ دأبه جعله ينشر أبحاثًا في حولية مصلحة الآثار العلمية، واستطاع أن ينجح في إقناع أحمد حشمت (1858 - 1926) ناظر المعارف بإنشاء مدرسة مسائية للآثار في مدرسة المعلّمين في عام 1910، وقد تخرّج فيها جيل

  1. عبد الله أبو السعود بك (1820 - 1878) ولد في البدرشين بمحافظة الجيزة، ثم انتقل إلى مدرسة الألسن، وتخرّج فيها على يد الطهطاوي، وأتقن الفرنسية والإيطالية، وارتقى في المناصب حتى صار رئيسًا لقلم الترجمة في عهد الخديوي إسماعيل، وهو أول صحافي سياسي في تاريخ مصر الحديث. أسس صحيفة وادي النيلفي عام 1869. ينظر: تاجر، تاريخ الترجمة في مصر في القرن التاسع عشر (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية للنشر والتوزيع، 2021)، ص 99 - 100؛ إبراهيم عبده، تطوّر الصحافة في مصر (القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1982)، ص 49، 59، 62.
  2. الأثر الجليل لقدماء المصريين، طبع بمطبعة بولاق في عام 1311 ه، عرضه المؤلّف على يعقوب أرتين، وأمره بتدريس مادة الكتاب في مدرسة دار العلوم وطلااب المدارس العليا (الكليّات الآن)، وقد دفعه إلى تأليف الكتاب ما رآه من هدم وتخريبٍ من المصريين لتراث أجدادهم وحفرٍ من دون وعي، فرأى أنّ بناء وعي وطني بأهمية التراث لن يكون إلّ عن طريق النشر عنه باللغة العربية. بدأ كتابه بدرس أول عن النيل ومصر وأصل سكّانها، وهو بهذا يهدف إلى بناء المتلقّين لكتابه بناءً معرفيًّا متكاملً، ثمّ عرّف بتاريخ مصر القديم والحديث بإسهاب، مستعرضًا بعد ذلك الدول التي حكمت مصر منذ العصور القديمة حتّى عصر أسرة محمد علي، مرفقًا بها جداول زمنية لها، ثمّ ركّز على الآثار القديمة في مصر الوسطى والصعيد، وخصّص للأهرام وبنائها فصلً كاملً، ليكتمل كتابه بجولات بين آثار قدماء الفرنسيين.
  3. بدأ أحمد كمال حياته بعد تخرّجه في مدرسة اللسان المصري مساعدًا ومترجمًا في نظارة المعارف، ثم أستاذًا للغة الألمانية في المدارس الأميرية، فمترجمًا في مصلحة البوستة وديوان البحرية. استطاع بفضل نفوذ رياض باشا الالتحاق بالعمل في المتحف المصري. وائل إبراهيم الدسوقي، تاريخ علم المصريات (القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 2000)، ص 238.

للمتحف المصري في عام 1950)، وأحمد البدري، ورمسيس الشافعي، ورياض ملطي، ومحمد فهيم.

أول متحف إقليمي في أسيوط. وقد ألّف أحمد كمال عددًا من الكتب، هي: العقد الثمين في محاسن وأخبار وبدائع آثار الأقدمين من المصريين، بولاق، 1300 ه. الفرائد البهية في قواعد اللغة الهيروغليفية، مطبعة مدرسة الفنون والصنائع الميرية، 1303 ه.

الخديوية، 1309 ه. الخلاصة المفيدة ودليل المتفرج بمتحف الجيزة، 1310 ه. ترويح النفس في مدينة عين شمس، بولاق، 1896. الدر المكنون والسر المغروز في الخبايا والدفائن والكنوز، مطبعة مجلس المعارف الفرنسي، القاهرة، 1907. ӵ الدر النفيس في مدينة ممفيس، القاهرة، 1901. صفائح القبور في العصر اليوناني الروماني، صدر بالفرنسية في جزأين، 1904.

المصريين، ولم تتكرّر هذه المحاولة8. قاموس النباتات والأشجار المصرية القديمة، صدر في عام 1890.

التقليدية والأطعمة المصرية، وهو ما يدلّ على استثمار نتائج البحث الأركيولوجي في مصر في أفق تقديم هوية مصر. فماذا عن داخل مصر؟ ثالث من الأثريين من بينهم سليم حسن (1886 - 1961)، وأحمد عبد الوهاب، ومحمود حمزة (1890 - 1976) (أصبح أول مدير مصري

تعدّ الحفريات الأثرية أبرز ما أنجزه أحمد كمال، إضافة إلى أنّه قام بحفريات في أسيوط لصالح سيّد باشا خشبة، الذي أقنعه بإقامة

بغية الطالبين في علوم وعوائد وصنائع وأحوال قدماء المصريين، الجزء الأول في علوم المصريين، مطبعة مدرسة الفنون والصنائع

معجم اللغة المصرية القديمة، صدر منه الجزء الأول في عام 2002، وهو يتكوّن من 22 جزءًا، ويعدّ أول قاموس مصري للغة قدماء

