العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مقاربة تاريخية للتربية على قيم حقوق الإنسان بالمغرب

مقاربة تاريخية للتربية على قيم حقوق الإنسان بالمغرب

A Historical Approach to the Teaching of Human Rights Values in Morocco

مصطفى حسني إدريسي

محمد زرنين

الملخّص

تتناول هذه الدراسة، انطلاقًا من متن منوّع، العلاقة بين التربية على قيم حقوق الإنسان والسياق السياسي والتربوي في المغرب منذ الاستقلال. حدد المؤلفان ثلاث حقب في تطور التربية على قيم حقوق الإنسان: مرحلة الكمون (ما قبل عام 1992) التي طبعها التسلّط والبيداغوجيا التقليدية القائمة على التكرار والحفظ؛ ومرحلة الظهور (الفترة 1992-2000)، وهي مرحلة الانبثاق، اتّسمت بالانفتاح السياسي والتدريس بالأهداف ومراجعة البرامج، مع الحرص على الطابع التقليدي في المناهج المدرسية. والمرحلة الأخيرة (منذ عام 2000 إلى اليوم)، هي مرحلة أجرأة وإعادة تنظيم التربية على قيم حقوق الإنسان، التي تميّزت بسياق سياسي أكثر ملاءمة، وباختيارات تربوية تراهن أكثر على فاعلية المتعلم. ويلاحظ في نهاية البحث أن تطور التربية على حقوق الإنسان، مثله مثل تطور المقاربة البيداغوجية، محكومان بالتطور السياسي.

Abstract

Using a diverse corpus, this study considers the relationship between teaching the values of human rights and the political and pedagogical context of post-independence Morocco. The authors identify three periods in the development of this pedagogy. First, the latency phase (before 1992) was characterized by traditional, controlling pedagogy based on repetition and memorization. Next, the outflow phase (1992 - 2000) was marked by political openness, goal-based instruction, and curriculum revision while preserving the traditional character of schooling. The final stage (2000 to present) has been a time of restructuring for the teaching of human rights values. Occurring in a more appropriate political context, this final stage has featured pedagogical choices that take for granted the competence of learners. The study concludes that the evolution of the teaching of human rights values, much like pedagogical approaches, is dependent on political developments.

الكلمات المفتاحية:
  • قيم حقوق الإنسان
  • المنهاج الرسمي
  • التربية الوطنية
  • التربية على المواطنة
  • أسلمة البرامج الدراسية
Keywords:
  • Human Rights Values
  • Official Curriculum
  • Civic Education
  • Citizenship Education
  • Teaching Programmes and Trends
  • Islamization of Curricula

القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل

DOI: https://doi.org/10.31430/GCBM8812: الرقم التعريفي
مصطفى حسني إدريسي*Mostafa Hassani Idrissi |
محمد زرنين | Zernine Mohammed**
مقاربة تاريخية للتربية على قيم حقوق الإنسان بالمغرب
A Historical Approach to the Teaching of Human Rights
Values in Morocco

تتناول هذه الدراسة، انطلاقًا من متن منوّع، العلاقة بين التربية على قيم حقوق الإنسان والسياق السياسي والتربوي في المغرب منذ الاستقلال. حدد المؤلفان ثلاث حقب في تطور التربية على قيم حقوق الإنسان: مرحلة الكمون (ما قبل عام 1992) التي طبعها التسلّط والبيداغوجيا التقليدية القائمة على التكرار والحفظ؛ ومرحلة الظهور (الفترة -19920002)، وهي مرحلة الانبثاق، اتّسمت بالانفتاح السياسي والتدريس بالأهداف ومراجعة البرامج، مع الحرص على الطابع التقليدي في المناهج المدرسية. والمرحلة الأخيرة (منذ عام 0002 إلى اليوم)، هي مرحلة أجرأة وإعادة تنظيم التربية على قيم حقوق الإنسان، التي تميّزت بسياق سياسي أكثر ملاءمة، وباختيارات تربوية تراهن أكثر على فاعلية المتعلم. ويلاحظ في نهاية البحث أن تطور التربية على حقوق الإنسان، مثله مثل تطور المقاربة البيداغوجية، محكومان بالتطور السياسي.

Using a diverse corpus, this study considers the relationship between teaching the values of human rights and the political and pedagogical context of post-independence Morocco. The authors identify three periods in the development of this pedagogy. First, the latency phase (before 1992) was characterized by traditional, controlling pedagogy based on repetition and memorization. Next, the outflow phase (1992 - 2000) was marked by political openness, goal-based instruction, and curriculum revision while preserving the traditional character of schooling. The final stage (2000 to present) has been a time of restructuring for the teaching of human rights values. Occurring in a more appropriate political context, this final stage has featured pedagogical choices that take for granted the competence of learners. The study concludes that the evolution of the teaching of human rights values, much like pedagogical approaches, is dependent on political developments.

أستاذ في كلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس، الرباط. Professor at the Faculty of Educational Sciences, Université Mohammed V, Rabat. Email: mostafahi@hotmail.com Professor at the Centre d’Orientation et de Planification de L’Education (COPE), Rabat. Email: medzernine@gmail.com

مقدمة

تُدرج مساهمتنا هذه ضمن مقاربة تاريخية في تناول التربية على قيم حقوق الإنسان، انطلاقًا من متن منوّع يتكوّن من

برامج وتوجيهات رسمية، وكتب مدرسية خاصة بثلاث من "المواد الحاملة" للقيم (التاريخ والجغرافيا، والتربية الوطنية/ التربية على المواطنة، والتربية الإسلامية)، ومن أبحاث وتقارير تقييمية أيضًا. ونركّز على هذه المواد الخاصة بالتعليم الأساسي فحسب، أي بالسلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي لأسباب عملية، كي نفحص ما تمرّره من خطاب صريح في التربية على قيم حقوق

الإنسان. تقوم فرضيتنا العامة على الآتي: بقدر ما تسعى برامج الدراسة في مدرسة ما لتطوير الفكر المستقل والنقدي، ترتبط غاياتها بقيم حقوق الإنسان. وعكس ذلك، بقدر ما تمرر هذه البرامج معارف موحدة مفضلة التلقين والاستظهار، يكون اهتمامها بالتربية على قيم حقوق الإنسان ضعيفًا. يعكس النمط الأول من المدارس مجتمعًا تسود فيه القيم العلمانية والليبرالية والديمقراطية، ويعكس النمط

الثاني مجتمعًا تهيمن فيه قيم السلطوية والتراتبية. حقّبنا مراحل التربية على قيم حقوق الإنسان في المنظومة التربوية المغربية، فميّزنا بين ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل عام 1992،

وهي مرحلة الكمُون؛ ومرحلة الفترة 1992  -  2000، وهي مرحلة الظهور؛ وأخيرًا المرحلة الثالثة الممتدة من عام 2000 إلى الآن، وهي

مرحلة التفعيل وإعادة التنظيم.

المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل 1992: مرحلة الكمون

في هذه المرحلة، خصوصًا خلال "سنوات الرصاص" (1965 - 1990)، كانت حقوق الإنسان غائبة كليًا تقريبًا من المناهج

الدراسية والحياة السياسية، حيث لم ترد أي إشارة صريحة إلى حقوق الإنسان ومبادئها في دستور المملكة المغربية لعام 1962، ولا في نص دستور عام 1970؛ إذ نجد في متن ديباجة الدستورين صياغة عامة تشير إلى الالتزام بالمبادئ والحقوق والواجبات كما تحدّدها المواثيق الدولية، لكن من دون ذكر لحقوق الإنسان على نحو صريح1. وكثيرًا ما لجأ النظام إلى أسلوب التحكم المطلق

في كل ما يقتضيه من الاختفاء القسري للأشخاص، والسماح للمعتقلات السرية بالوجود في الوقت ذاته2. ففي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وبعد محاولَتي الانقلاب على الملك الحسن الثاني في عامي 1971 و 1972، نتيجة تأزم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعد استفراد القصر باتخاذ القرارات الاستراتيجية وعدم إشراك القوى السياسية المعارضة، برز الخيار التقليداني في مجال التربية الذي يتوافق أيديولوجيًّا مع نظام الحكم آنذاك. وظهر ذلك واضحًا مع نظام "المدارس القرآنية" الذي

استهدف تدريس آلاف الأطفال المحرومين من التمدرس، مع تعريب البرامج الدراسية ومغربة هيئة التدريس. وقد عبّأت هذه

السياسة الوطنيين المقربين من حزب الاستقلال والتيار الديني المحافظ لدعم النظام3، حيث صاحب التعريب تقوية المضامين الدينية في البرامج ل "نسف الأسس الأيديولوجية للاحتجاج اليساري"4. وكانت "سنوات الرصاص"، كما تسمّى في المغرب،

1  نقرأ في ديباجة الدستورين (1962 و 1970) الإحالة العامة الآتية: "وإدراكًا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية التي أصبحت عضوًا

عاملً نشيطًا في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات". يراجع نص الدستورين في موقع البرلمان المغربي، حيث يمكن الاطلاع على

نصوص مختلف دساتير المملكة، في: المملكة المغربية، مجلس النواب، دساتير المملكة المغربية: دستور 1970، شوهد في 21 / 6 / 2023، في: https://bit.ly/45DPgxw 2  محمد القبلي (إشراف وتقديم)، تاريخ المغرب: تحيين وتركيب)الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011)، ص 653.

