غزة أمام التاريخ
Gaza Faces History
الملخّص
* أستاذ وباحث في الفلسفة والعلوم السياسية والجمليات.
Abstract
Professor and Researcher in Philosophy, Political Science, and Aesthetics. skhairiabdelmajid@gmail.com
- غزة
- التاريخ
- الحرب
- النكبة
- الصهيونية
- الإبادة
- Gaza
- History
- War
- Nakba
- Zionism
- Genocide
Gaza Devant L ' histoire. العنوان الأصلي: الناشر: Québec , Éditeur Lux.
مقدمة
في حوار مع موقع Poste Au، يعترف المؤرّخ الإيطالي، إينزو ترافيرسو، بأنه ألّف كتابه غزة أمام التاريخبغير قليل من الغضب، وعلى وجه الاستعجال، مخالفًا بذلك قاعدةً لدى المؤرّخين تقتضي كتابة التاريخ بعد سنوات من البحث وتجميع المادة وتحليلها وتفسيرها وفحص المصادر؛ ذلك لأنّ "كتابة تاريخ الأحداث الكبرى تستلزم الوقت، والمصادر المتاحة والثابتة، ونظرة مباعدة، واستعادة نقدية لا بد منها" (ص. 11). ولذلك فهو يصف عمله بأنه كتاب موقف situation en livre un، نشأ تأمّلًا في حدث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والإبادة التي أعقبته، وهو يستند إلى ملاحظة "الاستعمالات العمومية للماضي" الذي يفرضه التعامل مع الأحداث، والتفكير فيما "يمنحنا التاريخ من أدوات لفحص الحاضر" (ص. 11) ويبيّن المؤرّخ أنّ إسرائيل، التي تدمّر غزّة، تُقَدَّم على أنها ضحية "أكبر مذبحة في التاريخ بعد الهولوكوست" (ص. 16). إنها وجهة نظر تُوصَف بأنها "منشقّة، بالمعنى الذي لا تتلاقى فيه مع بدهيات ذلك الجزء الصغير من العالم، المدعو بالغرب الذي يزعم أنه يحتكر ليس السلطة فحسب، وإنما أيضًا الأخلاق" (ص. 11). ويعدّ الكتاب تحليلًا وإدانة ل "خطاب سائد يجعل من 7 تشرين الأول/ أكتوبر نوعًا من عيد للغطاس سلبي، وظهور مفاجئ للشرّ من حيث تنبع حرب تعويضية" (ص. 18). ويؤكد أنّ "تدمير غزة ليس إلا تتويجًا لمسار طويل من القهر والاجتثاث" (ص. 18).
أولًا: قضايا الكتاب ومنهجه
كتاب غزة أمام التاريخهو تحقيق مضادّ حول الحرب المتواصلة على غزة، يعتمد على تنشيط الذاكرة واستدعاء التاريخ ليضع الكلمات في مكانها الأصلي، سواء من خلال المماثلات التاريخية أو الإحالات الجيوسياسية، أو اقتفاء أثر الخطابات والأكاذيب التي تُشيعها وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل والسردية الصهيونية، ومن خلال فضح التضليل والدعاية المغلّفة بأيديولوجيا اليمين المتطرّف. وهو تحقيق يؤكد أنّ سردية 7 تشرين الأول/ أكتوبر لا تبدأ من هذا التاريخ، وإنما تعود بجذورها إلى زمن بعيد، وتحديدًا إلى الفترة 1947 - 1948؛ إذ بدأت معاناة شعب اغتُصبت أرضه علنًا، وهي ترتبط بمسألة الصهيونية وعلاقتها بالاستعمار والإمبريالية. ومن ثمّ، يُعتبر هذا الكتاب بمنزلة ملف تاريخي وسياسي مناهض للصهيونية وعرّابيها من القوى الإمبريالية، ويصلح أيضًا مرافعةً لملاحقة إسرائيل ومجرمي الحرب على غزة أمام المحاكم الدولية، كما حدث في حالة ملاحقة النازيين في محاكمة نورمبيرغ، أو مع محاكمة -"راسلسارتر" الرمزية لجرائم الولايات المتحدة الأميركية في فيتنام، وذلك لأنه يدعم قول الحقيقة ورؤية الواقع كما هو. صحيح أنه ليس ببيان سياسي ولا بدليل مناضل، لكنه يرسم معالم تحالف بين ما يسميه "الجنوب العالمي" global Sud Le وكل أولئك الذين عبّروا عن تضامنهم مع الفلسطينيين ورفضهم حربَ الإبادة الجارية أو التحدث باسمهم من اليهود بالخصوص. يفتتح المؤرّخ كتابه بقصيدة "صمت من أجل غزة" لمحمود درويش، وبتصدير يضع من خلاله القارئ في صورة الأوضاع العامة والشخصية التي أحاطت بكتابة هذا النص. ويؤكد أنّ الأمر يتعلق ب "تفكير نق يد حول الحاضر والكيفيات التي تم بها استدعاء التاريخ لتأويله". صحيح أنه تبلور، على عجل، بسبب جلل الحدث، لكنه ضروري في النهاية ولا يمكن تأجيله. هكذا يتفحّص المؤلّف، ضمن تقليد سارتري كما يقال، الحدث من زوايا متعددة تاريخية، وسياسية واستراتيجية، ليس من أجل تسليط الضوء على حقيقة حرب الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون فحسب، إنما أيضًا لتحفيز الفعل من أجل وقف الجريمة قبل فوات الأوان.