نحن هنا أمام تحوّل نوعي في علم المصريات؛ إذ صار للمصريين باع فيه، وكان للصحافة دور كبير في نشر نتائج الحفريات والتداخل بشأنها، ما أدّى إلى تغيّ الوعي المصري في عصر الخديوي إسماعيل. فمصر بدأت تعيد اكتشاف نفسها عبر علم الآثار، حتى إنّنا نرى بدايات تشكّل هوية مصرية أعمق جذورًا، وبدأت تقدّم مصر بصورة مختلفة؛ فعلى الرغم من مشاركات مصر في عدد من المعارض الدولية، فإنّ حضورها في المعرض الدولي في باريس في عام 1867 كان وازنًا. وقد كان الشعار الذي رفع في هذا الحضور "إذا لم تذهب إلى مصر [...] فإنّ مصر ستأتي إليك" ممثّلً بطريق الكباش وبمعبد فرعوني ثمّ بالمشربيات والقاعات العربية، إضافة إلى الملاابس المصرية

هناك العديد من المؤشرات على تغيّ في تعامل المصريين مع حضارتهم القديمة، كان منها ظهور رموز فرعونية في الصحف مثل صحيفة أبو نظارة ليعقوب صنوع وجريدة الأهرام التي اتّخذت من الأهرام اسمًا وشعارًا لها. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ عهد الخديوي إسماعيل عرف استبدال الطغراء العثمانية بالأهرام وأبي الهول على طوابع البريد. وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر يلُااحظ ظهور أسماء مصرية مثل: مينا ورمسيس في شهادات مواليد المصريين. وفي الآن نفسه، نسجّل أنّ شعراء مصريين يشيدون بآثار مصر

  1. هذا القاموس يعدّ تجربة فريدة من نوعها، وعلاامة على تخطّي المصريين لمرحلة البدايات، والانتقال إلى المساهمة بقوة في علم المصريات.

في أشعارهم، فقد ألقى أحمد شوقي (1870 - 1932) قصيدة أمام مؤتمر المستشرقين في جنيف في عام 1894، أشاد فيها بالفراعنة والبطالمة وحضارة الإسلاام.

رابعًا: المتاحف

تزامن صعود الوعي بتراث مصر مع تمكّن النخبة الوطنية من المناصب العليا في الدولة وانتشار الصحافة وازدهار نشر الكتب. وقد جاء الاحتلاال البريطاني لمصر في عام 1882 ليكرّس هذا الوعي؛ إذ أضحت استعادة الذات عبر الآثار إحدى وسائل المقاومة وتأكيد الهوية الوطنية؛ وهو ما تجسّد في عصر الخديوي عباس حلمي الثاني في أربعة متاحف، هي: المتحف المصري: في عام 1893، بدأت تتبلور رؤية لإنشاء متحف مصري حديث، يستوعب مقتنيات المتحف القديم التي لم يعد يتّسع لها، إلى أن نقل إلى سراي الجيزة التي اكتظّت بدورها. وبعد فتح مسابقة معمارية، اختير تصميم المعماري الفرنسي مارسيل دورنون (1858 - 1911) Dourgnon Marcel، فصار أحد رموز القاهرة، افتتحه الخديوي عبّاس حلمي الثاني في 13 تموز/ يوليو 1902 المتحف اليوناني الروماني: يقودنا هذا المتحف إلى ما هو أبعد؛ إذ إنّ المهندس المصري محمود الفلكي9 بدأ حفريات أثرية في الإسكندرية في عام 1865  /  1886، ليرسم عبر تحقّقه من عدد من المواقع القديمة أول خريطة أثرية للإسكندرية. كان المجتمع المدني في الإسكندرية حيويًّا نشطًا حتى أعيد إحياء المجمع العلمي المصري في الإسكندرية في عام 1859 تحت اسم مجلس المعارف المصري. ثمّ كان لوجهاء المدينة سعي، في عام 1884، لإنشاء متحف للآثار اليونانية الرومانية. لكن الحكومة المصرية رفضت الطلب، ثمّ جدّد في عام 1892 ليوافق عليه، بشرط توقيع اتّفاق مع المتحف المصري. وقد افتتح في بناية مستأجرة بقطع تبرّع بها حائزوها في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 1892 بحضور الخديوي عباس حلمي الثاني، ثمّ بعد ثلااث سنوات يعود الخديوي ليفتتح مبناه الذي جاءت واجهته على الطراز الدوري اليوناني القديم. أعطي المتحف زخمًا، بتأسيس جمعية الآثار في نيسان/ أبريل 1893، التي كان لها دور كبير في النشر العلمي والحفائر والترميم حتى خمسينيات القرن العشرين، وما تزال الجمعية تعمل إلى الآن. يقودنا الحديث عن هذا المتحف إلى إثارة موضوع تأسيس الدراسات اليونانية الرومانية، التي أخذت بعدًا جديدًا بتأسيس جامعة فاروق الأول (الإسكندرية حاليًا)، بإيعاز من الدكتور طه حسين، حيث أخذت هذه الدراسات مكانة كبيرة في كلية الآداب، فطه حسين بدأ حياته في التدريس الجامعي بتدريس التاريخ الروماني في جامعة القاهرة. بيد أنّ التأسيس الفعلي لقسم الحضارة اليونانية الرومانية لم يتمّ إلّ في عام 1963، وقد استطاعت كلية الآداب أن تخرّج جيلً من كبار المؤرّخين المهتميّن بالدراسات اليونانية والرومانية، ومن بينهم مصطفى العبادي (1928 - 2017)، ولطفي عبد الوهاب يحيى، وفوزي عبد الرحمن الفخراني، والآن فيها جيل منه محمد عبد الغني، ومنى حجّاج. المتحف القبطي: جاء الاهتمام بإحداث المتحف القبطي بمبادرة من مرقص سميكة (1864 - 1944) أحد أعيان الأقباط، الذي تضايق ممّا تتعرّض له التحف القبطية من ضياع، فأخذ على عاتقه مهمّة جمعها ودعا إلى مدّ اختصاص (لجنة حفظ الآثار العربية)

