مراجعة كتاب: أتاتورك: سيرة حياته، لكلاوس كرايزر
Atatürk. Eine Biographie By Klaus Kreiser
الملخّص
المؤلف: كلاوس كرايزر. المترجمة: سميّّة قوزال. عنوان الكتاب: أتاتورك: سيرة حياته. العنوان الأصلي: .Atatürk: Eine Biographie الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2023 . عدد الصفحات: 184 صفحة.
Abstract
Author: Klaus Kreiser Translator: Soumiya Kouzal Title: Atatürk: A Biography Original Title: Atatürk: Eine Biographie Publisher: Doha / Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies Year of Publication: 2023 Number of Pages: 184
- أتاتورك
- الدولة العثمانية
- التحديث السياسي
- الهوية الوطنية
- Atatürk
- Ottoman Empire
- Political Modernization
- National Identity
| سيار الجميل | Jamil *Sayyar | |
| أتاتورك: سيرة حياته، لكلاوس كرايزر Atatürk. Eine Biographie By Klaus Kreiser | |
| المؤلف: كلاوس كرايزر. المترجمة: سميّة قوزال. عنوان الكتاب: أتاتورك: سيرة حياته.. Atatürk: Eine Biographie العنوان الأصلي: الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 184 صفحة. | |
مقدمة
كان مصطفى كمال (أتاتورك) (1923 - 1938)، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، موضوعًا لعشرات الكتب ومئات المقالات، التي نشرها العديد من المؤرخين الأتراك والمستشرقين والمراقبين الغربيين، سواء كان ذلك في عهده أو خلال عهود سياسية لاحقة، وقد أبدت أغلبها إعجابًا بتجربته وأفكاره وتوجهاته، وقبل ذلك، نضاله وقيادته لحرب الاستقلال، في ظروف هي الأصعب في تاريخ الدولة العثمانية، وخصوصًا الحرب العالمية الأولى وما تلاها من تحّولّات مفصلية. حظي تاريخ أتاتورك بكثيرٍ من الدراسات والأبحاث المتنوعة سواء من حيث التركيز على شخصيته وسيرته أو مساره الفكري والأيديولوجي في إطار ما عُرف لاحقًا ب "الكمالية"، فضلًا عن سياساته الداخلية والخارجية، فقد انتصر انتصارًا كبيرًا في حرب تحرير بلاده من المحتلّين، ونجح في لمّ شتات الأتراك في الأناضول الآسيوية وتراقيا الأوروبية. وانتقدت كتابات أخرى سياساته وأفكاره وتجربته العلمانية والمبادئ الستة التي قام عليها نظامه الجمهوري على امتداد القرن العشرين، والمتمثلة في الوطنية والدولتية والجمهورية والشعبية والعلمانية والثورية.
أوالًا: سيرة أتاتورك: قيمة تاريخية
انعكست سيرة مصطفى كمال المعقّدة والمركّبة على بناء الشخصية التركية المعاصرة؛ فهو لا يزال، حتى يومنا هذا، رمزًا وطنيًا للأتراك بتوجهاتهم الفكرية والأيديولوجية المتباينة، فأفكاره وكلماته ظلت نافذة، وصوره وتماثيله في كل مكان، بادية للعيان في أرجاء تركيا، على الرغم من تغيّر سياسات الحكم، ومخالفة بعضها لتوجهات النهج الكمالي وأفكاره؛ وهذا أثار اهتمام المثقفين الأتراك والأجانب. في هذا الخضم، يأتي عمل المؤرخ الألماني كلاوس كرايزر في كتابه أتاتورك: سيرة حياتهالمترجم إلى العربية ترجمة ممتازة، أنجزتها سميّة قوزال، والصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة عام 2023.
