مسارات التاريخ الاجتماعي في الجامعة المغربية: تجربتي في البحث في موضوع الرقيق في الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط
The Paths of Social History in the Moroccan University My Experience of Researching the Topic of Slavery in the Medieval Islamic West
الملخّص
أستاذ التعليم العالي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، المغرب.
Abstract
Professor of Humanities and Literature, Dahr El Mehraz, Sidi Mohamed Ben Abdellah University, Fez, Morocco. benmlih_abdelilah@yahoo.fr
- الكتابة التاريخية
- المغرب
- ندوة أسطور
- التاريخ الاجتماعي
- Ostour Seminar
- Morocco
اختيارنا عرض تجربتنا مع موضوع الرقّ.
العِلية والعامة على حد سواء، وهو توجه يصمد أمام "ترك التاريخ الاقتصادي والاجتماعي مكانه لتاريخ ثقافي"1.
والأفارقة بدرجة ثانية، من إقبال وبحث وتنقيب3.
إن من شأن إنجاز "إطلالة على حصيلة الدراسات التاريخية المغربية"4 أن يكشف عن التوجهات العامة التي أطّرتها ووجهتها وجهة معيّنة، أو بالأحرى وجهات معيّنة؛ ثم إن ذلك كفيل بتقديم تفسيرات ورؤى جديدة تخصّ قضايا لم تُقدّر قيمتها حقّ قدرها، كما يتيح ذلك رصد البياضات التي تكتنف هذه الدراسات التي نأى أصحابها عن الخوض في مباحث لأسباب ودواعي معيّنة. إنها باختصار محطة ضرورية للمراجعة ووقفة للتأمل والإعداد لانطلاقة جديدة. وفي هذا الإطار، يأتي
يقع البحث في موضوع الرقيق في الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط في قلب الكتابة التاريخية المغربية ذات التوجه الاجتماعي؛ باعتبار اهتمامه بفئة احتلت موضعًا في أسفل الهرم الاجتماعي، وانخرطت في شبكة علائقية قائمة مع
لم يحظ موضوع الرقيق باهتمام الباحثين المغاربة، بخلاف ما لقيه لدى الباحثين الأوروبيين بدرجة أولى والمشارقة
2 فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 253.
إن من شأن إلقاء نظرة سريعة على ما يمكن أن نسميه الإنتاج التاريخي المعرفي المتعلق بالرقيق، في المجتمع المغربي عبر مختلف العصور، أن يظهر بجلاء أن الأمر لم يتجاوز عتبات النبش والإثارة والدعوة. فباستثناء أطروحة الأستاذ الباحث محمد الناجي عن الرقّ في مغرب القرن 19 م المعنونة: "الرقّ والعلاقات الاجتماعية في مغرب القرن التاسع عشر"، ورسالة الأستاذة الباحثة عائشة قريوط في موضوع "الأسرى والعبيد بالمغرب من القرن 15 م إلى منتصف القرن 17 م"5، لا نصادف سوى مقالات متفرقة قليلة العدد6، إلى حين ظهور كتاب جمع بين دفّتيه مجموعة من الأبحاث، بلغ عددها 17، راوحت بين الدراسة والترجمة7. ويبدو أن انقضاء 18 سنة على صدور كتابنا: الرق في بلاد المغرب والأندلسيعدّ مدة كافية كي تثير فينا الرغبة في طرح مجموعة من الأسئلة ذات الصلة، وأولها سؤال عما أنجز من أعمال، أكاديمية أساسًا، في الموضوع نفسه خلال هذه الفترة.ُ اقتحمت، بحسب علمنا، ثلاث تجارب أكاديمية موضوع الرقّ في الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، بعد سنة 2004: التجربة الأولى بصيغة المؤنث تأليفًا وموضوعًا: فقد أنجزت الباحثة ابتسام الزاهر عملها الأكاديمي الذي تقدمت به لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، بإشرافنا، في موضوع: "الإماء في مجتمع الغرب الإسلامي الوسيط: من الفتح إلى نهاية القرن الرابع الهجري/ 10 م". وجرت أطوار مناقشة هذه الأطروحة بتاريخ 31 كانون الثاني/ يناير 2019، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس8. التجربة الثانية بصيغة المذكر، أنجز الأستاذ الباحث خالد حسين محمود أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة عين شمس في القاهرة، بإشراف الأستاذ المقتدر محمود إسماعيل عبد الرازق، نشر جزءًا منها، بعنوان: "الرقيق والحياة الاجتماعية ببلاد المغرب خلال القرون الأربعة الأولى للإسلام"9. التجربة الثالثة بصيغة المذكر أيضًا، وهو عمل أكاديمي في طور الإنجاز، يرتقب تقديمه لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، من إنجاز الباحث يوسف لغزاوي، بإشراف الأستاذ محمد ياسر الهلالي، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق، الدار البيضاء، والأطروحة بعنوان: "الرقيق في بلاد المغرب الأقصى من القرن 7 ه/ 13 م إلى القرن 9 ه/ 15 م"10. فماذا قدمت التجربتان الأولى والثانية للبحث في موضوع الرقّ والاسترقاق في الغرب الإسلامي الوسيط؟ على اعتبار أن التجربة الثالثة قيد الإنجاز. لا تسمح لنا هذه المناسبة ولا موضوع مداخلتنا هذه بتفصيل القول في تقويم التجربتين، غير أن ذلك لا يمنعنا من القول إن العملين، للأسف، لم يرقيا إلى المستوى المطلوب آنئذٍ؛ إذ لم يتقدما خطوات مهمة في البحث في الموضوع، بل اكتفيا بتكرار مقولات عملنا السابق الذكر ونتائجه. وقد تكون لنا فرصة مستقبلية لتقديم ورقة نقدية في هذا الشأن.