يسترجع الفصل الأول، "جّلا دون وضحايا" (ص 13 - 28)، قصة الملايين من الألمان الذين طُردوا بعد الحرب من بلدان أوروبا الوسطى نحو بلدهم الأصلي المدمّر، حيث عانى مواطنوهم الويلات من جراء سنوات الحرب وفقدوا كل شيء. وقد استغل الفيلسوف البارز، مارتن هايدغر، المشتبه بعلاقته بالنازية، هذه المعاناة "لقلب الأدوار وتقديم ألمانيا على أنها ضحية لعدوان خارجي". وهو ما دفع الفيلسوف اليساري اللامع، هربرت ماركيوز، لوقف مراسلاته معه معتبرًا موقف هايدغر تموقعًا "خارج اللوغوس" وخارج "البُعد حيث من الممكن قيام حوار بين كائنات بشرية". وها هي الصحافة الغربية تتماهى مع الدعاية الإسرائيلية، وتقدم إسرائيل على أنها ضحية "لأكبر مذبحة في التاريخ بعد الهولوكوست"، في حين تفرض حكومات غربية مثل ألمانيا وفرنسا وغيرها، تحت طائل "منطق الدولة"، رقابة صارمة على الآراء النقدية وتلاحق كل من يتبنّى روايات مضادة للسردية الصهيونية أو يتضامن مع الفلسطينيين منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر. ولا تتردد في انتهاك مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتشدّق بها كل يوم، حين يتعلق الأمر بتبرير دعمها غير المشروط لإسرائيل، حتى إنّ السخرية السوداء تقول إنّ ألمانيا لا تتردّد في الوقوف إلى جانب الجّلا د، كلّما حدثت إبادة في مكان ما لينسى العالم ما اقترفته دولتها من مجازر في حق شعوب وجماعات بشرية مختلفة. والحال أنّ مؤرّخ الغد سيكون عليه أن يمحّص جيدًا هذا الانقلاب في الأدوار بين الضحايا والجّلادين من الأمس إلى اليوم؛ وفي هذا يقول المؤلّف بلهجة ساخرة، ذلك أنّ "الأغلبية الساحقة من كتّاب الأعمدة والمحللين صاروا 'هايدغريين' بميلهم إلى مبادلة المعتدين بالضحايا، مع خلاف بسيط، وهو أنّ المعتدين الحاليين ليسوا هم المنهزمين وإنما المنتصرون". و في الفصل الثاني، "الاستشراق" (ص 29 - 50)، يذكر المؤلّف أنّ الفرق بين المرحلة التي كتب فيها إدوارد سعيد عن الاستشراق واليوم، هو أنه في القرن العشرين كان "الغرب الغازي يزعم نشر أنواره، بينما اليوم يُصوّر نفسه قلعةً محاصرة"، ولا يقبل أن تُمسّ ربيبته "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" بسوء، بينما يُدير حكّامه ظهورهم لقرارات الأمم المتحدة، حين يتعلّق الأمر باتّهام الكيان المصطنع بارتكاب إبادة أو جرائم حرب. ويؤكّد المؤرّخ أنه بينما تتكرر التصريحات بشأن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فإن لا أحد يبالي بحق الفلسطينيين في "مقاومة عدوان استمر لعقود، لأنه لا أحد يعترف بأن للفلسطينيين تاريخًا". وللتمويه، يُعيد الخطاب الاستشراقي صياغة المواجهة التقليدية بين "الحضارة والبربرية" في صورة المواجهة بين "الديمقراطية الغربية" و"الإرهاب الإسلامي"، وبثّها على أوسع نطاق. وهنا يعود المؤلّف إلى بعض الأساطير المؤسّسة والداعمة لهذا الجسم الغريب والكيان الاستعماري، الذي أرادت أوروبا من خلاله تسديد دينها الثقيل إلى اليهود، قبل أن تسلمه إلى سيدها الصاعد، الولايات المتحدة، لتدير بوساطته صراع مصالح وتنافسًا بين القوى العظمى والقوى الإقليمية. وهذه الأساطير مزيج من الحجج الدهرية والدينية، من قبيل العودة إلى الأرض الأولى لليهود التي احتلها الفلسطينيون، وتلفيقات النزعة