المدارس الرسمية الثلاث في الجزائر: التوجه والأهداف والتطور (1951-1850)
France's Madrassas: Education as Mediator in Colonial Algeria (1850-1951)
Abstract
Twenty years after they occupied Algeria, French colonial authorities established three madrassas (Islamic religious schools) in each of the country’s three main cities: Algiers, Constantine and Tlemcen. These schools were placed under the direct supervision and control of the colonial authorities, and their purpose was to prepare candidates for jobs related to worship, justice, education and the “Arab offices”. This move was partly motivated by the fact that after occupying Algeria and attempting to transform its cultural and social structures, France found itself unable to control and manage society. The colonial government therefore wanted to form an elite that would be a link between itself and the Algerian Muslim community. This paper examines whether these madrassas, which existed for over a century (1850-1951), fulfilled their intended role as a bridge between France and Algerian society. Contradictions in colonial policy, particularly the tension pitting advocates of integration against officials, both military and civilian, who promoted the idea of an “Arab Kingdom”, had a decisive impact on the fate of these institutions. The schools also faced competition from public education as it gradually became available to Algerians, up to university level.
- الجزائر
- فرنسا
- الإسلام
- الاستعمار
- التعليم
- Algeria
- France
- Colonialism
- Islam
- Education
| أحمد صاري | Ahmed *Sarri | |
| المدارس الرسمية الثلاث في الجزائر: التوجه والأهداف والتطور (1951-1850) France's Madrassas: Education as Mediator in Colonial Algeria (1850 - 1951) | |
مقدمة
من المبرّرات العديدة، التي قدّمتها فرنسا حينما احتلت الجزائر، أنّها جاءت في "مهمة حضارية" من أجل إنقاذ الجزائريين من "التخلّف"، لذلك أقدمت مباشرة بعد الاحتلال على تأسيس مدارس للتعليم من أجل الاستجابة أولًا لمتطلّبات المجتمع الاستعماري الجديد الذي نشأ في الجزائر، وتمكين قلّة من الجزائريين من هذا التعليم، في محاولة منها لتبرير احتلالها أمام الدول الأوروبية وإقناع معارضيها بمهمّتها الحضارية1. وقد كان التعليم الفرنسي الموجّه إلى الجزائريين، على قلّته، خاضعًا لأهداف الاستعمار في حدّ ذاته2؛ إذ تفطّن الفرنسيون إلى أهمية التعليم في بسط نفوذهم بين الجزائريين وربط الجزائر بفرنسا، فبعد الغزو العسكري فكّروا في غزو العقول، وذلك بنشر تعليمهم وثقافتهم بواسطة المدارس التي شكّلت طوال الفترة الاستعمارية الوسيلة الأساسية لإدماج فئة من الجزائريين وفرنستهم. إلى جانب التعليم الإعدادي والثانوي، لجأت فرنسا، بعد عشرين سنة من الاحتلال، إلى تأسيس ثلاث مدارس سمّيت أحيانًا "المدارس الرسمية" أو "المدارس الحكومية"، لوقوعها تحت الإشراف المباشر للحكومة "العامّة"، وسمّيت أحيانًا أخرى "المدارس الشرعية". أمّا في النصوص الرسمية المنظّمة لهذه المدارس، فقد اختلفت تسميتها في البداية من نصّ إلى آخر؛ إذ سمّيت "المدارس العليا الإسلامية" Musulmanes Supérieures Ecoles في المرسوم المؤسس لها في 30 أيلول/ سبتمبر 1850، ثم عرفت في قرار 16 شباط/ فبراير 1876 حرفًّيًا بتسمية "المدارس" Médreças، وظهرت بالتسمية نفسها "المدارس" Médersas، في مرسوم 23 تموز/ يوليو 1895، مع اختلاف في النطق والكتابة بالنسبة إلى اللغة الفرنسية. وهذه التسمية الأخيرة هي التي بقيت مستعملة رسمًّيًا إلى أن جرى تحويل هذه المدارس سنة 1951 إلى ثانويّات مزدوجة اللغة "فرنسية - مسلمة" Musulmans - Franco Lycées. أمّا في الكتابات الفرنسية، فقد سُمّيت "المدارس الجزائرية" Algériennes Médersas Les3، أو المدارس الرسمية Officielles Médersas Les4لخصوصيتها أو "المدارس" في الصيغة المختصرة Médersas Les. وقد اختلفت النصوص الرسمية في تصنيف هذه المدارس، فاعتبرها مرسوم 30 أيلول/ سبتمبر 1850 مدارس عليا في مرتبة الجامعات، في حين صنّفها مرسوم 23 تموز/ يوليو 1895 ضمن التعليم الثانوي. بناءً على ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى البحث عن المبرّرات والأهداف من إنشاء هذه المدارس، وتتساءل: أكان الغرض منها بيداغوجًّيًا علمًّيًا بحتًا لنشر العلم والحضارة، كما كان يدّعي المسؤولون والكتّاب الفرنسيون، أم كان الهدف منها جلب نخبة من الجزائريين إلى جانب فرنسا؟ تذهب كتابات المسؤولين الفرنسيين وتصريحاتهم العلنية منها والسرّية في مجملها إلى أنّ فتح هذه المدارس كان من أجل تكوين أعوانٍ نافذين من الجزائريين يكونون واسطة بين الجزائريين والفرنسيين، ويكون في إمكانهم القضاء تدريجًّيًا على ما كانوا يسمّونه "التعصّب الإسلامي"، الذي كان يمثّله كٌّلٌ من الطرق الصوفية والزوايا والعلماء في القرن التاسع عشر، وهو التيار المعارض لكلّ ما هو فرنسي مسيحي. كما سعت فرنسا إلى مقاومة مدّ الحركة الوطنية، خاصّة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت منافِسةً شديدة لهذه المدارس منذ ثلاثينيات القرن العشرين.
تكمن أهمية هذا الموضوع في أنّ فرنسا راهنت على هذه المدارس لاستخدامها وسيلةً من وسائل سياستها الاستعمارية للسيطرة على الجزائريين. ومع ذلك، لم يعالَج موضوع هذه المدارس إّلا بصفة جزئية، فقد تناولته إيفون تورين ضمن مسألة التعليم بكليّته ومسائل أخرى في كتابها المجابهات الثقافية في الجزائر المستعمرة: مدارس، طبّ، ديانة، 1830 - 18805، وهذا الكتاب ليس مخصّصًا للمدارس أو للتعليم فحسب، كما يظهر من خلال عنوانه. وقد تتبّعت المؤلفة، في صفحات معدودة، سياسة الإدارة الاستعمارية وأهدافها من هذه المدارس في فترة الدراسة، التي اقتصرت على السنوات الثلاثين الأولى من وجودها (1850 - 1880)، في حين أنّ هذه المؤسسات التعليمية قد استمرّت قرنًا من الزمن (1850 - 1951)، وتأثّرت نتيجةً لذلك بتطوّرات السياسة الاستعمارية الفرنسية، وبظهور الحركة الوطنية الجزائرية. أمّا المساهمة الثانية في هذا المجال، فهي للباحثة وناسة طنقور، من خلال دراستها "نهاية المدارس أو سبب مغامرة استعمارية: تلمسان وقسنطينة 1850 - 1880 "6، وهي دراسة غير منشورة مكوّنة من 41 صفحة، أنجزت في وحدة البحث والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في جامعة وهران، وهي غير مؤرّخة (قد تعود إلى سنة 1986). وذكرت الباحثة أنّ دراستها ملٌّفٌ مفتوح أكثر من كونها دراسة مكتملة حول مسألة المدارس في القرن التاسع عشر، وأنها توقّفت عند سنة 1880، واكتفت بالتطرّق إلى مدرستَي تلمسان وقسنطينة، لعدم حصولها على أرشيف يخصّ مدرسة الجزائر7. في حين تناول أبو القاسم سعد الله موضوع المدارس الثلاث في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الثالث، في إطار تطرّقه إلى التعليم الفرنسيّ في الجزائر بصفة عامّة8. وقد ركّز خاصّة على السنوات الأولى لهذه المدارس والإصلاحات التي عرفتها مع ذكر أهمّ المدرّسين الذين تعاقبوا عليها. أمّا دراسة كمال خليل فهي بعنوان: "المدارس الشرعية الثلاث في الجزائر: التأسيس والتطوّر 1850 - 1951 "9، وهي رسالة ماجستير نوقشت تحت إشرافنا في جامعة منتوري بقسنطينة سنة 2008، وهي أوّل دراسة شاملة في حدود علمنا حول هذه المدارس. وقد تناول صاحبها تأسيس هذه المدارس ومختلف التطوّرات التي عرفتها، وموقف "النخبة المدرسية" من مختلف القضايا التي عاصرتها، والدراسة غير منشورة إلى الآن. ومن الطبيعي أنّ موضوعًا كهذا يحتاج إلى الاّطلّاع على الأرشيف الخاصّ بهذه المدارس والموجود في أغلبه في أرشيف ما وراء البحار في آكس أون بروفانس Provence - En - Aix في فرنسا. أمّا الدراسة الأخيرة، فهي أطروحة دكتوراه للطالب عبد الوهاب حيمر10، وموضوعها: "طّلاب المدارس الشرعية: المسار العلمي والعملي (1850 - 1962)"، وهي غير منشورة، ونوقشت في نهاية حزيران/ يونيو 2022، وتناولت الدراسة مسار طلبة هذه المدارس كما يبدو من عنوانها، وتضمّنت محتوياتها: تطوّر هذه المدارس على مدى قرن (1850 - 1951)؛ بدءًا بالمسار البيداغوجي لطلبة المدارس الثلاث، ثمّ المسار المهني والمواقف النضالية لهؤلاء الطلبة في الحركة الوطنية والثورة التحريرية. من هذا المنطلق، ولاعتبارات عديدة أخرى، منها على وجه الخصوص اّطلّاعنا في الأرشيف الفرنسي على مجموعة من التقارير والدراسات لأساتذة ومديرين سابقين في هذه المدارس أو لمفتّشين وإداريين، جاءت مساهمتنا هذه لدراسة إحدى المؤسسات التعليمية الفرنسية "المميزة" التي أسّستها فرنسا في الجزائر، وهي تختلف كل الاختلاف عن باقي أنماط التعليم الفرنسية الأخرى؛ فلا هي
فرنسية كاملة مثل الثانويات، ولا هي عربية - إسلامية مثل الأزهر أو الزيتونة أو القرويّين. ثمّ إنّ فرنسا لم تؤسّس مثيلًا لها في البلدان المجاورة - لا في تونس ولا في المغرب - بعد احتلال كل منهما في سنة 1881 وسنة 1912 على التوالي، فهل يعود السبب في ذلك إلى وجود الزيتونة والمدرسة الصادقية في تونس والقرويين في المغرب؟ أما النموذج التعليمي الوحيد الذي يشبه هذه المدارس في الجزائر، فهو متمثل في ما أسّسته فرنسا في أفريقيا الغربية "الفرنسية"، خاصّة مدارس "بوتلميت" و"أطار" و"كيفة" في موريتانيا، التي تولّى خمسة من الأساتذة الجزائريين المتخرّجين في القسم العالي في مدرسة الجزائر مهمة الإشراف عليها في الفترة 1920 - 194711. عرفت هذه المؤسسات التعليمية، التي كانت تنتظر منها فرنسا تكوين نخبة مزدوجة الثقافة، عربية - فرنسية، العديد من الإصلاحات، وهو ما يؤدّي إلى طرح تساؤلات، يتعلّق أولها بفكرة تأسيس هذه المدارس الشبيهة بالمدارس الإسلامية القديمة. فهل أرادت فرنسا أن تظهر على أنّها وريثة الدول الإسلامية التي سبقتها؟ وهل تمكّنت هذه المدارس من سدّ الفجوة ما بين فرنسا والجزائريين؟ وما تأثير أساتذة هذه المدارس وطلبتها في مجتمعهم؟ وما دورهم في مرحلتي الحركة الوطنية والثورة التحريرية؟12
أولًا: تأسيس المدارس الثلاث: الفكرة والأهداف
