قراءة موضوعاتية في الجغرافيا التاريخيّة القديمة: شمال أفريقيا من خلال كتاب التاريخ الطبيعي لبلينيوس نموذجًًا
A Thematic Reading of Ancient Historical Geography: North Africa through Pliny's Natural History as a Case Study
الملخّص
انطلقت في أوروبا، خلال القرن الخامس عشر، حركة ترجمة للكتب الإغريقية والرومانية على نطاق واسع، وشكّّل التراث الإغريقي والروماني المكتوب أحد الأسس الفكرية المهمة للحضارة الغربية الحديثة، وساهم في تشكيل وعيها بالآخََر، وبمجالاته الجغرافية. تُُسلّّط هذه الدراسة الضوء على الكتاب الخامس من التاريخ الطبيعي لبلينيوس، نموذجًًا للمصادر القديمة، وتحاول فهم التصور الذي شكّّله عن شمال أفريقيا القديم على المستويََين الطبيعي والبشري، وذلك من خلال تحليل موضوعاتي لمتن الكتاب، وكيفية تأثير ذلك في تشكيل نظرة الغرب الحديثة إلى شمال أفريقيا، والمساهمة في تغذية مشاريعها الاستعمارية.
Abstract
During the 15 th century, a movement to translate Greek and Roman books began in Europe. Written Greek and Roman patrimony formed an important intellectual foundation for modern Western civilization. These translations contributed to shaping awareness of the Other and its geography. This paper sheds light on the fifth book of Pliny the Elder's Natural History as a model for ancient sources. It attempts to shape an understanding of the perception he formed of ancient North Africa on both the natural and human levels, through a thematic analysis of the text of the book. Finally, the paper considers how this influenced the formation of the modern West's vision of North Africa and contributed to fuelling its colonial projects.
- التحليل الموضوعاتي
- شمال أفريقيا القديم
- المصادر القديمة
- الإمبريالية
- هيستوغرافيا
- التاريخ الطبيعي
- بلينيوس الشيخ
- Thematic Analysis
- Histography
- Imperialism
- Ancient Sources
- Ancient North Africa
| زكرياء بوقجيج | Bokjij *Zakaria سعيد البوزيدي | Bouzidi El Said** | |
| قراءة موضوعاتية في الجغرافيا التاريخيّة القديمة: شمال أفريقيا من خلال كتاب التاريخ الطبيعي لبلينيوس نموذجًا A Thematic Reading of Ancient Historical Geography and North Africa through Pliny's Natural History | |
أوالًا: "التاريخ الطبيعي" لبلينيوس
ترتبط المعرفة بالسلطة وفق نماذج وأنماط متعددة، لكن يبقى التفاعل التكاملي بينهما واضحًا، وإذا سلّمنا بأن الكتابة التاريخية الغربية عن شمال أفريقيا، سواء منها الحديثة أم القديمة، تعني إنتاج لون من ألوان المعرفة عن هذه المنطقة التي لا تقع ضمن مجالها بأي حال، فإن هذه "المعرفة قبل ذلك تعني الهيمنة والتحكم، فامتلاك مثل هذه المعرفة بمثل هذا الشيء، معناه السيطرة عليه"1، ثم إن "المعرفة بالأجناس المحكومة، تجعل تدبير شؤونهم يسيرة ومربحة، فالمعرفة تأتي بالسلطة، وزيادة السلطة، تتطلب زيادة المعرفة، وهكذا دواليك في جدلية من المعلومات والتحكم، تزداد فائدتها باطراد"2، فالسلطة المادية العسكرية المباشرة تحتاج إلى سلطة معرفية، وتفتح السلطة المادية مجالات الاشتغال العلمي والدراسة وتوسّعها، وكلتاهما تعضد بعضها الآخر لإنجاز مهمة التحكم والسيطرة والاستغلال. إن تلبّس المشروع الإمبريالي بالنموذج الروماني واضح، وقد أسست الهيستوريوغرافيا الغربية لذلك قُبيل انطلاق التوسع الإمبريالي، وواكبته بعد ذلك؛ إذ "جرت إعادة تشكيل تاريخ 'أفريقيا الرومانية' 'أفريقيا في العهد الروماني' من طرف الهيستوريوغرافيا الأوروبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، لتصبح مرجعًا ونموذجًا للمشروع الاستعماري خلال العصر الحديث"3، وظهرت مؤسسات وتوجّهات علمية ومشاريع بحثية في هذا الإطار، مثل موسوعة الخزانة التاريخية والعسكرية الفرنسية، التي شُرع في كتابتها منذ القرن التاسع عشر، وقد تضمّنت سلاسلها العشرات من الكتب، واشتغلت أساسًا على التراث الإغريقي واللاتيني، ترجمةً ودراسةً، وكتب ليسكين فرونسوا في مقدمة جزئها الثاني "أن التاريخ الروماني وتاريخ بلاده 'فرنسا' مرتبطان بشدة"4. خلال المرحلة التي كانت فرنسا تحتلّ فيها مجموع بلدان الشمال الأفريقي، أُسّس في "المدرسة الفرنسية لروما"، في عام 1912، تخصص دراسي، يهتم بشمال أفريقيا القديم، وعُهد به إلى ستيفان غزيل Gzell Stéphane (1864 – 1932)، وأنتجت هذه المدرسة العشرات من البحوث والدراسات التي تهم شمال أفريقيا القديم، وكان غزيل من أشدّ الداعمين لهذا الاتجاه في الكتابة التاريخية، فقد كان "يطالب السياسيين والإداريين في المستعمرات الفرنسية في شمال أفريقيا بالاستفادة من خبرة الرومان في أفريقيا، التي امتدت على مدى عدة قرون"5. كما كان "يعطي لبلده الحق في أن تبني من وراء مشروع الاحتلال هذا، فرنسا أفريقيّة بحق، والتي ستكون بحسبه مفخرة وقوّة لها"6، وكان يرجع دائمًا إلى التاريخ الروماني الذي يستحق "إعادة اعتبار"7، وتوظيف ومقارنة واستلهام لإنجاح التجربة الاستعمارية الفرنسية الحديثة.
عند العودة إلى الكتابات القديمة، نجد موسوعة التاريخ الطبيعي8 لبلينيوس9 معلمًا بارزًا في الهيستوريوغرافيا القديمة التي كُتبت عن شمال أفريقيا، حيث يُعدّ كتابها الخامس من أهم المصادر القديمة التي وصفت هذا المجال، نظرًا إلى كِّمِ المعطيات التي قدّمها، والقيمة العلمية للتفاصيل التي ذكرها، وشدة إلمامه بالتفاصيل الجغرافية للمنطقة، وقد مَّثَل هذا المؤَّلَف مصدرًا أساسيًا للهيستوريوغرافيا التي مهّدت وواكبت المشروع الإمبريالي الأوروبي في هذا المجال. وما أعطى الكتاب قيمته هو الموارد المعرفية التي أتيحت لبلينيوس، وهو السياسي ورجل الدولة في روما.ُ تسعى هذه الدراسة لتفكيك خطاب بلينيوس، وتسليط الضوء على بعض مكوّناته، من خلال ت لحيل طبيعة الصورة التي حاول أن يرسمها عن المجال، في شقّيها البشري والطبيعي، والوقوف عند مرتكزات خطابه الأساسية، التي جعلت منه أرضية خصبة لمشروع الهيمنة الإمبريالية الحديثة.