يقودنا هذا التقويم الأولي والعابر للتجربتين المشار إليهما إلى التساؤل عما قدمته تجربتنا في هذا الاتجاه، ومحاولة إبراز مظاهر القوة والضعف فيها؛ وذلك عبر العناصر الثلاثة التالية: المنهج والخلاصات والصعوبات.
أوالً: على مستوى المنهج
عولنا في رصد جذور الاسترقاق في الغرب الإسلامي الوسيط، والوقوف عند منحنيات تطوره وتحوله، على المنهج التاريخي؛ باعتبار أن جانبه الوصفي كفيل بأن يقوم حاجزًا أمام الزلل والشطط، وباعتبار أن أسلوبي المقارنة والتحقيق سبيلان لفض الخلاف بين المصادر المتعددة المشارب والتوجهات11. وأفدنا في الاتجاه ذاته من المقارنة بين الرقّ في المجتمع العربي الإسلامي خلال العصر الوسيط ونظيره في الغرب الأوروبي المسيحي، وإن بصورة تقتصر على خدمة الهدف الأساس، وهو تأصيل الرقّ المغربي الأندلسي: جذوره وتطوره. وواجه البحث على هذا المستوى اختلاف الرؤى وتشعبها مذهبيًا واجتماعيًا وسياسيًا، وهو أمر طبيعي في اعتقادنا؛ نظرًا إلى تناوله قضية إنسانية بامتياز واجتماعية متغيرة باستحقاق. ويلخص ذلك ما ذهب إليه الفضل بن يحيى البرمكي [ق 2 ه/ ق 8 م] حين نص على أن "الناس أربع طبقات: ملوك قدمهم الاستحقاق [...] وعِليةٌ أنهضهم اليسار، وأوساطٌ ألحقهم بهم التأدب، والناس بعدهم جُفاء وسيلٌ غثاء، لكع ولكاع وربيطة اتضاع، هم أحدهم طعمه ونومه"12. وأمام تعدد الزوايا، التي يمكن النظر منها إلى موضوع الرق، أصبح لزامًا علينا الانفتاح على عدة مناهج: فقد اعتمدنا المنهج التاريخي لرصد تطور ظاهرة الاسترقاق في بلاد المغرب والأندلس، وهو ما ساعدنا فيه اختيار فترة زمنية طويلة نسبيًا. وقد اعتمدنا المنهج الإحصائي، مستفيدين مما وفرته المصادر من معطيات رقمية، واستعرنا من المنهج السيميولوجي البحث في دلالة الأسماء التي حملها الرقيق، باعتبارها أسماء مستحدثة. واستفدنا أيضًا من الإمكانيات التي تتيحها السوسيولوجيا، خاصة في الكشف عن الوضعية الاجتماعية للرقيق، باعتباره رصدًا لوضع سكوني. وراوحت مقاربتنا للرق في بلاد المغرب والأندلس بين محورين اثنين جمعت بينهما الإشكالية العامة للموضوع، وهي حضور الرقيق في المجتمع خلال القرنين 5 - 6 ه/ 11 - 12 م، على وجه الخصوص: المحور الأول هو وضعية الرقيق، خاصة على المستويين القانوني والاجتماعي؛ باعتبار أن الأول ينظم هذه الوضعية ويبحث عن مسوغاتها الشرعية، وأن الثاني يؤسس لوضع قائم فعلً، مع وعينا بالتداخل الكبير بين المستويين. المحور الثاني هو دور الرقيق، خاصة على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية، بحكم أنه ترجمة حقيقية أو زائفة لوضعيته. وهكذا اعتمدنا في بحثنا في الموضوع على ثلاث مقاربات: مقاربة أولى تتبنى التحليل الشمولي، ونقصد به البحث في المؤشرات الكبرى التي أسست لظاهرة الرقّ في بلاد المغرب والأندلس. وهي بالترتيب جذور الرقّ في المغرب والأندلس، فقد توقفنا عند بداية المرحلة الإسلامية وعيًا منا بضرورة تحديد منطلق
والاجتماعية والجنسية.
الجهوية على الرغم من أن المقاربة الشمولية لا تسعف في إبراز خصوصياتها.
وضعيته القانونية أو الاجتماعية.
في مساره.
معرفة الدروب المؤشرة على استرقاقه، ووضعيته القانونية والاجتماعية أساسًا. الاجتماعية والسياسية. السمات، محاولً تفكيكها بغية فهمها فهمًا دقيقًا.
كبير يعتمد عملية المسح الدقيق.
ثانيًا: على سبيل لااستنتاج
مستويات هذه الخلاصات، من البسيطة التفصيلية إلى القضية البارزة، لذلك سنحصرها في ثلاث خلاصات:
1. الحرب رافد أساسي للاسترقاق
الباحثين المتخصصين14أن اعتبر الحرب الرافد الأساسي للاسترقاق بعامة.
