Return to Article Details World History: Themes and Methodologies through the History of Objects

التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خلال تاريخ الأشياء

World History: Themes and Methodologies through the History of Objects

عمرو عثمان

Amr Osman

الملخّص

تسعى هذه الدراسة لاستعراض موضوع وأهمية التاريخ العالمي وتطوره كتخصص تاريخي فرض نفسه على أكثر كبريات الجامعات الغربية في العقود القليلة الماضية، ولم يلق اهتممًا يُذكر في العالم العربي. كم أنها تناقش الاتجاهات المختلفة في كتابة التاريخ العالمي والشروط الواجب توافرها في دراسةٍ ما، حتى يمكن عدّها مساهمة فيه. كم تسعى الدراسة إلى استعراض نمط من أنماط دراسة التاريخ العالمي؛ إذ يُدرَس من خلال دراسة تاريخ شيءٍ ما، كسلعة مادية أو حركة اجتمعية. تتعرض الدراسة باختصار لأمثلة لهذا النمط من دراسة التاريخ العالمي، وتسعى لعرض متطلباتها وتحدياتها ومناقشتها كنمط غير معتاد في دراسة التاريخ. كم تسعى لإبراز الجوانب الإيجابية لمثل هذه النوعية من الدراسات لدراسي التاريخ الساعين إلى التجديد والخروج من الأطر التقليدية لدراسته. إنّ الطرح الأساسي هنا هو أنّ هذه النوعية من الدراسات تحقق كث ا من المزايا، أبرزها الخروج بالدراسات التاريخية من الأطر المحليّة الضيقة إلى آفاق دراسة التاريخ العالمي. وعلى المستوى التربوي، تساعد هذه النوعية من الدراسات على تنمية المهارات الإبداعية والبحثية، وتقليص التحيزات المسبقة، وتشجيع الدراسة المقارنة والبينية للتاريخ.

Abstract

This article explores World History as a growing field within contemporary historical studies, one that is virtually absent in Arab universities. The history, themes, sources and methodologies of World History are here explored, as studied in specialized centers in many Western universities. Referring to leading studies on World History, as well as historians who have made significant contributions to its development in the US and Europe, the author highlights the importance of this relatively new field and its connection to global developments over the preceding few decades. Attention is given to one particular approach where the history of an object or idea is used to make broader conclusions about the history of a particular region or that of the entire world, with the author relying on the specific examples of studies on glass and salt that situate their histories within the framework of world history. According to the author, the study of World History, not only as a field of historical research, but also as a pedagogical tool, can contribute significantly to the training of young historians in comparative and inter-disciplinary history, as well as improve their critical thinking skills and their ability to make broad observations about and connections between historical events, and to dispel erroneous preconceived notions.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ العالمي
  • الجامعات الغربية
  • الكتابة التاريخية
  • تاريخ الأشياء
Keywords:
  • World History
  • Western universities
  • Historiography
  • The history of things

موضوعه ومناهجه ودراسته من خلال تاريخ الأشياء

مقدّمة

في سنة 2002، أصدرت دار نشر جامعة كولومبيا كتابًا بعنوان Glass: A World History لكاتبيه آلان ماكفرلين وجيري مارتين1Alan Macfarlane and Gerry Martin. يروي هذا الكتاب قصة العالم من خلال تتبّع استخدام الزجاج من جانب الحضارات المختلفة، قديمًا وحديثًا، وكيفية تأثّر استخدام الزجاج بالاحتياجات المادية والثقافية لتلك الحضارات، وصولً إلى العصر الحديث والطفرة التي حدثت في صناعة الزجاج، وما لا غنى عنه من دور راح يؤديه في مناحٍ شتى في الحياة الحديثة. وفي كتاب آخر بعنوان الملح: تاريخٌ عالمي2Salt: A World History، يربط الكاتب مارك كورلانسكي Mark Kurlansky، في سياق عرضه قصة الإنسان مع الملح، والعملية الطويلة التي تبدأ بإنتاجه وتمر بتجارته وتنتهي باستهلاكه، نمط علاقات القوة الاقتصادية والعسكرية بعملية إنتاج الملح وتجارته على مدار التاريخ، أتمثّل ذلك في حروب نشبت من أجل الحصول عليه، أم في ضرائب باهظة فُرضت على إنتاجه واستهلاكه. المشترك بين هاتين الدراستين هو اتخاذ شيء ما نقطة انطلاق لدراسة "التاريخ العالمي"، على خلاف الدراسات التاريخية التقليدية التي تقوم على دراسة الدول أو الحضارات أو العلاقات أو الأفكار. وعلى الرغم من أنّ دراسة تاريخ الأشياء تصلح لدراسة تاريخ الدول والحضارات، فإنّها أكثر صلاحية لدراسة ما يُطلَق عليه "التاريخ العالمي"، لأنّ الأشياء ذات الأهمية غالبًا ما تتجاوز الحدود الوطنية، وربما تتجاوز الحدود الحضارية أيضًا. بناءً على ذلك، يجب الحديث بدايةً عن ذلك التخصص في دراسة التاريخ، أي التاريخ العالمي، كي تتجلّ الصلة بينه وبين دراسة التاريخ من خلال الأشياء.

التاريخ العالمي

تُعدُّ دراسة التاريخ العالمي حديثة نسبيًّا3؛ فنحن لا نستطيع التحدث عنه كما نفهمه اليوم إلا انطلاقًا من القرن الثامن عشر، وهو ما أُطلقت عليه في حينه عبارة "التاريخ الكوني " Universal History. وقد كان ذلك الاهتمام بالتاريخ العالمي مرتبطًا بنظرة أوروبا إلى نفسها على أنها مركز العالم Euro-centrism؛ فالتاريخ الأوروبي هو التاريخ الحقيقي للإنسان، لأنه في نظر الأوروبيين التاريخ الوحيد الذي جسّد سعي الإنسان إلى الحرية. وهكذا، تنتمي مناطق العالم الأخرى إلى هذا التاريخ بمقدار تأثرها بأوروبا في ذلك، وهو ما حدث عندما اكتشفت أوروبا تلك المناطق و استعمرتها4. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، التي قضت على ما يزيد على خمسين مليونًا من البشر، تبنّت منظمة اليونسكو كتابة ما أطلقت عليه

. وكان الهدف من History of the Scientific and Cultural Development of Mankind5تاريخ التطور العلمي والثقافي للإنسان""

هذا المشروع هو تأكيد الإرث المشترك للإنسانية، وعرض التاريخ العالمي بوصفه تجربة إنسانية مشتركة6. ربما كانت هذه هي المحاولة

  1. Alan Macfarlane & Gerry Martin, Glass: A World History (Chicago: University of Chicago Press, 2002).
  2. Mark Kurlansky, Salt: A World History (New York: Penguin Books, 2003).
  3. بدأ تنظيم المؤتمرات العلمية الدورية المتخصصة بدراسة التاريخ العالمي في بداية تسعينيات القرن العشرين. انظر: Bruce Mazlish, "Comparing Global History to World History," The Journal of Interdisciplinary History , vol. 28 , no. 3 (1998), p. 394.
  4. William H. McNeill, "The Changing Shape of World History," History and Theory , vol. 34 , no. 2 (May, 1995), p. 11. يعلق ويليام ماكنيل McNeill. William H – وهو من أشهر مؤرخي التاريخ العالمي المعاصرين وأكثرهم غزارةً – على ذلك قائلً إنّ الحرية في هذه النظرة إلى التاريخ حلّت محل الله باعتبارها القوة المحركة لأحداث التاريخ (بعد أن قام فيكو وفولتير وجيبون وهردر بعلمنة التاريخ في القرن الثامن عشر)، وحلّت الشعوب الحرة محلّ المسيحيين المتدينين في دراما الفداء التاريخية (المرجع المذكور، ص 2 1)؛ انظر أيضًا: Louis Gottschalk, "Writing World History," The History Teacher , vol. 2 , no. 1 (1968), pp. 17 - 23.
  5. للاطلاع على تاريخ هذا المشروع ومنتجه النهائي، انظر موقع اليونسكو الإلكتروني، شوهد في: 12 / 3 / 2014، على الرابط: http://www.unesco.org/culture/humanity/html_eng/projet.htm
  6. Gottschalk, "Writing World History," p. 17 ; Niels Steensgaard, "Universal History for Our Time," The Journal of Modern History , vol. 45 , no. 1 (1973), p. 73.

الأولى من نوعها لكتابة التاريخ العالمي بهذا الهدف. ولا يخفى كيف يمكن لمشروع كهذا أن يثير مشكلات كثيرة بالنسبة إلى المشتركين فيه، حيث لا رؤية واضحة لأي منهاجية لكتابة ذلك التاريخ، ولا تجربة سابقة يمكن الاستفادة منها. كما أنّ الهدف المعلن من ذلك العمل، أي إثبات ترابط تاريخ البشر حتى يمكن كتابته كتاريخ موحد، لم يكن محل إجماع حتى من المشاركين في العمل أنفسهم7. لم تبدأ الجامعات الغربية تقديم التاريخ العالمي كتخصص مستقل في دراسة التاريخ إلا منذ ثمانينيات القرن العشرين8. وقبل ذلك الوقت، كان هناك مقررات لتاريخ العالم، ولكنها كانت مقررات متفرقة لا تشكل تخصصًا مستقلًّ بذاته9. وقد انتشرت هذه المقررات بعد الحرب العالمية الثانية وانحسار الإمبريالية الغربية (بصورتها المباشرة التي عُرفت بها خلال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين) بسبب مزاحمة المستعمرات السابقة للدول الاستعمارية في تشكيل أحداث العالم الكبرى، والشعور بضرورة تدريس تاريخ تلك الدول للجميع بعدما كان مقتصرًا على العاملين في المستعمرات10. وقد استمر بعض تلك المقررات في التطور من مقررات الحضارة الغربية الموجودة في الجامعات بالفعل، بمعنى أنه استمر تقسيم العالم على أساس مركزية أوروبا (أوروبا والعالم الغربي عامة في مقابل سائر العالم، أو the West vs. the Rest، كما يقال في اللغة الإنكليزية)11. وعلى الرغم من بدء انتشار مقررات التاريخ العالمي، كان انتشار هذا التاريخ، كتخصص تاريخي توفره أقسام التاريخ لطلابها خلال ثمانينيات القرن العشرين، بطيئًا في الجامعات الغربية. وقد عبّ عن ذلك البطء كثير من المقالات العلمية التي عكست قدرًا كبيرًا من الأسف والحسرة على انعدام الاهتمام به بالقدر الكافي12. ولا نعدم وجود مقالات تتحدث عن ضرورة البدء في الاهتمام بتدريب من يقومون بتدريس التاريخ العالمي على استيعابه، علاوة على تدريبهم على طرق تدريسه كفرعٍ مستقل من فروع التاريخ13. وعلى الرغم من أن الاتجاه العام كان ينحو بوضوح إلى الاعتراف بالتاريخ العالمي كتخصص مستقل، فإن الشك فيه ظل مستمرًا، وتحدث بعض المؤرخين عن كثير من المآخذ بشأنه14. بيد أننا نستطيع أن نقول إنّ التاريخ العالمي اليوم فرض نفسه على أغلب الجامعات الكبرى، إذ تَفِي تلك الجامعات كتخصص لطلاب الدراسات العليا، وتَفِي كذلك بأعضاء هيئة التدريس القادرين على تدريسه. كما تنشئ بعض الجامعات مراكز متخصصة بدراسته وتدريسه. أضف إلى ذلك الدوريات العلمية المتخصصة، والمؤتمرات التي تُعقد لعرض ما هو جديد في ما يخصها، ومناقشة قضاياه الموضوعية والمنهجية.