3  Ignace Dall, Le règne de Hassan II (1961 - 1999) (Paris: Maisonneuve et Larose, 2001), p. 57. 4  Pierre Vermeren, École, élite et pouvoir au Maroc et en Tunisie au XXe siècle (Casablanca: Alizés, 2002), p. 320.

  1. نقرأ في ديباجة الدستورين (1962 و 1970) الإحالة العامة الآتية: "وإدراكًا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية التي أصبحت عضوًا عاملً نشيطًا في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات". يراجع نص الدستورين في موقع البرلمان المغربي، حيث يمكن الاطلاع على نصوص مختلف دساتير المملكة، في: المملكة المغربية، مجلس النواب، دساتير المملكة المغربية: دستور 1970، شوهد في 21 / 6 / 2023، في: https://bit.ly/45DPgxw
  2. محمد القبلي (إشراف وتقديم)، تاريخ المغرب: تحيين وتركيب)الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011)، ص 653.
  3. Ignace Dall, Le règne de Hassan II (1961 - 1999) (Paris: Maisonneuve et Larose, 2001), p. 57.
  4. Pierre Vermeren, École, élite et pouvoir au Maroc et en Tunisie au XXe siècle (Casablanca: Alizés, 2002), p. 320.

أي سنوات التحكمية، هي أيضًا سنوات تراجع الفكر العقلاني5؛ إذ قوّت المنهجية التي جرى بها تعريب التاريخ المدرسي، مثلً،

نقل المعارف وتغليب التمرن على الحفظ والاهتمام بالوظائف الانتمائية، أكثر من الوظائف الفكرية، مساهمًا بذلك في تكريس

الطابع التقليدي للتدريس. إذا كانت التربية على قيم حقوق الإنسان لم تظهر بوصفها مادة مستقلة إلّ انطلاقًا من إصلاح عام 2002، فإن الاهتمام بها كان قد بدأ في الظهور في أثناء المرحلة الأولى (1956 - 1992). وهكذا، قامت برامج التاريخبحذف دروس من تاريخ أوروبا، مع الاحتفاظ دائمًا بدرس الثورة الفرنسية التي "جعلت حدًّا نهائيًا للأساليب الفيودالية والاستبدادية وأتاحت أمام شعب فرنسا طرقًا للحكم،

تنطلق أساسًا من أن السيادة للشعب وليس للشخص مهما علا قدره"6. كان هذا الدرس، في ذلك الوقت، مناسبة لوصف الملكية

المطلقة القائمة على الحق الإلهي7، وذكرت البنود الثلاثة الأولى لإعلان حقوق الإنسان والمواطن التي تركّز على الحرية والمساواة ومقاومة القمع، واعتبار كل سيادة تكمن أساسًا في الأمة8. علينا أن نخمن بأي حذر، أو بأي جرأة كان مدرّس الاجتماعيات يدرّس

هذا الدرس في تلك السنوات. ويظهر، من خلال هذا الخطاب التاريخي المدرسي، بالفعل، أن الحقوق تُكتسب ولا تُمنح، الأمر الذي

كان يدعو التلامذة ضمنيًا إلى أخذ المبادرة، بدلً من الخضوع. أما البرامج والكتب المدرسية لمادة التربية الوطنية في هذه الحقبة، فكانت تهتم على نحو رئيس بدراسة المؤسسات الوطنية والدولية، وتروم خلق "موقف إيجابي" لدى التلامذة إزاء هذه المؤسسات التي تُعتبر ديمقراطية وجديرة بالتشبّث بها. ولا تُدرَّس التربية

على قيم حقوق الإنسان بمعناها الدقيق في هذه المادة إلّ في السنة الأخيرة من التعليم الأساسي، في درس خُصص ل "الحريات العامة: حرية التفكير والتعبير، حرية الصحافة والاجتماع، مبدأ التعددية السياسية"9. والغريب أن هذا الكتاب المدرسي هو الوحيد الذي عالج حقوق الإنسان في برامج هذا المستوى، غير أنه لا يقارب مسألة التعدد السياسي، في حين أن المغرب تبنّى التعددية

السياسية منذ الاستقلال. ومع ذلك، فإن مقدمة الدرس تربط الحريات العامة بالحقوق الأساسية للإنسان وبالدستور المغربي الذي جرى الاستشهاد ببنوده مرتين. يعالج هذا الدرس القائم على البيداغوجيا التلقينية الواضحة، الحريات الفردية والحريات السياسية بالتوقف عند مثالين: حرية الصحافة وحرية تأسيس الجمعيات. ولا نكتشف سلسلة من الأسئلة للتحقق من المعارف التي احتفظ بها التلميذ من الدرس إلّ في نهاية العرض، حيث لا نجد أي نقاش حول احترام الحريات أو عدم احترامها في المغرب. نعم للتعرف النظري إلى الحريات العامة، لا لمناقشة التضييق الذي يصاحبها. أما بالنسبة إلى مادة التربية الإسلامية التي بدأت تحتل مكانة مهمة في المنهاج الدراسي، انطلاقًا من نهاية السبعينيات، فنجد فصلً من الكتاب المدرسي للسنة الرابعة إعدادي، خُصّص لحقوق الإنسان في الإسلام10 بدرسين. يعالج الدرس الأول

الحق في الحياة والتعلم والملكية؛ ويعالج الدرس الثاني الحق في الحرية وحرية الفكر والتعبير. لكن الأمر لا يتعلق هنا بالتربية على قيم حقوق الإنسان، بل بالأحرى بالتربية على قيم الإسلام؛ إذ حدث، في نهاية السبعينيات، تحوّل مهم في تدريس التربية

الإسلامية. قبل ذلك، كانت المادة تختزل في تدريس تعاليم الإسلام واستظهار آيات قرآنية، وكان تدريسها في السلك الثانوي

5  مصطفى حسني إدريسي، الفكر التاريخي وتعلم التاريخ (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2021)، ص 187. 6  عبد العزيز أمين [وآخرون]، تاريخ العالم الحديث، السنة الرابعة ثانوي (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1976)، ص 163. 7  وزارة التربية الوطنية، التاريخ، السنة الثالثة ثانوي (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1987)، ص 136. 8  أمين [وآخرون]، ص 168. يمكن أن نجد في هذه الإحالة دليلً على هامش الحرية المحدود جدًا لدى لجنة التأليف المركزية. لكن في الأحوال كلها، يتطابق الكتاب

المدرسي مع المقرر الرسمي، ولا سيما أن الكتاب المدرسي كان الوحيد المصدّق عليه من وزارة التربية الوطنية.

9  وزارة التربية الوطنية، التربية الوطنية، السنة الرابعة أساسي (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1984)، ص 41  -  48. 10  وزارة التربية الوطنية، التربية الإسلامية، السنة الرابعة إعدادي (الرباط: وزارة التربية الوطنية، 1984)، ص 52  -  66.