الاستعمارية، كالتفوق العرقي للأوروبيين على العرب. واليوم، يعمل الاتجاهان الدهري والديني معًا في إطار يقول المؤلّف إنه "مشروع ثيولوجي - سياسي يتّخذ طابعًا راديكاليًا ومخلصًا". ومن أجل تهيئة الأجواء لهذا المشروع، يكشف الفصل الثالث، "منطق الدولة" (ص 51 - 60)، عن تحوّل ذكرى الهولوكوست في دول الاتحاد الأوروبي إلى "ديانة مدنية للديمقراطية وحقوق الإنسان"، وقد فقدت اليوم معناها الأصلي لتقترن "بالدفاع عن إسرائيل ومكافحة معاداة الصهيونية، باعتبارها شكلًا لمعاداة الساميّة". والمثير أنّ الدعم اللامشروط لإسرائيل أضحى بالنسبة إلى بعض حكّام الدول الأوروبية بمنزلة "منطق الدولة" raison - Staats، كما أفصح عن ذلك مستشارا ألمانيا الاتحادية، أنغيلا ميركل، وأولاف شولتز، بكل ما يعنيه ذلك، في فلسفة منظّري هذا المبدأ، من تضحية بالمبادئ الأخلاقية الخاصة باسم مصلحة عليا للدولة، أو "مصلحة قوة بصفة عامة". ولعل هذا الأمر يحيلنا إلى تاريخ الأكاذيب التي تحيط بكل حرب، وتحديدًا إلى ما كتبه مارك بلوخ، بحسب ما جاء في الفصل الرابع، "الأخبار الكاذبة حول الحرب" (ص 61 - 66)، من أنّ البشر يعبّرون، بطريقة لاشعورية، عن أحكامهم المسبقة وأحقادهم ومخاوفهم وغيرها من المشاعر القوية، من خلال الخطأ الذي ينتشر ويتضخّم في مجتمع توفّر له ثقافته أرضية خصبة
للانتعاش. والحال أنّ عددًا من وسائل الإعلام الغربية، بما فيها الجدّية، نشرت قصصًا ملفّقة عن نساء حوامل جرى انتزاع أحشائهن، وأطفال قُطعت رؤوسهم، ورُضّع ألقي بهم في الأفران، محمّلين مقاتلي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" المسؤولية عنها. وزعم صحافيو القنوات التلفزيونية حصولهم على صور مرعبة، يتحفّظون على نشرها، تفاديًا لصدمة المشاهدين. ولعل هذا يُذكّرنا بما درسه المؤرّخون بخصوص "القتل الطقوسي" للأطفال الذي أشيع عن اليهود من العصر الوسيط إلى روسيا القيصرية. وعلى الرغم من أنّ القصص الكاذبة التي أذاعها الجيش الإسرائيلي، وتلقّفها من دون تمحيص قادة دول غربية واستعملوها في خطاباتهم، سيجري كشف حقيقتها بعد أسابيع، فإن ما بُني عليها من حملات مناهضة للفلسطينيين وتشويه مقاومتهم لم تجرِ مراجعته، بل استمرّ الدعم السخيّ لإسرائيل بذريعة حقها في الدفاع عن نفسها. في الفصل الخامس، "مناهضة الصهيونية ومعاداة الساميّة" (ص 67 - 80)، يتصدّى المؤلّف للخلط المشين الذي تعمّدت الصحافة، خاصة التلفزيونية، إشاعته على نطاق واسع بشأن معاداة الساميّة والمظاهرات المناهضة للاحتلال الإسرائيلي لغزة، من خلال تعمّد تصوير موجة عارمة من معاداة الساميّة بصدد الانتشار في العالم بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر. وهي بذلك تُسهم، من حيث تريد أو لا تريد، في "تحبيبها" عند جمهور غاضب من مجازر الحرب بتجاهلها وجود أعداد مهمة من اليهود في تلك التظاهرات. وهذا بالتحديد ما فعلته هذه الصحافة مع الحركة الطلابية الأميركية على نحو ما قامت به خلال حقبة الحرب الأميركية في فيتنام، مع فارق في الشكل فقط: معاداة الساميّة حلّت مكان تلفيقات الشيوعية والشمولية. والحال أننا بصدد "معاداة ساميّة متخيّلة" تحوّلت إلى سلاح "تجريم نقد إسرائيل" (ص. 70). وبالنظر إلى التركيبة المتنوعة للحركة المناهضة للحرب، فإن الخلط المتعمّد بين معاداة