  1. يناقش لويس جوتشاك Gottschalk بعض تلك المشكلات في مقالته: " Writing World History."
  2. بدأ ذلك أساسًا في الولايات المتحدة حيث أُسست جمعية التاريخ العالمي Association World History في هاواي الأميركية سنة 982 1، وهي تُصدر دوريةالتاريخ العالمي Journal of World History، ثم انتقل إلى بريطانيا وسائر الدول الأوروبية بعد تردد وشكوك في بعض الدول كفرنسا، انظر: Chloé Maurel, "La World/ Global History: questions et débats," Vingtième Siècle: Revue D’histoire , no. 104 (2009), pp. 153 - 154. لا بدّ أن نذكر هنا أيضًا محاولات باكرة لتطوير مقررات دراسية في التاريخ العالمي (كمنحتين قدمتهما مؤسسة كارنيغي إلى جامعة نورث ويسترن الأميركية Northwestern University لدراسة مشكلات تدريس التاريخ العالمي وتطوير مقررات لتدريسه. انظر: يضيف ستافريانوس أنه كان ثمة شك في إمكانية تدريس التاريخ العالمي في ذلك الوقت (المرجع المذكور، ص 411).
  3. أسس المؤرخ باتريك ماننغ Patrick Manning في سنة 994 1 أول مركز لدراسة التاريخ العالمي بجامعة نورث إيسترن Northeastern University الأميركية، وهو أيضًا أحد أعلام التاريخ العالمي المعاصرين. ويمنح هذا المركز درجة الدكتوراه في التاريخ العالمي. وقد انتشرت تلك المراكز في كثير من الجامعات الأميركية والغربية بعد ذلك.
  4. Stavrianos, "The Teaching of World History", p. 111.
  5. يؤكد صامويل أوبنهايم Samuel Oppenheim في منتصف تسعينيات القرن العشرين أنّ أغلب مقررات التاريخ العالمي حتى وقته تطور من مقررات الحضارة الغربية، وهو ما يعكس تحيزات الغرب الذي ينظر إلى نفسه على أنه امتلك دائمًا زمام المبادرة في علاقته بالحضارات الأخرى (ولذلك يتم التركيز أكثر على التاريخ الحديث والمعاصر للعالم، حيث سيطرت أوروبا فعليًا وتفوقت تكنولوجيا على أغلب مناطق العالم). ويعني هذا أنّ الحضارات الأخرى كانت دائمًا في حالة ردة فعل في ما يخص علاقتها بالحضارة الغربية (وهنا يصرح أوبنهايم بأن ذلك الاعتقاد يمكن الرد عليه بقوة في ما يخص علاقة الإسلام بأوروبا). انظر: Samuel A. Oppenheim, "World History in Theory and Practice: An Essay," The History Teacher , vol. 29 , no. 3 (1996), p. 316.
  6. انظر، على سبيل المثال: T. E. Vadney, "World History as an Advanced Academic Field," Journal of World History , vol. 1 , no. 2 (1990), pp. 209 - 210.
  7. James Krippner-Martínez, "Teaching World History: Why We Should Start!" The History Teacher , vol. 29 , no. 1 (1995).
  8. انظر، على سبيل المثال: Philip Pomper, "World History and Its Critics," History and Theory , vol. 34 , no. 2 (1995), pp. 1 - 7. حيث يردّ فيها بومبر على منتقدي التاريخ العالمي.

مما يؤسف له أنّ الجامعات العربية لا تهتم، كما يبدو، بهذا التخصص على الإطلاق. لا تبرز زيارة المواقع الإلكترونية لأقسام التاريخ (عادة في كليات الآداب) في كثير من البلدان العربية أي حضور ل "التاريخ العالمي" كتخصص مستقل، بل إن هذه الجامعات لا تقدم أصلً مقررات باسم التاريخ العالمي، ناهيك فضلً عن أن تقدمه كتخصص قائم بذاته. كان من الطبيعي، إذًا، ألا يفلح البحث عن مقالات علمية تتناول التاريخ العالمي في الوصول إلى شيء ذي قيمة كبيرة15؛ فإذا كانت الجامعات لا تهتم به كتخصص مستقل، فلا دافع لأساتذة التاريخ كي يبحثوا فيه ويؤلفوا؛ ذلك أنّ التخصص في التاريخ العالمي يتطلب قدرًا كبيًا من العلم والوقت والجهد، وهو ما لا يمكن أن يكون متاحًا من دون دعم مؤسسي للمهتمين به. بيد أنّ غياب الاهتمام بالتاريخ العالمي في العالم العربي قد لا يبدو مفاجئًا؛ فالواقع أنّ دراسة التاريخ العالمي لا تتلاءم بالضرورة مع النظرة إلى التاريخ بوصفه جزءًا من عملية تعميق الانتماء الوطني للدول القومية الحديثة16.وقد ظهرت هذه النظرة في أوروبا في واقع الأمر، ولكنها تعكس أزمة معروفة في علاقة العرب، وكثير من الشعوب الأخرى، بالحضارة الغربية؛ ففي حين يستطيع الغرب تجاوز أفكاره – بما في ذلك ما اعتبُر في وقت ما مسلمات وبديهيات – وتطويرها والبناء عليها، فإننا نظل دائما أسرى أفكار الحداثة الغربية وما ارتبط بها من مؤسسات. وفي أيّ دراسة عن التاريخ العالمي، كما سنرى، يجري البحث عن القوى المحركة للتاريخ بصورة تتجاوز الشعوب والدول، وهو ما قد يسبب تلك الحساسية لمن يرفض أن ينظر إلى حضارته على أنها جزء من مغامرة الإنسان على الأرض، فضلً عن أنّه ينظر إلى تاريخ دولته العريق كجزء ضئيل من تلك المغامرة؛ فلا تتم الإشارة إليه إلا في عبارة أو اثنتين في دراسات التاريخ العالمي. كما لا يتلاءم التاريخ العالمي مع النظرة إلى التاريخ بوصفه مجرد تحقق من معلومات وفرضيات تاريخية معينة، والاهتمام بالتفصيلات الخاصة بالدول والأشخاص والأحداث التاريخية. فالتاريخ العالمي، في بعض صوره كما سنرى، لا يهتم دائمًا بالتفصيلات بقدر اهتمامه بالصورة العامة للصيرورة التاريخية، والظواهر العابرة للمناطق الجغرافية وللتقسيمات العرقية والدينية والقومية والوطنية. معنى ذلك أنّ دراسة التاريخ العالمي تتطلب قدرًا من إعادة النظر في مفهوم علم التاريخ وهدفه، وهو ما قطعت فيه المؤسسات التعليمية ومراكز الأبحاث الغربية شوطًا كبيرًا. ولذلك تتناول الفقرات التالية موضوع التاريخ العالمي والاتجاهات المختلفة في كتابته، ونبذة من منهاجيته وفوائده. في الدراسات المتعلقة بموضوع التاريخ العالمي، اختفت الآن تقريبًا التسمية القديمة، أي Universal History، التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر. والتسميات المتداولة الآن هي ما يمكن أن نطلق عليها عبارة "التاريخ العالمي" (التي تقابلها عبارة World History في اللغة الإنكليزية، و l’histoire mondiale في اللغة الفرنسية، و Weltgeschichte أو Globalgeschichte في اللغة الألمانية)، وما يمكن أن نطلق عليه "التاريخ من منظور عالمي"، وهي الترجمة المقترحة ل " History Global ". وعلى الرغم من أنّ بعض المؤرخين يستخدم التسميتين للمعنى نفسه17، فإنّ مؤرخين آخرين يفرقون بينهما. على سبيل المثال، يعرض بروس مازليش Bruce Mazlish ل  History Global على أنه أعم من World History، فخلافًا لكلمة Globe التي تشير إلى الكرة الأرضية كلها، قد تُطلَق كلمة World على بعض مناطق العالم (كما نتحدث عن العالم القديم والعالم الجديد، والعالم الأول والعالم الثالث)، كما يمكن أن تُطلَق على عالم

  1. أرجو أن أكون مخطئًا في ذلك، لكن من المعروف أنّ العثور على الدراسات العربية في محركات البحث في الدوريات العربية – المحدودة نوعًا ما وإن كانت تتطور بصورة تدعو إلى التفاؤل – ليس بسهولة البحث عن المقالات في الدوريات الغربية. لم يصل البحث عن مقالات تتناول التاريخ العالمي في "المنهل" و"المنظومة" و"المعرفة" (وهي محركات البحث المتاحة للباحث) إلى شيء مفيد في هذا الإطار، باستثناء مراجعة حصة العطية لكتاب بيتر غران Peter Gran صعود الأغنياء: رؤية جديدة للتاريخ العالمي The Rise of the Rich: A New View of Modern World History، انظر: مجلة عمران، السنة 1، العدد 4 (2013)، ص 255-260.
  2. يؤكد أوبنهايم ذلك، معتبرًا أنّ من الطبيعي أن تولي كل دولة أهمية أكبر للحضارة التي تنتمي إليها، إذ مثلما يسعى التاريخ لإعداد الطالب للحياة في العالم المعاصر، فإنه يسعى أيضًا لإعداده للحياة في مجتمعه بصفة خاصة: Oppenheim, "World History in Theory and Practice," p. 317.
  3. انظر، على سبيل المثال: -73 pp. 72 ," Steensgaard, "Universal History for Our Times.، حيث يستخدم ستينسغارد التسميتين، إضافةً إلى Universal History، للإشارة إلى الشيء ذاته.