تؤكّد العديد من الشهادات أنّ الجزائر عرفت مدارس عديدة قبل عام 1830، وأنّ أغلبية المساجد الكبرى كانت تشرف على مدارس تتولّى ما يقابل في عصرنا التعليمين "الثانوي" و"العالي". ويذكر أبو القاسم سعد الله أنّ الفرنسيّين وجدوا في تلمسان عند احتلالها مدرستين هما مدرسة الجامع الكبير ومدرسة أولاد الإمام، ثمّ وجدوا سبع مدارس في قسنطينة، والأمر نفسه يقال عن مدينة الجزائر13. وقد استولى الفرنسيون على العديد من هذه المدارس وحولوها إلى مخازن للجيش أو إلى أغراض أخرى14. وبعد عشرين سنة من الاحتلال وتجاهل التعليم العربي، أقدمت السلطات الاستعمارية في الجزائر، في إطار "تنظيم التعليم العامّ للمسلمين"، على إنشاء ثلاث "مدارس عليا إسلامية"، مستوحية الفكرة من تجربة المدارس الإسلامية السابقة، بل اعتبرتها استمرارًا وتعويضًا للمدارس التي كانت تتولّى الدراسات العليا الإسلامية15. ويظهر ذلك من خلال الحيثيات التي ساقها المشرفون على هذه المدارس ودافعوا عنها في مختلف المنابر، ومن خلال النصوص المُؤسّسة لها؛ فقد نصّ مرسوم 30 أيلول/ سبتمبر 1850 على ما يلي: "نظرًا لتقهقر المدارس التي كانت تتابع بها الدراسات العليا الإسلامية والتي وحدها يمكنها تخريج مرشحين لمناصب، المفتي، القاضي، الإمام، الخوجة، وغيرها من الوظائف المخصصة للأهالي في المصالح الإدارية بالجزائر [...] تؤسس على حساب الدولة في كل من مدن المدية، تلمسان وقسنطينة، مدرسة عليا (مدرسة) من أجل تكوين مرشحين للوظائف المرتبطة بمصالح
العبادة، العدالة، التعليم العام للأهالي والمكاتب العربية"16. وإضافة إلى ذلك، أقيمت هذه المدارس بمحاذاة المساجد، وعلى أنقاض مدارس قديمة؛ شأن المدرسة الكتّانية في قسنطينة، والثعالبية في مدينة الجزائر، وسيدي بومدين في تلمسان. واتّبع في البداية النظام التعليمي السابق نفسه، بعيدًا عن النظام المطبّق في المدارس والمعاهد الفرنسية آنذاك. وإذا كان هناك من يرى أنّ هذه المدارس اختراعٌ فرنسي بحت، ولا علاقة لها بالمدارس الإسلامية التي كانت، وما زالت، منتشرة في أنحاء البلدان الإسلامية، فعلى خلاف ذلك هناك من يعتقد أنّها محاولة من السلطات الاستعمارية لإيجاد حلّ وسط بين التعليم التقليدي والتعليم العصري الفرنسي، بتوظيف مؤسّسة عتيدة ومعروفة لإدخال تكوين مزدوج اللغة وإعداد موظّفين للسلك الديني والقضائيّ قادرين على القيام بدور النخبة والقاطرة المنتظر منهم أن يكونواوسيطًا بين فرنسا والشعب الذي احتلّته. ويرى فريق ثالث أنّ فرنسا، بعد "تعويضها" الأتراك في الجزائر، لم تقم إّلا بواجبها، مثل الأمراء والملوك في القرون الوسطى والعهد العثماني، وذلك بتأسيس مدارس للتعليم العالي "تخليدًا لحكمها". ومن المرجّح أنّ إسماعيل عربان (1812 - 1884)، المستشرق الفرنسي والخبير بقضايا المستعمرات والمطّلع على خبايا التعليم العربيّ الإسلامي17، والقريب من نابليون الثالث (1808 - 1873)18، هو من كان وراء اقتراح تأسيس هذه المدارس؛ ففي تقرير له "حول التعليم الإسلامي العامّ"، مؤرخ في سنة 1848، وبعد أن أعطى لمحة تاريخية عن التعليم في الجزائر قبل الاحتلال، اقترح إعادة إحياء التعليم العربي، ومن ضمنه نظام "المدارس" وجلب أساتذة أكفاء حتى إن كانوا من تونس أو مصر، يجري "اختيارهم بعناية". وقد أخذ اقتراح عربان، في ما يخصّ المدارس، طريقه إلى التنفيذ بعد سنتين من ذلك لوجود نابليون الثالث في الحكم (1848 - 1870)، الذي تبنّى ما يسمّى سياسة "المملكة العربية"19. ويؤكّد أحد المهتمّين بعربان أنّه "أعدّ وعمل على إمضاء القوانين التشريعية المتعلّقة بموظّفي المساجد على نفقة ميزانية الجزائر (و)أنشأ المدارس العربية - الفرنسية وثلاث مدارس عليا إسلامية"20. وقد قدّم لاحقًا مدير أكاديمية الجزائر، أردايّون Ardaillon، المبرّر نفسه فيما يتعلّق بإنشاء المدارس؛ ففي تقرير له سنة 1924، يذكر أنّ الفرنسيّين لم يجدوا بعد الاحتلال الأشخاص الضروريين لإدارة البلد، بعد اختفاء الأساتذة وتفرّق الطلبة الذين التحقوا بالزوايا المستقلّة والبعيدة عن أيّ رقابة، ولذلك بدأت شيئًا فشيئًا فكرة إعادة إحياء المدارس القديمة التي تقهقرت وانقرضت بعد الاحتلال، من أجل تكوين سلك من موظفي العدالة والشؤون الدينية، وهو ما حقّقته الحكومة سنة 185021. يظهر من كلام مدير أكاديمية الجزائر، أنه تجاهل مسؤولية فرنسا في تقهقر التعليم وإضعافه بسبب السياسة التي اتبعتها سلطات الاحتلال، من غلقٍ للمدارس وتحويلها إلى إسطبلات وثكنات عسكرية وغيرها، وتشريدٍ للمدرسين والعلماء وملاحقتهم، ومصادرةٍ لأملاك الأوقاف التي تتولى رعاية دور الثقافة والعاملين فيها. ثم إنّ الحرب التي استمرت على نحو عنيف ضد الجزائريين طوال القرن التاسع عشر قد أتت على
المدارس والمُدرّسين، وهجّرت العديد منهم خارج الجزائر، أو أبعدتهم عن مهمّاتهم الأساسية. وأكبر دليل على ذلك ما حصل مثلًا في مدن معسكر وتلمسان وقسنطينة أثناء الاستيلاء عليها تباعًا في الفترة 1836 - 183722؛ ولذلك، لا يمكن إنكار مسؤولية الاحتلال عن تردّي وضعية التعليم في الجزائر. وفي هذا الصدد، يذكر أبو القاسم سعد الله أنّ العديد من نخبة المدارس التقليدية (1830 - 1848) قد هاجروا أو هُجّروا، وتركوا بذلك "فراغًا ثقافًّيًا كبيرًا"، "وأصبحت البلاد بعدهم بدون نخبة تدافع عن مصالحها الذاتية والحضارية؛ ذلك أن الذين بقوا بعدهم كانوا بدون شخصية علمية قوية"23. ومن دون شكّ، كانت السياسة الفرنسية تهدف إلى القضاء على مختلف البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإعادة صياغتها من جديد في إطار سياسة الإدماج التي اتّبعتها. وللمحافظة، شكلًّيًا على الأقل، على تقاليد المدارس الإسلامية، نصّت المادة السابعة من مرسوم 30 أيلول/ سبتمبر 1850 على جعل مقرّات هذه المدارس قرب المساجد التي كانت تجاورها مدارس مشهورة. وقد حلّت هذه المدارس فعلًا محلّ مدارس قديمة مثل مدرسة العباد - سيدي بومدين – في تلمسان24. واختير لمدرسة قسنطينة المقرّ القديم للمدرسة الكتّانية. واختيرت أيضًا الثعالبية25مقًّرًا لمدرسة الجزائر وعرفت باسمها (1859). وبشأن اختيار هذه المدن لتكون مقرّات للمدارس، يرجّح بعضهم أنّ اختيار مدينة المدية لاحتضان مدرسة وسط بلاد الجزائر قد جرى بناءً على أنّها كانت عاصمة (بايلك التيطري) سابقًا، وكانت لديها تقاليد اجتماعية وثقافية عريقة26، في حين ترجع إيفون تورين سبب ذلك إلى اختلاف في الرؤية ما بين وزير الحربية في باريس ومسؤولي مقاطعة الجزائر العسكريين والسياسيين. فهؤلاء كانوا معارضين لاختيار المدية بسبب بعدها عن المركز، وعن مراقبتهم. أما المسؤول العسكري الأول في باريس، فقد رأى أنّ الهدف من اختيار المدية، بادلًا من مدينة الجزائر، قد كان لتقريب المدرسة من السكان العرب المعنيّين في الأساس بهذا النوع من التعليم، وبسبب "الأهمية السياسية" التي تمثّلها هذه المنطقة، على عكس مدينة الجزائر27. وإذا كان أصحاب الرأي الأول لا يفسّرون سبب نقل المدرسة إلى البليدة، فإنّ تورين تفسّر ذلك بالتوصل إلى حلّ توافقيّ بين الطرفين28. في حين يبرّر رئيس "المكتب العربي"، في رسالته إلى وزير الحربية سنة 1855، سبب نقل المدرسة إلى مدينة البليدة للتأخر في فتحها في المدية "لعدم توافر مقرّ لائق"29. ويبدو أنّ اختيار المدية منذ البداية لم يكن صائبًا، فهذه المدينة الواقعة في منطقة التيطري الوعرة التضاريس والمسالك، حتى إن كانت قد برزت خلال الفترة العثمانية في الجزائر واختيرت عاصمة لبايلك الوسط، لا تمتاز بإشعاع مدن الجزائر وتلمسان وقسنطينة ومكانتها. ويظهر أنّ الغاية من اقتراح المدية لتكون مقًّرًا لمدرسة الوسط هي بلوغ شريحة من الجزائريين لا يصل إليها التعليم الفرنسي الذي
كان قد بدأ في المدن، والسعي لبلوغ الأعماق الريفية واجتثاث بعض عناصرها لإدماجهم في هذا السلك التكويني. وقد جرى تفضيل مدينة تلمسان، مقًّرًا لمدرسة منطقة الغرب الجزائري، على وهران التي جرى احتلالها سنة 1831، والمستقطبة للمستوطنين، على الرغم من أنّ تلمسان كانت أقلّ أهمية من الناحية الاقتصادية، ولكنّها في المقابل كانت ذات إرث تاريخي عربي - إسلامي متميز، ولأنّها "تمتاز بكونها كانت عاصمة لسلاطين بني عبد الواد، وبقيت محافظة على تقاليد حياة ثقافية وفنية مزدهرة"30. وفي الناحية الشرقية، لم تُطرح مشكلة الاختيار، فقد اختيرت قسنطينة مباشرة، واختيرت المدرسة الكتّانية لتكون مقًّرًا للمشروع الجديد. وتعدّ المدرسة الكتّانية من بين إنجازات صالح باي العديدة، فقد شيّدها بمحاذاة جامعه الجديد فوق ضريح الولي سيدي الكتانّي (1188 ه/ 1774 م)، وجعل للمسجد وللمدرسة أوقافًا عقارية وتجارية ضمانًا لخدمتهما31. ويوجد في صحن مدرسة الكتّانية قبر صالح باي وقبور أفراد من عائلته وبعض العلماء. وفي مقرّ هذه المدرسة العتيقة، التي تقع في حيّ سوق العصر وسط المدينة القديمة، فتح الفرنسيون مدرسة قسنطينة في خريف 1851. وتشتمل المدرسة الكتّانية، التي بنيت على نمط المدارس الإسلامية القديمة، إضافةً إلى قاعات التدريس، غرفًا لمبيت الطلبة ومصلّى تحت تصرّفهم. ومع مطلع القرن العشرين استفادت المدارس الثلاث من مقرّات جديدة. وكانت البداية بمدرسة تلمسان، التي عانت طويلًا مع عدم الاستقرار، بانتقالها سنة 1905 إلى مقرّها الجديد في وسط المدينة. وفي السنة نفسها، حُوّلت مدرسة الجزائر إلى حيّ القصبة السفلى، وبقيت تحمل تسمية الثعالبية. ثمّ تحوّل طلبة مدرسة قسنطينة سنة 1908 من سوق العصر إلى "الشطّ" المطلّ على وادي الرمال، بمحاذاة "مقهى النجمة" الشهير، الواقع في شارع العربي بن مهيدي اليوم. ودار الحديث، في تلك الفترة، حول احتمال إضافة مدرسة رابعة في مدينة بجاية32. وبما أنّ مقرّات المدارس القديمة هي التي اختيرت لتكون مقًّرًا للمدارس الجديدة، فعلينا أن نتساءل عن مدى الاستمرارية والتجديد في المقرّرات الدراسية ومناهج التدريس المعتمدة؟ انشغلت فرنسا، في السنوات الأولى من الاحتلال، بالقضاء على المقاومات العسكرية الأولى التي خاضها أحمد باي (1831 - 1848) والأمير عبد القادر (1832 - 1847)، قبل أن تظهر حاجتها إلى التقرّب من الجزائريين متّخذةً في ذلك العديد من الوسائل، ومن ضمنها التأسيس لتعليم عمومي خاصّ بالجزائريين. وقد برز في هذه الأثناء تيار ينادي بضرورة تعليم الجزائريين بلغتهم وتقاليدهم، ومن أبرز ممثليه إسماعيل عربان الذي لاحظ سنة 1848 أنّ الإدارة الفرنسية، بإبقائها "العرب" في الجهل، تعمل على تقوية "التطرّف" وزيادة أعدائها، وتأسَف على الوقت الذي ضيّعته في ذلك. واقترح إعادة النشاط إلى المدارس القرآنية والمدارس العليا أيضًا، مبرزًا فشل نمط التعليم الفرنسي الموجّه إلى المسلمين: "ذلك لأنّ المدرسة في أعين المسلمين، هي الواسطة التي يتعلّم فيها الأطفال الصلاة ومعرفة الحقيقة الدينية وحبّ كتابهم المقدّس (كذا في النص الفرنسي)"33. بينما كان تيّار آخر يرى ضرورة إدماج الجزائريين في نظام التعليم الفرنسي.
