العودة إلى تفاصيل المؤلَّف كتابة التاريخ الاجتماعي والذهني في ضوء تجربة وحدة التكوين والبحث: التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي

كتابة التاريخ الاجتماعي والذهني في ضوء تجربة وحدة التكوين والبحث: التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي

Writing Social and Intellectual History in Light of the Experience of the Training and Research Unit on the Economic and Soc

ابراهيم القادري بوتشيش

الملخّص

تمثّل هذه الورقة تشخيصًا لتطور الكتابة التاريخية المغربية في التاريخ الاجتماعي والذهني خلال العقدين الأخيرين؛ في ضوء تجربة وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي. وتهدف إلى الوقوف على إضافات الباحثين الجديدة - المنتمين إلى هذه الوحدة البحثية - إلى رصيد الكتابة التاريخية المغربية في حقلَي التاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات، على مستوى المصادر أو المناهج، أو على مستوى ملء بعض الفراغات التي يعانيها هذا التخصص المعرفي. وتنقسم الورقة إلى محورين أساسَين، يُعنى أولهما بتحليل استراتيجية الوحدة البحثية المذكورة في الكتابة التاريخية، في حين يُعنى ثانيهما برصد الموضوعات الجديدة التي أضافتها إلى مجال التاريخ الاجتماعي والذهني. أما أبرز نتائج الورقة فتتجلى في التعريف بوحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي، وتسليط الضوء على تجربتها البحثية والاستراتيجية التي تبنّتها من أجل تجديد الكتابة التاريخية المغربية، وذلك من خلال انتقاء موضوعات لم يسبق التطرق إليها، على نحو تكون فيه منفتحة على الحاضر، ومتفاعلة مع تاريخ الهامش والمهمش والمحظورات، وما سكت عنه التاريخ، وهو أمرٌ أسفر عن إضافات جديدة في مجال التاريخ الاجتماعي والذهني للغرب الإسلامي، خصوصًا في مجالَي البنى السلوكية والتمثلات، والفكر الميثولوجي المرتبط بالواقع.

Abstract

أستاذ فخري بجامعة مولاي إسمعيل بمكناس، المغرب. Honorary Professor at Moulay Ismail University in Meknes, Morocco. be_boutchich@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ
  • التاريخ الاجتماعي
  • التاريخ الاقتصادي
Keywords:
  • History
  • Social History
  • Economic History
الرقم التعريفي: /doi.org/10.31430/HVHD6714DOI: https://
إبراهيم القادري بوتشيشإبراهيم القادري بوتشيش*Ibrahim al-Qadiri Boutchiche |
كتابة التاريخ الاجتماعي والذهني في ضوء تجربة وحدة
التكوين والبحث: التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب
الإسلامي
Writing Social and Intellectual History in Light of the
Experience of the Training and Research Unit on the
Economic and Social History of the Islamic West

ساهم البحث الجامعي إلى حد بعيد في تطوير الكتابة التاريخية المغربية، وسبك أسئلة شائكة، تمخض عن سَبْر غورها وتجميع خيوط الأجوبة عنها، تخصيب المعرفة التاريخية، وترميم بعض الثغرات التي كانت تخترق تاريخ المغرب؛ ما رفع منسوب الإنتاج التاريخي وزوّده بجرعات جديدة، تشهد بها الأطاريح الجامعية المنجزة منذ فجر الاستقلال إلى اليوم. في هذا المسار، ولدت تجربة وحدات التكوين والبحث بالجامعات المغربية في أواخر تسعينيات القرن الماضي، لتستمرّ معها رحلة الكتابة التاريخية المغربية بتوجهات جديدة، واختيارات دقيقة، تروم ربط الجامعة بمحيطها، وبالمتغيرات الإقليمية والعالمية، ما جعلها تنفتح على ورشات جديدة، وإضافات معرفية محترمة، لم تنل حظها الكافي من التوقف والتأمل والتقييم1. في هذا المنحى، تصبو ورقتنا البحثية إلى وضع تجربة إحدى وحدات التكوين والبحث بالجامعة المغربية تحت مجهر القراءة والتحليل، وهي "وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط"2، لمعرفة مدى إسهامها في تطوير نسق الكتابة التاريخية المغربية، والوقوف على الإضافات التي أضافتها إلى حقلي التاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات، استنادًا إلى بعض النماذج من الأطروحات التي أُنْجِزت تحت إشراف ثلّة من المؤطرين.

  1. من بين الدراسات القليلة التي أشارت إلى تجربة وحدات التكوين والبحث في الجامعات المغربية، دراسة عبد الرحيم بنحادة، "في إنتاج المعرفة التاريخية بالمغرب" في: التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة، إعداد وتنسيق وجيه كوثراني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 425  -  426.
  2. تأسست بكلية الآداب بمكناس بعد أن قبلت اعتمادها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سنة 1999، واستمرت حتى سنة 2013.

وإذا كان دور هذه الوحدة البحثية في تجديد الكتابة التاريخية المغربية قد أثار شهية أقلام بعض الدراسات النقدية الجادة3، فإنه ما يزال في حاجة إلى المزيد من الإضاءة عليها، وإلى جرعات إضافية من التشخيص لدورها في تطوير رصيد البحث التاريخي وتنميته. تأسيسًا على ذلك، تتشكّل خريطة الطريق التي اخترناها لهذه الدراسة من سؤالين رئيسين: ما الاستراتيجية التي تبنّتها وحدة التكوين والبحث مدار هذه الدراسة، لكتابة التاريخ الاجتماعي والذهني؟ وهل يمكن الحديث عن كتابة تاريخية مغربية نوعية، وبنفَس تجديدي، أنتجتها هذه الوحدة كغيرها من وحدات التكوين والبحث في التاريخ، في مرحلة "هيمنت العشوائية على البحث التاريخي في الجامعات المغربية" كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين؟4ما الإضافات الجديدة التي أضافها الباحثون المنتسبون إلى هذه الوحدة البحثية لرصيد الكتابة التاريخية المغربية في حقل التاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات؟

أوالً: استراتيجية كتابة التاريخ لااجتماعي والذهني عند وحدة التكوين والبحث في التاريخ لااقتصادي و لااجتماعي للغرب الإسلامي

انطلقت وحدة التكوين والبحث من استراتيجية بحثية، ومشروع يرتكز على فكرة تجديد الكتابة التاريخية، وتصويب نظر الباحثين المنتسبين إليها نحو دراسة مواضيع في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والذهني، منتقاة ومدروسة بعناية ودقة وصرامة، على نحوٍ جعل بعض الدراسات النقدية الجادة تشيد بها، وترى فيها "استراتيجية أكاديمية" متكاملة5. ويمكن القول إجم لً إنها استراتيجية تقوم على عَشْرِ نظائم متناسقة:

1.انتقاء مواضيع خريدة لتجديد الكتابة التاريخية في مجال الغرب الإسلامي

يمثّل التجديد آلية حقيقية لتطوير الكتابة التاريخية، ورفع منسوب جودتها. وتسمح النظرة الفاحصة لمسار الكتابة التاريخية المغربية الحديثة، بملاحظة الخط التصاعدي الذي عرفته منذ مراحلها الأولى. وحسبنا أنها بدأت منذ تأسيس جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1957 بمرحلة نوعية ركّزت فيها على تطهير التاريخ المغربي وتصحيحه من مغالطات الإنتاج الكولونيالي، لتدخل إبان سبعينيات القرن الماضي في تجربة التاريخ المونوغرافي ودراسات المجتمعات المحلية. وخلال التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، بدأت تتوغل في عمق التاريخ الاجتماعي، لتنكبّ على دراسة معالم الحياة اليومية للشعوب، والكشف عن الخطوط الكبرى لذهنياتها. في هذه المرحلة بالذات، تأسست وحدات التكوين والبحث، مستفيدة من معطيات التطور التكنولوجي الذي أفرزته هذه المرحلة، وخصوصًا محركات البحث recherche de Moteurs، وهو ما ينبغي الوقوف عنده مليًّا لارتباطه بإنتاج تلك الوحدات البحثية.

  1. علي الصالح مولى، من التاريخ المنسي إلى التاريخ العادل: دراسات في تجربة المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش، تقديم عبد الحق دادي (الرباط: منشورات مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية؛ دار نشر المعرفة، 2021)، ص 24، 187 - 189؛ لخضر بولطيف، "وقفات في مسار المؤرخ المغربي إبراهيم القادري بوتشيش من المدرسة المادية إلى المدرسة القيمية: استيعاب وتجاوز وبشارة"، في: جمال حيمر [وآخرون] (تنسيق)، مسارات تجديد الكتابة التاريخية عند المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش: أعمال مهداة إلى الأستاذإبراهيم القادري بوتشيش، ج 1 (مكناس: جامعة مولاي إسماعيل؛ منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2022)، ص 70 - 73؛ إبراهيم القادري بوتشيش، بين أخلاقيات العرب وذهنيات الغرب: دراسات في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (القاهرة: دار رؤية، 2005)، ص 11.
  2. محمد حبيدة، بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 2015)، ص 8.
  3. مولى، ص 24.

