العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "كان يعشق الحقيقة": اعترافات مؤرخ شاهد على هزيمة فرنسا أمام القوات النازية

"كان يعشق الحقيقة": اعترافات مؤرخ شاهد على هزيمة فرنسا أمام القوات النازية

Wadi Musa and Petra in the Nineteenth and Twentieth Centuries

يونس غاب*Youness

Ghab

الملخّص

باحث، بصدد إعداد أطروحة الدكتوراه في تخصص التاريخ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله.

Abstract

A Researcher at the Department of History, Sidi Mohamed Ben Abdellah University. youness.ghab@usmba.ac.ma

الكلمات المفتاحية:
  • الهزيمة الغريبة
  • مارك بلوخ
  • مدرسة الحوليات
  • الحرب العلمية الثانية
  • المقاومة الفرنسية
Keywords:
  • Marc Bloch
  • The Strange Defeat
  • Annales School
  • Second World War

. L ' etrange défaite: Témoignage écrit en 1940 العنوان الأصلي:

لم يكن مارك بلوخ Bloch Marc، وهو يخط مسودة هذا الكتاب، واثقًا بإمكانية تسرّبه إلى جمهور واسع من القراء، لكن عَقْده الأمل على مستقبل فرنسا كان كفيلًا بجعل فتح مثل هذه الملفات الخفية، أمرًا أساسًّيًا لتبديد الغشاوة عن مرحلة من أصعب مراحل الانهيار التاريخي لفرنسا في القرن العشرين، خاصة أن هذا التقرير (/ الشهادة) الذي هو عبارة عن ملاحظات واعترافات تبرز أسباب الهزيمة وسياق تبلور الفكر الانهزامي بعد الغزو الألماني، قد خُطّ بيد مؤرخ رأى أنّ فهم الماضي يستحيل من دون إمعان النظر في الحاضر، وفي الآن ذاته يُعد كتابه حصيلة تجربة استثنائية لجندي شارك في حربين عالميتين متتاليتين. لقد سبق أن تناول فرانسوا دوس Dosse François في البيوغرافية القصيرة ل "ثنائي ستراسبورغ" مؤسسي مجلة الحوليات Annales des revue La، لوسيان فيفر Febvre Lucien ومارك بلوخ، حياة بلوخ نفسه باعتباره المناضل الفذ والمؤرخ الملهم والمواطن الصالح والإنسان الكوني. وتتضح صفات هذا النوع من المؤرخين من خلال أنّ العتاب الصريح في هذا التقرير/ الشهادة لا يستثني حتى الخطاب التاريخي والتعتيم الذي مارسته مجلة الحولياتعلى دخول النازية لفرنسا. وفي هذا الصدد، يقول بلوخ: "[...] بعيد عن كل انتماء وبعيد عن أي تضامن عرقي مزعوم، لقد شعرت طوال عمري قبل كل شيء بأنني فرنسي، أموت كما عشت فرنسًّيًا صالحًا"، وهو ما جعله ينتمي إلى جيل التطرف في قضية دريفوس Dreyfus affaire ' L. ولم يتردد في معارضة استمرار نشر المجلة الذي لا يمكن أن يجري إلا وفقًا لشروط سلطات الاحتلال النازية، أي إدارة فرنسيين للمجلة لا ينحدرون من أصل يهودي، وفي الوقت نفسه رفض الذهاب إلى المدرسة الأميركية، بل إنه انخرط - على عكس ذلك - في صفوف المقاومة ضد النازية. ومن ثمّ، عُِّوِض بلوخ في إدارة المجلة، وحلّ محلّه بول لوليو Leuilliot Paul، في حين ظلّ يشارك في المجلة تحت اسم مستعار هو مارك فوجير