الساميّة ومناهضة الصهيونية حجر يُراد به ضرب ثلاثة أهداف/ اتجاهات: مناهضة الاستعمار، ومناهضة العنصرية، ومناهضة التماثلية اليهودية. والمفارقة التي يقف عندها المؤلّف في الزمن الراهن هي أنّ اليمين المحافظ، مثلما اليمين المتطرّف، وريث معاداة الساميّة في أوروبا، أضحى مدافعًا شرسًا عن الصهيونية بعدما استبدل عداءه لليهود بعداء المهاجرين والمسلمين، وهو لا يتردد في قمع أي تضامن مع الفلسطينيين حين يكون في السلطة، كما في إيطاليا أو فرنسا والولايات المتحدة. ويعدّ الاستشراق سببَ كل الأكاذيب ذات الصلة؛ إذ هو "التربة الخصبة للأساطير، والأكاذيب والقصص الملفّقة المحيطة بهذه الحرب" (ص. 77)، ومنها مماثلة معاداة الصهيونية بمعاداة الساميّة وكراهية الغرب وبالأصولية. لذلك يعود المؤلّف في الفصل السادس، "العنف، الإرهاب، المقاومة" (ص 81 - 104)، إلى المفاهيم التي شكّلت دائمًا موضوع سجالات قوية، حيث ينعقد الجهد الفلسفي بالموقف السياسي والحس النق يد، وربما هو الفصل الأهم في الكتاب. فالاشتباك الدلالي بين المفاهيم الثلاثة: العنف، والإرهاب، والمقاومة، يجعل فرز المواقف من الأحداث والأفعال، في غياب تدقيق زاوية النظر وتحديد موقع الرؤية، أمرًا على درجة كبيرة من الصعوبة. فلدينا مقاومة مشروعة، تستعين بوسائل غير ملائمة ومرفوضة في إطار نضال مشروع ضد احتلال غير شرعي، وهو ما يذكّر بالنقاش القديم حول العلاقة بين الوسيلة والغاية، حيث ينبغي التأكيد أنّ جدلية هذه العلاقة لا تسمح بأيّ وسيلة لتحقيق غاية محددة، ومن ثمّ يستدرك المؤلّف "لا يمكن تحقيق الحرية بقتل الأبرياء بوعي". وفي المقابل، لا يجعلنا هذا نغفل عن أّن 7 تشرين الأول/ أكتوبر هو "نتيجة لعقودٍ من الاحتلال، والاستعمار، والقهر، والإذلال"، وأنّ "إرهاب حماس ليس إلا المضاعفة الجدلية لإرهاب دولة إسرائيل". وعلى الرغم من تشديده على إدانة كل أنواع الإرهاب، فإنه يرفض "مساواة عنف حركة تحرر وطني بعنف جيش الاحتلال، لأن مشروعيتهما ليست واحدة". والمسألة الأهم هي أنّ "جرائم الأولى تتمثّل في استعمال وسائل غير مشروعة؛ بينما تتمثّل عند الثاني [جيش الاحتلال] فيما ينجم عن غائيته الخاصة". وإذا كانت عودة العنف لا تبعث على الفرح، فلا يمكن تبخيس المنعطف التاريخي الذي عبّر عنه ولا تفسيره بالأصولية الإسلامية أو معاداة الساميّة، مثلما لا يمكن تجاهل لجوء إسرائيل، المحسوبة على العالم الغربي،
إلى لغته وأحكامه العنصرية لتسقطها على الفلسطينيين، كما يكشف الفصل السابع، "ذاكرات متقاطعة" (ص 105 - 114)، ومن ثّم تقلب الأدوار والمفاهيم؛ إذ تصوّر نفسها ضحيةً، كما لو أنّ اليهود هم أقلية مضطهدة في عهد القياصرة، وتُصوّرُ حماس على أنها تجسيد للنازية. وتعمل إسرائيل بجهد على تثبيت هذه الصور في ذاكرة اليهود، بموازاة نهجها الثابت لسياسة الاستيطان وضمّ القدس الشرقية وتدمير غزة والتطهير العرقي؛ بما يجعل حلّ الدولتين مستحيلًا من الناحية الموضوعية، وهو ما يخلص إليه المؤلّف في الفصل الثامن والأخير "من النهر إلى البحر". ويُعيد هذا الوضع إلى الذاكرة ما طالب به المفكر الفلسطيني سعيد من دولة علمانية ثنائية الهوية، تضمن مساواة تامة بين اليهود والفلسطينيين سبيلًا وحيدًا للسلام، وهو بالتحديد معنى الشعار "من النهر إلى البحر، فلسطين حرة".