  1. مصطفى حسني إدريسي، الفكر التاريخي وتعلم التاريخ (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2021)، ص 187.
  2. عبد العزيز أمين [وآخرون]، تاريخ العالم الحديث، السنة الرابعة ثانوي (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1976)، ص 163.
  3. وزارة التربية الوطنية، التاريخ، السنة الثالثة ثانوي (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1987)، ص 136.
  4. أمين [وآخرون]، ص 168. يمكن أن نجد في هذه الإحالة دليلً على هامش الحرية المحدود جدًا لدى لجنة التأليف المركزية. لكن في الأحوال كلها، يتطابق الكتاب المدرسي مع المقرر الرسمي، ولا سيما أن الكتاب المدرسي كان الوحيد المصدّق عليه من وزارة التربية الوطنية.
  5. وزارة التربية الوطنية، التربية الوطنية، السنة الرابعة أساسي (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1984)، ص 41  -  48.
  6. وزارة التربية الوطنية، التربية الإسلامية، السنة الرابعة إعدادي (الرباط: وزارة التربية الوطنية، 1984)، ص 52  -  66.

يُسنَد إلى مدرّسي اللغة العربية، من دون أن يكون لها مضمون محدد، ومن دون أن تكون مادة اختبار. غير أنها أصبحت في

سياق "سنوات الرصاص" والثورة الإيرانية (1979) مادة إجبارية مع حصة من الغلاف الزمني، ولها هيئة تدريس خاصة بها. ولم ينحصر مضمون تدريسها في التربية الأخلاقية للتلامذة بل كان يستهدف أيضًا الإدماج الأيديولوجي والسياسي، وذلك عبر تبنّي

خطاب سجالي، وليس خطابًا ديداكتيكيًا11. وهكذا، يكتب، مثلً، مؤلف مدرسي في ملحق أحد الدروس عن الحق في الحرية

وحرية التفكير والتعبير: "هناك الكثير من المغالاة والبعد عن الحقيقة والواقع التاريخي فيما يذهب إليه فقهاء الغرب من أن الحريات العامة لم يكن لها وجود قبل الثورات التي قامت في أوروبا، وأن حقوق الإنسان لم تكن سوى ثمرة للائحة التي أعلنت في بريطانيا يوم 13 [شباط] فبراير 1689، وأول إعلان فرنسي للحقوق بعد ثورة 1789، ثم نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلنته وأقرّته الجمعية

العامة للأمم المتحدة سنة 1948. فالإسلام كعقيدة وتشريع سبق هذه الثورات والإعلانات كلها [...] وإذا كان الإسلام لم يأت بقانون الحريات مفصلً كما نعرفه في عصورنا، فقد جاء بالرغم من ذلك بمبادئ عامة أخلاقية واجتماعية واقتصادية وقضائية لتنظيم المجتمع تنظيمًا تسوده الحرية والمساواة والإخاء والعدل بين الناس في سائر الميادين"12. فهل يمكن القول إن هناك أيضًا إرادة صريحة للوصول إلى القيم الكونية لحقوق الإنسان عبر القيم الإسلامية؟

المرحلة الثانية (2000-1992): مرحلة الظهور

تميّزت المرحلة المفصلية للعشرية الأخيرة من القرن العشرين، التي جمعت بين عهدَي الملك الحسن الثاني وخلفه الملك

محمد السادس، من جهة أولى بالتصديق على دستور عام 1992 الذي أكدت ديباجته تبنّي المغرب "حقوق الإنسان كما هي

متعارف عليها عالميًا"13، ومن جهة ثانية، باعتماد الميثاق الوطني للتربية والتكوين في عام 2000 الذي كان بمنزلة منعطف في

تاريخ الإصلاحات التربوية المغربية، وجعل الإحالة على حقوق الإنسان من أسس هذا النظام14. هكذا، أصبح المغرب من الدول العربية النادرة التي نصّت في متونها الدستورية على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويسجل هذا الاهتمام بحقوق الإنسان

نهاية "سنوات الرصاص" والرجوع إلى الانفتاح السياسي الذي عكس زخم الدينامية الإصلاحية المؤسساتية والسياسية في سياق دولي، طبعه سقوط جدار برلين (1989).أما على المستوى التربوي، فقد قام إصلاح عام 1987، المراجَع في عام 1994، بإدخال

بيداغوجيا الأهداف في التدريس الثانوي. وإن بقي البرنامج - المضمون هو الانشغال الأساسي، فإن وسائل مقاربته تغيّرت، حيث

نتبيّن فيه التمرّن على التفكير؛ ذلك أن الانفتاح الديمقراطي في تلك المرحلة، صاحبه انفتاح بيداغوجي واهتمام أوضح بالتربية

على قيم حقوق الإنسان. غير أن التطلّعات الحداثية والديمقراطية للبعض اصطدمت بالمحافظة الثيوقراطية للبعض الآخر؛ الأمر الذي كانت له تبعات على مستوى البرامج الدراسية، حيث الدنيوي والديني، والنقد والدوكسا Doxa يوجدان، أو يبطل كل منهما مفعول الآخر.

11  محمد العيادي، "المدرسة العمومية الحديثة وتدريس الدين"، في: محمد العيادي، دراسات في المجتمع والتاريخ والدين (الدار البيضاء: مؤسسة الملك

عبد العزيز، 2014)، ص 213  -  221. 12  وزارة التربية الوطنية، التربية الإسلامية، ص 64  -  65. 13  المملكة المغربية، الجريدة الرسمية، العدد 4172، 14 / 10 / 1992. 14  المملكة المغربية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين (الرباط: وزارة التربية الوطنية، 1999)، ص 7، حيث نقرأ في الفقرة الرابعة من المرتكزات الثابتة: "يندرج

النظام التربوي في حيوية نهضة البلاد الشاملة، القائمة على التوفيق الإيجابي بين الوفاء للأصالة والتطلّع الدائم للمعاصرة، وجعل المجتمع المغربي يتفاعل مع مقومات

هويته في انسجام وتكامل، وفي تفتح على معطيات الحضارة الإنسانية العصرية وما فيها من آليات تكرس حقوق الإنسان وتدعم كرامته".

  1. محمد العيادي، "المدرسة العمومية الحديثة وتدريس الدين"، في: محمد العيادي، دراسات في المجتمع والتاريخ والدين (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2014)، ص 213  -  221.
  2. وزارة التربية الوطنية، التربية الإسلامية، ص 64  -  65.
  3. المملكة المغربية، الجريدة الرسمية، العدد 4172، 14 / 10 / 1992.
  4. المملكة المغربية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين (الرباط: وزارة التربية الوطنية، 1999)، ص 7، حيث نقرأ في الفقرة الرابعة من المرتكزات الثابتة: "يندرج النظام التربوي في حيوية نهضة البلاد الشاملة، القائمة على التوفيق الإيجابي بين الوفاء للأصالة والتطلّع الدائم للمعاصرة، وجعل المجتمع المغربي يتفاعل مع مقومات هويته في انسجام وتكامل، وفي تفتح على معطيات الحضارة الإنسانية العصرية وما فيها من آليات تكرس حقوق الإنسان وتدعم كرامته".

في هذين السياقين السياسي والتربوي، وفي إطار فعاليات عشرية الأمم المتحدة للتربية على حقوق الإنسان، تبنّت وزارة التربية

الوطنية البرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان في عام 1994، بشراكة مع وزارة حقوق الإنسان المحدثة آنذاك. كان من المهمات الأولى لهذا البرنامج الذي انتهى العمل به في خريف 199715 أن يقوم بجرد المفاهيم الصريحة أو الضمنية التي تقوّي، أو يمكنها أن تقوّي، ثقافة حقوق الإنسان وتلك التي تعارضها وينبغي تنقية الكتب المدرسية منها في 212

كتابًا مدرسيًا ل "المواد الحاملة" (العربية، الفرنسية، التربية الإسلامية، التاريخ، الجغرافيا، التربية الوطنية والفلسفة). كما تصوّر

هذا البرنامج منهاجًا للتربية على حقوق الإنسان. ولم يكن هذا المنهاج مادة دراسية مستقلة، بل هو مجموعة من المفاهيم والقيم

التي يجب إدماجها في المنهاج الدراسي للمواد الخمس المصنّفة حاملة القيم بحسب المقاربة بالكفايات. كان هدف البرنامج،

بحسب المادة الأولى من الأهداف العامة هو: "دعم نشر ثقافة حقوق الإنسان عبر المناهج الدراسية، لجعل المتعلم قادرًا على

