مراجعة كتاب من ذاكرة واحة فجيج: مجموعة وثائقية (1882-1912)
Review of From the Memory of the Oasis of Figuig: A Documentary Collection (1882-1912)
الملخّص
المؤلف: عكاشة برحاب. عنوان الكتاب: من ذاكرة واحة فجيج: مجموعة وثائقية (1882-1912 ). الناشر: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط - المغرب. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 313.
Abstract
Author: Akasha Berhab. Book title: From the Memory of the Oasis of Figuig: A Documentary Collection (1882-1912) . Publisher: Rabat: Dar Abi Rakrak for Printing and Publishing. Date of Publication: 2021. Pages: 313.
- Morocco
- Memory
- Archives
| أحمد بوحسن | Bouhsane *Ahmed | |
| مراجعة كتاب من ذاكرة واحة فجيج: مجموعة وثائقية 1)912-8812(Review of From the Memory of the Oasis of Figuig: A Documentary Collection (1882 - 1912) | |
| المؤلف: عكاشة برحاب. عنوان الكتاب: من ذاكرة واحة فجيج: مجموعة وثائقية (1882 - 1912). الناشر: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط - المغرب. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 313. | |
تخصص المؤرخ عكاشة برحاب1 في البحث في تاريخ المغرب الشرقي، شماله وجنوبه، مركزًا بالخصوص على القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، وهي فترة حرجة ومعقدة في تاريخ المغرب المعاصر الذي تعاقبت عليه القوى الاستعمارية (فرنسا وإسبانيا خصوصًا). وإذا كانت أبحاث برحاب التاريخية تركز، في أغلب الأحيان، على الدراسة التحليلية والنقدية للأحداث التاريخية بمناهج وأدوات المؤرخ الخبير بموضوعه، فإنه يقدم لنا مجموعة من الوثائق التي ضمّها في كتاب بعنوانمن ذاكرة واحة فجيج: مجموعة وثائقية (1882 - 1912)، استغل بعضها في دراساته السابقة لفجيج، ونشرها في بعض كتبه، مثل فجيج باب المغرب2، ومن الذاكرة المحلية3، والبعض الآخر يراه مادة أساسية في دراسات تاريخية أخرى. ويعزز هذا الكتاب، أولً، ما يقوم به المؤرخ عكاشة من أبحاث جادة حول جنوب المغرب الشرقي وشماله، وما يقوم به، ثانيًا، المؤرخون المغاربة والأجانب المتخصصون في تاريخ جنوب المغرب الشرقي، وما قام به، ثالثًا، "المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب"، حينما نشر كتابًا بعنوان واحات التخوم وحدود المغرب الشرقية (1800 - 1903): وثائق وخرائط مختارة4، جمع فيه كذلك مجموعة من الوثائقالخاصة بالمغرب الشرقي، إضافة إلى "مؤسسة أرشيف المغرب" التي تشتمل على مجموعة مهمة من الوثائق عن واحة فجيج وجنوب المغرب الشرقي. والجدير بالذكر أن الاهتمام بفجيج وتاريخها لم يكن وليد اليوم، بل اهتمت به الكتابات التاريخية المغربية القديمة، مثلما اهتمت به الكتابات التاريخية المغربية المعاصرة، سواء كان ذلك من المغاربة أو الأجانب، وخاصةً الفرنسيين، منذ القرن التاسع عشر بعد احتلالهم الجزائر. ومن المؤرخين المغاربة المعاصرين الذين اهتموا مبكرًا بتاريخ فجيج المعاصر، الأستاذ أحمد مزيان، من خلال مؤلفاته المرجعية الأساسية الكثيرة التي اهتمت بفجيج في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. نذكر