لقد شهد مطلع الألفية الثالثة ثورة معرفية ورقمية بامتياز، وتغيّرًا في طوابق المعرفة، مع ما تحيل عليه هذه الثورة من تدفق معلوماتي، أذكت وقوده الشبكة العنكبوتية والتكنولوجيات الذكية، وغيرها من مصادر المعرفة الرقمية التي أتاحت للباحثين الإبحار في أروقة المعرفة المتعددة، من دون قيد أو شرط، بفضل تعدد محركات البحث الرقمي، على نحو أسفر عن انفجار معلوماتي لم يكن متيسرًا للباحثين في المراحل السابقة. وأتيحت إمكانيات هائلة لتحميل المصادر والدراسات التي كان الحصول عليها متعذرًا أو صعب المنال في السابق. وانتقلت عملية التوثيق والإحالات من رفوف الأرشيف المكتوب إلى الفضاء الإلكتروني والعالم الافتراضي، ومن الوثيقة الورقية إلى الوثيقة الإلكترونية، ومن النص الثابت إلى النص المتحرك، مما فرض إعادة النظر في صنعة الكتابة التاريخية. وفي هذه المرحلة أيضًا، شبّ عود العولمة التي جسّدت لحظة تاريخية مفصلية قرّبت المسافة بين الباحثين، وجعلت تقاسم المعرفة أمرًا ممكنًا في وقت قصير، ما جعل العالم يندمج في كونية المعرفة، ويتعايش في رحاب ما بات يُعرف بالتاريخ المتصل connectée Histoire ' L6، تاريخ صار فيه كل عالم ينفتح على ثقافة باقي العوالم الأخرى ويتعايش معها، يؤثر فيها ويتأثر بها في سياق تاريخ كوني. ولا شك في أن الباحث في التاريخ الاجتماعي والذهني استفاد من هذا الفيض المعرفي الرقمي، ومن الطفرات الإبستيمولوجية، ومن عوالم التواصل الافتراضية، ونهل من الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية، وتفاعل مع محيطه الدولي، ومع التحولات المعرفية في الجامعات العالمية وخططها ومنشوراتها، وتابع منتدياتها ومؤتمراتها عن بُعد، على نحو جعله يطرح أسئلة جديدة عن المصادر والمناهج وعن آليات الاشتغال، لإنتاج تاريخ اجتماعي وذهني متجدد. في مناخ هذا الانفجار التقاني والمعلوماتي والرقمي، تأسست وحدة التكوين والبحث موضوع دراستنا، فكيف استثمرت هذه المعطيات الإيجابية لتمكين باحثيها من اختيار مواضيع جديدة للدراسة والتنقيب في التاريخ الاجتماعي والذهني؟ انطلقت الكتابة التاريخية التي احتضنتها وحدة التكوين والبحث في منظورها التجديدي من مبدأ أنه لا توجد كتابة تاريخية ولا أحكام نهائية في التاريخ، فلكل جيل قراءته الخاصة لتاريخه، وطريقة كتابته التي يمتحها من قضايا عصره ومشاكله، ومن سيولة مصادر المعرفة الجديدة التي تغذيه. لذلك جرى توجيه الباحثين إلى اختيار مواضيع بكر، وتحفيزهم على الاستفادة من الطفرات التي شهدتها العلوم الإنسانية والاجتماعية، واستثمار ما بينها من مناطق عبور وتبادل، وانفتاح على المدارس التاريخية ومناهجها التي أصبحت متاحة بفضل الثورة الرقمية، وإمكانية زيارة مواقع الجامعات الغربية، والاتصال بأساتذتها، وتحميل الكتب والدوريات التي كانت صعبة التداول من قبل. كان الاهتمام مركّزًا على تحسيس باحثي الوحدة بمسؤولية المؤرخ، وبالحاجة إلى تطوير الكتابة التاريخية من خلال اختيار قضايا تاريخية جديدة، تتماهى مع برنامج وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، واعتبار هذا البرنامج مشروعًا علميًا، وليس مجرد تكوين ينتهي بالحصول على الشواهد. يقول الباحث حميد اجميلي أحد المنتسبين إلى الوحدة المذكورة، معبّرًا عن هذه المسؤولية في تجديد الكتابة التاريخية: "وإيمانًا بأهمية المشروع، وكذا الآمال العريضة الملقاة على كاهل الباحثين المهتمين بتجاوز البحوث المألوفة التي قُتِلت بحثًا، وتقديم الجديد في حقل التاريخ، كان الانخراط في المشروع يعبّر عن رغبة، وفي الوقت نفسه، شعور عميق بجسامة المسؤولية، خصوصًا أن النبش والتنقيب في مجال التاريخ الاقتصادي والاجتماعي يحتاج إلى العديد من المقومات التي لا بدّ أن يتسلح بها الباحث حتى يمكن أن يقدّم جديدًا للخزانة التاريخية"7.

  1. عن التاريخ المتصل، ينظر: Caroline Douki & Philippe Minard, "Histoire globale, histoires connectées: Un changement d'échelle historiographique?" Revue d'histoire moderne et contemporaine , no. 54 - 55 (Octobre-Décembre 2007), pp. 7 - 21 , accessed on 12 / 6 / 2023 , at: https://cutt.us/hNJOi
  2. حميد اجميلي، "المسألة الديموغرافية بالمغرب الأقصى من القرن 6 ه إلى نهاية 8 ه/ 12 - 14 م: مساهمة في دراسة التاريخ الديموغرافي والكمي للغرب الإسلامي"، أطروحة دكتوراه في التاريخ، كلية الآداب، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، 2011، ص 2.

وفي الاتجاه نفسه المعبّر عن الرؤية التجديدية في اختيار مواضيع الدكتوراه، يقول مصطفى الدوبلالي أحد خريجي هذه الوحدة البحثية: "في سياق المنحنى الجديد والنوعي والحولي الذي اتجهت نحوه الدراسات التاريخية المعاصرة، بتركيز الاهتمام وبشكل أكبر على دراسة قضايا التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وتاريخ الذهنيات لبلاد الغرب الإسلامي، يدخل هذا العمل الذي اخترناه مج لً للدراسة"8. وبالمثل، شكلت هذه الأبحاث نقلة نحو التركيب: من مونوغرافيات تاريخ المجتمعات المحلية السائد في أطروحات سبعينيات القرن الماضي، إلى التاريخ الاجتماعي الماكروسكوبي الذي يشمل البلد برمته، بكل مناطقه ومجاله الواسع، وذلك لما للتركيب من أهمية في الفهم والاستيعاب الشامل، وتفادي الانتظار الطويل لتجميع نتائج الدراسات المونوغرافية، وهو ما يعكسه قول مارك بلوك: "يسدي التركيب أحيانًا مهما بدا مبكّرًا، خدمات أهم بكثير من المونوغرافيات"9.

2.ربط الكتابة التاريخية بالحاضر وانفتاحها على مواضيع الساعة

اقتناعًا منها بأن الكتابة التاريخية العميقة هي طرح للمشكلات الكبرى للإنسان، تأسس منظور وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي على جعل قضايا الحاضر من الموجهات الناظمة للأبحاث المنجزة داخلها، لا لكي تتفاعل الكتابة التاريخية مع محيطها الخارجي فحسب، بل لهدف منهجي أيضًا لخّصه مارك بلوك في أن الحاضر يجعل الباحث ينتقل من المساحة الأقل غموضً - ويقصد به الحاضر الذي نعيش لحظاته - إلى المساحة الأشد ظلامًا، وهي الماضي الذي وصلنا مبتورًا ا غير مكتمل الحلقات10. لذلك، تمّ الحرص على أن تكون أبحاث الأطاريح الجامعية لنيل الدكتوراه تتجاوب مع القضايا التي تشغل بال الرأي العام، وتتماهى مع جدلية ثنائية الحاضر الذي هو زمن الكتابة، والماضي الذي هو موضوع الكتابة11، خاصة أن قضايا الحاضر تجد تفسير أصولها في البنى الممتدة في الزمن الطويل، وتجعل الكتابة التاريخية سوقًا مغذية، وتمنح له جمهورًا متعطشًا لقراءة ماضيه. وقد فطن أحد باحثي هذه الوحدة إلى الحاجة إلى الطواف بين مرفأَي الحاضر والماضي في الكتابة التاريخية من خلال أطروحته حول الأسرة بالمغرب في العصر الوسيط، فذكر أن الواقع المعاصر للأسرة المغربية يستدعي الحاجة إلى معرفة ماضيها12. وفي المنحى ذاته، كتب باحث آخر وهو بصدد تقديم موضوع بحثه حول الحِرَف في الفكر والتاريخ بمجال المغرب الأقصى: "ومن هنا فإن الراهنية تجعل من تتبع الظواهر المدروسة عبر حلقاتها الزمنية والمجالية أمرًا في غاية الأهمية، لأن العملية التاريخية عملية متدفقة ومسترسلة يتداخل فيها الماضي بالحاضر"13.

  1. مصطفى الدوبلالي، "المحظورات في مجتمع الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط: مقاربة تاريخية"، أطروحة دكتوراه في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، 2012، ص 1.
  2. Marc Bloch, Les caractères originaux de l'histoire rurale française , 2 ème ed. (Paris: Armand Colin, 1952), p. VII; مقتبس من: محمد حبيدة، المدارس التاريخية: برلين السوربون استراسبورغ، من المنهج إلى التناهج (الرباط: دار الأمان، 2018)، ص 82.
  3. Marc Bloch, Apologie pour l'histoire ou métier d'historien, édition annotée par Étienne Bloch (Paris: Armand Colin, 1997), p. 65.
  4. Suzanne Citron, Enseigner l'histoire aujourd'hui: La mémoire perdue et retrouvée (Paris: Les éditions ouvrières, 1984), p. 30.
  5. عبّر الباحث محماد لطيف عن هذا التوجه في ربط الماضي بالحاضر في دراسته لموضوع الأسرة والتأكيد أن الواقع المعاصر للأسرة يستدعي الحاجة إلى معرفة ماضيها. ينظر: محماد لطيف، الأسرة في مغرب العصر الوسيط (مراكش: مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، 2021)، ص 7.
  6. مولاي الحسن مغار، الحرف في الفكر والتاريخ بمجال المغرب الأقصى خلال العصر المريني (القاهرة: منشورات مركز تافيلالت للدراسات والتنمية والأبحاث التراثية؛ دار محمود للنشر والتوزيع، 2018)، ص 7.

3.من السردية إلى الكتابة التاريخية لااستشكالية

اتسمت الأطاريح الجامعية التي أنجزت ضمن برنامج وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، بسعيها إلى تجاوز رتابة التاريخ السردي، وإخراج الكتابة التاريخية من نمطية الحدث السياسي والوقائع الضيقة14، والتعاقبات الخطية التي لا تمثل سوى المساحة السطحية لواجهة التاريخ، إلى التاريخ الإشكالي problématique Histoire. لذلك حُدِّدت مهمة الباحث في هذه الوحدة البحثية في معالجة الإشكاليات التاريخية الدقيقة والبكر، أو تناولها في سياق استشكال جديد عن طريق تفكيك آلياتها المعقّدة التي تجمع بين الاقتصادي والاجتماعي والذهني والأنثروبولوجي، وتحويل الاهتمام من الخاص إلى العام، ومن الفرد إلى الجماعة والبنى والمؤسسات، ومن العرَضي إلى ما يسميه بوميان بالمنظّم والثابت، عبر فسحة طويلة من الزمن15، ومن سرديات الحروب إلى استقصاء الظواهر الطبيعية كالمناخ والكوارث، والجفاف والخبز، وطبقات السكان، وعوالم الزينة والديكور، والجمال والمشاعر العاطفية، وكل ما له صلة بهذه العلائق المتماسكة التي تسمّيها مدرسة الحوليات بأسلوب الشبكة. جرى تحديد هذا النمط من الكتابة التاريخية الاستشكالية التي أصبحت "ميثاقًا" بين المشرف والباحث من زاويتين: أ. ملامسة القضايا المفتاحية في كتابة التاريخ لااجتماعي والذهني للغرب الإسلامي تكشف القراءة الراصدة لمواضيع الأطروحات التي سجلت ونوقشت في وحدة البحث المذكورة، أن التوجه كان يصبّ في التركيز على ما اعتبرناه مفاتيح لقراءة تاريخ المغرب الوسيط، وممرّات ضرورية لفهم التاريخ الاجتماعي والذهني، وهي الماء والمناخ والكوارث الطبيعية والديموغرافيا والرقّ وتاريخ الأقليات والأسرة والقيم والأخلاق والضرائب والفكر الحرفي والموقف من قراءة الكتاب والفكر الميثولوجي والأشكال المتخيّلة، وغيرها من القضايا الإشكالية التي تساهم في تركيب أفق جديد لتطوير الكتابة التاريخية المغربية. أفصحت هذه المفاتيح عن نفسها في مقدمات الأطروحات المنجزة. وحسبنا قرينة على ذلك مقدمة أطروحة سعيد بنحمادة التي يذكر فيها أن "الماء يعدّ خير معبِّر عن جوهر الحضارة الأندلسية، فهو المفتاح الأساس لفهم فعاليتها"17. ولم تخرج تيمة الديموغرافيا باعتبارها مفتاحًا لكتابة تاريخ الغرب الإسلامي عن السياق ذاته، فمن دونها تغدو الكتابة التاريخية متشظية وغير متماسكة، بل مستحيلة في رأي روزنبرجي وتريكي اللذين تساءلا عن جدوى كتابة ماضي بلد بمعزل عن بنيته الديموغرافية. وهو ما أثاره كذلك ميشيل فوكو الذي أقرّ بأن الوقوف على متغيرات البنية الديموغرافية، يعدّ أداة بامتياز لاكتشاف الطبقات الرسوبية من المجتمع، بدلً من التعاقبات الخطية18. لقد كانت هذه المقولة المفتاحية المجمع عليها، وراء تشبّع أحد باحثي الوحدة البحثية بالفكرة منذ تسجيل أطروحته، عبّر عنها بالقول: "لا يمكن فهم التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشعوب، من دون الأخذ بعين الاعتبار عنصر السكان من حيث معطياته وظروفه الاجتماعية وكذا توزيعه ونموه الطبيعي"19.