اكتساب المبادئ والمفاهيم التي تؤسس عليها حقوق الإنسان، وعلى اتخاذ مواقف وسلوكات تعبّر عن وعيه بحقوقه واحترامه

لحقوق غيره والدفاع عنها"16. من أجل إنجاز هذا البرنامج، جرى تنظيم دورات تكوينية بين عامي 1998 و 1999. وتكوّنت كل دورة من ثلاث وحدات. كل وحدة

تتكوّن من أوراش وموائد مستديرة وعرض نظري وتقييم للوحدة التكوينية من المشاركين. وفي عام 1998، أُعدّت بطاقات بيداغوجية

لتسهيل مهمة المدرّسين، نُشرت بين عامَي 2001 و 200217. وفي ما بين عامَي 1998 و 1999 جرى تجريب البرنامج على عيّنة من

المؤسسات التعليمية في أربع أكاديميات من بين ست عشرة أكاديمية، وذلك بغية تعميمه في الموسم الدراسي 2000  -  2001، غير أن تبنّي الميثاق الوطني للتربية والتكوين في عام 2000 ونشر الكتاب الأبيضحول التربية والتكوينفي عام 2002 أعطيا التربية

على حقوق الإنسان توجّهًا آخر. وهكذا، وُضع حدّ للبرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان. إذا كان يظهر أن الأمور بدأت تتطور على المستوى السياسي، فإنه على مستوى البرامج الدراسية والكتب المدرسية، انتقلت مسألة "كيف ندرس؟" من بيداغوجية التلقين إلى بيداغوجية الأهداف (باستثناء التربية الإسلامية التي بقيت لصيقة ببيداغوجية التلقين)، في حين أن مسألة: "ماذا ندرس؟" لم تتغيّر كثيرًا. وهكذا بقيت حقوق الإنسان تعالَج في مادة التاريخ في السلك الثانوي،

مع درس الثورة الفرنسية، أو في مادة التربية الإسلامية مع درس حقوق الإنسان في الإسلام. واحتُفظ بدرس حول الحريات العامة في

مادة التربية الوطنية، إلى جانب دروس أعطت المؤسسات والملكين محمد الخامس والحسن الثاني أهمية كبرى. لم تُطرح مسألة حقوق الإنسان بسلك التعليم الأساسي في مادة التاريخ، على نحو صريح، إلّ في درس الثورة الفرنسية18، حيث نجد من جديد قيم حقوق الإنسان: الإحالة إلى السيادة الملكية، وكذا إلى الهيئات الثلاث، وإلى عصر الأنوار مع فولتير وروسو ومونتسكيو وديدرو صاحب الموسوعة الشهيرة التي أشرف عليها مع دالامبير. كما جرت الإحالة إلى البنود الثلاثة الأولى لإعلان حقوق الإنسان والمواطن، لكن هذه الأخيرة، عكس باقي الوثائق المعروضة في الدرس، لا يجري إخضاعها لأي تساؤل، كما تستدعيه بيداغوجية الأهداف، تمامًا كما كانت الحال بالنسبة إلى الكتاب المدرسي للصف الثالث ثانوي لعام 1987. هل

15  اللجنة المشتركة والمكلفة بتنفيذ اتفاقية التعاون بين الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان ووزارة التربية الوطنية والوزارة المكلفة بالتعليم الثانوي والتقني، "حصيلة وآفاق

البرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان بالتعليم الثانوي والأساسي والتقني"، نشرة الاتصال، العدد 5  -  6 (1999)، ص 11.

16  Conseil supérieur de l'éducation, de la formation et de la recherche scientifique, L'éducation aux valeurs (Rabat: 2017), p. 6.

17  وزارة التربية الوطنية ووزارة حقوق الإنسان، جذاذات بيداغوجية لتطبيق منهاج التربية على حقوق الإنسانفيمادة الاجتماعيات بالتعليم الإعدادي (الرباط:

البرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان، 2001 - 2002.) 18  وزارة التربية الوطنية، التاريخ، السنة الثامنة إعدادي (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1992)، ص 23 - 26.

  1. اللجنة المشتركة والمكلفة بتنفيذ اتفاقية التعاون بين الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان ووزارة التربية الوطنية والوزارة المكلفة بالتعليم الثانوي والتقني، "حصيلة وآفاق البرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان بالتعليم الثانوي والأساسي والتقني"، نشرة الاتصال، العدد 5  -  6 (1999)، ص 11.
  2. Conseil supérieur de l'éducation, de la formation et de la recherche scientifique, L'éducation aux valeurs (Rabat: 2017), p. 6.
  3. وزارة التربية الوطنية ووزارة حقوق الإنسان، جذاذات بيداغوجية لتطبيق منهاج التربية على حقوق الإنسانفيمادة الاجتماعيات بالتعليم الإعدادي (الرباط: البرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان، 2001 - 2002.)
  4. وزارة التربية الوطنية، التاريخ، السنة الثامنة إعدادي (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1992)، ص 23 - 26.

يتعلق الأمر بإهمال فحسب، أم أن مسألة حقوق الإنسان أصبحت مع أسلمة البرامج نوعًا من الاختصاص الحصري لمادة التربية الإسلامية؟19 في هذه المرحلة الثانية، خصصت مادة التربية الإسلامية في المستويين الثامن والتاسع من التعليم الأساسي، درسين لحقوق الإنسان في الإسلام. الدرس الأول في السنة الثامنة20 والدرس الثاني في السنة التاسعة21. يشترك الدرسان في نقطة واحدة، وهي الإحالة إلى الأحاديث النبوية والقرآن، ولا يطرحان الأسئلة إلّ في الأخير للتأكد في نهاية الدرسين من مكتسبات التلامذة، وليس من أجل تحليل هذه الوثيقة أو تلك. ومع ذلك، يتمايز الدرسان، الواحد منهما من الآخر، فدرس المستوى الثامن يبقى محصورًا

في الاستشهادات الدينية (حديثان وآيتان)، ويتمحور خطابه حول مبدأين: مبدأ الوحدانية ومبدأ وحدة الخلق لبلورة فكرة المساواة من دون أن يُذكر لفظ حق. أما درس السنة التاسعة، فيتميز بتنوّع أكبر للوثائق المعبأة في الدرس (أحاديث، آيات، أيضًا أقوال

لعمر بن الخطاب، وديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كاملة)، وكذا تنوع في موضوعاته (الحق في الحياة والحرية، الحق في التعليم، الحق في الملكية، حرية الفكر والتعبير). ولكن مؤلفي هذا الكتاب المدرسي يؤكدون أن: "هذا التكريم الإنساني يقتضي أن يكون الإنسان متمتعًا بكل الحقوق الطبيعية والحريات العامة التي منحها الإسلام للفرد

وأعلنها منذ بزوغ فجره قبل أن تعلنها الثورة الفرنسية سنة 1789 أو هيئة الأمم المتحدة سنة 1948 "22. في مادة التربية الوطنية، في المستوى السابع من التعليم الأساسي، جرى الحفاظ على درس الحريات العامة الذي كان في المرحلة السابقة يعالج كمؤسسة ملكية دستورية، تمامًا كما كانت تقدم السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية، أي نوع من

السلطة الرابعة! في برنامج هذه الحقبة، يجري التطرق إلى كل مؤسسة في محور مستقل: الملكية الدستورية والبرلمان والحكومة والعدالة والحريات العامة والتنظيمات الاجتماعية23. ولعل الجديد الآخر في هذا البرنامج هو أن المؤسسة الملكية أصبحت مركزية، وتدرّس من خلال ببليوغرافيا وإنجازات كل من الملك محمد الخامس في المستوى الثامن، والحسن الثاني في المستوى

التاسع24. ويمكن اعتبارها دراسة موجّهة إلى الزمن الراهن، تركز على أعمال الملكين المقدمين باعتبارهما نموذجين جديرين بالتعلق والاعتراف.