منها مثلً: فجيج (فكيك): مساهمة في دراسة المجتمع الواحي المغربي خلال القرن التاسع عشر (1845 - 1903)، والمجتمع والسلطة المخزنية في الجنوب الشرقي المغربي خلال القرن التاسع عشر (1845 - 1912)، وكذلك مؤلفاتالأستاذ محمد بوزيان بنعلي الكثيرة حول تاريخ فجيج، الوسيط والمعاصر، ونذكر منها مثلً: فجيج في عهد السعديين: السياسة والثقافة والمجتمع، وبيوتات العلم والأدب بفجيج. وله مع المهندس المؤرخ العربي هلالي مؤلفات كثيرة حول تاريخ فجيج كذلك، منها: فجيج والمخزن في عهد الحسن الأول، وفجيج تحت الحماية الفرنسية 1912 - 1927. وتوجد كتابات كثيرة باللغات الأجنبية عن تاريخ فجيج المعاصر، نشير إلى نموذجين منها فحسب، هما: كتاب المؤرخ الأميركي روس دان بالإنكليزية الذي تُرجم إلى العربية بعنوان المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي: المواجهة المغربية للأمبريالية الفرنسية (1881 - 1912)، وكتاب الباحث محمد حجي بالفرنسية بعنوان حماية القانون الدولي للأفراد على أراضيهم التقليدية: استمرارية الحقوق العريقة لأهل فجيج. وتوجد كتابات تاريخية كثيرة عن تاريخ فجيج المعاصر للعديد من الباحثين الآخرين الذين لا يسمح هذا السياق بذكرهم وذكر أعمالهم. ولكن من المؤكد أنها كتابات وأبحاث تاريخية لا تقل أهمية عمّا أنجزه المؤرخ برحاب، وأنها تغني البحث في تاريخ فجيج بتنوعها واختلاف مجالات بحثها ومناهجها. قدّم كتاب برحاب الأستاذ جامع بيضا، مدير "مؤسسة أرشيف المغرب"، أبرز فيه أهمية أبحاث برحاب التاريخية، والأهمية التاريخية لهذه المجموعة من الوثائق. وقد كتب له تمهيدًا مطولً مهمًّا يساعد القارئ على قراءة تلك المجموعة من الوثائق. وجمع
في هذه المجموعة مادة وثائقية خامًا مهمة، من شأنها أن تفيد المؤرخ، في دراسته وتحليله لمرحلة معينة من مراحل تاريخ المغرب المعاصر، في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين: 1882 - 1912، وهي تشمل منطقة محددة متمثلة في واحة فجيج في جنوب المغرب الشرقي. يضم هذا الكتاب مجموعة من الوثائق الخاصة بواحة فجيج ونواحيها في علاقتها بالسلطان ومخزنه من جهة، وبالقوى الاستعمارية، من جهة أخرى، ولا سيما فرنسا التي كانت تزحف على الأراضي المغربية وتحاول ضمها إلى الجزائر الفرنسية آنذاك، وبخاصة أراضي فجيج، أو بلاد فجيج، عندما قررت فرنسا توسيع مجال سلطتها في الجنوب الوهراني مع نهايات القرن التاسع عشر، ومحاولة مدها لخط السكك الحديدية إلى مدينة بشار، جنوب غرب فجيج. جمع المؤلف في هذا الكتاب مئة وثلاثًا وتسعين وثيقة، سبق أن نشر منها ثلاثًا وعشرين وثيقة في كتابه فجيج باب المغرب، ونشر منها إحدى عشرة وثيقة في كتابه الآخر من الذاكرة المحلية. وقد عرض هذه الوثائق في صورتها الأصلية؛ أي في شكلها وصيغتها المخطوطة، ثم عرضها في صيغتها العربية المعيارية المقروءة، بعد أن قام بتصحيح بعض ما رآه يتطلب بالضرورة تصحيحًا، أحيانًا، حرصًا منه على سلامة العبارة، ورغبة منه كذلك في الاستفادة من المخطوط. ومعظم هذه الوثائق من نوع المراسلات التي كانت تجري بين أهل واحة فجيج وأهل بعض المناطق المحيطة بها، وبين السلطان ورجالات