أمّا المبررات والأهداف التي ساقتها الوثائق الرسمية وتقارير المسؤولين الفرنسيّين فهي أنّ فرنسا، بعد احتلالها الجزائر وشروعها في رسم سياستها التعليمية، لم تجد مؤسسة علمية في مستوى الزيتونة أو القرويين، وواجهت بذلك صعوبات في تأطير المجتمع وإدارته، فأرادت، عن طريق هذه المدارس، تكوين نخبة جديدة في إمكانها أداء دور الوسيط بين السلطات الاستعمارية والجزائريين. ثمّ إنّ خشيتها من تأثير النفوذ الديني والثقافي والسياسي الداخلي، والنفوذ الخارجي المشرقي، جعلها تلجأ إلى إنشاء مؤسسة قد تكون بديلًا من مدارس الزوايا والجامعات الإسلامية المغاربية والمشرقية التي كانت مقصدًا لطلبة العلم الجزائريين. وتشكّل هذه المدارس، التي تولّت الإدارة الفرنسية تسييرها ومراقبتها مباشرة، الضمان الأنجع ضدّ التيارات والأفكار التي تعتبرها معادية للثقافة والسياسة الفرنسيتين. وقد عبّر الحاكم العام جول كامبون صراحة عن ذلك في مجلس الشيوخ، في كانون الثاني/ يناير 1894، بعد أن تعالت بعض الأصوات المطالبة بحلّ هذه المدارس، معترفًا بأنّ فرنسا، بسياستها السابقة، قد قضت على العائلات الكبرى، ولم يبقَ من وسيط "بيننا وبين السكّان الأهالي". وبناءً على ذلك، فهو يرى أن فرنسا يمكن أن تشكّل، بواسطة هذه المدارس، ما يشبه "هيئة أركان إسلامية مثقّفة"34. في حين يرى بعض الكتّاب الجزائريين أنّ إنشاء هذه المدارس من جانب المستعمر كان هدفه إبعاد الجزائريين عن إسلامهم و"تكوين أعوان في خدمة أهدافه"35، وهو الأمر الذي تكذّبه البرامج التي كانت تدرّس والتوجّه الثقافي والسياسي لأغلب الأساتذة الذين كانوا يتولّون التدريس في هذه المدارس36، ويكذّبه أيضًا الواقع الذي كانت عليه هذه المدارس. وما يمكن قوله هو أنّ فرنسا أرادت عن طريق هذه المدارس تكوين نخبة من الجزائريين المسلمين في إمكانها أن تشكّل واسطة بينها وبين الشعب الذي أخضعته. وحتى تكتمل سيطرة السلطات الاستعمارية على شؤون العبادة وتُحكم قبضتها على إدارة شؤون الأهالي، خصّصت الوظائف الرسمية، من شؤون العبادة والقضاء والتعليم العامّ "الأهلي" والمكاتب العربية، للمتخرّجين في هذه المدارس دون سواهم، ومنعت غيرهم من المتخرّجين في الزوايا والجامعات والمعاهد المشرقية، والمتخرّجين في المدارس الحرّة في ما بعد، من الحظوة بهذه الوظائف، وهو ما أكّده الحاكم العامّ في خطابه السابق الذكر عندما أوصى بأّلا يتولّى أيّ أحد من غير الحاصلين على شهادات المدارس، الوظائف العامّة الإسلامية المتعلقة بالقضاء وبشؤون العبادة37، وأكّدته الإصلاحات اللاحقة. فما هذه "الإصلاحات" التي أدخلتها فرنسا على هذه المدارس طيلة وجودها؟ وهل حقّقت ما كان منتظرًا منها؟
ثانيًا: التنظيم الإداري والبرنامج الدراسي للمدارس
1. التنظيم الإداري
سُطّرت معالم السياسة التعليمية لهذه المدارس عن طريق إصلاحات وتنظيمات متتالية وضعتها السلطات الاستعمارية، ومن ضمنها الإصلاحات التي مسّت التسيير الإداري والبرنامج التعليمي؛ فمنذ إنشاء المدارس إلى حد عام 1875، كانت تخضع لوصاية
مزدوجة: المراقبة الإدارية والسياسية للسلطات العسكرية، وكان يتوّلاها أحد الضباط الفرنسيين الملحقين بالشؤون العربية، والتفتيش العلمي والبيداغوجي من قبل أحد أساتذة كراسي اللغة العربية يعيّنه الحاكم العامّ. ويلاحظ تقرير مدير أكاديمية الجزائر أردايّون أن نظام التعليم المتّبع في توظيف المدرسين وشروط تسجيل الطلبة لم يؤِّدِ، في السنوات الأولى (1850 - 1875) من الإدارة العسكرية لهذه المدارس، إلى النتائج التي كان الفرنسيّون ينتظرونها38، لذلك جرى إدخال بعض التعديلات؛ فبموجب قرار الحاكم العامّ شانزي39 الصادر في 61 شباط/ فبراير 1876، سُميت هذه المدارس تسمية المدارس الإسلامية للتعليم العالي. وأحيلت سلطات الحاكم العامّ إلى قادة المقاطعات العسكرية الثلاث (الجزائر ووهران وقسنطينة) في ما يخصّ المراقبة الإدارية والسياسية، وتولّى مدير أكاديمية الجزائر إدارة التعليم والتأديب داخل هذه المؤسسات بواسطة مفتش يعيّنه الحاكم العامّ. ويصف شارل روبير أجرون قرار 1876، خاصّة التنظيم، الذي تلاه في 7 آذار/ مارس 1877، بأنّه ذو "طابع بوليسي". فقد أعطى صلاحيات لأستاذ الفرنسية بمراقبة التعليم، وكلّف المديرين الفرنسيين بأصعب المواد الدينية، وخصّ المفتش الفرنسي بمراقبة عامّة تشمل المدارس الثلاث، وحافظت السلطات العسكرية على المراقبة السياسية والإدارية للمدارس40. وصدر قرار آخر سنة 1882 انتزع صلاحيات المراقبة من أيدي قادة المقاطعات العسكرية وأحالها إلى ولاة العمالات الثلاث (الجزائر ووهران وقسنطينة)، تبعًا للنظام المدني الذي سُنّ في دستور الجمهورية الثالثة (1871)، وبعد سنة من ذلك صدر قرار آخر أكّد الطابع الجامعي الأكاديمي لهذه المدارس، وأنهى صلاحيات الولاة عليها. وقد يعكس هذا التحوّل مسار إدماج مدارس الجزائر في النظام التعليمي الفرنسي، بتبعاته السلبية والإيجابية على تعليم أبناء الجزائريين. وأهمّ إصلاح عرفته هذه المدارس، في مجالي التنظيم الإداري والبرنامج التعليمي، هو الذي انبثق من مرسوم 23 تموز/ يوليو 1895، الذي نصّ على رفع سنوات الدراسة إلى أربع سنوات بادلًا من ثلاث، واشترط على الطلبة المرشّحين الحصول على شهادة التعليم الابتدائي واجتياز مسابقة الدخول، في حين أنّ الطلبة قبل ذلك كانوا يرشّحون من جانب القياد والمكاتب العربية41. ونصّ المرسوم أيضًا على إنشاء قسم عالٍ في مدرسة الجزائر تمتدّ الدراسة فيه مدّة سنتين، وُأدخل تغييرٌ آخر يتمثّل في تعيين مدير فرنسي لكلّ مدرسة، بعد أن كان يتوّلاها مدير جزائري. أما بشأن سنّ الالتحاق بهذه المدارس، فقد أصدر الحاكم العامّ جونار42، في 81 آذار/ مارس 1905، قرارًا حدّدها بأن تكون ما بين 15 و 20 سنة. وآخر إصلاح هو الذي نجم عن مرسوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1944، الذي حُوّلت بموجبه المدارس من التعليم العالي إلى التعليم الثانوي، ورُفعت سنوات الدراسة إلى ستّ سنوات بادلًا من أربع، وسُمّي القسم العالي لمدرسة الجزائر تسمية جديدة هي "معهد الدراسات العليا الإسلامية" وتمتدّ الدراسة فيه سنتين. وبحسب دراسة سرّية لإميل جاني كان الغرض من إصلاح 1944 تحسين تعليم اللغة العربية لمجابهة منافسة الإصلاحيين43، وذلك لأنّ التعليم العربي الحرّ شهد في الثلاثينيات تطوّرًا كبيرًا من حيث عدد الطلبة
ونوعية التعليم. ويكون هذا الإصلاح قد أخذ أيضًا في الاعتبار التعليم الفرنسي العمومي الممثّل في العديد من المعاهد وكلّيات جامعة الجزائر، وقد أصبح أكثر جاذبية للطلبة لأنّه يفتح لهم آفاقًا أكبر على المستقبل ممّا يمكن أن توفّرها المدارس.