أو نظيرتها الخارجية. وبعيدًا عن استعراض الوقائع التي تؤكد ما ذهبنا إليه بهذا الخصوص، سنكتفي ببعض الإشارات الدالة: ثابت وبارز، ثم روافد الاسترقاق والمصادر الجغرافية للرقيق المغربي، ما أوصلنا إلى رصد توزيعه على الأصعدة المجالية والزمانية
وهو تحليل - وإن كان شموليًّا يهم ثلاث بيئات هي: الأندلس، والمغرب الأقصى، والمغربان الأوسط والأدنى - قد اهتم بالمجالات مقاربة ثانية تتبنى التحليل الدقيق، إذ تقوم على البحث في وضعية الفاعل الأساسي في الدراسة، وهو الرقيق، سواء في ذلك
وقد أتاحت لنا هذه المقاربة الوقوف على حقوق العبد/ الأمَة وواجباتهما تجاه السيد ومن ورائه المجتمع برمته، ثم سمحت لنا بالاقتراب - في حدود معينة - من مصادر رزقه وحياته اليومية، وعلاقته بالآخر. وكشفت لنا أيضًا عن ممارسات مجتمعية تحكمت
مقاربة ثالثة سعت لتبيان دور الرقيق في المجتمع، خاصة في مناحيه الاقتصادية والثقافية والسياسية؛ وهو ما أصبح متيسرًا بعد وكشفت لنا المقاربة الثالثة عن حركية الرقيق في المجتمع: أفقيًا عبر الانخراط في مؤسساته، وعموديًا ضمن تركيبته وهكذا جمع هذا العمل بين المنهج الوصفي المعتمد على إبراز السمات العامة للرقّ، والمنهج التحليلي الذي انكبّ على هذه
واستبعد البحث في أحايين كثيرة الغوص في الجانب النظري، انطلاقًا من قناعة قصور ذلك وعجزه، في غياب تراكم معرفي
يصعب استحضار جميع الخلاصات التي انتهى إليها بحثنا في موضوع الرقّ في الغرب الإسلامي الوسيط، خاصة أمام تعدد
عمت روافد الاسترقاق جميع المجتمعات الإنسانية، وطال الاختلاف ترتيب أهميتها حسب ظروف كل مجتمع. وقد سبق لأحد
وتعددت الروايات المتعلقة بروافد الاسترقاق في الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، من الحرب إلى الخطف إلى الجريمة إلى الديْن. غير أن الغلبة كانت للحرب أساسًا، وذلك بفعل الحركية العسكرية التي عرفتها المنطقة، إن على مستوى الجبهة الداخلية
ففي الأندلس يتحدث الزهري15 عن وضعية ساكنة البلاد في مواجهة الخطر الإسباني، في إشارة شبه صريحة إلى "حركة الاسترداد الإسباني" Espanola Reconquista La، فيقول: "كل ساكن في الأندلس إنما هو كالآخذ بعنان جواد في سبيل الله، وذلك أنهم كانوا يسكنونها على رغم من العدو دمره الله، ولهم مع العدو وقائع كل يوم مشهورة وغارات معلومة للمجاورة التي بينهم". أما في العدوة المغربية، فتبدو شهادة أحد رجالات الإباضية من القرن 5 ه/ 11 م ذات دلالة قصوى، فقد ذم أبو محمد عبد الله بن زورستن الوسياني16 الزمان الذي كان يعيشه، وانتهى إلى القول بسقوط فريضة الحج "لانقطاع السبيل، وجور أهل هذا الزمان". ولعل الإشارة هنا واضحة إلى ما أحدثه الزحف العربي في أواسط القرن 5 ه/ 11 م من دمار وخراب، وما نتج منه من إتلاف المحاصيل واضطراب الأمن. وفيما بين أواسط ق 5 ه/ 11 م ونهايات ق 6 ه/ 12 م نسجل كثرة العمليات العسكرية التي قادتها الكيانات السياسية القائمة مع ما رافقها من أعباء وتبعات17. وفيما بين العدوتين المغربية والأندلسية، لدينا شهادة الشاعر الصقلي أبي العرب مصعب18، من أهل القرن 5 ه/ 11 م حول الصعوبات التي كان المغاربة يلاقونها في البحر نتيجة الاكتساح الأوروبي، فقد كان جوابه عن استدعاء المعتمد بن عباد أمير إشبيلية له: إلا على غُررٍوالبر للعرب البحرُ للروم لا تَجري السفينُ به وإذا كانت هذه الصورة تبدو قاتمة، فإن مصير الإنسان في غياباتها يبدو مأساويا؛ ذلك لأن العلاقة بين الحرب والاسترقاق تكاد تكون حميمية19، بل إن حروبًا قامت في بعض الجهات لهذا الغرض وحده20. ويبدو أن اعتبار الحرب رافدًا أساسيًا من روافد الاسترقاق في المغرب والأندلس له عدة مسوغات نجملها فيما يلي: إن الحرب كانت سج لً بين المغرب وجيرانه؛ إذ تعد السمة البارزة للعلاقة بين الطرفين كما تشهد بذلك الحوليات التاريخية، وذلك نتيجة اختلال التوازن بينهما، إلى درجة أن هذه الحوليات تكاد تكون مجرد سرد لمجريات الوقائع والمعارك والصراعات المسلحة الدامية. وهو ما فطنت إليه الدراسات الحديثة على الرغم من توجهها نحو البحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، فقد ظل تاريخ الحروب حاضرًا باستمرار بوصفه خلفيةً واضحةً، ولعل أبرز مثال لذلك أطروحة الباحث إبراهيم القادري بوتشيش عن قيام
13 أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزهري، كتاب الجغرافية: وما ذكرته الحكماء فيها من العمارة وما في كل جزء من الغرائب والعجائب تحتوي على الأقاليم السبعة وما في الأرض من الأميال والفراسخ، تحقيق محمد حاج صادق). 21, 1968 vol , Orientales Etudes ' d Bulletin , Damas de Français Institut (، ص 226.