ثانيًا: ملاحظات أوّليّة
يُعدّ كرايزر أحد أهم الخبراء الدوليين في التاريخ العثماني والتركي، وتميّز كتابه بثراء مادته، وإتقانه للموضوع، فضلًا عن أمانته العلمية، على الرغم من غياب التوثيق والهوامش والملاحظات الأساسية على النص، باستثناء ما قدّمه من ملاحظات مهمّة في نهاية الكتاب عن مصادره ومراجعه، ولا حجّة له في ذلك، خصوصًا أنه، كما يقول في المقدمة، قد استخدم وثائق تتضمّن معلومات نادرة يكشف عنها أوّل مرّة. إنّ المؤرخ المتمرّس لا يكتفي بمجرد الاّطلّاع على عشرات المصادر والوثائق، بل يسعى إلى توثيق مادته توثيقًا دقيقًا وشاملًا، فالضرورة تقتضي، خصوصًا في كتابة سيرة وإنتاجها، توثيق مادتها، عملًا بأصول الأمانة العلمية وموضوعيتها البعيدة عن نشوة حماس الباحث والمؤرخ. والملاحظ أنّ المؤلف تجاهل الروايات المعارضة والمعلومات غير الصحيحة التي نشرها خصوم أتاتورك. وبدا واضحًا، من خلال قراءة الكتاب أنه نجح في تقديم سرد ذكيّ وواسع بنفَسٍ علمي هادئ ورصين، وتجنّب إصدار أحكام قيمة مطلقة، فهدفه الرئيس كان وصف مصطفى كمال ضمن السياق التاريخي لظهوره، ليأتي، من بعد ذلك "أتاتورك" الزعيم، ولم ينظر إليه منبهرًا كما هو حال الأوائل. قسّم كرايزر الكتاب إلى مقدمة واثني عشر فصلًا وخاتمة. وبدا متوازنًا في تضمين ما وجده في سيرة حياة أتاتورك، مع نشر عدة صور تاريخية له في أماكن وتواريخ متباينة. ونلاحظ أنه تعمّد أن تتناغم فصول الكتاب مع سيرة الرجل لا مع قوة هذا الحدث التاريخي أو ذاك، فالأهمّ لديه هو التركيز على مفاصل حياة أتاتورك. كان من الأجدى أن تقدّم مترجمة الكتاب نبذة مختصرة عن أسلوب ترجمتها له، ولكنها
استدركت ما غيّبه المؤلف، حيث أوضحت وزن اسم "أتاتورك" وقوّته في متاهة صراع الأضداد بين مؤيديه من العلمانيين والإسلاميين، وهي مشكلة مستحكمة في المجتمع التركي المعاصر (وحتى العربي) إلى اليوم. كنت أودّ لو وضّح المؤلف ملابسات تحوّل اسم أتاتورك إلى ظاهرة تاريخية مثيرة للجدل؛ إذ إنه، من جهة، رسّخ الأسس العلمانية للجمهورية التركية، ومن جهة أخرى، ظل موضع نفور لدى الإسلاميين. وقد أبقى المؤلف نفسه بعيدًا عن هذا الجدل ليقتصر على تقديم نبذة موجزة عن كتابه في مقدمته المختصرة. إننا مطالبون بأن نبقى في حدود "النص" من دون الابتعاد عنه. لم يكن أتاتورك زعيمًا عادًّيًا، فقد شكّل ظاهرة في تاريخ الشرق الأوسط، وينبغي للمؤرّخ له أن يكون في مستوى تلك "الظاهرة"، فلا يمكن التوقّف عند سرد الأحداث من دون قراءتها قراءة نقدية.
ثالثًا: المضامين البيوغرافية
وصف كرايزر في البداية سيرورة خط حياة أتاتورك بقوله: "بدأ عسكريًا ثمّ أصبح سياسيًا، يرى في نفسه تجسيدًا لإرادة أمّته، وقاد لاحقًا ثورة ثقافية أحدثت تغييرًا جذريًا في الحياة الدينية والقانونية وفي التاريخ واللغة وحتى الملبس والموسيقى" (ص. 25). وبالرغم من كل الصعوبات، فقد نجح في ترسيخ "النظام" الذي أراده من خلال تجربته وتطبيقاته بنفسه. وُلد مصطفى كمال في سالونيك؛ حيث ميناء مقدونيا، ونشأ وتعلّم فيها في طفولته وشبابه، في الفترة 1881 - 1896. ونجح كرايزر في تحليل وضع سالونيك السكاني انطلاقًا من معطيات إحصائية، وأثبت عبر ذلك وبطريقة غير مباشرة، أنّ أتاتورك كان تركيًا عثمانيًا مسلمًا من خلال أسماء أفراد أسرته، فلم يكن من يهود الدونمة، كما يقول معارضوه الإسلاميون العرب؛ فاسمه الحقيقي هو "مصطفى"، وأضيف إليه لاحقًا اسم كمال ليغدو اسمًا مركّبًا، حيث عُرف عنه إعجابه بالأديب التركي الشهير محمد نامق كمال. وكان ناجحًا في مساره الدراسي لينخرط في مسار كفاحه الوطني عبر نشاطاته السرّية، في الفترة 