متخيل (كالعالم الآخر)18. في هذه النظرة، قد يتعامل ال Global History مع ظاهرة العولمة globalization متتبعًا أصولها الأولى إلى أبعد نقطة ممكنة في التاريخ، كما يمكن أن يتعامل مع العمليات processes الكبرى التي يجب دراستها على نطاق عالمي، لا على نطاق محلي أو وطني أو إقليمي19. في هذه النظرة، التحكمية إلى حدٍّ بعيد، يكون World History هو تاريخ الحضارات، بينما Global History هو تاريخ البشر على الكرة الأرضية، وهو التعريف نفسه ل World History لدى كثير من المؤرخين اليوم20. على الرغم من تشديد المؤرخ الألماني سباستيان كونراد S. Conrad على ترادف World History و Global History – كما يظهر ذلك جليًّا في تشابه المقالات العلمية المنشورة في دوريتي Journal of World History و Journal of Global History – فإنه يقول إنّ التفريق بينهما يمكن أن يكون على أساس موضوع كل منهما ومنظوره؛ ف World History يهتم بالمقارنات على المستويات الكبرى macro- comparisons، ولا يهتم كثيرًا بالروابط connections بين الحضارات أو المناطق الجغرافية أو التجمعات البشرية موضوع الدراسة. على الجانب الآخر، يهتم Global History أكثر بالمنظور العالمي global perspective في دراسة أي موضوع تاريخي، سواء أكان ذلك حدثًا أم حضارة أم أي شيء آخر. يفترض هذا الاتجاه الأخير أنّ للتغيير دائمًا أبعادًا تتجاوز نطاق الحضارة التي يحدث في إطارها، وهو يسعى كذلك إلى دراسة الروابط بين الحضارات والبحث عن البعد العالمي في موضوع الدراسة21. بعبارة أخرى، إذا افترضنا أنّ موضوع الدراسة التاريخية هو النفط والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثها في دولة ما، يكون التركيز على تلك التغيرات من دون الإشارة إلى أي أبعاد عالمية "تاريخًا وطنيًا"، وتكون مناقشة تلك التغيرات بالإشارة إلى النفط كسلعة عالمية أثرت في الأحداث السياسية العالمية وتأثرت بها "تاريخًا من منظور عالمي"، في حين تكون دراسة النفط كسلعة عالمية بصفة عامة، أو في إطار مقارن لا يهدف إلى التركيز على دور النفط في دولة معيّنة، "تاريخًا عالميًا". لفض الاشتباك بين هاتين التسميتين السائدتين في الأدبيات التاريخية المعاصرة، يمكن ترجمة World History ب"التاريخ العالمي"، و Global History ب"التاريخ من منظور عالمي". بيد أنّ هذا التفريق، الذي هو نفسه موضع طبيعي للاختلاف في الرأي، ليس أساسيًّا في طرح هذا البحث؛ ففي "التاريخ العالمي"، كما هي الحال مع "التاريخ من منظور عالمي"، يتجاوز ذلك التخصص بدراسة التاريخ حدود التاريخ الوطني أو القومي أو العرقي أو الديني أو الحضاري إلى آفاق أكثر رحابةً وسعةً. وفي كلتا الحالتين، لا تُعتبر دراسة صعود الإمبراطوريات والقوى الكبرى والحضارات وسقوطها تاريخًا عالميًا. كما أنّ دراسة كل حضارة على حدة لا تُعتبر تاريخًا عالميًا، تمامًا مثلما لا يمكن دراسة التاريخ العربي، على سبيل المثال، على أنه تاريخ كل دولة عربية على حدة. لذلك، ومن باب تجنب تعقيد الأمور بلا داعٍ، ستستخدم هذه الورقة تسمية "التاريخ العالمي" للإشارة إلى كل ما يُطلَق عليه في اللغة الإنكليزية World History و Global History. ترتبط النظرة الحديثة إلى التاريخ العالمي ارتباطًا وثيقًا بالعالم الذي نعيش فيه اليوم؛ ففي هذا العالم، حيث تزداد الظواهر التي لا يمكن التعامل معها على مستوى الدول أو الأقاليم – كقضايا البيئة وتجارة المخدرات والسلاح والبشر والإرهاب وخلافه – يصبح من الطبيعي الاهتمام بتتبّع الظواهر التاريخية، ودراسة تطور النظم الاقتصادية وانتشارها، إضافةً إلى دراسة كيفية تنظيم البشر أنفسهم سياسيًّا واجتماعيًّا عبر التاريخ، وتأثّر بعضهم ببعض في كلّ ذلك. هنا تظهر أهمية الظواهر العابرة للمناطق والحضارات في التاريخ البشري، مثل

  1. Mazlish, "Comparing Global History to World History," p. 389.
  2. Ibid,.
  3. ومن المصطلحات ذات الصلة أيضًا "التاريخ الكبير " Big History، أو "التاريخ العالمي الجديد" History New Global، وهما أعم من جميع التعريفات السابقة لاهتمامهما بالتاريخ الطبيعي، إذ يبدآن بما يُطلَق عليه "الانفجار العظيم" Big Bang حتى الوقت الحاضر. بشأن ذلك، انظر: Maurel, "La World/ Global History: questions et débats," p. 157. كما تجب الإشارة إلى "التاريخ العابر للمناطق" Trans-Regional History، والتاريخ العابر للقوميات Trans-National History، وهما من اهتمامات تاريخية لا تخفى صلتها بالتاريخ العالمي كما يفهمه بعض المهتمين به.
  4. سباستيان كونراد Sebastian Conrad، مقابلة شخصية، برلين، 21 شباط/ فبراير 2014. ولكونراد عدد كبير من الكتب والمقالات العلمية في التاريخ، وهو أحد مؤسسي برنامج الدراسات العليا في التاريخ العالمي بجامعة برلين الحرة في ألمانيا Freie Universität Berlin. وقد أكدت لي أيضًا مناقشة مع باتريك ماننغ Patrick Manning على هامش مؤتمر "التاريخ والدراسات البينية" (‫الذي نظمه قسم العلوم الإنسانية في جامعة قطر في الخامس والسادس من شهر مارس سنة 2014 ‬) أنّ موضوع دراسة التاريخ العالمي ومناهجها لا يزالان محلّ جدال حتى بين أعلام المهتمين والمشتغلين به.

الهجرات الكبرى والتجارة العالمية والرحلات عبر مناطق جغرافية ممتدة والجماعات التي تعيش في الشتات Diaspora Communities وخلافه22، وهي كلها من الموضوعات المفضلة والمتكررة في دراسات التاريخ العالمي. كما يمكن أن نضيف انتشار الأديان والغزو العسكري على نطاق واسع، كمحاولة بناء إمبراطوريات عالمية والتوسع الأوروبي في العصر الحديث باعتباره مؤثرًا بصورة مباشرة في الشعوب كلها تقريبًا في العصر الحديث23. وأخيرًا، قد يسعى التاريخ العالمي أيضًا إلى الوصول إلى نظرية تغير theory of change كبرى تفسر كيفية تطور العالم بالطريقة التي تطور بها، والأسباب التي جعلت ذلك ممكنًا24. بعبارة أخرى، إن الأسئلة المستترة دائمًا في الدراسات التي تسعى لكتابة التاريخ العالمي كله هي: هل كان يمكن للعالم أن يتطور بطريقة مخلتفة؟ وإن كان كذلك، فلماذا تطور بالكيفية التي تطور بها وليس بكيفية أخرى؟ وإذا لم يكن هناك من سبيل آخر للعالم، فما هي طبيعة القوى الطبيعية والتاريخية (وقد يضيف بعضهم الإلهية) التي دفعت العالم في هذا الطريق دون غيره؟ يعنى ذلك كله أنه لكي يتسنّى النظر إلى دراسة تاريخية ما على أنها تاريخ عالمي، يجب أن تستوفي هذه الدراسة مجموعة من الشروط: أولً، لا بد أن تقوم هذه الدراسة على أساس افتراض وجود تفاعل ما بين البشر منذ وجودهم على الأرض، إذ لا يمكن كتابة تاريخ عالمي إذا افترضنا تطوّر كلّ حضارة أو منطقة من مناطق العالم بمعزل عن غيرها. ولا يعني ذلك بالطبع افتراض أنّ الحضارات لم يختلف بعضها عن بعض في تطوّرها وفي تفاعلها، بل يعني أنّ ذلك التفاعل كان موجودًا دائمًا، سواء أتمثّل ذلك في الاستعارة الحضارية أم حتى في الاصطدام ببعض أفكار الحضارات الأخرى25. وبناءً على ذلك، لا تكون الدراسة عالميةً إذا جُزّئت على أساس الحضارات أو الدول، كأن تجرى دراسة عن التاريخ العالمي عن كل حضارة أو دولة على حدة26؛ فمنظور التاريخ العالمي، كما رأينا، يختلف عن منظور التاريخ الوطني حتى لو كان موضوعهما واحدًا. ثانيًا، على العكس من التأريخ المعتاد، لا يعتمد دارس التاريخ العالمي بالضرورة على مصادر أولية؛ فربما تتوافر المصادر الأولية لدراسةٍ محدَّدة الموضوع ولكنها تتبنّى منظورًا عالميًّا، أو لدراسة مقارنة تتناول أيضًا نقطةً محددةً أو مجموعة نقاط صغيرة. بيد أنّ في السعي إلى عقد المقارنات الكبرى وتتبّع الظواهر التاريخية عبر قرون كثيرة، لا يمكن أصلًالحديث عن مصادر أولية؛ فهنا يعتمد المؤرخ على المصادر الثانوية التي تدرس الحضارات والدول والأحداث التاريخية الكبرى، في محاولة لنظمها معًا في عقد واحد. ولا يخفى أنّ ذلك الاعتماد على المصادر الثانوية هو من أهم مآخذ بعض المؤرخين بشأن ذلك التخصص، لأنّ الدراسة التاريخية الجادة في نظرهم لا تقوم إلا على المصادر الأولية والمخطوطات والوثائق الموجودة في الأرشيفات التاريخية27. ولا شك في كون ذلك صحيحًا في ما يخص الدراسات التاريخية ذات الموضوعات المحددة، بيد أنّ طبيعة التاريخ العالمي تقتضي نوعًا آخر من المصادر، ونوعًا مختلفًا من المؤرخين القادرين على التحليق فوق الأحداث الجزئية وتحديد الأطر الكبرى لصيرورة تلك الأحداث.