ثانيًا: مجتمعات شمال أفريقيا القديم من خلال التاريخ الطبيعي
مثّل الحديث عن مجتمعات شمال أفريقيا إحدى أهم القضايا التي تناولها بلينيوس في كتابه، وحاول إجراء مسح شامل لجميع الأمم التي عاشت في هذه المنطقة، أسعفه في ذلك كم الوثائق التي أمكنه الاّطلّاع عليها، وهي في الأساس وثيقة وصف الساحل لبومبونيوس ميلا Méla Pomponius، وتعليقات أكريبا Agrippa وخريطته، وتقارير عن حالة المقاطعات الرومانية
.10Formulae provinciarum
جاء الكتاب الخامس من التاريخ الطبيعيغنيًا بالمعطيات البشرية المتعلقة بالشعوب والقبائل التي عاشت في شمال أفريقيا، وذكر بلينيوس أن عدد الأمم التي عاشت تحت سلطة روما - من المحيط الأطلسي إلى حدود تونس الحالية، وجنوبًا إلى عمق الصحراء - بلغ 516 مجتمعًا11، ذكر منها في الكتاب 26 اسمًا، واكتفى بذكر أسماء بعضها فحسب، في حين قدّم بعض التفاصيل عن الأخرى، تخص مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، كالأكل والشرب والشكل الخارجي والبنية المورفولوجية والعادات والتقاليد والأعراف وغير ذلك، وقد قسّمتُ تلك المعطيات إلى عناصر تحيل إلى نظرة إيجابية، ونظرة سلبية، وأخرى محايدة، للوقوف على طبيعة الرؤية التي اتّسم بها خطاب بلينيوس عن ساكنة هذا المجال، وذلك وفق الآتي:
1. معطيات تتضمن نظرة إيجابية: أي الطبائع والأخلاق والسلوك والصفات الجسدية الخاصة بأفراد مجتمع بشري ما، التي يتّفق الناس على أنها إيجابية، مثل الصدق والوفاء والكرم وحُسن الضيافة واستواء الخلقة وجمال الهيئة. 2. معطيات تتضمن نظرة سلبية: أي كل ما يخرج عن السواء الإنساني والاعتدال البشري، سواء في الهيئة والبنية الجسدية المختلفة عن البشر، أم في السلوك والتصرفات. 3. معطيات محايدة: وهي تدل على الموقع الجغرافي للمجتمع، أو على عدد أفراده أو تبيّن أصله أو توضح المناطق التي نزح منها أوغير ذلك. في الجدول (1) جرد مفصل للأوصاف كلها التي أوردها بلينيوس عن الساكنة الم لحية وتصنيفها. الجدول (1) جرد الأوصاف التي خص بها بلينيوس ساكنة شمال أفريقيا القديم
| اسم المجتمع | مقتطفات من نصوص بلينيوس | أ التعليق (((1 | نظرة إيجابية | نظرة سلبية | معطيات محايدة |
|---|---|---|---|---|---|
| المور | المستعمرة الأغستية كونستانتيا زليل التي تم اقتطاعها من سيطرة الملوك المور وإلحاقها بسيادة البيتيك (((1. | صنف المور في خانة الأعداء، وفي خانة العاجزين والضعفاء، حيث تم اقتطاع جزء من أراضيهم لإقامة مستعمرة، دون أن تكون لهم ردة فعل على ذلك. | X | ||
| الكناريون | يسكنون الغابات المجاورة المليئة بالفيَلة والوحوش المفترسة والأفاعي من الأنواع كلها، يسمون بالكناريين، حيث إن نظام عيشهم لا يختلف عن نظام الكلاب، ويتقاسمون معها أحشاء الوحوش الضارية (((1. | يضفي على الكناريين صفات التوحش والافتراس، ويُقرن طبيعة عيشهم بطبيعة عيش الكلاب، ويُقرن طعامهم الذي هو أحشاء الوحوش بطعام الضواري. | X | ||
| المور | شعب المور اشتق اسم موريتانيا من اسمهم، وسماهم غالبية الكتاب بالموروزيين Maurusii، قلّ عددهم بسبب الحروب الطاحنة، وتحولوا إلى عدد قليل من العشائر (((1. | يُبرز المور بوصفهم شعبًا متناحرًا مهووسًا بالحروب، غير مسالم، وغير ناضج ليعي مخاطر الحروب، إلى درجة الوصول إلى حافة الانقراض. | X | ||
| الماسايسول | جيرانهم الأقربون هم الماسايسوليون الذين انقرضوا بطريقة مماثلة (((1. | شعب غير مسالم ومهووس بالحروب، قضى على نفسه وانقرض بسبب كثرة المعارك التي خاضها. | X |
| اسم المجتمع | مقتطفات من نصوص بلينيوس | تعليق | نظرة إيجابية | نظرة سلبية | معطيات محايدة |
|---|---|---|---|---|---|
| إيجابية | سلبية | محايدة | |||
| الجيتول | الجيتول اليوم هم المتحكمون في البلد (((1. | يقدم الجيتول في صورة المنافس السياسي لسلطة روما. | X | ||
| البانييرائيون | البانييرائيون والأوتولول فرع من الجيتول وهم الأقوى (((1. | قُدم البانييرائيون والأوتولول على نحو محايد في الظاهر، لكن ربطهم بالجيتول نقلهم من دائرة الشعوب الصديقة إلى خانة الأعداء والمنافسين. | X | ||
| الأوتولول | البانييرائيون والأوتولول فرع من الجيتول وهم الأقوى (((1. | قُدم البانييرائيون والأوتولول على نحو محايد في الظاهر، لكن ربطهم بالجيتول نقلهم من دائرة الشعوب الصديقة إلى خانة الأعداء والمنافسين. | X | ||
| النيزيميون | انفصل النيزيميون عنهم [عن مجتمع الأتولول] وشكّلوا شعبًا خاصًا بهم، وهم بأاتجاه الإثيوبيين (2 ((. | قدمهم في صورة محايدة بتحديد موقعهم الجغرافي. | X | ||
| النوميد | سُمّوا (يقصد اليونان) بالرحل؛ لأنهم يغيرون من دون توقّف في مناطق الرعي، حأااملين خيامهم على عربات (((2. | الترحال معناه البداوة وعدم الاستقرار. | X | ||
| السيتيانيون | وانطلاقًا من هذه الأخيرة، وعلى بعد نحو أربعين ألفًا نحو داخل الأراضي نجد مستعمرة كيرتا المسماة كذلك من طرف السيتيانيين (((2. | _______ | X | ||
| الليبيفينيقيون | يسكنون بيزاسيوم (((2. | _______ | X | ||
| اللوتوفاجيون | اللوتوفاجيون وهناك من سمّاهم الماشرويين (((2. | _______ | X | ||
| المارمريد | يسكن هذا الساحل (ساحل بحر كريت) المارمريديون (((2. | _______ | X |
المارمريديون12.
| اسم المجتمع | مقتطفات من نصوص بلينيوس | التعليق | نظرة إيجابية | نظرة سلبية | معطيات محايدة | |
|---|---|---|---|---|---|---|
| الأكروسيليون | بعد المارمريد يأتي الأكروسيليون (((2. | _______ | X | |||
| الناساميون | على حدود سيرت يوجد الناساميون الذين سمّاهم اليونانيون بالميسامونيين بسبب موقعهم الكائن وسط الرمال (((2. | _______ | X | |||
| القورينائيون | مناطق القورينائيين باتساٍع ٍ يبلغ خمسة عشر ألفًا انطلاقًا من الساحل (((2. | _______ | X | |||
| الأسبيتيون | بعد الناسامونيين يعيش الأسبيتيون والمايسيون (((2. | _______ | X | |||
| المايسيون | بعد الناسامونيين يعيش الأسبيتيون والمايسيون (3 ((. | _______ | X | |||
| الكارامنت | بعد هؤلاء نجد الكارامنت على بعد أحد عشر يومًا مشيًا عن خليج سيرت الكبير، هم أيضًا باتجاه الغرب، محاطون بالرمال (((3. | _______ | X | |||
| يبني الكارامنت منازلهم باستعمال الملح الذي يستخرجونه من الجبال على شكل حجر (((3. | _______ | X | ||||
| إلى حدود اليوم يبقى كشف المسار المؤدي إلى الكارامنت مستحيلًا؛ لأن قُطّاع الطُرق من هذه الأمة يغطون آبارهم التي لا تُحفر عميقًا بالرمال (((3. | وصْف المحاربين الكارامنتيين بقطّاع الطرق صفة سلبية. | X | ||||
| الكارامنت لا يتزوجون، ويتنقلون من امرأة إلى أخرى (((3. | كانت الحضارات القديمة كما الرومانية، تُقدّر الأسرة والزواج. | X | ||||
تُقدّر الأسرة والزواج. X
| اسم المجتمع | مقتطفات من نصوص بلينيوس | تعليق | نظرة إيجابية | ة نظرة سلبية | معطيات محايدة |
|---|---|---|---|---|---|
| إيجابية | ة سلبية | محايدة | |||
| الإيجيب | الإيجيب نصفهم بشر، ونصفهم حيوان (((3. | هم مخلوقات هجينة بين البشر والحيوان. | X | ||
| شكل الإيجيب هو الشكل الاعتيادي نفسه الذي نمثله بهم (((3. | _______ | X | |||
| الأطلانتيون | السلوك البشري عند الأطلانتيين منحسر، ولا يتوفرون على أسماء ليتنادوا بها، يطيلون النظر إلى الشمس عند شروقها وعند الغروب، ويُطلقون عليها لعنات بغيضة، معتقدين أنها مميتة لهم ولحقولهم، وفي نومهم لا يرون أحلامًا كما بقية البشر (((3. | _______ | X | ||
| المستكهفون | يحفر المستكهفون كهوفًا، هي منازلهم، طعامهم لحم الثعابين، يستعملون الصفير وليس الكلام، بمعنى أن أي إمكانية ل حلديث معهم ستكون فاشلة (((3. | _______ | X | ||
| الأوجيليون | لا يعبدون إّلا الأرواح الشيطانية (((3. | _______ | X | ||
| الكامفازيتيون | عُراة وغير قادرين على القتال، وليست لهم أي علاقات مع الأجانب (4 ((. | _______ | X | ||
| الساتيريون | باستثناء الشكل العام الخارجي، فإنه لا وجود لأي قواسم مشتركة بين الساتيريين والبشر (((4. | _______ | X |
| اسم المجتمع | مقتطفات من نصوص بلينيوس | التعليق | نظرة إيجابية | نظرة سلبية | معطيات محايدة | |
|---|---|---|---|---|---|---|
| الهيمانتوبوديون | هم صنف من الكائنات ذات أرجل عبارة عن زوائد لحمية شريطية، يتنقلون زحفًا (((4. | _______ | X | |||
| الفرس | قديمًا رافقوا هيرقل في سباقه نحو الهيسبيريد (((4. | يحيل اسم الفرس إلى الشر والعداوة المستحكمة بينهم وبين الإغريق وخلفائهم الرومان، خصوصًا بعد حملة زيركسيس على اليونان. | X | |||
| البليم | يُروى أنهم من دون رأس، أفواههم وعيونهم على صدورهم (((4. | _______ | X | |||
المصدر: من إعداد الباحث.