المخزن، وكذلك مراسلات السلطات الفرنسية في الجزائر مع السلطان ورجالات المخزن. وقد قدّم ملخصًا مركّزًا لموضوع كل وثيقة قبل عرضها في صورتها المخطوطة، مشيرًا إلى تاريخ كتابتها. واحترم التسلسل الزمني في عرض تلك الوثائق، مبتدئًا بوثيقة مؤرخة في 20 [حزيران/] يوليو 1882، ومنتهيًا بوثيقة مؤرخة في 14 [أيار/] مايو 1912. والوثائق التي نشرها المؤلف في هذا الكتاب هي التي اطلع عليها خلال سنة 1992 في مركز الأرشيف الدبلوماسي بمدينة نانت بفرنسا، وهو مركز ملحق بوزارة الخارجية الفرنسية، ثم مديرية الوثائق الملكية بالرباط التي اشتغل فيها خلال الفترة 1982 - 1992، والتي تضمنت كذلك بعض الوثائق عن فجيج، مصورة عن أصلها في مكتبة تطوان، إضافةً إلى وثيقة وحيدة في حوزة بعض الخواص (ص. 44). والحق أن هذه المجموعة من الوثائق التي تمكّن المؤلف من الاطلاع عليها لا تمثّل إلا عيّنة صغيرة من أرشيف فجيج الكبير، سواء ذلك المسموح بالاطلاع عليه، أو ذلك الذي لم يسمح بعد بالاطلاع عليه في مراكز الأرشيف في المغرب وفي الخارج، أو ذلك الذي لا يزال في حوزة الخواص. ولكن هذه المجموعة من الوثائق التي نشرها برحاب في هذا الكتاب تمثّل عيّنة دالة تكاد تعطي صورة عامة عن القضايا السياسية والاجتماعية الأساسية المختلفة التي عرفتها واحة فجيج في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وإذا كان الأرشيف، بحسب التعريف الذي وضعه "المجلس الدولي للأرشيف"، هو "مجموعة من الوثائق مهما كان تاريخها وشكلها وحاملها المادي، منتجة أو تم التوصل بها من طرف أي شخص طبيعي أو معنوي، أو من أي هيئة عامة أو خاصة خلال مزاولة أنشطتها"5، فإن هذه الوثائق المكتوبة التي أُنتجت في وقتها، والمحفوظة في بعض مراكز حفظ الأرشيف التي ذكرناها، تعيد إلينا بعض مجريات الأحداث التي تحدثنا عنها، وتعرض علينا أهم القضايا والأحداث التي عرفتها المنطقة، والتي تسببت فيها فرنسا بتوسعها في أراضي بلاد فجيج. وسنتناول لاحقًا أهم القضايا التي عرضتها مجموعة الوثائق.
الشكوى من لااستفزازات الفرنسية
لعل أهم القضايا التي تثيرها مجموعة الوثائق المذكورة آنفًا تتمثل في شكوى أهل فجيج وأهل بعض القبائل المحيطة بها وتظلمهم من الاستفزازات الفرنسية التي بدأت تشتد شيئًا فشيئًا مع نهايات القرن التاسع عشر، ثم أخذت تحتد أكثر فأكثر مع بدايات القرن العشرين. وتتمثل هذه الاستفزازات في الزحف التدريجي على أراضي أهل فجيج ونواحيها وممتلكاتهم، باستعمال القوة العسكرية والسياسية والدبلوماسية والتقنية والعلمية، وشراء بعض القبائل بالترغيب أو الترهيب، واستغلالها لضعف سياسة السلطان ومخزنه، عسكريًا واقتصاديًا وتقنيًا. ونتيجةً لهذا الوضع السياسي والعسكري والاقتصادي الضعيف للسلطان ومخزنه أمام القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية الفرنسية في الجزائر، تمكنت فرنسا تدريجيًا من فرض شروطها على السلطان ومخزنه منذ معركة إيسلي سنة 1844، وبخاصة بعد اتفاقية لالة مغنية سنة 1845، التي ظهرت فيها قوة فرنسا وأطماعها، وفرضت فيها شروطها، واستغلت صيغتها المجحفة للمغرب وأراضيه الواسعة في جنوب المغرب الشرقي، والتي ظهرت آثارها الملموسة في زحفها