16  سعيد بنحمادة، الماء والإنسان في الأندلسخلال القرنين 7 و 8 ه/ 13 و 14 م: إسهام في دراسة المجال والمجتمع والذهنيات (بيروت: دار الطليعة، 2007)، ص 12.

  1. مسعود ضاهر، "بروديل والنظرية المتوسطية"، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 43 (1987)، ص 31.
  2. كريزيستوف بوميان، "تاريخ البنى"، في: جاك لوغوف (إشراف)، التاريخ الجديد، ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنية (بيروت: منشورات المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 207.
  3. ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1986)، ص 5.
  4. اجميلي، ص 4.

أما الفكر الميثولوجي والأشكال المتخيّلة بوصفها قضية مفتاحية جوهرية في كتابة التاريخ الاجتماعي والذهني كما أسلفنا، الذكر، فأمر لا يخطئه العقل الحصيف، بل يصعب فهم أي تاريخ سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي من دون الكشف عن الميتا تاريخ أو الوجه الآخر غير الملموس من التاريخ البشري، حتى إن جاك لوغوف اعتبر التاريخ من دون متخيّل تاريخًا مبتورًا ومفصولً عن الواقع20. لذلك كانت مادة المعتقدات الشعبية والتصوف وما يختزنه من كرامات متخيّلة، مادةً أساسية في برنامج التكوين والبحث، وجرى تناولها كذلك في معظم الأطاريح التي نوقشت تحت إشراف مؤطريها. وبالمثل، لم تخْل تلك الأطروحات من تجريب مفتاح آخر من مفاتيح التاريخ المغربي، وهو دراسة المسكوت عنه في التاريخ، واستنطاقه و"إرغامه" على البوح بأسراره، لأن في الكشف عن تلك القضايا المغيبة فكّ لعدد من شيفراته. ب. أزمنة التحولاات التاريخية والمنعطفات الحضارية وُجّهت بوصلة أبحاث الدكتوراه في وحدة التكوين والبحث مدار هذه الدراسة نحو الكتابة حول أزمنة التحولات والمنعطفات التاريخية التي تشهد عادةً تبدلات وتحولات وانقلابات حضارية، وقف عندها ابن خلدون عندما تناول العصر المريني21، مع ما يتمخض عن ذلك من تغيّرات في القيم والسلوكات، والانتقال من المألوف إلى الشاذ، ومن النهوض إلى السقوط، ومن الغلبة إلى الهزيمة. في هذا الصدد، يربط الباحث حميد تيتاو العصر المريني بوصفه زمنًا للتحولات، بالموضوع الذي وجهناه لدراسته بالقول: "كان اختيارنا للعصر المريني، لكونه زمن التحولات والمنعطفات، اختيار فترات التحول والتراجع وانفلات المجال المتوسطي من يده، وانتقال مركز الثقل الحضاري لأوروبا، وزمن الوباء العظيم (العصر المريني)". وفي المنحى نفسه، وجد محماد لطيف في الحقبة المرينية التي اختارها مج لً لبحثه "فترة مفصلية في المسار العام لتاريخ المغرب، لما شهده مقطعها الزمني بين القرنين 7 – 9 ه/ 13 - 15 م، من تحولات عميقة ومنعطفات حاسمة"22. وعلى النهج نفسه، وضع سعيد بنحمادة المسألة المائية ضمن النسق الحضاري المتوسطي، والبنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية طويلة المدى التي "تستوجب دراستها ربطها بالمنعطفات الحضارية الكبرى"23.

كتابة تاريخية تلامس الهامش والمهمّش و لاانحرافات والمحظورات

وفقًا للخيوط الناظمة لاستراتيجية وحدة التكوين والبحث، محور الدراسة، وُجّهت الأطاريح الجامعية نحو الاهتمام بمناطق الظل، والبقع المهملة في تاريخ الغرب الإسلامي، والانزياح عن المألوف، للبحث عن المنسي والمطموس، لأن في تاريخ المغرب الوسيط قضايا مطموسة، تحتاج إلى تنصيب "بعض النقط على الحروف" وفق كلمات الأستاذ القبلي24. ولا شك في أن تصويب النظر نحو تاريخ الهامش والمهمّش، يعبّر عن طموح لإعادة التوازن بين الفاعلين في التاريخ، وجنوح نحو "العدالة" في الكتابة التاريخية، وحقّ الأطياف الاجتماعية كافة في الحضور في خطابها. فالشخصيات داخل متن التاريخ الهامشي تتغير، وتنقلب معها المعادلة المألوفة في الكتابة التاريخية بالغرب الإسلامي، فتتحوّل محاور الاهتمام من الراعي إلى الرعيّة، ومن رموز السلطة وعلية القوم إلى البسطاء، ومن النخبة العالمة إلى عالم الأمّيين والمنبوذين والعبيد والإماء، مما يتمخض عنه قراءة التاريخ من أسفل، بغية استكمال الحلقات المغيبة فيه، وتقديم الأجوبة عن كثير من الأسئلة التي يلفها الغموض حول تكامل البناء التاريخي.

  1. Jacques Le Goff, L'imaginaire médiévale (Paris: Gallimard, 1985), p. 7.
  2. يقول ابن خلدون: "وإذا تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث". ينظر: عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، الجزء الأول من كتاب العبر، ط 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.])، ص 33.
  3. لطيف، ص 8.
  4. بنحمادة، ص 12.
  5. محمد القبلي، مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1987)، ص 6.

بهذا المنظور، جرى تحويل موضوع الأسرة من عائلة السلطان وقرابته في أطروحة محماد لطيف، إلى الأسرة داخل الأوساط الشعبية في المجتمع المغربي، ومن المجال الحرفي والصناعي باعتباره مصدرًا من مصادر تمويل ميزانية الدولة إلى "بحث في المهمّش والمقصي"، وفتح "منافذ وعوالم ممكنة" في أطروحة مولاي الحسن مغار25، من خلال تحليل الفكر والعقل الحِرَفي. كما انتقلت الكتابة عن الحرب بوصفها سردية تعكس بطولات الحاكم في أطروحة حميد تيتاو، إلى الكتابة عن انعكاسات الحرب على المجتمع وتشكيل ذهنياته، ودورها في عملية الحراك الاجتماعي، وتأثيرها في المتغيرات التي شهدتها النظم والمؤسسات والبنى، ووَقْعها على الجانب النفسي والمشاعر والأحاسيس والعادات والسلوكيات، وجزئيات الحياة اليومية، فضلً عن مساهمتها في إنتاج عالم من القيم المناقضة لقيم زمن السلم، وعقليات ينعدم فيها التوازن بين ذهنية المنتصر وذهنية المنهزم، وأثرها في الإنتاج الاقتصادي والتركيبة الديموغرافية. وبالمثل، شكّل المجال المحظور إحدى النقط المركزية التي جرى توجيه الكتابة في التاريخ الاجتماعي نحوها في استراتيجية وحدة التكوين والبحث. لذلك جاءت حمّالة لعدد من الأسئلة التي مكّنت من الوقوف على ما يعتبره المجتمع من التابوهات كالبغاء ومعاقرة الخمر وممارسة السحر وشتم الرسول (ص) والتعامل بالرشوة، وغيرها من السلوكات التي تعتبر مستهجنة في عقلية المجتمع، ولكنها تشكّل جزءًا من الواقع المكبوت والمتواري؛ لذلك جرى الاهتمام بها للكشف عن الوجه الآخر لمجتمع الغرب الإسلامي، ونفض التراب عن كل ما كان يخضع لرقابة مجتمع محافظ. في هذا السياق، يرى الباحث مصطفى الدوبلالي الذي أنجز أطروحته في موضوع "المحظورات في الغرب الإسلامي" أن ثنائية الحظر والإباحة ساهمت في صياغة المنظومة الذهنية ببلاد الغرب الإسلامي26، وأن تسليط الضوء على الجانب الأول المكبوت والمقموع في الذات الإنسانية يجعل التاريخ البشري أكثر وضوحًا. وهو ما نرى فيه محاولة لتجاوز ما سعت الإستوغرافيا التقليدية إلى التكتّم عليه، وجعله غنيمة لمقصّ الرقابة.

5.استبدال الأمكنة

اقتضت الكتابة التاريخية في الهوامش والمحظورات والتابوهات، تحويرًا في استراتيجية اختيار أمكنة مواضيع الدراسة لدى الباحثين في وحدة التكوين والبحث، بتوسيع جغرافية الأماكن التي تشتغل الكتابة التاريخية عادة في دائرتها، مع أنه رهان فكري لا يخلو من أشواك التعثر. فالأماكن المألوفة في الحوليات التاريخية، كالقصور والدواوين وميادين الحروب، تحوّلت في أطاريح هؤلاء الباحثين إلى المزارع والأسواق وأوراش الحرفيين ومنازل العوام، ومن مجالس العلم والوقار إلى أزقة الدعارة ودروب المتسكعين والبطالين، ما يعطي مشهدًا جديدًا ومتجدّدًا عن جغرافية المكان غير المألوفة، أو الخاضعة لرقابة عقل المؤرخ في الكتابة التاريخية.