يمكننا تحويل معطيات الجدول (1) إلى الشكل (1). الشكل (1) شكل إحصائي للأوصاف الإيجابية والسلبية التي خص بها بلينيوس ساكنة شمال أفريقيا
ﻧﻈﺮة إﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﻧﻈﺮة ﺳﻠﺒﻴﺔ
ﻣﻌﻄﻴﺎت ﻣﺤﺎﻳﺪة
يتضح من خلال الجدول (1) والشكل (1) الإحصائي أن بلينيوس لم يذكر الساكنة الم لحية بأي وصف إيجابي، وذكر ثلاثة عشر وصفًا محايدًا متعلّقًا بمكان الإقامة، أو بالأصل السلالي، أو بطريقة العيش والسكن، وعلى العكس من ذلك، قدّم تسعة عشر وصفًا سلبيًا، مزج فيها بين صفات التوحش والبربرية والهمجية وصفات الافتراس، كما هو الشأن بالنسبة إلى الموريين والكناريين وسكان الكهوف الأطلانتيين، وبين الشر والعنف واللصوصية، كما هو عند الأوجيليين والكارامنتيين، وبين الصفات المقززة والمقرفة، كما هو عند البليم والهيمانتوبوديين، فضلًا عن الصفات المرعبة والمخيفة عند الإيجيبيين والساتيريين. كانت نظرة بلينيوس إلى السكان المحلّيين مغرقة في السلبية وطافحة بعناصر الاستبعاد والرغبة في الإقصاء والعنصرية كلها، والوصف المتحيّز البعيد جدًا عن الموضوعية، والخالي من أي مقومّ من مقوّمات الكتابة التاريخية أو الجغرافية العلمية، ومحاولة الاستبعاد من دائرة البشر، وهي أوصاف أطلقت على مجتمعات وقبائل محلّية، عاشت في ظل هذا المجال الجغرافي وفق خصوصياتها، وكان لها نمط حياتها الخاص وبناها الاجتماعية والثقافية والاعتقادية، غير أنها كانت تشكل تهديدًا لسلطة روما، أو بقيت خارج نفوذها. لنأخذ مث لًا على ذلك "البليميين" الذين وصفهم أنهم "من دون رأس"13، فهم شعب من المحاربين الرُحّل في نوبيا، استطاعوا خلال القرن الثالث قبل الميلاد احتلال أسوان ومدن صعيد مصر14، وقد عرّفهم بومبونيوس ميلا بأنهم مجموعة بشرية محاربة، ليست لها منازل قارة، يصطادون الحيوانات كما يصطادون البشر15، إضافة إلى تمرّسهم بالقتال، بقوا خارج نفوذ الرومان، فشكلوا بذلك خطرًا قائمًا على المستعمرات الرومانية. لنأخذ الكارامنتيين مث لًا آخر، وهم الذين لم يخضعوا لسلطة الرومان، حتى بعد دخول عاصمتهم ڭاراما في حملة كورنيليوس بالبوس، تحت حكم الإمبراطور أغسطس16، حيث بقي بعض مناطقهم – خصوصًا منها الموغلة في الصحراء – خارج الاحتلال الروماني17، وهو ما مثّل تهديدًا للنفوذ الروماني، انطلاقًا من تلك المناطق، وزاد من خطورتهم تمرّسهم بالقتال، ومعرفتهم بدروب الصحراء، وامتهانهم الصيد؛ صيد النعام والفيلة والبشر من الإثيوبيين، واستعبادهم كما ذكر ذلك بطليموس18، إضافة إلى ذلك، فقد امتلكوا كتلة بشرية مهمة، كما يدل على ذلك امتداد مجالهم الجغرافي الواسع، وهو ما يعكس مستوى التهديد الذي شكّلوه لروما، لذلك وصفهم بلينيوس بقطّاع الطرق وباقي الأوصاف السلبية الأخرى، وهو ما يُفسّر أيضًا تكرار ذكر الكارامنتيين ثماني مرات في متن النص، أكثر من أي مجموعة بشرية أخرى. عكست نظرة بلينيوس إلى ساكنة المجال المشروعَ السياسي الروماني في شمال أفريقيا، الذي أعاد تعريف المجتمعات وفق محدداته، وذلك بحسب الوظيفة والعلاقة، من مجتمعات متبربرة وخارج دائرة الحضارة، وهذا أقل الأوصاف، إلى مجتمعات متوحّشة، تشبه البشر شكلًا فحسب، أما سلوكها، فسلوك الضواري والمفترسات، ثم مجتمعات المسوخ التي انزاحت شكلًا وسلوكًا عن البشر، وهي محددات تُطابق الخريطة السياسية لروما في اشتباكها مع السوسيولوجيا الم لحية لشمال أفريقيا، فالمتبربرون من كانوا تحت نفوذها، وكانوا عرضة للاستعباد والاستغلال، وأما المتوحشون، فأولئك الذين قاوموها ورفضوا الخضوع لها؛ وأما المسوخ، فهم من شكّلوا تهديدًا عميقًا في داخل القارة.