على أراضي المغرب في بلاد فجيج وما يقع جنوبها حتى توات وما جاورها، وشقها لطريق السكك الحديدية في أراضي فجيج بالقوة، كما توحي بذلك الوثائق التي جاءت في هذا الكتاب. تؤكد هذه الوثائق أن فرنسا استطاعت، بقوتها المذكورة، أن تفرض بالقوة سياستها التوسعية في المنطقة، وأنها كانت تفرض كذلك بعض رجالات المخزن الذين كانوا يسايرونها في توسعها ونشر نفوذها، وترفض أولئك الذين كانوا يواجهون مشاريعها التوسعية، بل تطالب السلطان بعزلهم، مثلما قبل وزير السلطان محمد بن المفضل غريط عزل عامل فجيج عمر السوسي بعد شكوى الفرنسيين منه، لأنه كان يقف في وجه أطماعهم، مع أنه كانت له سمعة جيدة لدى أهل فجيج. يقول في ذلك نائب الوزير المفوض الفرنسي بطنجة: "وبعد، قد فرحت غاية الفرح، حيث سيادته الشريفة أعزها الله قد قبلت شكاية دولتنا على قائد فجيج، وبعث قائدًا جديدًا محله، ونشكر فضلكم بإسعافكم لنا في هذه القضية" (ص. 37). وكان المخزن ينساق، في الغالب، على الرغم منه، لبعض ادعاءات السلطات الفرنسية الاستعمارية التي كانت تبرر هجوماتها العسكرية للمحافظة على الأمن في بلاد المخزن وتأديب الخارجين عن القانون، مثلما حصل في حادثة قصف قصر زناﮔة بفجيج سنة 1903، التي قُتل فيها المدنيون الأبرياء، ودُمرت فيها الممتلكات، وفُرضت فيها شروط مجحفة على أهالي فجيج وعلى أهل زناﮔة بخاصة. وتوجد وثيقة يرى فيها المؤلف أن السلطان قد اعتبر، فيما بعد، أن ذلك الهجوم على فجيج كان تأديبًا لأهل قصر زناﮔة، بسبب تعامل قائده، محمد بن مرزوق، مع الجيلالي الزرهوني (الروكي)، الذي كان السلطان يحذر من التعامل معه، عندما قال: "أصدر الروكي أمرًا لقائد قصر زناﮔة - محمد بن مرزوق - من أجل الالتحاق بأنصاره، وكذا الهجوم على أحد مناصري السلطان عبد العزيز بقبيلة بني يزناسن، وهذا ما دفع السلطان فيما بعد إلى اعتبار الهجوم على فجيج في مستهل [حزيران/] يونيو 1903 تأديبًا لأهل قصر زناﮔة. الرسالة مؤرخة في ثاني [آذار/] مارس 1903 ". (ص. 163). ويدخل هذا التحذير في حرص السلطان على عدم التعامل مع الذين يثيرون الفتن في المملكة ويخرجون عن طاعته، مثل تحذير السلطان كذلك لأهل فجيج بعدم التعامل مع الشيخ بوعمامة عندما قدم إلى فجيج مدعيًا أنّ لديه كتابًا من السلطان ولكنه لم يظهره لأهل فجيج، فتركوه واتبعوا كلمة السلطان، مثلما جاء في رسالة القائد محمد بن مرزوق إلى السلطان المولى الحسن: "فإننا ما وجبناه لا بوجه ولا بمال، وتركناه من بالنا، واتبعنا كلمتكم الشريفة، وطلبنا منه أن يأتينا بكتابكم الشريف ليظهره لنا وننظر فيه، ولم يواجبنا لأننا سمعنا من جانبكم بالتحذير من جانبه ومن معه، لئلّ يلحقنا من الضرر كما لحق به السابقون" (ص. 52). ويبدو أن سيرة الشيخ بوعمامة كانت تتردد بين الرضا بسلوكه والحذر منه؛ ففي الكتاب رسائل تثبت مدى الخدمات التي قدمها الشيخ بوعمامة للسلطان ومخزنه، مثل قول المؤلف: "أخبر الشيخ بوعمامة النائب