6.توسيع مساحة الفضاء الأنثوي في الكتابة التاريخية

ذهبت الأطاريح الجامعية وفق استراتيجية الكتابة التاريخية التي سطّرتها وحدة التكوين والبحث مدار دراستنا، إلى محاولة كسر احتكار العقلية الذكورية وهيمنتها في تاريخ الغرب الإسلامي، والسعي إلى توسيع مساحة الحضور الأنثوي على مستوى المواضيع المنجزة حول الأسرة أو الحرب أو الديموغرافيا أو تاريخ المرأة المهمشة27. وقد وجدت تلك الأطاريح مصادر ووثائق أتاحت لها إدماج

  1. مغار، ص 9، 11.
  2. الدوبلالي، ص 2  -  3.
  3. الإماء في الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، هو الموضوع الذي سجلته الباحثة الموريتانية زينب بنت لد، المنتسبة إلى وحدة التكوين والبحث، لكنها لم تواصل إنجازه بسبب انشغالات سياسية بوصفها عضوًا في البرلمان الموريتاني.

ورش الاشتغال بموضوع المرأة بفضل ما توافر من نصوص حول النساء، ودورهن بوصفهن فاعلات سواء على مستوى الاقتصاد والفكر، أو على مستوى توجيه دواليب الأسرة، وهي الأدوار التي حجبتها الحوليات التاريخية، مع بعض الاستثناءات في عالم نساء الطبقة المتنفذة في المجتمع. وبذلك، يمكن القول إن أطاريح الوحدة البحثية المذكورة وسّعت مساحة الكتابة التاريخية النسائية كما تعكس ذلك أطروحة " الأسرة في العصر المريني" التي عالج فيها الباحث امحماد لطيف عدة مباحث تخص قضايا المرأة.

استثمار خصوبة المصادر والوثائق "النائمة"

شكّل سؤال تجديد المصادر التاريخية الهاجس العلمي الرئيس عند المشرفين والباحثين في وحدة التكوين والبحث المذكورة. وبحكم أن المواضيع التي سجّلت كانت بكرًا، وقليلة الإضاءة، وشحيحة المادة المصدرية، فإن الباحثين وجّهوا اهتمامهم إلى التنقيب والنبش في مصادر ووثائق "نائمة"، بعيدة عن التداول، مخالفة أحيانًا النظام المعرفي السائد، ولكنها مفيدة في استقصاء التاريخ العميق. لذلك، كان التحدي الكبير لديهم يتجسد في ملء الفراغات التي تشكو منها الكتابة التاريخية ولو مؤقتًا، في انتظار تراكمات نصية ووثائقية تزيد تطويرها، لاستكمال مثل هذه المواضيع التي أحجمت الحوليات التاريخية عن تناولها، أو جاءت نصوصها مبتسرة ومبعثرة، ومن دون خيط ناظم، حتى إن ابن خلدون وجّه سهام النقد اللاذع إلى مؤلفيها واصفًا إياهم بالتقليد والغفلة، والنقل بلا روية ولا تمحيص، مما جعلهم يسقطون وفق تعبيره في فخّ المغالط28. بيد أن المثبط المصدري لدى باحثي الوحدة في مثل هذه المواضيع الاجتماعية والذهنية التي تعزّ مصادرها، لم يحل دون إيجاد البدائل، بل حتى الاجتهاد بتوسيع دائرة الوثيقة، والاستفادة من الانفجار التقاني والمعلوماتي الحديث الذي يساهم في "تجاوز النزعات الناحية نحو إغلاق باب الاجتهاد"29. وفي سياق هذا التجاوز، حرص أساتذة الوحدة البحثية أو الأساتذة المحاضرون المدعوون لتنشيط الحلقات البحثية بحسب تخصصاتهم، على إعادة بناء السؤال المصدري بتوسيع مفهوم النصّ الذي لم يعد مقتصرًا على الوثيقة الرسمية، بل صار يشمل كل ما له صلة بالفعل الإنساني وتجلّيات عقليته. فالحضارة الإنسانية ليست حضارة المنجزات المادية فحسب، بل هي أيضًا حضارة المنجزات اللامادية التي يغدو فيها كل شيء وثيقة بالنسبة إلى المؤرخ: الأسطورة، والحلم، والكرامات الصوفية، والموسيقى والأهازيج الغنائية والفولكلور، وشارات حركات الرقص وغيرها من الوثائق المجازية، فضلً عن الوثائق الأخرى المادية غير المكتوبة مثل شواهد القبور ولوائح دفن الموتى ونصوص الوصايا، إضافةً إلى الوثائق والنصوص الصامتة والمرموزة التي لم تستخدم اللغة المباشرة، ولكنها استعملت اللغة الرامزة التي تضمر وراءها واقعًا يتجاوز النص المادي الملموس، وينفذ إلى "الروافد الكمينة والجذور"30. وبما أن التراث المخطوط والمتناثر في الخزانات المغربية والعربية والأوروبية يحوي أشك لً من هذه النصوص "النائمة"، فقد جرى حثّ الباحثين على النبش في التراث المخطوط الذي يحوي إضافات جديدة تفتقر إليها المدونات التاريخية؛ لذلك فإن الببليوغرافيا المعتمدة عندهم حوَتْ عددًا كبيرًا من المخطوطات التي أغنت الكتابة في التاريخ الاجتماعي والذهني31. ولعلّ ما يؤكد محاولات تحدي الفقر المصدري لهؤلاء الباحثين، اهتمامهم بتنويع الأجناس المصدرية التي شملت كتب "أدب الفروسية وركوب الخيل"، ومنها استُخرجت "معلومات تخص أنواع الألعاب والتسلية التي مورست كشكل من أشكال إعادة إنتاج

  1. ابن خلدون، ص 32.
  2. بنحمادة، ص 13.
  3. محمد القبلي، "حول بعض مضمرات 'التشوف'"، في: الجمعية المغربية للبحث التاريخي، التاريخ وأدب المناقب (الرباط: منشورات عكاظ، 1989)، ص 63.
  4. أحصينا 45 مخطوطًا في أطروحة سعيد بنحمادة، و 32 مخطوطًا في أطروحة حميد تيتاو، و 14 مخطوطًا في أطروحة حميد اجميلي.

الحرب في المتخيل والرمز"32، وكتب التنجيم التي قدّمت صورة "عن الإنسان المغربي وهو يحاول تجاوز أزمات الحروب، ويسعى إلى ابتكار حلول لطوارقها في المعتقد الغيبي، والإيمان بخوارق المنجمين والعرافين والسحرة والمعزمين"33. وفي المنحى ذاته، انفتح عبد الهادي البياض في أطروحته على مصادر جديدة مثل كتب السحر والكهانة والتنجيم والتعاويذ والمتون الفقهية، والأزجال والأمثال الشعبية وغيرها، ليضيء زوايا معتمة من تاريخ سلوك الإنسان بالمغرب في الحقبة الوسيطية، ويستجلي المشاعر الكامنة في أعماق النفس. على المنوال نفسه، اعتمد حميد اجميلي على كتب الزراعة والفتاوى، وكتب الطب والتغذية وحوادث الأوبئة والمجاعات، وطعّمها بالدراسات الحديثة حول الديموغرافيا والطرق الإحصائية، وتحديد النسل وغيرها من الأبحاث التي زوّدت الكتابة التاريخية بجملة من المعطيات الإحصائية، وجعلتها تنتقل من دائرة النظريات إلى دائرة التطبيق، ومن مستوى السرديات الرقمية إلى مستوى تفسير تأقلم ساكنة المغرب الأقصى مع المعيش واليومي34. والحاصل أن التجديد المصدري والبحث عن المصادر "النائمة" وجودة استنطاق نصوصها، كلها ساهمت في نصيب مهمّ في تطوير الكتابة التاريخية المغربية من خلال تجربة وحدة التكوين والبحث مدار هذه الدراسة.

8.التجديد المنهجي بالحرية المنهجية

يمثّل سؤال الحرية تقاطعًا تلتقي فيه كل الحقول المعرفية والفكر والمناهج، لأن الحرية غريزة إنسانية، تصبّ في مفهوم الوجود والكمال الإنساني الذي تطمح إليه النفس البشرية. والراجح في تقديري أن حرية المنهج تجسّد جوهر الحرية في التفكير، وأساس الخَلْقِ والابتكار، وتنمية رأس المال المعرفي. ولا يمكن إدراك أهميتها في تشرّب أدوات صنعة الكتابة التاريخية إلا بما تولّده من أفكار وانسياب في نهر الإبداعات، والاستنتاجات غير المتوقعة. وكان الأستاذ العروي قد وقف منذ زمن على أهمية الحرية المنهجية وضرورة "ترك الحرية للجميع منذ البداية، ثم التحاكم إلى الوثائق لفرز النظريات الصالحة والنظريات الفاسدة "35. تأسيسًا على هذا المبدأ، حظي الباحثون في وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي بحرية مطلقة في اختيار المنهج المناسب في أطروحاتهم، وهو ما يفسر تبني بعضهم المنهج الشمولي التكاملي الذي يفرز تباينًا واختلافًا في تطبيق المنهج، وفق طبيعة المباحث أو الفصول داخل الدراسة نفسها36، ومنهم من وظف المادية التاريخية، ومنهم من طبّق "التقاطعات المنهجية"37 التي تعتمد التركيب بدلً من الاختيار الأحادي نتيجة تداخل العلوم، ومنهم من طبّق المنهج الكمّي الإحصائي بحسب ما يتطلّبه موضوع الأطروحة. والراجح عندي أن المناهج التي اختارها الباحثون من دون قيود، جاءت ثمرة لمرحلة التكوين التي تأسست على مبدأ الانفتاح على سائر العلوم الاجتماعية والإنسانية، واستضافة ثلّة من المحاضرين لعرض موادهم الدسمة، وطرق تفكيرهم المنهجي على موائد

  1. حميد تيتاو، الحرب والمجتمع بالمغرب خلال العصر المريني 609 - 869 ه/ 1212 - 1465 م: إسهام في دراسة انعكاسات الحرب على البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية، سلسلة أبحاث 1 (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز؛ منشورات عكاظ، 2010)، ص 21.
  2. المرجع نفسه، ص 24.
  3. هذا ما يوافق رأي فيليب أرياس في مبحثه حول التاريخ الديموغرافي الجديد. ينظر مقالته: فيليب أرياس، "تاريخ الذهنيات"، في: لوغوف، ص 288.
  4. عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1983)، ص 29.
  5. اجميلي، ص 9.
  6. تيتاو، ص 14.

