العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الحرب العثمانية - الروسية (1768 – 1774) وانعكاسها على الأوضاع السياسية في جبل لبنان وساحله خلال عهد الأمير يوسف الشهابي

الحرب العثمانية - الروسية (1768 – 1774) وانعكاسها على الأوضاع السياسية في جبل لبنان وساحله خلال عهد الأمير يوسف الشهابي

Repercussions of the Ottoman Russian War (1768 – 1774) on the Political Situations in Mount Lebanon and the Coast during the Reign of Emir Yusuf Shihab

باسم مروان فليفل*Bassem

Marwan Fleifel

الملخّص

شهدت السنوات الأولى من النصف الثاني من القرن الثامن عشر استئناف توسّع الإمبراطورية الروسية جنوبًا في اتجاه ا لبحر الأسود، حيث كان للدولة العثمانية نفوذ سياسي واقتصادي وديني. ولم تلبث إمبراطورة روسيا، كاترين الثانية، ا لراغبة في السير على نهج بطرس الأكبر، ممدّن روسيا وباني إمبراطوريتها، أن نقلت الحرب مع العثمانيين من القوقاز والقرم وحوض البحر الأسود إلى أوروبا الشرقية والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فاتّّصلت بالزعامات والحكّام ال طموحين والميّالين إلى الاستقلال بما تحت أيديهم من بلاد، ودعمتهم بغية إثارة الاضطرابات الداخلية في الدولة ا لعثمانية وإشغالها. ووقعت نتيجةً لذلك صراعات عديدة على النّفوذ بين الزعامات المحلية في مصر والشام، أعادت ت قسيم الأدوار والمناصب السياسية بما يتلاءم مع مصلحة السلطنة العثمانية. وكان من أبرز هذه الزعامات الأمير يوسف ال شهابي، أمير جبل لبنان. تحاول هذه الدراسة شرح الأسباب التي أفضت إلى هذه التغييرات السياسية.

Abstract

The early years of the second half of the 18 th century saw the Russian Empire's resumption of its earlier expansions southward towards the Black Sea, where the Ottoman Empire obtained political, economic, and religious influence. Empress Catherine II, who wanted to follow in the footsteps of Peter the Great, builder and of the Russian Empire, moved the war with the Ottomans from the Caucasus, Crimea, and the Black Sea to Eastern Europe and the Mediterranean. She contacted local ambitious rulers and governors inclining toward independence and supported them in order to create internal confusion in the Ottoman Empire and distract it further. Several conflicts over influence occurred between local governors in Egypt and Syria, which re-divided political roles and positions to suit the interests of the Sultanate. One of most prominent governors was Emir Yusuf Shihab of Mount Lebanon. This study attempts to explain the reasons that led to these political changes.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرب العثمانية - الروسية (1768 - 1774)
  • الأمير يوسف الشهابي
  • لبنان في العهد العثماني
Keywords:
  • Ottoman – Russian War (1768-1774)
  • Emir Yusuf Shihab
  • Ottoman Lebanon

الحرب العثمانية - الروسية (1774–1768) وانعكاسها على الأوضاع السياسية في جبل لبنان وساحله خلال عهد الأمير يوسف الشهابي Repercussions of the Ottoman Russian War (1768 – 1774) on the Political Situations in Mount Lebanon and the Coast during the Reign of Emir Yusuf Shihab

شهدت السنوات الأولى من النصف الثاني من القرن الثامن عشر استئناف توسّع الإمبراطورية الروسية جنوبًا في اتجاه البحر الأسود، حيث كان للدولة العثمانية نفوذ سياسي واقتصادي وديني. ولم تلبث إمبراطورة روسيا، كاترين الثانية، الراغبة في السير على نهج بطرس الأكبر، ممدّن روسيا وباني إمبراطوريتها، أن نقلت الحرب مع العثمانيين من القوقاز والقرم وحوض البحر الأسود إلى أوروبا الشرقية والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فاتّصلت بالزعامات والحكّام الطموحين والميّالين إلى الاستقلال بما تحت أيديهم من بلاد، ودعمتهم بغية إثارة الاضطرابات الداخلية في الدولة العثمانية وإشغالها. ووقعت نتيجةً لذلك صراعات عديدة على النّفوذ بين الزعامات المحلية في مصر والشام، أعادت تقسيم الأدوار والمناصب السياسية بما يتلاءم مع مصلحة السلطنة العثمانية. وكان من أبرز هذه الزعامات الأمير يوسف الشهابي، أمير جبل لبنان. تحاول هذه الدراسة شرح الأسباب التي أفضت إلى هذه التغييرات السياسية.

The early years of the second half of the 18 th century saw the Russian Empire's resumption of its earlier expansions southward towards the Black Sea, where the Ottoman Empire obtained political, economic, and religious influence. Empress Catherine II, who wanted to follow in the footsteps of Peter the Great, builder and of the Russian Empire, moved the war with the Ottomans from the Caucasus, Crimea, and the Black Sea to Eastern Europe and the Mediterranean. She contacted local ambitious rulers and governors inclining toward independence and supported them in order to create internal confusion in the Ottoman Empire and distract it further. Several conflicts over influence occurred between local governors in Egypt and Syria, which re-divided political roles and positions to suit the interests of the Sultanate. One of most prominent governors was Emir Yusuf Shihab of Mount Lebanon. This study attempts to explain the reasons that led to these political changes.

باحث في التاريخ ومُدرّس جامعي، حاصل على إجازة في الحقوق وماجستير ودكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر من جامعة بيروت العربية، ومساعد أمين مكتبة في الجامعة الأميركية ببيروت. Historian and university lecturer and Assistant to the Head Librarian at the American University of Beirut. He Holds a Bachelor’s Degree in Law and a Master’s and PhD. in Modern and Contemporary History from Beirut Arab University. bassemmarwan116@gmail.com

مقدمة

يتفق المؤرخون على أن الأمير يوسف بن ملحم الشهابي (1748 - 1790) كان أول الأمراء الشهابيين المسيحيين على جبل لبنان، أو على الأقلّ أول من جاهر منهم باعتناق المسيحية، وحكم البلاد في الفترة 1770 - 1789. وشهد عهده أحداثًا خطيرة على الصعيدين المحلي والدولي، لعل أبرزها في المقام الأول قصف الروس مدينتَي صيدا وبيروت واحتلالهما فترتين وجيزتين: الأولى خلال حزيران/ يونيو 1772، والأخرى من تشرين الأول/ أكتوبر 1773 إلى أوائل سنة 1774، وذلك خلال الحرب الروسية - العثمانية التي دامت ست سنوات (1768 – 1774). وعلى صعيد آخر، شهد عهده أيضًا بزوغ نجم أحمد باشا الجزار، الذي كُتب له أن يصبح من أشهر الولاة العثمانيين عمومًا، وحكّام المشرق العربي خصوصًا. وعرف كذلك تزايد نفوذ الموارنة ودورهم السياسي في جبل لبنان على حساب الدروز؛ إذ انخرطوا في الأنشطة السياسية من خلال الأمراء الشهابيين الذين تقرّبوا منهم واستعانوا بهم، واعتمدوهم مستشارين ومدبّرين لشؤون الملك، بسبب ازدياد نسبة المتعلمين في صفوفهم نتيجةً حتمية لتكاثر الإرساليات الكاثوليكية في البلاد، إضافة إلى صلات زعمائهم بالبابوية والملكيات الأوروبية. حاول الشهابي استغلال الأوضاع المضطربة للدولة العثمانية حينذاك، والظروف المحلية المحيطة به، في سبيل توسيع نفوذه، فاستعان بأعداء العثمانيين، وفي مقدمتهم الروس، لتحقيق مآربه، وأساء إلى السكان غير النصارى، من دون تبصّر بما قد يعود عليه من ضرر نتيجة هذه الأفعال، ولا دراية، على ما يظهر، بأنه كان ألعوبة محلية في يد أعداء الدولة العثمانية، يستغلونه لتحقيق مآربهم. وأفضت أفعاله، إلى جانب أسباب أخرى، إلى ثورة المكون السكاني الآخر لجبل لبنان؛ أي الدروز، وكاد الأمر أن يتطور إلى فتنة طائفية تزيد الدولة العثمانية ضعفًا على ضعف، فصار خلعه ضرورةً ملحّة وتنصيب آخر مكانه.

خامس الأمراء الشهابيين على جبل لبنان. تولّى الحكم بعد أن تنازل عمّه الأمير منصور طوعًا عن الإمارة وعهد بها إلى ابن أخيه. دام حكمه خلال الفترة 1770 - 1788،

وكان أول من جاهر باعتناق المسيحية من آل شهاب. شهد عهده أحداثًا خطيرة، منها قصف الروس لبيروت وصيدا واحتلالهما، وبزغ خلاله نجم أحمد باشا الجزار، والي

عكا الشهير. تنازل عن الإمارة لصالح نسيبه بشير بن قاسم، المعروف ببشير الثاني الكبير، وقتله الجزار بمسعى من الأخير. ينظر:

William Harris, Lebanon: A History, 600-2011 (New York: Oxford University Press, 2012), pp. 119-124; Thomas Philipp, Acre: The Rise and Fall of a Palestinian City, 1730-1831 (New York: Columbia University Press, 2013), p. 6.

بدأت هذه الحرب سنة 1768 خلال عهد الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية والسلطانين العثمانيين مصطفى الثالث ثم عبد الحميد الأول؛ إذ رغبت الإمبراطورة في

توسيع حدود دولتها جنوبًا، وبسط هيمنتها على سواحل بحر البنطس (البحر الأسود) الذي كانت تسيطر عليه الدولة العثمانية، إضافةً إلى إنعاش تجارة إمبراطوريتها بعد

الأضرار الاقتصادية الجسيمة التي لحقت بها نتيجة حرب السنوات السبع التي شاركت فيها معظم القوى العظمى الأوروبية. حقق الروس سلسلة انتصارات كبيرة على

العثمانيين، وانتزعوا منهم بلادًا كثيرة على الساحل الشمالي لبحر البنطس، بما فيها خانية القرم التترية، التي كانت تتبع الدولة العثمانية سابقًا. ومنذ ذلك الوقت، أثبت

الروس أنهم من القوى الرئيسة في القارة الأوروبية. ينظر:

Brian L. Davies, The Russo-Turkish War, 1768-1774 (New York: Bloomsbury Academic, 2016), p. 248; Paul W. Schroeder, The Transformation of European Politics 1763-1848 (New York: Oxford University Press, 1994), p. 35.

من أبرز رجالات الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر. تولى ولاية صيدا منذ سنة 1776، ثم نقل مقرّ ولايته إلى عكا، وظل في منصبه حتى وفاته سنة 1804. يعود

أصله إلى البشناق (البوسنة)، وقيل إنّه وُلد مسيحيًا أرثوذكسيًا، وقيل وُلد مسلمًا. هرب من بلاده إلى إستانبول لأسباب اختُلف في دقتها، فباع نفسه لنخاس باعه إلى أحد

الأمراء في مصر، فأصبح من خاصة مماليكه. صار فيما بعد من جملة مماليك علي بك الكبير الذي رأى فيه شابًا بطّاشًا جلادًا فلقبه ب "الجزار" لكثرة ضحاياه، ومنحه

رتبة البكوية. هرب لاحقًا إلى الشام بعد خلاف نشب بينه وبين علي بك حاول الأخير على إثره قتله، فالتحق بخدمة الوالي عثمان باشا الوكيل، وتدرّج في المناصب حتى

صار واليًا على صيدا. أسهم في التص يد للحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، وتمكّن من الصمود أمام حصاره مدينة عكا، ما أكسبه شهرةً واسعةً في الغرب. دُفن في

المسجد الذي بناه في عكا، المعروف إلى اليوم ب "مسجد أحمد باشا الجزار". ينظر: قسطنطين بازيلي، سوريا ولبنان وفلسطين تحت الحكم التركي من الناحيتين

السياسية والتاريخية، ترجمة يسر جبر (بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1988)، ص 78 – 80؛ وينظر:

Amnon Cohen, Palestine in the 18 th Century: Patterns of Government and Administration (Jerusalem: The Magnes Press, 1973), pp. 20, 284, note 46; Philipp, pp. 48, 244.

أولًا: الغارات الروسية على صيدا وبيروت

1. تحالف علي بك الكبير مع الروس

تعرّضت مدينتا صيدا وبيروت لحصار بحري روسي وقصف مدفعي عنيف من مدفعية الأسطول الروسي خلال السنوات الثلاث

الأولى من سبعينيات القرن الثامن عشر، بعدما تحالف والي مصر علي بك الكبير مع الرّوس ضد الدولة العثمانية، عقب تلاقي

أهداف الطرفين. وتفصيل ذلك أن إمبراطورة روسيا كاترين الثانية استأنفت السياسة التوسعية الروسية، التي أوصى بها بطرس الأكبر، على حساب الدولة العثمانية، واستغلت كلّ حادث إقليمي أو دولي لتحقيق مآربها، وعملت على إضعاف الدولة العثمانية من خلال التعاون مع القوى الثائرة على الباب العالي في المشرق العربي، بهدف إيجاد موطئ قدم لها في البلاد العربية يخوّلها

حقّ التدخل في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية من خلال حصولها على بعض الامتيازات، أسوةً بالامتيازات الفرنسية القديمة التي منحها السلطان سليمان القانوني لفرنسا في مرحلة ذروة مجد الدولة وقوتها. وفي تلك الفترة، كان علي بك الكبير قد بسط نفوذه على الديار المصرية كلها، واستغل فرصة انشغال الدولة العثمانية بحربها مع الإمبراطورية الروسية، التي لم تكن نتائجها في صالح العثمانيين الذين مُنوا بخسائر فادحة؛ فعزل الوالي العثماني وتولّى هو منصب

القائمقام بادلًا منه، وذلك في غرة شعبان 1182 ه الموافق 11 كانون الأول/ ديسمبر 1768  م. ولم يتأخر علي بك في الإعلان عن نياته بعد ذلك، فتطلع إلى ضم الحجاز لتأمين حج البيت الحرام للمصريين والمغاربة والشوام، وإحياء تجارة مصر مع الهند بالاستيلاء على ميناء جدة التجاري يذ الشهرة الواسعة، وجعله مستودعًا وسطًا لتجارة الهند وآسيا الشرقية، فيعيد بذلك الثروة والغنى اللذين

مملوك، حكم الديار المصرية خلال الفترة 1768 - 1773. وُلد في بلاد الأباظة (أبخازيا) لعائلة كرجية (جورجية) مسيحية، وقيل إنها كانت تتبع كنيسة الروم الأرثوذكس،

وقيل الكنيسة الجورجية الأرثوذكسية. خطفه أحد النخاسين لاحقًا وباعه في سوق النخاسة في القاهرة، فاشتراه الأمير إبراهيم كتخدا سنة 1743 م وأطلق عليه اسم عليّ.

وتدرّج في المناصب حتى صار شيخ البلد في القاهرة، ثمّ تمكّن في نهاية المطاف من السيطرة على مصر كلّها. تواصل مع الأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط

ليزوّده بالسلاح والذخائر في سبيل استقلاله عن الدولة العثمانية. وفي نهاية المطاف، تمكنت السلطنة من إخماد عصيانه، وقتله في معركة تابعه وقائد جيشه محمد بك أبو

الذهب. ينظر: إسماعيل سرهنك، حقائق الأخبار عن دول البحار، ج 2 (القاهرة: المطبعة الأميرية ببولاق، 1314 ه)، ص 206؛ وينظر:

Jane Hathaway & Karl Barbir, The Arab Lands under Ottoman Rule: 1516-1800 (London: Routledge, 2013), p. 99; Alexander Mikaberidze, "Ali Bey al-Kabir," in: Alexander Mikaberidze (ed.), Conflict and Conquest in the Islamic World: A Historical Encyclopedia , vol. I (Santa Barbara, CA: ABC-CLIO; Bloomsbury Publishing, 2011), pp. 83-84; Daniel Crecelius, A Study of the Regimes of 'Ali Bey al-Kabir and Muhammad Bey Abu al-Dhahab, 1760-1775 (Minneapolis/ Chicago: Bibliotheca Islamica, 1981), p. 40.