ثانيًا: الكتابة التاريخية والحدث الجاري بين الموضوعية والموقف الأخلاقي
حُرّر الكتاب في ربيع 2024 بالإيطالية، وتُرجم إلى الفرنسية، ونُشر في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، وهو ليس كتاب تاريخ بالمعنى التقلي يد المتعارف عليه، ولا تأريخًا للحرب أو الإبادة، بقدر ما هو تأمّل في الحاضر في ضوء التاريخ، ومن خلال الأدوات المتاحة لمؤرّخ أوروبا المعاصرة. يثير عنوان الكتاب، في المقام الأول، إشكالية التأريخ لحدثٍ لا يزال جاريًا؛ إذ يتطلّب ذلك توافر مصادر موثوقة، وهو أمر غير متاح في الوقت الراهن. ومن ثمّ، لا يتعلق الأمر هنا بكتاب تاريخ، بل بتدخّل يعمل في اتجاهٍنقيض للخطاب السائد في الغرب المتخم بالدعاية والتضليل وأيديولوجيا اليمين المتطرّف، يستدعي التاريخ والذاكرة، ويتعقّب أصل الكلمات والمماثلات التاريخية، ويستثمر الإحالات الجيوسياسية من أجل إنجاز تحقيق مضادّ حول 7 تشرين الأول/ أكتوبر والحرب على غزة. يُظهر المؤلّف أنّ توصيف هجوم حماس بالمذبحة، وإدراجه ضمن تاريخ الاضطهاد الذي تعرّض له اليهود إلى غاية الهولوكوست النازي، يُراد منه إنكار حقيقة الاستعمار الصهيوني وما يعانيه الفلسطينيون منذ عام 1948 من قهر وتقتيل وتهجير وكل أنواع الإذلال، وما تقترفه إسرائيل من إبادةٍ جماعية وتطهيرٍ عرقي. ويصف المؤرّخ المشهد التراجي يد الذي أعقب عملية حماس، مبيّنًا أنّ التحقيق يكشف أنّ "كل شيء كان مخططًا له: تدمير الطرقات، والمباني، والمدارس، والمستشفيات، والجامعات، والمتاحف، والآثار، وحتى المقابر مسحتها الجرافات؛ وقطع التزوّد بالماء والكهرباء والغاز والمحروقات، والإنترنت، والحرمان من الغذاء والأدوية؛ وترحيل أكثر من 8. 1 مليون من مجموع 4. 2 مليون من سكان قطاع غزة نحو الجنوب، حيث تعرّض هؤلاء من جديد للقصف، والأمراض والأوبئة والمجاعة [...]. وحينما عجز الجيش الإسرائيلي عن اجتثاث حماس، عمد إلى تصفية الأنتليجنسيا الفلسطينية من الجامعيين، والأطباء، والتقنيين، والصحافيين، والفنانين، والمثقفين، والشعراء". وعلى الرغم من الدعاية الواسعة الموظّفة لتبرير الهمجية الصهيونية، فإن العدوان المتواصل على الفلسطينيين في غزة أطلق حملة واسعة من التضامن العالمي معهم من الجنوب إلى قلب الغرب الأوروبي، وأيضًا في الولايات المتحدة؛ فقد عادت حركة التضامن إلى وهجها غير المسبوق منذ الحرب الفيتنامية، وخصوصًا في الجامعات؛ حيث أدرك الطلاب أنّ "فعلهم حاسم لوقف المجزرة، وأنّ تظاهراتهم ليست تعبيرات تضامنية بسيطة فحسب، وإنما أيضًا انتفاضة مرتبطة عضويًا بالمقاومة الفلسطينية". يمكن أن يخرج المؤرّخ من عاداته بالمخاطرة، خاصة إذا تخلّص من وهم علم محايد أكسيولوجيًا (ص. 11). ومثل هذا الموقف نسجّله عند المفكر العربي الفلسطيني عزمي بشارة بوضوح أكبر، وبقلق مضاعف؛ لأن صاحبه ليس باحثًا أكاديمًّيًا بأجندات علمية فحسب، بل أيضًا حامل قضية وصاحب سيرة طويلة من النضال السياسي والاشتباك اليومي مع حياة الفلسطينيين، كما وجدنا الموقف
