إنجازات صلاح الدين الأيوبي
The Achievement of Saladin
الملخّص
تتناول هذه الدراسة سيرة صلاح الدين الأيوبي، متجاوزةًً صورته بوصفه قائدًًا عسكريًًا، وتتساءل إن كانت إنجازاته نابعة من طموح شخصي أم دوافع معنوية أخرى. واستنادًًا إلى عدد من المراجع المعاصرة له، مثل كتابات ابن الأثير وبهاء الدين بن شداد وعماد الدين الأصفهاني والتقارير والرسائل الصادرة عن كاتب صلاح الدين الأيوبي القاضي الفاضل. وتجادل الدراسة بأن نجاح الأيوبي لم يرتكز على عبقريته العسكرية أو الإدارية، بل على شخصيته المناقبية وقدرته على إلهام المسلمين وتوحيدهم؛ إذ نجح بفضل صدقه ووفائه بالعهود وكرمه وقدرته على حشد القوى اللازمة لمواجهة الصليبيين. وتخلص الدراسة إلى أن إنجازه الأكبر كان أخلاقيًًا، حيث سعى لإحياء الوحدة الإسلامية في زمن التفكك، واضعًًا نصب عينيه هدفًًا أسمى من السلطة الشخصية.
Abstract
This study examines the biography of Salah al-Din al-Ayyubi, going beyond his image as a military leader, and questioning whether his achievements stemmed from personal ambition or other moral motives. It draws upon a number of resources, such as the writings of Ibn al-Athir, Baha al-Din Ibn Shaddad, Imad al-Din al-Isfahani, as well as the reports and letters issued by Salah al-Din al-Ayyubi's secretary, al-Qadi al-Fadil. The study argues that Saladin's success was not based on his military or administrative genius, but rather on his virtuous character and his ability to inspire and unite Muslims. He succeeded in mobilizing the necessary forces to confront the Crusaders. The study concludes that Saladin's greatest achievement was an ethical one, as he sought to revive Islamic unity in a time of fragmentation, setting before his eyes a goal loftier than personal power.
- صلاح الدين الأيوبي
- هاملتون جب
- نور الدين زنكي
- الحملات الصليبية
- المصادر التاريخية
- Hamilton Gibb
- Saladin
- Crusades
- Histography
- Nur al-Din Zangi
تتناول هذه الدراسة سيرة صلاح الدين الأيوبي، متجاوزةً صورته بوصفه قائدًا عسكريًا، وتتساءل إن كانت إنجازاته نابعة من طموح شخصي أم دوافع معنوية أخرى. واستنادًا إلى عدد من المراجع المعاصرة له، مثل كتابات ابن الأثير وبهاء الدين بن شداد وعماد الدين الأصفهاني والتقارير والرسائل الصادرة عن كاتب صلاح الدين الأيوبي القاضي الفاضل. وتجادل الدراسة بأن نجاح الأيوبي لم يرتكز على عبقريته العسكرية أو الإدارية، بل على شخصيته المناقبية وقدرته على إلهام المسلمين وتوحيدهم؛ إذ نجح بفضل صدقه ووفائه بالعهود وكرمه وقدرته على حشد القوى اللازمة لمواجهة الصليبيين. وتخلص الدراسة إلى أن إنجازه الأكبر كان أخلاقيًا، حيث سعى لإحياء الوحدة الإسلامية في زمن التفكك، واضعًا نصب عينيه هدفًا أسمى من السلطة الشخصية.
This study examines the biography of Salah al-Din al-Ayyubi, going beyond his image as a military leader, and questioning whether his achievements stemmed from personal ambition or other moral motives. It draws upon a number of resources, such as the writings of Ibn al-Athir, Baha al-Din Ibn Shaddad, Imad al-Din al-Isfahani, as well as the reports and letters issued by Salah al-Din al-Ayyubi's secretary, al-Qadi al-Fadil. The study argues that Saladin's success was not based on his military or administrative genius, but rather on his virtuous character and his ability to inspire and unite Muslims. He succeeded in mobilizing the necessary forces to confront the Crusaders. The study concludes that Saladin's greatest achievement was an ethical one, as he sought to revive Islamic unity in a time of fragmentation, setting before his eyes a goal loftier than personal power.
باحث وأكاديمي، يشغل منصب رئيس مجلس إدارة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات منذ عام.2014 A Researcher and Academic, the Chairman of the Board of Directors of the Arab Center for Research and Policy Studies since 2014.
H. A. R. Gibb, "The Achievement of Saladin," Originally Published by Bulletin of the John Rylands Library, vol. 35, no. 1, Published by Manchester University Press, 1952.