تسمّيها بعض المراجع أيضًا "كاترينة الثانية". أميرة ألمانية الأصل، وُلدت سنة 1729، وانتقلت إلى روسيا لتتزوج بالأمير بطرس الذي عينته الإمبراطورة السابقة إليزابيث

وريثًا لها في الملك. ولما تولّى زوجها العرش الروسي باسم بطرس الثالث (1728 – 1762)، استمالت كاترين الروس إليها وعزلته سنة 1762، وعقب موته تُوّجت إمبراطورةً على

البلاد. واشتهرت بالسير على نهج بطرس الأكبر، فاستولت على شبه جزيرة القرم وقلعة آزاق وغيرهما من البلاد التي كانت تابعة للدولة العثمانية، واقتسمت مملكة بولونيا

مع مملكة هابسبورغ النمساوية وبروسيا. كانت محبةً للعلوم، مشجّعةً للعلماء على نشر معارفهم في بلادها، واشتهرت باتخاذها عددًا من الخّلان من رجال السياسة والخدم

على حد سواء. تُوفيت سنة 1797. ينظر: محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق إحسان حقي، ط 10 (بيروت: دار النفائس، 2006)، ص 329 – 330.

من أشهر الأباطرة الروس، إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق. وُلد سنة 1672، وتولى الملك سنة 1682. عمل بدايةً على إصلاح الأوضاع الداخلية الروسية، وعزم

على تمدين بلاده وإخراجها من ظلمات القرون الوسطى لمواكبة الركب الحضاري الأوروبي، فاقتبس الكثير من العادات والتقاليد والنظم الإدارية والعسكرية الأوروبية

الغربية، وأسّس عاصمة جديدة لدولته هي مدينة بطرسبرغ. خاض حروبًا مع جيرانه من السويديين والصفويين والعثمانيين وانتزع منهم عددًا من المناطق والبلاد. توفي

في 8 شباط/ فبراير 1725. ينظر: المرجع نفسه، ص 308. عبد الرؤوف سنّو، "العلاقات الروسية العثمانية (1678 – 1878): سياسة الاندفاع نحو المياه الدافئة"، تاريخ العرب والعالم، السنة 7، العددان 73 - 74 (1984)، ص 51.

عاشر السلاطين العثمانيين. وُلد سنة 900 ه/ 1495 م، وفي عهده بلغت الدولة العثمانيّة أعلى درجات الكمال والازدهار، واتّسعت اتساعًا عظيمًا حتى غدت من القوى

العظمى في العالم، وصار وجودها ضروريًا لحفظ التوازن السياسي في أوروبا. رعى العلوم والفنون والآداب، وتُوفي مجاهدًا سنة 974 ه/ 1566 م بعد أن حكم ثمانية وأربعين

عامًا. ينظر: فريد بك، ص 198 وما بعدها.

محمد سهيل طقوش، تاريخ العثمانيين: من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة، ط 2 (بيروت: دار النفائس، 2008)، ص 294. 10 عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق شموئيل موريه، ج 11 (القدس: الجامعة العبرية، 2013)، ص 489 – 490.

فقدتهما الديار المصرية من جرّاء تحول تجارة الشرق إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وانتهز فرصة النزاع بين اثنين من أشراف الحجاز

حول الحكم، فتدخّل لصالح أحدهما، وأرسل حملةً عسكريةً بقيادة محمد بك أبو الذهب، في صفر 1184 ه الموافق حزيران/ يونيو 1770 م، إلى بلاد الحرمين، فنجحت في مهمتها الموكلة إليها، فخلع الشريف القائم وولّى آخر مكانه. وبسبب هذا النجاح، بدأ علي بك ينتظر الفرصة المناسبة التي تسمح له بالتدخل في شؤون الشام لإخضاعها، وهي المنطقة التي تعدّ موقعًا متقدّمًا لحكام مصر. رأت الإمبراطورة كاترين الثانية في حكام الإيالات الإفريقية الشمالية التابعة للدولة العثمانية حلفاء استراتيجيين ينبغي الاستفادة منهم في ضرب الدولة العثمانية من الداخل، لا سيما أن معظمهم، وإن كانوا يحكمون البلاد الداخلة ضمن نطاق إيالاتهم باسم السلطان العثماني، كانت السلطة الفعلية في الإيالات لهم وحدهم. وسعت الإمبراطورة للتقرب من ولاة شمال إفريقية، فأصدرت أوامرها إلى قائد أسطول البحر الأبيض المتوسط حديث النشأة، غريغوري سبيريدوف Spiridov Grigory، الذي كانت سفنه تسيطر على البحر بعد انهزام الأسطول العثماني أمام الأسطول الروسي، بأن يتجنب إطلاق النار على السفن الخارجة من ثغور إيالات الجزائر وتونس وطرابلس الغرب وموانئها، إضافةً إلى الدولة العلوية الفيلالية في المغرب الأقصى، إلا عند الضرورة القصوى، أو إذا بادرت إحدى سفن المسلمين بإطلاق النار على السفن الروسية. وطلبت من سبيريدوف أن يرسل سفارات إلى ولاة الأمر في تلك البلاد لتأليبهم على السلطان العثماني، ففعل ما أمر به، ولكنّ واليَي الجزائر وتونس ردّاه على أعقابه، ورفضَُا خلع طاعة السلطان، وتابعت سفنهما قتال السفن الروسية. ورفض

أيضًا والي طرابلس الغرب تقديم أيّ مساعدة للروس، وفعل كذلك سلطان المغرب الأقصى محمد بن عبد الله؛ إذ رفض التعاون

معهم وإقامة علاقات دبلوماسية مشتركة، وردّ رسالة أمير البحار الروسي وهديته التي أرسلها إلى مدينة طنجة، وأبى مسالمته كونه يحارب العثمانيين، في حين قبل هدية السلطان العثماني مصطفى الثالث، وكانت مركبًا موسوقًا بالمدافع والمهاريس النحاسية، إضافة

إلى كثير من العتاد الحربي البحري، وثلاثين معلمًا من مهرة المعلمين العثمانيين الذين لهم معرفة بصبّ المدافع والمهاريس وصناعة

11 أمير من المماليك، أصله أباظي أو شركسي. كان من خاصة علي بك الكبير وأقرب مماليكه إليه. لُقّب بأبي الذهب لأنه وزع الذهب على رجاله عطايا عندما مُنح إمارة أحد

السناجق، على خلاف العادة المتّبعة في توزيع الفضّ ة. قاد الحملات العسكريّة لعلي بك إلى الشام والحجاز، ثمّ خلع طاعة سيده في وقت لاحق وقتله في معركة في الصالحية

في الصحراء الشرقية في مصر. تولّى منصب شيخ البلد فترة وجيزة ثم مات بالطاعون. ينظر: المرجع نفسه، ص 590 – 591؛ بازيلي، ص 69؛ سرهنك، ص 206؛ وينظر:

Sauveur Lusignan, A History of the Revolt of Ali Bey, against the Ottoman Porte Including an Account of the Form of Government of Egypt; Together with a Description of Grand Cairo, to which are Added, a Short Account of the Present State of the Christians who are Subjects to the Turkish Government, and the Journal of a Gentleman who Travelled from Aleppo to Bassora (London: The author, 1783), p. 80.

12 بازيلي، ص 69 – 70. 13 قائد عسكري بحري روسي، ولد سنة 1713. انضم في شبابه إلى البحرية الروسية، وترقّى في رتبها حتى صار أميرًا للبحار. بزغ نجمه خلال الحرب الروسية - العثمانية

سنة 1768، ولا سيّما في ميدان العمليات في البحر الأبيض المتوسط. توفي سنة 1790 م. ينظر:

"Grigory Andreevich Spiridov (1713-1790)," Archive Today , 19/7/2023, accessed on 25/7/2024, at: https://acr.ps/1L9F2aD 14 Irina Smilianskaya, Michael Velizhev & Elena Smilianskaya, Russia in the Mediterranean: The Archipelago expedition of Catherine the Great (Moscow: Indrik, 2011), pp. 334-336.

15 محمد بن عبد الله الخطيب بن إسماعيل بن علي الشريف العلوي، السلطان العلوي الفيلالي العاشر. وُلد في مكناس سنة 1134 ه/ 1710 م، وتُوفي فيها سنة

1204 ه/ 1790 م. عُرف برزانته وبُعد نظره، واجتهد في المحافظة على بلاده ووحدتها، وتأمين الشواطئ المغربية من العدوان الأوروبي، وكان أول حاكم يعترف بسيادة

الولايات المتحدة الأميركية واستقلالها. ينظر: أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري، ج 8

(الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997)، مقتطفات. 16 المرجع نفسه، ج 8، القسم 2، ص 71. 17 السلطان العثماني السادس والعشرون، وهو ابن السلطان أحمد الثالث. وُلد سنة 1129 ه/ 1717 م، وتُوفي سنة 1187 ه/ 1774 م. كان مي لًا إلى الإصلاح، محًّبًا لتقدّم

بلاده وإصلاح الشؤون العامة، وعُرف بالعدل وحبّ الخير، وله عدة مآثر خيرية من مدارس وتكايا. وفي عهده اندلعت الحرب الضروس مع روسيا بقيادة كاترين الثانية.

ينظر: فريد بك، ص 329، 340. 18 أي مدافع الهاون.

القنابل والمراكب الحربية، وكان بينهم معلم يجيد الرمي بالمهراس، ما يفيد أن الدولة العثمانية كانت تسهم في تسليح الدولة العلوية الفيلالية لقتال الروس لو هاجموا ثغورها. وأدرك الروس، في ظلّ هذا الواقع، أن تحالفهم مع القوى المغاربية أمر غير ممكن في تلك المرحلة، فحوّلوا أنظارهم إلى مصر، لكنهم لم يضطروا إلى مراسلة علي بك وعرض التعاون معه ضد السلطنة على ما يبدو؛ إذ تنص

المصادر على أنه هو من بادر بالاتصال بسبيريدوف، وطلب منه أن يمدّه بالذخائر والأسلحة حتى يستقل بمصر، فاستجاب له على الفور.

2. حملة علي بك الكبير على الديار الشامية

أرسل علي بك جيشًا قوامه أربعون ألف جن يد إلى الشام، في أواخر سنة 1770، وولّى إمارته محمد بك أبو الذهب. وما إن وصل إلى فلسطين حتى اتّحد مع عساكر صاحب عكا والجليل الشيخ ظاهر بن عمر الزيداني، أو ظاهر بن عمر بن أبي زيدان، المعروف اختصارًا بظاهر العمر، وسارا معًا وسيطرا على مدن الساحل الفلسطيني، ثم تقدّما إلى الداخل وسيطرا على نابلس وبيت المقدس،

وواصلا تقدّمهما حتى دمشق فدخلاها بعد أن ألحقا هزيمةً قاسيةً بجيش الوالي عثمان باشا الكرجي. وبعد فترة قصيرة من سيطرتهما على دمشق، تمكّن بعض المبعوثين الذين أرسلهم الباب العالي من إقناع الأمراء المماليك في جيش علي بك بأن عملهم إنما هو "زندقة وكفر"، لأنهم يحاربون خليفة المسلمين المنشغل بحرب الروس أعداء الإسلام، وأعلموهم، ايسور دض هبرحب نلاآ لاوًااغشم ناك نإو، ناطلسلا نأ" لاجًااآ مأ لاجًاااع نإ، كب يلع يصاعلا لاطيس هبضغ نأ لإا، خاصةً وأنه كان متهمًا بعلاقاته مع الروس". واقتنع هؤلاء الأمراء بكلام المبعوثين، ووعد الباب العالي أميرَ الجيش أبو الذهب بتوليته الديار المصرية

بادلًا من سيده علي بك إن هو خلع طاعته وعاد إلى مصر، فوافق أبو الذهب على هذا الاقتراح، وانسحب بجيشه عائدًا إلى مصر، تاركًا

ظاهر العمر وحده في مواجهة السلطنة. ولم يلبث أبو الذهب أن دخل في صراع مع سيده علي بك، فاستقطب إلى صفه أغلب أمرائه المماليك، وزحف على القاهرة للقضاء عليه أو أسره، فلم يبقَ أمام علي بك إلا الهرب مع الأوفياء من مماليكه إلى حليفه ظاهر العمر، فاستقبله الأخير بحفاوة في عكا،

وقررا الاتحاد مع الروس ضد العثمانيين.

19 الناصري، ص 32. 20 فريد بك، ص 339. 21 كان صاحب الجليل وعكا في الرّبع الأخير من القرن الثامن عشر، وتميّز بذكاء سياسي وحنكة عسكرية وشجاعة في القتال. قيل إن أصله من المدينة المنورة، وإّن

أحد أجداده هاجر إلى فلسطين، ثم أصبح أبوه عمر حاكمًا على صفد وما يليها من بلاد الجليل في أيام إمارة بشير الأول الشهابي على جبل لبنان. وُلد في صفد، وتولى إدارة

عكا، ثم خلف أباه على صفد. ازدادت قوته بعد وفاة سليمان باشا العظم والي دمشق، الذي كان قد قاتله لمنعه من بسط نفوذه. فاستقر في عكا وأحاطها بسور منيع، وأصبح

حاكمًا لها ولصفد والناصرة وطبرية، ثم توسّعت سلطته لاحقًا لتشمل صيدا وعكا وحيفا ويافا والرملة وجبل نابلس وشرق الأردن وصفد وجبل عامل. استولى على بعض

المدافع التي نصبتها السلطنة العثمانية على شاطئ حيفا لحمايتها من الغارات الغربية والقراصنة، وهزم والي دمشق صادق عثمان باشا الذي أرسله الباب العالي للقضاء

على حركته الاستقلالية، ما اضطرّ السلطنة إلى الاعتراف به واليًا على المناطق التي سيطر عليها اضطرارًا ريثما تتفرغ من حربها مع روسيا. قُتل غدرًا على يد أحد مرتزقته

المغاربة في آب/ أغسطس 1775. ينظر: خير الدين الزركلي، الأعلام: قاموس تراجم، ط 15 (بيروت: دار العلم للملايين، 2002)، ج 3، ص 237؛ بازيلي، ص 86. 22 يعرف أيضًا بعثمان باشا الصادق. وهو سياسي عثماني كرجي (جورجي) الأصل، تولى ولاية دمشق خلال الفترة 1760 - 1771، وكان قبل ذلك من مماليك الوالي أسعد

باشا العظم. ينظر:

Ross Burns, Damascus: A History (London: Routledge, 2005), pp. 245-246; B. Doumani, Rediscovering Palestine: Merchants and Peasants in Jabal Nablus (Berkeley: University of California Press, 1995), p. 95; Ariel Salzmann, Tocqueville in the Ottoman Empire: Rival Paths to the Modern State (Leiden/ Boston: Brill, 2004), p. 95; Philipp, p. 34.

23 بازيلي، ص 74.

24 Paul du Quenoy, "Arabs under Tsarist Rule: The Russian Occupation of Beirut, 1773-1774," Russian History , vol. 41, no. 2 (2014), pp. 131-132; William Persen, "The Russian occupations of Beirut, 1772-74," Journal of the Royal Central Asian Society , vol. 42, no. 3-4 (1955), p. 278.

25 بازيلي، ص 76 – 77؛ فريد بك.