  1. Michael Geyer & Charles Bright, "World History in a Global Age," The American Historical Review , vol. 100 , no. 4 (1995), p. 1039.
  2. Stavrianos, "The Teaching of World History," p. 115.
  3. William A. Green, "Periodizing World History," History and Theory , vol. 34 , no. 2 (1995), p. 102.
  4. انظر، على سبيل المثال: William H. McNeill, "A Defense of World History: The Prothero Lecture," Transactions of the Royal Historical Associations , vol. 32 (1980), pp. 75 - 89. لا يعرض ماكنيل McNeill هذه الفكرة كافتراض لازم لدراسة التاريخ بقدر ما هي "القوة المحركة التغير التاريخي" من وجهة نظره (ص. 78). يؤكد باتريك ماننغ Patrick Manning أيضًا فكرة تفاعل الحضارات، ويقسم ذلك التفاعل إلى صنفين أساسيين: الأولهو التصادم، تمامًا كما تتصادم كرتان فتغير كل منهما اتجاهها مع حفاظها على وحدتها، والثاني هو التلاقح، حيث تتوحد فكرتان لتنتج منهما فكرة جديدة تمامًا (كما يحدث بين البويضة والحيوان المنوي، على حد تعبيره). وهناك كثير من أشكال التفاعل الحضاري بين هذين الصنفين. انظر: Patrick Manning, "The Problems of Interaction in World History," The American Historical Review , vol. 101 , no. 3 (1996), p. 773.
  5. ولهذا السبب يصبح مصطلح "التاريخ العالمي" أفضل في دلالته من "تاريخ العالم"، لأنّ الأخير يصلح إطلاقه على دراسة حضارات أو دول العالم كل على حدة بصورة تتابعية، وهو ما يتعارض مع فكرة التاريخ العالمي المطروحة هنا.
  6. Pomper, "World History and its Critics," p. 2.

في هذا السياق، لا يُعتبر عرض القرآن، مثالً، للتاريخ تاريخًا عالميًّا، على الرغم من اهتمامه بتاريخ البشر منذ بدء الخلق حتى وقت نزوله (أي القرآن)، بل في ما وراء ذلك أيضًا؛ فعلى الرغم من كون القرآن ينظم الأحداث التاريخية كلها في سياق فكرة معيّنة وصيرورة تاريخية مستمرة تدور حول الصراع بين الخير (الإيمان والعمل الصالح) والشر (الكفر والفساد في الأرض)، فإنه يناقش تلك الأحداث في النهاية على أنها أحداث منفصلة بعضها عن بعض. أما التاريخ العالمي، فإنه يسعى، كما أوضحنا، إلى الربط الواضح بين الأحداث التاريخية الكبرى. كما لا يُعتبر تاريخ الرسل والملوكللطبري، أو البداية والنهاية لابن كثير، على سبيل المثال، تاريخًا عالميًا؛ فالتاريخ العالمي لا يرتب الأحداث بحسب السنين لأنه لا يتعامل أصلً مع أحداث جزئية. كما أن الفكرة الناظمة لهذه الأحداث من وجهة نظر المؤرخين المسلمين هي نفسها الفكرة القرآنية، وهي فكرة تُحترم بالطبع في سياقها، وإن كان التاريخ العالمي – كالتاريخ في الفهم الحديث له بصفة عامة28 – يسعى للبحث عن القوى المحركة للتاريخ التي يمكن دراستها وتحديد آثارها ولا يتعارض ذلك بالضرورة مع النظرة الدينية، فالمطلوب هو دراسة كيفية تفاعل الإنسان مع القوى الطبيعية التي هي من صنع الله في نهاية المطاف. وينطبق الشيء عينه على تًاريخ أرنولد توينبي في القرن العشرين مثل29، A Study of History Arnold Toynbee,؛ ذلك أنّ دراسته الضخمة عن التاريخ تتناول ما يمكن أن نطلق عليه تاريخ الحضارات، كلّ على حدة، حتى لو وجدت بعض الإشارات المقارنة، وليس التاريخ العالمي بالصورة المعرّف بها هنا30. لا يعني هذا على الإطلاق أنه يتعذّر على من يريد النظر إلى عرض القرآن أو على من يريد من بعض مؤرخي الإسلام والغرب النظر إلى التاريخ على أنه تاريخ عالمي أن يفعل ذلك. تعني هذه المناقشة أن الاتجاه العام في دراسة التاريخ العالمي اليوم يُنظر إليه على أنه يهدف إلى دراسة أنماط الصيرورة التاريخية العالمية لفهم القوى التي شكلت تاريخ الإنسانية منذ ظهرت، وصولً إلى عالمنا المعاصر. وربما يقدم آخرون تعريفًا آخر للتاريخ العالمي يقوم على افتراضات مختلفة بشأن طبيعة تلك الصيرورة التاريخية والقوى التي أثرت فيها، أو بشأن تفاعل (أو عدم تفاعل) الحضارات البشرية عبر العصور المختلفة، أو على أُسس منهاجية مختلفة تتطلب آلية أخرى للوصول إلى تعميمات عن تطور التاريخ العالمي. في جميع الأحوال، تتعامل هذه الدراسة مع التاريخ العالمي على أساس الطريقة التي تعرِّفه بها هنا، اعتمادًا على أنّ ذلك يعكس الفهم العام له في الدراسات الغربية اليوم، مع عدم مصادرة حقّ الآخرين في تعريفه تعريفًا مغايرًا على أسس معرفية أو قيمية أو منهاجية مختلفة31. إنّ دراسة التاريخ العالمي على قدر كبير من الأهمية. ولا يخفى أنّ دراسة تاريخ الدول والمناطق وحدها تنتج معرفةً جزئيةً بلا سياق عام ولا روابط واضحة، وهو ما قد يتسبب في معرفة مبتورة لا تتجاوز فائدتها حدًّا معينًا. ولذلك، فإنّ معرفة الاتجاهات العامة في دراسة التاريخ العالمي والتدرب على تناول الموضوعات التاريخية من منظور عالمي أمران أساسيان لأي مؤرخ جاد، حتى لو اختار بعد ذلك التخصص بتاريخ وطني أو حضاري يركز أساسًا على الأبعاد الداخلية فيه، من دون التطرق كثيرًا إلى ما يتجاوز حدود تلك الدولة أو الحضارة في ذلك. وهذا اتجاه يصعب في دراسة التاريخ الحديث، ويضعف بالتدريج مع طغيان العولمة بأبعادها المختلفة. يشبه ذلك الأمر تمامًا مهنة الطبيب؛ فقد تخوض الأغلبيّة العظمى من الأطباء في تخصصات دقيقة ترتبط أساسًا بأعضاء جسم الإنسان أو بأجهزته

  1. لا يمنع ذلك من وجود استثناءات قبل العصر الحديث، وقد تكون مقدمة ابن خلدون (ت 808 ه/ 06 41 م) من أفضل الأمثلة على ذلك.
  2. Arnold Toynbee, A Study of History (oxford: oxford university press, 1987).
  3. في سياق الحديث عن القرآن، لعل الفرق بين التركيز على أحداث التاريخ الجزئية (وهو ما تقوم به أغلب دراسات التاريخ) ودراسة التاريخ العالمي يذكّرنا بحديث الله مع الملائكة عند خلق الإنسان؛ فعندما أخبر الله الملائكة أنه "(جاعل في الأرض خليفة)"، تساءلت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، فردّ الله: (إني أعلم ما لا تعلمون)، القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 0 3. قد نرى هنا الفرق بين النظرة الجزئية إلى الأحداث المتمثلة في سؤال الملائكة وهي النظرة التي تسيطر علينا أيضًا لاهتمامنا المستمر بالأحداث الآنية، والنظرة الكلية لصيرورة تاريخية كبرى قد تخفيها تلك الأحداث نفسها إذا لم يجرِ التحليق فوقها بالصورة التي يقوم بها التاريخ العالمي. في هذه السردية، تسعى دراسة التاريخ العالمي إلى البحث في ذلك الجزء من علم الله الذي أظهره لنا من خلال مغامرة الإنسان على الأرض طوال آلاف من السنين خلت.
  4. لبعض تعريفات World History، انظر: Mazlish, "Comparing Global History to World History," والتعريف الذي تعرضه هذه الورقة للتاريخ العالمي هو تعريف جمعية التاريخ العالمي (المشار إليها سابقًا) له. بشأن ذلك التعريف، انظر موقع الجمعية على شبكة الإنترنت: شوهد في 2014 / 2 1 / 3، على الرابط: http://www.thewha.org/about-wha/what-is-world-history/