دولة المرابطين واستمرارها وسقوطها على أساس ما سماه ب "اقتصاد المغازي"21، استنادًا إلى مقولة محمد عابد الجابري22 "اقتصاد الغزو [...] وأسلوب الإنتاج الحربي". كان مصير أسرى الحروب في معظمهم يؤول إلى الموت أو الاسترقاق23، في حين كان الفداء مقابل أسرى مسلمين، أو مقابل مال، استثناءً. كانت كل حملة عسكرية - محدودة أو واسعة النطاق - تذيل في كتابات المؤرخين وغيرهم، بالإشارة إما إلى أسرى، في عبارات مجردة، أو بتقديم أعدادهم بصفة ذلك تقويمًا منهم لأثر الحملة أو صداها، والحكم بذلك على نجاحها أو فشلها بالنسبة إلى الجانب المغربي، ولبيان فداحتها أو عدم فداحتها بالنسبة إلى الجانب غير المغربي. تحفل مصادرنا التاريخية وغيرها بنماذج لأسرى غير مغاربة جرى نقلهم إلى مدن بلاد المغرب عقب مواجهات عسكرية دامية. من مظاهر الاسترقاق التي عرفتها بلاد المغرب والأندلس أيضًا ما يتعلّق بالحروب الداخلية، سواء تلك التي رافقت قيام الدولة (دويلات الطوائف في الأندلس والدول الزيرية والحمادية والمرابطية والموحدية في بلاد المغرب)، أو التي همت حركات الثورة والعصيان التي كانت تندلع بين الفينة والأخرى في وجه السلطة القائمة في سائر الكيانات السياسية التي عرفتها بلاد المغرب، إلى درجة أن المتتبع لتاريخ هذه الدول سيشعر بأن وجودها ونفوذها واستمرارها رهين كلّه بقدرتها على مواجهة هذه الحركات، فقد تزامن تولي كل أمير أو خليفة مع قيام قلاقل و"فتن"، كان عليه القضاء عليها قبل مباشرة مهماته على رأس السلطة السياسية. موقف القوى السياسية في المغرب والأندلس بعضها من بعض، فقد كانت كل دولة لا ترى في الدولة القائمة وأتباعها مناوئين سياسيين فحسب، بل ترى في ذلك كُفْرًا يجب جهاده، وأنه يجب أن يُعامل أصحابه معاملة العدو الكافر. وهو ما ينطبق على المرابطين، وقد انطلقوا من الصحراء خلال مواجهاتهم في درعة وسجلماسة وسوس، حيث عمد زعيمهم عبد الله بن ياسين إلى تخميس المنهزمين أمامه24. وهو ما سيتكرر مع الموحدين الذين نظروا إلى المرابطين باعتبارهم كفارًا25.
2. عدم إمكانية الحديث عن نمط إنتاج عبودي بالمغرب
إذا كان الرقيق قد انخرط على نحوٍ متفاوت في العملية الاقتصادية بمغرب العصر الوسيط، انطلاقًا من العمل الزراعي وما ارتبط به من فلاحة ورعي وتربية ماشية واحتطاب وسقي، إلى العمل الحرفي، سواء في أشغال شاقة كالمناجم أو في أخرى بسيطة، ثم العمل التجاري، فإن التساؤل يظل مطروحًا عن الإطار الاقتصادي الذي عمل فيه. لقد اعتبر أرسطو26 "الخادم [...] أداة مقدمةً على كل الأدوات"، واعتبره في الصناعة أيضًا بمنزلة آلة حية، في مقابل الأدوات الجامدة، فهل كان العمل العبودي في البلاد الإسلامية الوسيطة أساسَ الإنتاج الاقتصادي؟
ناقش مجموعة من الدارسين هذا الموضوع، وانتهى أحدهم إلى أن دولة الإسلام الوسيطية لم تعرف استغلاليات ريفية تعتمد أساسًا على عمل عبودي واضح وكثيف27. وعندما أقدم العباسيون، في إطار إحياء أراضي العراق، مركز إمبراطوريتهم، على مثل هذا العمل، قامت ثورة الرقيق28، المعروفة "بثورة الزنج". وتتعدد مؤشرات عدم قيام نظام عبودي في الدولة الإسلامية، أبرزها: اقتصار استفادة الدولة من الرقيق عن طريق المتاجرة بهم، وخاصة من خلال الضرائب التي فرضتها على هذه التجارة. اقتصار حضور العبيد على الخدمة المنزلية، وهو "قطاع" غير منتج، وبذلك فهو غير محدد لنظام عبودي قائم. بروز الرقيق في الوظيفة العسكرية، خاصة من الناحية العددية29. ارتفاع أسعار الرقيق في البلاد الإسلامية، مقارنة بأوروبا؛ ما أدى إلى وفرتهم هناك، فغدت العبودية "سلوكًا"، على حد تعبير أحد الدارسين30. وإذا كان من سمات النظام العبودي وجود إنتاجية مرتفعة نسبيًا، مقارنةً بالنظام المشاعي، تؤدي إلى وجود فائض إنتاج، لكنه محدود جدًّا، فإن ذلك لا يعدّ مؤشرًا كافيًا للقول بوجود نظام عبودي في مجتمع ما، على الرغم من أن استمرار الإنتاج يؤدي إلى استمرار الاستغلال بين الأفراد، ويكبح بذلك جماح الحافز المادي لدى المنتجين؛ ما يدفعهم إلى تشديد قبضتهم الاستغلالية، وتكون النتيجة المباشرة لانخفاض الإنتاجية هي حرمان المنتج من ملكية وسائل الإنتاج من جهة، وتملك المستغل لشخص المنتج من جهة أخرى31. وكانت وسيلة المستغل في تملك المنتج هي العنف المادي الذي يمارسه عليه بهدف تحصيل فائض الإنتاج، ومن تجليات ذلك تصرفه معه على أنه حيوان يمارس عمله تحت الإكراه المباشر33. ثم إن ممارسة العنف من جانب المستغِل مع المنتِج لم تكن مطلقة في النظام العبودي، وإلا لأجهزت عليه تمامًا، لذلك أوجبت مصلحة السادة الإبقاء على أرقائهم في صحة جيدة، لأنها شرط أساسي لتطور الاقتصاد وازدهاره، ومن هنا نفهم سر ارتفاع صوت الدين والرأي الاجتماعي، استنكارًا لهذا العنف، وهو ما أثّر بدوره في الوضع القانوني للعبيد وللنظام العبودي كله34. ونصل بعد هذه المقدمات النظرية إلى موقع أرقّاء مغرب العصر الوسيط ضمن النظام الاقتصادي السائد! إن غياب معلومات كافية، وقصورها عن تحويل المعطيات الأدبية إلى معطيات رقمية محددة، فضلً عن غياب دراسات قطاعية ومونوغرافيات تنكبّ على دراسة البنى الاقتصادية والاجتماعية لمختلف بيئات بلاد المغرب، يمنع من إصدار أحكام قطعية، وصياغة مقولات حاسمة. وفي ظل هذا الغياب، سوف نعمد إلى توظيف بعض المقولات التي تمكّن أصحابها من وضع أيديهم على ملامح النظام الاقتصادي في مغرب العصر الوسيط، وخلال فترة معيّنة منه بالذات. ومثال ذلك ما انتهى إليه أحد الدارسين حين سجل أن