أرسل علي بك رسالةً إلى أمير البحار الروسي ألكسي أورلوف Orlov Alexei بواسطة خادمه يعقوب الأرمني في 25 شعبان 1185 ه الموافق 2 كانون الأول/ ديسمبر 1771 م، فاجتمع الأخير بالروس في جزيرة فاروس في بحر إيجة، ونقل إليهم رغبة علي بك وظاهر العمر في عقد تحالف مع إمبراطورة روسيا للقيام بعمل عسكري مشترك ضد الدولة العثمانية. ولما كان أورلوف متغيبًا حينها

في مهمة موكلة إليه في مدينة ليڤورنو في إقليم توسكانا في إيطاليا، اجتمع يعقوب بسبيريدوف، الذي أعلمه بأن إبرام المعاهدات ليس من صلاحياته، فأبحر يعقوب إلى ليڤورنو حيث قابل أورلوف، وقدّم إليه رسالة علي بك، وأعلمه أن الأخير مستعد لتقديم المساعدة

بالحاجات والأموال. فأجاب أورلوف بأنه مستعدّ لمساعدة علي بك، وسيُعلم الإمبراطورة بأفكار الأخير. وسرعان ما سافر أورلوف إلى

مدينة بطرسبرغ ليعلم الإمبراطورة بعرض علي بك. وافقت الإمبراطورة على العرض، فأبحرت سفنها حتى بلغت عكا، وأخذت تساند العمليات العسكرية لجيش التحالف بين علي بك وظاهر العمر المؤلّف من عشرة آلاف عسكري، منهم سبعمئة من نخبة المماليك، وألف من المشاة الأفارقة والمرتزقة المغاربة، إضافةً إلى خيالة ظاهر العمر ورجاله من صفد وجبل عامل.

3. القصف الروسي لصيدا وبيروت ودخول الشهابي مسرح الأحداث

أرسلت السلطنة، في ذلك الوقت، والي دمشق، الكرجي، لقتال ظاهر العمر، الذي كان متحصنًا في صيدا، فسار إليها على رأس

جيش تعداده ثلاثون ألف جن يد، وسار معه الشهابي، فهاجم قرى جبل عامل وأحرق الضياع والمزروعات. وحاول ظاهر العمر استمالته إليه وإقناعه بأن يستغني عن محالفة السلطنة العثمانية، وأن يتولى قيادة القوى الجبلية المناوئة للعثمانيين، فيتبعه هو. غير أنّ الشهابي رفض هذا المقترح، وتابع سيره مع الجيش العثماني، الذي أمدّه بمدافع حصارية وميدانية، وأحاط الحلفاء بصيدا، واصطف جيشهم على

طول الشاطئ من الناحية الشمالية. وقصفت المدفعية العثمانية أسوار صيدا ومعسكرات ظاهر العمر، فاضطرب المدافعون، غير أنّ المماليك زحفوا نحوها واستولوا عليها. وفي الوقت نفسه، وصلت فرقاطة روسية وقصفت المحاصرين حتى أجبرتهم على الانسحاب. استغل الروس انكسار العثمانيين في صيدا، فأرسلوا أسطولهم لمهاجمة بيروت، المعروف أنها كانت داخلة في نطاق إمارة الشهابي آنذاك، ويرجّح أنهم أرادوا من وراء ذلك معاقبة الشهابيين لعدم وقوفهم إلى جانب ظاهر العمر وعلي بك ومن خلفهما

الإمبراطورية الروسية، وإشغالهم في الوقت نفسه عن معاودة الهجوم على صيدا ومحاولة استخلاصها من ظاهر العمر. ومن المعلوم أيضًا أنّ مرفأ بيروت كان المرفأ الوحيد الذي بقي في حيازة الشهابيين بعد استيلاء ظاهر العمر على صيدا وصور ومدن ساحل الجليل. ومن ثمّ، من شأن قصف بيروت وتخريب مرفئها أن يرغما الشهابيين على إعادة النظر في علاقتهم مع السلطنة والرضوخ لمطالب

ظاهر العمر وعلي بك، اللذين أصبحا في هذه المرحلة أداتين لتنفيذ السياسة الروسية القاضية بإضعاف الدولة العثمانية.

26 اسمه الكامل ألكسي غريغورييفيتش أورلوف. سياسي وعسكري روسي لمع اسمه في عصر الإمبراطورة كاترين الثانية، وكان من أبرز المتآمرين على خلع الإمبراطور

بطرس الثالث لإحلال كاترين مكانه على العرش. شارك في الحرب العثمانية - الروسية، وكان من الذين دمروا الأسطول العثماني في البحر الأبيض المتوسط، ومُنح لقب

"قمس" (كونت) تقديرًا لخدماته العسكرية وانتصاراته. ينظر:

Aleksey Grigoryevich, "Aleksey Grigoryevich, Count Orlov," Britannica , accessed on 25/7/2024, at: https://acr.ps/1L9BPBY 27 Persen, p. 279. 28 Du Quenoy, p. 132.

29 بازيلي، ص 76. 30 المرجع نفسه، ص 77.

31 Persen; R. C. Anderson, Naval Wars in the Levant 1559-1853 (Princeton: Princeton University Press, 1952), p. 298. 32 Du Quenoy, pp. 133-134; Persen, p. 280.

ظهرت السفن الروسية مقابل شاطئ بيروت، يوم 18 ربيع الأول 1186 ه الموافق 18 حزيران/ يونيو 1772 م، وانضمت إليها السفن التي قصفت العثمانيين في صور وصيدا، فبلغ عددها فرقاطتين وخمسة غلايين وأربعة قوارب بثلاثة صوارٍ وأربعة قوادس، وعلى متنها فرقة عسكرية أغلب أفرادها من المرتزقة الروم والأرناؤوط. فباشرت السفن قصف بيروت في اليوم نفسه، وأغرقت جميع السفن الراسية في مرفأ المدينة. وأرسلت الحامية العسكرية الشهابية المرابطة في بيروت مفاوضًا إلى الملازم ريزو، قائد الأسطول الروسي، بعد القنابل الأولى التي هددت حياة الآمنين، فأعطى أهل بيروت مهلة 24 ساعة للاستسلام ورفع الرايات الروسية إشارة إلى خضوعهم، وطلب فديةً تعادل المبلغ نفسه الذي تدفعه المدينة سنويًا للباب العالي. ولما لم يحصل على إجابة مباشرة، تابع حصاره. دام القصف الروسي لبيروت خمسة أيام تخللتها محاولة إنزال فاشلة يوم 21 ربيع الأول الموافق 21 حزيران/ يونيو. وبعد يومين إضافيين من القصف المدفعي المكثف، تمكّن الروس من إنزال مرتزقتهم وعساكرهم إلى البرّ، فاستسلمت الحامية لهم. وأمضى

الروس ساعات ينهبون المدينة وأسواقها، حتى قُدّرت قيمة ما نُهب من أموال ومتاع قرابة خمسمئة وخمسين ألف غرش، وبلغ عدد الدور التي خربت بسبب القصف قرابة ثلاثمئة منزل. وفي ظلّ هذا الواقع، اضطر الشهابي إلى مفاوضة الروس لينسحبوا من المدينة، ووافق على دفع تعويضات الحرب، وقدرها خمسة عشر كيسًا سنويًا. وما إن انسحب الروس حتى أقدم الباب العالي، ممثلًا في والي دمشق، على تثبيت بيروت ضمن الإمارة الشهابية، وأرسل إليها حاميةً من الخيّالة المغاربة الممتازين بقيادة الجزار، الذي أسهم في قتال الروس بشراسة في صيدا، وحاز بسبب ذلك سمعةً مهيبة

عند الباب العالي.

ثانيًا: تردّي العلاقة بين الشهابي والباب العالي

1. أثر ازدياد أهمية بيروت في العلاقة بين الشهابيين والعثمانيين

أدرك الباب العالي في تلك الفترة أهمية بيروت الاستراتيجية بالنسبة إلى إيالة دمشق، فمن دونها تصبح المواصلات، في حال فقدانها، صعبة جدًا بين مركز الإيالة والبحر الأبيض المتوسط، ولا سيما أن المدن الساحلية الجنوبية في بلاد الشام، ابتداءً

من صيدا، أصبحت تحت إمرة ظاهر العمر. فبيروت كانت منذ القدم مرابط دمشق، وعرّفها بعض الجغرافيين المسلمين بأنها رباط

دمشق وساحلها، وفي ذلك قال ابن حوقل: "مدينة بيروت [...] على ساحل بحر الروم، وهي فرضة بعلبك وساحلها، وبها يرابط

33 Du Quenoy, pp. 133-134; Anderson, p. 298.

34 غريغوريوس ريزو (باليونانية: Ρίζος Γρηγόρης؛ وبالأحرف اللاتينية: Rizo Gregorios): هو قائد الفرقة اليونانية التي قاتلت إلى جانب الروس حين حصار بيروت. ينظر:

Ivan Aivazovsky & Vigilius Eriksen, "When the Russians conquered Beirut," Russia Beyond , 7/7/2021, accessed on 25/7/2024, at: https://acr.ps/1L9F2pq

35 بازيلي، ص 78.

36 Persen, p. 280.

37 فريد بك، ص 339. 38 بازيلي، ص 77. 39 باسيليوس قطان، مصادر تاريخية لحوادث لبنان وسوريا: من سنة 1745 إلى سنة 1800 (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1929)، ص 43. 40 رحّالة وأحد أبرز الجغرافيين في تاريخ الإسلام. اسمه الكامل أبو القاسم محمد بن حوقل البغدادي الموصلي. خرج من بغداد سنة 331 ه، ودخل المغرب وصقلّية،

وجاب بلاد الأندلس وغيرها، ويقال إنه كان عينًا للفاطميين. من أهم آثاره كتاب المسالك والممالك. توفي بعد سنة 367 ه/ 977 م. ينظر: الزركلي، ج 6، ص 111.

أهل دمشق وسائر جندها وينفرون إليها عند استنفارهم". وقال الحميري: "بيروت في ساحل الشام وهي مرابط دمشق  ". لذلك كان لا بد للسلطنة العثمانية من أن تُوليها اهتمامًا جدّيًا للحيلولة دون سقوطها في قبضة الروس أو غيرهم من أعداء الدولة

والمسلمين، لما يترتب على ذلك من تعريض دمشق نفسها للخطر. ولا بد من أن السلطنة رأت، على الأرجح، أن الركون إلى أمراء الجبل والاتكال عليهم ليتولّوا الدفاع عنها أمر غير مستحب؛ إذ أثبتت التجارب، منذ عهود الأمراء المعنيين، أنّ هذا قد يجلب الأعداء إلى الشواطئ العثمانية رغبةً منهم في التحالف مع الحكام المحليين ضد السلطة المركزية في قصبات الإيالات وفي إستانبول نفسها. وتزداد احتمالية هذا الميل إلى التحالف إذا كان هذا الحاكم المحلي ينتمي إلى إحدى الأقليات الدينية المنتشرة في الشام، أو إذا كان مشهورًا بمغامراته التوسعية وتطلعاته إلى خارج حدود إمارته. ومن المعروف أنّ الأمير الشهابي كان قد اعتنق المسيحية واتبع الكنيسة المارونية، وشكّل عهده بداية "عهد الشهابيين النصارى". وكان عند استلامه بيروت ومصالحة الروس قد أبرم معهم معاهدةً مفادها أنّه يدخل في طاعتهم أربعة شهور. وعند ذلك، اشرأبّت رؤوس

الروم الأرثوذكس في بيروت وصيدا وصور وأعمالها، وأعلنوا طاعتهم للإمبراطورة الروسية وتبعيتهم المذهبية لروسيا، وطالبوا الملازم ريزو بتعيين حاكم عليهم يكون من أتباع روسيا، فعيّن أميرًا يدعى "محمود" ليتولى شؤون بيروت، ويكون مسؤولًا عن مصالح الأرثوذكس فيها

بالإنابة عن الإمبراطورة. ويبدو أن الأمير المذكور كان، منطقيًا، واحدًا من أتباع ظاهر العمر، الزعيم الأقوى وحليف الروس في المنطقة. ونرجّح أن السلطنة رأت في الشهابي شخصًا غير مؤهّل للدفاع عن بيروت ومعها طريق دمشق، لأنه لم يصمد أمام ظاهر العمر

قبل ذلك، وربما رأت في قبوله الدخول في طاعة الروس إشارةً مقلقة إلى متاعب مستقبلية. وإضافةً إلى ذلك، ربما جعل اعتناقه المسيحية في نظر الباب العالي شخصًا غير ملائم لتولّي مهمة الحفاظ على نقطة استراتيجية متقدمة، في منطقة حساسة من الدولة

العثمانية، لطالما سعى أعداء الدولة والإسلام للاتصال بزعامات الأقليات الدينية فيها واستمالتهم إلى صفهم لتحقيق مصالحهم. ويضاف إلى ما سبق أن التغيير السكاني في جبل لبنان بلغ ذروته خلال القرن الثامن عشر، فأصبحت بلاد جبيل وكسروان ذات أغلبية مسيحية مارونية، بعدما تمدّد إليها الموارنة من جبل لبنان الشمالي، ووصلوا إلى بلاد الشوف، معقل الدروز، بسبب مظالم أمراء بني

حمادة التي مسّتهم وأجبرتهم على النزوح من جبّة بشِري إلى بلاد جبيل وكسروان. ونشط عدد من الإرساليات الكاثوليكية في جبل

لبنان من فرنسيسكان وكرمليين ويسوعيين في تلك الفترة أيضًا، "وكانوا جميعًا مقربين لدى الأمراء الشهابيين، وعلى صلة مباشرة بهم،

فوجدوا في حظوتهم لدى الأمراء، ولا شكّ، مج لًا كبيرًا لتعزيز المصالح الكاثوليكية بما فيها المارونية في لبنان". وكان من نتائج هذه

الإرساليات أن تنصّر بعض الأمراء الشهابيين واللمعيين بعد أن استفاد الإرساليون من خصوماتهم السياسية "وأطمعوا الناقمين منهم،

على ما يبدو، بمساعدات". وبطبيعة الحال، فقد رافق حركة الإرساليات ازدياد في الاتصالات بين البابوية وفرنسا والزعامات المارونية.

41 أبو القاسم محمد البغدادي الموصلي (ابن حوقل)، كتاب صورة الأرض، ط 2 (ليدن: مطبعة بريل، 1938)، ص 162. 42 جغرافي وعالم بالسير والأخبار، اسمه الكامل أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الحميري. أصله من مدينة سبتة في المغرب. ومن أبرز آثاره كتاب

الروض المعطار في أخبار الأقطار. توفي قرابة سنة 900 ه/ 1495 م. ينظر: الزركلي، ج 7، ص 53. 43 أبو عبد الله محمد بن محمد الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، ط 2 (بيروت: مؤسسة ناصر للثقافة، 1980)، ص 122. 44 كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ط 7 (بيروت: دار النهار للنشر، 1991)، ص 40.

45 Persen, pp. 280-281. 46 Ibid.

47 محمد علي ضناوي، قراءة إسلامية في تاريخ لبنان والمنطقة: من الفتح الإسلامي ونشأة المارونية حتى 1840 (طرابلس: دار الإيمان، 1985)، ص 273. 48 الصليبي، ص 42 – 43. 49 ضناوي، ص 271 – 272.

ولمّا كان أكبر زعماء الموارنة السياسيين قد أصبح هو نفسه أمير الجبل، فإن توليته على ثغر بأهمية بيروت يُعدّ أمرًا غير حكيم؛

لما ينطوي عليه ذلك من مخاطرة توسع نشاط الإرساليات وعملاء الغرب فيها، في وقت لا تُحسد فيه الدولة عليه، وتهيمن فيه أساطيل الروس على البحر الأبيض المتوسط متبنّيةً الدفاع عن طائفة مسيحية أخرى هي طائفة الروم الأرثوذكس. لذلك، نرجّح أن

السلطنة قررت تولية شخص قوي يحوز ثقتها على هذه المدينة الاستراتيجية، يكون عائقًا أمام الروس والزعامات المارونية والإرساليات الغربية، وضابطًا لإيقاع السياسة الشهابية في جبل لبنان. وكان هذا الشخص هو أحمد باشا الجزار الذي ذاع صيته خلال معركة صيدا، وتميّز بقسوته الشديدة ضد ظاهر العمر ومن حالفه.