19  تجلّت أسلمة البرامج الدراسية التي بدأت منذ نهاية السبعينيات، في التسعينيات، بحذف التاريخ القديم من التعليم الأساسي (ذلك أن التاريخ القديم يتطابق، عند

الإسلاميين، مع الجاهلية، أي مع زمن ما قبل الإسلام زمن "العار والجهل بالإسلام". وتجلّت خاصة في أسلمة برنامج مادة التاريخ للسنة الأولى للتعليم الثانوي – الذي

لا يدخل في نطاق دراستنا – حيث أضحى يغطي الحقبة الطويلة الممتدة من ما قبل التاريخ إلى الحروب الصليبية. فمن بين 16 درسًا، نجد ثلاثة دروس تورد آيات قرآنية

لتوضيح الخطاب التاريخي المدرسي. ويبقى المضمون دينيًا، ويمرر عبر بيداغوجية تعتمد التلقين، ولا تدعو التلميذ إلى التفكير ولا إلى المقارنة بين حقوق الإنسان

في الإسلام والحقوق نفسها في الإعلان العالمي للحقوق. وتظهر ثلاثة أمثلة إلى أي حد حقوق الإنسان الممررة في هذه الدروس بعيدة كل البعد عن حقوق الإنسان

المسطّرة في الإعلان العالمي. يخص المثال الأول مدح الإسلام لتحسينه ظروف المرأة، مقارنة بالوضعية التي كانت عليها في الجاهلية. أما المثال الثاني، فهو حصر

تحريم الاعتداء بغير حق على المسلمين فحسب، والمثال الثالث هو حصر حرية العقيدة على أهل الكتاب. لا نلمس في هذا الدرس أي جهد لفهم هذه القضايا في سياقها

التاريخي. ينظر: وزارة التربية الوطنية، التاريخ، السنة الأولى ثانوي (الرباط: مكتبة المعارف، 1994 - 1995)، ص 98  -  106. 20  وزارة التربية الوطنية، التربية الإسلامية، للسنة الثامنة من التعليم الأساسي (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1992)، ص 65  -  70. 21  وزارة التربية الوطنية، التربية الإسلامية، للسنة التاسعة من التعليم الأساسي (الدار البيضاء: دار سوماكرام، 1993)، ص 68  -  94. 22  المرجع نفسه، ص 65. نجد التوجه نفسه في كتب التربية الإسلامية الجزائرية، حيث يجري تقديم الدين الإسلامي باعتباره مصدرًا لحقوق الإنسان.

Djilali El Mestari, "Le discours religieux des manuels scolaires algériens de l'éducation islamique dans le cycle secondaire," Tréma , no. 35  -  36 (2011), pp. 70  -  80.

23  وزارة التربية الوطنية، البرامج والتوجيهات التربوية لتدريس التاريخ والجغرافية والتربية الوطنية للسلك الثاني من التعليم الأساسي (الرباط: 1991)،

ص 33  -  34. 24  المرجع نفسه، ص 35  -  37.

  1. تجلّت أسلمة البرامج الدراسية التي بدأت منذ نهاية السبعينيات، في التسعينيات، بحذف التاريخ القديم من التعليم الأساسي (ذلك أن التاريخ القديم يتطابق، عند الإسلاميين، مع الجاهلية، أي مع زمن ما قبل الإسلام زمن "العار والجهل بالإسلام". وتجلّت خاصة في أسلمة برنامج مادة التاريخ للسنة الأولى للتعليم الثانوي – الذي لا يدخل في نطاق دراستنا – حيث أضحى يغطي الحقبة الطويلة الممتدة من ما قبل التاريخ إلى الحروب الصليبية. فمن بين 16 درسًا، نجد ثلاثة دروس تورد آيات قرآنية لتوضيح الخطاب التاريخي المدرسي. ويبقى المضمون دينيًا، ويمرر عبر بيداغوجية تعتمد التلقين، ولا تدعو التلميذ إلى التفكير ولا إلى المقارنة بين حقوق الإنسان في الإسلام والحقوق نفسها في الإعلان العالمي للحقوق. وتظهر ثلاثة أمثلة إلى أي حد حقوق الإنسان الممررة في هذه الدروس بعيدة كل البعد عن حقوق الإنسان المسطّرة في الإعلان العالمي. يخص المثال الأول مدح الإسلام لتحسينه ظروف المرأة، مقارنة بالوضعية التي كانت عليها في الجاهلية. أما المثال الثاني، فهو حصر تحريم الاعتداء بغير حق على المسلمين فحسب، والمثال الثالث هو حصر حرية العقيدة على أهل الكتاب. لا نلمس في هذا الدرس أي جهد لفهم هذه القضايا في سياقها التاريخي. ينظر: وزارة التربية الوطنية، التاريخ، السنة الأولى ثانوي (الرباط: مكتبة المعارف، 1994 - 1995)، ص 98  -  106.
  2. وزارة التربية الوطنية، التربية الإسلامية، للسنة الثامنة من التعليم الأساسي (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1992)، ص 65  -  70.
  3. وزارة التربية الوطنية، التربية الإسلامية، للسنة التاسعة من التعليم الأساسي (الدار البيضاء: دار سوماكرام، 1993)، ص 68  -  94.
  4. المرجع نفسه، ص 65. نجد التوجه نفسه في كتب التربية الإسلامية الجزائرية، حيث يجري تقديم الدين الإسلامي باعتباره مصدرًا لحقوق الإنسان. Djilali El Mestari, "Le discours religieux des manuels scolaires algériens de l'éducation islamique dans le cycle secondaire," Tréma , no. 35  -  36 (2011), pp. 70  -  80.
  5. وزارة التربية الوطنية، البرامج والتوجيهات التربوية لتدريس التاريخ والجغرافية والتربية الوطنية للسلك الثاني من التعليم الأساسي (الرباط: 1991)، ص 33  -  34.
  6. المرجع نفسه، ص 35  -  37.

المرحلة الثالثة، منذ 2000: مرحلة الأجرأة وإعادة التنظيم

تُمدِّد وتُقوِّي المرحلة الثالثة، التي تبدأ مع عام 2000، الاختيار الإصلاحي للسنوات الأخيرة من عهد الحسن الثاني، حيث ظهر

اهتمام بحقوق الإنسان وقضية المرأة والمسألة الأمازيغية. كما تميّزت هذه المرحلة بتبني الميثاق الوطني للتربية والتكوين في عام

2000 الذي سيتفرّع منه الكتاب الأبيضوإصلاح المنظومة التربوية ابتداء من عام 2002 الذي ستستمر أجرأته إلى حدود عام

2007 ليغطّي الأسلاك الثلاثة: السلك التعليمي الابتدائي والثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي. كما اعتبر تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة في عام 2004، التي كلّفت بمصالحة المغاربة مع ماضيهم طوال "سنوات الرصاص" مؤشرًا وعاملً من عوامل هذا

السياق المساعد على التربية على حقوق الإنسان. وستكون في الأخير لدستور عام 2011 الذي جاء نتيجة مغربية للربيع العربي، انعكاسات على مستوى البرامج الدراسية. شكّل التصديق على الميثاق الوطني للتربية والتكوين تحوّلً في تاريخ إصلاحات المنظومة التربوية المغربية الذي اعتُبر نتاج

توافق وطني عكَس تحكيمات بين القوى الاجتماعية التي كانت لها رؤى تربوية غير متجانسة، حيث أصبح يتوافر للمغرب، أول مرة،

نص توجيهي يحدّد مبادئ المنظومة التربوية وغاياتها انطلاقًا من أشغال لجان جرى التصديق على عملها في البرلمان. ونجد من

بين هذه المبادئ، مبادئ وقيم حقوق الإنسان التي تأتي في الرتبة الرابعة بعد القيم الدينية والوطنية والثقافية. أكثر من ذلك، لا تُذكر

حقوق الإنسان إلّ على أساس "التوافق مع التقاليد والطموح إلى الحداثة"، الأمر الذي يوحي بأن هذه "المبادئ الكونية لحقوق الإنسان" لا يعترف بها إلّ حين لا تتعارض مع المبادئ المرتبة قبلها، أي مبادئ العقيدة الإسلامية، والهوية الأصيلة للأمة، والقيم المقدسة غير القابلة للنقد (الإيمان بالله وحب الوطن والتعلّق بالملكية الدستورية)، وكذلك التجذّر في التراث الثقافي المغربي. لا يعترف نص الميثاق الوطني على نحو صريح باستقلال حقوق الإنسان عن باقي المرجعيات، بل يضبطها داخل علاقة تبعية تحيل إلى ميزان القوى الذي يحكم مجتمعًا يعيش توترًا دائمًا بين القيم التقليدانية والقيم الحداثية. وإذا كان الميثاق الوطني للتربية والتكوين

