العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الكلام المعتزلي بصفته عابرًا للأديان: في البحث تطالعيًا وسياقيًا عن توجه معتزلي مسيحي

الكلام المعتزلي بصفته عابرًا للأديان: في البحث تطالعيًا وسياقيًا عن توجه معتزلي مسيحي

Mu'tazilite Kalām as a Trans-religious Phenomenon: A Contextual and Observational Search for a Christian Mu'tazilite Orientation

نجيب جورج عوض*Najib

George Awad

الملخّص

تحاول هذه الدراسة النظر في الدراسات المعاصرة عن المعطيات المتوافرة عن المعتزلة في العصر العباسي، وتتقصى محاولة فحص تلك المعطيات من أجل رؤية إذا ما كانت تجيز لنا اعتبار الاعتزالية نموذجًا تاريخيًا عن وجود فضاء فكري عام واشتمالي عابر للأديان والطوائف يتجاوز حدود الانتماءات الدينية التقسيمية والمغايرة. وتحاول أيضًا أن تقترح أنه إذا كانت فكرة الاعتزال قد طمحت إلى تجاوز الانتماءات الدينية، وإن كانت كلمة "معتزلية" تسمى حالة تآلف عقلاني وفلسفي - لاهوتي معيّن طمح إلى تجاوز الانتماءات الدينية المتنوعة من دون أن يجبر أنصار هذا التآلف (المعتزلة) على التخلي عن إيمانهم الديني أو التحول إلى أشخاص لادينيين، فإنه يمكن المرء أن يتحدث عن "معتزلية مسيحية"، أو عن ظاهرة كلامية معتزلية تتفشى ضمن المسيحية، مثلما نتحدث عن "معتزلية إسلامية" و"معتزلية يهودية".

هذه الدراسة هي النواة الفكرية الأولى للمشروع البحثي الأوسع الذي أعمل عليه بالإنكليزية منذ صيف 2021 والذي سينتج منه في مطلع عام 2024 كتاب كامل بالإنكليزية عنوانه المبدئي بالترجمة العربية: اعتزالية مسيحية؟ دراسة حالة التطالع ما بين الكلام المسيحي والإسلامي خلال العصر العباسي المبكر. أود هنا أن أعبّر عن امتناني للصديقة البروفسورة ساندرة كيتينغ Keating Sandra لقراءتها الدقيقة والمتأنية للمسودة الأولى لهذه الدراسة وللرسالة الالكترونية المليئة بالأفكار والتساؤلات العميقة والمستفزة فكريًا التي تكرمت وأرسلتها إليّ للتعليق على تلك المسودة. أنا شاكر أيضًا لزميلي السابق البروفسور المتقاعد يحيى ميشو Michot Yahya، الذي كرس جزءًا من وقته الثمين لقراءة المسودة نفسها والتعليق عليها.

Abstract

This paper examines contemporary studies of the extant data on the Mu’tazilite sect of Islam during the Abbasid era to investigate whether or not Mu’tazilism can be seen as a historical model of an intellectual sphere that was trans-religious, cross-confessional and rose above divisive and “othering” boundaries of religious affiliation. The paper proposes that if the concept of īʿtizāl indeed aspired to transcend religious affiliations, and if the term muʿtazaliyya refers to a particular state of intellectual, philosophical-theological affinity that aimed to overcome diverse religious affiliations without forcing its adherents to give up their own religious beliefs or to become non-religious, it is therefore valid to speak of a “Christian muʿtazaliyya”, or a phenomenon of Mu’tazilite kalām (theology) permeating Christianity, just as one may speak about “Muslim Mu’tazilism” and “Jewish Mu’tazilism”.

الكلمات المفتاحية:
  • المعتزلة
  • علم الكلام
  • العصر العباسي
  • المعتزلية المسيحية
Keywords:
  • Mutazilite
  • kalam
  • christian Mutazilism
  • Abbasids

الكلام المعتزلي بصفته عابرًا للأديان: في البحث تطالعيًا

وسياقيًا عن توجه معتزلي مسيحي** Mu'tazilite Kalām as a Trans-religious Phenomenon: A Contextual and Observational Search for a Christian Mu'tazilite Orientation

تحاول هذه الدراسة النظر في الدراسات المعاصرة عن المعطيات المتوافرة عن المعتزلة في العصر العباسي، وتتقصى محاولة فحص تلك المعطيات من أجل رؤية إذا ما كانت تجيز لنا اعتبار الاعتزالية نموذجًا تاريخيًا عن وجود فضاء فكري عام واشتمالي عابر للأديان والطوائف يتجاوز حدود الانتماءات الدينية التقسيمية والمغايرة. وتحاول أيضًا أن تقترح أنه إذا كانت فكرة الاعتزال قد طمحت إلى تجاوز الانتماءات الدينية، وإن كانت كلمة "معتزلية" تسمى حالة تآلف عقلاني وفلسفي - لاهوتي معيّن طمح إلى تجاوز الانتماءات الدينية المتنوعة من دون أن يجبر أنصار هذا التآلف (المعتزلة) على التخلي عن إيمانهم الديني أو التحول إلى أشخاص لادينيين، فإنه يمكن المرء أن يتحدث عن "معتزلية مسيحية"، أو عن ظاهرة كلامية معتزلية تتفشى ضمن المسيحية، مثلما نتحدث عن "معتزلية إسلامية" و"معتزلية يهودية".

This paper examines contemporary studies of the extant data on the Mu'tazilite sect of Islam during the Abbasid era to investigate whether or not Mu'tazilism can be seen as a historical model of an intellectual sphere that was trans-religious, cross-confessional and rose above divisive and "othering" boundaries of religious affiliation. The paper proposes that if the concept of īʿtizāl indeed aspired to transcend religious affiliations, and if the term muʿtazaliyya refers to a particular state of intellectual, philosophical-theological affinity that aimed to overcome diverse religious affiliations without forcing its adherents to give up their own religious beliefs or to become non-religious, it is therefore valid to speak of a "Christian muʿtazaliyya ", or a phenomenon of Mu'tazilite kalām (theology) permeating Christianity, just as one may speak about "Muslim Mu'tazilism" and "Jewish Mu'tazilism".

Associate Researcher at Universität Bonn, Germany. najeebawad72@gmail.com

هذه الدراسة هي النواة الفكرية الأولى للمشروع البحثي الأوسع الذي أعمل عليه بالإنكليزية منذ صيف 2021 والذي سينتج منه في مطلع عام 2024 كتاب

كامل بالإنكليزية عنوانه المبدئي بالترجمة العربية: اعتزالية مسيحية؟ دراسة حالة التطالع ما بين الكلام المسيحي والإسلامي خلال العصر العباسي

المبكر. أود هنا أن أعبّر عن امتناني للصديقة البروفسورة ساندرة كيتينغ Keating Sandra لقراءتها الدقيقة والمتأنية للمسودة الأولى لهذه الدراسة وللرسالة

الالكترونية المليئة بالأفكار والتساؤلات العميقة والمستفزة فكريًا التي تكرمت وأرسلتها إليّ للتعليق على تلك المسودة. أنا شاكر أيضًا لزميلي السابق البروفسور

المتقاعد يحيى ميشو Michot Yahya، الذي كرس جزءًا من وقته الثمين لقراءة المسودة نفسها والتعليق عليها.

This paper is the intellectual nucleus of a wider research project I have been working on in English since summer 2021 , which is set to result in a book in early 2024 on the same subject, with the working Arabic title of “Aʿtizāliyyah masīḥiyyah? Dirāsah ḥālah al-taṭālluʿ ma bayn al-kalām al-masīḥī wa-al-Islāmī khilāl al-ʿaṣr al-ʿAbbāsī al-mubkir.” I would like to express my thanks to my friend Professor Sandra Keating for her careful and thoughtful reading of the first draft of this study and for the email filled with deep and intellectually stimulating ideas and questions which she graciously sent to me for commentary on that draft. I am also thankful to my former colleague, retired Professor Yahya Michot, who devoted part of his precious time to reading the same draft and commenting on it.

مقدمة: من التوازي إلى المقارنة

يميل الباحثون في الحقل العلمي المعاصر إلى تطبيق مقاربة تقسيمية تحيزية Compartmentalization على دراسات العالم الإسلامي والتاريخ بين-الديني للجماعات التي انتمت إليه. فلطالما يُنظر إلى المسيحيين والمسلمين واليهود الذين عاشوا في

ذاك السياق الإسلامي كأنهم عاشوا في ذاك السياق الوجودي Leben im Sitz باعتبارهم ثلاثة كيانات منفصلة عدائيًا ومتجزئة

على نحو قطعي كلي بعيد عن التواصل والتفاعل، وإن صدف أن تواصل بعضهم مع بعض فإن هذا التواصل لم يأخذ إلا الشكل الدفاعي والتضادي الجدلي. يقترح ديفيد توماس، مثلًا، أن المسيحيين في العالم الإسلامي، على الرغم من أنهم اعتُبروا مفيدين

للحكم الإسلامي بسبب خبراتهم وكفاءاتهم، لم يلقوا الترحيب والاحتضان المجتمعيين اللذين ينبغي أن يتلقاهما الأفراد المتساوون والمتكافئون في المجتمع الواحد الذي لا يفرق بين الأفراد على قاعدة الانتماء الديني. بل إننا نشهد شحذًا حادًا للخطوط المجتمعية

والوجودية الفاصلة بينهم وبين المسلمين من أجل تحجيم وتقييد مشاركتهم الكاملة في مناحي الحياة المختلفة في الخلافة1. يتفق روبرت هويلاند مع قراءة توماس ويقترح أن المسيحيين والمسلمين "بدوا كأنهم عالمان متوازيان، إذ يطفو عالم العرب التخاصمي، القائم على الغزوات والمكون من مجالس عشائرية، فوق عالم مسيحيي الشرق الأوسط، ولا يكاد يتفاعل معه بصورة تتجاوز مسألتي الضرائب وتبادل أسرى الحرب"2. أما مايكل بن فيعلّق على فكرة "العوالم المتوازية" الديالكتيكية الهيغلية النمط بالإشارة إلى ما يلي: تُنحّي معظم عمليات إعادة التشكيل التاريخية لقصة العلاقات الإسلامية - المسيحية جانبًا الكم الهائل من الوثائق القديمة

المتعلقة بالإسلام في ذاته، وتميل معظم الدراسات، بادلًا من ذلك، إلى التركيز على نحو شائع على تلك المواد والنصوص التي يعزز مضامينها غالبًا تصوير التلاقي بين- الديني بوصفه نموذج تضاد وصراع حضارات3. يمثل التقسيم التحيزي المذكور إحدى النتائج الأكاديمية التي ترتبت على الرؤية المذكورة المنتشرة في حقل دراسة الفكر اللاهوتي - الفلسفي في العالم الإسلامي. ولهذا، يجري تصنيف إرث الإسلام المبكر اللاهوتي - الفلسفي وتشطيره وفقًا للانتماء الديني لمؤلفيه وكتّابه. فيعامل الكلام والفلسفة المسيحية والإسلامية واليهودية على حد سواء كخطابات نتجت من ثلاثة نشاطات

معرفية وفكرية منفصلة جرى تطويرها في محاذاة تعاكسية كي تنقل الرؤى الدفاعية التهجمية Polemic والعدائية Antagonizing والمغايرة للذات otherizing - Self التي حملها وتبناها أتباع تلك الأديان الإبراهيمية الثلاثة. وحتى حين يستقصي الباحثون إمكانية وجود تأثر وتأثير متبادلين يمكن كل نسخة من نسخ النشاط الفكري الثلاث أن تكون قد تركتها على النشاطين الآخرين وعلى سيرورة تطورهما، وأن يكون النشاطان الآخران قد تركاها عليها وعلى سيرورة تطورها، إلا أن الباحثين ما ينفكون يتحدثون عن احتمالية تأثير كهذا، وكأنه نتج من تفاعل طرف ديني متفوق مع أطراف أخرى غريبة وخارجية وأدنى مرتبة تقف على التوازي والتضاد معه. من النادر جدًا أن تجري مقاربة النشاط الفكري الإسلامي والمسيحي واليهودي المبكر باعتباره نشاطًا لثلاثة مكونات متساوية للثقافة المشتركة

Koine Cultural نفسها ولمسيرة تشكيل هوية ثقافية واحدة ولسيرورة مشتركة عابرة للأديان. في عام 2018، نشرت سارة شترومسا دراسةً عن الميل البحثي السابق، ناقشت فيها أن الباحثين اليوم يميلون إلى المقارنة بين تراثات المسيحيين والمسلمين واليهود الفكرية في العالم الإسلامي انطلاقًا من اعتبارها ممثلة لأجندات دينية كلية الاستقلالية

1  David Thomas, "Muslim Theologians and Christian Doctrines," in: David Thomas (ed.), Christian Doctrines in Islamic Theology (Leiden/ Boston: Brill, 2008), pp. 1 - 18. 2  Robert G. Hoyland, "Jacob of Edessa on Islam," in: G. J. Reinink & A. C. Klugkist (eds.), After Bardisan: Studies on Continuity and Change in Syriac Christianity in Honor of Professor Han. J.W. Drijvers (Leuven: Peeters, 1999), pp. 149 - 160 , 151. 3  Michael Penn, Envisioning Islam: Syriac Christians and the Early Muslim World (Philadelphia, PA: University of Pennsylvania Press, 2015), p. 2.

  1. David Thomas, "Muslim Theologians and Christian Doctrines," in: David Thomas (ed.), Christian Doctrines in Islamic Theology (Leiden/ Boston: Brill, 2008), pp. 1 - 18.
  2. Robert G. Hoyland, "Jacob of Edessa on Islam," in: G. J. Reinink & A. C. Klugkist (eds.), After Bardisan: Studies on Continuity and Change in Syriac Christianity in Honor of Professor Han. J.W. Drijvers (Leuven: Peeters, 1999), pp. 149 - 160 , 151.
  3. Michael Penn, Envisioning Islam: Syriac Christians and the Early Muslim World (Philadelphia, PA: University of Pennsylvania Press, 2015), p. 2.

والانعزال، ما يعني أن أولئك الباحثين يفشلون في الانتباه إلى الفضاء الثقافي الأوسع وما يكتنزه من معطيات داعمة لفهمنا لوجود تلك الفرق الثلاث خلال العصر العباسي المبكر4. تقترح شترومسا أن مقاربة المساهمات الفكرية (الفلسفية تحديدًا، بالنسبة إلى

شترومسا) للمسيحيين والمسلمين واليهود من زاويةٍ ما يشطرها عن بعضها البعض، وما يصنفها ضد بعضها البعض وفق "إطار منهجي خطي مهيمن" لا تنجح إلا في خلق توازيات ومتحاذيات بين تلك الأديان، وفي اختزال القواسم المشتركة بينها إلى مجرد حالة تشارك تمييزي "بين تراثات ثقافية متباينة"5. ضد هذا النوع من المقارنة التمييزية، تقترح شترومسا منهجية فكرية مقارنة بديلة، وتؤكد أن مصطلح "مقارنة" في المقاربة البديلة يعني معاملة موضوع التساؤل "بوصفه جزءًا لا يتجزأ من كيان كلي واحد". هذا يعني أن "ما يبدو للعيان،

وما يشكّل إلى درجة ما كيانات منفصلة يمثل أيضًا أجزاءً مكونة لكيان واحد لا يمكن استيعابه فكريًا إلا حينما تؤخذ مكونات

هذا الكيان كافة في الاعتبار"6. تعتقد شترومسا أن منهجية المقارنة المقترحة هي المنهجية الأنسب لفهم أصول قصة الفلسفة العربية في العالم الإسلامي: يجب علينا قراءة قصة تلك الفلسفة من زاوية الثقافة الكلية الأوسع، وليس من زاوية "موقف الفيلسوف الفردي المعزول في قلب جماعته [الدينية]"7. ومن ثم، تؤكد شترومسا أن أفضل طريقة لدراسة مؤلفي الفكر الفلسفي هي بالنظر إليهم باعتبارهم فلاسفة ينتمون إلى الثقافة نفسها، بصرف النظر عن تياراتهم الدينية. أما ما يجعل هذه المقاربة مشروعة فهو ما نستخلصه من دراسة النصوص الباقية بين أيدينا، التي تفيد أن "الفلاسفة اليهود والمسلمين والمسيحيين قاربوا المواضيع الفلسفية بأساليب متشابهة على نحو منقطع النظير، كأنهم يعملون في الفضاء الفلسفي عينه"8. وفي الحصيلة، تستنتج شترومسا من هذا أن عزل وبتر جزء شائع من الصورة الدقيقة لتاريخ العالم الإسلامي الفكري المعقد والمتشعب يمكن مقارنته بعملية النظر بعين واحدة: سيكون للصورة الناتجة من هذا التطلع معنى، ولربما تبدو واضحة، إلا أنها ستكون في الحقيقة صورة منقوصة ومسطحة9. يدعوني مقترح شترومسا لطرح التساؤلات التالية: ماذا لو كان ما نمارسه هو التسطيح نفسه والنظر بعين واحدة في معرض دراستنا ظاهرة معرفية مثل الظاهرة المعروفة باسم "الفكر المعتزلي"؟ ماذا لو كنا عالقين في فخ اختزالي وبين براثن فهم خاطئ للميل الاعتزالي يعود إلى إصرارنا على قراءة الاعتزال من زاوية تصنيفية فرزية دينية كفيلة بأن تحبس التراث المعتزلي ضمن حلقة انتماء ديني حصري إقصائية مغايرة للذات؟ ماذا لو كان أولئك الموصوفون بأنهم "معتزلة" هم مفكرين يعطون الأولوية "للتقاليد الفلسفية الأوسع على حساب

4  Sarah Stroumsa, "Comparisons as a Multifocal Approach: The Case of Arabic Philosophical Thought," in: Guy Stroumsa (ed.), Comparative Studies in the Humanities (Jerusalem: Israel Academy of Sciences and Humanities, 2018), pp. 133 - 151 , 141 ;

ينظر أيضًا حول منهجية المقارنة في سياق البحث الأكاديمي في العصر الإسلامي المبكر:

Adam H. Becker, Fear of God and the Beginning of Wisdom: The School of Nisibis and Christian Scholastic Culture in Late Antique Mesopotamia (Philadelphia, PA: University of Pennsylvania Press, 2006). 5  Stroumsa, p. 143. 6  Ibid., p. 146. 7  Ibid., p. 139. 8  Ibid., p. 146 ;

Makram Abbé, "The Andalusian Philosophical Milieu," in: A. Meddeb & B. Stora (eds.), A History of Jewish-Muslim Relations: From the Origins to the Present Day (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2013), pp. 764 - 777.