"العبيد لم يلعبوا دورًا يذكر على صعيد الإنتاج، بل انحصرت مهمتهم في الخدمة المنزلية"35. وهو ما فسر به عدم قيامهم بثورة في بلاد المغرب ما داموا قد عاشوا منعزلين في المنازل وغير متكتلين في عمليات الإنتاج36. يمكن أن ننطلق من فرضية وجود نظام عبودي في التركيب الاقتصادي - الاجتماعي للمجتمع المغربي والأندلسي خلال العصر الوسيط عبر ملاحظة مجموعة من المعطيات37: استخدام العبيد في الأعمال المنزلية لدى فئات معينة فقط من المجتمع، خاصة الفئة الميسورة، نظرًا إلى ارتفاع أسعارهم، ومحدودية القدرة الشرائية لدى غيرها38. ثم إن الإقبال كان كبيرًا على الإماء أكثر من العبيد. وقد قدمت لنا كتب التراجم والنوازل الفقهية معلومات عن حضور الإماء في بيوت الفقهاء والقضاة خاصة. ӵ كون العبيد سلعة تجارية شائعة. استخدام الرقيق في أعمال منتجة مثل الزراعة والصناعة. ӵ استخدام الرقيق في بعض الأعمال التجارية. والواضح أن هذه المعطيات ليست كافية لاستنتاج أن علاقات الإنتاج العبودية هي العلاقات المهيمنة في المجتمع المغربي - الأندلسي، ويمكن أن نستدل على ذلك بالمؤشرات التالية: عدم كون الرقيق عنصرًا أساسيًا في تركيب القوى المنتجة سواء في المدن أو القرى، فقد كانت الغلبة للأحرار. غلبة اعتبار الرقيق سلعة استهلاكية (العمل المنزلي أساسًا) وسلعة تجارية على اعتبارهم قوة منتجة. كون العبيد في معظمهم أجانب عن المجتمع المغربي - الأندلسي، فهم سودان وصقالبة بدرجة أولى وأحباش ونوبيون وجيليقيون وروم وغيرهم بدرجة ثانية. انتهى بعضهم إلى الاسترقاق عبر التجارة (الصقالبة خاصة)، وبعضهم الآخر عبر الحرب (السودان والجيليقيون خاصة). أما نسبة الرقيق المحلي (عربي وبربري) فإنها لم تكن توازي نسبة الأرقاء الأجانب. وهكذا فإن انخراط الرقيق في المغرب والأندلس في الخدمة المنزلية، وعدم كونهم بذلك قوة منتجة، كما أفصحت عن ذلك دراسة توزيعهم في القطاعات الاقتصادية، يدفعنا إلى القول بعدم إمكانية الحديث عن نظام اقتصادي مغربي وسيطي مبني على الرق39.
3. سر غياب ثورات الرقيق
كان من الطبيعي، وقد انضوى الرقيق تحت لواء حركات المعارضة في المغرب والأندلس [خلال القرنين 5 - 6 ه/ 11 - 12 م خاصة]، أن يقود ذلك، إلى ركوب تيار الثورة ضد السلطة القائمة. غير أن استقراء أخبار ثورات الرقيق، كما وصلتنا، تكشف عن محدوديتها
32 إبراهيم القادري بوتشيش، "مسألة العبيد بالمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين"، في: الإسلام السري في المغرب العربي (القاهرة: سينا للنشر، 1995)، ص 234.
في الزمان والمكان والانتشار؛ إذ يصح اعتبارها، لأجل ذلك، هبات حملت طابعًا اجتماعيًا، واتخذت أشكال التذمر والسخط والاحتجاج40، أكثر منها حركات ذات برنامج يهدف إلى التغيير الشامل والجذري. يحدثنا ابن عذاري41 عن ثورة الموالي في إفريقية الأغلبية، حوالى سنة 264 ه/ 878 م، في عهد إبراهيم بن أحمد، حيث عمد الأمير الأغلبي إلى قتلهم "لأنهم ثاروا عليه". ويلاحظ عن هذه الرواية اهتمامها بخبر قتل الأمير للموالي، وليس بخبر ثورتهم. كما ثار العبيد في إفريقية الفاطمية، في عهد القائم بن عبيد الله، ضد القائد خليل بن إسحاق بن ورد، الذي أخرجه الخليفة الفاطمي لقتال أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني42. والواضح أن الثورتين لم يكن لهما صدى كبير؛ باعتبار أنهما ارتبطتا بسياسة معينة، وليستا تعبيرًا عن واقع حياتي قائم، وهو ما يستشف من الخبر المقتضب عن الثورة الثانية، فقد أساء القائد الفاطمي معاملتهم "حتى أضغنهم ودبروا عليه"43. أما في إمارة نكور، فإن الخطاب الذي حملته ثورة العبيد الصقالبة بها كان تعبيرًا عن رغبة في الانعتاق أكثر منه رد فعل ضد سياسة معينة، فقد خاطب هؤلاء الأمير سعيد بن صالح يسألونه العتق، وألحوا في ذلك "فأبى فناله منهم جفاء وغلظة وقدموا أخاه عبيد الله وعمه الرضا [...] وزحفوا بهما إلى القصر"44. وفي أندلس القرن 3 ه/ 9 م، ترد الإشارة إلى صراع بين العرب والموالي، ففي سنة 276 ه/ 889 م "حدثت النايرة بينها وبين الموالي"45. وبناء عليه نتساءل: لماذا لم تعرف بلاد المغرب والأندلس ثورة للعبيد؟ انتهى الباحثون إلى تقديم تفسيرات متعددة لغياب ثورة للعبيد في المغرب الوسيطي، وكفى أحدهم نفسه عناء البحث فيها قائلً: "أغلب الظن أن وضع العبيد في المغرب لم يستدع الثورة أو لم يمكن منها على الأقل"46؛ وانتهى آخر إلى أن "معاملة المغاربة للعبيد كانت - بصفة عامة - معاملة إنسانية"47. واستعاض باحث آخر عن عبارة ثورات العبيد بانتفاضات العبيد49، وأرجع غيابها "في المقام الأول إلى انعزالهم داخل المنازل وعدم تكتلهم في عمليات الإنتاج"50. وعلى الرغم من وجاهة هذا الرأي، فإن صاحبه دعا إلى ضرورة مناقشة حكمه هذا، من خلال المزيد من الدراسة والتحليل51.