1896 - 1905، ليبدأ حياته في الثكنة العسكرية داخل الكلية الحربية، التي درس فيها وتدرّب في أروقتها وميدانها. وحاول كتابة الشعر لكنه لم يُوفّق. وانتقل إلى العاصمة العثمانية إسطنبول في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ليشهد حياة جديدة، وهناك تلقّى برنامجًا تعليميًا في روسيا، على غرار أقرانه الضباط العثمانيين الذين كانوا من شتى الملل والأعراق، مشكّلين بذلك جيلًا جديدًا انخرط في تجارب تاريخية صعبة ومريرة منذ عام 1908. وقد حلّل المؤلف حياة مصطفى كمال بدقة، مسلطًا الضوء على تجاربه في المعارك والحملات العسكرية في الفترة 1905 – 1910. تنقّل هذا الضابط في مناطق صعبة من ولاية دمشق، وخصوصًا في منطقة الدروز، وهو يرنو إلى مقدونيا التي بدأت تشتعل، مقارنًا بين الحياة العربية التي تكتسي طابع الكآبة وبيئته الأوروبية المتمدّنة، والأهم أنه كان يراقب ثورة "تركيا الفتاة" متسائلًا: هل كانت ثورة عسكرية؟ ليجد نفسه بين أناس يعادون تلك الثورة في ثكنات إسطنبول. وعاش كذلك مناورات حربية في بيكاردي. تنقّل المؤلف في كتابه مع مصطفى كمال في جميع الجبهات، متابعًا إياه خلال الفترة 1908 – 1915. وغدا داعية "الأتراك الجدد" في طرابلس الغرب؛ وهو يشهد تلك السفن الحربية الإيطالية على سواحل أفريقيا، ويلتقي بعض الوطنيين في الصحراء. وكان الجيش اليوناني قد دخل إلى سالونيك مدينته، التي وُلد فيها فاهتزت عواطفه القومية، ونُصّب ملحقًا عسكريًا في صوفيا. وفي هذا الصدد، وقف المؤلف على رسائل أرسلها مصطفى كمال إلى صديقته مدام كورين لطفي، أرملة صديقه، التي عبّرت عن طموحاته الواسعة. وأظهرت الرسائل المتبادلة بين الطرفين، المكتوبة بلغة فرنسية متعثرة، معلومات جديدة، وترجمت مشاعر مصطفى كمال إزاء مدام كورين. وكانت الدولة العثمانية قد دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا القيصرية ضدّ الحلفاء، ليشهد معركة غاليبولي عام 1915 ودفاعه عن شبه الجزيرة. هنا، بدت نقاط الضعف في القيادة الألمانية بادية للعيان أمام مصطفى كمال وبقية الضباط العثمانيين، وهم لا يسمعون إّلا الدعوات والتضرّع والوعود بالجنة. لكنه نجح في ردّ الاعتبار في أدرنة.
ركّز الكتاب على تحركات مصطفى كمال بين كردستان وأرمينيا، في الفترة 1915 - 1918، في مواجهة العدوّ الروسي للعثمانيين. وهي مواجهة تعود جذورها إلى الماضي لتتواصل في القرن العشرين. كان أتاتورك يراقب عن كثب الأحداث الدموية في ديار بكر وبقيّة المدن الممتدة في شرقي الأناضول. وشهد ما حلّ بالأرمن والسريان من "إبادة"، إبان الحرب العالمية الأولى (ص. 152)1. وكتب تأملاته الفلسفية، وحلّل القراءات الدينية والكراهية العرقية لدى الملل المحلية، عندما كان في ثكنة سلوان. وقرأ متتبعًا ما كان قد نظمه شاعران عثمانيان معروفان (ص. 160)2. وتأتي النجدة الكردية مع المساعي التي بُذلت من أجل وحدة الجيش، وما حدث من مشادّات مع إريش فون فالكنهاين، وما تمخضت عنه التجربة التاريخية بين العثمانيين والألمان باعتبارهما حليفَين، وانطباعات مصطفى كمال عن وليّ العهد العثماني محمد وحيد الدين، وكان أحد مرافقيه إلى ألمانيا للعلاج عام 1917 (ص 170 - 171). وتوقّف المؤلف عند مرض مصطفى كمال متأملًا قوله: "لا أريد أن أكون مثل عامة الناس، بل على عامة الناس أن يكونوا مثلي" (ص. 181). في إثر ذلك، عاد إلى العاصمة إسطنبول ليمْثل بين يدَي السلطان ويتوقّف إطلاق النار ويكون الاستسلام، وهي لحظة شعر فيها العثمانيون بالمهانة والمذلّة، وفقدوا فيها كرامتهم. غير أن تلك الهزيمة كانت منعطفًا لبداية مسارٍ جديد لمصطفى كمال ورفاقه.