.2Marc Fougères

يتوزع متن الكتاب على ثلاثة فصول ووصية تأبينية تركها بلوخ لزوجته كليرمون-فيران Ferrand - Clermont، مؤرخة في 18 آذار/ مارس 1943. في الفصل الأول، "تعريف بالشاهد"، يعرف بلوخ بأصوله اليهودية التي لم تَحُل دون أن يكون مواطنًا فرنسيًا باًّرًا، ثم يجري التطرق إلى تجربته في الحرب العالمية الثانية وملاحظاته حولها بوصفه مؤرخًا وجندًّيًا سابقًا، وهي ملاحظات دقيقة ومتنوعة المصادر، تهتم بالتفاصيل البسيطة، التي تتمحور في أغلب الأحيان حول حيثيات الغزو الألماني للأراضي البلجيكية وتراجع الجيش الفرنسي قبل انهياره في نهاية الأمر. أما في الفصل الثاني، "شهادة مهزوم"، فلا يتوانى المؤلف في تحميل مسؤولية وقوع الهزيمة بالنسبة إلى العديد من الأطراف، خصوصًا القيادة العسكرية العاجزة التي لم تطور خططها المعتمدة في الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى سوء التواصل بين مكونات القوات المسلحة وعدم الإحاطة بالمعلومات الكافية حول الحرب الجديدة، والتحالف الفاشل مع الإنكليز، وعدم قدرة كوادر الجيش على تحمّل المهمات الجسيمة والتردد في إنجازها. أما الفصل، "فرنسي يفحص ضميره"، فهو يُعد في نظرنا بمنزلة قراءة تاريخية للأخطاء التي أدّت في نهاية المطاف إلى الهزيمة، باعتبارها شهادة تتعدى الانتماء إلى الجيش لتكون بذلك شهادة مواطن فرنسي يفحص ضميره، شهادة تحمّل مسؤولية الضعف الجماعي بالنسبة إلى كل مكونات المجتمع؛ بدءًا من أرباب مصانع الأسلحة والبرجوازية المتخاذلة، ومرورًا بانتهازية الاتحادات العمالية واسترزاق الصحافة، ووصولًا إلى قصور النظام التعليمي وغياب التجديد الفكري، وأخيرًا مسؤولية النظام السياسي القائم على المحسوبية والكولسة (التفاوض في الكواليس حول المناصب العليا) والتنافس الشخصي. تأتي قراءتنا للكتاب من باب التعرّف إلى أسباب هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية، من منظور مؤرخ الذهنيات وأحد ألمع الباحثين في تاريخ أوروبا الوسيطي خلال القرن العشرين، باعتباره كان شاهدًا على هذه الهزيمة وراصدًا لأهم مراحلها وناقدًا

للمسؤولين عن حدوثها، غير أن تناول المؤلف إيّاها، على نحو أكثر حساسية واستحضارًا للضمير الجمعي والفردي، يجعلنا ننتقل إلى مستويات أخرى من أسباب الهزيمة تتجاوز المعطيات العسكرية والهفوات التنظيمية واللوجستية، لتستحضر مسؤولية كل أطياف المجتمع. بعبارة أخرى، تحاول هذه القراءة الإجابة عن أسئلة من بينها ما يلي: كيف تُهزم المجتمعات؟ وكيف يجري التطبيع مع الفكر الانهزامي والتملص من تحمّل المسؤولية في أصعب الفترات التي تمُّرُ بها الأوطان؟ وما موقع المؤرخ والمثقف عمومًا واستحضار الفكر التاريخي من الهزائم التي تتعرّض لها الشعوب؟ تنتظم هذه القراءة في محورين رئيسين، يرتبط أولهما بتحديد هذا الجنس من الكتابة والبحث عن الأسباب العميقة للهزيمة، بدايةً من النظر في ضمير أمة "تحت السلاح" armes en Nation بمؤرخيها وسائر مكوناتها الاجتماعية، ثم انطلاقًا من ملاحظات بلوخ بوصفه جندًّيًا عن مجريات ساحة المعركة وأخطاء القيادة العسكرية. أما المحور الثاني (الأخير)، فيهتم بتجميع الوصايا التي قدّمها بلوخ نفسه إلى الأجيال المقبلة من أجل اجتناب هزائم مستقبلية، وأهم ما تضمنته وصيته الأخيرة المتصلة أساسًا بمراسيم الدفن كما أراد لها أن تكون.