الحيوية، غير أنّ دراسة الجسم بالكامل لا غنى عنها في أي دراسة جادة للطب، إذ لا يمكن للطبيب أن يتعامل مع أي عضو في الجسم على أنه عضو قائم بذاته ولا ينظر إليه بوصفه جزءًا من كلّ، حتى وإن تخصص به. كما تستمر الحاجة إلى أطباء غير متخصصين بأي عضو من أعضاء الجسم ولكنهم قادرون على النظر إليه كوحدة واحدة، وهو ما يشبه نظرة بعض مؤرخي التاريخ العالمي إلى التاريخ البشري. وكما نوّهنا سابقًا، فإنّ الحاجة إلى دراسة التاريخ العالمي تزيد في عصرنا الحاضر، فهي توجد البُعد التاريخي للروابط العالمية الحالية. وهذه الروابط لا مفر منها الآن؛ فعالم اليوم يفرض على الدول والحضارات أن تؤثّر بعضها في بعض وتتأثر بعضها ببعض، وأن تعيد قراءة تاريخها القومي على أنه جزء من تاريخ أكبر، تمامًا كما ينظر رائد الفضاء المنتمي إلى جنسية ما إلى كوكب الأرض على أنه كوكبه، ولا يرى فيه دولته فقط، وهي قد لا تظهر له أصلً. والأمر لا يحتاج بالطبع إلى إعادة النظر في صدقية المعلومات و"الحقائق" التاريخية التي تكون خاضعةً دائمًا لإعادة النظر من جانب المؤرخ، ولكنه يحتاج إلى إعادة فهم تلك المعلومات وتسكين تلك الحقائق في سياق أوسع، بناءً على فهم مختلف لتعريف السياق الزمني والمكاني للظواهر التاريخية. وإذا كانت دراسة التاريخ العالمي مهمةً بحكم مضمونه، فإنّ لها فائدة تربوية كبيرة؛ ذلك أنّ دراسة التاريخ العالمي تساعد على تنمية القدرة على التفكير التاريخي، فهي توفر فرصة كبيرة للتفكير المقارن القادر على التمييز بين التشابهات والاختلافات، وتحديد السبب والنتيجة من خلال دراسة الاحتكاكات الحضارية والأحداث التاريخية الكبرى، وملاحظة التغير على نطاق زمني واسع. كما أنّ دراسة التاريخ تساعد على التمييز بين ما هو مهم في تطور التاريخ العالمي وما هو أقل أهميةً، وتساهم في تنمية مهارات التمييز بين الأفكار والحقب التاريخية (أي ما يُسمّى عملية التحقيب Periodization، وهي العملية التي تختلف باختلاف نظرة كلّ مؤرخ إلى الأساس الذي يجب أن تقوم عليه عملية تقسيم التاريخ إلى حقب تاريخية)، وذلك من خلال التمييز بين الطفرات الحضارية والاقتصادية التي دشنت اتجاهات جديدةً في الفكر الإنساني أو التطور التاريخي للبشر، من ناحية، والأفكار والحقب التي كانت امتدادًا لما كان قبلها، حتى لو قدمت أفكارًا جديدة، من ناحية أخرى. وأخيرًا، تساعد دراسة التاريخ العالمي على التفكير النظري العام الذي يتجاوز الأحداث الآنية ويوسع السياق الذي يُستخدم لفهم أبعاد كل ظاهرة تاريخية32. كل ذلك مشروط بأن يقوم على تدريس التاريخ العالمي معلمٌ متدرب عليه جيدًا، وإن لم يكن متخصصًا به. إنّ تجربة تدريس التاريخ العالمي من جانب أساتذة متخصصين بتاريخ دول قومية أو مناطق جغرافية فقط، ومن دون أيّ تدريب عليه كحقلٍ مستقل ذي منهاجيات مختلفة، قد أثبتت عدم قدرة هذا التاريخ على تحقيق الاستفادة المرجوّة من دراسته33. إنّ دراسة التاريخ العالمي ليست بالمهمة السهلة؛ فهي تحتاج بالفعل إلى عقل قادر على هضم كمٍّ ضخم من المعلومات، ومن ثم نظْم تلك المعلومات بطريقة تُظهر الأثر والأثر المتبادل بين الأحداث الكبرى التي أثرت في الصيرورة التاريخية العالمية، من أجل الوصول إلى تعميمات حول دينامية التطور التاريخي34. يقوم المؤرخ بذلك من دون الخوض في تفصيلات جزئية لأنّ الخوض في تلك التفصيلات هو من عمل المؤرخ المهتم بتاريخ أحداث بعينها. بمعنى آخر، يحتاج مؤلف التاريخ العالمي إلى النظر إلى تاريخ العالم، أو حتى إلى أي ظاهرة تاريخية يدرسها، نظرة الطائر الذي يحلق فوق مدينة ما، فيرى مبانيها وشوارعها الكبيرة ويستطيع تتبع تخطيطها العام ورؤية مداخلها ومخارجها المختلفة، على الرغم من أنه لا يستطيع، في الوقت نفسه، رؤية بعض التفصيلات، وذلك لا يقلل بالطبع من قدرة المؤرخ على

  1. Montserrat Marti Miller and Peter N. Stearns, "Applying Cognitive Learning Approaches in History Teaching: An Experiment in a World History Course," The History Teachers , vol. 28 , no. 2 (1950), pp. 183 - 204 ; Patricia Lopes Don, "Establishing World History as a Teaching Field: Comments from the Field," The History Teacher , vol. 36 , no. 4 (2003), pp. 505 - 525.
  2. Ibid,. p. 507 ; Jacqueline Swansinger, "Preparing Student Teachers for a World History Curriculum in New York," in The History Teacher , vol. 43 , no. 1 (2009), p. 88.
  3. وبحسب ماكنيل، فإنّ كثيرًا من المؤرخين يعزفون عن دراسة التاريخ العالمي لتعميماته التي يمكن رفضها. يرفض ماكنيل هذا الرأي، مؤكدًا أنّ ذلك التاريخ يعتمد على المصادر والحجاج والبرهنة على فرضيات وخلافه، مع الأخذ في الحسبان أن "الدليل" مفهوم مختلَف فيه بطريقة لا تقتصر على التاريخ العالمي (p. 81 ," A Defense of World History , " McNeill.).

رؤية التفصيلات، لكن ذلك يعني أنه في لحظة خوضه في تلك التفصيلات لذاتها، لا يغدو باحثًا في التاريخ العالمي بحسب تعريفه هنا35. طبعًا، لا يعني ذلك أنّالمشتغل بالتاريخ العالمي هو في حقيقة الأمر فيلسوف تاريخ؛ ففي حين يفكر فيلسوف التاريخ بشكل أكثر تجريدًا وأقل إشارة إلى الأحداث التاريخية، يشير مؤرخ التاريخ العالمي إلى الأحداث الكبرى بصفة مستمرة، ولكنه يسعى في الوقت نفسه إلى نظمها بصورة منطقية (من وجهة نظره، بالطبع) تُظهر العلاقات بينها في إطار صيرورة تاريخية كبرى. بسبب ذلك كله، ينبغي للجامعات العربية أن تبدأ الاهتمام بذلك التخصص التاريخي، لما له من فوائد معرفية ومنهجية وتربوية. على أن لا يتُرك المجال لسيطرة تحيزات حضارية معيّنة على كتابة التاريخ العالمي، وأن يقتصر دورنا على ترجمة تلك الدراسات بتحيزاتها الظاهرة والمستترة من دون أن يكون لنا القدرة على التفاعل معها من الجانب العلمي. ويتطلب اهتمام الجامعات العربية بهذا التخصص تشجيع أعضاء هيئة التدريس على البحث فيه والكتابة عنه. كما ينبغي تعزيز اهتمام الدوريات العلمية العربية المتخصصة به، وذلك بإفراد أعداد كاملة لمقالات تتناوله موضوعًا ومنظورًا. كما ينبغي على الجهات الممولة للأبحاث العلمية تمويل مشاريع الأبحاث في ذلك التخصص، وتقديم جوائز للمهتمين به؛ فمشقة كتابة تاريخ عالمي يجب أن تقابَل بتثمين وتقدير مناسبين36، هذا إن أردنا ألا نتخلف في هذا المجال كما فعلنا في مجالات أخرى كثيرة.

أنماط دراسة التاريخ العالمي

تتعدد طرق دراسة التاريخ العالمي وأنماطها. وكما أوضحنا من قبل، فإنّدراسة التاريخ العالمي لا تعني بالضرورة كتابة تاريخ البشر بكامله في إطار نظرية ما؛ فإذا كان هذا هو المطلوب، نكون في صدد الحديث عن حقل معرفي مستحيل الاستمرار. إنّ في إمكان أيّ دراسة تاريخية أن تصبح جزءًا من التاريخ العالمي إذا تبنّت منظورًا عالميًّا، ووسّعت من حدود السياق المكاني والزماني المباشر للظواهر التاريخية. وهذا ما يجعل دوريات التاريخ العالمي قادرةً على الاستمرار، وهي دوريات تقوم على دراسات تاريخية جزئية تتناول منطقةً جغرافيةً ما، أو حقبةً تاريخيةً معيّنةً أو حضارةً بعينها37، ولكنها تتّسم بما عُرض هنا من تناول لموضوعاتها من خلال مقاربة عالمية التوجه، والسعي لتسكين تلك الدراسة ذات الموضوع الجزئي في إطار ما هو معروف عن تاريخ العالم في حقبة زمنية ما. بناءً على ذلك، يعرض القسم التالي من هذه الورقة لنمطٍ من أنماط دراسة التاريخ العالمي، وهو نمط أحسب أنه غير موجود في الدراسات التاريخية العربية، القليلة أصلً والمهتمة بذلك التاريخ.

التاريخ العالمي وتاريخ الأشياء

يهدف هذا القسم من الورقة إلى التعريف بنمطٍ غير تقليدي إلى حدٍّ ما في كتابة التاريخ بصفة عامة، حيث يُدرس من خلال دراسة تاريخ شيءٍ ما. وعلى الرغم من أنّهذا النمط يصلح لدراسة تاريخ الدول والحضارات والمناطق38، فإنه أكثر صلاحية لدراسة التاريخ العالمي لأسباب سوف يتم التطرق إليها.