الطريس بالمواجهات التي وقعت بين أهل عين صالح والقبائل المغربية الداعمة لها والجيش الفرنسي، كما أخبر بالتحضيرات العسكرية الفرنسية لاقتحام واحة إكلي. الرسالة مؤرخة في 22 [نيسان/] أبريل 1900 ". (ص. 92). ونظرًا إلى ما عرفته المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من حدة الصراع حول الحدود بين الأراضي المغربية والأراضي الجزائرية الفرنسية في منطقة فجيج، لجأت السلطات الفرنسية والسلطات المغربية إلى عقد اتفاقيتين، سنتَي 1901 و 1902، تنظمان تعامل الطرفين مع أهالي الحدود وممتلكاتهم. وقد كانت التأويلات الفرنسية للأحداث ومفهومها للحدود تميل دائمًا إلى ما يخدم توسّعها ومصالحها عمومًا، وتضطر السلطات المغربية إلى الإذعان لها على حساب أراضي أهل الحدود المغربية وممتلكاتهم ومصالحهم، بسبب التهديدات العسكرية الفرنسية القوية؛ ما مكّنها من الزحف التدريجي على مناطق واسعة من ممتلكات أهل فجيج وبعض القبائل المجاورة لها. وقد تعرضت وثائق هذا الكتاب لقضية احتلال القوات الفرنسية توات وعين صالح، وتعرضت لاحتجاج السلطان على ذلك أيضًا.
الدعوة إلى المهادنة
أدى الزحف الفرنسي على منطقة فجيج وتحرشه بها إلى اهتمام السلطان ومخزنه بالمنطقة، فكان السلطان يرسل بعض رجالاته المتمرسين للتفاوض مع الفرنسيين، والإشراف على تنفيذ اتفاقيتَي الحدود لسنتي 1901 و 1902، ووضع علامات الحدود بين أراضي المغرب وأراضي الجزائر الفرنسية، وفض بعض النزاعات الحدودية. غير أن القوة السياسية الفرنسية وقوتها التقنية والعلمية استطاعت أن تقنع رجالات المخزن بتأويلاتها المجحفة للمغرب، ومن ثم التنازل عن أراضيه غصبًا، اتقاءً لمواجهة عسكرية وسياسية غير متكافئة، رغم ما يلحقه ذلك من إجحاف في حق أراضي أهالي فجيج التاريخية ونواحيها وأملاكهم أيضًا. وكان السلطان، أمام كل تلك الاستفزازات الفرنسية لأهل فجيج ونواحيها، يطالب أهل فجيج دائمًا بالمهادنة وعدم مواجهة القوة العسكرية الفرنسية، وهو ما كان يؤدي أحيانًا إلى صعوبة تحمّل تلك الاستفزازات من أهل الواحة ونواحيها. تقول رسالة من السلطان المولى الحسن إلى أهل فجيج: "خدامنا الأرضين أهل فكيك كافة، وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله، وبعد، فقد وصل كتابكم مخبرين أنكم امتثلتم الأمر الشريف في عدم التعرض لجواركم على خزائنهم وتسوق أسواقكم على عادتكم معهم، أنهم هم الذين منعوكم من تسوق بلادهم قبل، وأنتم لم تمنعوا أحدًا من قبض ديته أو وديعته، وأن الجوار الذين كنتم تخالطونهم لا زلتم معهم على ذلك" (ص. 15). يضاف إلى ذلك ما جاء في رسالة السلطان المولى عبد العزيز إلى أهل فجيج يدعوهم أيضًا إلى المهادنة؛ إذ جاء فيها: "خدامنا الأرضين أهل قصور فجيج كافة، الوداغير والعبيد وأولاد سليمان والمعيز والحمام الفوقي والحمام السفلي وزناﮔة6وأهل قصر ييش، وجميع من أضيف إليهم وشملتهم دائرة عمالتكم، أخص منهم الشرفاء والفقهاء والكبراء والأعيان، أعانكم الله إلخ. وبعد فغير خفي ما كان واقعًا بناحيتكم من الترويع واضطراب الأحوال مع جواركم أهل الإيالة الجزائرية وما كنتم تبثونه في مكاتيبكم التي كانت ترد على حضرتنا الشريفة [...] إلى أن مهد الله سبحانه لكم أسباب الراحة والهناء والاطمئنان في أنفسكم ومواليكم، والبقاء على كمال التصرف والانتفاع بأملاككم ومرافقكم، على شرط القيام بحفظ حقوق المجاورة وحسن المعاملة مع الموالين لكم من الإيالة الجزائرية" (ص. 131).