أوالًا: شهادة أم محاكمة تاريخية؟ أسباب الهزيمة من منظور مؤرخ وجندي مهزوم

يقول مارك بلوخ في بداية الكتاب إنه ليس بصدد كتابة مذكراته، لأن المغامرات الشخصية الصغيرة التي يعيشها جندي خالط الكثير من الجنود أمثاله ليست لها أهمية في مرحلة عصيبة على غرار المرحلة التي مرّت بها فرنسا في زمن تدوين الكتاب (ص. 11)؛ لأن تجربته بوصفه مؤرخًا أتاحت له دراسة هذه الأحداث المأساوية بحسب المعايير المتعلقة بالنقد والملاحظة التاريخيين، علاوة على أن مشاركته في الحرب العالمية الأولى أتاحت له الانتقال ما بين المؤسسات والأوساط الإنسانية للمحاربين، واكتساب تجربة اتسمت بالكثير من التنوع (ص. 13). وسم المؤلف كتابه في بعض الأحيان بأنه "تقرير"، وكان يسميه "الشهادة" أحيانًا أخرى. وكلا الوسمين يحيلان على الطابع الرسمي المؤطر لمهمة جندي مشارك في الأحداث، غير أن تناولنا لهذا الكتاب يتجاوز الطابع الرسمي، بل يتناوله على نحو أكثر خصوصية وذاتية في علاقته بكاتبه وتصوره للتاريخ وطبيعة عمل المؤرخ، باعتباره بمنزلة اعترافات لمواطن فرنسي يشعر بالحسرة وتأنيب الضمير من جرّاء الهزيمة التي تعرّض لها من جهة، وباعتباره محاكمة تاريخية لشعب بقيادته العسكرية والسياسية ومكوناته الاجتماعية بما فيه نخبته ومثقفوه ومؤرخوه من جهة أخرى. يتخذ الكتاب صيغة المحاكمة التاريخية لما يمكن أن نطلق عليه "جيل الهزيمة"، استنادًا إلى إشارات كثيرة؛ منها ما هو مصرح به، ومنها ما هو ضمني5، بحيث يعترف المؤلف بدايةً من صفحات الكتاب الأولى بأن ملاحظاته، بوصفه جندًّيًا في الجيش الفرنسي، تتأسس على حٍّسٍ تاريخي يجعلها تتجاوز الحاضر وتتطلع إلى المستقبل. وفي هذا الصدد، يقول: "تحدثت منذ حين عن القيادة، وفي اللحظة التي كتبت فيها هذه الكلمة اعترض المؤرخ في داخلي بشدة على ذلك. من المبادئ الأولية لوظيفتنا بوصفنا مؤرخين تجنّب هذه الألقاب الكبيرة المجردة، والسعي لبناء الحقائق الملموسة التي تقبع خلف تلك الأسماء، وهذه الحقائق تتمثل في الأفراد؛ إذ إن أخطاء القيادة كانت في الأساس أخطاء مجموعة من الأفراد" (ص. 39).

  1. Dominique Damamme, "Un cas d'expertise, l'étrange défaite de Marc Bloch," Sociétés contemporaines , no. 39 (2000), p. 96.