| اﻹﻳﺠﻴﺐ اﻟﺴﺎﺗﲑ اﻟﺠﻴﺘﻮل اﻷوﺗﻮﻟﻮل اﻟﺴﺎﻻﺗﻴﻴﺘﻴﻮن اﳌﺎﺳﺎﺛﻴﻮن اﻹﻳﺜﻴﻮﺑﻴﻮن اﻟﺒﲑورﺳﻴﻮن اﻟﻔﺎروزﻳﻮن اﻟﺠﻴﺘﻮﻟﻴﻮن اﻟﺪارﻳﻮن اﻹﻳﺜﻴﻮﺑﻴﻮن اﻟﺪاراﺗﻴﺘﻴﻮن اﻟﻜﺎﻧﺎرﻳﻮن اﳌﻮر اﳌﺎﺳﺎﻳﺴﻮل اﻟﺒﺎﻧﻴﲑاﺋﻴﻮن اﻟﻨﻴﺰﻳﻤﻴﻮن ﺷﻌﺐ اﳌﺎﻛﻮرﺑﻲ ﺷﻌﺐ ﻧﺎﺑﺎﺑﻴﺲ اﻟﻨﻮﻣﻴﺪ اﻟﺴﻴﺘﻴﺎﻧﻴﻮن اﻟﻠﻴﺒﻴﻔﻴﻨﻴﻘﻴﻮن اﻟﻜﺎراﻣﻨﺖ اﻷوﺟﻴﻠﻴﻮن اﻟﺒﻴﺴﻴﻠﻴﻮن اﻟﺴﻴﺴﻴﺒﺎدﻳﻮن اﻟﻠﻮﺗﻮﻓﺎﺟﻴﻮن اﻟﺴﲑﻳﻨﺎﻳﻜﻴﻮن اﻟﻨﺎﺗﺎﺑﻮدﻳﻮن اﻟﻜﺎﺑﺴﻴﺘﻴﻮن اﳌﻮزوﻻﻣﻴﻮن اﻟﺴﺎﺑﺎرﺑﺎرﻳﻮن اﳌﺎﺳﻮل اﻟﻨﻴﺴﻴﻔﻴﻮن اﻟﻔﺎﻣﺎﻛﻮرﻳﻮن اﻟﺴﻴﻨﻴﺜﻴﻮن اﳌﻮزﻳﻨﻴﻮن اﳌﺎرﺷﻮﺑﻴﻮن اﳌﺎرﻣﺮﻳﺪﻳﻮن اﻷﻛﺮوﺳﻴﻠﻴﻮن اﻟﻨﺎﺳﺎﻣﻴﻮن اﻟﺴﲑﻳﻨﻴﻮن اﻷﺳﺒﻴﺘﻴﻮن اﳌﺎﻳﺴﻴﻮن اﻟﻤﺴﺘﻜﻬﻔون اﻟﻔﺰاﻧﻴﻮن ﻧﻴﺘﻴﱪوم ﻓﻴﺼﲑا ﺗﺎﻣﻴﺎﺟﻲ اﻷدﻳﺮﻣﺎﺷﻴﺪﻳﻮن اﳌﺎرﻳﻮﺗﻴﻮن اﻟﻠﻴﺒﻴﻤﴫﻳﻮن اﻟﻠﻮﻛﻮﻳﺜﻴﻮﺑﻴﻮن اﻹﻳﺜﻴﻮﺑﻴﻮن اﻟﻨﻴﺠﺮﻳﺘﻴﻮن اﻟﺠﻴﻤﻨﻴﺘﻴﻮن اﻟﱰاﻳﻠﻴﻮن اﻷوﻳﻜﺎﻟﻴﻮن اﻷﻃﻼﻧﺘﻴﻮن اﻟﻩﻴﻤﺎﻧﺘﻮب اﻟﻜﺎﻣﻔﺎزﻧﺘﻴﻮن اﻟﺒﻠﻴﻢ اﻟﻔﺎروزﻳﻮن 9 8 7 6 5 4 3 2 1 0 | |||
|---|---|---|---|
| ) (الشكل 2 تعداد ورود أسماء المجتمعات في كتاب التاريخ الطبيعي | |||
ثالثًا: أرض شمال أفريقيا
1. جبال شمال أفريقيا
الجبال بمضمونها الأسطوري كان أقوى بكثير من مضمونها الجغرافي.
والإعجاب، والنظرة الأسطورية الغامضة.
ﺟﺒﻞ أﺗﲑ ﺟﺒﻞ ﺑﺮاڭ ﺎ ﺟﺒﺎل ﺗﻴﻮن أوﺷﻴﻤﺎ اﻹﺧﻮة اﻟﺴﺒﻌﺔ قَّدَم لنا بلينيوس عرضًا غنيًا بالمعطيات الجغرافية الطبيعية، تضمّنت ذكر أسماء الأشكال التضاريسية، وموقعها والكثير من التفاصيل المتعلقة بها، كما تضمّن عرضه تنوّعًا، حيث غطّى الأصناف التضاريسية كلها تقريبًا، وذكرها في ارتباط وثيق بالمجتمعات البشرية التي عاشت في جوارها، كما استأثر بعضها باهتمام بلينيوس أكثر من غيره، ومجمل ما ذكر يعكس ماهية نظرته إلى المجال الطبيعي في شمال أفريقيا.
ذكر بلينيوس ثمانية جبال في كتابه، وإذا ما استثنينا الحضور الاستثنائي لجبل أطلس، فإننا لا نجد غير إشارات منفردة إلى سبعة جبال: نيجري19 وأبيلا20 وجيري21 وتيون أوكيما22 والجبال المسماة بالإخوة السبعة23 وبراڭا24 وأتير25، بمعنى أن حضور
وعلى امتداد المقاطع الستة والأربعين في الكتاب الخامس، ذكر بيلنيوس جبل أطلس أربع عشرة مرة في تسعة مقاطع، وذلك انطلاقًا من المقطع الخامس إلى حدود المقطع السادس عشر، واستهلّ ذلك في المقطع الخامس حين وصفه ب "الجبل الأروع في أفريقيا"26، ثم أفرد المقطعين السادس والسابع كلّية لوصف الجبل وإبراز خصائصه ومميزاته، بعبارات تعكس الدهشة والانبهار
الشكل (3) تعداد وتكرار أسماء الجبال
ﺟﺒﻞ أﻃﻠﺲ ﺟﺒﻞ ﺟﲑي ﺟﺒﻞ أﺑﻴﻼ ﺟﺒﻞ ﻧﻴﺠﺮ
الشكل (4) عدد كلمات المعجم المتعلقة بكل جبل
ﺟﺒﺎل اﻹﺧﻮة ﺟﺒﻞ ﺟﲑي ﺟﺒﻞ أﻃﻠﺲ ﺟﺒﻞ أﻃﲑ اﻟﺴﺒﻌﺔ
يبدو من خلال الشكل (3) أن اسم جبل أطلس تكرر أربع عشرة مرة، وأن عدد الكلمات المتعلقة به تفوق الأربعمئة كلمة (الشكل 4). يقول بلينيوس في أول مقطع، إن "جبل أطلس يرتفع من بين الرمال نحو السماء، بحسب ما يُروى، وعرًا أجرد من جهة المحيط الذي أخذ اسمه منه، مليئًا بالظلال ومغطّى بالغابات ومسقيًا بالينابيع المتدفقة من جهة أفريقيا، هناك وتحت غطائه النباتي أصناف الفواكه كلها، الوفيرة التي تُلبّي الرغبات كلها27 [...] خلال النهار لا نرى أي أحد من الناس، الصمت الشامل يماثل الصمت الرهيب للفلوات: خوف ديني صامت، يقتحم القلوب حين نقترب منه، خصوصًا مظهر تلك القمة المرتفعة فوق السحاب، والمجاورة للقرص القمري. لكن في الليل، وعلى الجبل نفسه، تُقدح ألف شعلة، ويملأ الإيجيبيون Égipans والساتيريون Satyres المكان بالطرب، ويُصدرون أنغامًا من مزامير ونايات مع صوت الطبول والصنجات. هذا ما ذكره كتّاب مشهورون، من دون الحديث عن أعمال هيرقل Hercule وبيرسي Persée التي أنجزاها هنا، ويبقى الفضاء الذي يفصلنا عن جبل أطلس شاسعًا وغير معروف"28. والخطاب مزيج من الإثارة والإغراء، مغلّف بالخيال الأسطوري، فالجبل مليء بأنواع الفواكه الوفيرة كلها التي لا تنتهي، وينابيع الماء المتدفقة والغابات الكثيفة، هذا خلال النهار، أما خلال الليل، فيتحول إلى مرتع للكائنات الأسطورية، بأصنافها كلها، وهو مكان مثير للرهبة والخشوع. ثم استبدل بلينيوس لغة المنفعة والربح بلغة الأسطورة في مقطع آخر، فسرد المغريات المادية لجبل أطلس، ومختلف المنافع الاقتصادية التي يمكن أن تأتي منه: "سويتونيوس بولينيوس Paulinus Suétonius الذي رأيناه قنصلًا هو أول من تجاوز
ﺟﺒﻞ ﺑﺮاڭ ﺎ ﺟﺒﻞ ﻧﻴﺠﺮي ﺟﺒﻞ ﺗﻴﻮن ﺟﺒﻞ أﺑﻴﻼ أوﺷﻴﻤﺎ
جبل أطلس من الجنرالات الرومان ببضعة آلاف، وتحدّث بما يطابق كلام الآخرين عن علوّه، وأضاف أن سفحه مليء بالغابات الكثيفة والعميقة التي تُنتج نوعًا غير معروف من الأشجار: ارتفاع هذه الأشجار مميز، وجذوعها البراقة لا تحمل عقدًا، وأوراقها تشبه أوراق شجر السرو، تفرز رائحة قوية ومكسوّة بزغب خفيف، نستطيع من خلال العمل الفني صنع أقمشة منه، مثلما نفعل مع الصوف. قمة الجبل مكسوة حتى في الصيف بثلج سميك29 [...] ويروي سويتونيوس بولينيوس أنه وصل إلى أطلس بعد عشرة أيام من السير"30. ذكر بلينيوس أنه يتشاطر مع يوبا الثاني (48 ق.م– 23 م) II Juba الملك الموري المعطيات نفسها في خصوص أطلس، كما نقل عنه فائدة طبية يتمتّع بها الجبل: "قدم يوبا Juba أبو بطليموس Ptolémée، الذي كان أول من حكم الموريين، والمشهور بأعماله الأدبية أكثر من كونه ملكًا، التفاصيل نفسها عن جبل أطلس. وأضاف أن فيه نبتة تسمى الأوفوربيون Euphorbe التي أُخذ اسمها من الطبيب الذي اكتشفها، ولمست لحبها خصائص رائعة، فهي تُصفّي البصر، وتقاوم عضة الأفاعي والأنواع السامة كلها. وقد خصص جزءًا ل حلديث عن هذا الموضوع. إن كل ما تم ذكره عن جبل أطلس كافٍ وأكثر"31. إن الحضور القوي لجبل أطلس في متن الكتاب، يؤكد المعنى الذي أحاول تكثيفه، حيث الخطاب يتّخذ شكلين مختلفين ومتعاضدين؛ أحدهما يعرض القيمة المادية المغرية للجبل، التي لا تنتهي، والآخر ينشر سحر المكان وظلاله الأسطورية، هذا المزيج المحكم والمتقن بين الأسطورة والثراء المادي غير المحدود، يجعل الرومانيين متحمّسين للوصول إليه واستكشاف عجائبه والاستفادة من خيراته، أو استيطانه والعيش فيه.