عند محاولة معرفة ما وراء التاريخ الظاهر لقائد تعود سمعته إلى منجز عسكري، فإن المقاربات الحديثة تعمد إلى تحليل الظروف المركّبة، مع الإشارة إلى أنه في الغالب ابنٌ للظروف المحيطة به أكثر من كونه صانعًا لها، أو على نحو أكثر إنصافًا، فإنه يمكن فهم
إنجازه بفضل التوافق مع الظروف التي عمل من خلالها. وتلك حقيقة لا تحتاج إلى برهان. غير أن التاريخ، وبخاصة تاريخ الشرق الأدنى، حافل بملوك فاتحين بدوا كما لو كانوا لا يدينون سوى إلى امتلاكهم لجيش قوي في مقابل ضعف خصومهم. والسؤال الذي تطرحه سيرة صلاح الدين الأيوبي هو: أكان واحدًا من هؤلاء الفاتحين الذين بنوا شهرتهم على ضعف خصومهم، أم أن في
سيرته عناصر معنوية مميزة وسمت انتصاراته المبكرة ومعاركه اللاحقة ضد الحملة الصليبية الثالثة بسمات نوعية مهمّة؟ ولا يُعتبر أنه
حارب في سبيل الإسلام ضد الصليبيين سببًا كافيًا للرد بالإيجاب على الجزء الثاني من السؤال؛ أي تأكيد أن في سيرته عناصر معنوية
مميزة. وبعبارة أخرى: هل كان الأيوبي أحد القادة العسكريين الذين لا يحركهم سوى الطموح الشخصي وشهوة الغزو، والذين استغلوا الشعارات والعواطف الدينية استغلالًا لا يهدف سوى إلى تحقيق غاياتهم الخاصة؟ نحن بصدد مسألة تتعلق بالنفاذ إلى أعماق الشخصية والدوافع التي تحركها. وقلما نجد في تاريخ العصور الوسطى مادة موثوقة، تتيح استنباط نتائج إيجابية تتصدى للنقد التاريخي الصارم، فيما يخص الدوافع العميقة التي تحرك شخصيات تنتمي إلى تلك العصور. لذا، يجب أن نتأكد أولًا من أن مصادرنا تتيح إمكانية الوصول إلى الإجابة. لكن في حالة صلاح الدين الأيوبي، نجد لحسن الحظ أن في حوزتنا ما لا يقل عن خمسة مصادر عربية معاصرة له، إضافة إلى إشارات عابرة في كتابات رحالة معاصرين له أيضًا. ومن تلك المصادر الخمسة وصلنا أحدها عبر بعض الشذرات، وهو تاريخ ابن أبي طيء، ومؤلفه شيعيّ المذهب من مدينة حلب، كان معروفًا
بعدائه لنور الدين زنكي سلف صلاح الدين الأيوبي. وكان من المتوقّع أن يكون أيضًا معاديًا للأيوبي، غير أنه بدا في الحقيقة إيجابيّا
تجاهه، بحسب كتابات بعض المؤرخين الذين نقلوا عنه. ومن المصادر الخمسة، نجد أن ثلاثة منها تعود إلى مؤلفين مشرقيين من خارج بلاد الشام. وأشهرهم هو المؤرخ الموصلي ابن الأثير الذي كان ينتمي إلى أسرة إقطاعية على صلة وثيقة بأمراء الموصل الزنكيين، ووضع مؤلفات تشيد بتاريخهم. ويعكس تشخيص ابن الأثير للأيوبي بعضًا من عداء غابر إلى جانب إعجاب مستجد، يعوزه الإخلاص، ولكن تتطلبه مقتضيات الولاء للزنكيين. غير أن سردية ابن الأثير عن صلاح الدين الأيوبي ليست في معظمها أصيلة، بل هي منقولة بتصرف عن أعمال مؤرّخه عماد الدين الأصفهاني0. وعمومًا، وعلى الرغم من معاصرة ابن الأثير لصلاح الدين الأيوبي، فلا يمكن الاعتماد على سرديته للإجابة عن الأسئلة الخاصة
بشخصية الأيوبي من الداخل، لا سيما الدوافع المحركة لها. لذلك فلو كان كل ما لدينا هو تاريخ ابن أبي طيء، وسردية ابن الأثير، لما أمكن الاقتراب من تقييم كاشف لإنجازات هذا القائد العسكري. لكن لدينا من المصادر الأخرى سيرة صلاح الدينالتي كتبها قاضي جيشه، بهاء الدين بن شداد، وهو أيضًا من الموصل، وكان منذ عام 1188 م بمنزلة الصديق الحميم له وموضع سره. وكتب سيرة صلاح الدينعبر أسلوب بسيط ومباشر مع التركيز على صفاته رجلًا. ومع أن سردية ابن شداد غير نقدية للرجل، فإنه لا يمكن اعتبارها من قبيل الإعجاب الأعمى أو عبادة الأبطال، بل إن إعجابه هو من قبيل ما يصدر عن صديق صادق ومخلص لا يخفى عنه أي شأن من شؤون صديقه، ولا يمكنه أن يتعمد إخفاء شيء يقتضيه الصدق، وهذا ما يميز سرديته التي تشمل السنوات الخمس الأخيرة من حياة الأيوبي. ويمكننا اعتبار أخبار ابن شداد عن سيرة الأيوبي من المصادر النادرة المثال عن إحدى شخصيات العصور الوسطى. وهي تصوّره لنا في قمة نجاحه في خضم صراعه اليائس
ضد الحملة الصليبية الثالثة. وهي مع ذلك لا تفيدنا في التعرف إلى النضال الطويل والمرير الذي عاناه قبل ذلك في سبيل بناء قوته.
1 H. A. R. Gibb, "The Arabic Sources for the Life of Saladin," Speculum , vol. 25, no. 1 (January 1950), pp. 58-72.
وعلى نحو استثنائي، فإنه من حسن الحظ وجود مصدرنا الرابع الذي يغطي كامل سيرة صلاح الدين الأيوبي (سواء في نصه الأصلي أم في شذرات موثوق بها) بصورة حميمية وبالغة الصدق. وهذا المصدر هو أعمال الكاتب عماد الدين الأصفهاني، الذي ينتمي إلى الطبقة الجديدة نسبيّا من خريجي المعاهد الذين تولّوا وظائف الخدمة المدنية لدى السلاطين السلاجقة والخلفاء في بغداد. وقد ارتقى
الأصفهاني من الخدمة في بغداد إلى المنصب الرفيع في دمشق في خدمة نور الدين زنكي، وأخيرًا أصبح الكاتب الخاص للأيوبي عام
1175 م. وبهذه الصفة كتب الأصفهاني تاريخ المعارك العسكرية خلال الفترة 1187 – 1188 م، وكذلك تاريخ الحملة الصليبية الثالثة1. وألّف عملًا من سبعة مجلدات بعنوان البرق الشامي، يتضمّن سيرة عمله في خدمة نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي. ومن هذه
المجلدات السبعة، لم يبقَ سوى مجلدَين، لكن كل المجلدات حظيت بتلخيص دقيق من المؤرخ أبي شامة الدمشقي (ت. 1267 م). ويُعتبر الأصفهاني من أشهر كتاب الأسلوب الأدبي في عصره، وتتميز أعماله بالنثر الفني المزدان بالسجع الذي تميزت به طبقة
الذين عملوا كتّابًا لعليّة القوم. وتمتاز كتاباته، على الرغم مما تحويه من المحسنات اللفظية، بالإحاطة والدقة والسرد المباشر، وليس
فيها ما يشي بليّ الحقائق أو بالتغطية على العيوب سواء عيوب صلاح الدين الأيوبي أو عيوب الآخرين، أو ما يعتبر مديحًا غير صادق
لأٍّيٍ كان حتى لو كان الأيوبي. وعلى الرغم من إعجاب الأصفهاني البالغ بهذا القائد العسكري، فإنه لم يتردد في كتاباته من توجيه
النقد إلى بعض أفعاله أو آرائه، بل يبدو أنه لم يتردد في مواجهته بالنقد وجهًا لوجه. وكان الأصفهاني على أوثق الصلات بمرجعه الرسمي