التاريخ التي تحلّق الباحثون حولها. يضاف إلى ذلك ما تضمنته مقررات الوحدة البحثية المذكورة، من مواد ومحاضرات وحلقات بحثية نقاشية منفتحة على كل الأسئلة الإبستيمولوجية والمنهجية التي تطرح في حقول السوسيولوجيا والاقتصاد والفلسفة والموسيقى وعلم النفس والآثار والأدب والسيميائيات فضلً عن اللغات، وخصوصًا الإنكليزية والإسبانية38، على نحوٍ جعلهم ملمّين بقدر مهمّ من التيارات الفكرية والمناهج. ومع ما لهذه الحرية المنهجية من أهمية في الكتابة التاريخية، فإن ذلك لم يحل دون تزويد الباحثين في الوحدة البحثية بتوجيهات منهجية للاستئناس، ومنها أن صنعة الكتابة التاريخية تبدأ بإثارة أسئلة تجاه ما يقدّم لها من نصوص جاهزة، أكثر مما تهتم بتقديم الإجابة، ف "لا تاريخ بدون أسئلة"، ولا تاريخ من دون دربة وحذق وفطنة في استنطاق النصوص39. وبالمثل، اعتمدت الوحدة البحثية في توجيه الكتابة التاريخية على منهجية التحليل المقارن والنقد، والنسبية في النظر، وتكوين عقلية تحاورية تشاركية تنأى عن تضخيم الذات، وتنحو نحو التفاعل مع الأفكار والرؤى كافة. ولقد جرى توجيه الباحثين نحو تبني بعض المقاربات والنظريات، واختبار مدى صحتها، وتوظيفها بإحكام إذا تبيّنت جدواها، بهدف تجاوز التفاصيل والجزئيات إلى بناء نسقي محكم، بحكم أن النظرية بناء معرفي، ونسق فكري يساعد على تأسيس الفرضيات، وينوّع مسارات الفهم والإدراك، ويخصب آليات تفسير الظواهر والوقائع ويولّد الأفكار، مع الحفاظ على خصوصية تاريخ الغرب الإسلامي40. كما انفتح الباحثون على المنهج الكمي الإحصائي لتحويل الكتابة التاريخية من نصوص مكتوبة إلى جداول وأرقام وبيانات، وإلى ما بات يُعرف بالتاريخ الجداولي sérielle Histoire. عبّر أحمد الصديقي أحد باحثي الوحدة البحثية عن هذا التوجه بالقول إن "المنهج الكمي الإحصائي الذي تمكنّا بفضله من تحويل بعض النصوص والأرقام إلى جداول ومبيانات ساعدنا على استخلاص التوجهات العامة للتأليف والقراءة"41. في الاتجاه نفسه، تمكّن حميد اجميلي في دراسته حول الديموغرافيا بالمغرب (ق 6 - 8 ه/ 12 - 14 م) من تحويل النصوص التاريخية إلى كمٍّ كبير من الجداول والإحصائيات والأرقام والمبيانات والخرائط، بلغت 68 جدولً و 20 رسمًا بيانيًا و 10 تصاميم وخطاطات وأشكال وخرائط عديدة، ما حتّم عليه وضع فهارس خاصة بها42. وعلى النهج ذاته، رصد مصطفى الدوبلالي مختلف التابوهات والأمثال الشعبية حولها وجمعها في جداول43، في حين نجح عبد الهادي البياض في تقديم مسح كمّي لأصناف الكوارث الطبيعية التي عصفت بالمغرب والأندلس ما بين القرنين 6 - 8 ه/ 12 - 14 م، وما

  1. ينظر مطبوع برنامج المواد الدراسية لوحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي المقدّم لطلب اعتماد الدكتوراه (مكناس: كلية الآداب، 1998)، ص 6، 16  -  17.
  2. Bloch, Apologie, p. 26.
  3. ينظر اعتماد الباحث بنحمادة على نظرية الأسقسطاس والطبائع stikhia Les، وهي منظومة فكرية شكلت أحد المشتركات المعرفية بين العلوم الطبيعية في الأندلس، وخاصة الطب والفلاحة. وقد اقتبست من الفكر اليوناني الذي كان يطلقها على الأجسام المختلفة الطبائع المشكلة للكون، والمتمثلة في الماء والهواء والتراب والنار، وهي العناصر التي كان القدماء يفسرون بها ميلاد الوجود. وقد تناولها ابن سينا في قصيدة الطب التي شرحها مؤلف مجهول بعنوان: "شرح قصيدة ابن سينا في الطب " (مخطوط بخزانة الجامع الكبير بمكناس رقم 522). ينظر: بنحمادة، ص 199؛ ومن جهته اعتمد حميد تيتاو على نظريات علم الاجتماع العسكري وعلم النفس الحربي وعلى نظريات علم الحروب "البوليمولوجي" Polémologie. ينظر: تيتاو، ص 26.
  4. أحمد الصديقي، "الكتاب بالمغرب والأندلس: إسهام في دراسة انعكاسات ثقافة الكتاب على المجتمع من القرن 6 ه/ 12 م إلى القرن 8 ه/ 14 م"، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، 2011، ص 6.
  5. اجميلي، ص 474  -  477.
  6. الدوبلالي، ص 349.

تمخض عنها من تمثلات ذهنية في شكل "تاريخ جداولي" أيضًا44. واستطاع تيتاو بدوره تحويل عدد من المعطيات التاريخية إلى جداول ورسوم بيانية وخرائط45. صحيح أنه لا يمكن إنكار الصعوبات التي اعترت محاولات هؤلاء الباحثين في تحويل النصوص المكتوبة إلى جداول ومبيانات واستنتاجات، بسبب شحّ النصوص الرقمية والإحصائية في الحوليات التاريخية الوسيطية، مقارنة بالمعطيات الإحصائية في التاريخ الأوروبي التي بلغت حدّ تسليط الضوء على طرق عيش الناس وتصوراتهم لذواتهم ولأجسادهم، وحياتهم الأسرية وموقفهم من الحياة46. غير أنهم استطاعوا أن يتجاوزوا نسبيًا هذه المطبّة العددية بفضل المصادر البديلة التي اعتمدوها، ممّا مكّنهم من ملامسة مستوى الاستهلاك عند المغاربة من خلال تتبّع القضايا المرتبطة بالتغذية، وعلاقتها بالإنتاج الزراعي، وعدد السكان، وعلاقتها كذلك بالأمراض والمجاعات. وبفضل بعض الأرقام المتناثرة في ثنايا النصوص النوازلية الخاصة بعدد أفراد الأسرة، استطاع بعضهم استنتاج العدد التقريبي لسكان الدوار أو القرية، ومنها أمكن استنباط عدد المواليد والوفيات، وتحويل النصوص إلى رسوم بيانية، وجداول إحصائية، تفسّر أثر التغيرات الاقتصادية والحروب في بنية السكان. ولا يمكن كذلك إغفال بعض المقاربات المنهجية التي وظفها باحثو وحدة التكوين والبحث، وضمنها مقاربة التحليل النفسي السلوكي التي طبقها الباحث البياض في تفسير كثير من سلوكات المغاربة خلال العصر الوسيط47، والمقاربة النفسية والسوسيولوجية والأنثربولوجية التي طبقها أحمد الصديقي48، ومقاربة النسق الحضاري المتوسطي عند سعيد بنحمادة49، فضلً عن المنهج التأويلي المقيّد بشرطَي الزمان والمكان، والمقاربة السيميولوجية لقراءة علامات الحروب واستجلاء مضمراتها عند حميد تيتاو50. بيد أن الملاحظة اللافتة للانتباه، هي تشبّع باحثي الوحدة بمنهج مدرسة الحوليات، فمعظمهم اعتمد على منظور بروديل للزمن الاقتصادي والاجتماعي ذي المدى المتوسط، المرتبط بالجماعة البشرية، والتطور البطيء لاقتصاديات دول الغرب الإسلامي، والازورار نسبيًا عن الزمن السياسي القصير، والاهتمام بفحص البنى التي تعبّر عن نظام المعيش العميق، وفهم الأصول والامتدادات عبر الزمن الطويل51 للوقوف على المجتمع وذهنياته. وهذا ما سارت على هديه جلّ الأطروحات التي أنجزت في الوحدة البحثية المذكورة، والتي وجدت أن طبيعة موضوع الدراسة هي التي تفرض الكتابة ضمن الزمن الطويل، عكس الأحداث السياسية التي تتميز بالتداول والتغير السريع52.

  1. عبد الهادي البياض، الكوارث الطبيعية وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس (ق 6 - 8 ه/ 12 - 14 م) (بيروت: دار الطليعة، 2008)، ص 37  -  42، 59، 61  -  68.
  2. تيتاو، ص 190  -  192، 204  -  320، 331  -  332، 345، 366. ينظر أيضًا ملاحق المرجع نفسه.
  3. Philippe Aries, Histoire des populations françaises et leurs attitudes devant la vie depuis le XVIIIe siècle (Paris: Éditions Self, 1948), p. 115.
  4. البياض، ص 11.
  5. يقول الباحث الصديقي: "ولم يكن بالإمكان تجاهل نتائج بعض المقاربات إما ذات الطبيعة النفسية أو السوسيولوجية أو الأنثروبولوجية، ما دامت غايتها رصد مظاهر وتجليات التعبير الفردي والجماعي في 'الثقافة الكتابية' والتي تمكن من سبر دور ثقافة الكتاب في تشكيل الذهنية المغربية الأندلسية". الصديقي، ص 7.
  6. بنحمادة، ص 12.
  7. تيتاو، ص 14.
  8. Paul-Antoine Miquel, Epistémologie des sciences humaines (Paris: Nathan, 1991), p. 36.
  9. اجميلي، ص 8؛ الصديقي، ص 3؛ تيتاو، ص 26؛ مغار، ص 13.