2. أنهار شمال أفريقيا
حظيت الأنهار باهتمام بلينيوس، فقد ذكر ثلاثين نهرًا، وذكر العديد من التفاصيل بشأنها، خصوصًا منها صلاحيتها للملاحة والفلاحة والسقي، وكذا المدن والموانئ المرتبطة بها، كما خَّصَ بعضها بتفاصيل بشأن طبيعة الغطاء النباتي، وأنواع الحيوانات التي تعيش في جوارها. استهل بلينيوس حديثه بنهر ليكسوس Lixos، وقدّم قراءة ناقدة لما كان يجري تداوله من معلومات مبالغ فيها حوله، سواء في المصادر الإغريقية أم اللاتينية، وآخذ كورنيليوس نيبوس Nepos Cornélius – الذي كان مؤرخًا وجغرافيًا عاش خلال القرن الأول قبل الميلاد – على تصديقه تلك الروايات، فقال: "بالتأكيد فإن دهشتنا ستكون أقل من حجم الخيال الإغريقي الكبير المنتشر في هذه الكتابات والمتعلق بنهر ليكسوس إذا ما علمنا أن كتّابنا (الرومان) السابقين كتبوا عن المواضيع نفسها نصوصًا لا تقل عن الإغريقية عجائبية، مثل القول إن مدينة ليكسوس كانت قوية جدًا وأكبر من مدينة قرطاج الكبرى Grande la Carthage، وبناء عليه، فإنها تتموقع في مقابل الحالية، وتبعد عن طنجيس Tingi مسافة يستحيل قياسها، وغيرها من الأساطير التي اندفع نيبوس لاعتقادها"32، لكنه لم يبخس قيمة النهر الاقتصادية، خصوصًا إمكانية الإبحار عبره: "إن إمكانية الولوج من البحر عبر المصب بوساطة السفن عبر مسار متعرج فسرت لنا سبب وجود التنين الحارس. هذا المصب ملتصق بجزيرة تقع
في منطقة مرتفعة نسبيًا، تبقيها وحيدة في منأى عن مياه المد. في هذه الجزيرة يقع هيكل لهيرقل ولا شيء آخر يذكرنا بالقصة الشهيرة لشجيرات التفاح الذهبي غير الزيتون البري"33. يذكر سترابون أن مدينة ليكسوس كانت تسمى عند الم لحيين ترانكس Trinx، وسمّاها أرتيميدور Artémidore لانكس، وسمّاها إيراتوسطين Eratosthène ليكسوس34، وعَّدَد المصطفى مولاي رشيد أسماء أخرى: ليكس Liks وليكسي Lixi وليكسوم Lixum35، وبمعرفة العلاقة الوطيدة بين المدينة والنهر، فلربما حمل النهر هذه الأسماء أيضًا. كما ذكر بلينيوس نهرَي سبوبوس Sububus وسالا Sala، فقال: "بالعودة إلى الساحل، وعلى بعد خمسين ألف خطوة36من ليكسوس، يقع نهر سبوبوس، وهو نهر رائع وقابل للملاحة، يسقي مستعمرة بناصا Banasa، وفي المسافة منه، تقع مدينة سالا على ضفة نهر يحمل الاسم نفسه"37. النهر الذي سمّاه سبوبوس هو نهر سبو الحالي الذي يقع في منطقة الغرب، ونهر سالا هو نهر أبي رقراق الحالي38. استشهد بلينيوس برواية المستكشف والمؤرخ الروماني بوليبيوس الذي قام برحلة حول القارة، وذكر أنهارًا عدة: "وذكر أنه بالانتقال من الأطلس إلى الغرب، نجد غابات مليئة بحيوانات خاصة بأفريقيا حتى حدود نهر أناتيس Anatis [...] ونهري سبوبوس وسالا وميناء روتوبيس Rutubis على بعد أربعة وعشرين ألف خطوة من ليكسوس، انطلاقًا من هناك نجد جرف صوليس Soloeis du promontoire [...] ونهر كوزينوم Quosenum [...] ونهر ماساث Masath، ونهر دارات Darat، حيث تعيش التماسيح"39. وقد أشار كل من دوزونج40 ومانير41 إلى أن أسانا وأناتيس اسمان للنهر نفسه، وهو نهر أم الربيع الحالي الذي يقع في منطقة دكالة، ويرَّجَح أن ماساث هو وادي ماسة42 الذي يقع قرب منطقة سوس، ونهر كوزينوم هو وادي سوس43. وفي اتجاه الشرق على الساحل، ذكر بلينيوس نهر سالسوم Salsum، ومعناه النهر المالح44 ونهر بامبوتوم Bombotum "المليء بالتماسيح وأفراس النهر"45، الذي يقع في الغالب باتجاه السنغال، لأن أفراس النهر لا تعيش في العادة في الأنهار المغربية. ثم عاد بلينيوس إلى المقاطعة الطنجية، ليذكر ثلاثة أنهار: "يوجد نهر أسانا ذو المياه المالحة، لكنه مميز بمينائه، ثم نهر آخر يسمى "في" Fut، تفصله مئتا ألف خطوة عن الأديريس، وهو الاسم الذي يطلقه الأهالي في لغتهم على جبل أطلس، نجد في هذا
نهر إيفور46.
على الحدود المغربية - الجزائرية47.