يشير آبي على نحو مثير للتفكير إلى أن "هناك بُعد مغايرة Alterity يمكن الوصول إليه فقط من خلال تفكيرنا في الآخر بصفته جزءًا من 'النحن:"' 766. p., Ibid؛ ينظر أيضً: ا

Stroumsa, p. 146. 9  Stroumsa, p. 147.

  1. Sarah Stroumsa, "Comparisons as a Multifocal Approach: The Case of Arabic Philosophical Thought," in: Guy Stroumsa (ed.), Comparative Studies in the Humanities (Jerusalem: Israel Academy of Sciences and Humanities, 2018), pp. 133 - 151 , 141 ; Adam H. Becker, Fear of God and the Beginning of Wisdom: The School of Nisibis and Christian Scholastic Culture in Late Antique Mesopotamia (Philadelphia, PA: University of Pennsylvania Press, 2006).
  2. Stroumsa, p. 143.
  3. Ibid., p. 146.
  4. Ibid., p. 139.
  5. Ibid., p. 146 ; Makram Abbé, "The Andalusian Philosophical Milieu," in: A. Meddeb & B. Stora (eds.), A History of Jewish-Muslim Relations: From the Origins to the Present Day (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2013), pp. 764 - 777. Stroumsa, p. 146.
  6. Stroumsa, p. 147.

التطور الداخلي للفلسفة الإسلامية [أو لفلسفة أي دين آخر]؟"10. ماذا لو كان "الاعتزال" تجربةً ثقافية عابرة للأديان تهدف إلى خلق "ثقافة واحدة ديناميكية عقلانية متعددة الأوجه، بادلًا من تقليد إسلامي أو ديني مستقل [ومكتف بذاته]"؟11. أحاول في هذه الدراسة أن أطبّق منهجية المقارنة التطالعية السياقية على "الاعتزال" في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد.

وأبحث في ما إذا كانت المعطيات المتوافرة لدينا حول أولئك العقلانيين المدعوين "معتزلة" تسمح لنا بأن نعتبر ممارسة "الاعتزال" تمثيلًا تاريخانيًا لوجود فضاء فكري - ثقافي مشترك يمضي وراء الانتماءات والولاءات الدينية التقسيمية والتغايرية. وأحاول أن أبين

منطقية ومعقولية افتراض أن لفظة "معتزلي" كانت اسمًا لولاء عقلاني، فلسفي - لاهوتي وثقافي معين أراد أن يسمو فوق الانتماءات

الدينية المختلفة، من دون أن يجبر أتباعه (المعتزلة) على التخلي عن إيمانهم الديني أو يدفعهم ليصيروا لادينيين. قد يكون "الاعتزال"، في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد على الأقل، تجسيدًا لما تدعوه شترومسا "المشترك الثقافي للعالم الإسلامي في التاريخ الوسيط"12.

أولًا: حول "معتزلة" و"اعتزال"

يسود اليوم اعتقاد بين الباحثين مفاده أن "الأبحاث المتعلقة بأصول ومنشأ المعتزلة ما بين مطلع ومنتصف القرن [الثاني للهجرة]/ الثامن للميلاد تبقى شديدة التخمين وعرضةً للطعن والتفنيد"13. يُعتقد أن قابلية التفنيد والطعن تعود إلى طبيعة المصادر

المتوافرة عن المعتزلة: "[تلك المصادر] نادرة، وتعود إلى حقبة تاريخية متأخرة وتتضارب محتوياتها فيما بينها. فأقدم المصادر [بين أيدينا] ينتمي إلى فترة لاحقة لا تقل عن قرن من الزمان عن مرحلة نشوء [الاعتزال]، كما أن الأدلة التي تقدمها هي أدلة تتسع مروحةُ مداها وارتباطها [بالاعتزال] إلى حد بعيد جدًا"، وهي نادرًا ما تكون خاليةً من التحيزات العقائدية14. تعرف كلمة "معتزلة" في موسوعة الإسلام والعالم الإسلاميبأنها تسمية تستخدم "للإشارة إلى شخص ما أو مجموعة من الأشخاص الذين انسحبوا [...] من دائرة الأغلبية في القرن [الثاني للهجرة]/ الثامن للميلاد"، وأن تلك التسمية دلت لاحقًا على

10  Ibid., 140. 11  Ibid., 143.

ينبغي أن ننتبه هنا للدراسات عن العلاقة بين هذا النوع من الثقافة العامة والفكر اللاهوتي المعتزلي من جهة، ومشروع الخليفة المأمون السياسي، الذي خلق نوعًا من

البروباغندا الشعبية الفكرية التوجه كيما يوحد الأمة ويشرعن دعائم حكمه ويثبتها، من جهة أخرى. الباحثون اليوم منقسمون بشأن مدى ترابط هذين المنحيين وتأثير

هاتين المسألتين في بعضهما. ينظر:

Marco Demichelis, "Between Mu'tazilism and Syncretism: A Reappraisal of the Behavior of the Caliphate of al-Maʾmūn," Journal of Near Eastern Studies , vol. 71 , no. 2 (2012), pp. 257 - 274.

في الوقت الذي ينصح فيه بملاحظة أن الخليفة المأمون كان "قادرًا على استخدام الثقافة في تحقيق أهداف سياسية ودينية" (259. p., Ibid)، إلا أنه على المرء ألا

يستنتج تلقائيًا أن ظاهرة الاعتزال ما هي إلا حركة سياسية محضة. ومن المحتمل أن الظاهرة الثقافية العامة التي اقترنت بالاعتزال قد تصادف تناغمها مع أحد بنود أجندة

الخليفة السياسية، ولربما حاول الخليفة المأمون في مرحلة ما أن يركب موجة هذا التطور الثقافي الشعبي في المجتمع وأن يستخدمه في خدمة أجندته تلك. إلا أن هذا

لا يقول صراحةً أي شيء عن طبيعة التوجه المعتزلي في حد ذاته. إنني أعتقد أن المصادر ترسم لنا خلفاء السلالة العباسية: "كرعاة حموا كافة المدارس الفكرية، بما فيها

تلك التي كانت في نزاع مع آرائهم".(Ibid). ينظر على سبيل المثال:

Al-Ṭabarī, Tārīkh al-Rusul wal-Mulūk (The History of the Messengers and the Kings) , C. E. Bosworth (trans.) (New York: State University of New York Press, 1987), pp. 30 - 31. 12  Stroumsa, p. 138. 13  Racha El-Omari, "The Mu'tazilite Movement (1): The Origins of the Mu'tazila," in: Sabine Schmidtke (ed.), Oxford Handbook of Islamic Theology (Oxford: Oxford University Press, 2016), p.  130. 14  Ibid., p. 131.

  1. Ibid., 140.
  2. Ibid., 143. Marco Demichelis, "Between Mu'tazilism and Syncretism: A Reappraisal of the Behavior of the Caliphate of al-Maʾmūn," Journal of Near Eastern Studies , vol. 71 , no. 2 (2012), pp. 257 - 274. Al-Ṭabarī, Tārīkh al-Rusul wal-Mulūk (The History of the Messengers and the Kings) , C. E. Bosworth (trans.) (New York: State University of New York Press, 1987), pp. 30 - 31.
  3. Stroumsa, p. 138.
  4. Racha El-Omari, "The Mu'tazilite Movement (1): The Origins of the Mu'tazila," in: Sabine Schmidtke (ed.), Oxford Handbook of Islamic Theology (Oxford: Oxford University Press, 2016), p.  130.
  5. Ibid., p. 131.

"مدرسة لاهوت إسلامي تتبع قواعد معينة تعرف باسم 'الأصول الخمسة'"15. واحدة من المحاولات الكلاسيكية لتتبع آثار معنى مصطلح "معتزلي" ومنشئه هي التي قام بها إغناس غولدزيهر، والذي يلاحظ ارتباطًا بين انسحاب المعتزلة من جهة، وتوجههم العقلاني من جهة أخرى. إلا أن غولدزيهر يعتقد شخصيًا أن المصطلح المذكور يحمل دلالات دينية، وليس دلالات عقلانية

صرفة. ويقول "أقترح أن التفسير الصحيح [لكلمة معتزلة] هو القائل بأن أصل تلك المجموعة يتجذر أيضًا في دوافع تقوية تخص مجموعةً من الناس الأتقياء والنسكيين"16. وفي رأيه، كان ظهور المعتزلة "نتاج دوافع دينية تشبه تلك الدوافع التي حملها أسلافهم، ولا شيء أبعد عن المعتزلة من الميل إلى التخلص من القيود بصورة تسبب الأذية للنظرة الدينية الأرثوذكسية إلى الحياة"17. يدعم غولدزيهر وجهة النظر تلك بالإشارة إلى حديث المؤرخين المسلمين عمن يعتبر "مؤسس جماعة المعتزلة"، واصل بن عطاء (700 - 748 م)، ورفيقه عمرو بن عبيد (677 - 761 م)، بصفتهما زاهدين متنسكين التزما قواعد الصلاة كافة، وسافرا على الأقدام مرات عدة للحج في مكة. يستنتج غولدزيهر من هذا قائلًا "إذا ما تطلعنا في قواميس السير الذاتية الخاصة بالمعتزلة نجد، حتى في الفترة الزمنية اللاحقة، أن طريقة العيش النسكية والزهدية تبوأت موقعًا مركزيًا ساميًا في ظهراني العديد

من الشخصيات الشهيرة في أوساط [المعتزلة]"18. أميل إلى الاتفاق مع قرن غولدزيهر حالة "الانسلاخ" أو "الاعتزال" بأسلوب عيش تقويّ ونسكي تزهدي الطبيعة. وأوافقه

في اعتقاده أن كون المرء معتزليًا لا يعني أنه يناهض الإيمان الديني العام. فكلمة "معتزلي" لا تمثل، في الحصيلة، اسمًا

للأشخاص الملحدين أو لأشخاص معادين للدين في عقلانيتهم المعرفية. ومع الإقرار بكل هذا، فأنا لستُ مقتنعًا باختيار

غولدزيهر تفسير المعتزلة وفق استراتيجية تقول "إما عقلاني وإما ديني". في رأيي، يمكن المرء أن يعتبر "الاعتزال" موقفًا تجاه العقلانية من دون أن يعني ذلك أن الاعتزال موقف "كلي التعارض" مع الاعتقاد الديني19. ومن الممكن أن يكون المعتزلة قد التمسوا موقفًا انسحابيًا كي يتمكنوا من إعادة تطوير خطاب شارح لتلك الأرثوذكسية الدينية. لهذا، فإن العقلانيين الأشداء،

الذين يميلون إلى تبنّي موقف تفكير حر بالإيمان من خلال النأي عن دوائر الانتماء الديني التقسيمي الشعبية، كانوا هم أيضًا من علماء الكلام. يلاحظ جوزيف فان إس، في دراسته للاستخدام الأصلي لتسمية "معتزلة"، أن الكلمة العربية المستخدمة في المصادر الأقدم هي "معتزل" وليست "معتزليًا". يعني هذا لفان إس أن المنادين بهذه التسمية لم يتبعوا فريقًا معينًا أو حراكًا محددًا (يشبه "الفرقة")،

وإنما كانوا يعاملون بوصفهم أتباعًا لوجهات نظر معينة، وأشخاصًا يمارسون نشاطات خاصة محددة. يربط تاج الدين بن أبي بكر

أحمد الشهرستاني (1086 - 1153 م)، في كتاب الملل والنحل، مصطلح "اعتزال" بفعل قام به واصل بن عطاء (من يعد "المؤسس") حين قرر أن يعزل نفسه وينسلخ عن حلقة حسن البصري (642 - 728 م) العلمية: وكأن ابن عطاء اعتزل نائيًا بنفسه عن الانضمام إلى

15  Richard C. Martin (ed.), The Encyclopedia of Islam and the Muslim World (New York: Macmillan Reference USA, 2004), "Mu'tazilites, Mu'tazila," vol. 1 , p. 497 ;

Daniel Gimaret, "Mu'tazila," in: C. E. Bosworth et al. (eds.), The Encyclopedia of Islam (Leiden/ New York: Brill, 1993), vol. VII, pp. 783 - 793. 16  Ignaz Goldziher, Introduction to Islamic Theology and Law , Andras & Ruth Hamori (trans.) (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1981), p. 86. 17  Ibid. 18  Ibid., p. 87. 19  Ibid.

  1. Richard C. Martin (ed.), The Encyclopedia of Islam and the Muslim World (New York: Macmillan Reference USA, 2004), "Mu'tazilites, Mu'tazila," vol. 1 , p. 497 ; Daniel Gimaret, "Mu'tazila," in: C. E. Bosworth et al. (eds.), The Encyclopedia of Islam (Leiden/ New York: Brill, 1993), vol. VII, pp. 783 - 793.
  2. Ignaz Goldziher, Introduction to Islamic Theology and Law , Andras & Ruth Hamori (trans.) (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1981), p. 86.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 87.
  5. Ibid.

فرقة معينة20. يمثل هذا الخبر خلفية الاعتقاد أن "معتزلي" تسمى ذاك الذي اختار موقفًا وسطيًا (منزلة بين منزلتين)، من خلال

النأي بنفسه عن دوائر ووجهات نظر راديكالية متطرفة. هذا ما جعل العديد من المؤلفين المسلمين يقولون إن "الاعتزال" ما هو إلا عقيدة الموقف الوسطي، أو موقف "الما بين- بين"، وأنه تعبير عن ميل نحو فكر معين21. يبدو، في الواقع، أن أولئك الكتّاب

المسلمين الذين لم يكونوا يعدّون أنفسهم معتزلة يتحدثون عن المعتزلة على أنهم "فرقة" أو طائفة. بل إن بعض المؤرخين المسلمين

المتعاطفين مع المعتزلة يسمونهم "الفرقة الناجية" بسبب ميلهم إلى الانسلاخ والنأي بالنفس واختيارهم أن يصبحوا "عقلانيين انطوائيين منعزلين" Loners Intellectual في منأى عن التطرفات الراديكالية المحيطة بهم22. ومع ذلك، فإنه من غير المؤكد أن الذين اختاروا الاعتزال فكريًا (أو حتى جسديًا)، على الأقل خلال القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، قاموا بذلك بنية تقديم أنفسهم

بوصفهم فرقة أو طائفة أو ملة دينية معينة. إن الأمر المثير للاهتمام في قراءة فان إس هو اقتراحه أن كلمة "معتزل" وشرح دلالاتها متوافران في السياق الإسلامي من طرف من يعدّون أنفسهم "معتزلة" قبل أيّ طرف آخر23. ويقترح فان إس أن الشروح كافة المتوافرة لدينا لكلمة "اعتزال"

هي تفاسير متحيزة وتأويلية وليست وصفية، وهي ليست موضوعية تاريخيًا كونها إما صدرت عن المعتزلة أنفسهم لتخدم غرض

تبريرهم لأنفسهم، وإما أنها صدرت عن معارضي المعتزلة كي تبخّس من قدر أولئك المنسحبين والنائين بأنفسهم. إن كان هذا الأمر صحيحًا، فإن معرفة البداية الفعلية لظاهرة "الاعتزال" وتاريخ ولادة الميل المعتزلي أمر مستحيل التعيين على نحو يقيني

تام24. ويمكن المرء، على الأقل، أن يقول، بناءً على تقصي فان إس، إن لفظة "معتزل" لا تعني دائمًا لقب فرقة أو جماعة

معيّنة قائمة في ذاتها. هناك دلالات مهمة على أن "الاعتزال" هو نأي عن أي انتساب ضيق إلى طائفة، الأمر الذي يمكّن المرء،

في الحقيقة، من أن يلتقي في منطقة "ما بين-بين"، منطقة وسطى، مع أشخاص آخرين اتخذوا الميل نفسه ومارسوا السلوك نفسه26. يبدو، إذًا، أن الميل المعتزلي يُستخدم أساسًا لوصف وضع فكري Habitus أو أسلوب عمل لاهوتي - فلسفي modus

operandi عابر للأديان وما فوق طائفي بطبيعته27. دلت كلمة "اعتزال" على لاهوتيين مثقفين شكلوا جمعًا نخبويًا ذا حدود

فضفاضة ورخوة غير مقيدة، تكون عرضة للتبدل وفقًا للتطورات التي تطرأ على الظروف والسياقات الفكرية والثقافية والمجتمعية والسياسية التي ينتمي إليها أولئك اللاهوتيون. من هنا، فإن كلمة "اعتزال" تدل على توجه فكري هدفه التفكير عقليًا في الله

20  Josef van Ess, Theology and Society in the Second and Third Centuries of the Hijra: A History of Religious Thought in Early Islam , Gwendolin Goldbloom (trans.) (Leiden/ Boston: Brill, 2017), vol. 2 , pp.  382 - 383.

ينظر: أحمد الشهرستاني، كتاب الملل والنحل (بيروت: دار المعرفة، 1993.)