رهين تحكيمات وتوافقات، فإنه مع ذلك كان أميَل، على هذ المستوى، إلى الاتجاه التقليداني، منه إلى الاتجاه الحداثي، بل ابتعد

حتى عن دستور عام 1996 الذي نص في ديباجته على نحو صريح على تشبث المملكة المغربية "بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميًا"25. تبنّى الكتاب الأبيضفي عام 2002، الذي أضحى أساس تصور البرامج والتوجيهات البيداغوجية للمواد الدراسية كلها، ترتيب

القيم نفسه، واضعًا قيم حقوق الإنسان في الرتبة الأخيرة، ولا يذكرها إلّ نادرًا في الوثيقة الإطار التي تحكم تصوّر البرامج وصناعة

الكتب المدرسية؛ إذ تصرّح البرامج الجديدة بأنها تتميز من البرامج القديمة التي كانت تركّز على المضمون، بتبنّيها المقاربة بالكفايات،

وتحيل إلى مساهمة ديداكتيك المواد التي تسعى لتطوير استقلالية المتعلمين بوضعهم في وضعيات بناء المعرفة واكتساب المهارات، متجاوزة بذلك مجرد تعلم معرفة الوقائع، حيث تتخلّى الوثائق البيداغوجية، عبر هذا الاختيار، عن كل خطاب مبني مسبقًا. فهل تخلّت مع ذلك، عن الصيغة المسموح بها لهذا الخطاب؟ كان هناك شيء جديد آخر، فإضافةً إلى إعادة إدماج التاريخ القديم والإدماج المحتشم لتاريخ الزمن الراهن، جرى التخلّي عن الكتاب المدرسي الوحيد، من دون التخلّي عن مراقبة الكتب المدرسية، والأخذ بتسمية جديدة لمادة التربية الوطنية هي "التربية على المواطنة" التي أصبحت مهمتها التربية على قيم حقوق الإنسان. وأخيرًا،

25  وجدت الدينامية الثنائية بين التوجهين الحداثي والتقليداني صداها إبان مناقشات تأسيس كرسي حقوق الإنسان في عام 1966 في جامعة محمد الخامس، الرباط،

حيث تعارض أنصار "التأويل النقدي والكوني" مع مناصري "الصيغة التي تقوم على الخصوصية والمقاربات الحرفية". ينظر: نجيب بودربالة، "تأملات حول إنشاء كرسي

حقوق الإنسان صيغتان لمشروع نص التقديم"، في: نجيب بودربالة، القانون بين القبيلة والأمة والدولة، جدلية التشريع: العرف، الشريعة والقانون، تقديم عبد الله

حمودي، ترجمة محمد زرنين (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015)، ص 192  -  199.

  1. وجدت الدينامية الثنائية بين التوجهين الحداثي والتقليداني صداها إبان مناقشات تأسيس كرسي حقوق الإنسان في عام 1966 في جامعة محمد الخامس، الرباط، حيث تعارض أنصار "التأويل النقدي والكوني" مع مناصري "الصيغة التي تقوم على الخصوصية والمقاربات الحرفية". ينظر: نجيب بودربالة، "تأملات حول إنشاء كرسي حقوق الإنسان صيغتان لمشروع نص التقديم"، في: نجيب بودربالة، القانون بين القبيلة والأمة والدولة، جدلية التشريع: العرف، الشريعة والقانون، تقديم عبد الله حمودي، ترجمة محمد زرنين (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015)، ص 192  -  199.

جرى تجميع المواد الثلاث المدرّسة من مدرّس واحد، وهي مادة الاجتماعيات (التاريخ والجغرافيا والتربية على المواطنة)، في كتاب

مدرسي واحد لكل مستوى من مستويات التعليم الأساسي. تنبغي الإشارة إلى أنه جرى الشروع في التربية على قيم حقوق الإنسان منذ السنة الرابعة من السلك الابتدائي، أي بمجرد ما يتم الشروع في تدريس مادة الاجتماعيات في المنهاج الدراسي للتلميذ، حيث نجد من بين الكفايات المستهدفة والمصرّح بها في

هذا الكتاب: احترام الذات واحترام الآخر واحترام الاختلاف26 واتخاذ القرار والاختيار وإدماج مفاهيم الواجب والحق والمساواة والمشاركة... إلخ27. وتجري الإحالة إلى اتفاقية حقوق الطفل في السنة السادسة من السلك الابتدائي مع كل ما يتطلّبه ذلك على مستوى الحياة الفردية والجماعية28؛ الأمر الذي يعتبر تقدمًا حقيقيًا جرى تأكيده على مستوى السلك الثانوي الإعدادي. في الواقع، يعالج برنامج السنة الأولى من السلك الثانوي الإعدادي في مادة التربية على المواطنة القضايا الكبرى لحقوق الإنسان: الكرامة والحرية والمساواة والعدالة والتضامن والتسامح والديمقراطية والسلام والقاعدة القانونية؛ ويعالج أيضًا "زيارة إحدى الهيئات أو المنظمات المكلفة بالدفاع عن حقوق الإنسان". وهكذا، يخصّص برنامج السنة بكامله لهذه المفاهيم. كما يجري إخبار

التلميذ، بعد أن أصبح مركز العملية البيداغوجية، بالعقد الديداكتيكي. وإذا ما كان هناك استمرار في الإحالة إلى القرآن29، فحسب، كي يتم تأكيد انخراط الإسلام وتبنّيه هذا المفهوم أو ذاك لحقوق الإنسان. غير أن هذه الإحالات بعيدة عن أن تكون إحالات

ممنهجة، حيث نجد تنوّعًا كبيرًا في الوثائق. فبالنسبة إلى تعلّم مفهوم الحرية، يشتغل التلميذ على أمثلة ومقاطع نصوص مأخوذة

من هيغل وروسو وابن باديس (المصلح الجزائري) والصحابي عمر بن الخطاب (من صحابة الرسول، وثاني الخلفاء الراشدين)، أو من بنود من الدستور المغربي لعام 1996، أو من بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو حتى من نصوص أدب السجون30، لكن عوض أن يكون النص مستوحى من أدب السجون المغربي ل "سنوات الرصاص"، يُقترح على التلميذ "نص مستوحى من فيلم"

يسمى فيه السجين بيدرو! ويعني هذا أن الخطاب الدنيوي عن قيم حقوق الإنسان قد عوّض الخطاب الديني، لكن، مع ذلك،

يبقى هذا الخطاب رهينًا للرقابة الذاتية لمؤلفي الكتب المدرسية ولتأثير النزعة المحافظة السائدة. ويعتبر برنامج السنة الثانية ثانوي

إعدادي للتربية على المواطنة برنامجًا يتمم هذه التربية من خلال درسين: الدرس الأول يخصص ل "الحقوق المدنية والسياسية"،

حيث يتعرّف التلامذة أيضًا إلى حقوق الطفل ودور المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في حماية الحقوق المدنية والسياسية31.

أما الدرس الثاني، فيخصص ل "الحريات العامة في المغرب"، ويحدد للتلميذ ثلاثة أهداف: معرفة معنى هذه الحريات وأنواعها؛ واكتشاف حرية الرأي وحرية التعبير؛ وأخيرًا تبيّن العلاقة بين الحق والمسؤولية، ومقارنة بنود ميثاق الحريات العامة لعام 1958 في ما

يتعلق بالصحافة وإنشاء الجمعيات ببنود القانون الحالي المعدل لعام 200232.