2. ولاية الجزار على بيروت وأثرها في العلاقة بالشهابي

عَيّن الكرجي، والي دمشق، الوكيل أحمد باشا الجزار محافظًا على بيروت بناءً على ما تقدّم، وكلّفه بتحصين المدينة

والاستعداد لصدّ أيّ هجوم محتمل عليها. وما إن تولّى الجزار حكم المدينة حتى بدأ بترميم أسوارها وحصونها وتجديد أبراجها التي

هدمها الروس، ولهذا فرض الجزية على السكان وهدم قصور الأمراء ليستعمل حجارتها في تحصيناته. ومن اللافت أنه منع دخول الأمراء الشهابيين إليها، ومنع الجبليين من الظهور فيها، وأباح لخيالته من المغاربة الإغارة على الضواحي لنهب الجبليين وقتلهم. وقد كانت معاملة الجزار القاسية للشهابيين ومن والاهم من أهالي الجبل لافتة. ويشاع في الكثير من المصادر الأكاديمية اللبنانية وغيرها أن سبب ذلك يعود إلى رغبته في الاستقلال ببيروت والاستئثار بها لنفسه، حتى لا ينازعه عليها أمراء الجبل. وربما يصحّ هذا

التفسير؛ إذ إن سيرة حياته حافلة ببطشه وتنكيله بخصومه وأعدائه منذ أن كان مملوكًا في مصر، إضافة إلى سعيه الدؤوب للوصول إلى السّلطة. لكن ما يهمّ في هذه المرحلة أن الأمير الشهابي اشتكى أفعال الجزار إلى والي دمشق، غير أنّ شكواه لم تلقَ آذانًا صاغية، إذ

كان الجزار قد اقترح على الوالي أن تبقى بيروت تحت الإدارة المباشرة للولاية. ومن المعروف أن المال وشراء المناصب كان لهما أثر كبير في تحديد علاقات الساسة بالزعامات في ذلك الزمن الذي ضعفت فيه الدولة العثمانية ودبّ الفساد في أجهزتها الإدارية، فلا

يُستبعد أن يكون الجزار قد ضمن بقاءه في منصبه من خلال دفع مبلغ من المال لوالي دمشق. لكن نرى أيضًا أن الأوضاع الإقليمية كان

لا بد من أن تؤدي دورًا في اختيار هذا الرجل تحديدًا لتولّي منصبه في تلك الفترة، بما يحقق المصلحة العليا للإيالة خصوصًا، وللدولة

العثمانية عمومًا. وهذا يعني أيضًا أن السلطنة كانت فعلًا لا تثق بتولية الشهابي على بيروت للأسباب التي سبقت الإشارة إليها. ويلاحظ المطّلع على سيرة الجزار أنه كان يعرف كيف يحفظ نفسه على الدوام، ويعلم تمامًا حدوده، فلم يتخطّها مع أسياده

حفاظًا على نفسه، بل كان يستغل رضاهم لتحقيق مآربه، التي حاول دائمًا ألا تكون متناقضةً مع السياسة العليا للدولة العثمانية.

فإن كان قد سعى لتوطيد نفوذه في بيروت والاستئثار بها بعد تحصينها، فإنه طرد منها منافسيه الذين كانت الدولة العثمانية تشكّ في ولائهم لها أصلًا، وظهر أمام والي دمشق بمظهر الحريص على مصلحة الدولة العليا عندما طلب الإبقاء على بيروت تحت الإشراف المباشر للولاية، في وقت عصيب تعصف فيه المشكلات بالدولة العثمانية من كل الجهات.

50 بازيلي، ص 80.

51 Ahmad Hasan Joudah, Revolt in Palestine in the Eighteenth Century: The Era of Shaykh Zahir Al-ʻUmar (Marietta, GA: Kingston Press, 1987), p. 98. 52 Du Quenoy, p. 135.

53 بازيلي. 54 المرجع نفسه.

ودفعت سيطرة الجزار على بيروت الأمير الشهابي إلى مصالحة ظاهر العمر، فالتقيا عند نهر الأوّلي، حيث عقدا تحالفًا ضد والي

دمشق والجزار، واتّصلا بقبطان روسيّ يدعى ميخائيل غافريلوفيتش كوجوكوف Kozhukhov Gavrilovich Mikhail، وطلبا

منه التدخل لقصف بيروت وإخراج الجزّار منها وردّها إلى الشهابي. ودامت المفاوضات بين الأخير وظاهر العمر والروس شهرًا كاملًا،

وافق القبطان الروسي بعدها على التدخل والمساعدة مقابل ثلاثمئة ألف غرش، وأن تصبح بيروت تحت الحماية الروسية المباشرة، على أن يمتنع العساكر الرّوس عن نهبها أو التعرّض لأهلها كما فعلوا في السابق. وتوقف الشهابي، ابتداءً من هذه المرحلة، عن

دفع الإتاوة الواجبة عليه إلى الباب العالي. وفي هذه الفترة، كان علي بك قد ضاق ذرعًا بالمكوث في عكا، فراسل القائد الروسي وطلب منه إمداده بقوة عسكرية روسية من الرجال والمدافع والمراكب الحربية ليسترجع مصر من تابعه أبو الذهب، ووعده في المقابل بمنح الروس حقّ حماية الأماكن المسيحية المقدسة في بيت المقدس ورعايتها بعد استعادة سيطرته عليها مباشرة.

ثالثًا: خطورة التحالف الروسي مع العصاة

يتضح مدى خطورة التحالف الروسي مع العصاة على الدولة العثمانية آنذاك للأسباب التالية؛ إذ تعني سيطرة علي بك على مصر والشام الجنوبية بما فيها بيت المقدس، وسيطرة ظاهر العمر على الجليل وجبل عامل بما فيهما مدينتا صيدا وصور، وسيطرة الشهابي على بيروت وجبل لبنان، وتحالف هؤلاء مع الروس، وقوعَ الأراضي الزراعية المهمة والموانئ التجارية الرئيسة في مصر والشام في نطاق نفوذ روسيا، ومن ثم امتداد سيطرتهم إلى البحر الأحمر، ما يعرض الحجاز للخطر ويطوّق الدولة العثمانية من الجنوب، ويضعف

من قدرتها على الدفاع عن نفسها بسبب تدمير أسطولها في البحر الأبيض المتوسط. ويعني وقوع صيدا وصور تحت سيطرة روسيا أو حلفائها كذلك انفتاح طريق بيت المقدس والأراضي المقدسة أمامها، وهذا ما كانت طبعًا لتتردد في محاولة السيطرة عليها لنيل

شرف حماية القبر المقدس والظهور أمام أرثوذكس العالم بهذه الصفة، وتحقيق ما فشلت أوروبا الغربية الكاثوليكية في تحقيقه أمام العثمانيين، ولا سيما أنّ روسيا كانت حينذاك تستعمل الخطاب الديني، كما فعلت الدول الأوروبية الغربية الكاثوليكية قبلها، لإثارة

55 عبود الصباغ، الروض الزاهر في تاريخ ظاهر، تحقيق محمد عبد الكريم محافظة وعصام مصطفى هزايمة (إربد: دار الكن يد للنشر والتوزيع، 1999)، ص 82. 56 لم يعثر له على ترجمة سوى ما ذكره بازيلي من أنه كان قائدًا لقطع من الأسطول الروسي الذي ظهر أمام بيروت في ربيع سنة 1773. وفي كتاب الروض الزاهر في

تاريخ ضاهر، ذكر أن الناس كانوا يسمّونه "الكومندة" و"جواني". ينظر: بازيلي، ص 80 – 81؛ الصباغ، ص 84، 86.

57 Persen, pp. 281-282; Harris, p. 122.

58 بازيلي، ص 80.

59 Persen.

60 سعت البابوية خلال عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني (1590 – 1632)، المتحالف معها، إلى إيجاد موطئ قدم لها في المشرق العربي تتّخذه منطلقًا للسيطرة على

بيت المقدس، فأرسلت عن طريق غراندوقية توسكانة، تحديدًا، جواسيس وخبراء حربيين لمساعدة هذا الأمير في تحصين القلاع وبنائها، ولاستكشاف البلاد الواقعة ضمن

نطاق إمارته لتحديد أيّها أصلح لإنزال عسكريّ، واتخاذها قاعدةً للأعمال الحربية. وكان من جملة الذين أرسلوا مهندسًا توسكانيًا يدعى "يوحنا المعمدان سانتي"، درس

موقع مدينة صور من الناحية الحربيّة، وأرسل تقريرًا مفصلًا إلى البلاط التوسكاني والكرسي الرسولي قال فيه إن الأمل كبير في نجاح العملية. وفي تموز/ يوليو 1627،

أرسل الأمير فخر الدين المطران جرجس بن مارون الإهدني إلى رومة ليحث البابوية على إرسال حملة للسيطرة على الأراضي المقدسة بمساعدة الأمير شخصيًا، مستغًّلا ما

كانت تعانيه الدولة العثمانيّة آنذاك من فوضى واضطرابات بسبب حربها مع الدولة الصفوية. فجاء الجواب بأن البابا ينظر إلى الطلب "بعين الغيرة الرسولية"، وأن ما يحول

دون تطبيق هذه الفكرة هي القلاقل في أوروبا. وفي أواخر عهده، لما أدرك أن السلطنة العثمانيّة لن تصبر على تجاوزاته، عاد فأرسل إلى البابا وإلى غراندوق توسكانة طالبًا

الإسراع في إرسال حملة صليبية لاحتلال قبرص وبيت المقدس، ووعد بتسليمهم ثغرًا أو أكثر من ثغور إمارته لتأوي إليها السفن المسيحية، وبأن يجاهر باعتناق المسيحية

واتباع الكنيسة الكاثوليكية، وأن يحمل جميع رعاياه على اعتناق هذا الدين. فشل هذا المخطط بعد أن أرسلت الدولة العثمانية والي دمشق أحمد باشا الكجك، الذي

قضى على حركته، وحمله أسيرًا إلى إستانبول حيث أُعدم. ينظر: بولس قرألي، فخر الدين المعني الثاني أمير لبنان وفردناندو الثاني أمير تسكانا 1621 – 1635 (حاريصا:

مطبعة القديس بولس، 1938)، ص 269 – 270، 274 – 275، 350 – 351.

الرعايا الأرثوذكس في الدولة العثمانية واستمالتهم إليها، تمامًا كما كانت البابوية تحاول استمالة الطوائف الكاثوليكية المشرقية إلى

صفّها لتحقيق مصالحها في البلاد الإسلامية، وفي مقدمتها استعادة السيطرة على القبر المقدس من المسلمين. وتعني أيضًا سيطرة الروس على بيروت، من خلال الأمراء الشهابيين، سيطرتهم على طريق دمشق كما سلف، وهذا يؤكد مرة أخرى حاجة السلطنة إلى تولية شخص قدير خبير بشؤون الحرب على بيروت أو صيدا، ليقطع الطريق على مثل هذا الخطر، ولم يكن في الشام آنذاك أفضل من الجزار لتولّي هذه المهمة.

1. القصف الروسي الآخر لبيروت

لم يستجب الروس لطلب علي بك؛ إذ كانت الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية قد تهادنتا مؤقتًا، بدءًا من 20 ربيع الآخر

1186 ه الموافق 20 تموز/ يوليو 1772 م، واكتفوا بإرسال بعض الجنود والمدافع مع وعود بمساعدة أكبر لعلي بك في حال كانت الظروف مواتية، وأخذ اقتراحه على محمل الجد. ووصلت أنباء محاولات علي بك التحالف مع الروس إلى أبو الذهب في ذلك الوقت، ورغبته كذلك في شنّ حملة عسكرية على مصر بمساعدة حلفائه الشوام، فتخوف أبو الذهب من ثأر سيده، لا سيما أن أنصار علي بك

ومواليه كثرٌ في أوساط المماليك والأمراء داخل مصر، فأرسل إليه رسائل خضوع عرض عليه فيها العودة وتسلّم السلطة في البلاد. أخذ علي بك هذا العرض على محمل الجد، ولم يدرِ أنه وقع في فخّ محكم، فغادر فلسطين وانطلق مع القليل من عساكره من دون أن يصغي إلى نصائح ظاهر العمر بزيادة عديد جيشه المرافق، مع أن الروس عاودوا الاتصال به معلنين أن المساعدة العسكرية الفعالة في طريقها إليه. ولما وصل علي بك إلى الصالحية، لقي أبو الذهب فاقتتل الطرفان، وهُزم علي بك ومن معه، وأصيب بجراح في وجهه، فنُقل

إلى القاهرة وعُرض على الأطباء لمداواته، لكنه توفي يوم 15 صفر 1187 ه الموافق 8 أيار/ مايو 1773 م، وقيل إنه سُمّم في جراحه. وصلت مراكب الروس بقيادة كوجوكوف أمام مدينة عكا لتقديم المساعدة إلى علي بك خلال ذلك الوقت، فلما علموا بموته قرروا الرجوع، لولا أن ظاهر العمر راسلهم قائلًا: "أنتم حضرتم إلى عند علي بيك، وإلى عن يد أيضًا. علي بيك مات وأنا باقي [كذا] بالحياة، فإن أردتم أن المحبة التي كانت بينكم وبين علي بك فتكون بيني وبينكم. والآن أمير جبل الدروز اصطلح معي، والجزار عاصي [كذا] عليه في بيروت، فإن أردتم أن تكونوا صحبة عساكري على بيروت وتخرجوا الجزار منها ويكون لكم نظير مشواركم هذا ستمائة كيس آخذها لكم من أمير الدروز". وافق القبطان الروسي على هذا العرض بعد مفاوضات دامت شهرًا كما سلف، وبناءً عليه، ظهرت قطع من الأسطول الروسي أمام

بيروت في صيف سنة 1773، وحاصرت المدينة بحرًا، في حين توجه الشهابي وظاهر العمر لحصارها بًّرًا. باشرت السفن الروسية قصف بيروت يوم 14 جمادى الأولى 1187 ه الموافق 2 آب/ أغسطس 1773 م، فدمّرت أبراج المدينة

في اليوم الأول، وقيل إن صوت القصف كان مرتفعًا إلى درجة أنه سُمع في صيدا؛ أي على بعد أربعين كيلومترًا، كما قيل إن دويّ

61 Persen, p. 281.

62 الجبرتي، ص 590 – 591.

63 Du Quenoy, pp. 135-136.

64 أي جبل لبنان، وليس جبل الدروز في سورية. 65 النص منقول كما ورد في المخطوطة الأصلية بما فيه من أخطاء وركاكة. ينظر: الصباغ، ص 84.

66 Persen, pp. 282-283.

الانفجارات سُمع في دمشق. غير أنّ الجزار رفض الاستسلام على الرغم من شدة القصف وما لحق المدينة من أضرار. ودام

الحصار أربعة أشهر دافع خلالها عن بيروت دفاعًا مستميتًا، وأرسلت السلطنة والي دمشق لنجدته، لكن جيش الشهابي وظاهر العمر

هزمه. وحينئذ، أمر كوجوكوف بإنزال بحري على شاطئ المدينة أسفر عن تحطيم بطاريات المدفعية كافةً واحتلال أبراج المدينة، غير أن بيروت لم تسقط كاملةً في يد الروس؛ إذ تمترست حاميتها بين الأبنية الداخلية الراسخة على قناطر متينة جدًا، ورابطت في الشوارع الضيقة الملتوية المسقوفة، ما جعل فرقة الإنزال الروسية تتردد في الاقتحام خوفًا من التعرّض لخسائر فادحة في الأرواح.