في الوظيفة، وهو القاضي الفاضل، الكاتب الرئيس للأيوبي، وكان مرهف الإحساس لما ترتبه مكانته من الشعور بالمسؤولية والحرص على الصدق وتجنّب المحاباة وإخفاء الحقائق. ويعتبر كتاب البرق الشاميسيرة ذاتية لصاحبه بقدر ما هو كتاب عن الأيوبي من وجهة
نظر مسؤول إداري محترف على تماس وتعامل يوميّ وثيق مع رئيسه. غير أن ابن شداد كان أوثق منه علاقة بالسلطان الأيوبي. أما مصدرنا الخامس، فلعله الأكثر قيمة، وهو التقارير والرسائل الصادرة عن كاتب صلاح الدين الأيوبي الأكثر ائتمانًا ومستشاره القاضي الفاضل، الفلسطيني الأصل، وقد حفظت تلك التقارير والرسائل ضمن أعمال الأصفهاني وأبي شامة وكتابات أخرى. وتظهر الرسائل الموجهة من القاضي الفاضل إلى الأيوبي الصلات العميقة من الإخلاص والمودة بينهما، والتي ساهمت في مساندة معنويات الأيوبي في أيام الشدة إبان الحملة الصليبية الثالثة، ولكن من دون التردد في توجيه اللوم، حين اقتضت بعض المناسبات. وفي حين أنّ على المؤرخ أن يمارس الحيطة في تحليل الرسائل العلنية التي وجهها القاضي الفاضل إلى الخلفاء وإلى الأطراف الأخرى، ففي تلك الرسائل من الأطروحات والأفكار ما يعكس بدقة الأهداف الحقيقية للأيوبي والمثل التي يستوحيها. تستند شهرة صلاح الدين الأيوبي إلى إنجازه العسكري في معركة حطين عام 1187 م وإلى استرداده بعدها مدينة القدس؛ لذلك فهو يُعتبر، في نظر المؤرخين المسلمين والمسيحيين على السواء، قائدًا عسكريًا في المرتبة الأولى، ثم في المرتبة الثانية مؤسّسًا
لأسرة حاكمة. واعتباره الأول قائدًا عسكريًا يعود إلى المصادر التاريخية الغربية الخاصة بالحملة الصليبية الثالثة، وكذلك إلى تصوير
ابن الأثير له رجلًا استعمل مواهبه العسكرية في إرضاء طموحاته السياسية في تأسيس إمبراطورية واسعة. ومن هذه الزاوية ذاتها يجري مقارنته بسلفه نور الدين زنكي. ولسوء الحظ ليس لدينا من مادة في المصادر التاريخية تمكّننا من الحكم على شخصية زنكي بالقدر المتاح عن الأيوبي. إن جميع الكتابات الإسلامية المعاصرة (باستثناء الحكايات غير الرسمية أو الشعبية) هي حوليات تشيع فيها نغمة المديح من الدوائر السنيّة في مقابل الخدمات التي قام بها في الدفاع عن الشام ضد الصليبيين،
وكذلك نتيجة لما قدمه من خدمات أكثر من أجل نشر المذهب السنّي عبر تأسيسه العديد من المؤسسات والمعاهد الدينية (المساجد
2 Carlo de Landberg (ed.), Conquête de la Syrie et de la Palestine , vol. 1 (Leyde: E.J. Brill, 1888).
قلّما استخدم مؤرخو الحملات الصليبية هذا النص حتى الآن.
والمدارس، فضلًا عن تشجيع فن الخطابة والإلقاء وبناء الخوانق)2 ومقاومة مظاهر التشيّع. إن الحوليات المتأخرة، باستثناء الشذرات
التي وصلت إلينا من أعمال المؤرخ الحلبي الشيعي ابن أبي طيء، هي الأكثر ثناءً. غير أنه عندما تتفق آراء المؤرخين الصليبيين مثل
وليام الصوري مع ذلك الاتجاه، فإننا نتأكد أنها انعكاس أمين للسيرة العامة لنور الدين زنكي. ومن الظلم – ونحن أمام ذلك – أن نظن أنه كان يرغب في تحقيق مصالحه السياسية عن طريق تلك الإجراءات، وأن هدفه كان التعلق بما فيها من أهداف ومثُل عليا. وعلى أيّ حال، فإن هناك اختلافًا أساسًّيًا بين الظروف التي عمل فيها نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي؛ فقد عمل الأخير
من داخل البناء السياسي في زمنه. أصاب التفكك سلطنة السلاجقة في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وترتب على ذلك أن الجزء الغربي من هضبة الأناضول سيطر عليه عدد من الأسر الملكية المحلية، التي تأسست (ما عدا بعض الإمارات البعيدة) بوساطة زعماء أتراك أو قادة من التركمان. واتسمت هذه الأسر الملكية بسمتين مشتركتين؛ الأولى هي روح المنفعة الشخصية التي حددت أفعالها وعلاقاتها السياسية الخارجية. وسوف يكون من الصعب علينا أن نجد أي إحساس بضبط النفس بين القادة الأتراك والتركمان، وذلك حين يستغل أحدهم ضعف الآخر. حدث ذلك من دون أي اعتبار لوجود المتنازعين ضمن أسرة ملكية واحدة، بصرف النظر عن الترابط الذي كان بين الإخوة البويهيين في بلاد فارس في القرن العاشر الميلادي. إن الأخبار المتعلقة بالمؤامرات والثورات والتحالفات المؤقتة، ومظاهر الخيانة والغدر بين الأمراء، لا يمكن حصرها في القرن الثاني عشر الميلادي. وخلال تلك الأجواء السياسية المنحطة، فإن الأمراء الأكثر صلابة في بيت آل زنكي وبيت تتش نادرًا ما تمكنوا من الصمود. أما السمة الثانية فكانت تأسيس القوى العسكرية؛ ذلك لأن أساس قوة أٍّيٍ من الأمراء كان فرقة منظمة من عسكر المماليك
التركية التي تألفت من الشبان العبيد من الأتراك الذين جرى شراؤهم في الصغر، قبل تدريبهم على يد فرسان محترفين، وبعد ذلك جرى عتقهم ومنحهم إقطاعات عسكرية لكي يعيشوا من إيراداتها المادية والعينية. وحملت تلك القوات العسكرية المحترفة عبء الحروب المستمرة بين تلك الإمارات، بعدما منحوا قائدهم المباشر ولاءهم الشخصي. وكان يقومون بواجبهم حتى إذا حوّل ولاءَه من
أمير إلى آخر جديد، من دون الاكتراث بمصالح الأمير الأول. ولأنهم قوات عسكرية محترفة، فقد كانوا يتكلّفون مبالغ باهظة على الرغم من أعدادهم القليلة. وأحد أسباب محاولات الأمراء الاستيلاء على أراضي جيرانهم هو محاولة الحصول على موارد من أجل زيادة عدد قواتهم. وفضلًا عن ذلك، فإنهم لم يستطيعوا تحمّل الحرب سوى فترة زمنية معينة؛ إذ لم يتحمّلوا الخسارة المادية عبر
مواصلة الإنفاق على قواتهم. ومن ناحية أخرى، فإن القوات بعد نهاية الخدمة في الحملة العسكرية التي تدعى بيكار Baikar يصبح لا هَّمَ لهم سوى عودتهم إلى إقطاعاتهم من أجل التمتع بإيراداتها4. بينما يختلف الجنود التركمان قليلًا عن رفاقهم؛ فعلى الرغم
من أنهم يمثلون قوات بدوية غير نظامية، فقد كانوا يخرجون في الحرب مدة محددة، وإذا طالت كانوا يقومون بأعمال السلب والنهب لكي يتمكنوا من مواصلة القتال، وفي بعض الأحيان يتلقون أمو لًا ومؤنًا تدفعهم إلى مواصلة مهمتهم5. كان نور الدين زنكي ابنًا لجندٍّيٍ محترف من أصل تركي، ولم يكن يعرف هذا النظام فحسب، بل شكّل أيضًا هو نفسه جزءًا منه.