21  van Ess, p. 384. 22  Ibid. 23  Ibid., p. 386. 24  Ibid., p. 389.

25  لهذا، مثلًا، لم يكن بعض "الغلاة"، من أمثال عبد الله بن سبأ والمغيرة بن سعيد وكذلك بيان ابن سمعان، في دعمهم الشديد الحماس لعلي بن أبي طالب وللفكر

الراديكالي المتعلق به (مثل القول بألوهية علي، واحتضان أفكار لا تنتمي إلى الفكر الأرثوذكسي، ودعم التشبيه التجسيدي Anthropomorphism وعملية تقمص

الأرواح وسواها) يُعتبرون ممثلين لفرقة قائمة بذاتها. لقد نُظر إلى أمثالهم، بادلًا من ذلك، على أنهم أفراد سلخوا أنفسهم عن الإطار الجمعي وعن خط التدين الجماعي

الشعبي العام، شاقين لأنفسهم سبلهم الخاصة. وقد تعرّض أولئك الأشخاص في النتيجة للإدانة والنبذ على قاعدة خياراتهم الفردية. يشبه موقف أولئك الغلاة تجاه الحلقة

الجمعية الأوسع موقف أولئك العقلانيين والمتكلمين في أواخر القرن الثاني للهجرة/ الثامن للميلاد والقرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، الذي يمكن المرء أن يعتبره

موقف "اعتزال".

26  Aziz al-Azmeh, Arabic Thought and Islamic Societies (London/ New York: Routledge, 1986), vol. 1 , p. 199.

  1. Josef van Ess, Theology and Society in the Second and Third Centuries of the Hijra: A History of Religious Thought in Early Islam , Gwendolin Goldbloom (trans.) (Leiden/ Boston: Brill, 2017), vol. 2 , pp.  382 - 383.
  2. van Ess, p. 384.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 386.
  5. Ibid., p. 389.
  6. Aziz al-Azmeh, Arabic Thought and Islamic Societies (London/ New York: Routledge, 1986), vol. 1 , p. 199.

وفي الوجود. وقد تشكلت تلك العقلانية، كما هو معروف، في تلك المرحلة العباسية متأثرةً بالأرسطوطالية والأفلوطينية اللتين قُدمتا لمفكري تلك المرحلة وسيلةً لتفسير طبيعة الذات الإلهية28. لم يقتصر هذا التوجه العقلاني، الذي تشكل بالفلسفة اليونانية، على اللاهوتيين المسلمين فحسب، بل إنه مثّل عقلانية مشتركة استخدمها كل من علماء الكلام المسيحيين واليهود في تأليف خطاباتهم الكلامية. سبق لريتشارد فرانك أن بيّن في دراسته لمعنى مصطلح "كلام" أن هذا النمط من الخطاب لم يعبّر عن قناعة أو انتساب دينَّيَين

محددَين، إنما هو ميل معين حصري للعقلانية29. يؤكد فرانك أن "الكلام" يقترن بوضع عقلاني عام (ميتافيزيقي ومنطقي وفلسفي)، بدل أن يقترن بأي اعتقاد ديني ضيق ومحدد وحصري. يعكس علم الكلام محاولة معتزلية أساسية لإخضاع التدين للبرهان العقلي31. ويعتبر المتكلمون العقلانية نمطًا معياريًا من أنماط التفكير وموقفًا لا يتحدث باسم تبجيل دفاعي خاص بإيمان ديني معين. إنها تعكس العقل

اللاهوتي - الفلسفي فقط للمفكر الذي قرر أن ينسحب من فضاء التدين الشعبي للعوام وأن يمضي بعيدًا عن تفكير هذا الفضاء التبسيطي32. حدث هذا الانعزال والانسحاب من سياق المعتقدات التدينية العامة، إذًا، كي يتمتع المفكر المنسحب بشيء من الاستقلالية والحرية اللتين يحتاج إليهما ليعيد التفكير في تلك القناعات التدينية ويرتبها ويشرحها وربما يبررها أحيانًا، بعيدًا عن العوام الذين "تلقوا [تلك القناعات] على نحو بديهي واعتبروها صحيحة وذات معنى من دون تكلف عناء شرحها أو تبريرها عقلانيًا"33. يمكن المرء أن

يعثر على هذا النوع من المنطق الكلامي خلال القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد في النصوص المعتزلية كافة تقريبًا، لكننا نجد

المنطق نفسه في نصوص المتكلمين اليهود، مثل داود بن مروان المقمص، وكذلك نصوص المتكلمين المسيحيين، مثل ثاودوروس أبو قرة (750 - 830 م) وحبيب خدمة أبو رائطة التكريتي (ت. 830 م أو بعدها بقليل) وعمار البصري (ت. 845 م أو ما بعدها). إن تلك التشابهات الصارخة تجعل من "الاعتزال" نوعًا معينًا من الكلام، لكنني أعتقد كذلك أنها تجعل من الكلام في حد ذاته ممثلًا لنمط

عقلانية وتفكير عام ثقافي - مجتمعي عابر للأديان يقترن بالاعتزال. لامست شترومسا السؤال المتعلق بالمعنى الدقيق لكلمتي "معتزلة" و"اعتزال"، وحاورت الأطروحات الكلاسيكية لغولدزيهر وفان إس34. تعتقد شترومسا أن عددًا من كتب طبقات المعتزلة [مثل كتب الهمذاني وابن المرتضى] تميل إلى تصوير واصل بن عطاء بصورة

تماثل "النسّاك الأقدمين"35 في تقواه وتزهده. وهي تلاحظ أنه على الرغم من سلوكه الزهدي، فإن الأخبار التي لدينا عن واصل بن

عطاء تظهر أن الاعتزال لا يعني العزلة أو الانعزال التامين عن الآخرين. إنه يعني التفرد والتخصيص، أي أن يفرز المرء نفسه جانبًا، أو أن

27  Ibid., p. 195. 28  Richard M. Frank, "The Science of Kalām ," Arabic Sciences and Philosophy , vol. 2 (1992), pp. 15 - 16.

من المفيد هنا الإشارة إلى أن الدراسة لا تبغي البتة أن تحصر الفكر العقلاني في الكلام المعتزلي وحده، فالتأثر بمفهوم العقل والعقلانية الفلسفيين كان شائعًا في ذاك

العصر العباسي المبكر، حيث كانت الخطابات الكلامية لباقي المتكلمين من غير المعتزلة تتصف أيضًا بمحاكماتها العقلانية واعتمادها على منهجية التحليل المنطقي

والقياسي والفلسفي.

29  Ibid., p. 18.

30  يلاحظ فرانك مُصيبًا أن كتابات المتكلمين والفلاسفة المسلمين الأوائل لا تحتوي تفريقًا حقيقيًا بين الفلسفة واللاهوت، ينظر: 19. p., Ibid.

31  Ibid., p. 22. 32  Sarah Stroumsa, "The Beginning of the Mu'tazila Reconsidered," Jerusalem Studies in Arabic and Islam , vol. 13 (1990), p. 265.

تستشهد شترومسا هنا بمقولة موجودة في أحد نصوص الكاتب الزيدي، ابن المرتضى، في كتابيه، طبقات المعتزلة والمنية والأمل في شرح الملل والنحل. ينظر:

Ibn Al-Murtaḍā, Tabaqāt al-Mu ' tazila (The Divisions of Mu'tazilites) , S. Diwald-Wilzer (ed.) (Wiesbaden: Franz Steiner, 1961);

وكذلك في: أحمد بن يحيى بن المرتضى، المنية والأمل في شرح الملل والنحل، تحقيق م. ج. مشكور (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1979.)

33  Stroumsa, "The Beginning of the Mu'tazila Reconsidered," p. 268.

  1. Ibid., p. 195.
  2. Richard M. Frank, "The Science of Kalām ," Arabic Sciences and Philosophy , vol. 2 (1992), pp. 15 - 16.
  3. Ibid., p. 18.
  4. Ibid., p. 22.
  5. Sarah Stroumsa, "The Beginning of the Mu'tazila Reconsidered," Jerusalem Studies in Arabic and Islam , vol. 13 (1990), p. 265. Ibn Al-Murtaḍā, Tabaqāt al-Mu ' tazila (The Divisions of Mu'tazilites) , S. Diwald-Wilzer (ed.) (Wiesbaden: Franz Steiner, 1961);
  6. Stroumsa, "The Beginning of the Mu'tazila Reconsidered," p. 268.

يرتقي فوق الآخرين فيما يتعلق بقدراته ومواهبه الخاصة. بكلمات أخرى، يعني اعتزال واصل اختياره موقفًا نخبويًا يميز فيه المرء ذاته من

باقي العوام، من دون أن يعزل نفسه جسديًا أو مكانيًا عن التواصل معهم، أي إن الاعتزال انتقال من دائرة العوام إلى دائرة الخواص36.

تقترح شترومسا أن معنى الاعتزال المذكور لم يظهر أول مرة في التاريخ مع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، بل إن اشتقاق اسم الشخص من عملية اعتزاله كان أمرًا شائعًا في ظهراني الفريسيين اليهود والنساك والمترهبنين المسيحيين Anchorites37. تبدو تسمية المتزهدين

وذوي الميول التزهدية ب "المعتزلة" في السياق الإسلامي أمرًا شائعًا، بصرف النظر عن خلفية أولئك المعتزلة الدينية. ولهذا، فمن المنطقي

أن نفترض أن معتزلة مثل ابن عطاء وابن عبيد وغيرهما من أوساط المسيحيين واليهود وجدوا "قبل وجود المعتزلية كما نعرفها، وأن تلك الكلمة أصبحت، لاحقًا وعبر مسار من التنويع، اسم علم يخص حركةً بعينها"41. حدث هذا الربط اللاحق لكلمة "معتزلة" بفرقة إسلامية

محددة وحصرية، في رأيي، حينما بدأ المعتزلة من باقي الأديان يتعرضون للقمع والاعتداء من المسلمين، وحينما أجبر المعتزلة المسلمون على أن يتحولوا إلى فرقة منغلقة على ذاتها، تحمل هوية ضيقة، في محاولة يائسة للنجاة من هجوم الفكر التقليدي على الفكر العقلاني. دفع هذا المؤلفين المسلمين اللاحقين إلى التعبير عن هذا التنوع والانفلات في المعنى من خلال حديثهم عن طائفة معينة من الخبراء الدينيين المسلمين اسمهم "معتزلة" وكذلك عن آخرين كثر يميلون ببساطة إلى الاعتزال: كان يشار إلى زهاد ونسّاك ذاك الزمان

أيضًا بأنهم "معتزلة"42. إن كان الأمر كذلك، فإن المتكلمين المسيحيين الآتين من خلفية كهنوتية، والذين تلقى جميعهم تعليمًا رهبانيًا

وتدريبًا وأسلوب حياة تقوَّيَين تنسكَّيَين، منهم ثاودوروس أبو قرة ونونوس النصيبيني وأبو رائطة التكريتي، على سبيل المثال، سيكونون،

إذًا، بهذا المعنى، أيضًا "معتزلة". وإذا ما كان هذا النمط من الانسحاب يتمظهر على نحو رئيس في ممارسة علم الكلام العقلاني43، فإن متكلمين آخرين، مثل اليهودي داود بن مروان المقمص والمسيحي عمار البصري يمكن كذلك تسميتهم، بهذا المعنى، "معتزلة". إن كانت كلمة "اعتزال" تعرف بدلالة اللاهوت العقلاني، وإذا كانت تلك العقلانية عينها إحدى صفات كم معتبر من نصوص الكلام العباسية في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، فلماذا لا يمكننا أن ندعو المتكلمين المسيحيين واليهود، وليس المسلمين فحسب، الذين ألفوا هذه العقلانية اللاهوتية والتزموا بها، كذلك بالمعتزلة بهذا المعنى؟ إن كان من مواصفات المفكرين المدعوين "معتزلة" أنهم "مفكرون أحرار"44، فما المانع في افتراض أن المتكلمين في ظهراني اليهود والمسيحيين خلال القرن العباسي

34  Ibid., pp. 268 - 269. 35  Ibid., pp. 272 - 273.

تقترح شترومسا صلةً محتملة بين واصل بن عطاء "والمسيحية الناطقة بالسريانية:" 267. p., Ibid؛ وينظر أيضً: ا 128.  n , 288. p., Ibid.

36  Ibid., p. 273. 37  Ibid., p. 275.

38  في معرض دراستها للعقلانية اللاهوتية في الإسلام المبكر، تتقصى سابين شميتكه وجود هذا التوجه على امتداد التاريخ الإسلامي وتعتبره "مظهرًا بارزًا من مظاهر

الفكر الإسلامي اللاهوتي" عمومًا إذ "إنه استمر باعتباره أحد الأركان الأساسية للفكر الإسلامي اللاهوتي" حتى "فجر الأصولية الإسلامية المعاصرة" ولا أقل من ذلك.

إلا أن شميتكه، مع ذلك، تعلن أن المعتزلة هم "أقدم مدرسة" في اللاهوت الإسلامي العقلاني المعروف باسم "الكلام":

Sabine Schmidtke, "Theological Rationalism in the Medieval World of Islam," Al-'Uṣūr Al-Wusṭā , vol. 20 , no. 1 (2008), pp. 17 - 29 ;

Josef van Ess, "The Beginnings of Islamic Theology," in: John E. Murdoch & Edith Dudley Sylla (eds.), The Cultural Context of Medieval Learning (Dordrecht/ Boston: Rr. Reidel Publishing Company, 1973), pp. 87 - 111.

39  كذا يصف هاينريش شتاينر المعتزلة بأنهم "مفكرو الإسلام الأحرار" في أول الكتب التي كتبت على الإطلاق عن المعتزلة والاعتزال في حقل البحث العلمي الغربي،

في عام 1865 ينظر:.

Heinrich Steiner, Die Mu'taziliten oder die Freidenker im Islam: Ein Beitrag zur allgemeinen Culturgeschichte (Leibzig: Verlaf von S. Hirzel,

ينظر أيضً: ا 86. p , Goldziher.

  1. Ibid., pp. 268 - 269.
  2. Ibid., pp. 272 - 273.
  3. Ibid., p. 273.
  4. Ibid., p. 275. Sabine Schmidtke, "Theological Rationalism in the Medieval World of Islam," Al-'Uṣūr Al-Wusṭā , vol. 20 , no. 1 (2008), pp. 17 - 29 ; Josef van Ess, "The Beginnings of Islamic Theology," in: John E. Murdoch & Edith Dudley Sylla (eds.), The Cultural Context of Medieval Learning (Dordrecht/ Boston: Rr. Reidel Publishing Company, 1973), pp. 87 - 111. Heinrich Steiner, Die Mu'taziliten oder die Freidenker im Islam: Ein Beitrag zur allgemeinen Culturgeschichte (Leibzig: Verlaf von S. Hirzel, H. Ben-Shammai, "A Note on Some Karaite Copies of Mu'tazilite Writings," Bulletin of the School of Oriental and African Studies , vol. 37 (1974), pp. 295 - 304 ; H. A. Wolfson, Repercussions of the Kalām in Jewish Philosophy (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979); L. E. Goodman, Jewish and Islamic Philosophy: Crosspollinations in the Classical Age (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999); L. E. Goodmann, "Crosspollinations: Philosophical Fruitful Exchanges between Jewish and Islamic Thought," Medieval Encounters , vol. 1 (1995), pp. 323 - 357 ; Schmidtke; C. Adang & D. Sklare (eds.), A Common Rationality: Mu'tazilism in Islam and Judaism (Würzburg: Ergon, 2007); Sarah Stroumsa, "The Muslim Context in Medieval Jewish Philosophy," in: S. Nadler & T. Rudavsky (eds.), The Cambridge History of Jewish Philosophy: From Antiquity through the Seventeenth Century (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), pp. 39 - 59.

الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد كانوا أيضًا يعدّون "مفكرين أحرارًا" من جمهور العوام في ذاك المجتمع؟45 وإذا كانت تسمية "مفكرين

أحرار" تصنيفًا عموميًا يجمع تحت مظلته كل من كانوا، أو كان يعتقد أنهم ذوو ميول فكرية عقلانية أكثر من أرثوذكسية، فمن

الممكن لهذا التعبير أن يدل على "نوع من أنواع الفكر المستقل" لأفراد لم يؤسسوا فِرقًا وطوائف ونِحلًا53. قدّم ديفيد سكلير عرضًا مهمًا لنمط الاعتزال اليهودي في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، الذي يدعم فهم الاعتزال الذي

أقترحه في دراستي هذه. وناقش أن انتشار الفكر المعتزلي ولاهوته العقلاني الفلسفي أمر مثبت في نصوص اللاهوت التي تركها المتكلمون اليهود، مثل داود بن مروان المقمص، وسعدية بن يوسف غاوون، وصموئيل بن حفني، ويوسف البصير. وأشار إلى أن أهم ما يمكن المرء أن يستخلصه من النصوص الكلامية التي كتبها أولئك المتكلمون، أن: "الكلام المعتزلي كان له تأثير مبكر نسبيًا

في أوساط اليهود. إصرار الكلام (الالتزام الديني، حتمًا) على البحث العقلي في المواضيع اللاهوتية، وأهمية حرية الإرادة البشرية،

والإصرار على التوحيد الإلهي، ومسألة الشر، وكذلك باقي الأفكار المعتزلية كلها وجدت صدى بين ظهراني قسم معتبر من المجتمع اليهودي، وقد تناغمت مع المواقف اليهودية اللاهوتية التقليدية. بالنسبة إلى كثيرين من اليهود، قدم الفكر المعتزلي مقاربةً تحليلية عقلانية ممنهجة لفهم عناصر ومكونات الخبرة الدينية"54. ومع أنه من الجائز أن يكون مثل هذا الفكر المعتزلي كلامي الطبيعة قد وصل إلى اليهود من خلال الاطلاع على نصوص الكلام الإسلامية والمسيحية أو من خلال النقاش والتجادل كلاميًا مع المسلمين والمسيحيين، فإن هذا النوع من الفكر، كما يؤكد

سكلير، "جرى امتصاصه بقوة ودمجه في الثقافة اليهودية خلال فترة من الزمن إلى درجة جعلته يصبح فكرًا يهوديًا أصيلًا "55. إذا كان يمكن المرء أن يتحدث عن "اعتزال يهودي" فإن هذا يدعونا للأخذ في الاعتبار تفاسير مختلفة عن تسمية "معتزلي" وعن دلالات "اعتزال". ويدعونا هذا التطالع Crosspollination ما بين الكلام الإسلامي واليهودي، خاصةً خلال القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، لشق مسار بحثي موازٍ عن "اعتزال مسيحي" لنتحرى آثاره ومعالمه في نصوص علم الكلام المسيحي لتلك المرحلة التاريخية. لا ينبغي أن يمنعنا وجود أدبيات الردود على الإيمان المسيحي التي حملتها نصوص المسلمين المعتزلة من أن نفترض وجود نسخة من الاعتزال ذات تعبير ثقافي ولاهوتي مسيحي. مثل هذا الهجوم الدفاعي Polemic على المسيحية ما هو سوى دعوة للاشتباه بحالة عبور للحدود الفاصلة بين المتكلمين المسلمين والمسيحيين واليهود، والتي تُمظهر سياقًا عقلانيًا معتزليًا

40  في حقل الدراسات المتعلقة بعلم الكلام اليهودي في العصر الإسلامي المبكر، تم إنتاج دراسات تعرف بنسخة "الاعتزال" اليهودية التي وجدت في تلك المرحلة.