ولكن طول الحصار ونقص المؤن والذخائر دفعا الجزار إلى الاستسلام، فسلّم المدينة يوم 24 رجب 1187 ه الموافق 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1773 م، بعد أن طلب الأمان من ظاهر العمر على أن يُنقل من بيروت على متن سفينة روسية، فوافق ظاهر العمر على ذلك

وخرج الجزار من المدينة.

2. سوء نية الشهابي

دخل الشهابي بيروت بعد خروج الجزار منها، وانتقم من أهلها المسلمين بأن نهب منهم مبلغًا كبيرًا دفع منه إلى الروس الستمئة

كيس التي وعدهم ظاهر العمر بها. وعاود طلب الحماية من الروس مجددًا، على أنه تمادى هذه المرة و"طلب انضواء كلّ شعبه تحت المواطنية الروسية، طبعًا على أن تحرر الروسيا لبنان من الأتراك". ولا شك في أنّ الاقتباس السابق للمستشرق الروسي قسطنطين بازيلي يحتمل الأخذ والرد، ولا يمكن الركون إليه تمامًا،

شأنه شأن أيّ مستشرق آخر عمل في الجاسوسية لصالح بلاده وبالغ في وصف بعض الحقائق وأساء فهم أخرى ولوى غيرها. غير أنّنا

نرى أن في الإمكان أخذه في الاعتبار، نظرًا إلى أنّ التجربة أثبتت أن أمراء الجبل لن يترددوا في التعاون مع أيّ قوّة أجنبية تضمن لهم

الخروج من تحت جناح الدولة العثمانية أو تعدهم بمساعدتهم على ذلك، لا سيّما إذا كانوا من إحدى الأقليات الدينية ولهم روابط أو

مصالح اقتصادية مع تلك القوة، تمامًا كما كان الحال مع الأمراء المعنيين، وبالأخص الأمير فخر الدين الثاني. لكن مع عدم إغفال

أن الزمن الذي عاش فيه الشهابي، والذي ضعفت فيه الدولة العثمانية وسلطتها المركزية، كان يسمى ب "عصر الأعيان" وفقًا للمؤرخ والباحث السوري عبد الكريم رافق، وسعى فيه القادة المحليون لتحقيق مصالحهم الشخصية بأيّ طريقة كانت، فإن كان ذلك يستلزم

اعتناق مذهب آخر فلا يبدو أنّ هذا كان مشكلة بالنسبة إلى بعضهم، مثل الشهابي.

67 Du Quenoy, p. 136.

68 بازيلي، ص 81.

69 Anderson, p. 302.

70 الصباغ، ص 86 – 87. 71 بازيلي، ص 81. 72 مستشرق ودبلوماسي وعسكري وأديب روسي يوناني، اسمه الكامل قسطنطين ميخائيلوفيتش بازيلي. ولد سنة 1809 في إستانبول لعائلة ارتبط اسمها بحركة التحرير

اليونانية والأرناؤوطية في الدولة العثمانية، ثم انتقل في شبابه إلى روسيا حيث تلقّى علومه وانخرط في السلك الدبلوماسي، وألّف عددًا من الكتب ونشر مقالات مختلفة.

عُيّن قنصلًا في بيروت سنة 1839، فأقام في الديار الشامية خمسة عشر عامًا (1839 – 1853)، وأجرى دراسات مختلفة عن البلاد رفعها إلى السفارة الروسية في إستانبول.

ويعدّ كتابه سورية ولبنان وفلسطين تحت الحكم التركيمن أهم آثاره، واستند فيه بصورة أساسية إلى التقارير التي كان يرسلها دوريًا إلى السفير الروسي في إستانبول.

توفي سنة 1884. ينظر: بازيلي، ص 16 – 22. 73 أحد أبرز أمراء بني معن وجبل لبنان. وُلد في الشوف سنة 980 ه/ 1572 م، وعظم أمره وناوأ السلطنة العثمانية، فاستولى على صيدا وصفد وبيروت، وراسل آل ميدتشي

أمراء فلورنسة. شنّت عليه السلطنة حملة أجبرته على اللجوء إلى البلاط التوسكاني، ثم عُفي عنه، فعاد إلى جبل لبنان وعمل على توطيد نفوذه، وامتد نطاق سيطرته من

حدود حلب شم لًا إلى بيت المقدس جنوبًا. ولما شعرت السلطنة برغبته في السيطرة على كامل إيالات حلب ودمشق والقدس، أرسلت عليه حملة أخرى، فوقع أسيرًا واقتيد

إلى إستانبول حيث أعدم سنة 1044 ه/ 1635 م. ينظر: الزركلي، ج 5، ص 137 – 138.

وإن سلّمنا جادلًا بصحة ما قاله بازيلي، فإنّ ميل الشهابي إلى الاستعانة بالقوى الخارجية لتحقيق مآربه، من دون اهتمامه بأن روسيا دولة أرثوذكسية، وأنه وأتباعه المقربين وحاشيته من الموارنة المنضوين تحت مظلة الكنيسة الكاثوليكية، ولا سيما أن صعود روسيا في المنطقة من شأنه أن يصعّد نجم الطوائف الأرثوذكسية على حساب الطوائف الكاثوليكية، يفيد فعلًا أنه كان ساعيًا للسلطة

المطلقة المنفردة في بلاده، ولا يأبه بمن يحالفه طالما يحقق له هذه الغاية. ومن الأدلة الملموسة على اهتمامه بتحقيق مصلحته أولًا، من دون اعتبار لشأن رعيته من أهل دينه أو مذهبه، أنه جمع أربعمئة كيس من نصارى بيروت ومن الأديرة المارونية ودفعها إلى الجزار بعد أن طالبه بها، زاعمًا أنها متراكمة على البلاد من سنوات سابقة "وقد ضاجت الأهالي من جراء هذه المظالم". وربما مثّل طلبه هذا الذي تقدّم به إلى روسيا فرصةً ذهبيةً كانت الأخيرة لتستغلها لفرض وجودها السياسي والعسكري في المشرق العربي، لولا أنها في ذلك الوقت كانت منشغلة في حصار بيروت وتعمل على استجماع قوتها، بعد أن مُنيت بهزيمة نكراء على

يد الجيش العثماني قبل بضعة أشهر من الحصار المذكور، وتحديدًا يوم 9 ربيع الأول 1187 ه الموافق 30 أيار/ مايو 1773 م، أمام مدينة سيلسترة Silistra، حيث قُتل من الروس ثمانية آلاف جن يد ونجا الباقون بانسحابهم. وفي الحقيقة، ما كان طلب الشهابي ليتحقق بأيّ حال من الأحوال؛ إذ لم تلبث الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية أن أبرمتا

صلحًا أنهى حالة العداء والحرب القائمة بينهما، وذلك في 12 جمادى الأولى 1188 ه الموافق 21 تموز/ يوليو 1774 م، عُرف بمعاهدة "كُجك قينارجة" Kaynarca Küçük؛ أي قينارجة الصغرى نسبةً إلى مدينة قينارجة من أعمال بلغاريا حيث جرت المفاوضات، واتّفق الطرفان فيها على ثلاثة عشر بندًا رئيسًا ومجموعة من البنود الأخرى المتعلقة بالانسحابات، والإفراج عن الأسرى، وتعيين السفراء،

ودفع التعويضات.

3. خطورة الصلح العثماني الروسي على جبل لبنان وساحله

كان من أبرز بنود معاهدة كجك قينارجة منح روسيا حقّ حماية النصارى الأرثوذكس في أمصار الدولة العثمانية، واعترافها بسلطان الخليفة العثماني الشرعي على سائر المسلمين في الديار الروسية. ومعنى ذلك أن أهالي جبل لبنان وساحله من الروم الأرثوذكس أصبحوا تحت رعاية الإمبراطورية الروسية، أسوةً بأبناء دينهم الكاثوليك الذين هم تحت رعاية مملكة فرنسا منذ زمن بعيد نتيجة معاهدة السلطان سليمان القانوني والملك فرنسيس الأول. وهذا يعني أن التدخل الأجنبي في شؤون الدولة العثمانية الداخلية، والخطر الخارجي على البلاد الإسلامية، أصبحا مضاعفين، فهما غربيّ وروسيّ.

74 قطّان، ص 58. 75 مدينة تقع في شمال شرق بلغاريا على الضفة الجنوبية لنهر الطونة (الدانوب.) 76 فريد بك، ص 338. 77 طقوش، ص 294 – 297.

78 Cyril Glassé & Huston Smith, The New Encyclopedia of Islam: A Revised Edition of the Concise Encyclopedia of Islam (Lanham, MD: AltaMira Press, 2001), pp. 249-351.

79 أحد ملوك فرنسا من آل ڤالوا Valois. وُلد سنة 1494 في بلدة كونياك Cognac في فرنسا. اشتُهر بإطلاقه عصر النهضة الفرنسية في مختلف المجالات العلمية

والثقافية بعد قرون من التخلف الذي قبعت فيه البلاد، ويُنسب إليه الفضل في تطوير الشكل المعاصر من اللغة الفرنسية ونشرها، حتى لُقّب ب "أب الأحرف ومرمّمها"

(بالفرنسية: Lettres des Restaurateur et Père le). أبرم حلفًا مع السلطان سليمان القانوني ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ما أثار غضب القوى المسيحية آنذاك.

توفي سنة 1547. ينظر:

Knecht, Robert J. Fancis I (New York: Cambridge University Press, 1982), pp. 1-2, 77-78, 224-225, 230.

ومما نرجّحه أن الباب العالي رأى في ظهور نفوذ أجنبي جديد في الدولة العثمانية، التي للغرب نفوذ فيها أصلًا، احتمالية نشوب

صراعات بالوكالة لتلك الدول الاستعمارية في قلب دولته، لا سيّما في البلاد ذات الغنى الطائفي التي يمكن الغرب والروس استغلال

نزعات أبنائها وعصبياتهم الدينية لتوجيه الأمور لمصلحة كل منهما، والضغط على الدولة العثمانية في الوقت نفسه. فقد كانت النمسا تنظر بعين الريبة إلى التوسع الروسي في البلقان، الذي كانت تعدّه مجالها الحيويّ الخاص للتمدد فيه على حساب المسلمين، وكانت

بروسيا تنظر باستنكار إلى تمدد ملك روسيا واقترابه من حدودها في الوقت الذي كانت تمرّ فيه بصعوبات مالية. ولم تتردد فرنسا

في تقديم أيّ وسيلة لدعم حلفائها العثمانيين في مواجهة الروس كي لا تهتز امتيازاتها الدبلوماسية والتجارية والطائفية في البلاد

العثمانية، في حين كانت بريطانيا على أتمّ الاستعداد لمقاومة أيّ محاولة روسية للسيطرة على مضائق البحر الأسود كي لا تتعرض

تجارتها للخطر. ولا يمكن إغفال الخطر القائم دائمًا والمتمثل في سعي الدول المسيحية للسيطرة على الأراضي المقدسة في فلسطين تحت

ذرائع مختلفة. ولما كان جبل لبنان في مقدمة المناطق التي سعى الغرب تاريخيًا للاتصال بزعمائها، وسعى هؤلاء لمراسلة الحكام

الغربيين في سبيل تحقيق مصالحهم، وبرزت في هذا السياق روسيا التي كانت تجاهر بعدائها العلني للدولة العثمانية ورغبتها الصريحة في القضاء عليها واقتسام أراضيها، إضافة إلى أطراف أخرى من أصحاب النفوذ في منطقة تزخر بحكام لا يترددون في عصيان الباب العالي ومحالفة أعداء الدولة ولو كان أثر ذلك وقوع بلادهم تحت احتلال الدولة التي يحالفونها على نحوٍ ما، كان لا بدّ للسلطنة من

أن تُولّي عليه شخصًا قديرًا خبيرًا بشؤون الحكم ودسائسه، وبشؤون الحرب والقتال والعصبيات القبلية والطائفية والمطامع الخارجية.

رابعًا: التبّدلّات السياسية في المنطقة نتيجة الحرب

1. مسألة ظاهر العمر

يرجّح أن السلطنة العثمانية حاولت في البداية العمل باقتراح الكرجي، القاضي بتثبيت ظاهر العمر على إيالة صيدا في سبيل

تفادي المزيد من الاضطرابات في بلاد الشام عمومًا، وفي جبل لبنان خصوصًا، شرط أن يدفع كلّ الضرائب المتأخرة عليه إلى بيت

المال في إستانبول. ونعتقد أن السلطنة فضّلت في تلك المرحلة كسبه، فهو أقوى حكام الشام آنذاك، إلى صفها من خلال منحه ما يريد من بلاد، في سبيل التفرغ لحرب الروس، وكي لا يعاود التحالف مع أعداء الدولة، بل يجيّش أتباعه ضدهم، لا سيما أنه أصبح

على وئام مع الشهابي كما سلف، وفي الإمكان الاتكال عليه لضبط الأخير في حال قرر العصيان والتحالف مع الروس أو غيرهم، وكانت علاقاته متينة وحسنة مع زعامات الشيعة في جبل عامل. وهكذا، نقل الكرجي المقترح إلى ظاهر العمر، ويبدو أنه راسل الزعماء الإقطاعيين في جبل لبنان، وبالأخص الزعامات الدرزية المناهضة للشهابي ومن حالفه من الحكام المحليين، وحثّهم على نبذ الخلافات السابقة والاتحاد لما في ذلك من خير للجميع، فأرسل في 27 يذ القعدة 1187 ه الموافق 8 شباط/ فبراير 1774 م إلى الشيخ علي جنبلاط يقول: "قدوة المشايخ الموقرين وعمدة القبايل المعتبرين الشيخ علي جنبلاط دام موفقًا لما فيه السداد ورضا رب العباد، غب إهدا ما يليق من التحية والسلام بمزيد العز والتكريم والسؤال عن خاطركم المُنهى إليكم لما سبق فيه قضاء الله وقدره بهذه السنين المباركة، الخلل والاختلال الواقعان في الأقطار العربية

80 طقّوش، ص 298.

81 Philipp, p. 42.

والبقاع الشامية بسبب ظلم بعض ولاة الأمور وعناده، وظهور علي بك وفساده، فلما أراد الله دفع الفتنة ودفع الفساد، تعلق بزوالها المراد، ولكن بقي الأثر إلى هذه المدة، إذ الأمور مرهونة بالأوقات، حبذا بعدما قَّلَد جيدنا حضرة مولانا السلطان نصره العزيز الرحمن في حسم هذه الطامة وحراسة الخاصة والعامة، دأبنا الشفقة إلى العباد من أجل السداد، وبالتأني يبلغ مما يرجو المتأني، فاجتهدنا بحقن دماء المسلمين والأعراض، وما التفتنا إلى تلفيق أصحاب الأغراض عملًا بقول السيد الحبيب: اصبر ففي الصبر حديث غريب، فقد انتهت الأمور إلى استكشاف ما في الصدور، فألهم كلًا من ذوي العقول رشده، وطلب كل ما فيه نجاحه ومجده، فمن أجل من طلب النجاة، وغرد طائر سعده بحي على الفلاح، قدوة المشايخ الكرام وعين أعيان العقلاء الفخام، من هو لكل معقول مصدر، ومظاهر جناب أخينا الشيخ ظاهر قد حرر لنادينا الدستوري وسيلة دعا ورجا وتمكن بحبل العفو والوفا، وأعلن بالطاعة لحضرة مولانا السلطان ظلّ الله بالأرضين، نصره العزيز المعين على شروط وعهود متعددة، وأن ينعم عليه بإيالة صيدا على وجه المالكانة، من أول آذار لسنة سبع وثمانين شمسية الواقع في محرم الحرام لسنة ثمان وثمانين هجرية تحت أن يدفع عن البقايا التي باقية في إيالة صيدا إلى التاريخ المذكور، وألف كيس عن طريق العجلة، وأربعماية وخمسون كيسًا في كل عام مال الميرة، وأن يؤدي الجردة كجاري العادة، فلما رأينا

مقاربته للسداد ومراجعته عن العناد، أنعمنا له بذلك على ما عندنا من التحقيق بأننا مستقلين [كذا] في تنظيم القطر العربية ومدروجين [كذا] في دفتر اعتماد الدولة العلية على صدقنا، وإننا إذ أملنا من كرمهم لا يخيب أملنا، فأجبناه إجابة قبول لرجاه، وأنعمنا له بما تمناه علينا وأعلناه، وأشعلنا في دمشق الشام بندا المنادي بين الخاص والعام، وبعد أعراضنا الأعتاب العالية والسدة السنية السامية، فإلى حين ورود مناشير العفو والقبول من الدولة، وإعطاء المسئول، حررنا من نادينا الدستوري مراسيم إلى كلّ من بيت مقاطعات، وابتدأنا بكم بأنكم راغبين [كذا] بهذه المقالة، لأن جناب أخونا [كذا] الشيخ ظاهر في مقام والد الكل، إذ هو الكبير سًّنًا ومقامًا، خصوصًا من ستين

وسبعين سنة، وهو موصوف بحماية البلاد وصيانة العباد، إذ بهم وديعة الملك العلام لحضرة مولانا السلطان خليفة سيد الأنام، ومن طرفه الخاقاني أيضًا وديعة للولاة والحكام، فبمراعاه [كذا] يستقر النظام والانتظام. فبوقوفكم على مرسومنا تحققوا إنجاح القصد ونمو

السعد، وتكونوا على قدم الطاعة لولاة الأمور ولوكلائهم هلم جرًا، عملًا بقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي األمْر منكمْ﴾

وتشتغلوا بمداومة الدعا لحضرة مولانا السلطان نصره العزيز الرحمن، والحذر من خلاف ما رسمناه. تعتمدون ذلك وتعلموه [كذا] وتفتقدون ما حررناه وتعتمدوه [كذا]، في 27 ذا سنة 1187 ".