ذكرها بومبونيوس ميلا48، وهنالك اختلاف في تحديد موقعها بالضبط. المجال نهرًا اسمه إيفور Ivor "49. ويعتقد دوزونج أن نهر تانسيفت الحالي هو المقابل لنهر "في" القديم، ووادي القصب هو مقابل
ثم قدّم صاحب التاريخ الطبيعيشهادة لأحد الجنرالات الذي وجد نهرًا اسمه جير، يقع بعد جبل أطلس: "يروي سويتونيوس بولينيوس أنه وصل إلى أطلس بعد عشرة أيام من السير، وأنه واصل المسير إلى أن بلغ نهرًا يسمى جير Ger "50، وهو وادي "غير" الذي يحد الأطلس من جهة الشمال الغربي51. وقرب مضيق أعمدة هيرقل، شمال موريتانيا الطنجية، قدّم لنا بيلنيوس أسماء ثلاثة أنهار مهمة، وركزّ على قدرتها على استقبال السفن وإمكانية الملاحة فيها، فذكر: "نهر تامودا Tamuda القابل للملاحة، وموقعًا لمدينة بالاسم نفسه، ثم نهر لود Laud الذي يستطيع استقبال سفن، ثم مدينة ريسادير Rhyzaddir وميناءها، ونهر مالوان Malvane الصالح للملاحة"52، ويتعلق الأمر هنا على التوالي بكل من وادي مارتيل الذي يمر عبر مدينة تطوان، وواد لو في مدينة واد لو، ووادي كيس
نجد شرقًا نهر مولوشا الذي يسمى حاليًا وادي الهبرا53، والذي يفصل بين دولة بوكوس والماسايسوليين54، وبالاتجاه نحو الشرق أيضًا باتجاه نوميديا، نجد نهر أمبساڭا Ampsaga، أو الواد الكبير55، الذي ينبع من الداخل، ويصبّ في البحر الأبيض المتوسط، وفي جواره نهر ساردافال Sardaval، ونهر أفيس Aves، ونهر نابار Nabar، ونهر يوزار Usar56، وهي الأنهار نفسها التي
نجد على حدود نوميديا الشرقية نهرَي أرموا Armua وتوسكا Tusca57، ويتعلق الأمر بكل من وادي مفرغ والوادي الكبير الذي ينبع من القرب من عين دراهم58. وفي اتجاه الشرق، يقع نهر باڭرادا Bagrada الذي ينبع من داخل الأراضي ويصب في البحر، في محاذاة جرف أبولون الشهير59، واسمه الحالي وادي المجردة60، ثم نتقدم عبر الساحل، فنجد نهر سينيبس Cinyps61، وهو إما وادي أوكيري أو الخان أو المغار الغرين62، ثم نهر تريتون Triton الذي يقع بين خليج سيرت الصغير والكبير، بحسب ڭاليماك63.
ينساب جنوبًا نهر نيڭريس Nigris، أو وادي جدي64 الذي يفصل بين أراضي الجيتوليين والإثيوبيين65، وبالتقدم نحو الشرق عبر الساحل، نجد نهر ليتهون Lethon قرب غابة مقدسة66، ثم نهرين ورد ذكر اسميهما كتابةً خلال مراسيم احتفال النصر الذي أقامه القائد العسكري كورنيليوس بالبوس، وهما نهرا نتهابور Nathabur الذي يأخذ حاليًا اسم المدينة التي يمر فيها، توبنة، ونهر دازيباري Dasibari67 الذي يعني النهر الكبير ل "دا"، وهم سكان النيجر القدماء، بحسب لوت Lhote. H، غير أن دوزونج يربط بينه وبين "قصر غيلان"68. يدل ذكر بلينيوس لواحد وثلاثين نهرًا في أفريقيا، وتخصيصها بالعديد من المعطيات، على اهتمام كبير، نابع من الإمكانات التي تُتيحها هذه التكوينات الطبيعية لتطوير الأنشطة الزراعية والحرفية والتجارية وازدهارها، وتتضاعف أهميتها إذا كانت قابلة للملاحة، فذكر أن سبوبوس (نهر سبو) هو الذي يسقي مستعمرة بناصا69، في إشارة إلى الدور الزراعي، وركّز على ميزة الملاحة، ووصف بها الأنهار التالية: ليكسوس وسبوبوس ولود وتامودا ومالفان70. لم تكن أهمية الأنهار خافية على الذين عاشوا خلال التاريخ القديم، نظرًا إلى اّطلّاعهم الواسع ومعرفتهم الدقيقة بالحضارة المصرية ودور نهر النيل فيها، حيث تحدث هيرودوت مطوّلًا عن دور النيل الزراعي الكبير71، وذكر ذلك سترابون، حيث حوّل النيل أراضي الصحراء المصرية إلى أراضٍ فلاحية، تتعدّد فيها مواسم الحصاد72. وذكر المؤرخ نفسه أهميته التجارية: "المكان الوحيد في مصر الموجود في موقع جيد للتجارة البحرية، نظرًا إلى جودة مينائه، وللتجارة الداخلية لسهولة وصول البضائع كلها التي تنزل عبر نهر النيل، وهو ما يجعل منه أكبر مستودع على سطح الأرض، هذه هي مميزات مدينة الإسكندرية"73. لذلك شكّل النيل عند الجغرافيين القدماء حالة نموذجية لخلق الثروة والازدهار الاقتصادي، بالاعتماد على الإمكانات الاقتصادية التي تُتيحها الأنهار، واستحضارًا لهذا النموذج، حاول بعضهم الربط بين أنهار غرب شمال أفريقيا ونهر النيل، والمقارنة بينها وإيجاد عناصر التقاطع والاشتراك بينها، مثلما نجد ذلك عند سترابون: "الأنهار التي تسقيها [يقصد موروزيا أو موريتانيا] تتكاثر فيها التماسيح مثل النيل، وأصناف الحيوانات كلها التي نجدها في النيل. كما يذهب بعض المؤلفين إلى حد الاعتقاد أن منابع النيل مجاورة لأطراف موروزيا"74. وقد مثّلت كل من مدن ليكسوس وريسادير وبناصا وسالا وغيرها نماذج م لحية للتطور والازدهار الاقتصادي المرتكز على الأنهار.
| ﻧﻬرﻟﻜﻮس 0 10 | |||||||||||||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| ﻧﻬر ﻟﻴﻜﺴﻮس ﻧﻬر ﺳﺒﻮﺑﺎس ﻧﻬر ﺻﺎﻻ ﻧﻬر أﻧﺎﺗﻴﺲ ﻧﻬر ﻛﻮزوﺗﻮﻣﻞ ﻧﻬر ﻣﺎﺳﺎث ﻧﻬر دارات ﻧﻬر ﺳﺎﻟﺴﻮم ﻧﻬر ﺑﻮﻣﺒﻮﺗﻮم ﻧﻬر أﺳﺎﻧﺎ ﻧﻬر ﰲ ﻧﻬر إﻳﻔﻮر ﻧﻬر ﺟﲑ ﻧﻬر ﺗﺎﻣﻮدا ﻧﻬر ﻟﻮد ﻧﻬر ﻣﺎﻟﻔﺎن ﻧﻬر ﻣﻮﻟﻮﺷﺎ ﻧﻬر أﻣﺒﺴﺎﻛﺎ ﻧﻬر ﺳﺎرداﻓﺎل ﻧﻬر أﻓﻴﺲ ﻧﻬر ﻧﺎﺑﺎر ﻧﻬر ﻳﻮزار ﻧﻬر أرﻣﻮا ﻧﻬر ﺗﻮﺳﻜﺎ ﻧﻬر ﺑﺎرﻛﺎدا ﻧﻬر ﺳﻨﻴﺒﺲ ﻧﻬر ﺗﺮﻳﺘﻮن ﻧﻬر ﻧﻴﺠﺮﻳﺲ ﻧﻬر ﻟﻴﺘﻩﻮن ﻧﻬر ﻧﺘﻩﺎﺑﻮر | .المصدر: المرجع نفسه | ||||||||||||||||||
| ﻧﻬر دازﻳﺒﺎري | |||||||||||||||||||
) (الشكل 5 عدد األنهار التي ذكرها بلينيوس مصحوبة بعدد الكلمات المتعلقة بكل نهر
3. المج لاات الصحراوية في أفريقيا
ذكر صاحب كتاب التاريخ الطبيعيالصحراء ست مرات، ثلاث مرات بصيغة المفرد، وثلاث بصيغة الجمع، وأول ما أشار إليه هي الصحراء المجاورة لمدينة سالا ونهرها75 التي يستوطنها الأوتولول، وتوجد فيها الفيلة على نحو كبير. غير أن هذه المعلومة التي أوردها، تبقى بعيدة عن الصحة؛ لأن جغرافية المنطقة عبارة عن هضاب وسهول، تليها جبال الأطلس المتوسط، في حين تبقى الصحراء بعيدة جدًا، باتجاه الجنوب. وجاءت إشارته الثانية من خلال استشهاده برواية القائد العسكري سويتونيوس بولينيوس الذي زعم أنه "وصل إلى أطلس بعد عشرة أيام من السير، وأنه واصل المسير إلى أن بلغ نهرًا يسمى جير، عَبْرَ صحراءَ مكسوّة برمل أسود، تتخلّله صخور حادّة، كأنها محروقة، تجعل الحرارة هذه المناطق غير مأهولة، حتى في فصل الشتاء"76، وتبدو روايته مقبولة قياسًا على الواقع، حيث تبدأ الصحراء مباشرة بعد تجاوز سلاسل أطلس الكبير باتجاه الجنوب الشرقي، بعد نهر ومنطقة سهلية، ثم يذكر بحيرة ليكوميد المحاطة بالصحراء77، التي تقع بين مناطق الكارامنتيين والبسيليين جنوب خليج سيرت الصغير والكبير؛ حيث المنطقة صحراوية، وفي منطقة خليج سيرت الصغير وجنوب مدينة صبراتة، تقع سلسلة جبلية، بعدها مباشرة توجد صحاري78، ثم أشار إلى الصحاري التي تتوسط مناطق الجيتوليين والإثيوبيين، ثم أشار إلى وجود إثيوبيتين في صحاري أفريقيا79، معتبرًا أنه أكثر الكلام صدقًا. إن حديث بلينيوس المقتضب عن الصحاري، راجع إلى الاعتقاد الذي كان سائدًا، بأن هذا المجال الليبي يضم أراضيَ خصبةً، وهو ما نجده مثلًا في كلام سترابون حين يصف موروزيا أو موريتانيا، فيقول: "تتفق الشهادات كلها أن موروزيا لا تضم إّلا الأراضي الخصبة، باستثناء بعض المناطق القاحلة الصغيرة"80، ومن جهة أخرى، لأن الاستيطان الفينيقي والقرطاجي واليوناني وبعده الروماني، كان ساحليًا، ولم يتعمّق إلى داخل القارة، حيث الصحراء الكبرى.