للاطلاع على بضعة نصوص من تلك الدراسات، ينظر:

H. Ben-Shammai, "A Note on Some Karaite Copies of Mu'tazilite Writings," Bulletin of the School of Oriental and African Studies , vol. 37 (1974), pp. 295 - 304 ; H. A. Wolfson, Repercussions of the Kalām in Jewish Philosophy (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979); L. E. Goodman, Jewish and Islamic Philosophy: Crosspollinations in the Classical Age (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999); L. E. Goodmann, "Crosspollinations: Philosophical Fruitful Exchanges between Jewish and Islamic Thought," Medieval Encounters , vol. 1 (1995), pp. 323 - 357 ; Schmidtke; C. Adang & D. Sklare (eds.), A Common Rationality: Mu'tazilism in Islam and Judaism (Würzburg: Ergon, 2007); Sarah Stroumsa, "The Muslim Context in Medieval Jewish Philosophy," in: S. Nadler & T. Rudavsky (eds.), The Cambridge History of Jewish Philosophy: From Antiquity through the Seventeenth Century (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), pp. 39 - 59. 41  Sarah Stroumsa, Freethinkers of Medieval Islam: Ibn al-Rāwandī, Abū Bakr al-Rāzī, and their Impact on Islamic Thought (Leiden/ Boston: Brill, 2016), pp. 6 - 7.

تستخدم شترومسا في كتابها هذا مصطلح "مفكرون أحرار" على نحو خاص وحصري كي تشير إلى "الموقف الرافض لسلطة كل من الوحي والأديان الموحى بها:"., Ibid

7. p. وعلى الرغم من هذا، فإنها تعترف بمشروعية استخدام هذا التعبير بالمعنى المذكور في الأعلى.

42  David Sklare, "The Reception of Mu'tazilism among Jews who were not Professional Theologians," Intellectual History of the Islamicate World , vol. 2 (2014), pp. 19 - 20. 43  Ibid., pp. 21 , 33.

  1. Sarah Stroumsa, Freethinkers of Medieval Islam: Ibn al-Rāwandī, Abū Bakr al-Rāzī, and their Impact on Islamic Thought (Leiden/ Boston: Brill, 2016), pp. 6 - 7.
  2. David Sklare, "The Reception of Mu'tazilism among Jews who were not Professional Theologians," Intellectual History of the Islamicate World , vol. 2 (2014), pp. 19 - 20.
  3. Ibid., pp. 21 , 33.

مبكرًا اشترك فيه عقلانيون من خلفيات دينية مختلفة في عملية خلق "تشاركية فكرية متفردة، كان تبادل الأفكار والنصوص وأنماط

الخطاب الدائم فيها هو المعيار الناظم وليس الاستثناء"56. إن كان الأمر كذلك، فإن البحث عن نسخة مسيحية من ظاهرة الاعتزال الثقافية الشائعة والعابرة للأديان لهو أمر مشروع ومطلوب حتمًا60.

ثانيًا: الاعتزال: من حالة "النخبة" إلى حالة "الفرقة"

1. "اعتزال" بصفته توجهًا فكريًا نخبويًا

يستخدم الشهرستاني، في كتاب الملل والنحل، مفردة "اعتزل" بمعنى "انفك عن/ نأى بنفسه عن"، فيقول على سبيل المثال: "ومن قال: 'يوصف الباري بما يوصف به الخلق أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري تعالى'، فقد اعتزل عن الحق"61. ويستخدم هذه المفردة بالمعنى نفسه حين يروي قصة أول استخدام ل "معتزلة" لتسمية واصل بن عطاء ورفاقه بعد أن انفكوا عن جماعة القدريين: "فتسمى هو وأصحابه معتزلة"65. ويتابع شارحًا أن أولئك المعتزلين تعلموا الفلسفة والمنطق ومن ثم واءموا بينها وبين التفكير اللاهوتي

مشكّلين من هذا الدمج المنهجي أسلوبًا علميًا جديدًا اسمه "الكلام". وبحسبه، حدث كل هذا خلال عصر الخليفة المأمون66. في موقع آخر، يقرن الشهرستاني "الاعتزال" بالرهبنة، فيدعو أبو موسى المزدار "راهب المعتزلة"67. وهو يستخدم التوصيف نفسه حرفيًا للحديث عن المزدار في موقع آخر من كتابه، مضيفًا هذه المرة أنه كان ناسكًا تزهد68. الأمر الأكثر إثارة أن الشهرستاني

كولسل ةيمست درجم سيلو، ةنيعم ةلم ةيمست اهتفصب "ةلزتعم" نع ثيدحلل لامًاااك لاصًااف هباتك نم رخآ عقوم يف سرّكي Habitus

سياقي ما. ويدعو الشهرستاني هنا المعتزلة "طائفة"72، وهو يتحدث عن قادة هذه الطائفة لا بصيغة رهبان منسحبين، وإنما بصيغة ممثلين لفريق محدد الهوية، كأنهم صناع قرار الفرقة وأولئك الذين يجادلون باسمها وبالنيابة عنها. كذا يصف الشهرستاني، مثلًا، أبا الهذيل العلاف حين يسميه "شيخ المعتزلة ومقدم الطائفة ومقرر الطريقة والمناظر عليها"74. لا يمكن المرء هنا إلا أن يلحظ طريقتين مختلفتين للكلام عن "الاعتزال" في طرح الشهرستاني. لدينا في نصه تلميح لسيرورة تطورية تتعلق بالاعتزال، حدثت بدءًا من القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد واستمرت في القرون اللاحقة. ويفيدنا حديثه عن

المعتزلة برواية تطورية بدأت بالاعتزال تعبيرًا عن ميل سلوكي عام، وانتهت بالاعتزال تعريفًا لفرقة دينية خاصة. إنني أعتقد أن الاعتزال بوصفه تعبيرًا عن توجه فكري عام هو الذي يعكس على نحو أفضل وأكثر منطقية طبيعة السياق

الإسلامي المبكر السوسيوثقافية والفكرية في القرنين الثاني للهجرة/ الثامن للميلاد والثالث للهجرة/ التاسع للميلاد. لقد بدأ بعض

44  Schmidtke, p. 20. 45  Sabine Schmidtke & Gregory Schwarb, "Introduction," Intellectual History of the Islamicate World , vol. 2 (2014), pp. 1 - 6 ; Sidney H. Griffith, "Faith and Reason in Christian Kalām: Theodore Abū Qurrah on Discerning the True Religion," in: S. Kh. Samir & J. S. Nielsen (eds.), Christian Arabic Apologetics during the Abbasid Period, 750 - 1258 (Leiden: Brill, 1994), pp. 1 - 43.

46  الشهرستاني، ص 11. 47  المرجع نفسه، ص 20. 48  المرجع نفسه، ص 21. 49  المرجع نفسه. 50  المرجع نفسه، ص 57. 51  المرجع نفسه، ص 35 - 37. 52  المرجع نفسه، ص 41.

  1. Schmidtke, p. 20.
  2. Sabine Schmidtke & Gregory Schwarb, "Introduction," Intellectual History of the Islamicate World , vol. 2 (2014), pp. 1 - 6 ; Sidney H. Griffith, "Faith and Reason in Christian Kalām: Theodore Abū Qurrah on Discerning the True Religion," in: S. Kh. Samir & J. S. Nielsen (eds.), Christian Arabic Apologetics during the Abbasid Period, 750 - 1258 (Leiden: Brill, 1994), pp. 1 - 43.

الباحثين اليوم يحاولون اقتراح قراءة جديدة أكثر تقصّيًا وتمحيصًا وأقل تعميميةً وتسطيحًا للديناميكيات المجتمعية والفكرية التي

اتصفت بها تلك المرحلة التاريخية وذاك السياق الحياتي في الشرق الأوسط. ففي عام 2018، قارب جاك طنوس مسألة التشظي المجتمعي والتراتبية الاجتماعية في الشرق الأوسط، قبل العصر الإسلامي المبكر وأثناءه في كتابه صناعة الشرق الأوسط في التاريخ الوسيط75. وفيه يشرح ديناميكيات الحياة اليومية الاجتماعية وبين -الدينية التي عاش فيها المؤمنون العاديون من العامة المسيحيين والمسلمين، والذين كانوا في الواقع يمثلون الأغلبية الساحقة في السياق المجتمعي للإسلام المبكر. يكتشف طنوس في قلب هذا السياق وجود نخب دينية جنبًا إلى جنب مع أشخاص متدينين عاديين من العوام البسطاء وغير المتعلمين. وفي الوقت

الذي كان فيه أتباع النخبة من ذوي التعليم العالي، يضمون في أوساطهم نخبة المفكرين واللاهوتيين والمثقفين المؤثرين ضمن جماعاتهم الدينية، فإن الغالبية الطاغية كانت تضم أشخاصًا أميّين، بل بسطاء فكريًا، شكلوا انتماءهم الديني وفقًا لحاجات خاصة

براغماتية وظرفية صرفة. إن السياق المجتمعي التاريخي الفعلي الذي تقدّمه تلك التركيبة لنا، كما يناقش طنوس، هو سياق معرفي ووجودي عابر للمذاهب والأديان والثقافات إلى درجة تعارض فكرة "نظام ملة ثابت"، التي تحكمت في كيفية مقاربة مؤرخي الشرق الأوسط في التاريخ الوسيط آليات دراستهم للإسلام المبكر76. لم يتكون، إذًا، الإسلام والمسيحية المبكران في الشرق الأوسط من كتلة بشرية صلبة أحادية، سواء ثقافية أو دينية، بل شّكلّا ظاهرتين دينيتين وثقافيتين انتمت إليهما شرائح بشرية ومجتمعية متعددة، بينها فئات بشرية متعلمة - نخبوية وأخرى من فئة العوام - البسطاء، وذلك مع سعة انتشار الشريحة المجتمعية الثانية77. يستنتج طنوس من تلك المعطيات السياقية الخلاصة التالية: "إن تركيزنا بوصفنا باحثين تاريخيين على جماعات ما، أو عدم تركيزنا على جماعات أخرى، من زاوية العلاقة بين تلك الجماعات – كيف يتواصل البسطاء مع المتعلمين، كيف تحوّل المسيحيون البسطاء

إلى مسلمين بسطاء، وكيف تواصل المتعلمون المسلمون مع البسطاء المسيحيين والبسطاء المسلمين الذين انحدروا من العوام المسيحيين، وسواها – هو الذي يجعلنا نحظى بمقاربة محكمة للتاريخ القديم المتأخر والمسيحية والإسلام في التاريخ الوسيط ونتعلم رؤيتها في ضوء جديد"78. يمثل البنيان الذي يشكله طنوس في كتابه سياق عيش مسيحي - إسلامي أو بين-ديني حي وأكثر تنويعًا وديناميكية وتطيفًا مما

نميل إلى تصوره عادةً. ما يستخلصه المرء من تلك الأطروحة هو أن المجتمع خلال العصر الإسلامي المبكر كان واقعًا متعدد الشرائح

والفئات المجتمعية، يتكون من شخصيات نخبوية مثقفة دينيًا وفكريًا تمثّل الأقلية، ومن مؤمنين متدينين ضئيلي التعليم وبسطاء

يمثلون الأغلبية الشعبية الساحقة. هذا النسيج المجتمعي هو ما أتحدث عنه في هذه الدراسة أنهم خواص نخبويون يتمايزون من عوام أو عامة شعبية. إنني أقترح أن المفكرين النخبويين، الذين انخرطوا في علم الكلام الفلسفي أثناء القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، خاصةً ما بين فترتي حكم الخليفة المهدي والخليفة المأمون، مثّلوا خاصة المجتمع من العلماء والمتعلمين. وقد كان هؤلاء مسلمين ومسيحيين ويهودًا، ولم يكونوا يُعتبرون جزءًا لا يتجزأ من شريحة الأغلبية الساحقة للمؤمنين البسطاء العوام، بل كان يُنظر إليهم بوصفهم أفرادًا

انسحابيين ومتعالين. لقد كانت نخبة علماء الكلام من ذوي الميول الفلسفية والفكرية في المجتمع منعزلة ومفارقة لباقي المؤمنين

53  Jack Tannous, The Making of the Medieval Middle East: Religious Society and Simple Believers (Princeton/ Oxford: Princeton University Press, 2018). 54  Ibid., p. 7. 55  Ibid., p. 258. 56  Ibid., p. 501.

  1. Jack Tannous, The Making of the Medieval Middle East: Religious Society and Simple Believers (Princeton/ Oxford: Princeton University Press, 2018).
  2. Ibid., p. 7.
  3. Ibid., p. 258.
  4. Ibid., p. 501.

العوام البسطاء. تدل كلمة "اعتزال"، بهذا المعنى، على حالة اعتبارية وليس على حالة فصلية: إنها دلالة على توجه فكري ومعرفي، وليست اسم علم لفريق أو طائفة واحدة. يروي عمرو بن بحر الجاحظ (ت. 868 م)، في إحدى رسائله المتعلقة بالكلام، أن ممارسي هذا الخطاب الفكري اختاروا أن ينأوا بأنفسهم عن المجتمع الأوسع حين أدركوا أن عامة الناس تفضّل الإفتاء على نحو عارم، الأمر الذي يراه الجاحظ فرعًا ثانويًا

من فروع المعرفة والعلم – على الكلام– الذي يعدّه العلم الأصلي الأول. ويشرح الجاحظ أن المتكلمين تخلوا عن الساحة العامة

للقضاة والحكام، متيحين لهم الفرصة للحكم والقضاء بادلًا منهم. ويقول إنهم قاموا بذلك على الرغم من قناعة المتكلمين أن "آلتهم أتم، وآدابهم أكمل، وألسنتهم أحدّ، ونظرهم أثقب، وحفظهم أحضر، وموضع حفظهم أحصن"79. ما يقوله الجاحظ هو أن أولئك

الذين انخرطوا في علم الكلام، والذين كان المعتزلون الشخصيات الأساسية بينهم80، اختاروا النأي بالنفس عن التوجهات المعرفية والفكرية المهيمنة، والتي شغلت حياة الأغلبية الشعبية العامة في مجتمع القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد. في ضوء كلام الجاحظ عن علم الكلام، وممارسة المعتزلة للكلام، يمكننا أن نقول إن كلمة "اعتزال" توصّف هنا موقفًا وليست

اسم علمٍتعريفيًا يخص فرقةً محددة81. إنه تعبير عن الميل النخبوي والمتعالي الذي نحا في اتجاهه المتكلمون سعيًا لتمييز أنفسهم

من باقي أغلبية عامة المؤمنين البسيطة، أولئك الذين فضّلوا الفقه على الكلام، وذلك على قاعدة تقدير المتكلمين وتثمينهم أكثر من غيرهم للفلسفة والثقافة والعلم. يمكن أولئك النخبويين، الذين اتبعوا هذا النوع من الانسحاب والنأي، أن ينحدروا من أي خلفية دينية، ويمكن تسميتهم جميعًا "الخواص" طالما أنهم يميلون إلى تبنّي رؤية فكرية للعالم ونمط فكري يختلفان عن تيارات الفكر

التي يتّبعها العامة في الجماعات الدينية التي ينتمون إليها. ويمكن أولئك النخبويين أن يسموا معتزلة طالما أن هذا المصطلح يعبّر

عن حالة انسحاب ونأي فكريين بالنفس عن النشاطات الفكرية الشعبية لعامة المؤمنين. يمكن أن تزودنا مقاربة الاعتزال من ذاك النفاذ التفسيري بمعطيات موثوقة أكثر عن الهوية والحياة التاريخيتين الفعليتين للأشخاص الأوائل الذين سمّوا "معتزلة"، وعما قاموا به وما لم يقوموا به في الواقع. يتوقف جوزيف فان إس، في معرض تأمله

في منشأ واصل بن عطاء وحرفته، عند بعض الإشارات في قصائد الشعر العربي التي تصف واصل بأنه "غزال". يعامل فان إس محاولة استنتاج حرفة واصل من خلال مثل تلك الإشارات الشعرية على أنها محاولة تقوم على "افتراضات مزيفة متناقضة" Absurdum Ad Reduction، ومن ثم يؤكد أنه "لو كان واصل مجرد غزال وضيع، لكان من الاستحالة عليه أن يتمكن من تأسيس مثل هذه المنظمة الدينية المحترمة [يعني المعتزلة]، التي استقطبت لها أتباعًا من بلاد فارس وصولًا إلى مصر وبلاد المغرب"82.