رابعًا: مصطفى كمال: من ضابط ثكنة إلى رجل سياسة
ماع ةسايس لجر ىلإ ينامثع يجيتارتسا طباض نم ايريصم لاًوّحت لامك ىفطصم لوّحت لاًلّحم فلؤملا لقتنا 1919، وهو الشاهد بنفسه على هروب المسؤولين العثمانيين، بعد انتهاء الحرب، يضاف إلى ذلك صدمة إنزال اليونان، العدوّ اللدود للعثمانيين، بسواحل البلاد عند إزمير، وتزامن ذلك مع محاولات لنزع سلاح الوحدات العسكرية في الأناضول، ثم النزول التاريخي في سامسون، في 19 أيار/ مايو 1919. نجح المؤلف في تحليل طموحاته المتطلعة إلى أماكن عدة من الأناضول، وخصوصًا في أماسيا وأرضروم، وهناك خلع مصطفى كمال بزّته العسكرية ليلبس بدلة الثوار، أما في أثناء الاجتماعات فقد لبس البدلة المدنية، التي تداولت مصير البلاد ومستقبل الأتراك في ظل محاذير التفكك والتمزق والخشية من أن يصبح الأناضول لقمة سائغة في أفواه الأعداء من اليونانيين والروس وغيرهم. وقرّر، وهو في سيواس، أن يسير بخطوات ثابتة في اتجاه النظام الجمهوري، في تجاهل تامّ لكل الأطراف المتشبثة بالخلافة. انعقد مجلس الأمة، في الفترة 1920 – 1923، في ظل صراع داخلي محتدم بين الأتراك المستنيرين وأنصار بقاء الخلافة ولو بصيغة رمزية؛ إذ إن التيار المحافظ الداعي إلى بقاء الخلافة لم يكن يتكوّن من العلماء فقط بل شمل عدّة أطراف متفاوتة التوجّه، فالتهبت نار الاضطرابات في كلّ البلاد مع تقدّم الجيوش اليونانية. كانت الموارد محدودة والدولة منهارة لتوقّع معاهدة سيفر في غيابٍ تامّ لإسطنبول التائهة ولأنقرة الثائرة المضطرمة، فلم يكن الحال هيّنًا ولا يسيرًا؛ إذ إنه لا مناص من إعلان السير إلى الحرب على عربات تجرّها الثيران. وكان لأتباع مصطفى كمال، وعلى رأسهم رفيقه عصمت باشا (إينونو) (1884 - 1973)، دورهم المؤثّر. وتصدّى الأتراك لإيقاف زحف اليونانيين، فكانت معركة سكاريا، وهي معركة دفاعية بهجوم موسّع على الجبهة الغربية نتج منها استسلام الجنرال ثريكو بيس (1869 - 1956) مسلّمًا سيفه بعد احتراق إزمير.