2. البرنامج الدراسي
عرف برنامج التعليم في هذه المدارس أيضًا العديد من التطوّرات، فقد بدأ بثلاث موادّ دراسية هي النحو والأدب العربي، والقانون والفقه الإسلامي، وعلم التوحيد والعبادات. وفي سنة 1863، أضيفت مادّة اللغة الفرنسية، والتاريخ والجغرافيا والحساب والهندسة لتدرّس باللغة الفرنسية أيضًا. ثم جاء قرار 16 شباط/ فبراير 1876 ليضيف موادّ مبادئ القانون الفرنسي، بما فيها القانون المدني والجنائي والإداري، التي تدرّس بالفرنسية، زيادةً على اللغة والأدب وعلم التوحيد والفقه الإسلامي. وما يلاحظ في هذا التغيير الجديد هو طغيان موادّ التعليم باللغة الفرنسية على حساب الموادّ العربية، فإضافةً إلى اللغة الفرنسية توجد ثلاث موادّ أخرى تدرّس بهذه اللغة هي: التاريخ والجغرافيا، والحساب والهندسة، ومبادئ القانون الفرنسي. ومن أجل توسيع معارف الطلبة، وربّما تحسين لغتهم الفرنسية وإدماجهم في المنظومة التعليمية الفرنسية، قُرّر سنة 1882 اعتبار طلبة مدرسة الجزائر مثل طلبة المدارس العليا الفرنسية بالجزائر وإلزامهم بمتابعة دروس مدرسة الحقوق44، غير أنّ هذه التجربة لم تدم سوى سنتين (1884 - 1886) ولم تكلّل بالنجاح. وبعد الإعلان عن مرسوم 23 تموز/ يوليو 1895، الذي أعاد تنظيم المدارس، أصبحت سنوات الدراسة الأربع تتضمّن الموادّ الآتية: اللغة الفرنسية، ومبادئ التاريخ والجغرافيا، واللغة العربية، والفقه الإسلامي وعلم التوحيد. أمّا القسم العالي لمدرسة الجزائر، فقد كانت موادّ الدراسة فيه تشتمل على علم التوحيد والتفسير، والفقه الإسلامي وأصوله، والأدب العربي، والبلاغة والبيان، وتاريخ الحضارة الفرنسية، ومبادئ القانون الفرنسي، والتشريع الجزائري45. لم تحظَ التعديلات المتتالية، التي أدخلت على نظام التعليم في المدارس، بالإجماع، فقد انتقدها، لاحقًا، مدير أكاديمية الجزائر أردايّون بقوله "إنّنا ذهبنا بعيدًا"46، وعبّر عن خشيته من محاولات إبعاد هذه المدارس عن الهدف الذي أُسّست من أجله. وعمومًا، فقد بدأت هذه المدارس عربية خالصة من حيث البرنامج والأساتذة، ثم تحوّلت شيئًا فشيئًا إلى الازدواجية من حيث البرنامج التعليمي (عربي - فرنسي) والتأطير البيداغوجي، وهو ما ميّزها من الثانويات الفرنسية التي لا تعطي اللّغة العربية أهميةً من جهة، ومن المدارس العربية الحرّة التي تكتفي بتدريس مواد اللغة العربية دون سواها من جهة أخرى.
ثالثًا: هيئة التدريس وطلبة المدارس
1. هيئة التدريس
بدأت المدارس الثلاث بثلاثة أساتذة جزائريين لكلّ منها، أحدهم يشغل مهمّة مدير، فضلًا عن التدريس. ولكن بتغيير البرنامج الدراسي سنة 1863 وإدخال مادّة اللغة الفرنسية وموادّ فرنسية أخرى، جرى تعيين أستاذ فرنسي لهذه الموادّ. وتدعّم هذا التوجّه بإصدار قرارين في السنتين 1876 و 1884، نتج منهما توسيع دائرة الأساتذة الفرنسيين بتعيين ستّة أساتذة لكلّ مدرسة؛ ثلاثة فرنسيّين، وثلاثة جزائريّين. ومع إصلاح سنة 1895، عرفت هيئة التدريس تغيّرات جديدة، فقد ضمّت أساتذة دائمين ومكلّفين بالدروس. وبعكس ما كانت عليه المدارس في السابق، حين كانت تحت إشراف مدير جزائري، فإنّها أصبحت بسبب هذا المرسوم تحت إدارة أحد الأساتذة الفرنسيين.
وأثناء تأسيس هذه المدارس، كان تعيين مديري المدارس والأساتذة يجري، بحسب المادّة 6 من مرسوم 1850، من جانب وزير الحربية بعد اقتراح من الحاكم العامّ للجزائر. وبصدور قرار 16 شباط/ فبراير 1876، الذي وضع المدارس تحت إشراف الحاكم العامّ، أصبح هو الذي يعيّن كلّ الأساتذة، بعد اقتراح من مدير أكاديمية الجزائر. ولم يوضّ ح مرسوم 1895 شروط توظيف هؤلاء الأساتذة وكيفيّته، وهو الفراغ الذي استكمل بقرار 18 آذار/ مارس 1905. فبالنسبة إلى الأساتذة الجزائريين، فإنّهم يوظفون من بين قدماء طلبة القسم العالي في مدرسة الجزائر، في حين يوظّف الأساتذة الفرنسيون من بين الحاصلين على الشهادة العربية من المدرسة العليا للآداب في الجزائر أو من مدرسة اللغات الشرقية الحيّة في باريس. وبتأسيس جامعة الجزائر سنة 1910، حُوّرت النصوص السابقة؛ إذ نصّ قرار 11 حزيران/ يونيو 1913، في مادّته الأولى، على أنّ أساتذة المدارس الفرنسيين يمكن توظيفهم من ضمن حاملي الليسانس في الآداب والعلوم، أو من ضمن الحاصلين على الشهادة العربية من كلية الآداب في جامعة الجزائر، أو من بين المتخرّجين في مدرسة اللغات الشرقية الحيّة، في حين يوظّف المدرّسون الجزائريون من بين طلبة القسم العالي في مدرسة الجزائر47. وكان المدرّسون يتقاضون في بداية الأمر 1500 فرنك، و 2100 فرنك للمدير الذي يكلف، إضافة إلى إدارة المدرسة، بدرسٍ من الدروس الثلاثة، ويتقاضى الوقّاف أو ناظر المدرسة 600 فرنك. وقد زاد تعداد الأساتذة ونظّار المدارس بمرور الوقت، وتطوّرت رواتبهم وشملت أيضًا راتب مفتش المدارس كما يظهر في الجدول (1). الجدول (1) التنظيمات الخاصة برواتب موظفي المدارس (بالفرنك)
التنظيمات/ هيئة
| التنظيمات/ هيئة التدريس | المديرون | الأساتذة | الوقّاف/ النظّار | َّ المفتش |
|---|---|---|---|---|
| مرسوم 1850 | 2100 | 1500 | 600 | لم يُحَدَّد |
| قرار 16 شباط/ فبراير 1876 | درجة 1: 3000 درجة 2: 2700 دأرجة 3: 2400 | درجة 1: 1800 درجة 2: 1500 دأأرجة 3: 1200 | درجة 1: 1000 درجة 2: 800 درجة 3: 600 | 1000 + 8000 لمصاريف الزيارات |
| قرار 1 آب/ أغسطس 1895 | علاوة شهرية 500 لمديري قسنطينة وتلمسان، 2000 لأمدير مدرسة الجزائر | الأساتذة المرسمون- القسم الأسفل: 3000، 2600، 2200، 1800، 1500 القسم الأعلى لمدرسة الجزائر: 4000، 3500، 3000، 2500 | 1200، 1000، 900 | علاوة سنوية 4500 للموظف المكلّف بالتفتيش العام |
| تعليمة 18 آذار/ مارس 1905 | علاوة شهرية 1000 لمديري قسنطينة وتلمسان، 2000 لمدير مدرسة الجزائر | درجة 1: 5000 درجة 2: 4500 درجة 3: 4000 درجة 4: 3500 درجة 5: 3000 درجة 6: 2500 | وقّاف أو أكثر لكلّ مدرسة: رواتبهم 1000 و 1100 و 1200 | علاوة سنوية 4500 للموظف المكلف بالتفتيش العام |
درجة 6: 2500
المصدر: معلومات مأخوذة من دراسات ومصادر متفرقة عديدة (نصوص رسمية: مراسيم - قرارات - تعليمات).