  1. عن تشييد المتحف المصري، ينظر: الدسوقي، التاريخ الثقافي لمصر الحديثة، ص 253 - 256؛ محمد حسن علي، الآثار المصرية المستباحة، ص 400 - 403.
  2. كان محمود باشا الفلكي (1815 - 1885) المصري الوحيد الذي حظي باعتراف الأوروبيين في مجال الدراسات الأثرية الكلااسيكية. ولد في محافظة الدقهلية، وتركها ليلتحق بالمدرسة البحرية التي أقامها محمد علي في الإسكندرية، ثمّ التحق بمدرسة المهندسخانة في القاهرة، وبدأ التدريس فيها في عام 1839، فتعلّم على يديه علي باشا مبارك الذي أقنع عباس حلمي الأول بإيفاد معلّمه السابق محمود أحمد حمدي إلى فرنسا لدراسة الفلك، وكان عندئذ في الخامسة والثلااثين من عمره، فعاد ليكون أحد روّاد الدراسات الفلكية والأثرية في مصر. ينظر: دونالد مالكوم ريد، فراعنة من؟ ترجمة رؤوف عباس (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2005)، ص 224.

ليشمل ترميم الكنائس والأديرة التاريخية. وهو ما وافق عليه البابا كيرلس الخامس (1874 - 1927)، ثمّ جرت الموافقة على إنشاء المتحف القبطي في عام 1908. وقد جاب مرقص سميكة مدن مصر، لغاية جمع القطع الأثرية للمتحف، وجاءت التبرّعات عونًا للمتحف الذي افتتح في عام 1910. كان إنشاء هذا المتحف باعثًا على دراسة الآثار والفنون القبطية. وتطوّر هذا الاتجاه بإنشاء جمعية الآثار القبطية برئاسة مريت بطرس غالي (1908 - 1991) في 24 نيسان/ أبريل 1934، وكانت تحت إشراف الأمير عمر طوسون (1872 - 1944.) تأسست الجمعية باسم جمعية أصدقاء ومحبّي الفنّ القبطي. وبعد انضمام عالم الآثار شارل بشتلي (1909 - 1957) Bachatly Charles إلى مجلس إدارتها، جرى تغيير اسمها إلى جمعية الآثار القبطية في عام 1937. تصدر الجمعية دورية علمية، وقد قامت بحفائر أثرية، وأصدرت العديد من الكتب، وأقامت معرضًا للآثار القبطية رعاه الملك فاروق في عام 1944. متحف الفنّ الإسلامي: يمكن اعتبار قصة إحداث هذا المتحف بمنزلة قصة علم الآثار الإسلاامية في مصر؛ فقد شكّل الخديوي إسماعيل في عام 1869 لجنة لحفظ الآثار العربية. لكنها لم تقم بأي دور، ثمّ إنّ شقّ شارع محمد علي من القلعة إلى ميدان رمسيس أثار في الصحافة الأوروبية غضبًا بسبب هدم آثار مدينة ألف ليلة وليلة (القاهرة). في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1881، أصدر الخديوي توفيق أمرًا عاليًا بتشكيل لجنة حفظ الآثار، برئاسة محمد زكي باشا ناظر الأوقاف والمعارف10، التي قامت ببناء سجلّ للآثار الإسلاامية للحفاظ عليها. لكن يؤخذ على هذه اللجنة تركيزها على تسجيل المساجد، بينما لم تحظ بقية المنشآت بالاهتمام ذاته، خاصة المنشآت الصناعية. بدأ إنشاء المتحف في عام 1881، فاتّخذ من أحد أروقة جامع الحاكم بأمر الله مقرًّا له، وأسند المتحف إلى لجنة حفظ الآثار العربية. لكن سرعان ما تكدّست فيه التحف، وأصبحت هناك حاجة ماسّة إلى بناية تليق به. وفي عام 1899، وضعت أسس المتحف في منطقة باب الخلق، بتصميم المعماري الإيطالي ألفونسو مانيسكالكو (1895 - 1903) Manescalco Alfonso، على الطراز الإسلاامي الحديث. وهو أقدم متحف بني في العالم للفن الإسلاامي، وقد افتتح الخديوي عباس حلمي الثاني المتحف في عام 1903. لقد كان افتتاح المتحف بداية لانطلااق مدرسة علمية مصرية في الآثار الإسلاامية، وقد أبرز الوعي المصري المتنامي بالآثار. وبرز الدور العلمي للمتحف مع تولّ علي بهجت (1858 - 1924) إدارته في عام 191411. وكان قد قام بحفائر في منطقة درنكة في أسيوط في عام 1910، ثمّ في الفسطاط. وأثارت اكتشافات الفسطاط مخيّلة المصريين. ونشر بهجت نتائج حفائره في كتابين، أحدهما بالاشتراك مع ألبرت جابرييل (1883 - 1972) Gabriel Albert، وهو أحد الباحثين الأثريين المتخصّصين في الدراسات الأناضولية، ومدير المعهد الفرنسي الأركيولوجي في إستانبول، ونشره في عام 1921. والثاني بالاشتراك مع فيلكس ماسول (1896 - 1942) Massoul Felix، نشر بعد وفاته في عام 1930.12كان الأوروبيون في حقل الآثار الإسلاامية أكثر تحفيزًا للمصريين على دخول هذا الحقل، بعكس حقل المصريات. نرى هذا بوضوح مع جاستون ويت (1887 - 1971) Gaston Wiet   الفرنسي الذي تولّ إدارة دار الآثار العربية (1926 - 1935)؛ فقد حفَّز كًّلًّ من زكي محمد حسن، ومحمد مصطفى على النشر العلمي، بل أوكل إلى كليهما لاحقًا إدارة المتحف بالتناوب: زكي محمد حسن (1951 – 1954)، وفي فترته أصبح اسم المتحف متحف الفن الإسلاامي. أمّا محمد مصطفى، فقد أداره في الفترة 1954 - 1963. وكان ما نشراه هو ما