خامسًا: أب لأمّة وليدة (1930-1922)
تزامن انتصار مصطفى كمال في حرب الاستقلال مع انعقاد مؤتمر لوزان عام 1923، الذي خُصص لمعالجة شؤون الشرق الأوسط، وقد خرج الأرمن والأكراد والسريان وغيرهم بلا كيانات لأوطانهم العريقة. كان اهتمام مصطفى كمال باشا منصًّبًا، تحديدًا، على الأناضول؛ حيث اتخذ أنقرة عاصمة لمؤسساته الجديدة، وتشانكايا مقًّرًا لإقامته. ووفد إليه زوار رسميون تجمّعوا حول طاولته المستديرة، فأقرّ النظام الجديد تحت رعايته، واتخذ "أتاتورك" (أبو الأتراك) لقبًا له. وأقرّ النظام الجمهوري، وأعلن عن مبادئه الستة، وصدحت الموسيقى القومية. وانبثق حزب الشعب الجمهوري مع نهاية مؤلمة للحزب الجمهوري التقدمي؛ إذ إن حزب الشعب شهد انقسامًا داخليًا إثر إلغاء السلطنة، فسمّى المنشقون أنفسهم بالحزب الجمهوري التقدمي. وسمّى مصطفى كمال وجماعته حزبهم بحزب الشعب الجمهوري. وبدأ التنافس السياسي بين الحزبَين. ولمّا تعرّض مصطفى كمال لمحاولة اغتيال، اُّتُهم المنشقون بمحاولة انقلاب. فانعقدت محاكمات في إزمير وأنقرة، وأعدم بعض قادة الحزب المنشق (ص 286 - 290). وجرى البحث سريعًا عن رجال من الأنتلجينسيا التركية. وألقى أتاتورك خطابه الشهير في مدينة نُطق، وبدأ التنافس يسود الحياة السياسية الجديدة (ص 291 - 295). قدّم المؤلف أتاتورك بوصفه قائدًا لثورة فكرية في الفترة 1922 - 1925؛ إذ إنه بدأ بعزل الخليفة وإلغاء الخلافة التي كان السلطان عبد الحميد الثاني قد وظّفها واتخذ لنفسه لقب الخليفة في إطار الجامعة الإسلامية، وهو لقب لم يكن مستخدَمًا رسميًا قبل ذلك. وشهد المجلس جدلًا حاًّدًا حول الطرق الصوفية وعمليات التمرد الواسعة للأكراد بقيادة الشيخ سعيد، عام 1925، وكان أتاتورك في هذه المرحلة قد ركّز على إطلاق مشاريع كانت تهدف إلى تعليم شعبه الدروس الوطنية والتربوية، ومحو التقاليد القديمة واستبدالها بالتقاليد الجديدة المستوحاة من الغرب الأوروبي. تناول المؤلف أيضًا القانون الجديد ووضعية المرأة في الفترة 1923 - 1935، كما أسماه المؤلف (ص. 329)، واعتنى بثورة التحديث في القانون ونظام المحاكم. وأبقى أتاتورك على علَم البلاد فهو "المرشد الحقيقي" في حياة الأتراك (ص. 332)، واحترامًا للدماء التي أهدرت في سبيل الوطن. وجرى إصدار قانونَين جمهوريَين مستلهمَين من القانون السويسري والقانون الجنائي الإيطالي في انسجام تامّ مع رؤيته للمسار نحو التمدّن وكيفية بناء الأمة المتحضّرة. وقد غدا أتاتورك المعلم الأكبر في الفترة 1928 - 1935، وقد جرى استبدال الأبجدية العربية في كتابة اللغة التركية بالأبجدية اللاتينية؛ فنتج من ذلك التركية الجديدة المُطَعَّمة بمفردات مستقاة من لغات أوروبيّة، وتمّ بناء مدارس الأمّة التي باتت وسيلة أساسية لنشرها وتعليمها. واهتم أيضًا بعلم الآثار والأنثروبولوجيا في الأناضول، معتمدًا النظرية اللغوية الشمسية مع الاهتمام بالعلوم السومرية الكلاسيكية. مرض أتاتورك في الفترة 1936 - 1938، وعاش الأيام الأخيرة من حياته في قصر دولما بهجة Dolmabahçe. وتوفي، وأقيمت له جنازة مهيبة تليق بمكانته بوصفه زعيمًا في حقبة من أهم حقب تاريخ تركيا.