وهنا تبرز أهمية الخلاصة التي انتهى إليها الباحث إبراهيم القادري بوتشيش، فقد أوحت لنا دعوته إلى المزيد من التقصي والبحث باستحضار أنموذج ثورة العبيد في المشرق الإسلامي52، ومقارنة أسباب اندلاعها بظروف عبيد المغرب والأندلس. وخص الباحث أحمد علبي ثورة الزنج بأبحاث عديدة، كشف فيها عن خلفياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأفاض في الحديث عن الوضعية المزرية التي كان العبيد يعيشون في ظلها، من حيث الأعمال المضنية التي كانوا يقومون بها من أجل تجفيف المستنقعات، وكسح الطبقات الملحية، وجمعها ونقلها إلى مكان بيعها؛ ومن حيث ممارسات أثرياء البصرة عليهم، وعلى رأسها حرمانهم من الغذاء الكافي واللباس الضروري، وباختصار "كان الزنج يحيون في مستوى أدنى من الأرقاء"53. ويلخص أحمد علبي أسباب ثورة الزنج في كونها ثورة ذات طابع طبقي، نظرًا إلى أنه كان للعوامل الاقتصادية والاجتماعية دور كبير في تفسير نشوئها واستمراريتها54. وفي مؤلف آخر، يشير علبي إلى أسباب قيام ثورة الزنج، فيحددها بعوامل سياسية تندرج تحت موضوع التسلط التركي، وعوامل اقتصادية تجمع بينها طبقية المجتمع، وعوامل اجتماعية تنبئ بها وضعية الزنج في أراضي البصرة55. وإذا كانت هذه هي عوامل قيام ثورة الزنج في منطقة البصرة، فإن عدم وقوفنا على مظاهر شبيهة لها في المغرب والأندلس، يدفعنا إلى القول إن "ثورة" العبيد أو انتفاضة العبيد في المغرب لم تتوفر لها أسباب القيام؛ وذلك لأن عدم توظيف عبيد المغرب في العمل الزراعي على نطاق واسع، واقتصار حضورهم على المنازل والبلاطات، جعل تكتلهم أمرًا مستحيلً56. وإذا كنا نتوفر على بعض مؤشرات انتفاضة العبيد في المغرب والأندلس، فمن بينها مؤشر مادي من شأنه أن يجمع بينهم ويلفت الانتباه إليهم. يتعلق الأمر بالبوق الذي وردت الإشارة إليه في مثل شعبي "إذا ريت الزنج، أبشر بالبواق"57، الذي يحيل إلى عادة النفخ في البوق لدى عبيد الأندلس بقصد جمع أصحابهم، ويرجح أحد الدارسين أن المثل قرطبي يهم زنوج الحرس الخاص لبني أمية وبني عامر58. إن وجود هذه العادة يشير إلى رغبة العبيد في الظهور مجموعةً متميزة، وتعبير عن وعي بخصوصيتها.
48 عرف العراق هبّتين للزنج قبل ثورتهم الكبرى. الأولى سنة 71 ه/ 690 - 691 م، والثانية سنة 76 ه/ 695 م. ينظر: علي بن أبي الكرم الشيباني الجزري ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق محمد يوسف الدقّاق، ج 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1987)، ص 147 - 148؛ أحمد علبي، ثورة العبيد في الإسلام (بيروت: دار الآداب، 1985)، ص 13 - 14؛ وقامت ثورة الزنج في رمضان 255 ه/ 870 م في منطقة البصرة، التي استهدفت أراضيها للاستصلاح، فقام التجّار بتوظيف أموال طائلة لهذا الغرض، وهو ما تطلب يدًا عاملة كثيرة جلبت من الزنج. واستمرت الثورة حتى شهر صفر من سنة 270 ه/ 883 م، أي قرابة خمسة عشر عامًا، بلغت من الخطورة حدًّا جعلها تهدّد الخلافة العباسية في بغداد نفسها. في: علبي، ص 14 - 15؛ وحول مراحل ثورة الزنج، ينظر: عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون المسمى كتاب العبروديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص 469 - 402، ومختصر لها، ج 4، ص 22 - 26.
ونستحضر في هذا السياق رواية ذات دلالة خاصة أوردها الطرطوشي59، مفسرًا بها فشل ثورة الربض الشهيرة في أندلس مطلع القرن 3 ه/ 9 م. فقد ورد لديه أنه "لما قامت العامة على السلطان بقرطبة فلبسوا السلاح، كان شيخٌ جالسًا على كيره يعالج صنعته، فقال: ما بال الناس؟ قالوا: قامت العامة على السلطان. قال: ولهم رأس؟ قالوا: لا، قال: سق الكير يا صبي، فذهبت مثلً". فهل يمكن القول إن افتقار العبيد إلى تنظيم وقائد كان من معوقات قيام انتفاضة أو ثورة لهم؟ يكشف لنا نص خلدوني في غاية الأهمية عن الأثر الذي يمارسه الرقّ في حياة الأفراد والجماعات على حد سواء. يتحدث ابن خلدون عن مصير بقايا المرابطين من مسوفة ولمتونة بعد نهاية دولتهم، وبعد اختفاء حركة بني غانية، "هلك من قام بالملك منهم بالعدوتين [...] أكلتهم الدولة وابتلعتهم الآفاق والأقطار، وأفناهم الرقّ واستلحمهم أمراء الموحدين". فإذا كان الرق قد أفنى جماعة بشرية تمتعت بوزن سياسي كبير في مرحلة من مراحل التاريخ المغربي، فإن المجموعة التي كان يقع عليها عبء الرقّ أساسًا لم تكن لتسلم من معرته.