عرفت هذه المدارس أساتذة جزائريين وفرنسيين اشتهروا بأعمالهم الأكاديمية، وبنشاطاتهم العلمية والجمعوية. غير أنّ ما يمكن ملاحظته هو أنّ الجهد الفكري للأساتذة الجزائريين لم يكن في مستوى جهد نظرائهم الفرنسيّين، فهل يعود ذلك إلى عائق اللغة الفرنسية، التي كانت هي اللغة الرسمية، وإلى التكوين التقليدي للأساتذة الجزائريين؟ يُعدّ محمد بن أبي شنب، الذي درَس في مدرستي قسنطينة والجزائر ثم التحق بكلية الآداب في جامعة الجزائر، الاستثناء الوحيد تقريبًا الذي تمكّن من منافسة نظرائه من المستشرقين الفرنسيّين، نظرًا إلى الأعمال الأصيلة التي نشرها، في حين أسهم أساتذة آخرون في بعض المنشورات الفقهية واللغوية القليلة، مثل عبد القادر المجاوي، والسعيد بن زكري، والمولود بن الموهوب، وعبد السلام بن شعيب، وقد شارك بعضهم الآخر بعد ظهور الصحافة العربية بنشر مقالاتهم والتعبير عن آرائهم في قضايا عصرهم. وعلى خلاف ذلك، عرفت المدارس مرور العديد من الأساتذة الفرنسيّين الذين كانوا من أبرز المستشرقين، وامتازوا بكتاباتهم وبنشاطاتهم العلمية؛ ما مكّنهم من الحظوة بمناصب عليا في ميدان التعليم في الجزائر وفرنسا. ومن بين أهمّ هؤلاء المستشرقين الذين درّسوا وأداروا المدارس ويليام مارسي Marçais William (1872 - 1956)48 مدير مدرسة تلمسان (1898 - 1904) ثمّ مدرسة الجزائر (1904 - 1910)، وقبله موريس غودفروا - ديمومبين Demombynes - Gaudefroy Maurice (1862 - 1957) مدير مدرسة تلمسان (1895 - 1898)، والأستاذ في مدرسة اللغات الشرقية والكوليج دو فرانس في باريس، وإدموند ديستان Destaing Edmond (1872 - 1940) مدير مدرسة الجزائر (1911)، والأستاذ بمدرسة اللغات الشرقية أيضًا49. وإذا كان العديد من أساتذة المدارس قد حقّقوا شهرة واسعة، فماذا عن الطلبة؟
2. طلبة المدارس
عند تأسيس هذه المدارس، لم توضع شروط معيّنة لالتحاق الطلبة بها، سواء من حيث السنّ أو المستوى التعليمي، ثمّ إنّ فترة الدراسة لم تكن محدّدة، فالطالب يبقى في المدرسة بحسب رغبته حتى استكمال تكوينه. وقبل سنة 1876 كانت أعمار الطلبة الجدد تراوح ما بين 18 و 35 سنة، وحُدّدت بعد ذلك في ما بين 18 و 25 سنة. أمّا فترة الدراسة فأصبحت ثلاث سنوات، مع ضرورة اجتياز كلّ مرشّح امتحانًا أمام لجنةٍ لإظهار معارفه الضرورية، ووضع مرسوم 1895 شروطًا جديدة للالتحاق بالمدارس؛ منها الحصول على شهادة التعليم الابتدائي، مع اجتياز مسابقة، ورفع مدّة الدراسة إلى أربع سنوات. ثمّ جاء قرار 1905 ليحدّد من جديد سنّ التسجيل في هذه المدارس في ما بين 15 و 20 سنة. وقد اختلفت أعداد المرشّحين لمسابقة المدارس والمقبولين منهم من سنة إلى أخرى. واختلفت كذلك نسبة القبول فتجاوزت أحيانًا 50 في المئة بقليل، ونزلت في أحيان أخرى إلى أقلّ من المتوسط، مع العلم أنّ غالبية التقارير السنوية حول المدارس تشير إلى إجراء المسابقة في أحسن الظروف. يمكن القول إنّ هذه المدارس لم تستقبل أعدادًا كبيرة من الطلبة طوال وجودها؛ أيعود ذلك إلى حذر الجزائريين المسلمين من الالتحاق بها، أم إلى رغبة المشرفين عليها في جعلها مدارس نخبة؟ في الواقع، هناك أسباب عديدة وراء العدد الضئيل لطلبة هذه المدارس، من بينها أنّ كثيرًا من الجزائريين استمرّوا، إلى نهاية القرن التاسع عشر، في مقاطعة كلّ ما هو فرنسي - مسيحي، ومن ضمنه التعليم خاصّة، وهو ما بيّنته العديد من الدراسات50. ومردّ ذلك إلى الشكوك الكثيرة التي كانت تحوم حول أهداف التعليم في
المدارس الفرنسية بصفة عامّة، مما دفع المشرفين على هذه المدارس، على الأقلّ في أثناء تأسيسها، إلى عدم برمجة اللغة الفرنسية أو تدريس موادّ فرنسية بها، وعدم تعيين هيئة تدريس لها وإدارة من الفرنسيين، خشيةً من مقاطعة الجزائريين لها، خاصّة إذا علمنا أنّ السلطات الاستعمارية في الجزائر لم تلجأ إلى هذا النوع من التعليم إّلا بعد فشل المدارس الفرنسية في العشرين سنة الأولى من الاحتلال (1830 - 1850). ثمّ إنّ الإصلاحات المتتالية قد صعّبت فرص الالتحاق بهذه المدارس، وذلك باشتراطها السنّ والمستوى التعليمي والمسابقة. وبناءً عليه، وجد العديد من المرشّحين أنفسهم خارج هذا النمط التعليمي، في حين أنّ الالتحاق كان أسهل مثلًا بمدارس الزوايا والمدارس الحرّة في الجزائر أو بالزيتونة وبالقرويّين. الجدول (2) عيّنة عن عدد المرشّحين والمقبولين في المدارس
| السنة الدراسية 1935 - 1936 | السنة الدراسية 1921 - 1922 | السنة الدراسية 1906 - 1907 | السنة الدراسية 1899 - 1900 | المدرسة | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| المقبولون | المرشّحون | المقبولون | المرشّحون | المقبولون | المرشّحون | المقبولون | المرشّحون | |
| 17 | 44 | 16 | 29 | 20 | 46 | 14 | لم يحدّد | الجزائر |
| 24 | 51 | 13 | 26 | 18 | 30 | 12 | لم يحدّد | تلمسان |
| 15 | 49 | 10 | 33 | 20 | 36 | 13 | لم يحدّد | قسنطينة |
| 56 | 144 | 39 | 88 | 58 | 112 | 39 | 67 | المجموع |
المصدر: هذه الأرقام مأخوذة من النشرة الرسمية عرض عن الحالة العامّة للجزائر للسنوات الدراسية المذكورة أعلاه، وهي من المنشورات الرسمية التي تصدرها سنوًّيًا الحكومة العامّة بالجزائر بعنوان: Gouvernement Général de l’Algérie, Exposé de la Situation générale de l’Algérie (Alger: Imprimerie Victor Heintz, [n. d.]).
ثمة أسباب أخرى منعت الطلبة من الالتحاق بهذه المدارس؛ فمع مرور الوقت حصل شٌّحٌ في مناصب العمل، ثمّ صعوبة في توظيف كلّ المتخرّجين؛ فبحسب تقرير المركز الأعلى للدراسات الإدارية الإسلامية CHEAM، فإنّ تحديد عدد الطلبة الملتحقين بالمدارس يجري بطريقة إرادية، وذلك لأنّ مشكلة مناصب الشغل بعد التخرّج قد طُرحت على نحو جدّي. ويعترف التقرير أيضًا بالعدد الضئيل لطلبة المدارس الثلاث مقارنةً بطلبة "المدرسة الإصلاحية" في قسنطينة51، التي ضمّت وحدها 0 63 طالبًا سنة 193852. وثمة سبب آخر أشارت إليه دراسة أنجزت سنة 1948؛ ف "منذ 20 سنة تقريبًا، أصبحت البرجوازية الإسلامية تقاطع هذه المدارس ولا ترغب في تسجيل أبنائها فيها"، ولذلك أصبح أغلب الطلبة الملتحقين بالمدارس ينتمون إلى طبقات دنيا53. وقد يكون في انفتاح الجامعة بالنسبة إليهم تفسير لهذا العزوف - ولو بنسب ضئيلة - خاصّة أنّها تُكَوَّن لدراسة الأعمال الحرّة، مثل الطبّ والمحاماة، فبعض المتخرّجين في هذه
المدارس كانوا يتهرّبون من بعض وظائف العدالة وشؤون العبادة المخصّصة لهم (حزاب، مؤذّن، عون) نظرًا إلى الرواتب الزهيدة التي كانوا يتلقّونها، وبعضهم الآخر كان يفضّ ل الالتحاق بالمغرب، خاصّة بعد فرض الحماية الفرنسية (سنة 1912) لتولّي بعض المناصب54، يُضاف إلى ذلك أنّ الالتحاق بهذه المدارس كان مكلفًا بالنسبة إلى العديد من الأسر المتواضعة اجتماعًّيًا التي لم يكن في إمكانها تحمّل تكاليف الدراسة والإقامة، ولا سيما أن منحة الدراسة لم تكن متاحة لجميع الطلبة، أو لم تكن كافية لسدّ احتياجاتهم. ولذلك، فإنّ عدد طلبة المدارس الثلاث مجتمعة لم يتعَّدَ، في أكثر الأحوال، خلال السنة الدراسية الواحدة، مئتي طالب، إذا ما استثنينا من ذلك القسم العالي بمدرسة الجزائر والطلبة "المتطوّعين" الذين كانوا يتابعون الدراسة بصفة غير نظامية. وبحسب إحصائيات أكاديمية الجزائر، الممتدّة في السنوات الدراسية (1896 - 1897 و () 1922 - 1923)، فإنّ عدد الطلبة عرف ارتفاعًا إلى الفترة 1913 - 1914. وبعد غلق المدارس طيلة سنوات الحرب العالمية الأولى، بدأ العدد في التراجع ليتهاوى في سنوات ما بعد الحرب، وهو ما يظهر من خلال الجدول (3)55. الجدول (3) عيّنات عن عدد طلبة المدارس
| المجموع | قسنطينة | تلمسان | الجزائر | السنة | المجموع | قسنطينة | تلمسان | الجزائر | السنة |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 171 | 45 | 54 | 72 | 1917 | 122 | 42 | 45 | 35 | 1878 |
| 163 | 42 | 54 | 67 | 1918 | 120 | 45 | 43 | 32 | 1895 |
| 169 | 44 | 50 | 75 | 1919 | 125 | 37 | 37 | 51 | 1900 |
| 178 | 58 | 51 | 69 | 1920 | 156 | 43 | 32 | 81 | 1902 |
| 148 | 47 | 44 | 57 | 1921 | 215 | 69 | 58 | 55 | 1909 |
| 145 | 42 | 37 | 46 | 1922 | 225 | 59 | 67 | 99 | 1914 |
| 146 | 42 | 36 | 68 | 1923 | 28 | لم يحدَد | لم يحدَد | 28 | 1915 |
| 142 | 45 | 37 | 55 | 1924 | 12 | لم يحدَد | لم يحدَد | 12 | 1916 |
12 لم يحدَد لم يحدَد 12
المصدر: Ibid.; Assemblée Financières Algériennes, Session Ordinaire de mai-juin, 1925 (Alger: Impr. Nord-Africaines, 1925), p. 568 (Nombre d'étudiants dans les Médersas de 1914 à 1924).
لتجنّب تراجع هذه المدارس والحفاظ على مكانتها والقيام بدورها في تكوين نخبة في إمكانها أداء دور الوسيط بين السلطات الاستعمارية والجزائريين المسلمين، اقترح تقرير أُعدّ في نهاية الأربعينيات أن تعيد الإدارة النظر في عدد الوظائف المخصّصة للمتخرّجين، وأن تسمح لهم بتولّي وظائف جديدة في قطاعات السكك الحديدية والبريد والبلديات:
"إذا أردنا أن نرفع من عدد طلبة المدارس، فمن الضروري أن نزيد من عدد الوظائف المخصّصة لهم"56. وبناء على ذلك، حاول التقرير تجاوز قائمة المناصب القليلة المتاحة للطلبة بعد تخرّجهم، وهي محدّدة في القرار الصادر في 1 آب/ أغسطس 1895؛ ذلك أنّ الرهان على نجاح السياسة التعليمية في هذه المدارس كان مرتبطًا بحلّ مشكلة البطالة لدى المتخرّجين حتى يؤدّوا الدور الذي رُسم لهم، وهو دور الوسيط ما بين الغالب والمغلوب، فهل حقّقت السياسة الاستعمارية الفرنسية هذا الهدف؟
رابعًا: المدارس الثلاث ما بين السياسة الاستعمارية والواقع
لم تَسلم هذه المدارس من معارضة الفرنسيين أنفسهم؛ فلم يفهم الرأي العامّ الفرنسي في الجزائر - من صحافة ومجالس منتخبة - الهدف من إنشائها واعتبرها غير ضرورية. وقد برّر هؤلاء موقفهم بالنتائج الضعيفة التي حقّقتها هذه المدارس، بل اعتبروا أنها أماكن للتعصّب مثل الزوايا57. وقد اعترف الحاكم العامّ كامبون، في خطابه أمام مجلس الشيوخ، أنّ هذه المدارس "قد أحدثت جادلًا عنيفًا"58 في الأوساط الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، وواجهت عراقيل عديدة من أجل تزويدها بالميزانية المالية الضرورية لتطوّرها، بل لاستمرارها59. وكان يُنظر إلى أساتذة هذه المدارس بارتياب من جانب السلطات الاستعمارية، التي كانت تراقب كلّ ما يتعلّق بالمدرسة60. وبشأن الرقابة والتفتيش في هذه المدارس، جرى الخلط ما بين المتطلّبات التربوية والسياسية؛ فعلى الرغم من تبعية هذه المدارس، منذ إصلاحات 1876 و 1895، لأكاديمية الجزائر، فإنّها بقيت تخضع لنفوذ السلطة السياسية والإدارية ممثّلةً في مديرية الشؤون الأهلية. وفي رسالة من جان ميرانت Mirante Jean، مدير هذه الهيئة، إلى الحاكم العامّ، اقترح تكليف شخصين لتفتيش المدارس أحدهما أستاذ جامعي معرّب يكلّف بالجانب البيداغوجي، والآخر موظّف يتولّى مهمة التفتيش من الناحية الإدارية والسياسية والانضباطية، ويرشّح لهذا المنصب مدير الشؤون الأهلية أو نائبه61. ومع ذلك، فإنّ "إصلاحات" الإدارة الاستعمارية تجاه المدارس الثلاث لم تصمد أمام التطوّرات السياسية والثقافية التي شهدتها الجزائر في بداية القرن العشرين بتبلور الوعي الوطني فيها غداة الحرب العالمية الأولى، وبروز الحركة الوطنية. وهذا ما دفع القائمين على هذه المدارس إلى العمل على تحسين مردودها وجعل المتخرّجين فيها فاعلين ومؤثّرين في مجتمعهم. ففي تقرير لمدير الشؤون الأهلية (1924) حول الوضعية المادّية والمعنوية والأدبية والأخلاقية، جرى تأكيد أنّ تأثير المتخرّجين في هذه المدارس في مجتمعهم يكاد يكون منعدمًا. واقترح إبقاء هذه المدارس على حالها وعدم إدخال أيّ تغيير عليها. وبادلًا من السعي لتطوير اللغة العربية، اقترح مقابل ذلك تشجيع المجتمع الأهلي على "التحرّر من الدين" والسير نحو "الحضارة الغربية"62. والظاهر أنّ هذا التوجّه لم يكن يتقاسمه معه المشرفون مباشرة على هذه المدارس، خاصّة أنّ السلطات الاستعمارية قد عملت بعد إصلاحات 1895 على توجيه التعليم في المدارس وجهة فرنسية.