  1. ينظر في ذلك: كراسات لجنة حفظ الآثار العربية، مكتبة متحف الفن الإسلاامي القاهرة.
  2. علي بهجت يعدّ من كبار الأثريين المصريين، ولد في القاهرة في عام 1868، وحصل على شهادة عليا في الهندسة من باريس، وعمل مدرّسًا للّغة الفرنسية، ثمّ عمل مترجمًا في المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، ثمّ مساعدًا للمستشرق السويسري، ماكس فان برشم، في قراءة الكتابات العربية، ثمّ عمل أمينًا مساعدًا لدار الآثار العربية، ثم تولى إدارة متحف الفن الإسلاامي (1914 - 1924)، وكان سافر إلى باريس (1920 - 1924)، حيث عاد إلى منصبه وتوفي في عام 1924.
  3. علي بهجت وألبير جبرييل، حفريات الفسطاط، ترجمة علي بهجت ومحمود عكوش (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1928)؛ علي بهجت وفيلكس ماسول، الخزف الإسلامي في مصر (القاهرة: دار الآثار العربية، 1930.)

جعل منهما علمين بارزين في مجال البحث الأثري على الصعيد العربي وكذلك الدولي، فنشر زكي محمد حسن في عام 1935 كتابه الفن الإسلامي في مصر، عن دار الآثار العربية، وتتابعت مؤلّفاته المؤسسة لدراسات الفنّ الإسلاامي، ومن أبرزها "أطلس الفنون والتصاوير الإسلاامية"، واستعانت به جامعة بغداد من عام 1954 حتّى وفاته في عام 1957. تعبّ المتاحف الأربعة (المصري، اليوناني الروماني، القبطي، الإسلاامي)، التي افتتحت في عصر عبّاس حلمي الثاني، عن صياغة مصر لتاريخها بصورة مخالفة لما كانت عليه في بدايات القرن التاسع عشر الميلاادي؛ إذ إننا، مع مطلع القرن العشرين، نرى مصر مختلفة جذريًّا عمّا كانت عليه منذ قرن، لتأتي أحداث ثورة 1919، وفكّ الارتباط مع الدولة العثمانية، وتؤدّي إلى إعادة صياغة مصر بهوية وطنية. ثمّ تصاعدت رغبة المصريين في اكتشاف تراثهم الوطني مع جدل فكريّ في شأن هوية مصر نرى صداه في البنايات العامة. فضريح سعد زغلول باشا، صمّم على الطراز الفرعوني في قلب القاهرة، وعلى مقربة منه بني بيت الحكمة (نقابة الأطباء) على الطراز الإسلاامي الحديث، وكذلك بناية جمعية المهندسين. أدّى هذا الجدل إلى حيوية في الحياة العامة، ثمّ إنّ اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون في عام 1922 شكّل حدثًا أثار مصر والعالم. وعقب انتخاب أوّل برلمان مصري في ظل الاستقلاال في عام 1924، ألغت إدارة الآثار التصريح الممنوح لهوراد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون، حيث أصبح توت أيقونة الاستقلاال الوطني، وبدأ السياسيون مثل سعد باشا زغلول ومرقس حنّا يزورون المقبرة. لم تكن هذه الزيارات تؤكد أنّ مصر القديمة ساحرة الجماهير فحسب، بل أيضًا طريقة لتأكيد الوعي المصري على سيادة مصر على مواقع الآثار التي كانت تحت سيطرة الأجانب الذين نهبوها لعقود، والتأكيد بذلك على أنّ الماضي القديم جزء من التاريخ الوطني. أخذت هوية مصر بعدًا آخر بعد ثورة 1919، عبّ عنه تمثال نهضة مصر؛ فكأنّما هي تستعين بعظمة الماضي في نهضة الحاضر. جاء تمثال أبي الهول من الماضي البعيد ليستنهض الحاضر، وقد عبّ سعد زغلول عن هذا الأمر في رسالة منه إلى محمود مختار مؤرّخة في 6 أيار/ مايو 1920 نشرها الدكتور عماد أبو غازي. كان نجيب محفوظ علاامةً أخرى على استلهام الماضي القديم، الذي قدّمه علم المصريات للمصريين، بأمجاده في حقل الرواية الأدبية، فكانت روايته الأولى عبث الأقدار، التي كتبها بين عامَي 1935 و 1936 وصدرت في عام 1939، تُعدّ حقًّا بداية للرواية التاريخية المصرية13(، ثمّ تلتها رادوبيسالتي كتبها بين عامَي 1936 و 1937 وصدرت في عام 1943، و كفاح طيبة التي كتبها بين عامَي 1937 و 1938 ونشرها في عام 1944، وكانت هذه الروايات قد نشرت مسلسلة أولً. كان إدراك محفوظ لمصر بثوبها القديم الجديد هو ما جعله يصوغ أدبًا يربط ماضي المصريين بحاضرهم.