وإذا افترضنا أنه كان يسعى لتكوين قوة عسكرية مركزية وقوية، من أجل قتال الصليبيين فضلًا عن إعلاء مكانته الشخصية، فإننا نجد أن جهوده على الصعيدَين العسكري والسياسي تتفق مع النهج الموجود في زمانه (وربما كانت في مستوى أخلاقي أعلى). ومن
.N. Elissieff (Nikо̄̄ ʹlai N. Elisséeff), "Les Monuments de Nur ad-Din," Bulletin d'études Orientales , vol. 13 (1951), pp. 5-43 ينظر: 3
4 لم تكن هذه الممارسات بدافع اعتبارات شخصية وحسب، بل أيضًا لأسباب اقتصادية معتبرة. فقد كان على القوات النظامية أن تُعيل نفسها وأتباعها أثناء الحملة من
مؤن وعلف، على نفقتها الخاصة، وكان لإطالة أمد الحملة أن يُكبِدها نفقات جسيمة، بل وكذلك ديونًا، ينظر:
Imad ad-Din in Abu Shama, vol. 1. p. 271 foot, and Fath , pp. 392-393; Albert Schultens (ed.), Baha ad-Din ibn Shaddad , pp. 200, 221. 5 Ibn al-Athir, Tornberg (ed.), vol. 10, p. 400; Imad ad-Din, Al-Barq al-Shāmī , vol. 3, 139b.
ناحية أخرى، فإن منافسيه وأتباعه الإقطاعيين اعترفوا به ممثلًا طبيعيًا للنظام القائم بفضل نفوذ عائلته. ونال احترامًا بفضل جهوده
في تطبيق هذا النظام، فهو رجل دبلوماسي وقائد للجيوش في الوقت نفسه. ثمّ إن جهوده في عملية "إعادة الاعتبار للأخلاق"، عبر
منح القادة والمصلحين الدينيين الدعم الكامل، لم تكن أمرًا جديدًا من نوعه. والحقيقة أنه بنى على مثال الدولة السلجوقية، ويستحق
أن نقول عنه إنه كان أفضل من بعض أسلافه في هذا الأمر. باختصار، يمكننا القول إن نور الدين زنكي، بوصفه قائدًا عسكريّا وإداريّا محنكًا، كان صاحب رؤية ومقدرة، تفوقان ما عُرف في
زمنه، من دون أن يخلّ ذلك بالنظام الموجود. وليس هناك شك في أنه لو كان قد امتد به العمر، وزالت الوحشة بينه وبين صلاح الدين الأيوبي، لحدث الهجوم المضاد على الصليبيين على نحو أسرع وأشدّ عنفًا مما جرى. ولا جدوى من إنكار ما بينهما من وحشة، تتضح بسهولة للباحثين في المصادر التاريخية، من دون التأثر بتفسيرات ابن الأثير الماكرة. كان زنكي يرى في فتح مصر زيادة أساسية في الإيرادات المالية والعسكرية، تكفل له الاستمرار في القتال بالشام. بينما لمس الأيوبي خطورة الموقف في مصر؛ لذا رأى أن مهمته الأولى هي بناء قوات محلية، تحمي مصر من تواطؤ العناصر المؤيدة للفاطميين في الداخل، وهجمات الفرنجة من الخارج. وربما كان فشل الحملة الصقلية على الإسكندرية (1174 م) واستقرار الوضع العام في مصر، يمكن أن يمهّدا لإعادة العلاقة الطيبة بينهما، غير أن الأول وافته المنية قبيل وصولها. إن أولى نتائج موت نور الدين زنكي كانت تفتت القوة العسكرية التي بناها، وذلك بفضل طبيعة النظام السياسي – العسكري الموجود، فقد استولى أقاربه في الموصل على أقاليم الجزيرة، وانقسمت جيوشه الشامية؛ بسبب تنافس القادة حول ابنه القاصر الملك الصالح. وبدا أنه لا بد مجددًا من إعادة ما أنجزه زنكي على نحو مختلف. ولم يكن هناك أمل في العثور من بين آل زنكي على خليفة كفء له؛ لأن أيّ محاولة جديدة، من أجل إعادة البناء الذي قام به، كان لا بد لها بدايةً من مواجهة الإمارات الزنكية الموجودة. وإذا
كان من يقوم بذلك محقّا، فإنه يرجو أن ينال تأييدًا من حركة "إعادة الاعتبار للأخلاق"، غير أنه كان سوف يلقى مقاومة من ممثليها بسبب ولائهم لذكرى زنكي. وبدا أنه ما دامت ملابسات إقامة قوة عسكرية مركزية في الشام قد بدت أصعب مما عليه زمن نور الدين زنكي، فكان من الضروري أن يختلف أسلوب من يقوم بذلك عن أسلوبه. وربما لم تكن لتتحقق تلك المهمة قطّ. ولم يكن من سبيل إلى تحقيقها إلا عبر طريقين؛ الأول عبر اتحاد الكيان الزنكي مع كيان عسكري قوي من الخارج (كأن نقول عبر امتداد واسع لسلطنة سلاجقة الروم في الأناضول، أو عبر قيام دولة واسعة في الشرق. وهو ما كان متاحًا آنذاك). أما الثاني، فكان ضرورة البناء على الأسس الأخلاقية التي أقامتها دولة زنكي، وتقويتها كثيرًا إلى الدرجة التي تدفع الكيان الذي أنجزه إلى خدمة الهدف الجديد. وبينما تدل المظاهر