ولم يكن الفرنسيون، إلى الثلاثينيات على الأقل، يخشون على هذه المدارس من منافسة التعليم العربي الحرّ. لكن بظهور جمعية العلماء (1931)، وتأسيسها المئات من المدارس العربية الحرّة، وشهرة بعضها مثل مدرسة التربية والتعليم في قسنطينة ومدرسة دار الحديث في تلمسان (1937)63، وتأسيس معهد عبد الحميد بن باديس سنة 1947 في قسنطينة64، سارع المشرفون على هذه المدارس إلى دقّ ناقوس الخطر في التقارير التي أعدّها مديروها وأساتذتها الذين أكّدوا على ضرورة تطويرها؛ من أجل التصدّي لمنافسة العلماء الإصلاحيين. وفي تقرير لألفرد بيل Bel Alfred (1873 - 1945)65، أعدّه في نهاية الثلاثينيات حول "التعليم الرسمي العربي - الإسلامي في الجزائر"66، لاحظ أنّ التعليم في المساجد والمدارس الذي يقوم به المتخرّجون في المدارس الثلاث قد أعطى نتائج إيجابية في عمالة وهران، ونافس المدارس الإصلاحية، لكنه لم يحقق أهدافه في عمالة قسنطينة. ولتصحيح الوضع وتحسين أداء التعليم الرسمي، اشترط حصول المُدرسين على شهادة الدراسات العليا التي تمنح من مدرسة الجزائر، وعدم التوظيف خارج المدارس "الرسمية". واقترح أيضًا زيادة ساعات العمل في هذه المدارس، ملاحظًا أنّ المقابل الساعيّ قليل جًّدًا مقارنة بالساعات التي يؤدّيها المُدرس في مدارس جمعية العلماء، مستنتجًا أنّه، بهذه الطريقة، يمكن الاستجابة لرغبة أولياء الطلبة ومواجهة التعليم العربي الحرّ عند المعلّمين "الباديسيّين"، وهو تعليم مُعادٍ للفرنسيين ومُكلف67. اقترح بيل أثناء حديثه عن مهمّة المراقبة توسيعها لتشمل المدرّسين في المساجد والمدارس القرآنية، وتكليف المفتّش، فضلًا عن مهمّته في مراقبة التعليم، بجمع معلومات حول النشاطات السياسية والدينية والاجتماعية للشُعَب "الباديسية"، موضّحًا أنّ على المفتش إرسال تقريرٍ سنوي حول سير المدارس وأداء المُدرّسين، وتقريرٍ آخر سرّي حول المدارس الحرّة والشُعَب الباديسية68. واقترح أن تُسند هذه المهمّة إلى موظف من أصل فرنسي قاطن في الجزائر وضليع في اللغة العربية، وهو لا يرى شخصًا آخر أولى بهذه الوظيفة من السيّد هنري بيراس Pérès Henri (1890 - 1983)69 الأستاذ في كلية الآداب في جامعة الجزائر آنذاك70. ويبدو من هذا التقرير، وغيره، أنّ الجانب السياسي قد طغى على الجانب التربوي، وأنّه - منذ تأسيس جمعية العلماء - أصبح هَمّ القائمين على هذه المدارس هو حمايتها من منافسة المدارس الإصلاحية. وذهب إميل جانيي، في الاتجاه نفسه؛ فبحسب رأيه، جاء مرسوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1944 لتدعيم المدارس ورفع سنوات الدراسة فيها إلى ستّ سنوات، وكان يهدف إلى تحسين التعليم العربي بطريقة تؤدّي إلى تقوية صفّ معارضة الإصلاحيين71. وبرّر
صدور هذا المرسوم بأنه "ابتداءً من سنة 1933 عقّد العلماء الإصلاحيّون المشكلة عندما أعطوا قوّة جديدة لمشاعر الإعجاب بالثقافة الإسلامية التقليدية، التي كانت منتشرة بين الجماهير"72. ولذلك، يبدو واضحًا من هذه التقارير أنّ من بين أهداف الإصلاحات التي أُدخلت على المدارس تقويتها وإبعاد طلبتها عن التأثير الخارجي. فهل نجح المشرفون على هذه المدارس في مهمّتهم بإبعاد الطلبة عن التطوّرات السياسية والثقافية التي شهدتها الجزائر في النصف الأوّل من القرن العشرين؟
خامسًا: طلبة المدارس بين المتطلبات الرسمية والمشاعر الوطنية
امتاز الوسط المدرسي بتفتّحه على المجتمع والوسط الجغرافي والاجتماعي الذي كان يؤوي هذه المدارس التي لم يكن طلبتها يخضعون للنظام الداخلي الصارم الذي كان ينظّم مؤسسات تعليمية أخرى، فقد أصبح طلبة المدارس، منذ نهاية القرن التاسع عشر، يتمتّعون بالنظام الخارجي الذي يمكّنهم من الخروج من المدرسة يومًّيًا. وفضلًا عن ذلك، كان هؤلاء الطلبة يتناولون وجباتهم الغذائية خارج المدرسة، وبذلك كان في إمكانهم التواصل باستمرار مع محيطهم الاجتماعي والثقافي. ثمّ إنّ هذه المدارس لم تكن منعزلة، فهي لا تقع في أطراف المدينة، بل في وسطها، وحتى في قلب المدن العتيقة الثلاث. وقد امتاز الوسط المدرسي بتنوّع مشاربه الثقافية والأيديولوجية واختلاف ولاءاته السياسية، لذلك تشعّبت توجهاته وتطوّرت مواقفه مع التطوّرات السياسية في الحركة الوطنية الجزائرية. ويمكن تقسيم طلبة المدارس إلى ثلاث فئات كبرى، هي: الباحثون عن الاندماج، والراغبون في التعاون مع المستعمر، والملتزمون بالتيّار الوطني. وقد امتازت الفترة الأولى (1850 - 1900) بالغموض بسبب غياب الوعي السياسي الجماعي والفكرة الوطنية لدى الجزائريين. ومع مطلع القرن العشرين، بدأت تبرز ملامح النخبة المدرسية المدافعة عن الاندماج ممثّلةً في بعض الشخصيات؛ من أمثال الشريف بن حبيلس، ومحمد صوالح، وعبد القادر حاج حمو. ومع تبلور الفكرة الوطنية بدايةً من العشرينيات، مع الأمير خالد والشيخ عبد الحميد بن باديس، وبروز المطالب الوطنية الاستقلالية مع مصالي الحاج، تبنّى العديد من طلبة المدارس الأفكار الإصلاحية والوطنية وأصبحوا من المروّجين لها. ومن أبرز هؤلاء مالك بن نبي، ومولاي مرباح الذراع اليمنى لمصالي الحاج (في صراعه لاحقًا مع اللجنة المركزية)، والعقيد لطفي قائد الولاية التاريخية الخامسة (1958 - 1960)، ومصطفى الأشرف. وما بين هذا التيار والتيار الاندماجي نجد الأغلبية "الصامتة" من المَدرسيّين الذين حافظوا على شخصيّاتهم وكياناتهم من دون أن يتنكّروا لفرنسا وثقافتها. والشخصيات المدرسية التي تبنّت هذا المنهج كثيرة، ويمكن أن نذكر منها الأمين العمودي، الأمين العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومحمد الحاج صدوق (1907 - 2000)، الأستاذ في كلية الجزائر ومدير الثانوية الفرنسية - الإسلامية في الجزائر، بعد تحويل المدارس إلى ثانويات (1951)، والذي صار مفتشًا عاًّمًا للتعليم العمومي في باريس حتى وفاته. وما يمكن ملاحظته في موضوع التوجه السياسي والفكري لطلبة المدارس هو قلة الكتابات والشهادات التي تركوها، على عكس طلبة مدرسة بوزريعة للمعلمين73 الذين انتظموا في جمعيات وأندية ثقافية، وأسّسوا جرائد خاصة بهم، وكانوا يتقاسمون المشارب الثقافية والفكرية نفسها تقريبًا. وقد يعود ذلك إلى عدة أسباب منها أنّ عدد المعلّمين كان أكبر كثيرًا من عدد خرّيجي المدارس الذين كانت وظائفهم متعددة وشبه رسمية أيضًا؛ ما يحتّم عليهم نوعًا من التحفظ. لهذا، لم يلقَ طلبة المدارس، إلى وقت قريب، الاهتمام اللازم من جانب الباحثين. أمّا من جانب الذين عايشوا هذه المدارس، فقد جاءت أولى الشهادات من مالك بن نبي في مذكّراته (1971) حول مدرسة قسنطينة، وفي وقت متأخّر (1998) من مصطفى الأشرف
حول مدرسة الثعالبية في الجزائر. لقد قدّم مالك بن نبي وصفًا دقيقًا عن علاقة الوسط المدرسي بمحيطه الاجتماعي والسياسي، وسجّل الحياة الطّلابية كما عايشها إبّان السنوات الأربع التي قضاها في مدرسة قسنطينة؛ ففي كتابه مذكرات شاهد للقرن، يروي يوميّاته المدرسية داخل جدران المدرسة وخارجها، ويحدّثنا عن الطرق المؤدية إلى بعض أماكن تجمّع الطلبة، كالمقاهي والمطاعم والمكتبات، التي يتحدّث عنها بإسهاب. وبحسب مالك بن نبي، فإنّ طلبة المدارس، أو على الأقل مجموعة منهم، كانوا متفتّحين على محيطهم الاجتماعي والسياسي، وخاصة على رجال الإصلاح. وفي السنة الدراسية الأولى (1921 - 1922) من التحاقه بالمدرسة، بدأ يلتقي طلبة الشيخ عبد الحميد بن باديس، ويذكر أنّه كان يتقاسم معهم التوجّه نفسه، وهو الإحساس الذي لم يكن لديه - بحسب رأيه - في لقاءاته مع الطلبة المسلمين في ثانوية قسنطينة آنذاك. ويؤكد أنّ معرفته بطلبة بن باديس قد أشعرته بأنهم كانوا ينتمون إلى "العائلة الروحية" نفسها، وهي "العائلة" التي ستحمل بعد ذلك اسم الإصلاح. ثمّ يذكر مالك بن نبي أنه هو وسائر الطلبة كانوا يهتمّون بمظهر بن باديس أثناء مروره أمام مقهى بن يمينة متوجّهًا إلى مكتبه، ويضيف أنهم كانوا يشعرون بأن أفكارهم كانت أقرب إلى بن باديس منها إلى أستاذهم في المدرسة المولود