4. المناطق الغابية في شمال أفريقيا
ذكر بلينيوس بعض الغابات، وأول ما ذكر منها تلك التي تغطي جبل أطلس، وأسهب في وصفها حين قال: "يرتفع جبل أطلس [...] مليئًا بالظلال، ومغطّى بالغابات ومسقيًا بالينابيع المتدفقة من جهة أفريقيا، هناك وتحت غطائه النباتي أصناف الفواكه الوفيرة كلها التي تُلبّي الرغبات كلها"81. ثم ذكر أن هنالك غابات يملؤها العديد من أنواع الحيوانات عند الانتقال من جبل أطلس نحو الغرب، بحسب رواية الجغرافي بوليب82، ثم عبّر عن إعجابه بما تختزنه من إمكانات وثروات، حيث اعتبرها هدفًا مشروعًا للاستكشاف والاستغلال: "لكن الذي يدهشني أن هنالك أمورًا رائعة مجهولة وذات إغراء عظيم، ومن أجل أرباحها، نبحث في الغابات من أجل العاج والسيبيون، وفي صخور جيتوليا كلها من أجل البحث عن الرخويات والأرجوان"83.
واستند إلى رواية سويتونيوس بولينيوس لتأكيد مدى الثراء وقيمة الإمكانات التي يزخر بها جبل أطلس، وتحديدًا المناطق السفحية منه، حيث قال: "وأضاف (بولينيوس) إن سفحه مليء بالغابات الكثيفة والعميقة التي تنتج نوعًا غير معروف من الأشجار: ارتفاع هذه الأشجار مميز، وجذوعها التي لا تحمل عقدًا برّاقة، أوراقها تشبه أوراق شجر السرو، تفرز رائحة قوية ومكسوّة بزغب خفيف، نستطيع من خلال العمل الفني صنع أقمشة منه، مثلما نفعل مع الصوف"84. نجد المعطيات نفسها في حديث سترابون عند وصفه موريتانيا الطنجية، فقد قال إن "جميع الشهادات تتفق على أن موروزيا لا تضم إّلا الأراضي الخصبة، باستثناء بعض المناطق القاحلة الصغيرة، وفيها مجارٍ مائية وبحيرات، إضافة إلى أنها مليئة بالغابات، حيث تصل أشجارها إلى ارتفاعات عالية، وكل ما تنتجه الأرض هنا وفير. وموروزيا تزوّد روما بهذه الموائد الجميلة المكوّنة من قطعة خشب واحدة، والمزخرفة بالألوان وذات الأبعاد الضخمة"85. نقل إلينا بلينيوس وجود غابات أخرى مجاورة لجبل أطلس، بالاستناد إلى رواية بولينيوس؛ إذ قال: "الذين يسكنون الغابات المجاورة المليئة بالفيَلة والوحوش المفترسة والأفاعي من الأنواع كلها، يُسمّون الكناريين، ونظام عيشهم لا يختلف عن نظام الكلاب، ويتقاسمون مع تلك الحيوانات أحشاء الوحوش الضارية"86. كما أخبرنا بلينيوس بوجود غابة صغيرة ذات شجيرات87، بعيدًا باتجاه الشرق، في القرب من خليج قرطاج، وذلك نقلًا عن الجغرافي بوليبيوس، ثم ذكر لنا غابة أخيرة في القرب من بيرينس، يُعتقد أنها مقدسة، ويُقال إنها الحدائق (الهيسبيريد)88. إن حديث بلينيوس عن الغابات، الذي يؤكد من خلاله أهمية الغطاء الغابوي في شمال أفريقيا، وما يزخر به من ثروات طبيعية، ينزع الغطاء عن الأطماع المادية لروما، ويكشف بجلاء عن أن إغراء الموارد الطبيعية الليبية وحاجتها الشديدة إليها هما الدافعان الأساسيان وراء إنزال جيو شها في هذه الأرض. تنوّعت التضاريس الطبيعية التي أتى على ذكرها بلينيوس، غير أن بعضها حظي باهتمام أكبر من الآخر لاعتبارات مرتبطة بسياق التأليف، لكن قبل البحث في هذه الاعتبارات ودوافعها، أقترح الشكلين (6 و 7) اللذين يوضحان مختلف الأشكال التضاريسية، وتعداد ذكر أسمائها، وكذا المعجم المتعلق بها. على الرغم من أن عدد أسماء الجبال المذكورة في متن كتاب التاريخ الطبيعيلم يتجاوز الثمانية، فإن الحديث عنها كان كبيرًا، ولا سيما أن بينها جبل أطلس الذي سبق أن بيّنتُ أهميته في الجغرافيا القديمة. عدا ذلك، كانت الأنهار مهيمنةً على بقية الأشكال التضاريسية، لأسباب عدة: أولها اقتصادي؛ لأنها مصدر للثروة والربح، وفي الخصوص دورها الحيوي في ميادين الزراعة والفلاحة والتجارة. والثانيمعرفي مرتبط بالمصادر، ذلك أن للأنهار كلها المذكورة مصبات في البحر، وشكّلت السواحل البحرية مركز اهتمام بلينيوس، لاعتماده على وثيقة وصف الساحل، كما ذكرتُ ذلك سابقًا، هذا فضلًا عن الدور اللوجستي الكبير الذي يمكن أن تقدمه الأنهار في أي عملية توغل إلى أعماق القارة لأهداف استكشافية، أو لأهداف عسكرية، وذلك نظرًا إلى أفضلية التنقل الملاحي على التنقل البري في سرعته وسهولته، كما شكّلت مصبات الأنهار القابلة للملاحة عنصر جذب وإغراء اقتصادي كبيرًا؛ لأنها مؤهلة بطبيعتها لأن تصبح "مراكز تجارية بحرية" Empories، كما رأيناها عند الفينيقيين.