  1. من وجهة نظر بعضهم، فإنّ النظر إلي الأرض من الفضاء الخارجي – وهو تطور حدث في القرن العشرين – يساعد على ترسيخ هذه النظرة إلى الكرة الأرضية ككيان واحد يمكن كتابة تاريخه من دون تقسيمات على أسس جغرافية أو قومية. انظر: Mazlish, "Comparing Global History to World History," p. 390.
  2. أطلق بعض مؤرخي الغرب هذه الدعوة منذ أكثر من ثلاثين سنة. انظر: T. E. Vadney, "World History as an Advanced Academic Field," pp. 209 - 223. ويبدو أنها آتت ثمارها، كما تدل الدوريات المتخصصة بالتاريخ العالمي، والمقالات العلمية التي تنشر عنه، والمؤتمرات التي تهتم به، والدرجات العلمية التي تقدم فيه كتخصص مستقل، إضافةً إلى تزايد أعداد الوظائف الجامعة للمتخصصين به، علاوةً على تأسيس المراكز المتخصصة.
  3. بشأن مثال جيد على ذلك، انظر مقالة مارشال هدجسون عن وضع الحضارة الإسلامية (بتجلياتها المتعددة) في سياق التاريخ العالمي: Marshall G. S. Hodgson, "The Role of Islam in World History," International Journal of Middle East Studies , vol. 1 , no. 2 (1970), pp. 99 - 123.
  4. في سنة 7519، نشر المؤرخ الأميركي ريتشارد بوليت Richard Bulliet كتابًا بعنوان: الجمل والعجلة، Richard W. Bulliet, The Camel and the Wheel (New York: Columbia University Press, 1990). (أول طبعة للكتاب صدرت عن دار نشر جامعة هارفرد ثم صدرت طبعته الأخيرة المذكورة عن دار نشر جامعة كولومبيا). يناقش بوليت في هذه الدراسة كيف حلّ الجمل محلّ العجلة في الشرق الأدنى القديم نظرًا إلى ملاءمته طبيعة المنطقة الصحراوية، ولكونه أجدى اقتصاديًّا من وسائل النقل الأخرى. وقد مكّن ذلك عرب الصحراء من التواصل مع الحضارات المجاورة في الشمال قبل ظهور الإسلام، كما مكّن العرب المسلمين من بناء إمبراطورية ضخمة بدءًا من القرن السابع الميلادي.

دراسة التاريخ من خلال الأشياء

يمكن تعريف نمط دراسة التاريخ من خلال تاريخ الأشياء بأنها الدراسة التي تنطلق في كتابة التاريخ من خلال دراسة تاريخ شيء ما، كسلعة غذائية أو صناعية، أو حتى ظواهر اجتماعية كالهجرات وإلى ما هنالك؛ فبدلً من دراسة التاريخ من خلال التركيز على أشخاص أو مجموعات أو حضارات أو دول، كما هو سائد في الدراسات التاريخية، يُدرس ذلك كله من خلال دراسة شيء معيّ، قد يكون ماديًّا أو غير مادي. وليس المقصود هنا دراسة تاريخ الشيء نفسه؛ فبالإشارة إلى الدراسة المذكورة سابقًا والمتعلقة بالزجاج، يمكن التفريق بين دراسة عن "تاريخ الزجاج" ودراسة عن التاريخ (العالمي هنا) من خلال دراسة تاريخ الزجاج. تندرج الدراسة الأولى تحت ما يُسمّى History of Commodities، أي تاريخ السلع، بينما تندرج الثانية تحت التاريخ العالمي لتبنّيها منظوره وعدم التزامها بحثيًا بحدود دولة أو حضارة معيّنة (قارن ذلك بعنوان دراسة مثل "الزجاج في الحضارة المصرية القديمة"، مع عدم خروج تلك الدراسة عن حدود تلك الحضارة ولو من باب المقارنة)39. ويربط بعض دارسي التاريخ الاهتمام الحديث بدراسة تاريخ الأشياء بالاهتمام بالتاريخ العابر للدول والمناطق وهذه أنماط من التاريخ يراها بعضهم وثيقة الصلة بالتاريخ العالمي، كما رأينا، إضافةً إلى الاهتمام بالتاريخ الثقافي40Cultural History؛ فنمط دراسة التاريخ من خلال الأشياء يتجاوز بطبيعته حدود الدول والأقاليم والمناطق. والأشياء إذا بلغت قيمة ما في مكان معيّ، يجري غالبًا تبنّيها في أماكن أخرى، حتى ولو لم تحتل المكانة عينها ولا شيء يمنع أن تحتل حتى مكانة أكبر في مكان جديد غير مكان نشأتها. ولنا في كثير من السلع الغذائية أمثلة جيدة على ذلك، فهي وإن ارتبط ظهورها بدول وأقاليم معينة، تجاوزت، حتى في العالم القديم نفسه، حدود الإقليمية وأصبحت سلعًا عالميةً. كما أنّ تلك الأشياء استطاعت التأثير في الثقافة السائدة بطريقة ما؛ ففي الزجاج: تاريخ عالمي، على سبيل المثال، تناقش الدراسة كيف ارتبطت الطفرة في استخدامات الزجاج بتطور العلم الحديث والطريقة العلمية. وقد تجلت أهمية الزجاج باختراع التلسكوب الذي مكّن البشر من رؤية الأشياء البعيدة جدًا، ثم الميكروسكوب الذي مكّن البشر من رؤية الأشياء الصغيرة جدًا. بل كان الزجاج ولا يزال أداةً لا غنى عنها في التجارب العلمية لعدم تفاعله مع كثير من المواد الكيميائية، وهو من ثمّ مادة مثالية لصناعة أنابيب الاختبار وغيرها. وقد ارتبط ذلك كله (أي اختراع التلسكوب والميكروسكوب وغيرهما)، كما هو معروف، بتحدي كثير من الموروثات والأساطير التي كبلت العقل الغربي قرونًا طويلةً. بل إن الزجاج قد مكن الأوروبيين أيضًا من إطالة الفترة الإنتاجية في حياة

  1. ينطبق هذا على دراسة المستشرق الفرنسي موريس لومبارد عن صناعة النسيج في العالم الإسلامي في القرون الإسلامية الوسطى: Maurice Lombard, Les textiles dans le monde musulman du VIIe au XIIe siècle ([s. l.]: [s. n.], [s. d.]). فعلى الرغم من الامتداد الواسع للعالم الإسلامي في ذلك الوقت، فإنّ لومبارد لم يسعَ ولم يدّع السعي لكتابة تاريخ عالمي من خلال دراسة أصناف النسيج المستخدم في العالم الإسلامي حينئذ وتطور صناعتها. كما ينطبق الشيء نفسه على بعض كتابات الرحالة المسلمين وغير المسلمين بشأن بعض الأشياء في مناطق زاروها (وقد تفضلت اللجنة العلمية لدورية أسطور بالإشارة إلى دراسة لومبارد وبعض مساهمات الرحالة المسلمين). فدراسة التاريخ العالمي، كما قد يكون واضحًا الآن، تتطلب قدرًا من الوعي بحيث لا ينشغل المؤرخ بتاريخ الشيء في حد ذاته، بقدر انشغاله بالخروج من دراسة ذلك التاريخ بنتائج تساهم في فهم صيرورة التاريخ العالمي. بعبارة أخرى، كانت دراسة لومبارد حول الموضوع نفسه ستختلف لو أنه قصد كتابة تاريخ عالمي من خلال دراسة صناعة النسيج في العالم الإسلامي في تلك القرون. ولكن، كما نوهّنا من قبل، يقوم هذا الرأي على أساس تعريف معيّ للتاريخ العالمي، وهو بالتأكيد ليس ملزِمًا إلا لمن يقبل الالتزام به.
  2. انظر: Sven Beckert, "Review of Glass: A World History ," H-Net Review, https://www.h-net.org/reviews/showrev.php?id= 18971. ومن المتوقع أن يصدر لسفن بيكرت Sven Beckert – وهو أستاذ تاريخ بجامعة هارفرد الأميركية الشهيرة – كتابً بعنوان إمبراطورية القطن: تاريخ عالمي Empire of Cotton: A Global History في كانون الأول/ديسمبر 2014. وكان كتاب عن القطن كسلعة عالمية قد صدر سنة 2009 بعنوان عالم الغزل: تاريخ عالمي للأنسجة القطنية، من سنة 1200 إلى سنة 1850، 00-1850 The Spinning World: A Global History of Cotton Textiles, 12. ويرى مؤلفا الدراسة أنّ القطن كان ربما أول سلعة تصل إلى العالمية بحق. وقد صدر حديثًا، وبالتحديد في أيلول/سبتمبر 2014، كتاب بعنوان الدين والتجارة: التبادلات عبر الثقافية في التاريخ العالمي، من عام 1000 إلى 1900 Religion and Trade: 1000-1900 , Cross-Cultural Exchanges in World History لمجموعة من المؤلفين. تناقش فصول الكتاب المختلفة تأثير التجارة في عملية التبادل الثقافي بين الشعوب (هنا شعوب البحر المتوسط والمحيطين الهندي والأطلسي خلال الألفية الميلادية الثانية)، ونظرة كل شعب إلى "الآخر" الغريب والمختلف. كما تولي فصول الكتاب تطور العلاقة بين الدين والتجارة، والكيفية التي أثر كل منهما بها في الآخر اهتمامًا خاصًّا.