بن الموهوب (1866 - 1939)74، ويفسر ذلك بتموقع بن باديس خارج الإطار الاستعماري75. وقد يعود السبب أيضًا إلى تولّي بن الموهوب وظيفة الإفتاء في ناحية قسنطينة، وهي وظيفة رسمية تحت إشراف الإدارة الاستعمارية من حيث التعيين والإشراف والمرتّب. ومن الأسباب التي قد تكون رسخت في أذهان هؤلاء الطلبة أيضًا، والتي كانت متداولة وما زالت كذلك إلى اليوم، شعورهم بأنّ بن باديس كان ضحية لهذه الإدارة التي كان يمثّلها بن الموهوب، المفتي الرسمي، الذي ربّما يكون منع بن باديس من التدريس في الجامع الكبير سنة 191376. وما يؤكد قوة العلاقات بين طلبة المدرسة وطلبة بن باديس، أيضًا، شهادة محمود بوزوزو (1918 - 2007)77، مدير جريدة المنار (1951 - 1953)، الذي تابع تعليمه في مدرسة قسنطينة في الثلاثينيات؛ فهو يذكر أنّه كثيرًا ما كان يتردّد على الجامع الأخضر لحضور دروس بن باديس في التفسير، وأنّه "انعقدت بينه وبين بعض طلابه (طلاب بن باديس) والأساتذة المساعدين له صداقة خالصة لا يزال يحتفظ بها، ويعتبر الأيام التي قضاها بصحبتهم أسعد أيام شبابه"78. وقد كان هؤلاء الطلبة يغامرون بأنفسهم أحيانًا، ويتضامنون مع ضحايا السياسة الاستعمارية. ومن أمثلة ذلك لقاءٌ جمعهم بأحمد توفيق المدني79 الذي أبعدته سلطات الحماية سنة 1925 من تونس؛ إذ رافقه مالك بن نبي وبعض زملائه إلى محطة القطار في قسنطينة للتوجّه إلى مدينة الجزائر، متحدّين بذلك الشرطة التي
كانت تراقبهم وتسجّل أسماءهم80. وقد تكون هذه العلاقات المتميزة بين المَدرسيّين وجمعية العلماء هي التي دفعت، في نهاية الأربعينيات، طلبة مدرسة قسنطينة إلى الاستعانة بجريدة البصائر، لسان حال الجمعية، للتنديد بتصرّفات مدير مدرستهم81. ولم يكن طلبة المدارس يميلون إلى التوجّه الإصلاحي فحسب، بل كان لهم توجّه وطني أيضًا؛ إذ كانوا يتابعون أخبار الحركة الوطنية ومطالبها وانتقاداتها للسياسة الاستعمارية؛ فبحسب مالك بن نبي، كانوا يهتمّون بالمواجهة التي كانت تدور بين الأمير خالد والنائب ورئيس بلدية قسنطينة إميل Morinaud Emile (1865 - 1952)82، وكانوا ينتظرون صدور جريدة الإقدامللأمير خالد، وجريدة Constantine de Républicain Le لمورينو، كلّ أسبوع، لتتبّع أطوار هذه المواجهة83. وبحسب شهادة بن نبي، فإنّ أفكار الأمير خالد وكتاباته لقيت صدى قوًّيًا لدى طلبة المدرسة، فكانت "تعصف بأفكارهم وبمشاعرهم"84. والظاهر أنّ المدرسيّين لم يكونوا منفتحين على التوجّهات الإصلاحية والوطنية فحسب، بل كانوا أيضًا يتابعون مختلف وسائل الإعلام المتاحة لهم آنذاك، خاصة المنتقدة منها للنظام الاستعماري. ويذكر بن نبي أنّه كان يطالع العديد من الجرائد، ومنها ما كان ذا توجّه شيوعي مثل Humanite ' L الناطقة باسم الحزب الشيوعي الفرنسي، و Sociale Lutte La، والإقدام، و Etendard ' L. وممّا لا شكّ فيه أنّ مختلف هذه المطالعات قد فتحت عقولهم وأعينهم على مشكلات العصر، خاصّة المشكلة الاستعمارية؛ فمعارضة جريدة الإقداممثلًا لمصادرة أراضي الفلاحين، والأرقام التي كانت تقدّمها في ما يخصّ المساحات التي كانت تعطى للمستوطنين، وإحصائيات الأطفال الجزائريين غير المتمدرسين، كانت تذهل بعض هؤلاء الطلبة85. ولم يكن اهتمام المدرسيّين منصًّبًا على المشكلات الداخلية فحسب، بل كانوا يتابعون أيضًا القضايا الراهنة لعصرهم، فإضافةً إلى اهتمامهم بأحداث الدولة العثمانية والصراع الذي كان يدور بين مصطفى كمال أتاتورك والحلفاء، والإعجاب الشديد الذي كانوا يبدونه تجاه "منقذ" تركيا الحديثة، كانوا يتابعون عن قرب أيضًا حرب الريف، التي كانت تشنّها فرنسا وإسبانيا ضدّ البطل محمد بن عبد الكريم الخطّابي. وكانت أخبار هذه الحرب تصل إليهم عن طريق الجرائد الأهلية والفرنسية، فقد كان الوسط المدرسي، بحسب مالك بن نبي، يتابع أخبار هذه الحرب، ويناقشها في مقهى بن يمينة، وهو المقهى الذي كان يتردّد إليه طّلاب المدرسة، وكانوا يتحمّسون لهذه الحرب، حتى إنّ منهم من كان يتوق إلى المشاركة في المقاومة إلى جانب الخطّابي86. أمّا مصطفى الأشرف، المتخرّج في مدرسة الجزائر بقسميها العادي والعالي، التي دخلها في بداية الثلاثينيات، فيروي لنا، في مذكّراته أسماء وأماكن: مذكرات جزائر منسية87، تجربته المدرسية منذ التحاقه سنة 1934 بالمدرسة الثعالبية، التي كان والده
أيضًا قد درسَ فيها في نهاية القرن التاسع عشر. وبشأن علاقة طلبة المدارس بأساتذتهم الجزائريين، يذكر الأشرف أنّه كان يوجد نوع من "التواطؤ الخفيّ أو المعلن مع تلامذتهم، وضدّ الوصاية البيروقراطية الأجنبية"88، وبذلك كان من الصعب على الفرنسيين معرفة ما يدور في أذهان هؤلاء الأساتذة والطلبة. وفي هذا الشأن كان مدير أكاديمية الجزائر قد أشار، في تقريره للحاكم العامّ، إلى صعوبة مراقبة هذه المدارس، خاصّة في مرحلتها الأولى عندما كان كلّ أساتذتها من الجزائريين: ف "مراقبة السلطات العسكرية لهذه المدارس كانت عبارة عن سراب، فالدروس كانت تقام على نحو مغلق بعيدًا عن أسماعنا. والروح الإسلامية هي التي كانت تُنشّط هذه المدارس بعيدًا عن أي تأثير آخر"89، وهو الأمر الذي حاولت "الإصلاحات" اللاحقة معالجته. وفي ما يخص الوعي الوطني لدى أساتذة المدرسة، يذكر مصطفى الأشرف، من وجهة نظر الباحث لا الشاهد، أنّ أساتذة الثعالبية؛ مثل عبد القادر المجاوي (1848 - 1914)، وعبد الحليم بن سماية (1866 - 1933)، ومحمد السعيد بن زكري (1851 - 1914)، ومحمد بن أبي شنب (1869 - 1929)، كانت لهم ثقافة واسعة وشخصية قوية، ويضيف أنّ المجاوي كان معروفًا بمعاداته للإدماج منذ سنة 1887. وعن ميولهم الوطنية يقول: "إذا لم يكونوا قبل فترة الثلاثينيات حتى الأربعينيات كلّهم وطنيّين، بحسب موضة ذلك العصر، فقد كان لهم شعور وطني حقيقي، وكانوا ملتزمين يحبّون مصلحة بلدهم ويخدمونه بجد في ميدان التعليم"90. وفي ما يخص علاقة طلبة المدارس بالمحيط الاجتماعي والسياسي لفترة الثلاثينيات، يذكر الأشرف أنّ الاحتكاك مع قوى الحركة الوطنية قد جرى إبّان سنة 1936 والفترة 1938 - 1939، أثناء تأسيس حزب الشعب الجزائري، وكان ذلك داخل المقاهي والمطاعم "الأهلية". وقد بدأ الأمر أولًا بالحديث إلى مسؤولي هذا التيار، ثمّ المساهمة بالكتابة في جرائدهم السرّية. وقبل ذلك، يضيف أنه كان يقرأ هو وزملاؤه سريّا جريدة الأمة، الناطقة باسم نجم شمال أفريقيا91. ويبدو أنّ الوعي السياسي الوطني الذي عرفته الجزائر ابتداءً من نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 1942، بنزول الحلفاء في شمال أفريقيا وسقوط هيبة فرنسا، منذ انهزامها السريع أمام الألمان في حزيران/ يونيو 1940، قد شجّع الجزائريين على الانخراط في مطالب أكثر راديكالية، بصدور بيان الشعب الجزائري في 10 شباط/ فبراير 1943، وتشكيل حركة أحباب البيان والحرية في 14 آذار/ مارس 1944. وقد انعكس ذلك أيضًا على طلبة المدارس، وهو ما يشير إليه أحد التقارير الذي جاء فيه: "في سنة 1944 تشكّلت حركات سياسية داخل المدارس. يبدو أنّه كانت بينهم كلمة سر: ففي الوقت نفسه يتظاهر - من قسنطينة إلى الرباط - طلبة المدارس والمعاهد الإسلامية ضدّ الفرنسيين، ففي قسنطينة والجزائر استغلّ هؤلاء الصحافة وعاتبوا الحكومة على عدم معاملتهم مثل تلاميذ الثانويات والمعاهد الفرنسيين". وبحسب التقرير نفسه، أسّس طلبة مدرسة تلمسان تنظيمين سرّيين، الأوّل شعبة تابعة للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، والآخر فرع للكشّافة الإسلامية الجزائرية92. وقد تكون هذه الأسباب الأخيرة، المتعلقة بالتطوّر السياسي السريع وضغط الحركة الوطنية، ونقص الإقبال على هذه المدارس والتوجّه إلى التخصّصات الجامعية الأكثر جاذبية للحاجة إليها في سوق العمل، هي التي دفعت السلطات الفرنسية سنة 1951 إلى تحويل هذه المدارس - بعد قرن من إنشائها - إلى ثانويات للتعليم العامّ تحت مسمّى الثانويات الفرنسية – الإسلامية، وقد تخرّج فيها عدد من خيرة مزدوجي اللغة من الطلبة الجزائريين.