خامسًا: صعود المصريين

لقد أخذت الدراسات الأثرية منحى تصاعديًّا بعد ثورة 1919، فأعيد افتتاح مدرسة الآثار العليا في المدرسة الخديوية، وافتتَحت كليّة الآداب في جامعة فؤاد الأول قسمًا للآثار يدرّس الآثار المصرية والآثار الإسلاامية، وذلك بعد ضمّ الجامعة الأهلية إلى الحكومة المصرية في عام 1925، لتخرّج جيلً من الأثريين الرواد. وتحوّل القسم إلى معهد للآثار ملحق بكلية الآداب يمنح درجة الليسانس الممتازة بعد دراسة مدّتها ثلااث سنوات، ثمّ في عام 1954 عاد المعهد إلى قسم في كلية الآداب14.

  1. طه وادي، مدخل إلى تاريخ الرواية المصرية (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1972)، ص 67.
  2. جاب الله علي جاب الله، "روّاد التاريخ"، مجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، مج 39 (1996)، ص 265.

برز في هذ المرحلة الدكتور عبد المحسن بكير في اللغة المصرية القديمة، وألّف كتاب قواعد اللغة المصرية القديمة في عهدها الذهبي، وقد صدر أربع مرّات كان آخرها في عام 1982. ثمّ برز إبراهيم رزقانة (1912 - 1997) في دراسات ما قبل عصر الأسرات. في هذا الجيل، برز الدكتور سليم حسن15(وهو علاامة فارقة، بدأ حياته مدرّسًا بعد تخرّجه في مدرسة الآثار، ثمّ جاءت الفرصة المناسبة إثر ثورة 1919؛ إذ استغلّ وزير الأشغال، شفيق باشا، فرصة تعيين فرنسيين أمينيين بالمتحف المصري ليشترط تعيين مصريين أمنيين مساعدين لهما، وتقدّم كلّ من سليم حسن ومحمود حمزة؛ وعلى الرغم من التحاقهما بالمتحف، فإنّ إداراته لم تتح لهما أداء دورهما كما يجب، بيد أنّهما ثابرا واستمرّا إلى أن ابتعث سليم حسن إلى المعهد الكاثوليكي في جامعة باريس في عام 1922 ليحصل على دبلوم في اللغات الشرقية، وآخر في تاريخ الديانات، وثالثًا في اللغات القديمة، ثمّ عاد في عام 1927 ليلتحق بالمتحف المصري، لكن ذلك كان في المكتبة. وفي عام 1928، عيّ في الجامعة المصرية، ونفّذ حفريات في منطقة الأهرام، ونال درجة الدكتوراه من جامعة فيينا في عام 1935، وعّي في عام 1936 وكيلً لمصلحة الآثار، وكان أوّل مصري يشغل هذا المنصب. لكنّه أجبر على الاستقالة في عام 1940، فعكف على التأليف والتدريس في كلية الآداب/ جامعة عين شمس. توفّ في عام 1961. وكان من بين مؤلّفاته أول موسوعة في تاريخ مصر القديمة من 16 مجلدًا بدأ بأوّل جزء في عام 1940، وانتهى من آخر جزء في عام 1960، وهو عمل لم يتكرّر حتى الآن. انتهت سيطرة الأجانب على مصلحة الآثار مع ثورة يوليو 1952، فعيّ مصطفى عامر16 مديرًا لمصلحة الآثار في عام 1953، وأدخل إصلااحات هيكلية في مصلحة الآثار مكّنت المصريين من العمل الأثري. لكنّ القيود التي فرضت على تحويل العملة حتى قرب نهاية عقد السبعينيات من القرن العشرين أدّت إلى ندرة المراجع الأجنبية في المصريات. ومن ناحية أخرى، كان هناك استثناء قامت به الدكتورة ضياء أبو غازي؛ إذ استطاعت أن تتبادل ب  حوليّة الآثار المصرية عبر توليها أمانة مكتبة المتحف المصري غيرها من الحوليّات والكتب فاستمرّت مكتبة المتحف في أداء دورها. برز خلاال هذه الحقبة جيل من علماء الآثار، نذكر منهم: عبد العزيز صالح17(: جسّد نضج المدرسة المصرية في علم المصريات، وتجلّ ذلك في إصراره على كتابة مؤلّفاته باللغة العربية حاملة أفكارًا ورؤى جديدة، ليؤسس مرحلة جديدة جعلته يطلق عبر عضويته في مجمع اللغة العربية دراسة عن المشترك بين اللغة العربية واللغة المصرية القديمة، ومن مؤلّفاته: التربية والتعليم في مصر القديمة، وحضارة مصر القديمة وآثارها: وهو موسوعة لم ينشر منها سوى الجزء الأوّل. حسن الباشا18(: يُعدّ عالمًا موسوعيًّا استطاع أن يربط العديد من التخصّصات بعضها ببعض. أسّس مدرسة تقوم على تأصيل العناصر الفنية وتحليلها، وقد أخذ منحى التأصيل عنده بعدًا مهمًّا حينما أصدر موسوعته الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار، ثمّ عمل على تشريح الوظائف المتعلّقة بالآثار الإسلاامية عندما وضع كتابه الفنون الإسلاميّة والوظائف على الآثار العربيّة. وانصرف