الإنسان، إذ كان لاختراع النظارات الطبية أثر ضخم في قدرة العمالة المتوسطة العمر على الاستمرار في العمل ربما عقدين أو ثلاثة عقود إضافية. كما ساهم تطوير صناعة الزجاج والمرايا في تطور مفهوم الفردية Individualism خلال الطفرة التي حدثت في صناعته بعد خروج أوروبا من قرونها الوسطى. وأخيرًا، ارتبط تطور الفن نفسه بتطور صناعة الزجاج، إذ أثّر استخدام المرايا على نطاق واسع في تطور ما يُسمّى "المنظور" Perspective في الفن الحديث، بمعنى الرسوم الثلاثية الأبعاد التي هي انعكاس لما تراه العين البشرية في المرآة. وبناء على ذلك كله، يصل مؤلفا تلك الدراسة عن الزجاج إلى نتيجة مفادها أنّ النهضة العلمية الحديثة في أوروبا قد ارتبطت بتطوير الزجاج واستخدامه بصورة واسعة ومبدعة. ولا يخفى كيف ارتبطت أشياء أخرى بعملية التشكل الثقافي، سواء في الحضارات القديمة أو في الحضارات الحديثة، من خلال التجارة العابرة للقارات. يمكننا أن نذكر مثالً لذلك الحرير وإنتاجه في الصين، ونقله عبر قارة آسيا المترامية حتى أوروبا، أو التوابل وإنتاجها في الهند وجنوب شرقي آسيا، ونقلها عبر القارة نفسها من خلال طرق مختلفة حتى أوروبا. ويمكننا أن نذكر أيضًا البن وكيف استُقبل بطرق مختلفة في العالم، وارتباط ذلك الاستقبال بالثقافات المختلفة، بل وحتى بالدين، كما حدث في الدولة العثمانية في القرن السابع عشر، حين جرى حظره. وهناك البخور واللبان وإنتاجهما في اليمن وغيره من البلدان، ونقلهما إلى الإمبراطورية الرومانية واستخدامهما في الطقوس الدينية. تضاف إلى ذلك أشياء أخرى معاصرة تجاوزت حدود المناطق وأصبحت سلعًا عالميةً استقبلتها ثقافات العالم وتأثرت بها بطرائق متعددة. ومن ذلك، الأقراص الطبية التي تمكّن المرأة من تجنب الحمل، وما كان لذلك من أثر ثقافي بل وفلسفي تولت الكتابات الفكرية النسوية دراسة أبعاده وآثاره المختلفة في قدرة المرأة على التحكم في جسدها وتحديد موقعها في المجتمع، بل وفي نظرتها إلى نفسها كفرد وعضو في ذلك المجتمع، ونظرة المجتمع نفسه إليها. نذكر هنا دراسة التاريخ من خلال دراسة تاريخ الأشياء باعتبارها نمطًا من أنماط التاريخ العالمي. لذلك، فإنّ الأشياء التي تهمنا هنا هي تلك التي استطاعت تجاوز حدود الإقليمية لتصبح قادرةً على التأثير والتأثر بما يحدث في ما وراء ذلك الإقليم، وربما على نطاق العالم كله. فما مزايا هذه النوعية من الدراسات كنمط لدراسة التاريخ العالمي؟

مزايا دراسة التاريخ العالمي من خلال تاريخ الأشياء

إنّ نمط دراسة التاريخ العالمي من خلال تاريخ الأشياء قادر على تقديم الكثير من الفوائد إلى المؤرخ المتخصص، وإلى الدارس الحديث للتاريخ والساعي إلى أن يكون مشاركًا في إنتاج المادة التاريخية بدلً من كونه متلقٍ لها فحسب، إضافةً إلى عرض التاريخ بصورة ممتعة وشيقة للقارئ المهتم وغير المتخصص. وهذه بعض مزايا هذا النمط من دراسة التاريخ: تنمية المهارات الإبداعية: إنّقدرة دارس التاريخ على تحديد شيء ما يمكن أن يكون محورًا لدراسة تاريخية إقليمية أو عالمية تتطلب قدرًا كبيرًا من التفكير الإبداعي غير التقليدي. كما أنّربط تاريخ تلك المادة بصيرورة التاريخ العالمي وبدراسة آثارها الثقافية، والتي لا تكون واضحة بالضرورة، يحتاج أيضًا إلى تلك القدرة على التفكير الإبداعي الذي يستطيع الخروج من الأطر التقليدية للسرديات التاريخية المتداولة، والربط بين أمور قد يبدو بعضها غير مرتبط ببعضهاالآخر. تنمية المهارات البحثية: إذا كانت وظيفة المؤرخ جمع المعلومات التاريخية بشأن موضوع دراسته، ثم طرح أسئلة جيدة بغية الوصول إلى إطار يستطيع نظم تلك المعلومات من خلاله بصورة منطقية، فإنّدراسة التاريخ من خلال دراسة شيء ما توفر له تحديًا جديرًا بأن يصقل تلك المهارات كلها؛ فذلك النمط من دراسة التاريخ يتطلب بطبيعته البحث عن معلومات تتعلق بمادة معينة في مصادر قد تذكرها بصورة عارضة، ولكنها تشكل في الوقت نفسه أهميةً كبيرةً للباحث. يتطلب هذا أن يكون الباحث منفتحًا على فكرة توسيع مصادره البحثية وتنويعها. وبما أنّتاريخ الشيء موضوع الدارسة ربما يكون قد شهد اختلافات بيّنة بين الحضارات والمناطق المختلفة، فإنّطرح الأسئلة التي تستطيع نظم المعلومات عن ذلك الشيء معًا يحتاج إلى الكثير من التفكير والصقل. كما أنّ ربط ذلك الشيء بتطورات ذات تأثيرات عالمية (كما فعلت الدراسة المشار إليها في شأن الزجاج) يحتاج أيضًا إلى قدر من المعرفة الموسوعية إلى حد ما (وهذه المعرفة جزء مهم في تكوين الباحث الساعي إلى التميز)، والتفكير العميق لرؤية علاقات بين الأشياء والأفكار بطريقة قد لا يدركها مؤرخون آخرون أقل مهارةً

وحساسيةً تاريخيةً. كما ينمي ذلك النمط من دراسة التاريخ القدرة على توظيف معلومة مذكورة في إطار معيّ وفي سياق جديد تمامًا، واستخدامها لدعم طرح مختلف. هذه كلها مهارات تميز المؤرخ الجاد والمبدع من غيره. دراسة بينية عابرة للتخصصات: هذا النمط من دراسة التاريخ يشمل التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإثني، وما إلى ذلك، مع ما يتطلبه هذا من معرفة كافية بالنظريات الأساسية في العلوم الاجتماعية والإنسانية. وقد رأينا في حالة الزجاج كيف ارتبطت نشأته بتطور العلم والفن والفلسفة والإنتاج المادي. وفي حالة البخور واللبان في حضارات الشرق الأدنى القديمة، تجمع الدراسة عنهما بين التاريخ الاقتصادي- الاجتماعي متمثلً في إنتاجهما وأثر ذلك النشاط الزراعي في المجتمع، إضافةً إلى النشاط التجاري المتمثل في نقلهما إلى الإمبراطورية الرومانية، علاوةً على طبيعة التفكير الديني والطقوس الدينية التي استخدمتهما في أنشطة تعبدية. إنّعلى المؤرخ القادر على وضع دراسة تاريخية قيّمة من خلال دراسة تاريخ الأشياء أن يكون قادرًا كذلك على استخدام النظريات المتاحة من معارف مختلفة، لدراسة جميع أبعاد موضوع دراسته. وستثبت التجربة للمؤرخ المهتم أهمية تلك المعارف. مقاومة النظريات الكبرى الجاهزة: إنّنمط دراسة التاريخ من خلال الأشياء – إذا افترضنا موضوعية الباحث – يقاوم ما يطلق عليه النظريات الكبرى grand theories الجاهزة في فهم التطور التاريخي، مثل النظرة الدينية إلى أحداث التاريخ بوصفها سلسلةً من الخطايا البشرية التي تقابلها محاولات فداء إلهية (ويطلق على هذه النظرة اللفظة الألمانية Heilsgeschichte)، أو النظرية الماركسية التي ترى في تطور أنماط الإنتاج وعلاقاته المحرك الرئيس لأحداث التاريخ، وغير ذلك من نظريات. وسيقدم هذا النمط للدراسة التاريخية قدرًا جيدًا من المعلومات التي يصعب نظمها في إطار نظري سابق الصنع من دون تعرض تلك المعلومات لعملية ليّ واضحة. بعبارة أخرى، يقلص هذا النمط إلى حد كبير من التحيزات والافتراضات المسبقة للباحث، بما في ذلك النظريات الكبرى التي قد يكون مؤمنًا بها. تمكين الباحث من رؤية أمثلة حية للتغير: إذا كانت مهمة التاريخ دراسة التغير والتطور، فإنّدراسة التاريخ من خلال تاريخ الأشياء تمكّن الباحث من رؤية مثال حي لذلك التغير، مع أقل قدر من تشتت الذهن. فعلى الرغم من تفكير الباحث المستمر في ظواهر تاريخية تتجاوز الشيء نفسه، فإنّمجرد وجود شيء ما تتمركز الدراسة حوله يمكّنه من امتلاك القدرة على متابعة ما قد يطرأ عليه من تغير وتطور، وهو ما يظهر جليًا في دراسة الزجاج المشار إليها. إتاحة الفرصة لدارس التاريخ للقيام بدراسة مقارنة: فكما رأينا، يعزو كاتبا الدراسة عن الزجاج، على سبيل المثال، النهضة الغربية الحديثة وتفوقها إلى قدرة الأوروبيين على تطوير صناعة الزجاج، وعدم تقدم تلك الصناعة في مناطق أخرى من العالم، كما كان الوضع عند العرب والهنود والصينيين واليابانيين. هنا، كانت المقارنة بين تطور صناعة الزجاج في تلك الحضارات أساسية في الوصول إلى تلك النتيجة القوية، التي ما كان للباحثيْ أن يَجْرؤا على طرحها من دون وجود أدلة قوية مستمدة من تلك الدراسة المقارنة. ربط المادة بالفكرة: إنّإحدى أكبر المشكلات التي تعانيها الدراسات التاريخية هي الفصل بين الفكر والمادة إلى درجة افتراض إمكانية دراسة الأفكار بمعزل عن أي سياق تاريخي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها. وإنّمجرد ربط الأفكار بالمادة قد يثير حفيظة كثير من دارسي التاريخ. ودراسة التاريخ تستطيع من خلال دراسة تاريخ الأشياء الربط بين المادة والفكر بصورة تلقائية غير مفتعلة، تزيد من قدرة المؤرخ على إدراك العلاقة المتشابكة بين الأفكار والمادة. فعلى سبيل المثال، انصب بعض النقد الموجّه إلى الدراسة عن الزجاج على عدم مناقشتها الأسباب التي أدت إلى تطور صناعة الزجاج في أوروبا، وتوقف ذلك التطور عند حدود معيّنة في مناطق العالم الأخرى. فإذا كانت هناك أفكار معيّنة أدت إلى ذلك التطور، فلماذا لا يعزى التقدم إلى تلك الأفكار لا إلى ما نتج منها؟ وهذا السؤال يقودنا، كما هو واضح، إلى الإشكالية الفلسفية الخاصة بأسبقية المادة على الفكرة أو العكس. توفير مادة أولية لأجيال لاحقة من المؤرخين: إنّمجرد دراسة التاريخ من خلال دراسة تاريخ الأشياء توفر مادة أولية ثرية لأجيال لاحقة من المؤرخين. فكما هو معروف، لا يمكن للمؤرخ أن يفصل نفسه تمامًا عن تحيزاته التي يفرضها عليه سياقة الزمني والمكاني، مهما يكن على وعي بتلك التحيزات، ومهما يتمتع من موضوعية؛ فلا فكاك أصلً لهذا الوعي ولهذه الموضوعية عن السياق الذي يعرِّفهما. كما أنّأي مؤرخ متأثر بالسياق الذي يعيش فيه، سيلتفت إلى أمور ويهمل أمورًا أخرى، وسيلقي الكثير من الضوء على جوانب ويختصر في تناول غيرها، وسيستشرف إمكانات المستقبل حسبما يزوده سياقه من معلومات وأدوات نظر. وفي وسع الأجيال التالية للمؤرخين استلهام الكثير بشأن ذلك السياق من مجرد مقارنة الأشياء التي اختارها مؤرخ هندي، على سبيل المثال، لتكون مادةً يدرس تاريخ العالم من خلالها. ويصدق ذلك على مقارنة كيفية دراسة مؤرخ عربي مثلً للتاريخ العالمي من خلال تاريخ شيء ما، ودراسة مؤرخ