نفسه عند إدوارد سعيد الذي رفض الوقوع في فخّ "حياد لغة العلوم الاجتماعية". ونكاد نجد تأكيد الانحياز إلى الحقيقة، بصرف النظر عن المنطلقات والدوافع القيمية، في جلّ أعمال بشارة؛ ذلك أنه لا يرى بًّدًا من ترك الحياد الأكسيولوجي الزائف كلما تعلّق الأمر بقضية لها علاقة بالقهر والغبن والظلم، فكيف بقضية يتداخل فيها الموضوعي بالشخصي، وتجمع كل دلالات القضية الإنسانية الأكثر تعبيرًا عن تداخل الاضطهاد الديني والاستعمار وإرادة التطهير العرقي والإبادة الشاملة وغير ذلك! ربما تفوّقت محاولة بشارة في هذا الباب على عدد من الأعمال الغربية، ليس لأنها نجحت في تجاوز القلق الناجم عن السير الحذر على حدود العلميّ الأكاديميّ، والسياسيّ الأخلاقيّ العمليّ فحسب، وإنما أيضًا لأنها عملية شاقة تتصدّى لأساطير الرواية الصهيونية بالحزم نفسه الذي تُعرّي به أوهام الخطاب العربي الرسمي حول طبيعة الصراع مع إسرائيل والمشروع الصهيوني، قبل أن تنفتح على سؤال: ما العمل؟ فقد تطلّب التدقيق في الرواية الإسرائيلية للحدث، وكيف تلقّفتها وسائل الإعلام المنحازة إلى الكيان، مراجعةً شاملة لمنشورات مختلف الأطراف ذات الصلة وتصريحاتها، بما في ذلك ترجيح وقوع تجاوزات في أثناء تنفيذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر نتيجة انهيار مثير للدفاعات الإسرائيلية، سمح بتسلّل غوغاء لا سلطة لحماس عليهم، مع شرح مفصّل لأسباب الانهيار ونتائجه. وفي هذا الإطار، يركز بشارة على المكاسب السياسية غير المخطط لها ل "طوفان الأقصى"، وهي إفشال تهميش القضية والتضامن الشعبي العالمي غير المسبوق منذ النكبة، بينما يؤكد الضرر الناجم عن تجاوزات المقاومة ولا يتردّد في نقد التبرير اللاأخلاقي ل "استهداف المدنيين بالقتل أو التنكيل" باسم حق المقاومة، كما يرفض إدانة هذه المقاومة "في إطار خطاب سياسي لا يعترف بحق المقاومة"، مبرزًا الفرق بين الإشادة بها من منطلق الحق، ورفض الأفعال غير الأخلاقية التي تأتي في الغالب من جمهور المقاومة غير المنظم أو من خارجها، من منطلق أخلاق التحرر. تقتضي الموضوعية العلمية النقدية تحرّي الحقائق وتحاشي الانتقائية واعتماد المناهج العلمية المتاحة، بما يسمح بتجنّب الاستسلام لأحكام القيمة والمواقف الأيديولوجية والابتعاد عن التحليل المنطقي. فالحياد في قضايا العدل والاضطهاد والاستعمار يصير موقفًا لاأخلاقيًا، كما أنّ "الموضوعية لا تُعرّف بعدم انحياز الباحث أخلاقيًا، بل تُعرّف بالمنهج العلمي". ولم يمنع ذلك بشارة من تناول هذه القضية بأقصى درجات التجرّد، حيث لا يتعارض الالتزام الأخلاقي والسياسي للباحث مع قواعد النهج الموضوعي في تقصّي الحقائق وبناء المعرفة وفحص الفرضيات. وقد كان النظر إلى فلسطين، من منظار الحقيقة والعدالة، دليلًا على أنّ الانحياز الموضوعي هنا لا يسمح بتشويه الحقيقة من خلال الاستسلام لإغراء المساومة السردية بدعوى الموضوعية الكاذبة؛ لأن وجود مشروع استعماري استيطاني صهيوني حقيقة لا تقبل أيّ تعديل أو مناورة سردية لكسب العطف، كما أنّ أيّ حلّ سياسي للقضية يتجاوز العدالة بما يخص الشعب الفلسطيني وتحرره ليس إلا مناورة لربح الوقت وإهدار طاقات المقاومة. فقضية فلسطين ليست بمعضلة يتوقف حلّها على ابتكار حلول عملية أو تقنية أو مفاوضات مرحلية، بل هي قضية عدالة تاريخية وسياسية نجمت عن مشروع استعماري وغبن لحق بشعبها نتيجة تواطؤ أطراف متعددة.