سادسًا: أتاتورك: رمز الدولة الوطنية التركية الحديثة
لا يزال أتاتورك رمزًا لتركيا المعاصرة رغم تحوّل الأيديولوجيات، على نحوٍ لا يماثله أيّ من زعماء العالم القدامى الذين تراجعت رمزيتهم مع الزمن، فصوره ومنحوتاته ومجسماته ومقاطع من خطبه منتشرة في كلّ مكان من تركيا حتى يومنا هذا. وحتى خلال حياته، جرى إضفاء طابع التعظيم على شخصه باعتباره منقذًا ومخلّصًا للوطن من التشرذم والتمزق ومن أيدي المحتلين الأوروبيين، فهو الزعيم الملهم وصاحب البصيرة والرؤية الحاسمة. وقد أثار مصطفى كمال بقبّعته الشهيرة إعجاب المراقبين الغربيين والشرقيين
على حدّ سواء. ومن يراجع العديد من الأدبيات العربية في عقد العشرينيات يلمس الإعجاب المنقطع النظير الذي حظي به، فقد بدا للعالم الزعيم الوطني الوحيد الذي أنقذ تركيا وبنى نظامها الجمهوري، وأعاد الحياة إلى مؤسساتها، كما وقف ضد مخططات المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، وكان له الدور الكبير في وحدة الإرادة الوطنية التركية. وحارب من أجل الاستقلال ليقطف ثمار النضال بعد عدة سنوات. جرى الإعلان عن أول دولة وطنية تركية عام 1923 على أشلاء إمبراطورية عثمانية ممتدة عانت ويلات الحرب. وأصدر أتاتورك مرسومًا قطع مع التقاليد الموروثة، وأسدل الستار على الماضي؛ ليفتح نوافذ جديدة للأتراك على العالم. وألغى الخلافة، فأثار بذلك الانقسامات، وأثار ردود فعل قويّة ضدّه، سواء من العرب أو غيرهم. إضافة إلى ذلك، حظر أتاتورك كل مظاهر التديّن؛ فقد منع وضع العمائم، وزيارات الأضرحة، وأغطية الوجه والرأس في الأماكن العامة. وجرى نقل العاصمة من إسطنبول إلى مركز البلاد الجديدة أنقرة. أخالف كرايزر الرأي حينما ذهب في اتجاه تأكيد قمع أتاتورك للتعليم الإسلامي بقوله: إنه "قمع التعليم الإسلامي بصرامة"؛ فالحقيقة أنه لم يقمعه بل نجح في تحجيمه، حيث أبقى على دوره الاجتماعي فقط وأفرغه من مضمونه الديني، في مقابل ذلك توسّع في بناء المدارس المدنية لتستفيد دولته ومؤسساتها من الخرّيجين المتمدّنين. كان أتاتورك يرى أنّ الدولة لا يمكنها التقدّم بوجود الدين، فحيّده وفصله عن الدولة لا المجتمع. بمعنى آخر، أسدل الستار على الماضي3. وسعى إلى إرساء نظامه السياسي والقضائي انطلاقًا من القوانين الأوروبية الداعية إلى المساواة بالنسبة إلى النساء. وتساءل كرايزر: كيف يمكن أن يصبح جندي محترف ذو خلفية متواضعة رئيس دولة بمثل هذا المستوى الثوري والثقافي؟ وجدنا الكاتب يسرد حياة مصطفى كمال بوضوح شديد، ويُظهر أن الظروف التاريخية وشبكة علاقاته القوية قد خدمته. كان ذكيًا في تعامله مع الأقوياء، وفرض شخصيته من خلال جمع ما تبعثر من أشلاء الوطن، فضلًا عن قوة الكاريزما التي ميّزته، ما جعله زعيمًا فريدًا تمكّن من الصعود بين أبناء وطنه، ليصبح ذائع الصيت في الشعوب المجاورة.
سابعًا: الكمالية من زاوية موضوعية
هكذا، غدت أنقرة (كما تُعرف أنكورا في الأدبيات القديمة منذ عام 1930)، العاصمة الجديدة للبلاد، وجرى إصلاح خدمة البريد التركية. كانت المدينة سابقًا بلدة إقليمية في عمق الأناضول، ومع حرب الاستقلال، تحوّلت إلى مركز حيوي لحركة الاستقلال. أراد أتاتورك حكومة تنبثق مباشرة من مجلس الأمة التركي الكبير بعد حلّ البرلمان العثماني عام 19204، وتصوّر ديمقراطية تمثيلية يكون فيها البرلمان الوطني هو المصدر الأعلى للسلطة. ووددت لو أن كرايزر توقّف عند علاقة أتاتورك بالسلطة والمجتمع، وأن يحلّل مقارنًا شخصيته عبر مراحل مختلفة من حكمه؛ ليتتبّع تغيّر مواقفه وكذا ملابسات ذلك. احتاجت البلاد إلى إعادة الإعمار، ولم يكن في إمكان "الحكومة المباشرة من قبل الجمعية" البقاء في مثل هذه البيئة. وقد واجه أتاتورك ورفاقه تحدّيات جسيمة من أنصار النظام العثماني القديم، وكذلك أنصار الأيديولوجيات الأحدث في القرن العشرين، من قبيل الشيوعية والفاشيّة والنازية. وكان يرى عواقب المذهبَين الفاشي والشيوعي في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، ورفضهما5. وحال دون انتشار حكم الأحزاب الشمولية التي هيمنت على الحكم في الاتحاد السوفياتي وألمانيا وإيطاليا. فاعتبر بعضهم معارضته لأصوات هذه الأيديولوجيات وإسكاتها
وسيلةً للقضاء على منافسيه. ورأى آخرون أنه كان من الضروري حماية الدولة التركية الفتيّة من الوقوع في فوضى الأيديولوجيات الجديدة، ومن خطر الفصائل المتنافسة. وبناء عليه، فإنّ عهد أتاتورك شهد عملية الاعتقال المعروفة باسم اعتقال عام 1927؛ إذ جرى إطلاق حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت أعضاء الحزب الشيوعي التركي. وحوكمت شخصيات سياسية شيوعية، مثل حكمت كيفيلجيملي، وناظم حكمت، وشفيق حسنو، وحُكم عليهم بالسجن. وعام 1937، قرر وفد برئاسة أتاتورك أن يفرض رقابة على كتابات كيفيلجيملي باعتبارها دعاية شيوعية ضارّة6.