خاتمة
يتبيّن لنا أنّ أصل المدارس في الجزائر يعود إلى قرون عديدة سابقة للاحتلال الفرنسي للجزائر، وأنّ فرنسا أنشأت في البداية مدارس للتعليم العمومي، خاصّة بالجزائريين المسلمين من أجل فرنَسة المجتمع وإدماجه تدريجًّيًا. لكنّ عزوف الجزائريين عن هذه المدارس دفع السلطات الاستعمارية إلى اتباع سياسة التقرّب لاحتواء العناصر "الأهلية"، باعتماد المدارس العربية العليا، الموجودة أصلًا، منطلقًا لمشروعها حتى تكون "همزة وصل" بينها وبين نخبة المجتمع الجديد الذي عملت على تشكيله على أنقاض المجتمع القديم. ويظهر من التقارير الصادرة عن الهيئات الرسمية الفرنسية، وعن المشرفين على هذه المدارس، أنّ غرضهم قد كان في البداية إبعاد النفوذ الداخلي المتمثّل في مدارس الزوايا، والتأثير الخارجي المتمثّل في الجامعات الإسلامية التي كانت تستقطب الجزائريين، ثمّ تحوّل إلى التصدّي لدعاية الحركة الوطنية، وخاصة الحركة الإصلاحية منها، التي أصبحت مدارسها تنافس هذه المدارس وتشكّل خطرًا على أهداف السياسة الثقافية الاستعمارية منذ ثلاثينيات القرن العشرين. لكنّ هذه المدارس الرسمية التي عوّلت عليها فرنسا لتكون حلقة وصل بينها وبين الجزائريين المسلمين، لم تؤدّ الدور الذي خطّطته السياسة الاستعمارية لها، فقد عانت توجّس الجزائريين منها منذ البداية وتجاهل المستوطنين لها، ثمّ تعرضت لمنافسة معاهد وثانويات التعليم العامّ الفرنسية العصرية التي تزايد إقبال الجزائريين عليها بمرور الوقت، وكان المتخرّجون فيها أحسن ح لًا من حيث المكانة الاجتماعية وفرص التوظيف ومستوى المرتبات. وقد ساهمت هذه العوامل، إلى جانب عوامل أخرى، في تراجع جاذبية المدارس الثلاث قبل أن تصطدم بدعاية الحركة الوطنية والإصلاحية المتزايدة في العقدين الأخيرين من وجودها. ويمكن القول، أيضًا، إنّ هذه المدارس قد سارت في نهايتها على عكس التوجّهات والأهداف التي رُسمت لها، وأنها لم تؤِّدّ الدور الذي كانت تنتظره السلطات الاستعمارية منها، وهو أن تكون حلقة وصل بين فرنسا والمجتمع الجزائري المسلم؛ فقد تحوّلت، بفعل احتكاك تلامذتها بطلبة المعاهد والكليات الجامعية، إلى مكان للدعاية السياسية، وبرز العديد من خرّيجيها في الحركة الوطنية والثورة التحريرية. وقد ساهموا أيضًا بعد الاستقلال، في المجالين السياسي والثقافي، في إرساء دعائم الدولة الجزائرية الجديدة93. ومع ذلك، ما زالت هذه المدارس، في نظر العديد من الجزائريين، محسوبة على النظام الاستعماري، ويُنظر إلى أساتذتها وطلبتها بنوع من الريبة94، وقد أُلصق بهم أحيانًا وصف "المتعاونين" مع المستعمر، خاصّة بالنسبة إلى الذين لم يستجيبوا لنداء 19 أيّار/ مايو 1956 (نداء 19 ماي)، الذي دعا كَّلَ الطلبة إلى ترك مقاعد الدراسة والالتحاق بالثورة؛ ذلك لأنّ معيار الوطنية قد تحدّد لدى الجزائريين بالمشاركة في الثورة أو عدمها، وهو الأمر الذي نصّت عليه النصوص التشريعية والقرارات السياسية منذ الاستقلال ورسّخته شيئًا فشيئًا. وتبقى هذه المسائل وما يتفرّع عنها مج لًا للتفكير والبحث متى توافرت لها المادّة الوثائقية والشهادات الحيّة.
المراجع
العربية
الأشرف، مصطفى. أسماء وأماكن: مذكرات جزائر منسية. الجزائر: دار القصبة للنشر، 2011.
بن باديس، عبد الحميد. "كلمة عن الجامع الأخضر عمره الله". الشهاب. مج 14، ج 4 (ربيع الثاني-جمادى الأول 1357 ه/ حزيران/ يونيو-تموز/ يوليو 1938).
بوتريد، عائشة. "التعليم العربي الحرّ ومؤسّساته من 1947 إلى 1962، قسنطينة نموذجًا". رسالة ماجستير. جامعة منتوري. قسنطينة، جغلول، عبد القادر. تاريخ الجزائر الحديث: دراسة سوسيولوجية. ط 3. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية؛ بيروت: دار الحداثة، 1983.
حزب جبهة التحرير الوطني. الطريق إلى نوفمبر كما يرويها المجاهدون: المقاومة الوطنية والحركات السياسية حتى ليلة نوفمبر 1954. الجزائر: ديوان المطبوعات الجزائرية، [د. ت.].
حيمر، عبد الوهاب. "طلاب المدارس الشرعية المسار العلمي والعملي (1850 - 1962)". أطروحة دكتوراه. جامعة عبد الحميد مهري. قسنطينة، 2022.
خليل، كمال. "المدارس الشرعية الثلاث في الجزائر: التأسيس والتطور 1850 - 1951 ". رسالة ماجستير. جامعة منتوري. قسنطينة، زرهوني، الطاهر. التعليم في الجزائر قبل وبعد الاستقلال. الجزائر: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، 1993.
سعد الله، أبو القاسم. أفكار جامحة. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986.
________. تاريخ الجزائر الثقافي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.
السيّد، رضوان. "حوارية الجامع والمدرسة والجامعة". الفكر العربي. العدد 20 (آذار/ مارس-نيسان/ أبريل 1981).
صاري، أحمد. "ابن الموهوب: حياته وعصره". مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية العدد 9 (تموز/ يوليو 2001).
صاري، جيلالي. " مخطوطات قسنطينة ومصيرها بعد سقوط المدينة في سنة 1837 ". مجلة الثقافة (الجزائر). العدد 80 (آذار/ مارس–نيسان/ أبريل 1984).
فرحات، محمّد. "المدرسة الإسلامية خارج المسجد، البدايات والوظيفة والعلم: ثلاثة كتب للدكتور ناجي معروف". الفكر العربي. العدد 20 (آذار/ مارس-نيسان/ أبريل 1981).
قشي، فاطمة الزهراء. قسنطينة في عهد صالح باي البايات. قسنطينة: ميديا بلوس، 2005.
لعرج، عبد العزيز. "المدارس الإسلامية: دواعي نشأتها وظروف تطوّرها وانتشارها". دراسات إنسانية (جامعة الجزائر). العدد 1 (2001).
________. "مدرسة العباد (سيدي أبي مدين): نموذج للمدارس الإسلامية بالمغرب العربي". دراسات إنسانية (جامعة الجزائر). العدد 2 (2002).
معروف، ناجي. نشأة المدارس المستقلة في الإسلام. بغداد: مطبعة الأزهر، 1966.
هالم، هاينز. "أصول المدرسة في الإسلام". الفكر العربي. العدد 20 (آذار/ مارس-نيسان/ أبريل 1981).
الأجنبية
Académie d'Algér. Rapport à Monsieur le Gouverneur Général sur les Médersas. Exposé historique et juridique.
Archives Nationales d'Outre-Mer (ANOM). Aix-en-Provence (Janvier 1924).
Ageron, Charles Robert. Histoire de l'Algérie Contemporaine , tome II: De l'insurrection de 1871 au déclenchement
de la guerre de libération (1954). Paris: PUF, 1979.
________. Les Algériens Musulmans et la France (1871-1919). Paris: PUF, 1968.
Arab, Abdelhamid. "Les Manuscrits Algériens sous la colonisation française." Dirassat Insania. no. 1 (2001).
Arkoun, Mohammed et al. Histoire de l'Islam et des Musulmans en France du Moyen âge à nos Jours. Paris: Albin
Michel, 2006.
Assemblée Financières Algériennes. Session Ordinaire de mai-juin, 1925. Alger: Impr. Nord-Africaines, 1925.
Bel, Alfred. Note sur l'Enseignement Officiel Arabo-Musulman en Algérie (Mouderrès et Médersas). Archives
Nationales d'Outre-Mer (ANOM) (1948). Côte 14 H 41
Bennabi, Malek. Mémoires d'un Témoin du Siècle. 2 nde ed. Alger: ENAL, 1990.
Berbrugger, Adrien. "Un bibliothécaire en Campagne (1836)." Revue Africaine. no. 68 (1927).
Cambon, Jules. Le Gouvernement Général de l'Algérie 1891-1897. Paris: E. Champion, 1918.
Carrefours Sahariens: Vues des Rives du Sahara. Alger: CRASC, 2016.
Colonna, Fanny. Instituteurs Algériens 1883-1939. Alger: Office des Publications Universitaires, 1975.
Direction des Affaires Indigènes. Note pour Mr. Le Gouverneur Général. Archives Nationales d'Outre-Mer
(ANOM). 14 / 12 / 1923. côte 8 X 414.
________. Note pour monsieur Le Gouverneur Général. Archives Nationales d'Outre-Mer (ANOM). 13 / 5 / 1924.
Côte 8 X 414.
________. Note pour Mr. Le Gouverneur Général. Archives Nationales d'Outre-Mer (ANOM). 13 / 12 / 1924. Côte
8 X 414.
Gouvernement Général de l'Algérie. Exposé de la Situation générale de l'Algérie. Alger: Imprimerie Victor Heintz,
[n. d.].
Janier, Emile. "Les Médersas Algériennes." Centre des Hautes Etudes d'Administration Musulmane (CHEAM).
Lacheraf, Mostefa. Des Noms et des lieux: Mémoires d'Une Algérie Oubliée. 2 nde ed. Alger: Casbah Editions, 2003.
Medersas 1851-1884 , Rapport du Conseil de surveillance et de perfectionnement. Archives Nationales d'Outre-Mer
(ANOM). Aix-en-Provence (1855). Côte 24 S 1.
Montoy, Pierre Louis. La Presse dans le Département de Constantine 1870-1918. Marseille: Université de Provence,
Pervillé, Guy. Les Étudiants Algériens de l'Université Française 1880-1962. Alger: Casbah Editions, 1997.
Pouillon, François (dir.). Dictionnaire des Orientalistes de Langue Française. Paris: IISMM-Karthala, 2008.
Poulard, Maurice. L'enseignement pour les indigènes en Algérie. Alger: Imprimerie Administrative - Gojosso,
Rey-Goldzeiguer, Annie. Le Royaume arabe: La politique algérienne de Napoléon III, 1861-1870 Alger: Société
Nationale d'Edition et de Diffusion, 1977.
Tablit, Ali. "British Opposition to the French Expedition Against Algiers (1830)." Dirassat Insania. no. 1 (2001).
Tengour, Ouanassa. "La fin des Médersas ou la raison d'une aventure coloniale: Tlemcen et Constantine 1850-1880."
Unité de Recherche en Anthropologie Sociale et culturelle (URASC). Université d'Oran (n. d.).
Turin, Yvonne. Affrontements culturels dans l'Algérie coloniale: Écoles, médecines, religion, 1830-1880. Alger:
Entreprise Nationale du Livre, 1983.
Urbain, Ismayl. Note sur l'Instruction Publique Musulmane. Archives Nationales d'Outre-Mer, Aix-en-Provence
(ANOM) (1948). Côte 12 X 71.
Weiler, A. Les Médersas d'Algérie. Centre des Hautes Etude d'Administration Musulmane (CHEAM). 19 / 12 / 1941.