تتضح شخصية المؤرخ في تقرير بلوخ، وأثناء تحليله لأسباب الهزيمة، من خلال ربطه الأخطاء الاستراتيجية بتدريس التاريخ؛ فهو يتساءل: هل يعود القصور في إعدادنا الاستراتيجي إلى تدريس مادة التاريخ؟ (ص. 118)، ليجيب بأنه لا ينبغي التجريب المباشر في الفن العسكري، بل من الواجب العودة إلى تجارب الماضي. غير أن تدريس التاريخ بفرنسا خلال هذه المرحلة كان منافيًا للحقيقة، وكان قائمًا على الاستدلال البسيط. ولأن التاريخ بالنسبة إليه هو علم التغيير في جوهره، فقد تُمكّن المقارنة بين أحداثه في الماضي والحاضر من التنبؤ بالمستقبل، بحيث يعرف المؤرخ جيدًا أنه إذا حصلت خلال الفترة الفاصلة بين حربين متتاليتين تحولات في الهيكل الاجتماعي، وفي طرائق التفكير، فإنها لن تؤدي أبدًا إلى النمط عينه من الحروب (ص. 119). لذا، كان من نتائج تغييب التاريخ وعدم قابلية مكونات الجيش لاستيعابه، عدم فهمٍلوجود قانون لا يقاوَم هو "قانون التغيير". وعلى سبيل المثال، فإن ما يعتبر بالأمس "حكمة" و"حسن تقدير"، قد يصير غدًا "قلة إدراك". لا يربط المؤلف علاقة التاريخ بالهزيمة اعتمادًا على علاقة تدريس التاريخ والاستراتيجيات العسكرية بالمدارس الحربية فحسب، بل ينتقد أيضًا، في الفصل الأخير من الكتاب، التاريخ المدرس في الجامعات الفرنسية والمدارس الثانوية، حيث لم يستطع التخلص من التركيز على الماضي القريب والمفهوم السياسي للتاريخ، في مقابل إهمال الزمن الطويل وعدم الخوض في دراسات معمقة للمفهوم الاجتماعي (ص. 154)؛ وهو ما أدّى إلى الاعتقاد الزائف المتمثّل في أن النزعة الانفصالية لا تزال حية داخل المقاطعات الألمانية، وأنه لم يكن لهذا التاريخ المدرس أن يعلّم النشء شيئًا أفضل وأكثر إنسانية، لتحفيز خيالهم وتدريبهم بوصفهم مواطنين مستقبليين في فرنسا وفي العالم (ص. 155). على الرغم من الإشارات السالفة حول الحس التاريخي للكتاب، لا يتردد المؤلف في التصريح بأنه ليس بصدد كتابة تاريخ نقدي للحرب، ولا حتى تاريخ الحملة العسكرية في الشمال، نظرًا إلى كونه لا يمتلك الوثائق الضرورية، ولا الكفاءة التقنية للقيام بذلك (ص. 46). وفي مقابل ذلك، كانت الملاحظات التي رصدها بوصفه جندًّيًا سابقًا، كافية لتشخيص مكامن الخلل والأخطاء القاتلة التي قادت للهزيمة؛ من قبيل عدم تجديد كوادر الحرب، وعدم ملاءمة التكوين الفرنسي وتماشيه مع شروط الحرب الجديدة، التي أدارها الألمان بكل كفاءة وتفوّق (ص 46 - 47). وفي الوقت نفسه، لم تُتدارَك هذه الأخطاء بسبب التأخر والتردد وبسبب تعصب القادة لآرائهم وعدم تقديرهم الأوضاع على نحو دقيق، وتكرار الحسابات الخاطئة في ساحة المعركة (ص. 54). يرى المؤلف أن القيادة لم تكن وحدها المسؤولة عن الهزيمة، فحتى الجنود يتحملون جزءًا من المسؤولية، ويتضح ذلك من خلال سوء نقل المعلومات وضعف الانضباط، وبطء التفكير والتوقع، وعدم الاستعداد الجيد لمواجهة العدو الذي اعتمد على الإقدام، وعلى عنصر المباغتة، والمعرفة الدقيقة بالقدرات العصبية والنفسية للجيش الفرنسي؛ نظرًا إلى ما أشاعته الروح الهتلرية في صفوفه، ولإحاطته بخبراء في علم النفس أيضًا (ص. 61). من جانب آخر، كان غياب الآليات العسكرية والمعدات المناسبة، لمواجهة العدو، والثقة العمياء بخط "ماجينو"، علاوة على القتال استراتيجيات الحرب العالمية الأولى نفسها، إضافة إلى الارتجال، وسوء إعداد الاتصالات، والافتقار إلى الدلائل الطبوغرافية البسيطة والتحالف الفاشل مع الإنكليز، من أبرز الأسباب المباشرة للهزيمة التي أقحمت الجيش في دوامة من العبث والتمزق المعنوي. إن هذه الأخطاء التي يتقاسم ارتكابها كل المصالح العسكرية وجميع الجيوش، كانت في نظر المؤلف مؤشرًا د لا على وجود أزمة في السلطة الحاكمة برمتها التي لم تستطع القيام بعمليات التطهير الضرورية في كوادرها (ص. 95)، نتيجةً لفشُوّ مظاهر التملق والانصياع داخل مكاتب القيادة، التي أخذت منحى بيروقراطًّيًا فًّجًا لا يهتم إّلا بالمظاهر ومصالح الجنرالات والضباط الشخصية، مقابل تلاشي الشعور القوي بالواجب، وغياب النباهة والجاهزية اللازمتين، بسبب التقدّم في السن واعتماد نظريات فُهمت عكسًّيًا؛ فأدت، في نهاية المطاف، إلى أخطاء تاريخية.