26  تعتبر أطروحة أمينة الوهابي لمريني لنيل درجة الدكتوراه في التربية، دليلً على الاهتمام الجامعي الذي حظيت به التربية على قيم حقوق الإنسان في هذه المرحلة

الأخيرة. ينظر: أمينة الوهابي لمريني، "تقدير الذات واحترام الآخر: مساهمة في بلورة خطة ديداكتيكية في مجال التربية على حقوق الإنسان"، أطروحة أعدت لنيل درجة

الدكتوراه في التربية، كلية علوم التربية بالرباط، 2007. 27  وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي (الرباط: 2007)، ص 139  -  140. 28  عمر بنبادة [وآخرون]، المسار في الاجتماعيات، السنة السادسة ابتدائي (الرباط: دار نادية للنشر، 2005)، ص 123  -  133. 29  محمد زين العابدين الحسيني [وآخرون]، في رحاب الاجتماعيات، السنة الأولى ثانوي إعدادي (الدار البيضاء: مكتبة دار السلام الجديدة؛ الدار العالمية للكتاب،

2003). درس الحرية هو الدرس الوحيد الذي لا يجري فيه الاستشهاد بالقرآن، وحيث تجري الإشارة إلى حرية الضمير والتفكير باعتبارها حرية فردية، لكن من دون

أي شرح أو تفصيل، لا في كتاب التلميذ، ولا في دليل الأستاذ. أما التمرين، فلا يركز على دلالة هذه الحرية أو تلك ومعناها، بل تركز على التمييز بين أنواع الحريات

وأنواع الحقوق. 30  المرجع نفسه، ص 154  -  157. 31  محمد الأسعد [وآخرون]، منار الاجتماعيات، السنة الثانية ثانوي إعدادي (الدار البيضاء: طوب إديسيون، 2004)، ص 163  -  165. 32  المرجع نفسه، ص 166  -  169.

  1. تعتبر أطروحة أمينة الوهابي لمريني لنيل درجة الدكتوراه في التربية، دليلً على الاهتمام الجامعي الذي حظيت به التربية على قيم حقوق الإنسان في هذه المرحلة الأخيرة. ينظر: أمينة الوهابي لمريني، "تقدير الذات واحترام الآخر: مساهمة في بلورة خطة ديداكتيكية في مجال التربية على حقوق الإنسان"، أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه في التربية، كلية علوم التربية بالرباط، 2007.
  2. وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي (الرباط: 2007)، ص 139  -  140.
  3. عمر بنبادة [وآخرون]، المسار في الاجتماعيات، السنة السادسة ابتدائي (الرباط: دار نادية للنشر، 2005)، ص 123  -  133.
  4. محمد زين العابدين الحسيني [وآخرون]، في رحاب الاجتماعيات، السنة الأولى ثانوي إعدادي (الدار البيضاء: مكتبة دار السلام الجديدة؛ الدار العالمية للكتاب، 2003). درس الحرية هو الدرس الوحيد الذي لا يجري فيه الاستشهاد بالقرآن، وحيث تجري الإشارة إلى حرية الضمير والتفكير باعتبارها حرية فردية، لكن من دون أي شرح أو تفصيل، لا في كتاب التلميذ، ولا في دليل الأستاذ. أما التمرين، فلا يركز على دلالة هذه الحرية أو تلك ومعناها، بل تركز على التمييز بين أنواع الحريات وأنواع الحقوق.
  5. المرجع نفسه، ص 154  -  157.
  6. محمد الأسعد [وآخرون]، منار الاجتماعيات، السنة الثانية ثانوي إعدادي (الدار البيضاء: طوب إديسيون، 2004)، ص 163  -  165.
  7. المرجع نفسه، ص 166  -  169.

في مادة التاريخ، جرى الحفاظ على درس "الثورة الفرنسية، نتاج فكر الأنوار"، وأصبح هذا الدرس يستخدم بكل تأكيد لغايات مدنية. ويبقى التعبير الوحيد والصريح على التربية على قيم حقوق الإنسان؛ إذ يركز على مفكري عصر الأنوار: مونتسكيو وفصل السلط، وفولتير ومفهوم المساواة بين الناس، وروسو والمساواة أمام القانون. ويركز الدرس أيضًا على إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789. ويذكر العديد من البنود: 1 (الحرية والمساواة بين الجميع في الحقوق)؛ 2 (الحق في الحرية وفي الملكية وفي الأمن وفي مقاومة القمع)؛ 9 (افتراض قرينة البراءة)؛ 10 (حرية الرأي والاعتقاد في إطار احترام القانون)؛ 11 (حرية التعبير واحترام القانون)؛ و 16 (لا دستور لمجتمع لا يضمن فيه فصل السلط). وفي هذا إرادة لتعليم التلامذة القيم الأساسية للديمقراطية33. بفحصنا البرامج والكتب المدرسية لمادة التربية الإسلامية، نُدرك أن موضوع قيم حقوق الإنسان لم يعد واردًا في لائحة كفايات

هذه المادة، حيث مسألة القيم الإسلامية موجودة على نحو كلّي. أكثر من ذلك، نلاحظ أن مفهوم الحقوق ليس غائبًا ما دامت هناك

وحدة في برنامج الثانوي التأهيلي مخصصة للتربية الحقوقية، لكن هذا المصطلح مضلّل؛ إذ يحيل بالدرجة الأولى إلى الواجبات إزاء الله والآباء والأقارب والجيران34. والاستثناء الوحيد هو أحد الكتب المدرسية للمادة، الخاص بالسنة الرابعة للتعليم الابتدائي، حيث يجري الاستناد على نحو صريح وسريع إلى اتفاقية حقوق الطفل لمناسبة تمرين بيداغوجي يخص الأطفال في وضعية إعاقة35. وتبقى التربية الإسلامية من دون شك هي المادة التي لم تدمج روح المقاربة البنائية وبقيت مرتبطة باستظهار السور القرآنية. فبالنسبة إلى مجموع السلك الابتدائي، نجد أن التلامذة مطالبون بأن يستظهروا 49 سورة، أي حوالى 1043 آية36. نلاحظ في نهاية هذا البحث حول التربية على قيم حقوق الإنسان أن تطورها مثله مثل تطور المقاربة البيداغوجية، محكومان بالتطور السياسي. وهو المعطى الذي يؤكد الفرضية التي انطلقنا منها؛ إذ أظهر لنا فحص البرامج والكتب المدرسية لمادة التاريخ والتربية الوطنية/ التربية على المواطنة والتربية الإسلامية تراتبية هذه القيم، حيث تأتي القيم الإسلامية في المقدمة. وما بين عام 1992 وإصلاح عام 2002، أصبحت التربية على قيم حقوق الإنسان تمر عبر غربال الإسلام. أكثر من ذلك، أظهرت أسلمة البرامج طوال هذه المدة هيمنة الخطاب الديني، إلى درجة أن درسًا في التاريخ حول "حقوق الإنسان في الإسلام"، أضحى يشبه

درسًا في التربية الإسلامية. لكن هذا المرور الإجباري عبر غربال الإسلام يسجل مع ذلك تقدمًا، مقارنة ب "سنوات الرصاص،

حيث نجد اهتمامًا ب "إدماج القيم الكونية والإنسانية داخل نسق القيم الإسلامية، والعكس صحيح، أي استثمار القيم الدينية

التقليدية لبناء أو تلقين القيم الكونية"37. ولم يجد الالتزام بالتربية على قيم حقوق الإنسان مكانه الحقيقي في برامج التربية على المواطنة، دون اللجوء إلى النصوص الدينية، إلّ في المرحلة الثالثة38؛ وإذ فضلت المدرسة المغربية، أخيرًا، التوجه العلماني على

مستوى التربية على المواطنة، فإنها مع ذلك لم تتخلَّ عن التوجه الديني. يمكن أن نجد في هذه الثنائية ازدواجية، بل شكلً من

33  المرجع نفسه. 34  هناك من رأى في التعديلات التي عرفتها مادة التربية الإسلامية في عام 2017 توظيفًا للديني من السياسي.

Soufiane Sbiti, "De l'éducation islamique à l'idéologie politique au Maroc," Le Desk , no. 321 (25 Juin 2018), accessed on 15 / 6 / 2023 , at: https://bit.ly/ 3 wlMRoq

ينبغي لنا القول إن هذا التوظيف ليس وليد اليوم، بل هو توظيف يتكيّف. ففي الوقت الذي كان ينشر في عهد الحسن الثاني مقاربة "سلفية" لنسف الأيديولوجيا اليسارية،

فإنه أصبح في عهد محمد السادس يعمل وفق مقاربة الإسلام الوسطي لمواجهة التأثير الوهابي في المغرب وفي ما يتعداه (في الأساس في أفريقيا). ينظر:

B. Baylocq & A. Hlaoua, "Diffuser un 'Islam de juste milieu'? Les nouvelles ambitions de la diplomatie religieuse africaine du Maroc," Afrique contemporaine , no. 257 (2016), pp. 113  -  128.