خاتمة
يعرض كرايزر حياة مصطفى كمال بأسلوب تصويري يوضح من خلاله إسهام الظروف التاريخية، فضلًا عن الاستفادة من شبكة علاقاته القوية، والوعي بالقوة والكاريزما، في جعل مساره مسارًا فريدًا. قد تكون سيرة أتاتورك لكرايزر هي الأكثر رصانة وعمقًا لمؤرخ من خارج تركيا. وعلى الرغم من بعض القصور الذي شابها، وبعض الأخطاء بدرجات متفاوتة، وأنها سيرة غير مثالية، فإنها سلّطت الضوء على أتاتورك قائدًا ثقافيًا مستنيرًا، لكنه بعيد عن إبراز ديناميكيات الثورة ومعناها. ومع ذلك، فهي سيرة تاريخية متميزة، ولا ينبغي لها أن تكون السيرة الوحيدة التي يُعَوَّل عليها لفهم أتاتورك. وإذا كان لا بد من الاكتفاء بسيرة واحدة لأتاتورك، فإنّ كتاب كرايزر يُعدّ خيارًا جيدًا ومفيدًا للغاية. ولعلّ أهم ما يميز سيرة أتاتورك لكرايزر أنها سيرة غير متحيّزة من وجهة نظر مؤرخ أجنبي. إنه عمل يسهل تتبّعه من الناحية الكرونولوجية، غير مُغرق في التفاصيل، فضلًا عن ثرائه الببليوغرافي. مكّنني هذا المؤلف من الاّطلّاع على تفاصيل لا حصر لها عن أتاتورك، لذلك فهو مرجع لا غنى عنه بالنسبة إلى الباحثين والمؤرخين في العالم. يُعتبر هذا الكتاب بمنزلة تقييم لزعامة أتاتورك التاريخية بوصفها حلقة ضمن سلسلة حلقات متصلة للتاريخ التركي المعاصر في القرن العشرين، خصوصًا أنه يمثّل رؤية بعيدة المدى لأحداث حاسمة من منظور واسع. في الواقع، هذه ليست دراسة تبحث في سيرة أتاتورك، بل هي تحليل عميق للأحداث السياسية التي غدت لبنة أساسية في فهم تاريخ جديد لتركيا وصُنعه. إنّ عمل كرايزر ليس سيرة سردية بطلها مصطفى كمال، بل هو دراسة موضوعية عميقة تتبّعت تحوّله من ضابط عثماني إلى مؤسس دولة. وذلك هو جوهر العظمة الذي يفخر به الأتراك حين منحوه لقب "أتاتورك العظيم". لذلك، فإنّ المؤرخ كرايزر بدا أكثر حرفيّة من عدد من المؤرخين والمؤلفين الأتراك.
المراجع
العربية
الجميل، سيّار. العرب والأتراك: الانبعاث والتحديث من العثمنة إلى العلمنة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997. ________. زعماء العالم: بناة وطغاة في القرن العشرين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2022.
الأجنبية
Mango, Andrew. Atatürk: The Biography of the Founder of Modern Turkey. Woodstock, NY: Overlook Press, 2002.
Hanioğlu, Şükrü M. Atatürk: An Intellectual Biography. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2011.
Landau, M. Jacob. Atatürk and the Modernization of Turkey. Boulder: Westview Press, 1984.