9.النسق البيداغوجي

لا يمكن الحديث عن الاستراتيجية التي سطّرتها وحدة التكوين والبحث المذكورة بمعزل عن الجانب البيداغوجي الذي مثّل مدخلً من مداخلها الأساسية، وساهم في بلورة أهدافها الرامية إلى تطوير الكتابة التاريخية عبر التفاعل، وتدبير آلية المشاركة الجماعية؛ وفي الوقت نفسه، تنمية القدرات الذاتية للباحث عبر نظام من المعارف الذهنية ذات البعد المنهجي الديداكتيكي. تجسّد هذا البعد البيداغوجي على الخصوص في هدف محدّد ودقيق، وهو صناعة الباحث. وليس الأرّاخ الذي يحفظ الأحداث من دون تأمل أو نقد، يدوّن ولا يعي حقيقة ما يدوّن، ينقل الحدث وهو منزوع الإرادة53. وليس بغريب أن تكون هذه الخلفية البيداغوجية ضمن المتطلبات التي تأخذها الوزارة الوصية في الاعتبار لاعتماد مشاريع وحدات التكوين والبحث بما يتماشى مع جودة التكوين وتحسين مردودية التعليم الجامعي، بناءً على مواد التدريس التي يتلقاها الباحث في الوحدة، وعلى مدى تلاؤمها مع عدد ساعات التدريس، ومع دفتر الضوابط البيداغوجية، فضلً عن تصديق اللجنة التربوية بمجلس الكلية، ثم مجلس الجامعة بعد ذلك على المشروع، قبل إخضاعه لتقييم لجنة علمية وتربوية بوزارة التعليم العالي. وخلال سنتَي التكوين التي كان الطالب يقضيها قبل تسجيل الأطروحة، اتبعت وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي عمليًا، تكوينًا جماعيًا يصبو إلى الاستفادة من تجارب أطر مشهود لها بالخبرة العلمية والتربوية على مستوى جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، أو جامعات مختلفة مغربية وعربية، وأساتذة أوروبيين، بهدف تفعيل التكامل المعرفي، وتحقيق أهداف الكفايات. فضلً عن ذلك، اتسمت العلاقة بين الباحث والمؤطرين والمشرفين بالتدبير الجماعي التفاعلي، والمتابعة المستمرة والمواكبة والتقييم، عن طريق العروض التي يهيّئها الطالب الباحث لتقديمها في سيمنارات، وإلزامه بحضور الندوات والملتقيات الثقافية، وتقديم تقارير حولها، لكسب الثقة بالنفس، والتمرن على أصول البحث، واكتساب المهارات، فضلً عن الرحلات الدراسية التي كانت بمنزلة تطبيقات للدروس النظرية. والجدير بالإشارة أيضًا أن مراقبة هذه المهمات التي تناط بالطلبة وتقييمها، بل حتى الإشراف على الأطروحات، كانت مسؤولية جماعية، وليست إشرافًا فرديًا، إذ غالبًا ما كان يجري التفكير في المواضيع بعقل جماعي تشاركي ونقاشي داخل حلقات بحثية، تجمع بين البحث العلمي والخلفيات التربوية. كما جرى الحرص تربويًا على جعل وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في الغرب الإسلامي بيت محبة وتآخ، وتعاون وتضامن بين الباحثين المنتسبين إليها، بهدف تكوين مؤرخ متدثّر بأخلاقية العلم والجدية والتفاني، بعيدًا عن الأنانية وتضخّم الذات، لتنمية روح العمل الجماعي.

. 10 سؤال لااستمرارية والخلَف

من الأسئلة الحارقة التي كانت تؤرق مؤطري وحدة التكوين والبحث محور الدراسة، سؤال الخلَف الذي يضمن استمراريتها، ويواصل نحت أسئلة جديدة في مجال الكتابة التاريخية. لذلك، جرى التركيز - كما سبق الذكر - على صناعة الباحث، خصوصًا أن الوحدة كانت تتوفر على أجود الخريجين الذين جرى انتقاؤهم بعناية وشفافية ودقة.

  1. عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ج 1: الألفاظ والمذاهب (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992)، ص 44.

وتنفيذًا لهذه الرؤية، لم ينقطع التواصل معهم. فبعد الانتهاء من مناقشة أطروحاتهم، والتحاقهم بمختلف الجامعات التي أصبحوا فيها أطرًا مشهودًا لهم فيها بالكفاءة والمثابرة البحثية، بدأت مرحلة جديدة من الاستمرارية والتواصل، من خلال تنظيم لقاءات وحلقات علمية، أطلقنا عليها اسم "دروب بحثية"، خُصصت لعرض منجز أبحاثهم الجديدة بعد التخرّج، بهدف تحفيزهم على المزيد من الإنتاج العلمي، وتحيين نفَسِهم وتجديده، والتأثير الإيجابي في طلبة الدكتوراه الذين لم يناقشوا أطروحاتهم بعد، وزرع الأمل حتى في طلبة الإجازة في التاريخ. ولا تزال أقلام هذا الجيل الجديد إلى اليوم سيالة، كريمة العطاء، ووفيّة لإكمال مشروع كتابة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والذهني والثقافي وإتمام ما بدأه السلف54. والجدير بالملاحظة في هذا السياق أن تجربة وحدة التكوين والبحث المذكورة ودورها في توريث الخلَفِ بهدف تطوير البحث التاريخي، أثارت شهية أقلام بعض الباحثين. فقد رأت فيها بعض الدراسات النقدية الجادّة مشروعًا متماسكًا يتميّز بالسيولة، ويطمح إلى "تكوين جيل من الباحثين الشباب المتسلحين بأدوات البحث العلمي القادرة على إنتاج أطاريح جامعية في تاريخ الغرب الإسلامي الوسيط، بعيدًا عن المألوف والمتداول"55، بينما رأت فيها دراسات أخرى مدرسةً ومشتلً لتخريج باحثين ذوي كفاءة لا تزال كتاباتهم إلى اليوم تمثّل "علامات هادية، ومؤذنة بغد جديد"56. وفي المنحى نفسه عبّر خريجو دكتوراه الوحدة المذكورة عن أنفسهم بوصفهم خلَفًا يحمل مشعل الاستمرارية بمناسبة تكريم مؤسسها والمسؤول العلمي عنها بالقول: "فكان المعلم والأستاذ والمربّي والقدوة، بل كان الأب الذي لا يرغب في أن يفضله أحد غير أبنائه، حتى صار يبتهج لإصداراتهم، وتسرّه أخبارهم، وهو المبادر لتتبّع أحوالهم، ناصحًا أمينًا، بقلب ملؤه الأبوة والإنسانية"57. الحاصل أن منجزنا البحثي في هذا المحور، سعى إلى إبراز المعالم الكبرى لاستراتيجية الكتابة التاريخية التي تبنتها وحدة التكوين والبحث كما حددناها في المحاور السالفة. فما الإضافات الجديدة للتاريخ الاجتماعي والذهني التي أضافها الباحثون المنتسبون إليها؟

ثانيًا: إضافات جديدة إلى الكتابة التاريخية المغربية في مجال المجتمع والذهنيات

إن رصد كل الإضافات الجديدة، التي أضافها الباحثون المنتسبون إلى وحدة التكوين والبحث موضوع الدراسة، إلى رصيد الكتابة التاريخية المغربية، أمر يستعصي على الضبط والحصر في المجال المخصص لهذه الورقة البحثية؛ لذلك سنقتصر على رسم خطوطها العريضة، في حقل تاريخ الذهنيات بصفة خاصة.

  1. لا تسمح المساحة المخصصة لهذا البحث بعرض عناوين كل الكتب والأبحاث العديدة التي أنجزها الباحثون المنتسبون إلى هذه الوحدة، في حقل التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الذهنيات بالمغرب في العصر الوسيط بعد تخرّجهم فيها.
  2. مولى، ص 24.
  3. يقول بولطيف: "لكنني إذ أصيخ السمع إلى وقع كتابات باحثين شباب؛ من أمثال: حميد تيتاو، وسعيد بنحمادة، وعبد الهادي البيّاض، من خرّيجي المدرسة البوتشيشية، إلى جانب نظراء لهم على غرار محمد البركة، ومحماد لطيف وأحمد صديقي، وغيرهم، لا يمكن سوى أن أرى فيها علامات هادية، مؤذنة بغد جديد، بقدر ما يحمل على الأمل المفعم بالرضا، بقدر ما يدعو إلى النظر بعين التقدير والإنصاف إلى منجز هذا الجيل". ينظر: بولطيف، ص 71  -  72.
  4. أب مربي، قدوة، وصاحب مشروع"، شهادة مجموعة من دكاترة وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي "، في: محمد الشريف (تقديم وتنسيق)، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الذهنيات بالمغرب والأندلس: قضايا وإشكاليات، ج 1: قضايا في التاريخ الاقتصادي، أوراق الندوة الدولية التكريمية المهداة للأستاذ المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش (الرباط: منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية؛ شمس برينت، 2019)، ص 43  -  44.

1.نشر الأطاريح الجامعية

بحكم القيمة العلمية التي تميزت بها معظم الأطاريح الجامعية المنجزة داخل وحدة التكوين والبحث في الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، خصوصًا تلك التي تناولت التاريخ الاجتماعي وانعكاساته على الذهنيات، فإن عددًا منها عرف طريقه إلى النشر من جانب المعاهد والمؤسسات العلمية المرموقة، من قبيل مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء التي نشرت أطروحة "الحرب والمجتمع بالمغرب خلال العصر المريني: إسهام في دراسة انعكاسات الحرب على البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية" لحميد تيتاو سنة 2008، وذلك في إطار برنامج "سلسلة أبحاث"، الذي "يقضي بنشر رسائل وأطروحات جامعية لباحثين شباب تتميز بقيمتها العلمية، ودقتها الأكاديمية"58. كما نُشِرت أطاريح أخرى في دور نشر عربية واسعة الانتشار، أو في دور نشر مغربية محترمة. وتبرز القيمة العلمية لهذه الأعمال المنجزة تحت إشراف الوحدة البحثية المذكورة، فيما حصدته من جوائز علمية، حتى إن أطروحة "الحرب والمجتمع" السالفة الذكر حازت جائزتين: جائزة مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية سنة 2008، وجائزة المغرب للكتاب سنة 2010. كما حصلت أطروحة محماد لطيف التي نشَر جزءًا منها59، على جائزة منشورات رابطة الأمل للطفولة بأكادير للباحثين الشباب سنة 2015. وأحسب أن أطروحات أخرى تشكّل أيضًا متونًا عالية الكعب، تستحق الإشادة والتكريم.

2.إضافات جديدة إلى تاريخ الذهنيات

مع أن تاريخ الذهنيات لا يزال مبهمًا حتى في الدراسات الغربية ذاتها60، ولا يزال عند العتبات الأولى في الكتابة التاريخية العربية، فإن وحدة التكوين والبحث سلكت هذا المسلك الصعب، مقتدية بما أنتجه أساتذة مدرسة الحوليات من طينة جاك لوغوف ولادوري وجورج دوبي الذي استطاع في كتابه Bouvines de dimanche Le تحويل حادثة معركة عسكرية، إلى قراءة في مسلكيات اجتماعية وإبحار في ذهنيات المحاربين61. وبحكم أن مساحة البحث لا تسمح بعرض كل التفاصيل، فإننا آثرنا الاكتفاء بمجالين من تاريخ الذهنيات، نحسب أنهما ساهما في تخصيب الكتابة التاريخية المغربية.. أ البنى السلوكية والمتخيّل مثّلت أطروحة "الكوارث الطبيعية وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس"، حوارًا بين الإنسان والطبيعة، وكشفًا عن جوانب من التفاعل بين المتغيرات المناخية والإفرازات السلوكية والذهنية للإنسان. كما أنها أفصحت عن دور الكوارث الطبيعية في نسج خيوط البنى السلوكية، وتناسل صور المتخيّل الشعبي القائم على الشعوذة والخرافة تجاه الكوارث، وكشفت عن الأحاسيس الكامنة في حنايا اللاشعور عند إنسان المغرب والأندلس في تلك الحقبة.

  1. تيتاو، ص 4.
  2. محماد لطيف، الطفولة والتنشئة الاجتماعية بالمغرب الأقصى خلال العصر الوسيط، سلسلة منشورات الرابطة 1 (أكادير: منشورات رابطة الأمل للطفولة؛ جامعة ابن زهر، 2015.)
  3. لوغوف، ص 120.
  4. الهادي التيمومي، المدارس التاريخية الحديثة (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر؛ صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2013)، ص 184  -  185.