35  إبراهيم لشكر [وآخرون]، المنير في التربية الإسلامية، السنة الرابعة ابتدائي (الدار البيضاء: دار سوماكرام، 2018)، ص 28. 36  وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2007)، ص 129.

37  El Mestari.

38  أصبحت تسمّى التربية المدنية في سياق تحيينات المناهج التي لم تمس بعد التعليم الثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي.

  1. المرجع نفسه.
  2. هناك من رأى في التعديلات التي عرفتها مادة التربية الإسلامية في عام 2017 توظيفًا للديني من السياسي. Soufiane Sbiti, "De l'éducation islamique à l'idéologie politique au Maroc," Le Desk , no. 321 (25 Juin 2018), accessed on 15 / 6 / 2023 , at: https://bit.ly/ 3 wlMRoq ينبغي لنا القول إن هذا التوظيف ليس وليد اليوم، بل هو توظيف يتكيّف. ففي الوقت الذي كان ينشر في عهد الحسن الثاني مقاربة "سلفية" لنسف الأيديولوجيا اليسارية، فإنه أصبح في عهد محمد السادس يعمل وفق مقاربة الإسلام الوسطي لمواجهة التأثير الوهابي في المغرب وفي ما يتعداه (في الأساس في أفريقيا). ينظر: B. Baylocq & A. Hlaoua, "Diffuser un 'Islam de juste milieu'? Les nouvelles ambitions de la diplomatie religieuse africaine du Maroc," Afrique contemporaine , no. 257 (2016), pp. 113  -  128.
  3. إبراهيم لشكر [وآخرون]، المنير في التربية الإسلامية، السنة الرابعة ابتدائي (الدار البيضاء: دار سوماكرام، 2018)، ص 28.
  4. وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2007)، ص 129.
  5. El Mestari.
  6. أصبحت تسمّى التربية المدنية في سياق تحيينات المناهج التي لم تمس بعد التعليم الثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي.

أشكال انفصام الشخصية، غير أن قراءة أخيرة للشأن السياسي في المغرب تسمح لنا بالقول إن هذه الأبعاد العلمانية والدينية كلها، الحداثية والتقليدانية، التي تستدعي في الآن نفسه النقد والدوكسا، على الرغم من أنها تظهر متعارضة وغير متوافقة، فإنها في الواقع تتراكب وتتداعم لتخدم وجهين للسياسي: وجه الدولة-الأمة ووجه الإمبراطورية39. وهكذا، يتداخل الكوني والخصوصي "طبيعيًا" في المنهاج الدراسي. ويسمح لنا اليوم فحص النصوص الرسمية المنشورة في هذه السنوات الأخيرة40 بالقول إن التربية

على قيم حقوق الإنسان تستقر على المدى الطويل.

39  B. Hibou & M. Tozy, Tisser le temps politique au Maroc. Imaginaire de l'État à l'âge néolibéral (Paris: Karthala, 2020).

40  يتعلق الأمر ب: الرؤية الاستراتيجية 2015 - 2030؛ الخطة الوطنية للديموقراطية وحقوق الإنسان، وهما وثيقتان تدعوان إلى تشجيع التربية على حقوق

الإنسان في توافق مع مقتضيات دستور 2011 والاتفاقيات الدولية في المجال.

  1. B. Hibou & M. Tozy, Tisser le temps politique au Maroc. Imaginaire de l'État à l'âge néolibéral (Paris: Karthala, 2020).
  2. يتعلق الأمر ب: الرؤية الاستراتيجية 2015 - 2030؛ الخطة الوطنية للديموقراطية وحقوق الإنسان، وهما وثيقتان تدعوان إلى تشجيع التربية على حقوق الإنسان في توافق مع مقتضيات دستور 2011 والاتفاقيات الدولية في المجال.

المراجع

العربية

الأسعد، محمد [وآخرون]. منار الاجتماعيات. السنة الثانية ثانوي إعدادي. الدار البيضاء: طوب إديسيون، 2004. أمين، عبد العزيز [وآخرون]. تاريخ العالم الحديث. السنة الرابعة ثانوي. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1976. بنبادة، عمر [وآخرون]. المسار في الاجتماعيات. السنة السادسة ابتدائي. الرباط: دار نادية للنشر، 2005. بودربالة، نجيب. القانون بين القبيلة والأمة والدولة، جدلية التشريع: العرف، الشريعة والقانون. تقديم عبد الله حمودي. ترجمة محمد زرنين. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015. حسني إدريسي، مصطفى. الفكر التاريخي وتعلم التاريخ. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2021. الحسيني، محمد زين العابدين [وآخرون]. في رحاب الاجتماعيات. السنة الأولى ثانوي إعدادي. الدار البيضاء: مكتبة دار السلام الجديدة؛ الدار العالمية للكتاب، 2003. العيادي، محمد. دراسات في المجتمع والتاريخ والدين. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2014. القبلي، محمد (إشراف وتقديم). تاريخ المغرب: تحيين وتركيب. الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011. اللجنة المشتركة والمكلفة بتنفيذ اتفاقية التعاون بين الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان ووزارة التربية الوطنية والوزارة المكلفة بالتعليم الثانوي والتقني. "حصيلة وآفاق البرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان بالتعليم الثانوي والأساسي والتقني". نشرة الاتصال. العدد 5  -  6 (1999). لشكر، إبراهيم [وآخرون]. المنير في التربية الإسلامية. السنة الرابعة ابتدائي. الدار البيضاء: دار سوماكرام، 2018. لمريني، أمينة الوهابي. "تقدير الذات واحترام الآخر: مساهمة في بلورة خطة ديداكتيكية في مجال التربية على حقوق الإنسان". أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه في التربية. كلية علوم التربية بالرباط، 2007. المملكة المغربية. الجريدة الرسمية. العدد 4172. 14 / 10 / 1992. المملكة المغربية. الميثاق الوطني للتربية والتكوين. الرباط: وزارة التربية الوطنية، 1999. المملكة المغربية، مجلس النواب. دساتير المملكة المغربية: دستور 1970:. في DPgxw 45 / ly. bit:// https وزارة التربية الوطنية ووزارة حقوق الإنسان. جذاذات بيداغوجية لتطبيق منهاج التربية على حقوق الإنسانفيمادة الاجتماعيات بالتعليم الإعدادي. الرباط: البرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان، 2002  -  2001. وزارة التربية الوطنية. البرامج والتوجيهات التربوية لتدريس التاريخ والجغرافية والتربية الوطنية للسلك الثاني من التعليم الأساسي. الرباط: 1991.. التاريخ. السنة الثامنة إعدادي. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1992.

. التاريخ. السنة الأولى ثانوي. الرباط: مكتبة المعارف، 1994  -  1995.. التاريخ. السنة الثالثة ثانوي. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1987.. التربية الإسلامية. للسنة التاسعة من التعليم الأساسي. الدار البيضاء: سوماكرام، 1993.. التربية الإسلامية. للسنة الثامنة من التعليم الأساسي. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1992.. التربية الإسلامية. السنة الرابعة إعدادي. الرباط: وزارة التربية الوطنية، 1984.. التربية الوطنية. السنة الرابعة أساسي. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1984.. الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2007.

الأجنبية

Baylocq, B. & A. Hlaoua. "Diffuser un 'islam de juste milieu'? Les nouvelles ambitions de la diplomatie religieuse africaine du Maroc." Afrique contemporaine. no. 257 (2016). Conseil supérieur de l'éducation, de la formation et de la recherche scientifique. L'éducation aux valeurs. Rabat: 2017. Dall, Ignace. Le règne de Hassan II (1961-1999). Paris: Maisonneuve et Larose, 2001. El Mestari, Djilali. "Le discours religieux des manuels scolaires Algériens de l'éducation islamique dans le cycle secondaire." Tréma. no. 35  -  36 (2011). Hibou, B. & M. Tozy. Tisser le temps politique au Maroc. Imaginaire de l'État à l'âge neoliberal. Paris: Karthala, 2020. Sbiti, Soufiane. "De l'éducation islamique à l'idéologie politique au Maroc." Le Desk. no. 321 (25 juin 2018). at: https://bit.ly/ 3 wlMRoq Vermeren, Pierre. École, élite et pouvoir au Maroc et en Tunisie au XXe siècle. Casablanca: Alizés, 2002.