ثالثًا: لماذا الكتابة عن غزة؟
قد لا تصحّ المقارنة بين عمل المؤلّف وأعمال باحثين كبار متخصّصين أو من أصحاب القضية، لا من جهة القرب أو الاختصاص، ولا من جهة المعايشة والقدرة على فهم السياقات وإنتاج الفهم والتأويل والمتابعة المتواصلة لقضية وطنية يتداخل فيها الانتماء والوجدان بالفعل والمعرفة والموقف، لكن ذلك لا يُقلّل من قيمته الأخلاقية والسياسية. يقرّ المؤرّخ نفسه بأنه ليس متخصّصًا في الشرق الأوسط (ص. 10)، وأنّ ما حفّزه على كتابة هذا النص المكثّف، هو تأويل حرب غزة وما أثارته لديه التعبئة التي فرضتها الحرب لترسانة مفاهيمية ومعجمية لها علاقة بتاريخ القرن العشرين، مثل الإبادة ومعاداة الساميّة والصهيونية والإرهاب. فقد وجد المؤرّخ نفسه معنًّيًا بها أكثر بسبب اشتغاله بها مدة سنوات، وخاصة أنّ استخدامها في السجال الراهن تميّز بالتعسف والتوظيف المضلّل والمزيف؛ وهو ما يستدعي التدخل لتقديم التوضيحات اللازمة؛ ذلك أنه من واجب المؤرّخ أن يضع ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر في سياقه الحقيقي، حيث يتعلق الأمر ليس بانفجار مفاجئ للكراهية المترسّخة في النفوس، بل "بمأساة تم تحضيرها على نحوٍ ممنهج من جانب أولئك الذين يحرصون اليوم على تقديم أنفسهم ضحايا. وهي مأساة ما تزال متواصلة، ومن الأهمية القصوى ألا يتم قلب الأدوار" (ص 19 - 20). ويفرض الواجب كذلك تفكيك السرديات الاستعمارية والروايات الاستشراقية، مع العمل على إعادة بناء معنى بعض الكلمات والمفاهيم التي جرى تزويرها أو تحويرها لتخدم المقصدية المضمرة في الخطابات الرائجة عن حدث 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ومن ذلك كلمة Pogrom التي استعملت لوصف هجوم حماس، حيث يتم قلب الأدوار؛ إذ إنّ الكلمة تُحيل تاريخيًا على عنف سلطة قمعية ضد أقلية، بينما ما حدث كان في الواقع عنف أقلية ضد السلطة التي تضطهدها منذ زمن بعيد، و"الذي ليس إلا البطانة الجدلية لإرهاب الدولة الإسرائيلية" (ص. 89). إنه عنف لا يتردد المؤرّخ في شجبه بلا مراوغة بسبب استهداف المدنيين والإساءة للنضال الفلسطيني. لكنه في الوقت نفسه كان حاسمًا في موقفه من حماس؛ إذ لا يشك في أنها من المقاومة الفلسطينية. وباعتباره يساريّا، فهو يؤكد شرعية حمل السلاح ضد المحتل، المنسجمة مع القانون الدولي، وذلك بالتحديد ما فعلته حماس بصفتها حركة مقاومة، بصرف النظر عن وجود أشكال من العنف غير مقبولة ولا تخدم في غالب الأحيان قضية المقهورين. فالحقيقة أنّ ما وقع في 7 تشرين الأول/ أكتوبر "لم يأت من العدم، بل هو نتيجة قصوى لعقود من الاحتلال والاستعمار والقهر والإذلال" (ص. 84)، وهذا ما سبق أن أكده بشارة بوضوح. فالقضية ليست وليدة عام 1967، وبالأحرى لم تبدأ في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، بل قضية استعمار استيطاني يسعى إلى الاحتلال والتطهير العرقي والتهجير القسري للسكان وإحلال الأقلية مكان الأغلبية ضدّا لمنطق الحقيقة والحرية والمساواة. وليست عملية طوفان الأقصى بعمل معادٍ للساميّة، وإنما ردّ فعل على عقود من الاحتلال وسياسات الاستيطان والفصل العنصري وحصار قطاع غزة، ومن ثمّ لم يكن تدمير غزة مجرّد ردّ فعل على هذه العملية، بل سلوكًا يندرج في إطار مسار طويل من الاجتثاث وانتزاع الفلسطيني من أرضه. ومن ثمّ، لا يمكن التساهل مع التفسيرات الجوهرانية التي تربطه بالأصولية الإسلامية أو معاداة الساميّة، مثلما أنّ الرد على هذا الفعل لا يمكن وصفه بالحرب، كما يُروّج في خطاب الاحتلال والقوى الغربية المتواطئة وإعلامهما؛ لأن "مفهوم الحرب [...] غير مناسب تمامًا لتعريف ما يحدث في غزة؛ فلا يوجد جيشان يتواجهان، إنما آلة حرب جبّارة ومتطوّرة تعمل على التصفية الممنهجة لمجموع المراكز الحضرية المأهولة بحوالى مليونين ونصف المليون من الأشخاص. إنه تدمير أحادي، متواصل ومحتوم. فلسنا أمام جيشَين؛ نظرًا إلى الفارق الكبير بين جيش الدفاع الإسرائيلي وحماس" (ص. 26). وسواء أقرّت بذلك القوى الحليفة للكيان الغاصب أم أنكرت، فإننا أمام إبادة جماعية؛ ذلك لأنّ "الشعب الفلسطيني في غزة مستهدف بمجزرة مخططة وشرسة، مقتلع، ومحروم من