Fayza Haikal & Amr Omar, "The Founding Institutios," in: Hana Navratilova et al. (eds.), Towards a History of Egyptology (Münster: Zaphon, 2018); Fayza Haikal & Amr Omar, "Egyptian Egyptology, from its Birth in the Late Nineteenth Century Unitil the Early 2000 s: The Founding Generations," in: Amar S. Baadj (ed.), A Handbook of Modern Arabic Historical Scholarship on the Ancient and Medieval Periods (Leiden: Brill, 2021).

  1. ولد سليم حسن في قرية ميت ناجي مركز ميت غمر في 15 نيسان/ أبريل 1886، ثم التحق بمدرسة المعلمين وانضم إلى الفرقة التي سعى أحمد كمال لإنشائها لدراسة علم المصريات. ينظر: محمد جمال مختار، "سليم حسن كمنقّب"، وعالم آثار المجلة التاريخية المصرية، مج 19، العدد 19 (1972)، ص 76.
  2. أنجزت فايزة هيكل وعمر عمرو دراستين مهمّتين في مجال تاريخ المصريات والمصريين العاملين في هذا الحقل، وأشارا بقوّة إلى النقلاات التي حدثت مع العديد منهم، ينظر:
  3. ولد الدكتور عبد العزيز صالح في 13 أيار/ مايو 1921، وتوفي في 20 تموز/ يوليو 2001.
  4. ولد الدكتور حسن الباشا في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1919، وتوفّي في عام 2001.