الخارجية على أن صلاح الدين الأيوبي قد اقتدى بالطريق الأول، فإن ما حدث أنه اقتدى بالطريق الثاني، وهذا اقتضى ضرورة قيام دولة واسعة ممتدة من كردستان وديار بكر إلى بلاد النوبة واليمن. إن من أراد تحقيق مراده كان عليه إيجاد الوسائل اللازمة لذلك. فقد اقتضت الظروف التي واجهته في زمانه ذلك الأمر، غير أن مكانة الأيوبي الشخصية وكفاءته، والروح التي تحلى بها في إنجاز مهمته، وكذا الأساليب التي لجأ إليها، كانت مختلفة تمامًا عن تلك التي لدى مؤسسي الدول العسكرية الكبرى. لم يكن صلاح الدين الأيوبي تركي الأصل بل كان كرديّا. وكان الأتراك يشعرون بالاستعلاء بسبب ماضيهم العسكري، فضلًا
عن احتكارهم التام للقوة السياسية في المشرق الإسلامي عبر الأمراء الأتراك؛ لذا فقد كانوا ينظرون بدونية إلى الأجناس الإسلامية
الأخرى كافةً، كما أن أتراك الموصل وشمالي الشام قد بالغوا في احتقار جيرانهم الأكراد6. وحينما تقدم جنود الموصل أول مرة في مواجهة صلاح الدين الأيوبي عام 1175 م، احتقروه ساخرين منه7، واتهموه بالخيانة، واصفين إياه بأنه "كلب يعوي على سيده". وروى أحدهم، بعد سبعة عشر عامًا من ذلك الموقف، أن أحد الجنود من الموصل كان يساعد الأيوبي على امتطاء حصانه خلال الدفاع
عن مدينة القدس بينما يقول له: "ما تبالي يا بن أيوب أي موتة تحدث لك. إن من يساعدك على الركوب الآن أمير سلجوقي ينحدر من أتابك زنكي"8. إن الاختلاف في اللهجة بين عبارات الذم في الحالتين يمثل حدود التغير في النظر إليه، خاصة لدى المتعصبين لعرقهم ولدى المقاومين للمثل العليا التي كان يهدف إليها. ونلاحظ أيضًا أنه على الرغم من أن والد الأيوبي وعمه وإخوته وهو نفسه كانوا قد انخرطوا في القوات العسكرية الإقطاعية لنور الدين زنكي، فإن ذلك لم يجعل منه قائدًا عسكريّا متميزًا أو صاحب مواهب استراتيجية. ويبدو هذا الحكم غريبًا، حين
يكون موضوعه القائد الذي انتصر في حطين. لكن هذا الأداء في حطين يعود إلى مواهبه في التكتيك أكثر مما يعود إلى البراعة الاستراتيجية، وهذه المواهب في التكتيك تفسر أيضًا انتصاراته السابقة في معارك الموصل، وكذلك إنجازه العسكري الأكبر الذي كثيرًا ما يغفله المؤرخون الغربيون والمتمثل في استرداد قلعة آمد الحصينة في ديار بكر عام 1183 م بعد حصار دام ثلاثة أسابيع. ومن
اللافت للنظر تكرار بعض الضباط في جيوش صلاح الدين الأيوبي تعابير التشكيك في قدراته القيادية، وأدى هذا التشكيك في بعض الأحيان، والمتمثل في معارضة هؤلاء الضباط لتكتيكاته وخططه للمعارك، إلى تفويت فرص لتحقيق انتصارات خلال معارك الحملة الصليبية الثالثة. كذلك لم يكن الأيوبي إداريّا جيّدًا؛ إذ يبدو أنه كان قليل الاهتمام بالتفاصيل الإدارية، فيما عدا الحرص على كبح الإساءات
والفساد. وكان كثير الاعتماد في إدارة المناطق التي يحكمها مباشرة على أخيه العادل سيف الدين، وعلى رئيس الديوان القاضي الفاضل. أما إدارة الأقاليم الأخرى التابعة له، فقد عيّن لها حكامًا مفوّضين، شريطة أن يتكفّلوا بمكافحة الإساءة والفساد، وأن يعملوا
على إمداد جيوشه بالعسكر المحاربين (وإذا دعت الضرورة بالمال) لمتابعة الجهاد. ووفق ما تشهد به الوثائق التاريخية التي وصلتنا عن ثلاثة من الرجال الذين كانوا وثيقي الصلة بالأيوبي والتعامل المباشر معه؛ وهم: القاضي الفاضل، والأصفهاني، وابن شداد، فإن تفسير نجاحاته لا يعود إلى قدراته العسكرية والإدارية؛ إذ لم تكن هذه جزءًا من
تربيته أو ميوله، وإنما يعود إلى قدرته على حشد المعنويات والتصميم على توحيد جهود المسلمين ومواردهم ضد الغزاة الأجانب. وقد نجح في هذا من خلال ضرب المثال بشجاعته، وقوة إرادته الشخصية، وترفعه عن الأنانية وتواضعه وكرمه، ومن خلال إظهار السمو الأخلاقي للإسلام تجاه أعداء الإسلام وأتباعه على السواء. كان صلاح الدين الأيوبي شديد البساطة وأمينًا وشفافًا، من دون أن يكون
ساذجًا. وقد أدخل الحيرة في نفوس أعدائه في الداخل والخارج؛ إذ وجدوه يترفع عن الدوافع الرخيصة التي تحركهم، وعن الألاعيب
السياسية التي يتقنونها، كما وجدوا أنه لا يحمل الضغينة في نفسه، ولا يتوقع أن الآخرين يحملون الضغينة. وفي حين استغل بعض أقاربه هذه المزايا لمنافع شخصية، فلا أحد نجح في حرفه عن إخلاصه للمثل العليا التي نذر نفسه لخدمتها. وفي رأيي أن هذا الجانب من شخصيته لم يُقَدَّر حق قدره، فإن الطموح الذي نذر نفسه لتحقيقه لا يقل عن إجلاء الفرنجة إجلاء
تامًا عن فلسطين والشام. وقد أدرك معاصروه، كما أدركت الأجيال من بعد، أن تحقيق ذلك الهدف كان رسالته التي نذر نفسه لها كليّا.