82 ليس هناك حديث نبويّ صحيح يرد نصه الحرفي بهذا الشكل، ويبدو أنّ الغاية كانت مجرّد مراعاة القافية لا أكثر.

صورة كتاب والي دمشق إلى الشيخ علي جنبلاط بخصوص مسالمة ظاهر العمر (الصفحة الأولى يمينًا والأخرى يسارًا)

المصدر: مجموعة مخطوطات الأستاذ سليمان بو عزّ الدين التي نسخها عن الأصل المحفوظ ضمن سجل رسائل سعيد بك جنبلاط، المحفوظة في

مكتبة يافث في الجامعة الأميركية في بيروت على بكرات ميكروفيلم تحت مصنف: 66: AUB: MS - Mic NBMAS.

وفي الحقيقة، لم يُعمل بمقترح الكرجي؛ إذ استُدعي إلى إستانبول في صيف سنة 1774، وعُزل عن ولاية دمشق. وفي تلك

الفترة، كانت الدولة العثمانية قد أبرمت صلحًا مع الإمبراطورية الروسية، ويبدو أنها أعادت النظر في مقترح الكرجي، ورأت ضرورة

معاقبة الحكّام المحليين الذين أشهروا العصيان ضدها خلال انشغالها بالحرب، وفي مقدّمتهم ظاهر العمر، ولا سيما أنها لم يعد لديها

ما يرغمها على مسالمته لتفادي شره واحتمالية اتحاده مع الروس، لذلك رأت السلطنة إما تحجيمه أو القضاء عليه وتولية شخص آخر على إيالة صيدا الاستراتيجية.

2. مسألة الجزار

يرجح أنّ الباب العالي رأى في تولية الجزار على صيدا بعد القضاء على حركة ظاهر العمر وقتله في آب/ أغسطس 1775، خير خطوة يخطوها؛ فقد أثبت الجزار كفاءته في قتال الروس خلال معارك صيدا وبيروت، وكان يكنّ عداءً كبيرًا للشهابي والجبليين، ولم تكن

الدولة تشك في إخلاصه لها، على الرغم من معرفتها، غالبًا، بنزعته التسلطية ورغبته في الحكم من دون منافس له، على أنها كانت تدرك

أيضًا أنه وإن سعى لتوسيع نفوذه، فإنه لم تكن لديه نية لتحدّي سلطتها المركزية أو إعلان استقلاله عنها، فهو يرغب في الحكم، ولكن

تحت سيادة الدولة. ولذلك بدا الأنسب لتولّي حكم هذه المنطقة من السلطنة، وتطهيرها من العصاة الذين كانت لهم طموحات توسع ونزعات استقلال، وكانوا، على خلافه، لا يترددون في الاستعانة بقوى خارجية معادية للسلطنة في سبيل تحقيق غاياتهم. ومن ثم، يبدو أن الباب العالي رأى في الجزار، المعروف ببطشه وشدته، الرجل المناسب في المكان المناسب، فأصدر السلطان فرمانًا بتعيينه واليًا على صيدا في ربيع سنة 1776. واتّخذ الجزّار عكّا مقرًا لولايته بادلًا من صيدا، نظرًا إلى مناعة استحكاماتها مقارنةً

بالأخيرة، وشرع في تكديس الأسلحة والذخائر والمدافع فيها.

3. مسألة الشهابي وموارنة جبل لبنان

يتفق جل الباحثين والمؤرّخين على أنّ يوسف الشهابي كان أوّل الأمراء الشهابيين النصارى على جبل لبنان، كما أشير سابقًا،

وأنّه حالف الروس، ألدّ أعداء الدولة العثمانيّة، فأصبح أكبر زعماء الموارنة السياسيين هو نفسه أمير الجبل. ونعتقد أنّ السلطنة رأت،

بعد استقرار أوضاعها وانتهاء حربها مع روسيا، أنّ استمرار توليته للجبل أمر غير سليم، لما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جمّة تتعلّق

بالأمن الداخلي للدولة، تمامًا كما لو تولّى مدينة بيروت؛ إذ إنّ ذلك من شأنه توسيع نشاط الإرساليين وعملاء الغرب في البلاد اللبنانية

خصوصًا، والديار الشامية عمومًا. ومن المعروف أن دور الموارنة كان قد ازداد في جبل لبنان بحلول القرن الثامن عشر؛ إذ انخرطوا في الأنشطة السياسية من خلال الأمراء الشهابيين الذين تقربوا منهم، فاستعان هؤلاء بهم واعتمدوهم مستشارين ومدبّرين بسبب ارتفاع نسبة المتعلمين في

صفوفهم، نتيجةً لازدياد عدد الإرساليات والمبشرين الكاثوليك في جبل لبنان ومدن ساحله "ودأبهم على تعليم أولاد النصارى بصورة خاصة". وأدّى اشتغال الموارنة بالزراعة وتجارة الحرير مع الغرب إلى تحسن مستواهم الاقتصادي، على الأقل على مستوى الأسر

الإقطاعية؛ ما مكنهم من شراء الأراضي والعقارات في البلاد التي يشكّل الدروز غالبية سكانها، فسكنوا بينهم، من دون أن يشعر الدروز آنذاك بأيّ نيات مضمرة أو يشكّوا في أن ذلك قد يشكّل خطرًا على التركيبة السكانية في المنطقة. وفي هذا يقول كمال

83 بعد أن فرغت الدولة العثمانية من الحرب مع الإمبراطورية الروسية، وجّهت اهتمامها إلى القضاء على حركة ظاهر العمر الاستقلالية، فتوجّه أبو الذهب من مصر إلى

عكا على رأس ستين ألف جن يد، وأسقط معاقله الواحدة تلو الأخرى، حتى أجبره على اللجوء إلى صيدا، حيث حاول الاحتماء بالأمير يوسف الشهابي، لكن الأخير رفض

مقابلته. وتخلّى عنه أهالي الجليل بعدما أثقل كاهلهم بالضرائب وتسلّط عليهم أبناؤه. فلجأ إلى جبال صفد ثم اختبأ لدى بعض مشايخ البدو في حوران، ولولا وفاة أبو الذهب

لكان وقع في أسره. عاد ظاهر العمر إلى عكا بعد انسحاب مماليك أبو الذهب إلى مصر، لكنه فوجئ بوصول الأسطول العثماني ومحاصرته المدينة من البحر. طالبه قائد

الأسطول بإعلان خضوعه ودفع ما عليه من ضرائب متأخرة للخزينة العثمانية، غير أنّه أعلن على لسان خزنداره (مدبره المالي) إبراهيم الصباغ أنه لا يملك أمو لًا، بل نارًا

وسيفًا ماضيًا. فأطلق العثمانيون نيرانهم على أبراج المدينة وحصونها، ما أرغمه على الخروج منها، وفي أثناء تحضيره للانسحاب خانه أحد المرتزقة المغاربة وأطلق عليه

رصاصة في صدره فأردته قتيلًا. ينظر: بازيلي، ص 85 – 86.

84 Harris, p. 122. 85 Mikha'il Mishaqah, Murder, Mayhem, Pillage, and Plunder: The History of the Lebanon in the 18 th and 19 th Centuries. William McIntosh Thackston (ed.) (Albany, NY: State University of New York Press, 1988), p. 19.

86 ضناوي، ص 270 – 271، 274.

الصليبي: "كان للكنيسة الكاثوليكية الرومانية نفوذها السياسي المباشر في لبنان، فبعد أن شملها فخر الدين بحمايته، تزايد مراسلوها بكثرة في البلاد، مما جعلهم حتى في أيامه مسموعي الكلمة في الشؤون اللبنانية. وما إن جاء القرن الثامن عشر حتى نشط عدد من الإرساليات في لبنان من فرنسيسكان وكرمليين ويسوعيين، وكانوا جميعًا مقربين من الشهابيين وعلى صلة مباشرة بهم،

فوجدوا في حظوتهم لدى الأمراء، ولا شكّ، مج لًا كبيرًا لتعزيز المصالح الكاثوليكية بما فيها المارونية في لبنان". وقال الرحّالة الفرنسي فولني، الذي زار جبل لبنان سنة 1770 م: "كانت الفائدة الجلى من نشاط هذه الإرساليات الدينية

أن فنّ الكتابة أصبح أكثر شيوعًا بين الموارنة، مما جعلهم في هذه المناطق بمقام الأقباط في مصر، أي إنهم أصبحوا هم الكتاب

والنظار والحجاب عند الأتراك وخصوصًا عند جيرانهم الدروز". وبطبيعة الحال، رافق هذا النشاط الإرسالي ازدياد في الاتصالات

بين الكنيسة المارونية والبابوية وفرنسا؛ ما أدى إلى تراخي العلاقة بين نصارى جبل لبنان وساحله من الكاثوليك من جهة، والدولة العثمانية من جهة أخرى، فشعروا بفك الارتباط بينهم وبين الدولة العثمانية ثم بالارتماء في أحضان الغرب. ويرجع هذا الشعور بفك الارتباط بين الكنيسة المارونية والدولة العثمانية إلى سنة 1735، حينما عُقد المجمع اللبناني، أو مجمع سيدة اللويزة، بمسعى من يوسف سمعان السمعاني، الذي حرص على استمرار المجمع أربعة أيام في الفترة 30 أيلول/ سبتمبر - 3 تشرين الأول/ أكتوبر للحيلولة دون معرفة السلطات العثمانية به كي لا تسوء العاقبة، ولا سيما أنه أقر إصلاحات وتغييرات عديدة من شأنها تعزيز الرابطة المارونية البابوية. ومن أبرز ما أقره هذا المجمع إلزامية التعليم ومجانيته لكل الموارنة من ذكور وإناث، ما أسهم في زيادة عدد المدارس والبعثات الخارجية إلى أوروبا. ووصف الأب بطرس فرماج الموارنة في زمن انعقاد المجمع اللبناني، فقال: "إن الطائفة المارونية التي يبلغ عددها 140 ألف نسمة في لبنان تبقى الأكثر جهالة وتعاسة وبساطة، ولكنها تبقى أيضًا الأفضل في خضوعها للحبر الأعظم والكنيسة الرومانية وولائها للعرش الفرنسي". وهكذا، يلاحظ أن انعقاد المجمع اللبناني أدى إلى ارتباط كامل بالكرسي الرسولي، وأفضى إلى تكون شخصية مسيحية مستقلة عن سائر أهالي البلاد من المسلمين والدروز. وبدأ الشرخ يظهر بين الموارنة وجيرانهم، ويتسع تدريجيًا مع ازدياد الامتيازات الأجنبية

للدول الغربية في الدولة العثمانية، ولا سيما في فترات ضعفها. ولم تعرف الدولة العثمانية ضعفًا أوهن قوتها أكثر مما عرفته في تلك

87 الصليبي، ص 42 – 43. وكمال الصليبي هو مؤرخ وأستاذ جامعي لبناني. وُلد في بلدة بحمدون في جبل لبنان سنة 1929. نشر العديد من الأبحاث التاريخية التي أثارت

الجدل لما تضمّنته من نظريات جديدة حول جغرافيات التوراة وشخصياتها، وحول الأناجيل والمسيح عليه السلام، إضافةً إلى تاريخ لبنان وسائر الوطن العربي. ترأس

دائرة التاريخ وعلم الآثار في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان في آخر أيامه أستاذًا جامعيًا فخريًا فيها، وأسّس المعهد الملكي للدراسات الدينية في عمّان بطلب من

الأمير الحسن بن طلال. توفي سنة 2011. ينظر: محمد سعد، "وفاة المؤرخ اللبناني المثير للجدل كمال الصليبي"، بوابة الأهرام، 2 / 9 / 2011، شوهد في 12 / 7 / 2024،

في: BPuu 9 L 1 / ps. acr:// https

88 رحالة ومستشرق فرنسي، اسمه الحقيقي قسطنطين فرنسوا دي شسبوف Chassebœuf de François Constantin. له كتاب مشهور بعنوان رحلة في مصر

وسورية، وألّف أيضًا نظرات في الحرب الراهنة للأتراك. ينظر: ساسي سالم الحاج، الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية، ج 2 (مالطة: مركز

دراسات العالم الإسلامي، 1991)، ص 67 – 69. 89 الصليبي، ص 42. 90 ضناوي، ص 16. 91 مؤرّخ ماروني وعالم في اللاهوت، وُلد في طرابلس الشام سنة 1098 ه/ 1687 م. ذهب ليتلقى تعليمه في الكلية المارونية برومة، فمكث هناك وعاش في تلك البلاد.

ارتحل لاحقًا إلى المشرق العربي بحثًا عن مخطوطات سريانية، وعاد بمجموعة كبيرة منها إلى رومة، فعيّنه البابا أقليميس الثاني عشر XII Clement حافظًا لمكتبة الفاتيكان،

ثم صار مؤرخًا شخصيًا لملك نابل (نابولي) وصقلية. وفي أواخر حياته صار رئيسًا لأساقفة صور. تُوفي في رومة سنة 1182 ه/ 1768 م. ينظر: الزركلي، ج 8، ص 233.

92 يوسف الدبس، الجامع المفصل في تاريخ الموارنة المؤصل، ج 11، ط 4 (بيروت: دار لحد خاطر، 1987)، ص 492 – 496.

93 قسيس يسوعي أرسل إلى الديار الشامية، وله عدّة مؤلفات باللغة العربيّة. توفي سنةُ1153 ه/ 1740 م. ينظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين: تراجم مصنفي

الكتب العربية، ج 3 (بيروت: مكتبة المثنى؛ دار إحياء التراث العربي، 1957)، ص 52. 94 إلياس موريس معلوف، الآباء اليسوعيون: من الإيمان إلى المعرفة (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص 214.