لااهتمام بشؤون أهل فجيج ونواحيها
سعيًا من السلطان ومخزنه إلى التخفيف من حدة التوتر وإبداء اهتمامه بالمنطقة، وحرصًا على حماية الأراضي المغربية، والاستجابة لمطالب أهل واحة فجيج ونواحيها، حاولت السلطات المغربية إثبات حضورها الإداري في المنطقة بتعيين عمال متمرسين يشرفون على شؤون فجيج ونواحيها، وتعيين "قياد" لفجيج من أهل فجيج نفسها، وكذلك إرسال حامية/ إدالة عسكرية لحمايتها، وإن كانت هذه الحامية العسكرية قد عانت كثيرًا من المشكلات المادية والتواصلية. ولعل الوضع الصعب الذي كان يوجد فيه أهل واحة فجيج ونواحيها - من خلال ما كانوا يرونه من اقتطاع فرنسا لأراضيهم وممتلكاتهم تدريجيًا من جهة، وما كان يشعر به السلطان ومخزنه من ضعف أمام القوة العسكرية والسياسية الفرنسية من جهة أخرى - أدى إلى ظهور تلك العلاقة المشوبة بالخيبة، أحيانًا، بين أهل فجيج ونواحيها وبين السلطان ومخزنه الذي كان يدرك حدود قوته العسكرية والسياسية والاقتصادية أمام القوة الفرنسية العسكرية والسياسية والاقتصادية، على الرغم من الجهد الذي كان يقوم به لمواجهة متطلبات سكان الواحة ونواحيها ومواجهة القوة الفرنسية على قدر المستطاع. وقد استغلت فرنسا جيدًا هذه الوضعية الصعبة التي خلقتها بسياستها الاستعمارية التوسعية، لتفرض شروط زحفها على أراضي أهل فجيج ونواحيها وممتلكاتهم. وازدادت هذه الوضعية تأزمًا، بحسب بعض الوثائق الواردة في الكتاب، مع السلطان المولى عبد العزيز، ثم السلطان عبد الحفيظ.
بيعة أهل فجيج للسلطان
لئن ركزت جل وثائق الكتاب على مشكلات الحدود بين أهل فجيج ونواحيها، وبين فرنسا في الجزائر، فإن الوثائق تثير قضايا أخرى مهمة عرفتها المنطقة، تتعلق بعلاقة أهل فجيج ونواحيها فيما بينهم وحياتهم الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم؛ مثل عدم قبولهم دخول العسكر الفرنسي إلى قصور فجيج، وفض النزاعات بين الأفراد والقبائل، ونوع المعاملات التجارية السائدة في المنطقة. ومنها ما يتعلق بالعلاقة بين السلطان ومخزنه وبين أهالي فجيج والروابط التاريخية والروحية والسياسية التي كانت تجمع بينهم، وبخاصة رابطة البيعة للسلطان كلما اعتلى العرشَ سلطان جديد. وقد أثارت بعض الوثائق في الكتاب ما جرى لأهل فجيج حينما تأخروا عن مبايعة السلطان عبد الحفيظ، فكشفت عن ملابسات ذلك التأخير الذي كان نتيجة الغموض الذي اكتنف بدايات ذلك الحدث، وصعوبة التواصل مع الواحة لبعدها عن مجريات الأحداث في العاصمة. ومع ذلك، أثبتت بعض وثائق الكتاب مبايعة أهل فجيج للسلطان عبد الحفيظ حينما تبينوا الأمر واتضحت لهم الأمور أكثر فأكثر، فجرت تلاوة رسالة السلطان لأهل فجيج على المنابر في مساجد المدينة؛ جريًا على عادتهم في قراءة رسائل السلطان على المنابر في المساجد كلما وصلت إليهم، إكبارًا