ثانيًا: الوصايا الأخيرة لمارك بلوخ

يبدو التوجه السياسي لبلوخ مخالفًا لما كان عليه غالبية المفكرين الفرنسيين في فترة ما بين الحربين. فعلى الرغم من أنّ سائر أعضاء مجلة الحولياتنشطوا في صفوف الحزب الاشتراكي، أو كانت تجمعهم علاقات بالجبهة الشعبية، فإنّ بلوخ كان استثناءً بارزًا في هذا السياق؛ باعتباره جعل "مسافة" بينه وبين كل الأحزاب الناشطة حينئذ، على خلاف الكثير من زملائه، لكنه انخرط في مجموعة "أصدقاء الحقيقة" ذات البرنامج القائم على الاعتدال وتوظيف العقلانية في الحقل السياسي. وقد انعكس هذا الالتزام السياسي على تصوّره للتاريخ ومناهجه وغاياته، فهو من المؤرخين الذين ربطوا بين التاريخ والحياة، وارتبطت في نظره مهنة المؤرخ بالبحث عن الحقيقة، إلا أنها حقيقة لا تنفصل عن الحق والحياة، وعن الممارسة العملية للمؤرخ، بعيدًا عن التصورات النظرية المسبقة، وهو ما جعله يخوض معركة مزدوجة على صعيد البحث العلمي، وعلى صعيد العمل السياسي، ويربط بين التاريخ والحرية7. يتمظهر الالتزام السياسي بالنسبة إلى بلوخ عند بحثه عن أسباب الهزيمة في الأوساط النقابية والحزبية والنخبة المثقفة، ويبتدئ ذلك بانتقاده للأصوات التي نادت بعدم مشاركة المثقفين الشباب في الحرب، معتبرًا هذا الأمر دعوة باطلة وتملصًا من واجب الدفاع عن الوطن. ثمّ إنه قد خصّ النقابات بنقد لاذع، بسبب انتهازيتها في زمن الحرب، وتفضيلها مصالحها المادية الضيقة على مصلحة الوطن، وعلى مواجهة الأنظمة الاستبدادية. أما الأحزاب، سواء كانت يسارية أو يمينية، فهي أيضًا تتحمل قدرًا كبير من مسؤولية الهزيمة، بسبب الجمود أو الخنوع الفكري الذي رافقها، لأنها بقيت أسيرة عقائد تجاوزها الزمن؛ ما جعلها تنقلب لتأييد النظام الألماني، أو تحث الناس على معاداة الفكر الوطني وتدعو الجماهير إلى التملص من خدمة الجيش. يرى بلوخ أن البرجوازية الفرنسية ورجال السياسة، إلى جانب النظام الديمقراطي الحاكم، كلها أطراف ساهمت في هزيمة فرنسا إزاء القوات النازية، فاحتقار البرجوازية لباقي الطبقات، وابتعادها عن الشعب، واختيار رجال السياسة لمن يطيعهم، بدلًا من ذوي الكفاءة، كلها عوامل تفسّر هزيمة فرنسا، فضلًا عن عوامل أخرى، من بينها طرائق التدريس بالجامعات والثانويات التي أدت إلى العجز عن تنمية الطاقات الفكرية، بسبب غياب التجديد والقراءة، وهو ما انطبق حتى على المدارس والمعاهد العليا التي افتقدت التجديد الفكري، والتي كانت تحكمها روابط الولاء والطاعة، والتي احتكر الأعيان جُّلُ مقاعدها، إضافةً إلى تواطؤ أصحاب المال مع الصحافة والسقوط في أخطاء دبلوماسية ناجمة عن غياب الاستشراف؛ ما أدى، في نهاية المطاف، إلى روابط مهنية يطبعها الروتين، والبيروقراطية، والعجرفة الجماعية (ص. 158). دَّوَن المؤلف في الفصل الأخير مجموعة من الاعترافات المرتبطة بانتمائه إلى جيل يؤنبه ضميره باستمرار. وحتى لا يتكرّر الأمر نفسه مع الأجيال المستقبلية، وحتى لا يُهزم الوطن مرة أخرى، قدّم المؤلف إلى الشباب والمسؤولين عن مصير الوطن مجموعة من الوصايا؛ منها ضرورة نقل التقاليد من كبار السن إلى الناشئة، أو من الرئيس إلى المرؤوس، والشعور بأهمية الانتماء الجماعي" (ص. 43)؛ لأن فرنسا، في نظره، هي الربيع الجديد الذي ينبغي أن تكون فيه مرتعًا للشباب، ويقول في هذا الاتجاه: "[...] إلا أننا نناشدهم فقط أن يتجنبوا جفاف الأنظمة التي تدعي، عن حقد أو عن تفاخر، أنها تهيمن على الحشود، من دون أن تعمل أو تبذل جهدًا على تعليمها أو التواصل معها" (ص. 171)، ويضيف قوله: "أطلب من الشباب التفكير في أخطاء من سبقوهم ليتجنبوها" (ص. 170)، متمنيًا أن يبقى دائمًا دمٌ نبيل لبذله في سبيل الوطن. ففي نظره، لا خلاص بلا تضحية، ولا حرية وطنية إذا لم يتمّ العمل على انتزاعها من المغتصب.