ونحسب أن هذه الأطروحة بيّنت بطريقة غير مسبوقة كيف تتحوّل معاني القيم الاجتماعية ودلالاتها في ظلّ التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية، إلى سلوكات غريبة غير مألوفة في المجتمع، تبرز فيها السلوكات العدوانية كالسلب والنهب والغصب والاحتكار، والارتداد نحو الطور الوحشي البدائي الذي يصبح فيه الإنسان زمن المجاعات مفترسًا وآكلً للنبات والحشائش ولحوم البشر، ومستهلكًا بامتياز لعالم الخرافة والسحر. وفي الوقت ذاته ألقت الجوائح والكوارث الطبيعية بثقلها على ثقافة المجتمع، وأثّرت في ظهور ثقافة الادخار، وإحياء التضامن والتكافل عن طريق التحبيس والوقف، وإشاعة قيم الإحسان، بإيعاز من الصلحاء والأولياء. وفي مجال المتخيّل، عالجت الدراسة مسألة ارتباط المناخ بألوان من الذهنيات الغيبية التي شيّدت عالمًا مدهشًا قائم الذات، تتصدّره تنبؤات الكهنة والمنجمين بالرياح والعواصف، وما تحدثه من تأثير في إشاعة ثقافة الخوف في نفوس الناس. إن ترادف السيول والفيضانات التي يرجعها المنجمون إلى حدث اجتماع الكواكب، أو ما يُعرف باسم "الحدثان"، شكّلت منابع لتسرّب الأساطير والخرافات إلى مخيالهم62. وربطت العقلية الخرافية السائدة بالمغرب والأندلس أيضًا الاضطرابات الجوية بتأثير الطلاسم، والتعليلات بظاهرة سهام العين، والتطيّر. كما كشفت الدراسة عن ظاهرة الشعوذة والسحر والكهانة بأشكالها المختلفة كالنظر في كتف الشاة وخط الرمل، وغيرها من مظاهر الدجل63، وأماطت اللثام أيضًا عن بعض الطقوس الاحتفالية الأسطورية المرتبطة بالجفاف والخصوبة، والاعتقاد بوجود الأرواح الشريرة داخل الجسد الحيواني، فضلً عن بعض الممارسات الغيبية لدفع الآفات والجوائح64. في المنحى نفسه، تسير أطروحة "الحرب والمجتمع بالمغرب خلال العصر المريني"، وخصوصًا في بابها الثاني الذي يعالج انعكاسات الحرب في القيم والتمثلات، وفي الذهنيات والسلوك الاجتماعي، أو ما يمكن تسميته ب "ذهنية الحرب". وحسبنا أنها كشفت ما تختزنه هذه الذهنية المناقضة لذهنية السلم من القيم الرمزية والانفعالات والتفاعلات والتصورات، وأشكال السلوك التي وجّهت مشاعر الناس وبناء علاقتهم بالواقع، كتمجيد الفروسية والشجاعة وروح الثأر، والذكورة والخصوبة وتكثير النسل. وقد غيّرت البناء الهندسي والهرمي لسلوكات الإنسان وأولوياته في زمن السلم، إلى هندسة جديدة وأولويات مقلوبة في زمن الحرب، وشيّدت عالمًا سيكولوجيًا تتناقض فيه ذهنية المنتصر مع ذهنية المنهزم. وفيه تتغيّر أيضًا معايير اللباس المناسب، وأشكال الاحتفالات والطقوس، وتتحوّل التصرفات تحوّلً جذريًا تحت مبرر الحاجة والضرورة65. كما أفصحت الدراسة في المجال الذهني عن تأثير الحرب في المخيال الشعبي، وفي صناعة المجال الحيوي لتدخّل الأولياء لإعادة السلم، وبروز الظواهر الغيبية كالتنبؤ، وانتشار الخرافة، والأدعية والتعاويذ، وتسيّد ظاهرة التبرك بأضرحة الصلحاء عند انطلاق الغزوات66. وبالقدر نفسه من الأهمية، تناولت الأطروحة عالم الحرب والخرافة، وتبيّن من خلالها كيف غدت الحرب مشتلً لإنتاج الخرافات والأساطير من جانب الكهان والمنجمين والسحرة والحرازين، والترويج للقدرات الخارقة الخفية التي تجلب النصر أو الهزيمة67. كما تضمنت ملاحق الأطروحة نصوصًا جديدة حول ترسبات الحرب في ميثولوجيا النصوص المغربية المتجسّدة في الرؤى والأحلام، والكهانة والتنجيم والتمثلات، وغيرها من الأشكال الميثولوجية التي تعكس وهج تدفقات العالم المتخيّل68.

  1. البياض، ص 130  -  132.
  2. المرجع نفسه، ص 132  -  134، 136  -  140، 150  -  156.
  3. المرجع نفسه، ص 142  -  145، 146  -  150.
  4. تيتاو، ص 425  -  444.
  5. المرجع نفسه، ص 463 – 484.
  6. المرجع نفسه، ص 479  -  484.
  7. المرجع نفسه، ص 565  -  573.

أما أطروحة "الماء والإنسان في الأندلس" فتلقي إضاءات مهمة حول "مجتمع الخوف والحاجة" الذي يجسده مجتمع الغرب الإسلامي عمومًا، بوصفه مجتمعًا يفتقر إلى الماء، ويعيش بكيفية دورية "أزمات مائية"69. ولتأكيد ذلك، جرى توظيف دراسة الأحوال والمقامات والكرامات المائية التي تتأسس آليات اشتعالها على صناعة قداسة الماء وبركته، واستخدام رمزيته ودلالاته في العرفان الصوفي. كشفت الدراسة أيضًا عن دور الماء في التوزيع الجغرافي لخريطة الأولياء، وتحوّل جغرافية مراكز الصوفية إلى "اقتصاد قدسي"، تفعّله الزاوية والرباط من خلال استثمار رأس المال الرمزي للأولياء70. وعلى الوتيرة ذاتها، اقتحمت الدراسة عالم المتخيل، بحكم أن تيمة الماء تمثّل منبعًا لولادة الفكر الميثولوجي، والإشراقات الشعبية المتخيلة التي لا ترى في الظاهر والمحسوس سوى تجليات لأصل لا يدركه الحس المشترك، وهو ما جعل عقرب بوصلة الاهتمام يتجه نحو "البحث عن تفسير أنماط التفكير والإحساس والفعل تلك، بالعودة إلى القدسي والمتخيل والنفعي والترفي، والتي تعكس موقف الإنسان – عبر الماء - من الكون والدين والمعرفة والمجال"71. وعلى النهج نفسه، رصدت دراسة "الأسرة والزواج في العصر المريني" جوانب من عقلية المجتمع المغربي وموقفه من الزواج، ومواصفات اختيار الزوجة، ومعايير الجمال الأنثوي، وتجذّر العقلية الذكورية، وسيادة ذهنية تكثير النسل والإنجاب، وتوظيف المرأة للسحر لنسج علاقة حبّ مع زوجها، واعتباره "حاميًا" لها من تقلبات الدهر72. وبكثير من الجرأة والكفاءة العلمية، عالج مولود عشاق في أطروحته الطريفة حول إمارة برغواطة مشهدًا يعدّ من أكبر مشاهد الذهنية المغربية التي أفرزها العصر الوسيط، وهي ادعاء النبوة، وإبداع دين جديد يتماشى مع عقلية أمازيغ منطقة تامسنا وأعرافهم. وخصص الفصل الثالث منها لتشريح البنية العقلية لساكنة هذه المنطقة، بالكشف عن جملة من مظاهر الحياة اليومية فيها، وتفسير العوامل الشارحة للعلاقة بين أنواع الأطعمة السائدة في هذا المجتمع الزراعي، وأشكال الأزياء، وأنماط المعتقدات الغيبية من سحر وتنجيم وكهانة، وغيرها من الظواهر والممارسات الغريبة73. واغتنى مجال تاريخ الذهنيات في الغرب الإسلامي الوسيط أيضًا بأطروحة "الكتاب بالمغرب والأندلس: إسهام في دراسة انعكاسات ثقافة الكتاب على المجتمع"، التي رامت فتح ملف يلفّه التعقيد والغموض، وهو موقف المجتمع من الكتاب ومن القراءة. ويكمن السؤال الذي سعى صاحب الأطروحة إلى الإجابة عنه في أن الكتاب بوصفه آلية للتواصل الثقافي والمعرفي، وقناة لانسياب الثقافة داخل المجتمع المغربي، واجهته إبان الحقبة مدار الدراسة (ق 6 - 8 ه/ 12 - 14 م) مطبّات وعراقيل شكّلت أحيانًا مثبطات لفعلَي التأليف والقراءة، بينما كانت في أحيان أخرى الدافع والمحفز الكبير للإقبال عليها، مما تمخض عن سلوكات ومواقف مختلفة، وتصرفات متناقضة، كالحرص على اقتناء الكتاب والعناية به أحيانًا، أو طمسه وإحراقه أحيانًا أخرى. كما ألقت الأطروحة الأضواء حول تأثير الكتاب في المجتمع المغربي من خلال انتقاله من الثقافة الشفهية التي ظلت سائدة ردحًا من الزمن، إلى ثقافة القراءة والكتابة، وما أفرزه ذلك من تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية ومذهبية.

  1. بنحمادة، ص 274  -  275.
  2. المرجع نفسه، ص 265  -  267.
  3. المرجع نفسه، ص 12.
  4. لطيف، الأسرة، ص 26  -  29، 45  -  50، 133  -  139.
  5. مولود عشاق، "إمارة برغواطة بالمغرب الأقصى: دراسة في البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية 'من القرن 2 ه/ 8 م حتى نهاية القرن 6 ه/ 12 م'"، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، 2006، (غير منشورة)، ص 227.