المرحلة، عندما فرضت عليها الإمبراطورية الروسية شروطًا مجحفة في معاهدة كجك قينارجة، فكان من الطبيعي أن تسعى لسد الثغرات الأمنية في البلاد التي يحتمل أن تشهد عصيانًا، ويستغل حكامها الظروف الصعبة التي تمرّ بها لإثارة المشكلات أو الاتصال

بالقوى المعادية. وكان جبل لبنان في مقدمة تلك البلدان، وعلى رأسه الأمير يوسف الشهابي، أكبر زعيم سياسي ماروني في ذلك الوقت. ويبدو أنه كان يسعى لإضعاف الطائفة الدرزية والقضاء على أمرائها في سبيل إزاحة منافسيه من الزعامات المحلية والتفرد بحكم الجبل كاملًا، لا سيما بعدما بدأ الدروز يتململون منه نتيجة سياسته المالية التي انتهجها في سبيل دفع الأموال إلى الجزار استرضاءً له وتجنّبًا لغضبه. ففرض بدايةً ضريبةً على دود القز، ثم على رؤوس المواشي، ثم على الدواجن، ثم على المطاحن؛ ما أدى

إلى استمرار تذمر الناس، في حين وقف أمراء الجبل المنافسون له على أهبة الاستعداد لخلعه عند أول فرصة سانحة. أخطأ الشهابي عندما تصرف محابيًا الموارنة ومعاديًا الدروز ومهمّشًا لهم، بل إن إحدى الضرائب التي فرضها جاءت على الشاشيات

(العمامات)، وسمى العامة تلك الضريبة ب "قرش الشاشة". ولما كان أكثر لابسي الشاشيات من الدروز، فقد اعترض على ذلك شيخ مشايخ عقّال الدروز كافةً الشيخ يوسف عربيد أبو شقرا، فتوجه إلى قصر دير القمر، مقر الإمارة اللبنانية، وحاور الشهابي بهذا الشأن، لكنه لم يرتدع، بل أصر على فرض الضريبة وهدد الشيخ قائلًا: "البلاد لا تسع يوسفين"، فأجابه الشيخ: "المزروك يرحل"؛ أي فليرحل المتضايق، وغادر غاضبًا. فلحق به غندور بن سعد الخوري، مدبّر الأمير، ولما لقيه في ساحة دير القمر قال له: "أبلغت منك الجسارة يا

حضرة الشيخ حتى قلت لسعادة الأمير 'المزروك يرحل'؟ تالله لأحمّين فرن دير القمر بشاشات العقال". فانتهره الشيخ قائلًا: "والله العظيم

لتكسير رأسك ورأس سيدك يوسف شهاب بهذه العصا أسهل جدًا من إحماء فرن دير القمر بشاشات عقال الدروز. ولكن لأفعلن وأفعلن".

وكاد هذا الرد أن يشعل فتنة طائفية بين الدروز والموارنة؛ إذ مضى الشيخ يوسف إلى بعقلين وكتب إلى جميع الأنحاء وبلاد الدروز قائلًا: "إخواننا أبناء الطاعة. يقتضي حضوركم في النهار الفلاني إلى مرج بعقلين بالأسلحة الكاملة والمؤن والذخائر الوافرة لأمر يحبه الله". ولما تبين أن الأمر لن يمرّ مرور الكرام، وعلم الشهابي بأنباء الحشود الدرزية في مرج بعقلين لمهاجمة دير القمر، تدخّل

المصلحون وأقنعوه بوجوب التخلي عن عناده وإلا كانت العواقب وخيمة، فأذعن لهم وعادت العلاقات إلى سابق عهدها بينه وبين الشيخ يوسف، فترةً على الأقل؛ إذ يعتقد أن الشهابي عاد ودسّ السم للشيخ يوسف ما إن ركن إليه الأخير، فمات. وشاع الخبر بين

الدروز الذين ثاروا على الشهابي مجددًا وطالبوا بعزله وامتنعوا عن أداء الأموال المستحقة له. أخذ الشهابي يبطش بالزعامات الدرزية ويعمل على تفتيت قوتها وإضعافها في ظلّ هذا الواقع، فأثقل كاهل الأمراء الجنبلاطيين وأتباعهم بالضرائب، ووجّه إلى الأمراء اللمعيين (آل أبي اللمع) طائفة اللاوند لقهرهم وحملهم على طاعته ودفع المال الميري،

فأحرق اللاوند بلدات المكلس والجديدة والدكوانة التابعة لإقطاعية آل أبي اللمع، وقتلوا مجموعةً من أهالي الشوف صادفوهم في

95 ينظر الشروط لدى: طقوش، ص 294 – 297؛ فريد بك، ص 347 – 348. 96 بازيلي، ص 90 – 92. 97 شيخ مشايخ العقال الدروز في عهد الأمير يوسف الشهابي، وعُرف بشيخ عصره الروحاني. وُلد قرابة سنة 1739 م في قرية عماطور في الشوف. تحدى الأمير يوسف

بسبب سياسته التي استفزت الطائفة الدرزية، وكادت أن تقع بين رجالهما معركة بالأسلحة النارية لولا أن تدخّل المصلحون الذين نجحوا في احتواء الموقف. ويغلب الظّن

أن الأمير يوسف عاد ودسّ له السم، فمات من جراء ذلك. ينظر: صالح زهر الدين، تاريخ المسلمين الموحدين الدروز، ط 3 (بيروت: المركز العربي للأبحاث والتوثيق،

2007)، ص 170 – 171؛ طوني مفرّج، موسوعة قرى ومدن لبنان، ج 16 (بيروت: دار نوبليس، 2002)، ص 173.

98 يوسف أبو شقرا، الحركات في لبنان إلى عهد المتصرّفية، وهي شهادة درزية صريحة في مخطوطة تلم بحوادث لبنان وأحواله يدلي بها من رواة الدروز شاهد

عيان، تحقيق عارف أبو شقرا (بيروت: [د. ن].، 1952)، ص 166 – 167. 99 المرجع نفسه، ص 168؛ توفيق سلمان، أضواء على تاريخ مذهب التوحيد (بيروت: [د. ن].، 1963)، ص 181. 100 تعبير أطلقه العثمانيون على طائفة من العساكر البحرية. يقال إنّه من أصل إيطالي Levantino؛ أي "الشرقيّون"، وهو الاسم الذي أطلقه الإيطاليون على الشرقيين

العاملين في جيوشهم. ثم دخلت الكلمة إلى التركية فكُتبت "لاوند". ينظر: حسان حلاق وعباس صباغ، المعجم الجامع في المصطلحات الأيوبية والمملوكية والعثمانية

ذات الأصول العربية والفارسية والتركية (بيروت: دار العلم للملايين، 1999)، ص 194.

طريقهم. ووجّه الشهابي ضربةً أخرى إلى الأمراء النكديين وأجبرهم على النزوح إلى جبل عامل، وبطش بآل القاضي ففقأ عينَي

الشيخ محمد القاضي وقطع لسانه لأنه كان من أبرز زعماء حركة التمرد والعصيان ضده. ويبدو أن الشهابي لم يكتفِ بمعاداة الزعامات الدرزية، بل عادى العامة واستفزهم وأثار نقمتهم عليه، ولم يأخذ في الاعتبار

المودة والتصافي القائمين آنذاك بين عامة الدروز والموارنة، ولم يراعِمسايرة الدروز للرهبان وتسامح مشايخهم معهم، بل انحاز علنًا إلى الجانب المسيحي الماروني، وعمل على تقوية نفوذهم في الجبل على حساب الزعامات الدرزية، فضرب بعرض الحائط ما قدّمه

مشايخ الدروز إلى النصارى من أراضٍ ليقيموا عليها أديرة بطيب خاطر منهم، وصادر بعض الأراضي ومنحها للكنيسة المارونية إلى جانب الكثير من الوقفيات والهبات مع إعفاء شبه كامل من الضرائب. ونُرجّح أن السلطنة العثمانية كانت تراقب كلّ هذه الأحداث وتنتظر الفرصة الملائمة للتخلص من الأمير المثير للشغب في البلاد،

الذي يحتمل أن يكون شوكةً في خاصرتها، بسبب ما يعنيه حكمه من ازدياد كبير لنفوذ الغرب في الدولة العثمانية عمومًا، والديار

الشامية ومقاطعات جبل لبنان خصوصًا. وتُجمع المصادر على أن الجزار كان يعمل على تغذية الشقاقات بين الأمراء الجبليين بهدف

إضعافهم لتقوى سلطته على جبل لبنان، ويجمع الأموال من أولئك الراغبين في اكتساب رضاه والساعين لشراء الإمارة، فأنهكهم اقتصاديًا؛ إذ تسبّبت زيادة الضرائب التي فرضها هؤلاء في كره الناس لحكامهم، وتوقهم إلى استبدالهم، فتحقق له بذلك عدة أهداف

شخصية وعامة؛ فهو من جهة فرض سيطرته على منطقة مثيرة للشغب، وعلى أمرائها وزعمائها الذين لا يترددون في الاتصال بالقوى الخارجية، فحقق رغبته في الحكم، ومن جهة أخرى كانت السلطنة راضية عن فعله طالما يصبّ في مصلحتها العليا القائمة على مراقبة

تحركات الغربيين في البلاد العثمانية والحيلولة دون اتصال القوى المحلية بالخارج. وانتقم كذلك من الشهابي الذي تعاون مع الروس لإخراجه من بيروت. وحين كثرت نقمة الدروز على الشهابي، ونقمة الأهالي عمومًا على الأمراء المتصارعين على كرسي الإمارة، لم يبقَ

أمام الجزار سوى إزالة أسباب الفتنة وتولية أمير آخر على البلاد يحفظها ويوطّد الأمن فيها، ويحوز ثقة الباب العالي. ويُستنتج أن الباب العالي كان يسعى لإرجاع الإمارة إلى أحد الشهابيين المسلمين من أهل السنة والجماعة، أو يحبّذ ذلك

على الأقل، خصوصًا في تلك اللحظة الحرجة من التاريخ، عندما تمادى الأمير يوسف في انحيازه إلى القوى المسيحية في جبل

لبنان، وأخذت تلوح في الأفق علامات حرب جديدة بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية، فكان لا بد من وجود شخص يضبط الجبل في تلك الفترة تحديدًا، ويكون ولاؤه مطلقًا للسلطنة. وبطبيعة الحال، يزداد احتمال ولائه أكثر إذا كان مسلمًا سنّيًا، ينظر إلى

الدولة العثمانية نظرة تقدير واحترام بصفتها دولة الخلافة، وإلى السلطان العثماني بصفته أمير المؤمنين. أما عن سبب تأخر تعيين أمير مسلم على الجبل، فيُرجّح أن سبب ذلك يرجع إلى:

101 حيدر بن أحمد الشهابي، لبنان في عهد الأمراء الشهابيين، تحقيق أسد رستم وفؤاد أفرام البستاني (بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 1969)، ص 120. وهذا

الكتاب هو الجزآن الثاني والثالث من تاريخ الأمير حيدر بن أحمد الشهابي.

102 Toufic Touma, Paysans et institutions féodales chez les Druses et les Maronites du Liban du XVIIe siècle à 1914 (Beirut: Publications de l'Université Libanaise, 1971), vol. I, p. 96.

103 مسعود ضاهر، الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1981)، ص 130، 189. 104 كان الأمراء الشهابيون، حتى عهد الأمير يوسف، مسلمين سنّيين، وهؤلاء الأمراء هم: بشير بن حسين (بشير الأول)، وحيدر بن موسى، وملحم بن حيدر، وأحمد بن

حيدر، ومنصور بن حيدر (حكم الأخيران في بادئ الأمر حكمًا مشتركًا ثم تفرّد منصور بالحكم). ويعتقد بعض الباحثين أن الشهابيين لم يكونوا على درجة عالية من التديّن

أو الاكتراث بالشؤون الدينية أًّيًا كانت، غير أنّهم كانوا يحرصون على إظهار شعائر الإسلام خوفًا من السلطنة العثمانية الممثّلة في ولاتها في دمشق وطرابلس وصيدا.

ولهذا، كان الأمير يوسف حينما اعتنق المسيحية يُظهر الإسلام علنًا، ثم جاهر بتنصره لاحقًا. ينظر:

Bruce Masters, The Arabs of the Ottoman Empire, 1516-1918: A Social and Cultural History (New York: Cambridge University Press, 2013), p. 142; Harris, pp. 119-120.

نهم الجزار في المال؛ إذ تتفق المصادر العربية والأجنبية على أنه كان محبًا لجمع المال، حتى قيل إنه حين توفي سنة 1219 ه/

1804 م، وُجدت في بيته كنوز تفوق كلّ تقدير. فلعله كان يستغلّ الفوضى القائمة في جبل لبنان لابتزاز الأمراء الطامعين بالحكم

بالأموال إلى أقصى حدّ ممكن. انتظار ظهور شخص ملائم لا منافس له، ويعني غياب منافس القضاء على أخوَي الأمير يوسف (سيد أحمد وأفن يد) اللذين كانا

ينازعانه ويدعيان أنهما أحق بالحكم. فلو خُلع يوسف أو قُتل، كان أحدهما سيطالب بكرسي الإمارة. ويبدو أن السلطنة لم تكن لتثق بأحد من هذا الفرع من آل شهاب بعد ما ظهر من الأمير يوسف من مواقف، لذلك انتظرت الفرصة المواتية، التي جاءت بعد أن أقدم بنفسه على قتل أخويه، إضافةً إلى خاله الأمير ومدبّر خاله أيضًا أيوب مطر. حرص الأمير يوسف على التظاهر بالإسلام في بداية أمره، إضافة إلى انشغال الدولة العثمانية بحرب روسيا وصرفها النظر عن الشؤون المحلية في الولايات إلى أن وضعت الحرب أوزارها، فلم ترضَ باستمرار الحال على ما هو عليه، لما ينطوي عليه من مخاطر يمكن أن تلحق بجبل لبنان وساحله خصوصًا، وسائر الديار الشامية والدولة العثمانية عمومًا، بسبب العلاقات الوثيقة بين الزعامات

المارونية والكنيسة الكاثوليكية ومن خلفها ملوك الغرب. إضافة إلى ذلك، فمن شأن تولّي أمير مسيحي كاثوليكي لهذه البلاد أن يقوي قبضة الغرب عليها، إلى جانب أن الأمير يوسف أظهر سوء نيته عندما تعامل مع الروس ضد الباب العالي، لذلك كان لا بد من إزاحته وتنصيب آخر موضع ثقة مكانه. ونعتقد أن ذلك ما كان ليتحقق في نظر السلطنة وولاتها إلا من خلال تولية أمير مسلم سنّي

على الجبل، يُرضي السلطنة ويتقبّله الأهالي الدروز الممتعضون من حكم الأمير يوسف.