إلى جانب الوصايا المستبطنة التي تتضمّنها صفحات الكتاب، أورد المؤلف في نهاية هذا الكتاب وصية الوفاة، وقد تمَنَّى من خلالها أن تكون مراسيم دفنه مدنية خالصة، بحيث لم يطلب أن تُتلى الترانيم العبرية على ضريحه رغم مرافقة إيقاعاتها للكثير من أسلافه، ولم يُرد أن تتخلل طقوس تأبينه أي إشارة إلى انتمائه إلى أي مذهب لا يعترف بتعاليمه أو أي عرقٍ لا يمثّل في نظره إّلا وهمًا. وفي هذا السياق، يقول: "لقد شعرت طوال حياتي، بأنني بعيد عن كل انتماء طائفي رسمي، أو ما يدعى تضامنًا عرقًّيًا، لأني شعرت دومًا وبكل بساطة أنني فرنسي في المقام الأول" (ص. 174). لم يستشهد بلوخ في سبيل فرنسا في الحربين المتتاليتين اللتين شارك فيهما، إلا أن إحساسه بعمق الانتماء إلى الوطن، واستمراره في النضال ضد الغزو النازي حتى لحظات إعدامه، يمّثلّان نهاية مجيدة لمواطن فرنسي اختار المقاومة وربط تصوره للتاريخ بالممارسة، فكان مما أوصى به خلال مراسم دفنه أن تتلى كلمات التنويه الخمس الصادرة عن قيادة الجيش، وأن ينقش على شاهد قبره عبارة: "كان يعشق الحقيقة" Veritatem Dilexit.

خاتمة

إن الالتزام السياسي بالنسبة إلى مارك بلوخ، ومصيره المأساوي الذي لقيه من خلال إعدامه على يد القوات النازية، لم يكونا مؤسسَين على انتماء حزبي ضيق أو نتاجًا لأصوله اليهودية، بل كان متناغمًا مع مبادئه بوصفه مواطنًا فرنسًّيًا صالحًا من واجبه الدفاع عن الوطن، وهو ما يفسر انخراطه في حربين متتاليتين وتضحيته بحياته من أجل حرية فرنسا. إلا أن هذا التضحيات لم تتوقف على الانخراط الميداني، بل تجاوزته إلى البحث عن أسباب الهزيمة والمساهمين في حدوثها من أبناء الوطن والطابور الخامس، إلى حدّ أنه، من خلال حسّه التاريخي، يعترف في الكثير من الأحيان بحماسة الألمان وبتنظيمهم المحكم، مقارنةً بعجز القيادة الفرنسية. ويرى فرانسوا دوس أن كتاب بلوخ الهزيمة الغريبة Défaite Étrange ' L هو كذلك نقد ذكي لنقائص الخطاب التاريخي لمدرسة الحوليات ذو أهمية كبيرة؛ بالنظر إلى أنّ مؤِّلِفه، من دون شكّ، هو من "أسياد" هذه المدرسة في فترة مأساوية أودت بحياته عام 1944؛ من خلال إعدامه على يد النازية. إلا أن تجاهل الحوليات ظاهرتَي النازية والفاشية، هو ما جعل بلوخ يأسف بمرارة، معتبرًا إيّاه خطأً في تأويل التاريخ، ويتضح هذا الأسف مع النقد اللاذع للخطاب التاريخي وطرائق تدريس التاريخ بالجامعات والمدارس الفرنسية، وهو ما تمّت الإشارة إليه في المحاور السابقة. على عكس لوسيان فيفر الذي أصر على أن تواصل المجلة الصدور، وتستمر تحت اسم جديد هو منَّوّعات التاريخ الاجتماعي Mélanges d'histoire sociale إلى حدود 1944، يديرها مسؤولان غير يهوديين هما لوسيان فيفر وبول لوليو، فإنّ بلوخ يربط التفكير بالفعل. وفي هذا الصدد، يقول المؤرخ بوريسلاف جيريميك Geremek Borislav، إنه لم يهرب، لا هو ولا بلوخ، من التاريخ عندما فرض عليهما مواجهة الجنرال جاروزلسكي Jaruzelski أو الوقوف ضد النازية؛ فربط بلوخ التفكير بالفعل هو ما أودى بحياته عام 1944؛ إذ كان مناهضًا لمعاهدة ميونيخ 1938. ومن ثمّ، انضم في عام 1943 إلى المقاومة ضد الاحتلال النازي في منطقة ليون تحت اسم مستعار هو "ناربون" Narbonne، لكنه سرعان ما عُرف بين المقاومين. وفي عام 1944، أوقفه من غيستابو Gestapo، وقد سجنه الألمان في سجن "مونلوك" Montluc وعذّبوه، ثم أُعدم بعد إنزال الحلفاء على السواحل الفرنسية.