ثالثًا: الصعوبات والعوائق
1. صعوبة قياس مظاهر التأثير الثقافي للرقيق في المجتمع المغربي، أو رصدها
ساهمت ثقافة الرقيق الوافد على بلاد المغرب والأندلس في نقل معارف ممثلة في لغةٍ وعاداتٍ وسلوكياتٍ من المجتمعات الأصلية إلى المجتمع المستقبِل. غير أن اجتهاداتنا لم توصلنا إلى رصد التأثير الذي مارسته هذه المعارف وامتداداتها في المجتمع المغربي - الأندلسي.
2. أي مصير ينتظر العبد المُعتَق أو الآبق؟
إن توقف مصادرنا عند إقدام السيد على عتق عبيده وإمائه من جانب، وعند تسجيل إباقه من جانب آخر، ليس داعيًا إلى طي صفحة الرق في حياة الرقيق.
3. طبيعة العلاقات البينية للرقيق
سكتت مصادرنا، على اختلافها، عن موضوع العلاقات القائمة بين الأرقّاء أنفسهم، فقد رصدنا حركية الرقيق وحضوره في المجتمع من دون أن نتمكن من رصد العلاقات التي ربطت بين أفراده.
4. استنطاق الصمت التاريخي للرقيق
إن ما وقفنا عليه من إشارات تعبر عن صوت الرقيق غير كاف، في نظرنا، لإحداث توازن مطلوب في مقاربة موضوع الرقّ، فقد كان طموحنا كبيرًا في سماع أصواته وشكاواه وأناته المعبرة بصدق عن معاناته. إن من شأن ذلك أن يعدّل الكثير من الآراء والخلاصات التي انتهينا إليها.
وأتاحت لنا عودةٌ متأنية إلى الموضوع مراجعةَ مجموعة من النصوص والآراء على حد سواء، أسفرت عن نتائج محمودة تقف على النقيض من المقولة الشائعة: "الصمت التاريخي للعبيد".
5. التوزيع الجغرافي والديني للرقيق
يعدّ البحث في توزيع الرقيق في المجتمع مبحثًا قائمًا بذاته، غير أن محاولتنا لم تتجاوز اقتحامه بواسطة البحث في التوزيع المجالي والزماني والإثني. وهو ما لم يكن في مستوى ما كنا نطمح إليه؛ إذ لا يزال الطريق أمام هذا البحث طويلً خاصة في مجال التوزيع الجغرافي، على مستوى المدن والبوادي، وكذا في مجال التوزيع الديني: أرقاء يهود ومسيحيون وغيرهم، إلى جانب القيام بإحصاء دقيق لأعدادهم. وهو ما يقتضي التعويل على مقاربات مساعدة أبرزها المقاربة الإحصائية – الديموغرافية، انسجامًا مع التوجه الجديد في البحث التاريخي الذي انتقل من الاهتمام بالنمو التقني "إلى البحث عن المعوقات والجمود وثوابت الأنظمة الاجتماعية"، وذلك على الرغم من وعينا بأن طبيعة المادة المصدرية المتوافرة لا تسعف كثيرًا في ذلك.
خاتمة
قصارى القول إن تجربة البحث في الرقّ في الغرب الإسلامي الوسيط تجربة غنية، مكّنت صاحبها من الكشف عن جوانب ظلت خفية في مسار الأرقاء، وأبانت عن حضور جليّ لفئة الرقيق ضمن النسيج الاجتماعي، على الرغم مما تعرضت له من ممارسات وسلوكات. واستعرضت هذه الورقة في المدخل المفاتيح الأساسية لدراسة موضوع الرقّ في الجناح الغربي للعالم الإسلامي خلال العصر الوسيط، وتوسعت في استحضار النتائج الأساسية، كما نبّهت إلى أبرز الصعوبات التي اعترضت الباحث، وهو ما كان القصد منه تحفيز الباحثين على اقتحام مسالك جديدة جديرة بمزيد من البحث والتنقيب.
المراجع
1. العربية
أرسطو. في السياسة. ترجمه من اليونانية الأب أوغسطينس بربارة البولسي. ط 2. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1980.
أشتور، آ. التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشرق الأوسط في العصور الوسطى. ترجمة عبد الهادي عبلة. دمشق: دار قتيبة، 1985.
ابن الأبار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي. الحلة السيراء. تحقيق حسين مؤنس. القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1963.
ابن أبي زرع الفاسي، علي. الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس. الرباط: دار المنصور للطباعة والنشر، 1973.
ابن الأثير، علي بن أبي الكرم الشيباني الجزري. الكامل في التاريخ. تحقيق محمد يوسف الدقاق. بيروت: دار الكتب العلمية، 1987.
علي بن أبي الكرم الشيباني الجزري
ابن خلدون، عبد الرحمن. تاريخ ابن خلدون المسمى كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. بيروت: دار الكتب العلمية، 1992.
ابن رشد القرطبي، أبو الوليد محمد بن أحمد. المقدمات الممهدات. تحقيق محمد حجي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988.
ابن الفرضي، أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي. تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس. نشر عزت العطار الحسيني. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1988.