يبدو لي هنا أن "معتزلة" ترد بوصفها تسمية لحالة جمعية طائفية أخذت شكل الفرقة منذ اللحظة الأولى لظهورها. ولكن ماذا لو لم يكن الوضع على هذه الحال، ولم يكن الاعتزال يعبّر عن "منظمة دينية محترمة تسعى لاستقطاب أتباع"؟ المعطيات التي عرضتها

في الأعلى تجعلنا نقول إنه لا يوجد ما يمنع من الافتراض أن واصل لربما كان في الواقع مجرد حرفي أو مجرد "مولى"، حتى لو كان

57  عمرو بن بحر الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ج 4 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964)، ص 250. 58  يقول الجاحظ في هذا السياق: "والمتكلم اسم يشتمل على ما بين الأزرقي والغالي وعلى ما دونهما من الخارجي والرافضي، بل على جميع الشيعة وأصناف المعتزلة،

بل على جميع المرجئة وأهل المذاهب الشاذة"، ينظر: المرجع نفسه. 59  أعتقد أن اعتبار الخريطة الفكرية والكلامية في العصر العباسي المبكر كانت مقسمة إلى فرق ومدارس محددة تفصل بينها حدود تعريفية صارمة وتمييزية تشبه

نموذج المدارس والمذاهب الفكرية الذي بدأ العالم الأكاديمي الغربي يقسم خطابات المفكرين إليه بدءًا من القرن التاسع عشر هو اعتبار يستحق التمحيص والنقد

والتدقيق. علينا أن نعيد جديًا، في قناعتي، النظر إلى الفكر الإسلامي المبكر على أنه كان فعلًا مقسمًا تاريخيًا إلى فرق ومدارس، حتى لو كانت نصوص المؤرخين

المسلمين تخبرنا أن أمة الإسلام (تبعًا لحديث ينسب إلى الرسول) انقسمت إلى سبعين فرقة وملة. من وجهة نظر تاريخية، هذا التصور يستحق النقد والتفنيد، وأنا أعكف

على كتابة دراسة حول هذه المسألة. للأسف، لا يتسع المجال في هذه الدراسة للاستطراد حول هذه النقطة.

60  Van Ess, Theology and Society , p. 273 (pp. 270 ff).

  1. Van Ess, Theology and Society , p. 273 (pp. 270 ff).

مثل هذا الموقع الاجتماعي أو مهنة الغزال المتدنَّيَين سيقترحان قدرته الضئيلة على استقطاب أتباع إلى فريق ديني يسمى عليه. لن

تكون هذه المسألة بالأمر المؤثر بعد الآن إذا لم يكن واصل أو أي أحد من أوائل المعتزلة قد رغب، في الدرجة الأولى، في خلق فرقة دينية خاصة. لقد اختاروا موقف الاعتزال تبعًا لقناعات ومواقف فكرية خاصة. إذا كانت القراءة الآنفة الذكر مقبولة تفسيريًا وسياقيًا، فلا شيء إذًا يمنعنا من افتراض أن المتكلمين المسيحيين واليهود، لا

المسلمين فحسب في هذا العصر المبكر، مثّلوا بعلمهم عالي المستوى وتعقيدات فكرهم الفلسفي واللاهوتي أشخاصًا ذوي ثقافة

عالية نخبوية (أي معتزلة) في قلب أغلبية ساحقة من المؤمنين الدينيين البسطاء ضئيلي التعليم في المجتمع. ما عزل هؤلاء عن أولئك كان المحددات الثقافية والفكرية التي التزموا بها وشكّلوا عاداتهم السلوكية العقلية في ضوئها. ما لدينا هنا، في الواقع، هو حالة مشابهة لحالة ثقافية مجتمعية شاعت أيضًا في فضاء السلوك النخبوي في العصر السابق للإسلام، الذي تميزت به الثقافة الهيلينية الكلاسيكية، حيث كانت تلك الحالة العامل الحاسم في "عملية تعريف الذات والحيثية الاجتماعية، بصرف النظر عن الانتساب الطائفي والمذهبي"83. تذكرنا حالات الاعتزال في القرنين الثاني للهجرة/ الثامن للميلاد والثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، على ما يبدو، بهذا الميل الثقافي في العصر المذكور، وكأن أولئك النخبويين الذين عزلوا أنفسهم فكريًا عن المؤمنين البسطاء ضئيلي التعليم

وجّهوا أنفسهم ووعيهم إلى الذات وميولهم الثقافية نحو الولاء للتراث اليوناني الكلاسيكي الفلسفي والالتصاق به84. ما لدينا هنا هو

انتساب جعل من أولئك المعتزلين "خواصًا" و"نخبة" اعتمدت الفكر الأرسطوطالي والأفلوطيني حجر الأساس للعلم والثقافة، وذلك

خلافًا لأغلبية العوام الذين اعتبروا النص الديني، القرآن والكتاب المقدس، والولاء الأعمى للتقليد العقيدي حجر الأساس المعرفي85. أحد الأمثلة الرمزية المعبرة عن حالة الانسحاب والنأي بالنفس عن دوائر التعليم الشعبية للعوام نجده في القصة التي يسردها الشهرستاني عن طريقة انعزال واصل بن عطاء. فيخبرنا أن جل ما فعله واصل هو أنه غادر حرفيًا حلقة التلاميذ القدريين، الذين كانوا يتلقون

دروسًا من حسن البصري داخل المسجد، وجلس بعيدًا وحده. هل من الممكن القول إن واصل ترك تلك الحلقة لأن ميوله الفكرية قادته

نحو فلسفة تثقيفية Paideia أخرى تتشكل وفق مخيال فكري مخالف لذاك الذي تتصف به الفلسفة التربوية الشعبية التي كانت تعتمد في حلقات التدريس في المساجد؟ لا يوجد بين أيدينا ما يقول إن هذا الاحتمال غير معقول أو غير ممكن. في هذه الحال، يعني اعتزال واصل

61  Thomas Sizgorich, Violence and Belief in Late Antiquity: Militant Devotion in Christianity and Islam (Philadelphia, PA: University of Pennsylvania Press, 2009), p. 32 ; Avril Cameron, "Education and Literary Culture," in: A. Cameron & P. Garnsey (eds.), The Cambridge Ancient History: Art and Culture (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), vol. VI, pp. 665 - 707.

62  لا مجال هنا لتقديم عرض للتأثر الإسلامي والمسيحي واليهودي في العصر العباسي، بفضل حركة الترجمة، بالفلسفة اليونانية الأرسطية-الأفلوطينية، وكيفية تأثير

تلك الفلسفات في الفكر الإسلامي. المكتبة البحثية المعاصرة مليئة بالدراسات المتعلقة بهذه المسألة، ومن المستحيل ذكر جميع النصوص المتوافرة حول هذا الموضوع

بالإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية. للاطلاع على بعض إرهاصات هذا الميل إلى الثقافة والتعليم الهيلينيين والتنافس مع الثقافة والتعليم السريانيين في القرن

السادس ومن ثم في فجر الإسلام في منطقة الهلال الخصيب وبعدها في العصر الأموي السفياني، ينظر على سبيل المثال:

Najib George Awad, Umayyad Christianity: John of Damascus as a Contextual Example of Identity Formation in Early Islam (Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2018), pp. 50 - 59 , 63 - 69 ; N. G. Awad, " Creatio ex Philosophia: Kalām as Cultural Evolution and Identity-Formation Means in the Early Abbasid Era," The Moslem World , vol. 4 , no. 109 (2019), pp. 510 - 534 ; N. G. Awad, "When the Intellectuals of 'Ḥarrān Contributed to Falsafa' Theodore Abū Qurrah as 'Nāqil-wa-Mufassir' of Proclean Legacy in Early Islam," Journal of Eastern Christian Studies , vol. 74 (2022), pp. 1 - 43 ; Peter Adamson, The Arabic Plotinus: A Philosophical Study of the 'Theology of Aristotle ' (Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2017); Peter Adamson (ed.), Studies on Plotinus and Al-Kindī (London/ New York: Routledge, 2014); John W. Watt, "The Strategy of the Baghdād Philosophers: The Aristotelian Tradition as a Common Motif in Christian and Islamic Thought," in: J. J. van Ginkel, H. L. Murre-van Den Berg & T. M. Lint, Redefining Christian Identity: Cultural Interaction in the Middle East Since the Rise of Islam (Leuven/ Parise/ Dudley: Peeters, 2005), pp. 151 - 165 ; J. Watt, The Aristotelian Tradition in Syriac (London/ New York: Routledge, 2019); Ahmed Alwishah & Josh Hayes (eds.), Aristotle and the Arabic Tradition (Cambridge: Cambridge University Press, 2015).

63  ينظر فيما يتعلق بالتعليم في الإسلام في التاريخ الوسيط، على سبيل المثال:

James E. Lindsay, Daily Life in the Medieval Islamic World (Indianapolis/ Cambridge: Hackett Publishing Company, 2005), pp. 194 - 199.

  1. Thomas Sizgorich, Violence and Belief in Late Antiquity: Militant Devotion in Christianity and Islam (Philadelphia, PA: University of Pennsylvania Press, 2009), p. 32 ; Avril Cameron, "Education and Literary Culture," in: A. Cameron & P. Garnsey (eds.), The Cambridge Ancient History: Art and Culture (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), vol. VI, pp. 665 - 707. Najib George Awad, Umayyad Christianity: John of Damascus as a Contextual Example of Identity Formation in Early Islam (Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2018), pp. 50 - 59 , 63 - 69 ; N. G. Awad, " Creatio ex Philosophia: Kalām as Cultural Evolution and Identity-Formation Means in the Early Abbasid Era," The Moslem World , vol. 4 , no. 109 (2019), pp. 510 - 534 ; N. G. Awad, "When the Intellectuals of 'Ḥarrān Contributed to Falsafa' Theodore Abū Qurrah as 'Nāqil-wa-Mufassir' of Proclean Legacy in Early Islam," Journal of Eastern Christian Studies , vol. 74 (2022), pp. 1 - 43 ; Peter Adamson, The Arabic Plotinus: A Philosophical Study of the 'Theology of Aristotle ' (Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2017); Peter Adamson (ed.), Studies on Plotinus and Al-Kindī (London/ New York: Routledge, 2014); John W. Watt, "The Strategy of the Baghdād Philosophers: The Aristotelian Tradition as a Common Motif in Christian and Islamic Thought," in: J. J. van Ginkel, H. L. Murre-van Den Berg & T. M. Lint, Redefining Christian Identity: Cultural Interaction in the Middle East Since the Rise of Islam (Leuven/ Parise/ Dudley: Peeters, 2005), pp. 151 - 165 ; J. Watt, The Aristotelian Tradition in Syriac (London/ New York: Routledge, 2019); Ahmed Alwishah & Josh Hayes (eds.), Aristotle and the Arabic Tradition (Cambridge: Cambridge University Press, 2015). James E. Lindsay, Daily Life in the Medieval Islamic World (Indianapolis/ Cambridge: Hackett Publishing Company, 2005), pp. 194 - 199.

أنه نأى بنفسه عن الولاء العمومي الشعبي لنمط تثقيف معيّن وأنه توجه، بادلًا من ذلك، إلى تبنّي نمط مختلف نخبوي، بل غير شعبي، يقوم

على مبدأ التأمل الفردي، الشخصي ذي الطبيعة الفلسفية والعقلانية. لا تعني "اعتزال" في هذه الحالة رفضًا للعوام وانفص لًا عنهم من خلال خلق جماعة أو فرقة مضادة. بل إنها تعني "ترك جماعة أو فرقة ما" أو "البقاء بعيدًا عن حلقة جمعية مهيمنة"؛ أي الخروج من دوائر

التثقيف العمومية الشعبية والالتصاق بتفاعل فكري ولاهوتي شخصي وانتقائي مع أقلية الأفراد المشابهين في التوجه والخيار. أقترح هنا أن لدينا دلالات كافية تفيد أن بعض أولئك الأشخاص المعتزلة جاؤوا من خلفية دينية مسيحية، وأنهم لم يتخلوا عن مسيحيتهم حينما تبنّوا وضعية سلوكية اعتزالية. يخبرنا أحمد بن يحيى بن المرتضى (ت.  1437 م)، في كتابه المعنون ب طبقات المعتزلة،

الرواية التالية عن شخص معتزلي اسمه ثمامة بن الأشرس (ت. 840 م): "وجاءه رجل من الحشوية، فقال له: دع مذهبك فقد رأيت فيك رؤيا قبيحة. فذهب بهم إلى بيعة وسألهم: ما الذي ترون في القس؟ فذكروا المنامات العجيبة. فأقبل على الحشوي وقال: تنصّر"86. لا شك في أن هذه الرواية أحد أكثر الأخبار إثارةً يمكن أن يجدها المرء في الإخباريات الإسلامية اللاحقة عن المعتزلة والاعتزال. وعلى المرء أن يعترف هنا بأن تحديد الفاعل والمفعول به والدال والمدلول عليه في الصياغة العربية لتلك الرواية أمر ليس سهلًا أو واضحًا. ولا يمكن المرء أن يكون متأكدًا متى تتحدث جملة السرد عن ثمامة ومتى تتحدث عن الشخص الحشوي. ومع ذلك، نعرف

أن الحشوية كانت تيارًا فكريًا إسلاميًا، وأن الحشويين كانوا مختصين بتلاوة الحديث النبوي واستخدام محتواه على نحو مكثف

في خطاباتهم الدينية. لذا، يمكن الاستنتاج من هذا استحالة أن يدعو ثمامة السائل الحشوي بتسمية أو صفة "القس" (وهي لقب كهنوتي مسيحي بامتياز) الذي يخدم كنيسة، أو حتى استحالة أن يدعو السائل الحشوي ثمامة كي يتبع المسيحية ويتنصر، طالما أن الحشوي مسلم. إن كان الحشوي هو من يدعو ثمامة للانتساب إلى إيمان ديني ما، فإن المنطقي أن يكون هذا الدين الإسلام، ومن

ثم على نص رواية ابن المرتضى أن يخبرنا أن الحشوي قال لثمامة بن الأشرس: "أسِلم"، وليس "تنصّر". ولكن ليس هذا ما يخبرنا به

ابن المرتضى. والأكثر منطقية ومعقولية، في رأيي، أن نقرأ نص ابن المرتضى كأنه يقترح علينا أن المعتزلي المدعو ثمامة بن الأشرس كان في الواقع مسيحيًا، وأنه انتسب إلى كنيسة (بيعة)، وكان يخدم فيها برتبة كهنوتية، قسًا. إن كان الأمر على هذه الصورة، فإن

لدينا هنا كاهنًا مسيحيًا اختار بدوره موقف الاعتزال، بمعنى أنه تبنّى وضعية سلوكية معرفية وثقافية نأى بها بنفسه وانسحب من دوائر

الفكر الديني الشعبي لعامة المسيحيين. لا تعني "اعتزال" هنا انعزلًا وانفص لًا، أو حتى رفضًا معاديًا، لانتساب المرء الديني. إنها

تعني، بادلًا من ذلك، أن هذا الشخص ترفّع بنفسه وفرزها وجعلها تبتعد عن فكر وسلوكيات تدينية معينة. إن كان إخبار ابن المرتضى يستحق أن نأخذه بجدّية، كما أعتقد، فإن ثمامة بن الأشرس يبدو مث لًا عن معتزلي مسيحي معروف في أوساط أبناء كنيسته (بيعته)

بأحلامه الغريبة، الذي وصل به الأمر إلى توجيه دعوة لشخص مسلم من الحشوية كي يدخل في المسيحية؛ أي يتنصر. يمكن أن نجد مث لًا آخر عن متكلم انخرط في الكلام المعتزلي، ترك المسيحية ودخل في الإسلام في مرحلة متأخرة جدًا من

حياته. من أعنيه هنا هو علي بن ربّن الطبري (780 - 870 م)، إذ يخبرنا شخصيًا في كتابه المعنون ب في الرد على النصارى87، أنه كان

مسيحيًا طوال حياته ("من أول عمري"، كما يقول بكلماته) إلى أن وصل إلى زمن تاق فيه إلى دين الإسلام الحنيف حين بلغ السبعين

من العمر89. ما زال الباحثون المعاصرون يتجادلون في الأسباب التي دفعت الطبري إلى تغيير انتمائه الديني91، إلا أن ما ينبغي أن

64  أحمد بن يحيى بن المرتضى، كتاب طبقات المعتزلة، تحقيق سوزان ديفيلد - (بيروت: دار مكتبة الحياة والتزر، ط 2، 1978)، ص 3 - 6، 64.

65  Alī ibn Rabban al-Ṭabarī, "The Refutation of the Christians," in: Rifaat Ebied & David Thomas (eds.), The Polemical Works of ʿAlī al- Ṭabarī (Leiden: Brill, 2016), p. 61 - 169. 66  Rifaat Ebied & David Thomas, "ʿAlī ibn Rabban al-Ṭabarī, Fragments of a Life," in: Ebied & Thomas (eds.), p. 17. 67  Ibid., pp. 10 - 24.

  1. Alī ibn Rabban al-Ṭabarī, "The Refutation of the Christians," in: Rifaat Ebied & David Thomas (eds.), The Polemical Works of ʿAlī al- Ṭabarī (Leiden: Brill, 2016), p. 61 - 169.
  2. Rifaat Ebied & David Thomas, "ʿAlī ibn Rabban al-Ṭabarī, Fragments of a Life," in: Ebied & Thomas (eds.), p. 17.
  3. Ibid., pp. 10 - 24.