  1. المرجع نفسه، ص 97. 6   المرجع نفسه، ص 99.

إن مشاركة بلوخ في الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918، بصفته جندًّيًا، اعتبرت فرصة للوقوف على نفسية الجنود، ومج ل لدراسة الأنثروبولوجيا انطلاقًا من ملاحظات ميدانية، بحيث اتخذ من هذا الترابط قاعدة لدراسة البنى العميقة للأنماط الذهنية. وبذلك، لم يقتصر في دراسة الذهنيات على علم النفس التاريخي، بل تناول المنطق الداخلي اليومي والتمثلات الجماعية وظروف الإنتاج والظواهر الذهنية في علاقتها بالحياة والمجموعات الاجتماعية. وتحيل كتابات بلوخ الرائدة في حقل التاريخ على تحوّل في الكتابة والخطاب التاريخيين، وهي في الآن ذاته تعتمد قراءة موسعة للوثيقة التاريخية في مفهومها الواسع؛ ما جعل منه أحد المبشرين بالتاريخ الجديد والأنثروبولوجيا التاريخية، كما تعكس ذلك دراساتُه التي يمكن أن نُحيل منها على كتابين رائدين؛ أحدهما الملوك مدعو المعجزات Thaumaturges Rois Les، والآخر المجتمع الفيودالي: تشكل علاقات التبعية dépendance de liens des formation La: féodale Société La، إلا أن كتابه دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ pour l'histoire ou Métier d'historien Apologie (الصادر سنة 1949)، يجعلنا نستقي العديد من الخصائص والتقنيات التي اعتمدها في كتاب الهزيمة الغريبة، خصوصًا الجزء المرتبط بالمؤرخ والشاهد والحقيقة. نظر العديد من الباحثين في التاريخ إلى كتاب الهزيمة الغريبة على أنه بمنزلة إعادة استحضار للحدث التاريخي في وقت كانت فيه مدرسة الحوليات قد بلورت مشروعها البنيوي ذا الميول الاقتصادية في مرحلة أولى مع فرنان بروديل، قبل أن يصير تاريخًا "مفتتًا" مع جيل المدرسة الثالث. غير أن مثل هذا الحكم لا يرقى إلى مستوى النقد التاريخي الرصين، خصوصًا أن بلوخ يتكلم من خلال هذا التقرير/ الشهادة، باعتباره -ا أول - مواطنًا فرنسًّيًا وجندًّيًا مهزومًا شارك في حربين متتاليتين، وباعتباره - ثانيًا - مؤرخًا "هاربًا" من التاريخ. وفي كلتا الحالتين، لا يتوانى في تحميل مسؤولية الهزيمة للمسهمين فيها، كما أنه لا يتردد في فحص ضميره انتصارًا للحقيقة، وإيمانًا بمستقبل تزدهر فيه حرية الفكر والرأي على تراب فرنسا مرةً أخرى.

  1. Marc Bloch, Apologie pour l'histoire ou métier d'historien , Cahier des Annales 3 (Paris: Librairie Armand Colin, 1949), pp. 42–49.

المراجع

العربية

دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.

الشيخ، أحمد. "التاريخ والحقيقة لدى مارك بلوخ". يتفَكَّرُون. العدد 3 (شتاء 2014).

الأجنبية

Bloch, Marc. Apologie pour l'histoire ou métier d'historien. Cahier des Annales 3. Paris: Librairie Armand Colin, 1949.

Damamme, Dominique. "Un cas d'expertise, l'étrange défaite de Marc Bloch." Sociétés contemporaines. no. 39 (2000).