اتّسمت إذًا نظرة بلينيوس إلى طبيعة شمال أفريقيا بالطابع الإيجابي الواضح، وظهر ذلك جلًّيًا من خلال المقاطع الوصفية لمختلف العناصر الجغرافية والطبيعية، التي رسمت عالمًا من الخيال والإغراء المادي غير المحدود، لكن الإغراء تضاعف حين أثث بلينيوس المكان بالأساطير، وامتزجت الميثولوجيا بالجغرافيا، من خلال توطين جزء مهم من المعتقدات الرومانية والإغريقية القديمة على هذه الأرض، مثل التفاحات الذهبية في حدائق الهيسبيريد، وقبر الإله أنتي، والإيجيب والساتير عازفو النايات، وأسطورة الأخوين فيلاين Philènes، والأعمال الاثني عشر للبطل هيرقل، وغيرها، ما أعطى هذه الجغرافيا سحرًا وبعدًا آخرين. الشكل (6) عدد أسماء الأشكال التضاريسية الواردة في الكتاب الخامس لبلينيوس
اﻟﺒﺤﺎر اﻟﺼﺤﺎري اﻟﻐﺎﺑﺎت
الشكل (7) عدد كلمات المعجم المتعلقة بكل شكل تضاريسي
ﺑﺎﻟﺼﺤﺎري ﺑﺎﻟﺒﺤﺎر ﺑﺎﻟﻐﺎﺑﺎت
اﻟﺠﺒﺎل اﻟﺠﺮوف اﻷﻧﻬﺎر اﻟﺒﺤﺮﻳﺔ
ﺑﺎﻟﺠﺮوف اﻟﺒﺤﺮﻳﺔ ﺑﺎﻷﻧﻬﺎر ﺑﺎﻟﺠﺒﺎل
خاتمة
اتّسم الكتاب الخامس لبلينيوس بنظرة سلبية إلى إنسان شمال أفريقيا، ولا سيما أنه ألصق به الصفات الشريرة والمقززة كلها التي أبدعها الخيال الروماني والإغريقي، ولم يكتف بذلك، بل أخرجه من دائرة الإنسانية، في مقابل نظرة مجّدت الأرض وخيراتها، وأثثتها بعالم من الأساطير الوازنة في المخيال الروماني، كحدائق الهيسبيريد والتفاحات الذهبية مثلًا، ولم يكن بلينيوس بدعًا من المؤرخين الرومان حين قال ذلك، فها هو بومبونيوس ميلا سار على المنوال نفسه، حين وصف سكان موريتانيا وأرضها بجملة مقتضبة، قال فيها: "أرضها أفضل من سكانها [...] لأن جبنهم المنحط يجعلهم مخلدين في الظلام"89. أعادت الهيستوريوغرافيا الحديثة إنتاج سردية الهيستوريوغرافيا القديمة نفسها في خصوص شمال أفريقيا؛ إذ مجّدت الجغرافيا، وحَّطَت من قيمة الإنسان. ففي عام 1787، صدر كتاب عنوانه رحلة داخل الدول البربرية: المغرب والجزائر وتونس وطرابلس90، وفي عام 2481 صدر بطلب من وزارة الحرب الفرنسية كتاب عنوانه الجغرافية القديمة للدول البربرية91، وغيرهما من الكتب والعناوين الكثيرة، وهكذا أصبح مصطلح الأمم "البربرية" Barbaresque مرادفًا للشمال الأفريقي/ الإنسان في البحوث والدراسات والمعاجم أيضًا92، وتحوّل هذا إلى اتجاه عام يدلّ على تشبع الكتابات التاريخية الحديثة بهذه النزعة، التي نجد جذورها عند بلينيوس وغيره. ثم إن "جنة عدن" التي صنعها مخيال بلينيوس وغيره عن شمال أفريقيا/ الأرض، هي التي أغرت الدول الأوروبية بالتنافس على هذا المجال بضراوة، إلى حد اقترابها من إشعال الحرب العالمية الأولى في عام 191193، وهي التي حكَمت عقول من أداروا المشروع الكولونيالي وصنعوه واقعًا. في الخطاب الذي بعثه الملازم لويس ساي Say Louis إلى أحد قادته كي يُتلى في ندوة عُقدت في باريس، في عام 1881، عرض فيه الثروات التي تزخر بها الجزائر، وذَّكَرهم بها - وقد كانت آنذاك تحت نفوذهم – وعرض الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها المناطق التي ينبغي التوسع نحوها، انطلاقًا من الجزائر، وهي المغرب غربًا، وتونس وليبيا شرقًا، وكان خطابه مدعمًا بالمعطيات الرقمية والخرائط94. يجزم الباحثون والدارسون للتاريخ القديم أن الكتاب الخامس لبلينيوس هو أحد أهم المصادر الأدبية القديمة التي كُتبت عن شمال أفريقيا، ولا سيما أنه جاء مثقلًا بالمعطيات الجغرافية من حيث كمّها، دقيقًا من حيث مضمونها - ما لم تشبها النزعة العنصرية - وهذا ما يفسر أن الاحتلال الروماني للشمال الأفريقي بُني على معرفة دقيقة وعميقة بهذا الإقليم، وتطورت تلك المعرفة وتعززت خلال الاحتلال وبعده، وهي الجدلية التي سبق وأثرتُها في بداية الدراسة بين المعرفة والسلطة، وأقصد تحديدًا سلطة الاحتلال، وقد عكس الكتاب نَظْرتين متمايزتين إلى الأرض والإنسان، فجاءت الأولى منوّهة بالخيرات الطبيعية التي يحتضنها المجال، وجاءت
الثانية مثقلة بكل ما من شأنه الحط من قيمة الإنسان. وقد أعاد الغرب إنتاج النظرة نفسها إلى شمال أفريقيا حديثًا، وهو ما يؤكد أن المعالم الأساسية للوعي الغربي الحديث بالآخر وبمجالاته الجغرافية جرى استلهامها من التراث الإغريقي والروماني على نحو أساسي، كما أن هذا التراث يشكل عنصر تفسير وفهم مهمًا لجملة من الأحداث والتحولات التي عرفتها الفترة الحديثة في العالم الغربي، والتي أثّرت في بقية العالم، كظاهرَتي الاستعمار والإمبريالية، من أجل ذلك فقد أعاد الاستعمار الفرنسي إنتاج سردية الاحتلال الروماني نفسه في نظرته إلى المجال والإنسان في شمال أفريقيا، وشكلت هذه السردية المبرر والأساس لمشروعه الاستعماري.
المراجع
العربية
سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006.
الأجنبية
Christol, Michel. "L'Empire romain en Afrique: Aspects et résonances d'un impérialisme." Cahiers d'histoire.
Revue d'histoire critique. no. 128 , (2015).
Desanges, Jehan. Pline l'ancie: Histoire naturelle. Paris: Edition les belles lettres, 1980.
El Mostafa, Moulay Rchid. "Lixus et Gadès: Réalité et idéologie d'une symétrie." Dialogues d'histoire ancienne.
vol. 15 , no. 2 (1989).
Gssellin, J. Recherches sur la géographie systématique et positive des anciens. vol. 1. Paris: La république, 1797.
Herodote. Histoire d Herodote. traduit en français par Pierre Henri Larcher. Paris: Charpentier, 1850.
Konrad, Mannert et al. Géographie ancienne des états Barbaresques d'après l'allemand de Mannert. Paris:
Librairie encyclopédique de Roret, 1842.
L'Ancien, Pline. L' Histoire naturelle de Pline. Littre Émile (trad.). J.J. Dubochet, Le Chevalier et Cie, 1851.
Liskenne, Charles. Bibliothèque historique et militaire, dédiée à l'armée et à la garde nationale de France. vol. 2
(Paris: Anselin, Libraire pour l’art militaire, 1836).
Lonati, Elisa. "Retour sur l'identification de la Naturalis historia de Pline l'Ancien corrigée par Robert de Torigni."
Tabularia: Sources écrites des mondes normands médiévaux. CRAHAM - Centre Michel de Boüard (2023).
Marcus, L. & Duesberg. Géographie ancienne des états barbaresques d'après l'Allemand de Mannert. Paris:
la librairie encyclopédique de Roret, 1842.
Méla, Pomponius. Géographie de Pomponius Mela. Louis Baudet (trad.). Paris: C.L.F. Panckoucke, 1843.
Nordman, Daniel & Jean-Pierre Raison (dir.). Sciences de l'homme et conquête coloniale. Paris: Éditions Rue d'Ulm,
Say, Louis. Afrique du Nord et politique coloniale: Notes et croquis d'un officier de marine. Paris: Challamel Ainé,
Strabon. Géographie de Strabon. Amédée Tardieu (trad.). Paris: Librairie de L. Hachette et CIE, 1867.