نتوقف عنده فيما يخص دراستنا هنا، في رأيي، هو حقيقة أن الطبري لم يدخل في أي توجه ديني ضمن الإسلام، بل اختار بوضوح أن يتبنّى الفرع العقلاني من الكلام، الذي كان مقترنًا، إن لم يكن معرّفًا في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد بدلالة العقلانية المعتزلية. ليس الحديث هنا عن حالة تحوّل ديني، بل أيضًا عن حالة تبديل في التوجهات وميل نحو الفكر اللاهوتي المعتزلي. يمكن المرء

أن يقترح أن الطبري ركَن إلى هذا النوع من العقلانية الإسلامية لسبب يمكن تحرّيه من زاوية دراسة آليات سلوك التحول الديني خلال

تلك المرحلة التاريخية: تلك الآليات التي يحدّثنا عنها، مثلًا، حنين بن إسحاق، أحد مفكّري وكتّاب العصر الإسلامي المبكر. يحيلنا رفعت

عبيد وديفيد توماس إلى ما يقولان إنه أحد الردود التي كتبها علي بن المنجم، حيث قال إن ابن إسحاق يصنف ستة أسباب تقود الناس إلى عبور الحدود الفاصلة بين الأديان والانتساب إلى أحدها بعد أن كانوا يتّبعون دينًا آخر، وأحد هذه الأسباب الستة، بحسب عبيد وتوماس،

هو الهروب من الناس الجهلة غير المتعلمين أو المطلعين كفاية92. يعكس ما يقوله ابن إسحاق هنا الظاهرة نفسها لعزل الذات أو النأي بها عن دائرة العوام في المجتمع لأسباب ودوافع فكرية وثقافية خالصة. إن كان هذا أحد الأسباب التي تخلق موقف الاعتزال، وإذا كان نص الطبري يعكس فكرًا معتزليًا، فيمكن، إذًا، أن يقول المرء إن الطبري معتزلي قضى القسم الأكبر من حياته بوصفه أحد أتباع المسيحية، ثم

اختار في الجزء الأخير من حياته أن ينأى بنفسه أو أن يعزل ذاته عن دائرة المسيحية بسبب الفوضى الفكرية التسطيحية غير العقلانية التي غرق فيها عامة المسيحيين. لا يبرهن هذا، فحسب، على منطقية الاعتقاد بوجود أديان القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد في حالة من الحواجز السائبة والحدود الرخوة، بل يقدّم لنا مسوغًا منطقيا لاعتبار وضعية الاعتزال تعبيرًا عن سلوك عام شائع عابر للأديان. يمكن، إذًا، بتحليل معرفي مقبول أن يتحرى المرء وجود توجه اعتزالي في أوساط المفكرين والمثقفين المسيحيين الذين عاشوا في القرنين الثاني للهجرة/ الثامن للميلاد والثالث للهجرة/ التاسع للميلاد. ونعلم، على سبيل المثال، أن أحد أهم المتكلمين

المسيحيين العرب، ثاودوروس أبو قرة، كان أسقفًا للمطرانية الخلقيدونية الملكانية في مدينة حران في وقت من الأوقات، لكنه أُقيل من منصبه الكهنوتي في مرحلة لاحقة ولم يتبوأ أي منصب كهنوتي في حياته بعدها، بل إنه أدى دورًا فكريًا صرفًا يتمركز حول علم

الكلام والفلسفة وترجمتها ونقلها بصفته متكلمًا ومفكرًا حرًا. ومع أن لدينا معطيات تاريخية تخبرنا أن ثاودوروس كان له مريدون

وأتباع، وربما تلاميذ أيضًا، فإن المعطيات نفسها تؤكد أنه لم يؤسس يومًا فرقةً قائمة بذاتها، وأنه لم ينتمِشخصيًا إلى أي مذهب أو

طائفة بعينها؛ فقد حافظ على انتسابه إلى الكنيسة الملكانية والتقليد اللاهوتي الخلقيدوني، لكنه شكّل أيضًا خطابه الفكري اللاهوتي التفسيري الخاص للحديث عن هذا التقليد اللاهوتي المذكور93. والأمر نفسه ينسحب، كما يبدو على المعطيات التي بين أيدينا، على أبي رائطة التكريتي وعمار البصري94. لقد انتمى أبو رائطة إلى الكنيسة اليعقوبية المنوفيسية، وعمار إلى الكنيسة النسطورية، إلا أن كليهما تلقى تعليمًا فلسفيًا عاليًا من خارج حدود التعليم الكنسي التقليدي، وكانت نصوصهما الكلامية ذات توجهات فلسفية

68  Ibid., p. 17 ;

Mark Swanson, "A Curious and Delicate Correspondence: The Burhān of Ibn al-Munajjim and the Jawāb of Ḥunayn ibn Isḥāq," Islam and Christian-Muslim Relations , vol. 22 (2011), pp. 173 - 183.

69  حول أبو قرة وإرثه اللاهوتي والمعرفي، ينظر مثل:

Najib G. Awad, Orthodoxy in Arabic Terms: A Study of Theodore Abū Qurrah's Theology in its Islamic Context (Berlin/ Boston: De Gruyter, 2015); pp. 1 - 22 ; Theodore Abu Qurrah, Maymar fī Wuğūd al-Khāliq wad-Dīn al-Qawīm (Maymar on the Existence of the Creator and the Right Religion) , Ignace Dick (ed.) (Jounieh: Librairie St. Paul; Rome: The Papal Oriental Institute, 1982), pp. 15 - 58.

70  حول هذين المتكلمين المسيحيين من العصر العباسي المبكر، ينظر مثل:

Abū Rāʾiṭa Al-Takrītī, Defending 'The People of the Truth' in the Early Islamic Period: The Christian Apologies of Abū Rāʾiṭah , Sandra Toenis Keating (ed.) (Leiden/ Boston: Brill, 2006), pp. 222 - 296 ; Ammār Al-Baṣrī, Kitāb al-Burhūn (The Book of Verification) and Kitāb Al-Masāʾil wal-Ajūibah (The Book of Inquiries and Responses) , Michel Hayk (ed.) (Beirut: Dār Al-Mashriq, 1997).

  1. Ibid., p. 17 ; Mark Swanson, "A Curious and Delicate Correspondence: The Burhān of Ibn al-Munajjim and the Jawāb of Ḥunayn ibn Isḥāq," Islam and Christian-Muslim Relations , vol. 22 (2011), pp. 173 - 183. Najib G. Awad, Orthodoxy in Arabic Terms: A Study of Theodore Abū Qurrah's Theology in its Islamic Context (Berlin/ Boston: De Gruyter, 2015); pp. 1 - 22 ; Theodore Abu Qurrah, Maymar fī Wuğūd al-Khāliq wad-Dīn al-Qawīm (Maymar on the Existence of the Creator and the Right Religion) , Ignace Dick (ed.) (Jounieh: Librairie St. Paul; Rome: The Papal Oriental Institute, 1982), pp. 15 - 58. Abū Rāʾiṭa Al-Takrītī, Defending 'The People of the Truth' in the Early Islamic Period: The Christian Apologies of Abū Rāʾiṭah , Sandra Toenis Keating (ed.) (Leiden/ Boston: Brill, 2006), pp. 222 - 296 ; Ammār Al-Baṣrī, Kitāb al-Burhūn (The Book of Verification) and Kitāb Al-Masāʾil wal-Ajūibah (The Book of Inquiries and Responses) , Michel Hayk (ed.) (Beirut: Dār Al-Mashriq, 1997).

ومنطقية تقترح أنهما كانا من المفكرين الأحرار. فعلى الرغم من انتسابهما إلى تقليد كنسي معين، فإنهما طوّرا تفسيرًا لاهوتيًا وفلسفيًا

حرًا وعقلانيًا جديدًا للتقليد اللاهوتي في الكنيسة التي انتسبوا إليها، وقد كان لكل منهما أتباع وكذلك تلاميذ. لمَ لا يمكن أن تكون تلك الأمثلة المسيحية السابقة تعبيرات عن الاعتزال؟ ولمَ لا يمكن أن يلمح المرء فيها آثارًا لنسخ مبكرة

عن مثل هذا التوجه؟ السبب الوحيد الذي يحول دون ذلك هو الإصرار على قراءة "الاعتزال" من زاوية جامدة نستقيها من تمظهرات "الاعتزالية" وطبيعتها في القرون اللاحقة للقرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، أي في القرنين الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد والخامس للهجرة/ الحادي عشر للميلاد، من دون الانتباه إلى التطورات والمتغيرات التي طرأت على الاعتزال وجعلته ظاهرةً مختلفةً عما كانت عليه في القرن السابق.

2. المعتزلية بصفتها فرقة إسلامية معينة

ما سبق شرحه كان حالة السياق الخاص بالقرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد. وما سأبيّنه في هذا الجزء هو أن حالة الاعتزال

تبدلت وأخذت انعطافة مختلفة في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد؛ أي في العصر الذي بدأت فيه الدوغمائية الدينية الإسلامية تعلن هيمنتها وتهدد أنماط التلَهوت غير الإسلامية، محولةً حالة الاعتزال، في النتيجة، إلى مدرسة "معتزلية"؛ أي إلى تعبير مذهبي

ديني حصري يدل على فرقة أو نِحلة أو مدرسة دينية. في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، دلت كلمة "معتزلة" على نخبة فكرية، وعنت دوائر أولئك الأفراد النخبويين المثقفين ورفيعي المعرفة والتعليم الآتين من ديانات مختلفة والنائين بأنفسهم في المجتمع لأنهم آمنوا بأنه من غير الملائم الجدال في شؤون لاهوتية وفكرية أمام العوام، وفي الفضاء العام، فضلًا عن السماح لأولئك العوام، أو تشجيعهم على الجدال لاهوتيًا في الشؤون الكلامية بأنفسهم من دون أن يكونوا مؤهلين لذلك. خلافًا للسياق المذكور في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، حملت مفردة "معتزلة" دلالات جديدة مختلفة في القرن الرابع

للهجرة/ العاشر للميلاد، إذ باتت اسم علمٍلفريق محدد من أتباع جماعة تنتمي إلى دين واحد بعينه: أصبحت "الاعتزالية" اسمًا

لمذهب فرقة إسلامية من المتكلمين حصرًا. مثل هذا التحول البنيوي هو ما يفسّر لنا، مثلًا، سبب تقديم القاضي عبد الجبار الهمذاني

لنفسه في نصوصه في صورة كاتب معتزلي من القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد يختلف في صورته كليًا عما تكشفه لنا الخطابات

الاعتزالية العائدة إلى القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد عن أصحاب تلك الخطابات من المعتزلة. نرى هذا في لهجة عبد الجبار الواضحة والصارخة العداء والتبخيس للمسيحيين بوصفهم جماعة بشرية ذات ممارسات وعادات، وليس للإيمان المسيحي فقط وعناصره اللاهوتية. وما نراه هنا لا يمثّل مجرد اختلاف في أساليب الكتابة والتعبير بين معتزلة القرن الثالث ومعتزلة القرن الرابع

للهجرة. وأقترح أن هذه اللهجة تكشف الغطاء عن تبدّل بنيوي في عملية فهم الذات وعلاقتها بالآخر؛ الأمر الذي يتمظهر أيضًا في

كيفية فهم مصطلح "معتزلة" واستخدامه علامةً هُووية.

71  نعرف أن نونوس النصيبيني تعلم على يدي أبي رائطة ونعلم أن داود بن مروان المقمص تعلّم تلميذًا على يدي نونوس وأبي رائطة.

72  Richard Martin, Mark Woodward & Dwi S. Atmaja, Defenders of Reason in Islam: Mu'tazilism from Medieval School to Modern Symbol (Oxford: Oneworld, 1997), pp. 12 - 13.

73  يتحدث عبد الجبار في كتابه تثبيت دلائل النبوة بعبارات تبخيسية واضحة ضد الإيمان المسيحي تتجاوز مجرد الرد على الطرح اللاهوتي بطروح لاهوتية مضادة

لينحو نحو تكرار أن المسيحيين مضللون وموهومون: "اعتقادهم لذلك ليس بعلم [...] وخبرهم بذلك ليس بصدق [...] وإنما هم قوم شبه لهم، فاعتقدوا أمورًا تموهت

عليهم فسموا اعتقادهم علمًا وخبرهم نقلًا ":

Abd Al-Jabbār, Tathbīt Dalāʼil an-Nubūwah (Critique of Christian Origin) , Gabriel Said Rynolds & Samir Khalil Samir (eds.) (Provo, UH: Brigham Young University Press, 2010), pp. 54 - 55 , 240 - 242.

يتابع عبد الجبار واصفًا اعتقادات المسيحيين بالجهل والكذب يضعها على تضاد مع صدق وعلم وعقلانية الرسول والمسلمين: 316 , 63., Ibid - 324. ويتابع متحدثًا عن

انحلال المسيحيين وارتكاب نسائهم ورجالهم الفاحشة باعتبارها جزءًا من الدين والتدين وأمرًا يباركه المسيح، ينظر: 333 , 121. pp., Ibid - 273.

  1. Richard Martin, Mark Woodward & Dwi S. Atmaja, Defenders of Reason in Islam: Mu'tazilism from Medieval School to Modern Symbol (Oxford: Oneworld, 1997), pp. 12 - 13. Abd Al-Jabbār, Tathbīt Dalāʼil an-Nubūwah (Critique of Christian Origin) , Gabriel Said Rynolds & Samir Khalil Samir (eds.) (Provo, UH: Brigham Young University Press, 2010), pp. 54 - 55 , 240 - 242.

ما السبب الذي يمكن أن يكون وراء مثل هذا التحول؟ السبب الأهم هو محاولة المتكلمين المسلمين الهيمنة على المشهد الفكري، بل مصادرته، من خلال كبت وتبخيس، وحتى تحقير، خطابات الكلام غير الإسلامية والأديان والتقاليد المجتمعية للأشخاص الذين يتكلمون بهذا الكلام. ليس منافيًا للصواب أن نعدّ هذا التوجه إحدى الوقائع الفعلية الكامنة وراء تراجع المتكلمين

المسلمين عن تجسيد دور المسوقين والمشاركين في خلق هوية عباسية مشتركة واشتمالية ثقافية - فكرية في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد (أي حين كانت كلمة "معتزلي" تعني "نخبة") ونكوصهم نحو التحول إلى حراس راديكاليين لمسار تشكيل هوية مركزية - دينية، إقصائية ومغايرة، حين صارت "معتزلي" تعني "فرقة". يبدو لي أن ديفيد توماس ينتبه إلى مثل هذا التحول المذكور في اللهجة المعتمدة للحديث عن المسيحية وعن حياة المسيحيين وسلوكهم، وليس كلامهم وفكرهم فحسب، ولهذا فهو يتوقف عنده مليًا ويقدّم، في رأيي، إسقاطًا يستحق الانتباه إلى هذا التحول

على مواقف المسيحيين تجاه ظروف عيشهم ونظرة الآخر إليهم بدءًا من القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد. لذا فهو يتحرى في

مقدمة كتابه العقائد المسيحية في اللاهوت الإسلاميتطورًا أساسيًا في مسيرة علم الكلام ما بين القرن الثالث للهجرة/ التاسع

للميلاد والرابع للهجرة/ العاشر للميلاد. ويقترح أن المتكلمين المسلمين أثناء القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد اهتموا على نحو خاص بالإيمان المسيحي وعاملوه على أنه جزء لا يتجزأ من مواضيع علم الكلام الإسلامي واهتماماته الفكرية، لكن الصورة تبدلت جوهريًا بعد مرور قرن من الزمان. لم تعد المسيحية تتمتع بأي تمييز أو امتياز مقارنةً بباقي الأديان، بل جرت "معاملتها إلى جانب

باقي الأديان" بوصفها أدوات مهمتها خدمة دعم "مشروعية تفسير المسلمين المتكلمين لمفهوم التوحيد من خلال وقوفها كنماذج خطابية مقابلة غير مقبولة وبلا قيمة"، إذ خلافًا للقرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد الذي تميز باستيعاب المسيحية كما هي وبمفرداتها الخاصة وبتحرّي أعلى درجة من الدقة والصحة قبل محاولة تبيان لاعقلانيتها، فإن القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد

"شهد تسطيحًا للمسيحية واختزالها إلى مجموعة من التعاليم المبتذلة، التي لطالما تم الحصول على معلومات عنها من مصادر أدبية

إسلامية الهوية حصرًا، وليس من مصادر المسيحيين أنفسهم، فضلًا عن أن المحاورين المسيحيين باتوا قلةً قليلة، على الرغم

من عدم اختفائهم كليًا من المشهد". إذًا، جل ما نلحظه في مشهد الكلام الإسلامي في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد لا

يتجاوز "اهتمامًا يحمله من يتطلع في آثار بائدة" يشهد به على "مغامرات مسيحية مضللة" ويدفع صاحبه إلى معاملة الكلام المسيحي

على أنه "أمر يستحق الازدراء والسخرية". جل ما قام به علماء الكلام المسلمون، بحسب توماس، أنهم "اكتفوا باعتبار العقائد والمعتقدات المسيحية عناصر يمكن توظيفها في خدمة تقوية ودعم أفكارهم وطروحاتهم المتعلقة باتهام مؤمني الأديان الأخرى بالأخطاء الفكرية المثيرة للفضول وبزيف المنطق، وأن ادعاءات أولئك المؤمنين من غير المسلمين لا تمثل بدائل ذات قيمة من الإيمان الإسلامي. [لقد كانت هناك قناعة في أوساط المتكلمين المسلمين] بأنه لم يعد يوجد أي تهديد ممكن [للإسلام] مع انحسار [تلك البدائل] الكامل، وأن تلك العقائد الأخرى ما عادت سوى أدوات يتمّ، بواسطة مقارنة زيفها بالإسلام، التشديد على قوة العقائد

المسلمة وحقائقيتها". بات الآن ما يحرّك المسلمين هو وجود طموح جارف إلى الهيمنة على المشهد الفكري برمته، وذلك من خلال التبخيس من

المهارة الفكرية عند الآخرين وممارسة نوع من أنواع الهيمنة والسيطرة الثقافية على المجتمع. وقد نتج من هذا الميل الجديد خطاب

74  Thomas, "Muslim Theologians and Christian Doctrines," p. 12. 75  Ibid., p. 13. 76  Ibid. 77  Ibid., p. 14.

  1. Thomas, "Muslim Theologians and Christian Doctrines," p. 12.
  2. Ibid., p. 13.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 14.