6 ويتجلى هذا الأمر بوضوح وبإسهابه المعهود حتى عند عماد الدين (الأصفهاني)، الذي يخصص أكثر من صفحة لذمّ الخصال المنافية للجندية لدى الأكراد في
جيوش الأراتقة، وذلك على النقيض من مناقب جنود صلاح الدين ورصانتهم. ينظر: v. 57b sq , Barq.
7 If Michael the Syrian is to be believed: Chabot (ed. & trans.), vol. 3, p. 365. 8 Ibn al-Athir, vol. 12, p. 50.
وفي رأيي أن طموحه كان أوسع حتى من ذلك الهدف، وأنه ببساطة شخصيته، وبصيرته المباشرة في الظروف المحيطة، أدرك أن ضعف الجسم السياسي الإسلامي هو ما سمح ببقاء المستعمرات الصليبية في أرض الإسلام، ولذلك كانت ثورته هي ثورة ضد هذا الانحطاط السياسي الذي لم يكن ليعالج إلا بإحياء النسيج السياسي للإسلام عن طريق إعادة تأسيس إمبراطورية إسلامية متحدة تحت حكم الشريعة المستندة إلى الوحي الإلهي، وبالإدارة المباشرة من الخلافة العباسية، وليس بالضرورة تحت حكم الأيوبي. وقد رأى الأيوبي نفسه تابعًا وقائدًا في جيوش العباسيين، على غرار ما سبق أن مارسه لفترة وجيزة وزيرًا وقائدًا في جيوش الخلافة
الفاطمية. أما أنه كان يُلَقَّب بالسلطان، فهو اللقب الذي اكتسبه من خلال خدمته وزيرًا للفاطميين، ولا يمُّتُ بصلة إلى السلطنة
السلجوقية. ولا يظهر هذا اللقب في المراسم أو الحملات التي سادت في عهده. ويروي الأصفهاني حادثة مهمة خلال حصار مدينة عكا، أنّب فيها سيده الأيوبي على المبالغة في البساطة، وربما السذاجة9؛ فاستجابةً لمبعوث من الخلافة وافق الأصفهاني على تسليم إقليم شهرزور في كردستان إلى حوزة الخلافة، وكان هذا الإجراء موضع غضب أمرائه وإدانتهم، فكان ردّه "أن الخليفة هو سيد الناس والمؤتمن على الدين الحق، ولو كان هنا وطلب كل هذه الأراضي لأعطاها إليه، وليس شهرزور فحسب". لكن الحجة التي تثبت ولاء صلاح الدين الأيوبي للخلافة لا تقتصر على واقعة مثل المذكورة آنفًا، سواء كانت حقيقية أو مزعومة، ولكن يؤيدها المضمون الصريح للعديد من تقاريره المرسلة إلى بغداد، والتي يتواتر فيها الحديث عن الجهاد في سبيل الله وعن كبح الأفعال التي تسيء إلى من يخدمون الله وخليفته على الأرض، وعلى أنه يشهد الله على أن كل سلطة دنيوية ممنوحة له بما فيها الأراضي التي يسود عليها لا غاية لها سوى خدمة الخلافة. ويظهر ولاء الأيوبي للخلافة أيضًا في حوادث عديدة؛ منها اعتراضه على
مطالب آل زنكي في الاستيلاء على أراضٍ في الجزيرة في سورية بدعوى الميراث في غياب إجازة صريحة من الخلافة، كما تظهر في استيلائه الناجز على قلعة آمد في ديار بكر لصالح الخلافة، وكذلك في رسالته الصريحة إلى السلطان قلج أرسلان سلطان الأناضول يحذره فيها من اقتتال الأمراء المسلمين فيما بينهم بدلًا من أن يتحدوا في واجبات الجهاد في سبيل الله11. وفي الوقت ذاته، كانت النزعة المثالية عند الأيوبي مقيّدة بأخذه باعتبارات الواقع العملي وبالوضوح الذي كان يحكم به على كل
خطوة يخطوها نحو تحقيق أهدافه؛ ما يفسر التوسّع المطّرد في سلطانه. وكان مدركًا أن المشكلات التي يواجهها ليست ذات طبيعة
محض سياسية، بل إنها تتضمن أبعادًا معنوية ونفسية. ولذلك لم يكتفِ بمواجهة هذه المشكلات بالإجراءات السياسية والعسكرية، بل كان حريصًا على دعم هذه الإجراءات ورفع مستوى الولاء السياسي بمحفزات نفسية وأخلاقية. وقد وجد الأيوبي الوسائل لتوفير هذه المتطلبات بما أدهش أصدقاءه وأعداءه على السواء. ففي تعامله مع الأمراء، سواء من أصدقائه أو أعدائه، كان مبدؤه الأول الصدق والإخلاص المطلق للكلمة التي يعد بها. فإذا عقد هدنة مع الصليبيين فهو الوفي تمامًا بعهوده، وليس في سجّله واقعة واحدة أخلّ فيها بما وعد أو تعهّد به. في المقابل، كان فاقدًا
للتسامح وشديد العقاب على من ينكثون بالعهود كما فعل مع رينالد دي شاتيون وفرسان المعبد. أمّا تجاه منافسيه المسلمين فتميز
سلوكه بالكرم والإخلاص. فحينما عقد حلفًا مع الملك الصالح عام 1176 م (في حادثة استرداد أعزاز الشهيرة) لم ينفذ إجازة الخليفة له بدخول حلب، وأجّل ذلك إلى ما بعد وفاة الملك الصالح13. ومما يذكر أيضًا أن حصار قلعة آمد كان وفاءً لوعد قطعه للأمير الأرتقي
9 Landberg (ed.), Fath , pp. 218-219..From Abu Shama, vol. 2, pp. 24-48; Barq , vol.3, fol. 123a 0 ينظر:1 11 Abu Shama, vol. 2, p. 34.