بعد ذلك إلى البحث في مسألة المنهج، حيث ابتدع منهجًا جديدًا في دراسة تصاوير المخطوطات من خلاال كتابه التصوير الإسلامي في العصور الوسطىليؤسّس بذلك تيارًا مصريًّا وعربيًّا في دراسات تصاوير المخطوطات، ولكونه متعدّد التخصّصات فإنّ كتبه في تاريخ الفن كانت عميقة، وقد توّجها بإصدار موسوعة للعمارة والفنون الإسلاامية ضمّت 200 بحثٍ باللغة العربية و 50 بحثًا باللغة الإنكليزية. عبد اللطيف إبراهيم19(: لقد ظلّ اسمه مرتبطًا بالبردي العربي الذي اكتشف في مصر في عام 1824 في سقّارة، وتتابعت بعد ذلك الاكتشافات في مواقع أثرية للبردي العربي والقبطي والفرعوني، وبدءًا من عام 1896 بدأت الكشوف عن أوراق الجنيزة اليهودية في مقابر اليهود ومعابدهم في مصر. هنا برزت الحاجة إلى دراسة الوثائق الأثرية المكتشفة، فضلً عن إدراك العديد من المؤرّخين المصريين لقيمة الوثائق بوصفها مصدرًا للدراسات التاريخية، مثل علي مبارك وأمين سامي. لقد اقتضى ذلك في رأي الدكتور عماد أبو غازي20خطوات عديدة. قام الدكتور عبد اللطيف إبراهيم بوضع أسس مدرسة مصرية وعربية في الدراسات الوثائقية، ولكونه حصل على ليسانس في التاريخ في عام 1949، ثمّ على دبلوم في الآثار الإسلاامية، فقد جعله ذلك متمكّنًا من العلمين، فحقّق تراكمًا غير مسبوق في هذا الحقل الجديد. يعدّ ورق البردي، الذي عثر عليه خلاال الحفريات الأثرية أو عن طريق الصدفة، مصدرًا تاريخيًّا غنيًّا بالمعلومات؛ لذا فإنّ دراسته في مصر تراوح بين الاهتمام وندرة من يعملون عليه. وتتميّز في هذا الباب جامعة الإسكندرية المختصة في الحقبة اليونانية الرومانية، فإليها ينتمي مصطفى العبادي ومحمّد عبد الغني اللذان نشرا العديد من البرديات، وقد تميّز ماهر عيسى في البردي القبطي؛ وفي البردي العربي تميّز سعيد مغاوري. وعلى الرغم ممّا تحقّق في مجال الوثائق البردية، فإنّ حقل البرديات مصدر لم يأخذ حقّه من العناية الكافية في مصر. أدّت كلّ الجهود السابقة إلى بلورة حركة علمية وطنية في مصر، تميّزت بالرصانة والإنتاج الغزير، وتبلور علم الآثار في عدّة علوم وتخصّصات فرعية، فقاد هذا إلى تأسيس كلية الآثار في جامعة القاهرة في عام 1970 لتبدأ الدراسة فيها في عام 1974 بقسمين للآثار المصرية وللآثار الإسلاامية، ثمّ أضيف إليهما قسمٌ للترميم في عام 1977 وقسمٌ للآثار اليونانية الرومانية في عام 2013، فضلً عن مسالك دراسية تتوّج بدبلومات متخصّصة أبرزها دبلوم ما قبل التاريخ. لكنّ البحث في الآثار، في حقيقة الأمر، لا ينحصر في أقسام علم الآثار، فقسم الجيولوجيا في كلية العلوم في كلّ من جامعتي القاهرة والمنصورة، على سبيل المثال، أنتج أبحاثًا قيّمة عن حقبة ما قبل التاريخ، ثمّ إنّ قسم الأنثروبولوجيا في جامعة الإسكندرية أسس فيه الدكتور أحمد أبوزيد دراسات بينية بين علم الآثار والأنثربولوجيا. وعلى الرغم من الجهود التي بذلت في دراسة عصور ما قبل التاريخ في كليّات العلوم في مصر، والتي أدّت إلى اكتشاف بقايا ديناصورات في الصحراء الغربية وبقايا أخرى في الفيّوم، وافتتاح برنامج قوي لآثار ما قبل التاريخ، فإنّ هذه الحقبة ما زالت غائبة عن الوعي الوطني المصري. يقودنا هذا إلى النظر في مجالات علم الآثار في مصر؛ إذ لم تترك الدراسات الأثرية في مصر مج لً إلّ طرقته. لكن يبقى التساؤل حول وضعية هذه الدراسات، ومدى مساهماتها في كتابة التاريخ الوطني وفي إدراك المصريين ووعيهم بتراثهم. تتّجه الأجيال الجديدة، مثل الأجيال السابقة في علم المصريات، إلى النشر بلغات أجنبية، خاصة الإنكليزية والفرنسية والألمانية، سعيًا للحصول على اعتراف دولي بها وبقدراتها، في الوقت الذي لا يوجد فيه اهتمام بالنشر باللغة العربية في هذا الحقل. فعلى الرغم

  1. ولد الدكتور عبد اللطيف إبراهيم في 29 نيسان/ أبريل 1926، وتوفي في 11 أيلول/ سبتمبر 2011.
  2. عماد أبو غازي، "رواد الدراسات الأكاديمية في مجال الوثائق"، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية المصرية، مج 1، العدد 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 2016)، ص 3.

من مرور أكثر من قرنين على علم المصريات، فإنّه لم يصبح مصريًّا بعد، وقد ساهم في هذا عزوف دور النشر عن نشر كتب المصريات، أو بصورة أدق عدم وجود برنامج وطني لتحفيز النشر في المصريات، وإن كانت (هيئة الآثار المصرية) في ثمانينيّات القرن العشرين قد بدأت مشروعًا للنشر في المصريات. وكانت الانطلااقة قوية، لكنّها سرعان ما تباطأت، وأثّر ذلك في قدرة المهتميّن بتتبع التطوّرات التي عرفها حقل المصريات على المستوى الدولي، وإن كان المركز القومي للترجمة قد سدّ بعض الفراغ حينما أقدم على ترجمة بعض الكتب إلى اللغة العربية. إنّ ما سبق يشير إلى فجوة بين الجديد في علم المصريات وما يعرفه المصريون من هذا العلم، فاكتشافات البعثة الألمانية في أبيدوس، التي تعيد كتابة عصر ما قبل الأسرات وبدايات الكتابة في مصر القديمة، ما زالت مجهولة بالنسبة إلى معظم المصريين، ثمّ إنّ أسطورة اختفاء جيش الاحتلاال الفارسي بقيادة الملك قمبيز في نهاية عصر الفراعنة باتت غير معروفة، إذ أبيد جيش قمبيز على يد الملك بتويا ستيس الرابع في حركة تحرر وطني بدأت من واحات مصر الغربية. ويعتبر العديد من الدراسات الحقبة البطلميّة حقبة ملحقة بالاحتلاال الروماني والبيزنطي لمصر، في حين أنها حقبة تعدّ امتدادًا للعصور المصرية القديمة. وتدفعنا هذه الخلااصة إلى الانتباه إلى تأثير المركزويّة الأوروبية في علم المصريات القديم وإلى ضرورة أخذ الحذر من نتائج بعض الدراسات الأسيرة لهذه المركزويّة. ومن جانب آخر في مجال الآثار الإسلاامية، على الرغم ممّا نشر منها بالعربية وغطى مجالات عديدة، فإنّ جهود العلماء المصريين في هذا الحقل البحثي غير معروفة دوليًّا.