كلام وجد الفكر المسيحي "مفيدًا حصرًا بوصفه نموذجًا للاجتهاد اللاهوتي المضلل والمغامر". لا مجال في هذه الحال إلا أن

تتعرض المسيحية للتهميش في ظل كل هذا، ولا مفر من أن تُعتبر إيمانًا لا يستحق حتى مجرد الانتباه الفكري إليه. ما لدينا هنا هو

تحول من الكلام بصفته انخراطًا عقليًا مفتوحًا في المنطق الجوّاني لخطابات الآخرين إلى كلام جديد براغماتي، دفاعي، تبخيسي

يتلاعب بخطابات الآخرين ويوظفها في خدمة تمجيد الذات والهيمنة العقائدية. في ضوء هذا التحول، يمكن أن يلحظ المرء تحولًا موازيًا في ظاهرة "المعتزلة" وتحولها من وصف لأفراد من المفكرين ولحالة نخبوية ثقافية مجتمعية (النخبة) إلى تسمية

لمذهب ومدرسة دينية معينة (فرقة) مهمتها الحصرية هي الدفاع عن خطاب عقائدي محدد. عندنا، إذًا، حالة تطورية من معنى بعينه ل "اعتزال"، قام أبو الحسن الأشعري (874 - 936 م)، على سبيل المثال، بقطع الصلة الشخصية معه في مطلع القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد، نحو معنى جديد ل "اعتزال"، يمثله، على سبيل المثال، القاضي عبد الجبار الهمذاني في أواخر القرن ذاته. كان الاعتزال الذي انشق الأشعري عنه هو تلك الظاهرة الثقافية الشائعة التي مَظهرتها النخبة الفكرية في القرن السابق، ولم يكن

بالضرورة انشقاقًا عن الفرقة المذهبية التي تحوّل الاعتزال إليها في زمنه، بل ربما بفضل الخطاب الكلامي لأشخاص يمثل أحد

أصواتهم اللاحقة عبد الجبار الهمذاني. لقد انسحب الأشعري من حالة ثقافية عامة خلقها مفكرون من الخلفيات الدينية كافة شكّلوا فريقًا نخبويًا من المدافعين عن العقلانية Rationalism المتشربة بإسهاب للأفلوطينية - الأرسطوطالية. لقد نأى أولئك النخبويون

بأنفسهم وتعالوا على المجتمع وتعجرفوا معرفيًا على أقرانهم، وازدروا وبخّسوا من شأن توجهات أولئك الأقران الفكرية كلها، سواء

أكانت دينية أم لا، لأنها في رأيهم لم تكن توجهات أمينة للعقلانية أو موالية لها. لم يفصل أولئك الخواص أنفسهم فكريًا فحسب

عن باقي جمهور العامة، بل إن العوام بدورهم، الذين باتوا الآن الرحم الشعبي للميل نحو التقليدية التراثية Traditionalism، ردوا أيضًا على أولئك الخواص النخبويين بموقف نابذ مضاد، وعملوا على عزلهم راديكاليًا بعد أن راحوا يعتبرون أفكار أولئك العقلانيين

مؤذية للإسلام. كان علم الكلام هو "جوهرة التاج" أو "واسطة العقد" بالنسبة إلى أولئك المعتزلين العقلانيين النخبة. لهذا، ليس غريبًا البتّة،

في ضوء هذا النبذ المجتمعي السلبي للعقلانيين المتكلمين المعتزلة، أن يكون نجم التقليدية التراثية قد سطع أواخر القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد ومطلع القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد لغرض أساسي، ألا وهو مقاومة الكلام العقلاني الفلسفي وتحويل متكلميه إلى هدف هجومها الرئيس. جعل التقليديون التراثيون هدفهم الأساسي دحر الثقافة المعتزلية وفرض "موانع ومحظورات ضد الانخراط في أي كلام، وقطع العلاقات مع المتكلمين وحرمانهم مجتمعيًا وكذلك رفض تعاليمهم كافة ودحضها". ومن

المعروف أن المعتزلة من المسلمين تورطوا في تسويق أجندة الخليفة المأمون السياسية ودعمها، والتي تسببت في مأساة المحنة الكارثية في العالم الإسلامي. وقد رأى التقليديون التراثيون في هذا التورط السياسي عذرًا ليس لتشويه سمعة "الاعتزال" بوصفه

وضعية سلوك مجتمعي فحسب، بل أيضًا لدحض أتباع تلك الخطابات الثقافية والفكرية الكلامية وشيطنتهم كليًا. يعبّر ديمتري

غوتاس عن هذه الحالة بقوله: "كانت لمناهضة التقليديين التراثيين للمعتزلة ومواضيعهم نتائج وتبعات على سياسة التعليم والتربية اللاحقة، فقد كان التقليديون هم من شكّلوا في النتيجة مناهج التربية والتعليم الخاصة بالتعليم الشرعي الرسمي في المجتمعات الإسلامية. فلم يضمنوا في مناهجهم تلك، كما هو متوقع، أيًا من تلك المواضيع والمسائل [التي اهتم بها المعتزلة]، كما لم يضمّنوها

كذلك أيًا من المسائل التي تحدثت عنها العلوم المترجمة".

78  Ibid., p. 17. 79  Benyamin Abrahamov, Islamic Theology: Traditionalism and Rationalism (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1998), p. 27. 80  Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbasid Society (2 nd- 4 th/ 8 th- 10 th Centuries) (Axon/ New York: Routledge, 1999), p. 163.

  1. Ibid., p. 17.
  2. Benyamin Abrahamov, Islamic Theology: Traditionalism and Rationalism (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1998), p. 27.
  3. Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbasid Society (2 nd- 4 th/ 8 th- 10 th Centuries) (Axon/ New York: Routledge, 1999), p. 163.

بدوره، يستحضر بنيامين أبراموف قصة شديدة التعبير عن الحقد الشعبي الذي تعرضت له ثقافة الاعتزال وخطابها الكلامي، فيقول: "في عمل عنوانه 'أخبار عمرو بن عبيد'، كتبه المؤلف الشافعي التقليدي والموسوعي علي بن عمر الدارقطني (ت. 995 م)، نقرأ أن ابن العالم التقليدي البصري الذائع الصيت يونس بن عبيد (ت. 756 / 757 م)، عصى أوامر والده الذي منعه من زيارة المتكلم المعتزلي عمرو بن عبيد (ت. 762 م). فما كانت ردة فعل يونس بن عبيد تجاه زيارة ابنه إلا أن أكد أن مقابلة المرء لله (في يوم الحساب) مقترفًا كبائر الخطايا، مثل الزنا والسرقة واحتساء الخمر، لهو أفضل من مقابلة الله محمّلًا بأفكار عمرو بن عبيد

وأتباعه". كتب مؤلفون مسلمون آخرون بدورهم نصوصًا تهاجم الاعتزال وكلامه العقلاني الفلسفي، نعتوا فيها أولئك النخبويين ب "أهل

البدع" وحرّموا رفقتهم أو مجالستهم، بل دعا بعضهم إلى نفي هؤلاء المتكلمين من دوائر الإيمان القويم، لأن مناهج تفكيرهم

تؤدي إلى الكفر. تذكّرنا مواقف أولئك الكتّاب بالموقف القديم الذي يُنسب إلى أبي الحسن الشافعي (ت. 0 28 م)، مثلًا، الذي

بلغ به الأمر درجة الدعوة لموقف عقابي ضد المتكلمين ذوي الكلام العقلاني الفلسفي: "حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد

والنعال ويُطاف بهم في العشائر [والقبائل] ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام". وهو يقصد هنا الكلام

المعتزلي العقلاني الذي يتبع منهج التفكير الأرسطي، الذي اعتُبر في مرحلة ما من أواخر القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد وبدايات

القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد مصدر إفسادٍ للدين وانحرافًا خطيرًا عن الإيمان الصحيح باستخدام "قياسات مزيفة" ومقاربات

قياسية - منطقية غير أرثوذكسية. قد يكون المتكلمون، أو النخبة الفكرية المعتزلية، نجحوا في البرهان على إمكانياتهم في المنطق والفلسفة، إلا أن التقليديين والعوام على حد سواء لم يروا فيهم علماء دين قطّ، لأنهم لم يتعلموا التدين الصحيح. إن كانت قراءتي صحيحة ومشروعة لظاهرة الاعتزال ودلالاتها وتمظهراتها ومعانيها في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، بوصفها ظاهرة ثقافية، فوق طائفية، عابرة للأديان، مكونة من متكلمين عقلانيين مسلمين ومسيحيين ويهود كانوا يمثلون طبقة الخواص، فإن الرفض العدائي للتوجه المعتزلي يمكن أن يشرح لنا التطورات التي حدثت في سياق علم الكلام المسيحي أثناء القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد. وخلافًا للكلام الوافر والشديد التعقيد والعقلانية الفلسفية الذي قدّمه المسيحيون الذين أظهروا ميولًا

معتزلية ونخبوية أثناء القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، فإن نوعية المنتوج الكلامي وكميته انخفضتا انخفاضًا ملحوظًا في القرون اللاحقة. يتمعن ديفيد توماس في هذا التبدل الجذري ويناقش أنه في ضوء هيمنة الفكر الإسلامي وسطوته على الخطابات الدينية كافة في السياق العباسي، بدأ الكلام المسيحي يغيب على نحو مطّرد عن الساحة، ولا يكاد يمكن العثور على شيء منه تفاعل معه

81  Ibid., pp. 27 - 28.

يستعير أبراموف تلك الرواية من:

Josef van Ess (ed.), Traditionistische Polemik gegen 'Amr ibn 'Ubayd; zu Einem Test des Ali B. Umar ad-Daraqutni (Baden-Baden: Ergon Verlag, 2004 [Beirut, 1967]). 82  Abrahamov, p. 28. 83  Ibid. 84  Ibid., pp. 28 - 29.

ترد تلك الكلمات نقلًا عن الإمام الشافعي في: ناصر الدين الألباني، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (بيروت: المكتب الإسلامي، 1988)، ص 75.

ويستدرك بنيامين أبراموف، في معرض اقتباسه لهذه المقولة، ما يلي: "على المرء أن يلاحظ هنا إمكانية أن يكون موقف الشافعي المزعوم غير موثوق وإنما تم وضعه على

لسانه كي يدعم أفكار الأجيال اللاحقة ويكسبها المشروعية بدعم من الأقدمين". يتابع أبراموف، "تلك الظاهرة شائعة جدًا في الأدبيات الإسلامية الدينية. على أي حال،

يمكننا أن نقول بارتياح إن الميل إلى تبخيس علم الكلام كان مؤكدًا في الإسلام الكلاسيكي، على الأقل في أوساط الأجيال اللاحقة:" 71. nt , 84. p , Abrahamov.

85  Ibid., p. 29. 86  Ibid.

  1. Ibid., pp. 27 - 28. Josef van Ess (ed.), Traditionistische Polemik gegen 'Amr ibn 'Ubayd; zu Einem Test des Ali B. Umar ad-Daraqutni (Baden-Baden: Ergon Verlag, 2004 [Beirut, 1967]).
  2. Abrahamov, p. 28.
  3. Ibid.
  4. Ibid., pp. 28 - 29.
  5. Ibid., p. 29.
  6. Ibid.

اللاهوتيون المسلمون. لم يفشل المسيحيون في إقناع المسلمين بقيمة لاهوتهم المعرفية وأهليته فحسب، بل أُجبروا على النأي بأنفسهم بعيدًا عن المشاركة في أي حراك أو نشاط فكري في سياق عيشهم الإسلامي، ومن ثم كانت النتيجة هي الانسحاب منه.

يلمّح هذا الواقع، بالنسبة إليّ، إلى ذاك الهجوم الذي شنه اللاهوت التقليدي التراثي ضد اللاهوت الكلامي العقلاني، الذي مثّل

الظاهرة الثقافية لأولئك النخبة الآتين من مختلف الخلفيات الدينية، والذين تمظهر وضعهم الفكري في صورة انسحاب واعتزال. لا أتفق كليًا مع اعتقاد توماس بالغياب التام والمطلق للكلام المسيحي من المشهد العباسي في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد؛

ذلك أن بعض النصوص الكلامية المسيحية الموجودة بين أيدينا اليوم، مثل نصوص يحيى بن عدي ومتى بن يونس وإلياس النصيبيني وسعيد بن البطريق ومؤلف الكتاب المعروف ب كتاب البرهانوسواها، كلها تشير إلى أن المسيحيين حاولوا أن يتابعوا إنتاج لاهوت كلامي يعادل في قيمته ونوعيته الكلام المسيحي العائد إلى قرون أقدم، إلا أنهم، هذه المرة، فعلوا هذا على نطاق أضيق بكثير وأقل فاعلية وتأثيرًا، وربما بخفر وحذر، ومالوا في نصوصهم إلى التبريرية والحمائية بدل التفسير والتحليل المنطقي

الصرف، للأسباب المذكورة سابقًا. أقترح هنا معقولية قراءة توماس المتعلقة بتحول في الفكر المسيحي من مقاربات كلامية عقلانية في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد إلى مقاربات كلامية أكثر تقليدية ودفاعية وتبريرية في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد. وأضيف إلى قراءة توماس هنا اقتراحي القائل إن هذا التحول قد يكون أحد الإرهاصات التي نتجت من هجوم الفقهاء التقليديين التراثيين ضد النمط الفكري العابر للأديان والثقافي الفلسفي الطبيعة المسمى "المعتزلي". ونجم عن هذا الهجوم، ضمن المعسكر الإسلامي، تحول واختزال للاعتزال إلى مجرد فرقة مغلقة أحادية الدين ذات دور عقائدي دفاعي نكص من بقي من المعتزلين إليه كي ينالوا قبولًا من المجتمع الجديد. أما على المستوى الأوسع للمجتمع العباسي، فإن ما نتج من هذا التحول هو انسلاخ المسيحيين عن النخبوية المعتزلية الثقافية الفكرية والنكوص احتمائيًا ودفاعًا عن النفس إلى دوائر انغلاقية تتمركز حول الانتساب الديني للإيمان المسيحي

والولاء الكنسي الطوائفي. ولا شك في أن المسيحيين اختبروا حالة رعب حقيقية في دوائر الفكر والكلام والمعرفة في بغداد والعراق من جراء الهجوم الشعبي العدائي والقاسي الذي شنّه التقليديون ضد الكلام المعتزلي. لقد أدركوا وقوع تبدّل خطير راديكالي وتفشّيه

ضمن المشهد الفكري في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد، فلم يعد عامة المسلمين وفقهاؤهم التقليديون في مراكز الفكر الإسلامي، مثل بغداد والقاهرة وخراسان وسواها، يستوعبون، أو يحتملون، وجود هوية ثقافية مشتركة عابرة للطوائف والمذاهب والأديان يشكّلها خواص المسلمين وغير المسلمين وبواسطة أدوات فلسفية وليست دوغمائيةً مؤَّسَسةً على الحديث والسنة. لقد

بدؤوا يعتبرونها تهديدًا للتدين الحقيقي والإيمان الديني الصحيح. وأقترح هنا أن أولئك المسيحيين المتكلمين معتزلي الميول رأوا

أنه إذا كان المسلمون التقليديون لم يتورعوا عن إظهار الحقد والعنف تجاه آخرين من دائرة الثقافة المعتزلية المسلمة، فما الذي سيمنعهم من إظهار حقد وعداء مكافئين، إن لم يكونا أكثر عمقًا وجدّية، تجاه أتباع الثقافة المعتزلية نفسها من المسيحيين؟ نصوص

الكلام الإسلامية الباقية بين أيدينا من القرنين الثالث والرابع للهجرة تقترح علينا أنه في الوقت الذي نقرأ فيه في كلام كاتب من

87  Thomas, Christian Doctrines in Islamic Theology , pp. 16 - 17.

88  واحد من النصوص التي كتبت في القرن العاشر، كما أعتقد، هو نص المجادلة في بلاط المأمون بين ثاودوروس أبو قرة ومتكلمين مسلمين. في نقاشي حول تاريخ

كتابة نص تلك المجادلة، أبين من خلال لغة النص أن كاتبه مسيحي عاش في القرن العاشر تحت الضغط المجتمعي وحالة التبخيس والعداء المذكورة في الأعلى،

ولهذا فقد سعى لرفع معنويات المسيحيين وتشجيعهم وإعادة ثقتهم بأنفسهم لهم من خلال سرده رواية مواجهة فكرية كلامية من القرن الماضي (الثالث للهجرة/ التاسع

للميلاد) أثبت فيها المتكلم المسيحي علو كعب الإيمان المسيحي وأحقيته بالتقدير والاحترام. حول هذا النص المسمى "المجادلة في بلاط المأمون" وتاريخ كتابته،

ينظر:

Najib George Awad, " Al-Mujādalah in al-Māʾmūn's Court: When could it have been Composed? Reflecting on Historicity Vis-à-vis Socio- Cultural Data," Oriens Christianus , vol. 103 (2020), pp. 144 - 169.