لحصن "كيفا" مكافأةً على وفائه. وحين استولى على الحصن، سلّم كل الأموال الضخمة التي غنمها إلى حليفه من دون نقصان، مما كان فعلًا من أفعال الوفاء غير المسبوق الذي طبقت شهرته الآفاق14. ومن أجل تحقيق غايته، كان على الأيوبي تقوية أعماله، عبر الاعتماد على تيّار خلقي ونفسي قوي تصعب مقاومته. لذلك، وجد
غايته في "فقهاء المدارس" الذين كانوا بمنزلة قادة للرأي العام الشعبي. وهو الأمر الذي بدا صعبًا للغاية؛ لأن هؤلاء الفقهاء كانوا من
المؤيدين لنور الدين زنكي. ونظرًا إلى أن الأيوبي بدا مغتصبًا لإرث زنكي، فكان من الطبيعي أن يتخذ هؤلاء مع سكان الشام موقفًا
سلبيّا منه في البداية. ولا يوجد في المصادر التاريخية العربية سوى إشارة بسيطة، تدلّ على تغيّر تدريجي في موقفهم. غير أنه هناك
أدلة عديدة في الروايات المعاصرة، تدلّ على أنه قد نجح في النهاية في كسب احترامهم ونيل إعجابهم نتيجة صدقه وإخلاصه15. وحذا صلاح الدين الأيوبي حذو نور الدين زنكي، في تقريب المتصوّفة منه ورعايتهم، وهو ما كان له الأثر الكبير غالبًا في توصيل
رسالته إلى سكان الشام. إلا أن أهم القرارات التي جذبت نحوه السكان، بصفة عامة، كان رفع الرسوم والأعباء المادية الجائرة في الأقاليم التابعة له. حدث هذا حتى لو لم يبادر ممثلوه إلى العمل بذلك سريعًا. ومن الملاحظ أن شيعة حلب وشمال الشام، المعروفين
بإزعاجهم، والذين ظلوا على مسافة من زنكي، لم ينتفضوا ضد الأيوبي (بعد محاولات الحشاشين الأولى بهدف اغتياله)، بل قدموا يد العون له خلال فتوحاته16. ويمدنا الأصفهاني بلمحة بارزة عن دبلوماسية صلاح الدين الأيوبي17، حينما أراد أتابك الموصل، الذي ينحدر من آل زنكي الموالي للخليفة، أن يبعث له طالبًا منه إرسال شيخ شيوخ مدينة بغداد لكي يشفع له عند الأيوبي في عام 1184 م. وعلى الرغم من
أن رسول الموصل تصرف بما يفسد المهمة تمامًا، فإن الأيوبي لان لمشيئة شيخ الشيوخ. ويبدو أن ذلك قد أغضب رسول الموصل
مجددًا، فهدد بعقد حلف بين الموصل وسلاجقة فارس الذين يمثلهم طغرل الثاني الذي كان بمنزلة عدو للخليفة. ويشير الأصفهاني إلى أن هذا الأمر دفع صلاح الدين الأيوبي إلى اتخاذ سياسة الحزم في العلاقة مع الموصل، بعد ذلك. وليست هناك مبالغة في رواية الأصفهاني. ثمّ إن تصرّف الأيوبي هذا مثّل بداية للصداقة التي نشأت بينه وبين القاضي ابن شداد - الذي يؤيد رواية الأصفهاني -
حينما كان فردًا ضمن حاشية رسول الموصل18. وبعيدًا عن استرداد قلعة آمد، فإن سبب تمدد دولة صلاح الدين الأيوبي في آسيا الصغرى بين عامي 1182 و 1186 مإنما يرجع إلى تلك العوامل وليس إلى الأعمال العسكرية. ولم تكن تحركاته أمام الموصل وحلب لتعبّر عن تحركات عسكرية، بقدر ما كانت
أعم لًا استعراضية. وبما أن أمراء الجزيرة من صغار السن قد بلغهم خلقه وورعه، فقد خضعوا له19. وهكذا، فبعد أن تظاهر قادة قوات نور الدين زنكي بالحرب ضده، قدّموا في النهاية أنفسهم له. يذكر ابن الأثير أنه حتى في الموصل كان هناك أمراء موالون
12 كان سلوكه في هذا الصدد على قدر من الاتساق، ومثيرًا للرعب في نفوس أعدائه، مما استدعى اختلاق واقعة لموازنة ذلك، وهي الواقعة التي دوّنها ابن الأثير (مع
تظاهر كبير بالحياد) في تاريخه، ينظر:
Ibn al-Athir, vol. 11, p. 341; "The Arabic Sources," Speculum , vol. 25, pp.67-68; H. A. R. Gibb, "The Arabic Sources for the Life of Saladin," Speculum , vol. 25, no. 1 (January 1950), pp. 67–68. 13 Ibn Jubair, Rihla, pp. 297-298; "Abd al-Latif al-Baghdadi," in: Ibn Abi Usaibia, Vyun al-Anba , vol. 2, p. 206 (both translated in RM.C.Or., vol. 3, p. 435 sqq.). 14 Claude Cahen, La Syrie du Nord ά l'époque des croisades (Paris: Paul Geuthner, 1940), pp. 428-429. 15 Barq , v. fol. 129 sqq. 16 Ed. Schultens, p. 57. 17 Imad ad-Din, Al-Barq al-Shāmī , v. 79b sqq. (Abu Shama, vol. 2, pp. 43-44).