. ب المسكوت عنه والمحظور في تاريخ الغرب الإسلامي ثمة قضايا عديدة تكتّم عليها التاريخ التقليدي، على نحوٍ قلّص مساحة التاريخ الاجتماعي والذهني للغرب الإسلامي، وحجب الجوانب المحظورة التي لم تخل منها سلوكات المجتمع المغربي كغيره من المجتمعات في العصر الوسيط. في مسعى لتجاوز هذه الإعاقة التي تعانيها الكتابة التاريخية المغربية، جرى توجيه الباحثين المنتمين إلى وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي إلى محاولة اختراق هذه الخطوط الحمراء العصية، للكشف عن الوجه المتواري من تاريخ الغرب الإسلامي. ففي أحد المباحث الوارد بعنوان "علاقات جنسية غير متوازنة"، كشف محماد لطيف في أطروحته نماذج من مشكل الحرمان الجنسي لدى بعض النساء في العصر المريني، بسبب تسرّي أزواجهن أو عدم التوافق الجنسي بسبب فارق السن74. كما تناول آداب الجماع، والعلاقات الحميمية بين الشريكين، واللذة الجنسية، ومشكل الخيانة الزوجية وموقف المجتمع منها75. وقد اعتمد في ذلك على نصوص وردت على لسان الفقهاء في الحقبة التي درسها، مما يدل على أن المشاكل الجنسية طرحت باعتبارها موضوعًا أثار الجدل والنقاش في تلك المرحلة، على الرغم من طابع الحشمة والتكتم المهيمنَين في ثقافة المجتمع المغربي آنذاك، وموقف الفقيه الذي يرى في الجنس "موضوعًا محرّمًا لا يجب الخوض ولا التأليف فيه"76. وفي مباحث أخرى، عالج مواضيع سكتت المصادر عن ذكرها، وحاول المجتمع ذاته التستر عليها، من قبيل الزنا والبغاء، وما أفرزه هذا السلوك من مشكل الأطفال اللقطاء، ونظرة المجتمع الدونية إليهم77. وفي السياق ذاته، عالج الباحث الدوبلالي حالات من القضايا التي أُسدل عليها ستار من الصمت والتكتم في التاريخ الاجتماعي للغرب الإسلامي، وذلك في أطروحته التي أنجزها في موضوع "المحظورات في مجتمع الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط: مقاربة تاريخية". رأى هذا الباحث أن ثنائية الحظر والإباحة، ساهمت في صياغة المنظومة الذهنية ببلاد الغرب الإسلامي، وأن تسليط الضوء على الجانب الأول المكبوت والمقموع في الذات الإنسانية، يجعل التاريخ البشري أشد وضوحًا. وحسبنا أنه جعل تحت الضوء نماذج من المحظورات الاجتماعية مثل تناول الخمور التي لم ينج من آفتها العوام ولا الأعيان، وكذا بعض المواد المخدرة كالحشيشة والمعجون، وغيرهما78. وفي الاتجاه ذاته، كشف النقاب عن محظورات اجتماعية أخرى كاللواط والقطم، وزنا المحارم، وممارسة الجنس مع البهائم، فضلً عن بعض العادات المستهجنة كإيناس الغريب بالزوجة أو الأخت أو البنت، ومواربة النساء. كما حدّد جغرافية البغاء والأماكن الموجودة فيها بالأندلس.

  1. لطيف، الأسرة، ص 241  -  242.
  2. المرجع نفسه، ص 243، 249  -  255.
  3. المرجع نفسه، ص 242.
  4. المرجع نفسه، ص 254  -  255.
  5. الدوبلالي، ص 74 - 86.
  6. المرجع نفسه، ص 76  -  91.

وعلى المستوى العقائدي، عرض بعض الأفكار والسلوكات المحظورة التي سعى المؤرخون لمحوها من الذاكرة الجماعية، كالتأثر بالفكر الإلحادي في الفلسفات اليونانية، وشتم الأنبياء، وتحدي التابوهات والمقدسات، علاوة على بعض السلوكات الساقطة التي تتناقض مع الآداب العامة. ولم يفته استقصاء موقف الدولة والمجتمع من المحظورات، والآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المترتبة على تفشي تلك المحظورات في مجتمع الغرب الإسلامي؛ لذلك يمكن اعتبار أطروحته بَوْحًا بما سكتت عنه الحوليات التاريخية التقليدية، وإضافة جديدة إلى الكتابة التاريخية المغربية.

خاتمة

منتهى القول إن ورقتنا البحثية حاولت تسليط الضوء على دور وحدات التكوين والبحث بالجامعات المغربية في مسار الكتابة التاريخية المغربية، من خلال نموذج وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي. وتبيّن من حصاد الدراسة أن هذه الوحدة البحثية سلكت استراتيجية قوامها تحرّي علامات التجديد في الكتابة التاريخية، من خلال انتقاء مواضيع بكر في التاريخ الاجتماعي والذهني، ترتبط بقضايا العالم الراهن، وتجيب عن أسئلة الحاضر، وتسعى إلى الكشف عن تاريخ الهامش والمهمش والمحظورات، وتتجاوز الحشمة والتكتم اللذين هيمنا على عقلية المؤرخ، من خلال التنقيب في المصادر "النائمة"، وإتاحة حرية منهجية تسمح بالإبداع وتوليد الأفكار. وتمخض عن هذه الاستراتيجية تحقيق إضافات جديدة للتاريخ الاجتماعي والذهني للغرب الإسلامي في العصر الوسيط، خصوصًا في مجال البنى السلوكية والتمثلات، وأشكال متنوعة من الفكر الميثولوجي، والمحرّمات والتابوهات التي حجبتها الكتابات التاريخية التقليدية، على نحوٍ سمح بترميم بعض الثغرات، ورؤية المناطق المعتمة في التاريخ بوضوح أكثر. ونعتقد أن المنجز البحثي الذي أنجزه باحثو هذه الوحدة بعد مرحلة الانتهاء من الأطروحات، في سياق "تمرين ثان" يبيّن الحجم الذي أغنوا به الكتابة التاريخية المغربية، ويؤكد أن مرحلة التكوين التي نهلوا منها في بداية تجربتهم البحثية، لم تكن سوى بداية لمشروع لا يزالون يشتغلون في ورشه بجدّ وثبات، لتطوير نسق الكتابة التاريخية المغربية.

المراجع

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. الجزء الأول من كتاب العبر، ط 3. بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.].

اجميلي، حميد. "المسألة الديموغرافية بالمغرب الأقصى من القرن 6 ه إلى نهاية 8 ه/ 12 - 14 م: مساهمة في دراسة التاريخ الديموغرافي والكمي للغرب الإسلامي". أطروحة دكتوراه في التاريخ. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة مولاي إسماعيل. مكناس. 2011.

بنحمادة، سعيد. الماء والإنسان في الأندلسخلال القرنين 7 و 8 ه/ 13 و 14 م: إسهام في دراسة المجال والمجتمع والذهنيات. بيروت: دار الطليعة، 2007.

البياض، عبد الهادي. الكوارث الطبيعية وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس (ق 6 - 8 ه/ 12 - 14 م). بيروت: دار الطليعة، 2008.

التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة. إعداد وتنسيق وجيه كوثراني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

تيتاو، حميد. الحرب والمجتمع بالمغرب خلال العصر المريني 609 - 869 ه/ 1212 - 1465 م: إسهام في دراسة انعكاسات الحرب على البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية. سلسلة أبحاث 1. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز؛ منشورات عكاظ، 2010.

التيمومي، الهادي. المدارس التاريخية الحديثة. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر؛ صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2013.

الجمعية المغربية للبحث التاريخي. التاريخ وأدب المناقب. الرباط: منشورات عكاظ، 1989.

حبيدة، محمد. بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات. الرباط: دار الأمان، 2015.

حبيدة، محمد. المدارس التاريخية: برلين السوربون استراسبورغ، من المنهج إلى التناهج. الرباط: دار الأمان، 2018.

حيمر، جمال وآخرون (تنسيق). مسارات تجديد الكتابة التاريخية عند المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش: أعمال مهداة إلى الأستاذإبراهيم القادري بوتشيش. ج 1. مكناس: جامعة مولاي إسماعيل؛ منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2022.

الدوبلالي، مصطفى. "المحظورات في مجتمع الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط: مقاربة تاريخية". أطروحة دكتوراه في التاريخ. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة مولاي إسماعيل. مكناس. 2012.

الشريف، محمد (تقديم وتنسيق). التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الذهنيات بالمغرب والأندلس: قضايا وإشكاليات. ج 1: قضايا في التاريخ الاقتصادي. أوراق الندوة الدولية التكريمية المهداة للأستاذ المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش. الرباط: منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية؛ شمس برينت، 2019.

الصديقي، أحمد. "الكتاب بالمغرب والأندلس: إسهام في دراسة انعكاسات ثقافة الكتاب على المجتمع من القرن 6 ه/ 12 م إلى القرن 8 ه/ 14 م". أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. كلية الآداب، جامعة مولاي إسماعيل. مكناس. 2011 (غير منشورة).

ضاهر، مسعود. "بروديل والنظرية المتوسطية". مجلة الفكر العربي المعاصر. العدد 43 (1987.)

العروي، عبد الله. ثقافتنا في ضوء التاريخ. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1983.

________. مفهوم التاريخ. ج 1: الألفاظ والمذاهب. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992.

عشاق، مولود. "إمارة برغواطة بالمغرب الأقصى: دراسة في البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية 'من القرن 2 ه/ 8 م حتى نهاية القرن 6 ه/ 12 م'". أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة مولاي إسماعيل. مكناس. 2006 (غير منشورة).

فوكو، ميشيل. حفريات المعرفة. ترجمة سالم يفوت. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1986.

القبلي، محمد. مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1987.

لطيف، محماد. الطفولة والتنشئة الاجتماعية بالمغرب الأقصى خلال العصر الوسيط. سلسلة منشورات الرابطة 1. أكادير: منشورات رابطة الأمل للطفولة؛ جامعة ابن زهر، 2015.

_______. الأسرة في مغرب العصر الوسيط. مراكش: مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، 2021.

لوغوف، جاك (إشراف). التاريخ الجديد. ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنية. بيروت: منشورات المنظمة العربية للترجمة، 2007.

مغار، مولاي الحسن. الحرف في الفكر والتاريخ بمجال المغرب الأقصى خلال العصر المريني. القاهرة: منشورات مركز تافيلالت للدراسات والتنمية والأبحاث التراثية؛ دار محمود للنشر والتوزيع، 2018.

مولى، علي الصالح. من التاريخ المنسي إلى التاريخ العادل: دراسات في تجربة المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش. تقديم عبد الحق دادي. الرباط: منشورات مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية؛ دار نشر المعرفة، 2021.

الأجنبية

Aries, Philippe. Histoire des populations françaises et leurs attitudes devant la vie depuis le XVIIIe siècle. Paris:

Éditions Self, 1948.

Bloch, Marc. Les caractères originaux de l'histoire rurale française. 2 ème ed. Paris: Armand Colin, 1952.

________. Marc. Apologie pour l'histoire ou métier d'historien. édition annotée par Étienne Bloch. Paris: Armand

Colin, 1997.

Citron, Suzanne. Enseigner l'histoire aujourd'hui: La mémoire perdue et retrouvée. Paris: Les éditions ouvrières, 1984.

Douki, Caroline & Philippe Minard. "Histoire globale, histoires connectées: Un changement d'échelle

historiographique?" Revue d'histoire moderne et contemporaine. no. 54-55 (Octobre-Décembre 2007). at:

https://cutt.us/hNJOi

Le Goff, Jacques. L'imaginaire médiévale. Paris: Gallimard, 1985.

Miquel, Paul-Antoine. Epistémologie des sciences humaines. Paris: Nathan, 1991.