ولما كانت القرائن تشير إلى أن أقوى المرشحين لتولّي الإمارة هو بشير بن قاسم بن عمر الشهابي، وأنه لم يتنصر (على الأقلّ ظاهريًا)، وكان الدروز راضين بتولّيه الحكم، فضلًا عن قدرته على إشباع نهم الجزار في المال، فقد تولّى إمارة الجبل بعد

أن حصل على الفرمان من الجزار في 21 يذ القعدة 1203 ه الموافق 12 آب/ أغسطس 1788 م، وعاد إلى الجبل في آخر الشهر نفسه حاكمًا، يرافقه ألف جن  يد من المغاربة والأرناؤوطيين أرسلهم الجزار دعمًا له. ويبدو أن السلطنة كانت تنوي التخلص نهائيًا من العصاة المحتملين في تلك الفترة التي شهدت عودة الحرب مع الإمبراطورية

الروسية، ولو اقتضى الأمر فرض الأمير العتيد على كرسيّ الإمارة بالقوة في حال لو أبدى سلفه معارضة. وقد أوعز الجزار إلى الأمير

105 بازيلي، ص 114. 106 ميخائيل مشاقة، تاريخ حوادث الشام ولبنان، أو تاريخ ميخائيل الدمشقي: 1192 – 1257 ه، تحقيق وتقديم أحمد غسان سبانو (بيروت: دار قتيبة، 1981)، ص 89. 107 يشتهر في كتب التاريخ ببشير الثاني، وهو أكبر الأمراء الشهابيين وأعظمهم. وُلد في قرية غزير في كسروان سنة 1173 ه/ 1760 م. مات والده وهو طفل صغير، ثم

تزوجت والدته وأهملت أمره، فتولت تربيته خادمة كانت لأبيه. لما بلغ السادسة عشرة قصد دير القمر وأقام في بيت الدين مدةً عند أحد شيوخ الدروز من أهل الخلوات،

ثم اتصل بأحمد باشا الجزار فقرّبه إليه حتى وّلاه إمارة جبل لبنان. دامت إمارته خلال الفترة 1788 - 1840، وخرج من الجبل بخروج القائد المصري إبراهيم باشا مع جيوشه

التي ضمت الديار الشامية إلى إيالة مصر بزعامة محمد علي باشا سنة 1831، فتوجه بدايةً إلى مالطة وأقام فيها سنة، ثم التمس من الإقامة في إستانبول، فأذن له السلطان

بذلك. توفي سنة 1266 ه/ 1850 م في العاصمة العثمانية. ينظر: الزركلي، ج 2، ص 57. 108 يذكر الأب بطرس ضو في كتابه تاريخ الموارنة أن الأمير قاسم بن عمر الشهابي، والد الأمير بشير، تنصّر في غزير سنة 1763 أو 1764 على يد البطريرك الماروني

يوسف أسطفان، الذي بعث برسالة إلى ملك فرنسا لويس الخامس عشر قال فيها إنه تمكّن من تنصير هذا الأمير. ينظر: بطرس ضو، تاريخ الموارنة الديني والسياسي

والحضاري، ج 4 (بيروت: دار النهار للنشر، 1970)، ص 464، 473. وبناءً عليه، فقد ولد بشير مسيحًّيًا، وكان كسلفه يتظاهر بالإسلام. وردّ الداعية والباحث اللبناني محمد

علي ضناوي على هذه الرواية ردًا مطولًا في كتابه قراءة إسلامية في تاريخ لبنان والمنطقة، معتبرًا أن الأمير بشير لا بدّ من أن يكون مسلمًا سنًّيًا لأسباب مختلفة، أبرزها

وجود تناقضات في رواية الأب ضو حول تنصر الأمير قاسم، إضافة إلى أن البطريرك أسطفان كان في تلك الفترة يسعى لكسب ودّ البابوية وفرنسا بعد أن وقع في حرج كبير

نتيجة دفاعه عن راهبة تدعى "هندية" كانت البابوية قد توصّلت نتيجة التحقيق معها إلى أنها تنشر تعاليم اعتبرتها هرطقات، فمنع أسطفان من ممارسة مهماته البطريركية

فترة من الزمن. ويرى ضناوي أن ادّعاء أسطفان تنصير أحد أمراء الشهابيين لم يكن إلا محاولة للتقرب من البابوية مجددًا. ينظر: ضناوي، ص 300 وما قبلها.

109 أبو شقرا، ص 1. 110 الشهابي، ج 2، ص 1021.

بشير، في 22 يذ الحجة 1202 ه الموافق 22 أيلول/ سبتمبر 1788 م، أن يلاحق الأمير يوسف ويطرده من جميع البلاد اللبنانية، ففعل ما أمر به ولاحقه من مكان إلى آخر في الجبل حتى وقع اللقاء بينهما في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر من السنة نفسها، فانكسرت عساكر الأمير يوسف انكسارًا عظيمًا، واضطر إلى الهرب والاحتماء في قرية طارية في البقاع الأوسط، ثم هرب إلى نواحي دمشق،

فعكا بعد أن طلب الأمان من الجزار وعرض عليه إرجاعه إلى إمارته مقابل ستمئة ألف غرش على سنة كاملة، فزاد الأمير بشير هذا المبلغ وتعهد بدفع مئة وخمسة وعشرين ألف غرش كل شهر، فرضي الجزار بذلك. ويبدو أن الأمير يوسف كان يراسل حلفاءه من الأمراء الشهابيين والزعامات المحلية لإحداث بلبلة في البلاد ضد الأمير بشير، فوقعت فتن في المتن وبيروت تمكّن الأخير من صدها وإخمادها بمعونات عسكرية حصل عليها من الجزار، الذي لم يلبث أن أمر بشنق الأمير يوسف. وبهذا ثبت حكمه على جبل لبنان، وطويت صفحة الأمير يوسف وسائر الأسماء الكبيرة التي كان لها صلات بالروس خلال حربهم مع الدولة العثمانية.

خاتمة

تبيّن من خلال دراسة التغييرات السياسية في جبل لبنان وساحله نتيجة الحرب العثمانية الروسية (1768 – 1774) أن الضغط

العسكري الروسي والمعارك المتواصلة بين العثمانيين والروس كانا من الأسباب التي أسهمت في إضعاف الدولة العثمانية وإنهاكها على المستويين الداخلي والخارجي. وسمحت تلك الفترة من الحرب لبعض القوى المحلية الطامحة إلى الاستقلال بإشهار عصيانها، ولم تتردد في الاتصال بالروس في سبيل الحصول على مرادها؛ ما فتح الباب على مصراعيه لدخول كل القوى الطامعة في البلاد العثمانية واحتلالها في حال سقوط الدولة العثمانية، أو استقلال تلك الأنحاء عنها، إذ إن المناطق التي طمع ولاتها بالاستقلال بها ما كانت لتصمد في وجه أيّ دولة أوروبية لو قررت احتلال أراضيها، ولا سيما أن أولئك الحكام أو الولاة لا يظهر أنهم كانوا ينوون

بناء دولة متكاملة الأركان، بقدر ما كانوا يريدون الحكم منفردين وخلع طاعة أيّ حاكم أعلى، ولو كان معنى ذلك الدوس على مصلحة

أهالي تلك البلاد. ويعني وجود أولئك الحكام إلى جوار المقاطعات اللبنانية تعريضها للخطر الغربي وجعلها غنيمة مغرية للدول الغربية،

وخاصة أن زعماء محليين عدة كانوا لا يتوانون عن مد أيديهم لمعونة أيّ طرف معادٍ للعثمانيين، كما أثبتت تجربة المعنيين، وعلى

رأسهم الأمير فخر الدين الثاني. ويبدو أن الدولة العثمانية، من خلال تجربتها المريرة معهم، ما كانت لترضى بتولي أمير مسيحي إمارة جبل لبنان، لتضمن لنفسها حكامًا موالين في منطقة أثارت المتاعب لها منذ سنوات حكمها الأولى في المشرق العربي. غير أنّها سكتت

عن تولّي الأمير يوسف بسبب انشغالها بالحرب مع روسيا، على أن تعود إلى حل هذه المسألة ما إن تضع الحرب أوزارها؛ إذ وقع منه خلال الحرب والأوضاع المضطربة في المنطقة ما جعلها تحرص على تولية إمارة الجبل لشخص يُحتمل ولاؤه لها أكثر من عصيانه. كانت تولية الجزار إيالة صيدا ضرورة ملحة، بغضّ النظر عن طموحاته الشخصية وخصاله التي يُجمع المؤرخون والكتّاب

الذين عاصروه عليها؛ فهو بطّاش لا يميل إلا إلى الحلول العسكرية، ويتلاعب بالأمراء والزعامات المحلية تحقيقًا لأغراضه، وفي الوقت نفسه لا يتحدى السلطة العثمانية العليا ولا يُشهر عصيانها أو يتصل بالغرب، فكان لمطامعه وطموحاته سقفٌ وضعه بنفسه ولم

يتجاوزه. لذا بدا ملائمًا لضبط أوضاع المقاطعات اللبنانية بسطوته القوية، وللحيلولة دون تفكير الزعامات المحلية بالعصيان خوفًا من

انتقامه السريع، ثم التلاعب بهم بما يخدم مصالحه، ويضمن عدم استقرارهم، على نحو يحول دون استقرار الغرب وعملائه المحليّين

على شخص يستعينون به ضد السلطنة في جبل لبنان.

111 المرجع نفسه، ص 1025 - 1026. 112 المرجع نفسه، ص 1028 – 1030.

المراجع

العربيّة

ابن حوقل، أبو القاسم محمد البغدادي الموصلي. كتاب صورة الأرض. ط 2. ليدن: مطبعة بريل، 1938. أبو شقرا، يوسف. الحركات في لبنان إلى عهد المتصرفية، وهي شهادة درزية صريحة في مخطوطة تلم بحوادث لبنان وأحواله يدلي بها من رواة الدروز شاهد عيان. تحقيق عارف أبو شقرا. بيروت: [د. ن].، 1952. بازيلي، قسطنطين. سوريا ولبنان وفلسطين تحت الحكم التركي من الناحيتين السياسية والتاريخية. ترجمة يسر جبر. بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1988. الجبرتي، عبد الرحمن بن حسن. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. تحقيق شموئيل موريه. القدس: الجامعة العبرية، 2013. الحاج، ساسي سالم. الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية. مالطة: مركز دراسات العالم الإسلامي، 1991. حلاق، حسان وعباس صباغ. المعجم الجامع في المصطلحات الأيوبية والمملوكية والعثمانية ذات الأصول العربية والفارسية والتركية. بيروت: دار العلم للملايين، 1999. الحميري، أبو عبد الله محمد بن محمد. الروض المعطار في خبر الأقطار. تحقيق إحسان عباس. ط 2. بيروت: مؤسسة ناصر للثقافة، 1980. الدبس، يوسف. الجامع المفصل في تاريخ الموارنة المؤصل. ط 4. بيروت: دار لحد خاطر، 1987. الزركلي، خير الدين. الأعلام: قاموس تراجم. ط 15. بيروت: دار العلم للملايين، 2002. زهر الدين، صالح. تاريخ المسلمين الموحدين الدروز. ط 3. بيروت: المركز العربي للأبحاث والتوثيق، 2007. سرهنك، إسماعيل. حقائق الأخبار عن دول البحار. القاهرة: المطبعة الأميرية ببولاق، 1314 ه. سلمان، توفيق. أضواء على تاريخ مذهب التوحيد. بيروت: [د. ن].، 1963. سنّو، عبد الرؤوف. "العلاقات الروسية العثمانية (1678 – 1878): سياسة الاندفاع نحو المياه الدافئة". تاريخ العرب والعالم. السنة

7، العددان 73 - 74 (1984). الشهابي، حيدر بن أحمد. لبنان في عهد الأمراء الشهابيين. تحقيق أسد رستم وفؤاد أفرام البستاني. بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 1969. الصباغ، عبود. الروض الزاهر في تاريخ ظاهر. تحقيق محمد عبد الكريم محافظة وعصام مصطفى هزايمة. إربد: دار الكن يد للنشر والتوزيع، 1999. الصليبي، كمال. تاريخ لبنان الحديث. ط 7. بيروت: دار النهار للنشر، 1991. ضاهر، مسعود. الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية. بيروت: معهد الإنماء العربي، 1981.

ضناوي، محمد علي. قراءة إسلامية في تاريخ لبنان والمنطقة: من الفتح الإسلامي ونشأة المارونية حتى 1840. طرابلس: دار الإيمان، 1985. ضو، بطرس. تاريخ الموارنة الديني والسياسي والحضاري. بيروت: دار النهار للنشر، 1970. طقوش، محمد سهيل. تاريخ العثمانيين: من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة. ط 2. بيروت: دار النفائس، 2008. فريد بك، محمد. تاريخ الدولة العلية العثمانية. تحقيق إحسان حقي. ط 10. بيروت: دار النفائس، 2006. قرألي، بولس. فخر الدين المعني الثاني أمير لبنان وفردناندو الثاني أمير تسكانا 1621 – 1635. حاريصا: مطبعة القديس بولس، 1938. قطان، باسيليوس. مصادر تاريخية لحوادث لبنان وسوريا: من سنة 1745 إلى سنة 1800. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1929. كحالة، عمر رضا. معجم المؤلفين: تراجم مصنفي الكتب العربية. بيروت: مكتبة المثنى؛ دار إحياء التراث العربي، 1957. مشاقة، ميخائيل. تاريخ حوادث الشام ولبنان، أو تاريخ ميخائيل الدمشقي: 1192 – 1257 ه. تحقيق وتقديم أحمد غسان سبانو. بيروت: دار قتيبة، 1981. مفرّج، طوني. موسوعة قرى ومدن لبنان. بيروت: دار نوبليس، 2002. معلوف، إلياس موريس. الآباء اليسوعيون: من الإيمان إلى المعرفة. بيروت: دار الفارابي، 2013. الناصري، أبو العباس أحمد بن خالد. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997.

الأجنبية

Anderson, R. C. Naval Wars in the Levant 1559-1853. Princeton: Princeton University Press, 1952. Burns, Ross. Damascus: A History. London: Routledge, 2005. Cohen, Amnon. Palestine in the 18 th Century: Patterns of Government and Administration. Jerusalem: The Magnes Press, 1973. Crecelius, Daniel. A Study of the Regimes of 'Ali Bey al-Kabir and Muhammad Bey Abu al-Dhahab, 1760-1775. Minneapolis/ Chicago: Bibliotheca Islamica, 1981. Davies, Brian L. The Russo-Turkish War, 1768-1774. New York: Bloomsbury Academic, 2016. Doumani, B. Rediscovering Palestine: Merchants and Peasants in Jabal Nablus. Berkeley: University of California Press, 1995. Du Quenoy, Paul. "Arabs under Tsarist Rule: The Russian Occupation of Beirut, 1773–1774." Russian History. vol. 41, no. 2 (2014). Glassé, Cyril & Huston Smith. The New Encyclopedia of Islam: A Revised Edition of the Concise Encyclopedia of Islam. Lanham, MD: AltaMira Press, 2001. Harris, William. Lebanon: A History, 600-2011. New York: Oxford University Press, 2012.

Hathaway, Jane & Karl Barbir. The Arab Lands under Ottoman Rule: 1516-1800. London: Routledge, 2013. Joudah, Ahmad Hasan. Revolt in Palestine in the Eighteenth Century: The Era of Shaykh Zahir Al-ʻUmar. Marietta, GA: Kingston Press, 1987. Knecht, Robert J. Fancis I. New York: Cambridge University Press, 1982. Lusignan, Sauveur. A History of the Revolt of Ali Bey, against the Ottoman Porte: Including an Account of the Form of Government of Egypt; Together with a Description of Grand Cairo, to which are Added, a Short Account of the Present State of the Christians who are Subjects to the Turkish Government, and the Journal of a Gentleman who Travelled from Aleppo to Bassora. London: The Author, 1783. Masters, Bruce. The Arabs of the Ottoman Empire, 1516-1918: A Social and Cultural History. New York: Cambridge University Press, 2013. Mikaberidze, Alexander (ed.). Conflict and Conquest in the Islamic World: A Historical Encyclopedia. Santa Barbara, CA: ABC-CLIO; Bloomsbury Publishing, 2011. Mishaqah, Mikha'il. Murder, Mayhem, Pillage, and Plunder: The History of the Lebanon in the 18 th and 19 th Centuries. William McIntosh Thackston (ed.). Albany, NY: State University of New York Press, 1988. Persen, William. "The Russian Occupations of Beirut, 1772-74." Journal of the Royal Central Asian Society. vol. 42, no. 3-4 (1955). Philipp, Thomas. Acre: The Rise and Fall of a Palestinian City, 1730-1831. New York: Columbia University Press, 2013. Salzmann, Ariel. Tocqueville in the Ottoman Empire: Rival Paths to the Modern State. Leiden/ Boston: Brill, 2004. Schroeder, Paul W. The Transformation of European Politics 1763-1848. New York: Oxford University Press, 1994. Smilianskaya, Irina, Michael Velizhev & Elena Smilianskaya. Russia in the Mediterranean: The Archipelago expedition of Catherine the Great. Moscow: Indrik, 2011. Touma, Toufic. Paysans et institutions féodales chez les Druses et les Maronites du Liban du XVIIe siècle à 1914. Beirut: Publications de l'Université Libanaise, 1971.