منهم للسلطان، وشعورًا منهم باهتمامه بهم، وتأكيدًا منهم لامتثالهم واتباعهم لسياسة سلطانهم. وجاء في رسالة من بلعباس اللبادي أحد أعضاء المخزن المركزي، إلى محمد الجباص، ما يلي: "محبنا الأرضى الفقيه النائب محمد الجباص [...] وبعد، فقد وصل كتابك بأنك كتبت لعامل فجيج ومن جوارها، بحملهم على الانخراط في سلك السعادة والمبادرة إلى أعظم عبادة، بعقد البيعة لجانب مولانا أيده الله وعلاه [المقصود هنا هو السلطان عبد الحفيظ]، فبادروا إليها وتمسكوا بحبلها ووجهوها لك مع كتاب عاملهم للحضرة الشريفة، ووجهتَ الجميع لشريف الأعتاب وصار بالبال، فقد وصل ذلك وحل محله، وها الجواب الشريف لهم عن ذلك يصلك لتوجيهه لهم على يدك" (ص. 230).
ثم تعرضت بعض وثائق هذا الكتاب لقضية الجبايات التي فرضها المخزن مع بدايات القرن العشرين، والتماس بعض قبائل المنطقة من السلطان إعفاءهم منها نظرًا إلى ضعف حالهم، وإنشاء بعض المراكز لاستخلاص الرسوم من القوافل (الجبايات) في مناطق حدودية بين المغرب والجزائر الفرنسية من بينها العرجة والملياس، إضافةً إلى قضايا اجتماعية تهم بعض الأفراد أو بعض القبائل.
خاتمة
يمكن أن نخلص مما تقدّم إلى أن الوثائق التي ضمها كتاب عكاشة برحاب لامست أهم القضايا السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية العامة التي عرفتها واحة فجيج ونواحيها في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين فقد أبرزت الوضع السياسي الحرج والصعب الذي كانت تعرفه المنطقة في ذلك الوقت من جرّاء الاستفزازات الفرنسية لأهالي المنطقة واغتصابها لأراضيهم وممتلكاتهم وضمّها إلى الأراضي الجزائرية الفرنسية بالقوة العسكرية والمناورات السياسية والدبلوماسية والقوة الاقتصادية من ناحية، وفرض شروطها المجحفة على السلطان ومخزنه، وعلى أهالي فجيج ونواحيها، من ناحية أخرى. وقد نتج من ذلك شعور بالخيبة وإحساس بالظلم؛ بسبب فقدان ممتلكاتهم، وعجز السلطان ومخزنه عن صد الأطماع الفرنسية، رغم جهده المتواضع أمام القوة الفرنسية الكبيرة. ومع ذلك، تشير وثائق إلى العلاقة الوطيدة التي كانت تجمع بين أهل فجيج ونواحيها بالسلطان وعرشه، واعتزازهم باهتمام السلطان بمنطقتهم من خلال تخصيص عمال يقومون بشؤونهم، واعتزازهم بكل ما يصل إليهم من رسائل من السلطان.
المراجع
برحاب، عكاشة. فكيك باب المغرب: مراسلات مختارة مغربية وفرنسية. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2003. ________. من الذاكرة المحلية. الرباط: مطبعة دار القلم، 2017.
واحات التخوم وحدود المغرب الشرقية 1800 - 1903: وثائق وخرائط مختارة. إعداد وتقديم خالد بن الصغير. مراجعة
وتنقيح لحسن حافظي العلوي. تصدير محمد القبلي. الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2013.
References