لصلاح الدين الأيوبي أجبروا الأتابك الزنكي على الاستسلام في عام 1186 م20. ومن الضروري أن لا نبالغ في مدى تأثير الفقهاء في الجنود. غير أننا نجد في بعض المصادر إشارات إلى تدخلهم الواضح؛ وهذا جعل منهم عاملًا مساعدًا. وأبرز مثال على ذلك مسألة شاه
أرمن مدينة خلاط الذي كان من أبرز خصوم صلاح الدين الأيوبي، والذي قدم جنوده لمساعدته قبل نهاية الحملة الصليبية الثالثة21. وحينما نجح الأيوبي في استعادة السيطرة على فلسطين وبلاد الشام الداخلية خلال سنة ونصف السنة، بعد انتصاراته في حطين، كان لسمعته الطيبة في الإخلاص المطلق لوعوده وكلماته فضل كبير في تحقيق ذلك الإنجاز. وبفضل ذلك الصيت سقط في حوزته العديد من القلاع المحصنة، قبل اندلاع الحملة الصليبية الثالثة، ولولا ذلك لاختلفت نتائج هذه الحملة اختلافًا لم يكن في مصلحته، ولما سقط أكثر من عشر تلك القلاع والبلاد في قبضته. فقد كانت هذه الحملة تحدّيًا من نوع لم يكن قد توقّعه أو استعد له. وطّن الأيوبي نفسه على أن هدفه النبيل والمثالي في توطيد سلطة القانون في البلاد الإسلامية سوف يتحقق، من خلال التزامه بمبادئ العدالة والإخلاص. وهذا الالتزام لم يكن كافيًا في ذاته لتحقيق الهدف، ولكنه أرسى الأسس المعنوية لحشد جيوش ترابط
في الميدان بصورة مستمرة لثلاث سنوات ضد عدو شرس. ولم يكن قد سبق لأي أمير أو قائد مسلم أن تصدى لمثل هذه المهمة أو نجح في إنجازها. كشفت معارك الحملة الصليبية الثالثة عن مواطن الضعف المادية والمعنوية في إمبراطورية صلاح الدين الأيوبي الواحدة بعد الأخرى، والتي كانت خافية خلال حقبة الانتصارات، ولم يكن قد اهتم بجمع المال أو بالإدارة الحصيفة للموارد، وكان قد "أنفق الموارد المالية المصرية من أجل كسب الشام، وأنفق موارد الشام من أجل كسب بلاد الرافدين، التي أنفق مواردها من أجل فتح فلسطين"22. ووجد نفسه الآن من دون موارد كافية لتغطية تكاليف الأسلحة والغذاء والأعلاف والمعدات ورواتب الجنود؛ وبالنتيجة كان عاجزًا عن توفير ما يلزم للقوات المتحالفة معه حتى تستمر في مساندته23. إضافة إلى ذلك، لم يستطع الوصول إلى المعدات
العسكرية التي اختزنها في قلعة عكا24، التي كان قد وفّر لها المعدات والتحصينات حتى تكون القاعدة الرئيسة لعملياته المستقبلية. لكن حصار عكا وخسارتها كانا الضربة القاضية التي أقعدت القدرات العسكرية لجيشه. عدا ذلك، واجهت قواته صعوبات جمة نتيجة الخنادق الحصينة التي استخدمها الصليبيون في حصار عكا. وعلى الرغم من تفوق المحاربين الأتراك على الفرسان الصليبيين في معارك السهول المفتوحة، فإن هذا التفوق لم يكن ذا جدوى في تخفيف ضغط الحصار على مدينة عكا؛ ما أدى في نهاية الأمر إلى تفشي التذمر والميل إلى الانتقاد والمعارضة بين عساكر صلاح الدين الأيوبي، ولا سيما في المراحل الأخيرة من الحملة التي انتهت بسقوط عكا، والفشل العسكري. لكن ضرر تلك الهزيمة كان ضئيلًا قياسًا على الضرر الذي لحق بالقضية الكبرى التي نذر نفسه لها، وتمثّل ذلك في فتح شهية
عدد من إخوانه وأقربائه للخروج عن طاعته كما كانوا قد فعلوا في مناسبات سابقة، لكن الضرر كان فادحًا هذه المرة؛ لأنه حصل
إبان قمة الصراع مع الصليبيين. ومن أمثلة ذلك العصيان المتعمد الذي ارتكبه ابن أخيه تقي الدين ضد أوامره في ديار بكر، وهذا ما تسبب في سلسلة من حوادث التمرد التي أحبطت قدرات الأيوبي في معارك فلسطين التي أعقبت سقوط عكا. ففي هذه الحقبة،
18 Ed. Tornberg, vol. 11, pp. 338, 340. See also the significant incident of the garrison of Harim (quoted by Grousset, vol. 2, p. 720). 19 Baha ad-Din, p. 260. 20 Al-Qadi al-Fadil in Abu Shama, vol. 2, p. 177. 21 Abu Shama, vol. 2, pp. 177-178, 203; Path, pp. 207, 392-393, 443; Baha ad-Din, pp. 200, 221, etc. 22 Baha ad-Din, p. 174. 23 Al-Qadi al-Fadil in a letter quoted by Abu Shama, vol. 2, p. 178.
عانت قواته العسكرية فقدان قوات تقي الدين وقوات أخرى من ديار بكر، وانتشار التذمر بين قواته التي بلغ منها الإجهاد مبلغه في تلك الشهور الحرجة. تلك كانت الأحداث التي سلبت من صلاح الدين الأيوبي فرص الانتصار على الملك ريتشارد، ولكنها في الوقت ذاته تظهر بجلاء التصميم الذي كانت تعود به الفرق العسكرية من الموصل لاستئناف المعارك سنة بعد أخرى، ولو مع بعض التلكؤ أحيانًا، ومن الواضح أنها لم تكن تفعل ذلك تحت ضغط أو إكراه. بل لم يكن لذلك السلوك من تفسير سوى شعور تلك الجيوش بالولاء الشخصي للأيوبي، الذي كان سائدًا في الموصل على الرغم من استثناءات فردية. وكان الأيوبي مدركًا لهذا الولاء، وعبّر عن ذلك بكلمات متواضعة وجهها
إلى ابن شداد: "إذا حانت وفاتي، فمن غير المحتمل أن يعود هؤلاء العسكر إلى التضامن فيما بينهم مرة أخرى". تلخص هذه الكلمات جوهر ما تمثله طبيعة الإنجاز الذي حققه صلاح الدين الأيوبي؛ وهو أنه من خلال الطبيعة الخيّرة والصلبة لشخصيته استطاع
في حقبة زمنية حرجة أن يبعث الإسلام من حضيض الانحطاط السياسي، وأن يضع نصب عينيه مثلًا أعلى أخلاقيّا، يستقطب جملة
حياته وسلوكه، وهو الطموح إلى وحدة المسلمين التي وإن لم تتحقق وفق مشيئته، فإنها مثّلت التحدي الخفيّ الذي تحداه به القدر.
24 Baha ad-Din, p. 218.