ابن الفقيه الهمذاني، أبو بكر أحمد بن محمد. مختصر كتاب البلدان. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988.
بدوي، عبده. السود والحضارة العربية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1976.
البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز. المسالك والممالك. تحقيق وتقديم أدريان ڤان ليوفن وأندري فيري. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992.
بنمليح، عبد الإله. الرق في بلاد المغرب والأندلس خلال القرنين 5 - 6 ه/ 11 - 12 م. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2004.
_______. الصمت التاريخي للرقيق في الغرب الإسلامي الوسيط: قراءة جديدة، عرض ألقي ضمن "مسامرات ثقافية"، تنظيم مؤسسة مغرب التراث، الخميس 27 ماي 2021. [قيد النشر]
_______. العبيد البيض في مجتمع الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط. فاس: مطبعة أنفو - برانت، 2022.
بنمليح، عبد الإله [وآخرون]. تاريخ المغرب: تحديد مجالات ومقاربات جديدة. منشورات جامعة الأخوين في إفران. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2005.
References
بوتشيش، إبراهيم القادري. الإسلام السري في المغرب العربي. القاهرة: سينا للنشر، 1995.
_______. مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين. بيروت: دار الطليعة، 1998.
بوتول، جاستون. الحرب والمجتمع. ترجمة عباس الشربيني. بيروت: دار النهضة العربية، 1983.
الجابري، محمد عابد. العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. ط 3. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1982. حسين محمود، خالد. الرقيق والحياة الاجتماعية ببلاد المغرب خلال القرون الأربعة الأولى للإسلام. القاهرة: مصر العربية للنشر والتوزيع، 2009.
الحميري، محمد بن عبد المنعم. الروض المعطار في خبر الأقطار. تحقيق إحسان عباس. بيروت: مكتبة لبنان، 1975.
الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد. طبقات المشايخ بالمغرب. تحقيق إبراهيم طلاي. قسنطينة: مطبعة البعث، 1974.
الزجالي القرطبي، أبو يحيى عبيد الله بن أحمد. ري الأوام ومرعى السوام في نكت الخواص والعوام. تحقيق محمد بن شريفة. فاس: مطبعة محمد الخامس الثقافية والجامعية، 1971.
الزهري، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر. كتاب الجغرافية: وما ذكرته الحكماء فيها من العمارة وما في كل جزء من الغرائب والعجائب تحتوي على الأقاليم السبعة وما في الأرض من الأميال والفراسخ. تحقيق محمد حاج صادق. نشر:
Institut Français de Damas, Bulletin d'Etudes Orientales, vol. 21 , 1968.
الطرطوشي، محمد بن الوليد. سراج الملوك. تحقيق جعفر البياتي. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1990.
المراكشي، ابن عذاري. البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. تحقيق ج. س. كولان و إ. ليفي- بروفنسال. بيروت: دار الثقافة، 1983.
المقريزي (تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي). كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المعروف بالخطط المقريزية. ج 2. بيروت: دار صادر، [د. ت.].
الدوري، تقي الدين عارف. صقلية: علاقاتها بدول البحر المتوسط الإسلامية. بغداد: دار الرشيد للنشر، 1980.
دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.
رزوق، محمد. "قضية الرق في تاريخ المغرب". حوليات كلية الآداب والعلوم الإنسانية I. الدار البيضاء. العدد 4 (1988).
علبي، أحمد. ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد. طبعة جديدة. بيروت: دار الفارابي، 1991.
_______. ثورة العبيد في الإسلام. بيروت: دار الآداب، 1985.
قريوط، عائشة. "الأسرى والعبيد بالمغرب من القرن الخامس عشر الميلادي إلى منتصف السابع عشر". رسالة دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. ظهر المهراز. فاس. 2000.
كاتشانفسكي، يوري ف. عبودية، إقطاعية أم أسلوب إنتاج آسيوي؟ ترجمة عارف دليلة. بيروت: دار الطليعة، 1980.
لوغوف، جاك. التاريخ الجديد. ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة. 2007.
مجموعة مؤلفين. "إطلالة على حصيلة الدراسات التاريخية المغربية". مجلة المناهل. العدد 99 (نيسان/ أبريل – أيار/ مايو – حزيران/ يونيو 2020).
الرق في تاريخ المغرب. تنسيق عبد العزيز عينور وعبد العزيز بل فايدة ومحمد الغرايب. القنيطرة: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية؛ الرباط: مطبعة Maroc Net Rabat، 2010.
مروة، حسين. النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية. ط 6. بيروت: دار الفارابي، 1988.
المقداد، محمود. الموالي ونظام الولاء من الجاهلية إلى أواخر العصر الأموي. دمشق: دار الفكر، 1988.
موسى، عز الدين أحمد. النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري. القاهرة/ بيروت: دار الشروق، 1983.
هوبكنز، ج. ف. ب. النظم الإسلامية في المغرب في القرون الوسطى. ترجمة أمين توفيق الطيبي. ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1980.
2. الأجنبية
Botte, Roger. "Les rapports Nord-Sud, la traite négrière et le Fuuta Jaloo à la fin du XVIIIè siècle." Annales.
Économies, Sociétés, Civilisations. vol. 46 , no. 6 (Novembre-Décembre 1991).
Encyclopédie de l'Islam. Nouvelle édition. Leiden: E. J. Brill; Paris: éd. Maisonneuve et Larose. 1975.
Deschamps, Hubert. Histoire de la traite des noirs de l'antiquité à nos jours, l'histoire sans frontières. Paris:
Fayard, 1972.
Stella, Alessandro. "L'esclavage en Andalousie à l'époque moderne." Annales. Économies, Sociétés, Civilisations.
vol. 47 , no. 1 (Janvier-Février 1992)
Wallon, Henri. Histoire de l'esclavage dans l'antiquité. Collection Bouquins. Paris: Robert Laffont, 1988.