  1. Thomas, Christian Doctrines in Islamic Theology , pp. 16 - 17. Najib George Awad, " Al-Mujādalah in al-Māʾmūn's Court: When could it have been Composed? Reflecting on Historicity Vis-à-vis Socio- Cultural Data," Oriens Christianus , vol. 103 (2020), pp. 144 - 169.

القرن الثالث للهجرة، مثل أبي عيسى الوراق، على سبيل المثال، تفنيدًا لعقيدة الثالوث المسيحية ينطلق من قناعته بالأهمية القصوى

لاكتشاف ما يؤمن به المسيحيون بأكبر قدر من الصحة والدقة كي لا يساء إليها، فإن نصوص الكلام لمؤلفين مسلمين من القرن الرابع للهجرة، من أمثال الناشئ الأكبر وأبي منصور الماتريدي وأبي بكر الباقلاني وصولًا إلى عبد الجبار الهمذاني، تتعامل مع خطابات الإيمان المسيحي اللاهوتي على أنها مجرد تعاليم شكلية سطحية يتم التعامل معها على نحو تسطيحي وتسخيفي من دون الخوض في تفاصيلها أو مكوناتها الفكرية والفلسفية والمنطقية، بحيث نجد المتكلم المسلم يردد أفكارًا "مزعومة" ويخوض في مسائل عامة

تتعلق بالسلوكيات والأخلاقيات المجتمعية أكثر من العقديات واللاهوت.

خاتمة

يقول سابين شميتكه وغريغوري شفارب، في معرض تقديمهما للعدد الثاني من دورية التاريخ الفكري للعالم الإسلامي المحكّمة، ما يلي: "الأفكار تسافر، ولا يمكن للحدود، جغرافيةً كانت أم سياسية أم أيديولوجية أم طوائفية، أن تمنع عبورها، خاصةً حيث لا تشكّل اللغة أي عائق يذكر". يخبرنا كلا الباحثين عن وجود آثار مؤكدة لحالة "سفر الأفكار" في العالم الإسلامي في التاريخ الوسيط، إذ نشهد "حالات متعددة من التطالعية العابرة للحدود في حقول المعرفة كافة في الواقع". وهذا يظهر بدوره في ترداد العديد من اللاهوتيين المسلمين في نصوصهم الكلامية خطابات لاهوتية مسيحية، وكذلك في عكس كتّاب يهود أفكارًا

ومفاهيم كلامية إسلامية معاصرة لهم. لقد اقترحت في هذه الدراسة وجود حالة عبور للحدود مماثلة بين اللاهوت المسيحي والكلام المعتزلي. وقد ناقشت أن الباحث يمكنه أن يتتبع في الخطابات والتمظهرات الثقافية والسياقية لعلم كلام القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد المسيحي، وذلك ليس مجرد أصداء لتوجهات لاهوتية إسلامية فحسب، بل لميول ومنهجيات تفكير وسلوك معتزلية كذلك، إلى درجة أن المرء يمكنه أن يتحدث عن "اعتزال مسيحي" أو عن ظاهرة ثقافة معتزلية تفشت في أوساط المسيحية تشبه تلك التي تجعلنا نتحدث عن "اعتزال يهودي" و"اعتزال إسلامي". وأدعو في دراستي الحقل البحثي العلمي كي يأخذ في الاعتبار والجدية تلك القراءة للمعتزلية والاعتزال بوصفها ظاهرة فكرية عامة عابرة للأديان، وكي يبدأ في مقاربة "الظواهر الفكرية العابرة للحدود الطوائفية الفاصلة". في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، كان الاعتزال اسمًا لظاهرة ثقافية طمحت إلى خلق حالة مسكونية فوق دينية اشتمالية

تعمل على رسم هوية عباسية تتجاوز حدود الانتماء الديني والعقائدي. ولكن مع حلول القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد، رحنا نشهد تحولًا في التوجه المعتزلي إلى مكون هُووي ضيق وتخصيصي يعرف فرقةً، أو فرقًا، عقائدية إسلامية حصريًا. في هذا السياق الجديد،

"اعتُبرت الثقافة أحد مظاهر تفوق المسلمين على منافسيهم". عنى هذا، في الواقع، فشل حلم خلق توجه فكري ثقافي اشتمالي

89  Abū ʿĪsā Al-Warrāq, Al-Radd ʿAla al-TathlĪth (A Response on the Trinity) , in: David Thomas (ed.), Anti-Christian Polemic in Early Islam: Abū ʿĪsā al-Warrāq's 'Against the Trinity' (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1992).

90  ينظر مثلًا في ردّ الناشئ الأكبر على النصارى في كتاب المقالات، وردّ أبي منصور الماتريدي في كتاب التوحيد، وأبي بكر الباقلاني في كتاب التمهيد، وعبد الجبار

الهمذاني في كتاب المغني في أبواب التوحيد والعدل. يمكن إيجاد تلك النصوص في نسخها العربية مع ترجمة إلى الإنكليزية في كتاب:

Thomas, Christian Doctrines in Islamic Theology , pp. 19 - 78 , 79 - 118 , 119 - 204 , 205 - 277. 91  Schmidtke & Schwarb, "Introduction," p. 1. 92  Ibid. 93  Ibid., p. 3. 94  Demichelis, p. 262.

  1. Abū ʿĪsā Al-Warrāq, Al-Radd ʿAla al-TathlĪth (A Response on the Trinity) , in: David Thomas (ed.), Anti-Christian Polemic in Early Islam: Abū ʿĪsā al-Warrāq's 'Against the Trinity' (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1992). Thomas, Christian Doctrines in Islamic Theology , pp. 19 - 78 , 79 - 118 , 119 - 204 , 205 - 277.
  2. Schmidtke & Schwarb, "Introduction," p. 1.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 3.
  5. Demichelis, p. 262.

يمثله الاعتزال، واستبدال هذا الحلم بخطابات كلامية تقسيمية مغايرة لاهوتيًا وذات توجهات فقهية مختلفة، مثل الأشعرية (وفكر

الماتريدية المتصل بها) والباقلانية والهمذانية، فضلًا عن خطاب الحنبلية. في قلب هذا السياق تحديدًا، راح المفكرون المسيحيون

ينسحبون ويلجؤون إلى مواقف دفاعية حمائية همّها تهيئة المسيحيين للدفاع عن معتقداتهم وحماية أنفسهم من الهجوم الفكري

للطرف الأقوى (بعد أن كانت تبغي التواصل مع الطرف الأقوى المذكور ومساعدة المسيحيين على شرح إيمانهم له منطقيًا وعقلانيًا

في القرن الأسبق)، بعد تخلّيهم عن شغفهم بعلم الكلام وفقدهم الثقة بتجربة المساهمة مسيحيًا في خلق ثقافة معتزلية. علينا

أن نختم هنا بالقول إن خطابات الكلام المسيحي لم تنقرض ولم تختفِ كليًا من المشهد. هذا ما تقترحه علينا النصوص الكلامية

المسيحية الباقية بين أيدينا والعائدة إلى القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد، إلا أن طبيعة كتابة تلك النصوص واستراتيجياتها وأولوياتها تبدلت عن تلك الخاصة بأمثالها في القرنين الثاني للهجرة/ الثامن للميلاد والثالث للهجرة/ التاسع للميلاد. ما عدنا نرى مسيحيين مفكرين ومثقفين يتجرؤون على محاولة تقديم نسخ ومقاربات مسيحية عن هوية فكرية معتزلية الطبيعة تخاطب الآخر وتتواصل معه، بل كان جل همهم مخاطبة جماعاتهم المسيحية الكنسية الضيقة وتهيئتها للنجاة في قلب حرب فكرية أبعد ما تكون عن التطالع والتواصل المتبادل. بهذا انتهت تجربة خلق ظاهرة "معتزلية مسيحية" ونشأ بادلًا منها مانيفيستات كنسية ولاهوتية ذاتية المغايرة وحمائية الهوى.

المراجع

العربية

ابن المرتضى، أحمد بن يحيى. كتاب طبقات المعتزلة. تحقيق سوزان ديفيلد -والتزر. ط 2. بيروت: دار مكتبة الحياة، 1978. ________. المنية والأمل في شرح الملل والنحل. تحقيق م. ج. مشكور. بيروت: دار مكتبة الحياة، 1979. الألباني، ناصر الدين. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي. بيروت: المكتب الإسلامي، 1988. الجاحظ، عمرو بن بحر. رسائل الجاحظ. تحقيق عبد السلام محمد هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964. الشهرستاني، أحمد. كتاب الملل والنحل. بيروت: دار المعرفة، 1993.

الأجنبية

Abd al-Jabbār, Tathbīt Dalāʼil an-Nubūwah (Critique of Christian Origin) , Gabriel Said Rynolds & Samir Khalil Samir (eds.) (Provo, UH: Brigham Young University Press, 2010. Abrahamov, Benyamin. Islamic Theology: Traditionalism and Rationalism. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1998. Abu Qurrah, Theodore. Maymar fī Wuğūd al-Khāliq wad-Dīn al-Qawīm (Maymar on the Existence of the Creator and the Right Religion). Ignace Dick (ed.). Jounieh: Librairie St. Paul; Rome: The Papal Oriental Institute, 1982. Adamson, Peter (ed.). Studies on Plotinus and al-Kindī. London/ New York: Routledge, 2014. ________. The Arabic Plotinus: A Philosophical Study of the 'Theology of Aristotle '. Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2017. Adang, C. & D. Sklare (eds.). A Common Rationality: Mu'tazilism in Islam and Judaism. Würzburg: Ergon, 2007. Al-Azmeh, Aziz. Arabic Thought and Islamic Societies. vol. 1. London/ New York: Routledge, 1986. Al-Baṣrī, Ammār. Kitāb al-Burhūn (The Book of Verification) and Kitāb al-Masāʾil wal-Ajūibah (The Book of Inquiries and Responses). Michel Hayk (ed.). Beirut: Dār al-Mashriq, 1997. Al-Ṭabarī. Tārīkh al-Rusul wal-Mulūk (The History of the Messengers and the Kings). C. E. Bosworth (trans.). New York: State University of New York Press, 1987. Al-Takrītī, Abū Rāʾiṭa. Defending 'The People of the Truth' in the Early Islamic Period: The Christian Apologies of Abū Rāʾiṭah. Sandra Toenis Keating (ed.). Leiden/ Boston: Brill, 2006. Alwishah, Ahmed & Josh Hayes (eds.). Aristotle and the Arabic Tradition. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. Awad, Najib G. Orthodoxy in Arabic Terms: A Study of Theodore Abū Qurrah's Theology in its Islamic Context. Berlin/ Boston: De Gruyter, 2015. ________. Umayyad Christianity: John of Damascus as a Contextual Example of Identity Formation in Early Islam. Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2018. ________. " Creatio ex Philosophia: Kalām as Cultural Evolution and Identity-Formation Means in the Early Abbasid Era." The Moslem World. vol. 4 , no. 109 (2019).

________. " Al-Mujādalah in al-Māʾmūn's Court: When could it have been Composed? Reflecting on Historicity Vis-à-vis Socio-Cultural Data." Oriens Christianus. vol. 103 (2020). ________. "When the Intellectuals of 'Ḥarrān Contributed to Falsafa' Theodore Abū Qurrah as 'Nāqil-wa-Mufassir' of Proclean Legacy in Early Islam." Journal of Eastern Christian Studies. vol. 74 (2022). Becker, Adam H. Fear of God and the Beginning of Wisdom: The School of Nisibis and Christian Scholastic Culture in Late Antique Mesopotamia. Philadelphia, Pennsylvania: University of Pennsylvania Press, 2006. Ben-Shammai, H. "A Note on Some Karaite Copies of Mu'tazilite Writings." Bulletin of the School of Oriental and African Studies. vol. 37 (1974). Bosworth, C. E. et al. (eds.). The Encyclopedia of Islam. Leiden/ New York: Brill, 1993. Cameron, A. & P. Garnsey (eds.). The Cambridge Ancient History: Art and Culture. Cambridge: Cambridge University Press, 1997. Demichelis, Marco. "Between Mu'tazilism and Syncretism: A Reappraisal of the Behavior of the Caliphate of al-Maʾmūn." Journal of Near Eastern Studies. vol. 71 , no. 2 (2012). Ebied, Rifaat & David Thomas (eds.). The Polemical Works of ʿAlī al-Ṭabarī. Leiden: Brill, 2016. Goldziher, Ignaz. Introduction to Islamic Theology and Law. Andras & Ruth Hamori (trans.). Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1981. Goodmann, L. E. "Crosspollinations: Philosophical Fruitful Exchanges between Jewish and Islamic Thought." Medieval Encounters. vol. 1 (1995). ________. Jewish and Islamic Philosophy: Crosspollinations in the Classical Age. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999. Gutas, Dimitri. Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbasid Society (2 nd- 4 th/ 8 th- 10 th Centuries). Axon/ New York: Routledge, 1999. Heinrichs, W. P. & Ch. Pellat et al. (eds.). Leiden/ New York: Brill, 1993. Ibn Al-Murtaḍā. Tabaqāt al-Mu ' tazila. (The Divisions of Mu'tazilites). S. Diwald-Wilzer (ed.). Wiesbaden: Franz Steiner, 1961. Lindsay, James E. Daily Life in the Medieval Islamic World. Indianapolis/ Cambridge: Hackett Publishing Company, 2005. Martin, Richard C. (ed.). The Encyclopedia of Islam and the Muslim World. New York: Macmillan Reference USA, 2004. Martin, Richard, Mark Woodward & Dwi S. Atmaja. Defenders of Reason in Islam: Mu'tazilism from Medieval School to Modern Symbol. Oxford: Oneworld, 1997. Meddeb, A. & B. Stora (eds.). A History of Jewish-Muslim Relations: From the Origins to the Present Day. Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 2013. Murdoch, John E. & Edith Dudley Sylla (eds.). The Cultural Context of Medieval Learning. Dordrecht/ Boston: Rr. Reidel Publishing Company, 1973. Nadler, S. & T. Rudavsky (eds.). The Cambridge History of Jewish Philosophy: From Antiquity through the Seventeenth Century. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

Penn, Michael. Envisioning Islam: Syriac Christians and the Early Muslim World. Philadelphia, Pennsylvania: University of Pennsylvania Press, 2015. Reinink, G. J. & A. C. Klugkist (eds.). After Bardisan: Studies on Continuity and Change in Syriac Christianity in Honor of Professor Han. J.W. Drijvers. Leuven: Peeters, 1999. Richard M. Frank, "The Science of Kalām." Arabic Sciences and Philosophy. vol. 2 (1992). Samir, S. Kh. & J. S. Nielsen (eds.). Christian Arabic Apologetics during the Abbasid Period, 750-1258. Leiden: Brill, 1994. Schmidtke, Sabine & Gregory Schwarb. "Introduction." Intellectual History of the Islamicate World. vol. 2 (2014). Schmidtke, Sabine (ed.). Oxford Handbook of Islamic Theology. Oxford: Oxford University Press, 2016. ________. "Theological Rationalism in the Medieval World of Islam." al-'Uṣūr al-Wusṭā. vol. 20 , no. 1 (2008). Sizgorich, Thomas. Violence and Belief in Late Antiquity: Militant Devotion in Christianity and Islam. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2009. Sklare, David. "The Reception of Mu'tazilism among Jews who were not Professional Theologians." Intellectual History of the Islamicate World. vol. 2 (2014). Steiner, Heinrich. Die Mu'taziliten oder die Freidenker im Islam: Ein Beitrag zur allgemeinen Culturgeschichte. Leibzig: Verlaf von S. Hirzel, 1865. Stroumsa, Guy (ed.). Comparative Studies in the Humanities. Jerusalem: Israel Academy of Sciences and Humanities, 2018. Stroumsa, Sarah. "The Beginning of the Mu'tazila Reconsidered." Jerusalem Studies in Arabic and Islam. vol. 13

________. Freethinkers of Medieval Islam: Ibn al-Rāwandī, Abū Bakr al-Rāzī, and their Impact on Islamic Thought. Leiden/ Boston: Brill, 2016. Swanson, Mark. "A Curious and Delicate Correspondence: The Burhān of Ibn al-Munajjim and the Jawāb of Ḥunayn ibn Isḥāq." Islam and Christian-Muslim Relations. vol. 22 (2011). Tannous, Jack. The Making of the Medieval Middle East: Religious Society and Simple Believers. Princeton/ Oxford: Princeton University Press, 2018. Thomas, David (ed.). Anti-Christian Polemic in Early Islam: Abū ʿĪsā al-Warrāq's 'Against the Trinity'. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1992. ________.(ed.). Christian Doctrines in Islamic Theology. Leiden/ Boston: Brill, 2008. van Ess, Josef (ed.). Traditionistische Polemik gegen 'Amr ibn 'Ubayd; zu Einem Test des Ali B. Umar ad-Daraqutni. Baden-Baden: Ergon Verlag, 2004 [Beirut, 1967]. ________. Theology and Society in the Second and Third Centuries of the Hijra: A History of Religious Thought in Early Islam. Gwendolin Goldbloom (trans.). Leiden/ Boston: Brill, 2017. van Ginkel, J. J., H. L. Murre-van Den Berg & T. M. Lint. Redefining Christian Identity: Cultural Interaction in the Middle East Since the Rise of Islam. Leuven/ Paris/ Dudley: Peeters, 2005. Watt, J. The Aristotelian Tradition in Syriac. London/ New York: Routledge, 2019. Wolfson, H. A. Repercussions of the Kalām in Jewish Philosophy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979.