الشروط الدنيا للبقاء. ولنكرر ذلك، الحرب الإسرائيلية على غزة تحمل سمات الإبادة الجماعية" (ص. 34). إنها حرب تروم محو الآخر وإعدامه بعد تجريده من إنسانيته وصبغه بالحيوانية، بموازاة ترويج سردية تقلب الوقائع وتزيّف الحقيقة بما "يجعل من إسرائيل ضحية وليس معتديًا" (ص. 77). غير أنّ المؤرّخ متفائل بهذا الشأن؛ لأن القضية الفلسطينية التي ظلت زمنًا طويلًا مطموسة ومنسية "صارت قضية الجنوب العالمي" (ص. 43)، بعدما اخترق شعار "من النهر إلى البحر، فلسطين حرة" كل الفضاءات. يُعاب على الكتاب أنه يسترجع بلا تحفّظ الرواية الإسرائيلية التي زعمت أنّ منفّذي عملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر ارتكبوا أعمال اغتصاب للنساء، وروّجها الإعلام الغربي وردّدتها "أبواق" حكومات الدول المناصرة لإسرائيل على نطاق واسع من دون أن يظهر أي أثر لأدلة على هذه المزاعم، بينما لم تسمح حكومة الكيان بإجراء تحقيق مستقل لتأكيد مزاعمها. ومع أنّ المؤلّف يؤكد بوضوح أن لا شيء من كل ذلك في النهاية ينتقص من شرعية العمل المسلّح ضد المحتل الغاصب، مستحضرًا القصص المفبركة والأكاذيب التي أذاعتها أجهزة الدعاية الصهيونية، ومذكرًا كيف جرى فضحها فيما بعد وكشف آليات فبركتها، على نحو ما قام به بلوخ بخصوص القصص التي فبركها الألمان إبّان الحرب العالمية الأولى، فإنه يشدّد على أنّ عملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر كانت أكثر دموية من مجزرة دير ياسين أو بقية المذابح المماثلة التي اقترفتها الإرغون عام 1948، وأن لا شيء يبررها؛ إذ يتعلق الأمر باستعمال "وسائل مستهجنة وغير ملائمة في إطار نضال مشروع ضد احتلال غير شرعي، لاإنساني وغير مقبول". وهنا، مع الأسف، لا يبتعد كثيرًا عن التأطير المشوّش للحدث الذي انساق إليه فيلسوف محسوب على اليسار مثل إدغار موران، وإن كان ليس بالسوء الذي وقع فيه الألماني يورغن هابرماس وصحبه في بيان "الفضيحة" المعلوم. يقيم المؤلّف مماثلات بين وقائع من تاريخ معاناة اليهود في أوروبا وتاريخ اضطهاد الصهيونيين للفلسطينيين، من قبيل التماثل بين تدمير الجيش الإسرائيلي لغزة وتشطيب غيتو فارسوفيا على يد الجنرال يورغن شتروب Stroop Jürgen في نيسان/ أبريل 1943، وبين المقاتلين الفلسطينيين الذين يخرجون من الأنفاق لمواجهة جيش الاحتلال الذي يعاملهم على أنهم "حيوانات" وبين مقاتلي الغيتو من اليهود.
خاتمة
يعدّ كتاب غزة أمام التاريخ نوعًا من التأمّل النق يد في الحاضر واستعمالات الماضي، ويقدّم فحصًا للمفاهيم والكلمات التي يُستخدم عن طريقها الماضي لتملّك الحاضر، انطلاقًا من إسقاطات ومماثلات يُراد بها قلب الأدوار بين الجّلاد والضحية، وذلك بصرف النظر عن بعض النواقص المرتبطة بظروف تأليفه. ويستند الكتاب إلى خلفية تاريخية، لكنه وُضع على عجَلٍ بوازع أخلاقي، يسير في اتجاه مضاد للخطاب السائد في الغرب حول الحرب العدوانية على قطاع غزة والمتغذّي من خرافات اليمين المتطرّف وصناعة معاداة الساميّة والتضليل المعمّم، بهدف تعرية الحقائق المزيّفة والأحكام المبتورة والتلفيقات الأيديولوجية للآلة الدعائية الصهيونية وحلفائها في وسائل الإعلام الغربية.
المراجع
العربية
_______. قضية فلسطين: أسئلة الحقيقة والعدالة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024.
الأجنبية
بشارة، عزمي. الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024.
Saïd , Edward W. La question de Palestine. Jean-Claude Pons (trad.). Paris: Sindbad, 2010.