سادسًا: تطور علم الآثار

لقد شهد علم الآثار في العقود الثلااثة الأخيرة تقدّمًا مذهلً؛ إذ إن علم الآثار في عصرنا يقوم على الحفاظ على المكتشفات التي تعود إلى الماضي السحيق والماضي القريب، وذلك بالكشف عنها وحفظها. لكنّ حدوده لا تقف عند ذلك، بل تتجاوزه إلى محاولة فهم الإنسان وتطوّر المعرفة الإنسانية، فعالم الآثار يضع افتراضات وتساؤلات ليصل إلى رؤية لما جرى الكشف عنه، ومن هنا تبيّ الآثار الناتجة من هذا العلم: كيف كنّا؟ وكيف نحن الآن؟ بين هذين التساؤلين بون شاسع سواء من حيث الزمن أو المعرفة أو التطوّر الذي لحق بالإنسانية، ويكمن دور علم الآثار في سدّ الفجوة بين التساؤلين. إنّ علم الآثار، بوصفه علمًا، لم يأخذ حقّه بعد في الجامعات المصرية، فماهيّة هذا العلم وفلسفته أساسيّتان لقيام نظرية مصرية في مجال الآثار، ثمّ إنّ دراسات تاريخ علم الآثار وعلوم الآثار في مصر ما زالت محدودة، وإذا كان عدد من المصريين قد أجروا دراسات رائدة في هذا المجال، مثل دراسات فايزة هيكل وعمرو عمر21(ودراسة وائل الدسوقي في تاريخ علم المصريات، فإن الفروع الأخرى ما زالت تعاني قلّة الدراسات والأبحاث. إنّ العديد من الأجيال الجديدة قدّم في السنوات الأخيرة دراسات جادة، على نحو ما قام به عكاشة الدالي حينما كشف عن جهود العرب في فكّ رموز كتابات قدماء المصريين، مثل ابن وحشية وذي النون المصري. وقد مكّنت الخلااصات التي انتهى إليها الباحث من التفكير في إعادة النظر في كتاب تقيّ الدين أحمد بن علي المقريزيالمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار الذي يعدّ بمنظور علم الآثار المعاصر دراسة أثرية متكاملة سابقة لعصرها بكثير.

25  Fayza Haikal & Amr Omar, "Egyptian Egyptology, from its Birth in the Late Nineteenth Century Unitil the Early 2000 s: The Founding Generations," in: Amar S. Baadj (ed.), A Handbook of Modern Arabic Historical Scholarship on the Ancient and Medieval Periods (Leiden: Brill, 2021), pp. 42 - 99.

المراجع

References

العربية

أبو غازي، عماد. "رواد الدراسات الأكاديمية في مجال الوثائق." مجلة الدراسات التاريخية والحضارية المصرية. مج 1، العدد 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 2016.)

بهجت، علي وألبير جبرييل. حفريات الفسطاط، ترجمة علي بهجت ومحمود عكوش. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1928.

بهجت، علي وفيلكس ماسول. الخزف الإسلامي في مصر. القاهرة: دار الآثار العربية، 1930.

تاجر، جاك. تاريخ الترجمة في مصر في القرن التاسع عشر. الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية للنشر والتوزيع، 2021.

الدسوقي، وائل. تاريخ علم المصريات. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000.

.____________ التاريخ الثقافي لمصر الحديثة. سلسلة نهضة مصر 87. القاهرة: دار الكتب والوثائق القوميّة، 2012.

الطهطاوي، رفاعة. أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوفيق بني إسماعيل. القاهرة: بولاق، 1868.

عبد الرحيم مصطفى، أحمد. عصر حككيان. سلسلة مصر النهضة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990.

عبده، إبراهيم. تطوّر الصحافة في مصر. القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1982.

علي جاب الله، جاب الله. "روّاد التاريخ." مجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية. مج 39 (1996.)

مالكوم ريد، دونالد. فراعنة من؟ ترجمة رؤوف عباس. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2005.

محمد حسن علي، أشرف. الآثار المصرية المستباحة. القاهرة: دار الكتب والوثائق القوميّة، 2019.

مختار، محمد جمال. "سليم حسن كمنقّب." وعالم آثار المجلة التاريخية المصرية. مج 19، العدد 19 (1972.)

وادي، طه. مدخل إلى تاريخ الرواية المصرية. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1972.

الأجنبية

Baadj, Amar S. (ed.). A Handbook of Modern Arabic Historical Scholarship on the Ancient and Medieval Periods.

Leiden: Brill, 2021.

Navratilova, Hana et al. (eds.). Towards a history of Egyptology. Münster: Zaphon, 2018.