صيني للتاريخ نفسه من خلال الشيء عينه. وستكون الاختلافات مهمةً ودالّةً على الرغم من كون الدراستين تتناولان الشيء ذاته. هنا تصبح المصادر الثانوية للتاريخ هي نفسها مصادر أولية مهمة وثرية في مرحلة لاحقة. فتح آفاق جديدة: إنّ نمط دراسة التاريخ من خلال تاريخ الأشياء ربما يفتح آفاقًا جديدةً أمام المؤرخ للنظر في مسألة "التحقيب " periodization بالنسبة إلى التاريخ العالمي، إذ من الممكن أن تُظهر تلك الدراسة مجموعةً معيّنةً من أنماط التفكير والسلوك البشريين اللذين يميزان حقبةً تاريخيةً معيّنةً لا تتقاطع بالضرورة مع أحداث تاريخية كبرى، تُعتبر دائمًا فاصلة بين حقبتين تاريخيتين مثل سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، وهو حدث يعكس المركزية الغربية في تحقيب التاريخ العالمي. تعذّر الوصول إلى تعميمات: قد تنتهي دراسة للتاريخ العالمي من خلال دراسة تاريخ شيء ما إلى نتيجة مفادها أن الخصوصيات الحضارية تجعل الوصول إلى تعميمات عن الصيرورة التاريخية للحضارات الإنسانية جميعها أمرًا متعذَّرًا. بعبارة أخرى، ربما تشكل تلك الدراسة تحديًا للأساس الذي تقوم عليه فكرة التاريخ العالمي. وفي حين يبدو ذلك مزعجًا في ضوء ما قد سبق ذكره هنا عن ذلك الحقل التاريخي، فإنّ دراسة التاريخ بصفة عامة تزداد قيمةً بقدر اتسامها بالروح النقدية والتفكير المستقل عن أي أفكار مسبقة أو مسلمات متوارثة. هذا التفكير النقدي والتحدي الدائم للمسلمات هما اللذان يؤديان إلى تطور أي علم، بما في ذلك التاريخ. ولذلك، فإنّ نتيجةً كهذه لا تؤدي بالضرورة إلى نتيجة سلبية في ما يخص التاريخ العالمي، ولكنها قد تؤدي بمؤرخيه إلى إعادة النظر في ترابط الظواهر التاريخية، وكيف يمكن لها أن تكون أجزاء من صيرورة تاريخية إنسانية واحدة. متعة اكتشاف أشياء جديدة: يوفر نمط دراسة التاريخ من خلال تاريخ الأشياء متعةً خاصةً، سواء للقائم عليها أو لقارئ التاريخ؛ فمن الصعب في مثل هذه الطريقة من طرائق دراسة التاريخ التنبؤ بكثير من النتائج، والمفاجآت التي قد توجه الدراسة في مناحٍ غير متوقعة تجعل الباحث دائما في انتظار اكتشاف ما. ففي الدراسة المتعلقة بالملح، على سبيل المثال، نجد أنّ الملح كانت له قديمًا أهمية تتجاوز إلى حد بعيد أهميته في الوقت الحاضر؛ فقد كان "التمليح" من الطرق القليلة المتوافرة لحفظ الطعام – اللحوم والأسماك على وجه الخصوص – قبل اختراع وسائل التبريد الحديثة، ولذلك ارتبط بإنتاج الطعام، وأثّر في تطور حاسة التذوق لدى الإنسان، كما ارتبط بالتجارة الدولية الخاصة بمجموعة من الأطعمة السريعة الفساد. لقد كان الملح، الرخيص الثمن الآن، سلعة نفيسةً إلى حد كبيرٍ. وعندما تبدأ دراسة ما بمعلومة تارخية كهذه، فإنها تشد انتباه القارئ فورًا ليبدأ ملاحظة عملية التطور التي حدثت لصناعة الملح حتى أصبح الآن سلعةً متوافرةً بكثرة وسهلة المنال.

سلبيات محتملة لنمط دراسة التاريخ من خلال تاريخ الأشياء

لا تخلو أيّ منهاجية لدراسة موضوع من الموضوعات من سلبيات محتملة، تحتاج من الباحث إلى قدر كبير من الوعي حتى يتجنب تأثيراتها في متانة بحثه. ولا يخفى أنّ بعض مميزات نمط دراسة التاريخ من خلال تاريخ الأشياء، تنطبق أيضًا على أنماط أخرى من كتابة التاريخ. ولكن لا يمنع ذلك من تميز النمط بقدرته على خدمة هذه الأغراض مجتمعةً. بيد أنّذلك الوقت نفسه لا ينبغي أن يصرف الانتباه عن حدود ذلك النمط من الدراسة التاريخية وإمكاناته، وعن بعض المخاطر التي قد تؤدي إليها إذا غفل الباحث عن حقيقة أنّ الحياة البشرية أعقد من أن تُختزل إلى شيء واحد أو إلى غرض ما. لذلك، ومن باب تقديم عرض متوازن لهذا النمط من دراسة التاريخ، وجب التنويه ببعض سلبياته المحتملة. لعلّ النقطة السلبية الأولىوالأهم، في ما يخص دراسة التاريخ من خلال دراسة تاريخ شيءٍ ما كنمط لدراسة التاريخ العالمي، هي عدم مناسبتها للأبحاث القصيرة، كالأوراق العلمية الأكاديمية أو مشاريع التخرج في الجامعات؛ فمجرد كتابة مشروع أي دراسة تنتمي إلى هذا النمط يحتاج إلى قدر من البحث أكبر من المعتاد، إذ يتعيّ أن يتأكد الباحث من وجود مادة كافية لمشروعه. وكما ذكرنا، فإن المصادر في مثل هذه النوع من الدراسات ليست بالضرورة معروفةً، وإن كان الباحث على معرفة ببعضها في ما يخص حضارة بعينها، فهو لا يعرف بالضرورة ما هو متاح منها في ما يخص الحضارات الأخرى. النقطة السلبية الثانية مرتبطة نوعًا ما بالأولى، وهي أنّهناك دائمًا خطورة عدم القدرة على الانتهاء من الدراسة التاريخية في وقت محدد، نظرًا إلى عنصر المفاجأة الحاضر دومًا في هذا النمط من دراسة التاريخ التي قد تنحو بالبحث إلى مناح لم يتوقعها الباحث من قبل.

ولذلك، فإن مثل هذه النوعي من الدراسات التاريخية تلائم بصورة أكبر الأطروحات الأكاديمية ذات الفترة الزمنية المرنة نوعًا ما، أو المشاريع البحثية الطويلة الأمد، سواء الفردية أو الجماعية. بيد أنّهذا لا يمنع من تقديم ذلك النمط من الدراسة التاريخية إلى طلاب التاريخ الجامعيين، فمجرد تفكير الطالب في شيء يصلح لأن يكون محورًا لدراسة تاريخية عابرة للدول أو للحضارات، والبحث عن مجموعة مبدأية من المصادر الصالحة لكتابة تاريخ ما من منظور ذلك الشيء، هو تمرين ذهني وبحثي مفيد في حد ذاته. تتمثّل النقطة السلبية الثالثة في خطورة المبالغة؛ فقد يبالغ الباحث إما في قيمة الشيء موضوع الدراسة، وإما في مدى تأثير ذلك الشيء في الصيرورة التاريخية. فكما ذكرنا في نقد أطروحة ارتباط النهضة الأوروبية الحديثة بتطور صناعة الزجاج في أوروبا، تبالغ الدراسة في تأكيد دور الزجاج (ببساطة لأنه موضوع الدراسة) ولا تتناول بإسهاب الأسئلة الأهم والخاصة بأسباب قدرة الأوروبيين على تطوير صناعته، وفشل غيرهم في ذلك. ينطبق الشيء نفسه على دراسة الملح؛ فلئن كان الملح قد أدى دورًا في تشكيل الخريطة السياسية في بعض مناطق العالم في وقت ما، فإنّالتركيز على الملح قد يغري الباحث بعدم السعي إلى البحث عن أسباب أخرى ساهمت آنذاك بدورها في التأثير في العلاقات السياسية بتلك المناطق. لعل هذه هي السلبيات الأهم في ما يخص دراسة التاريخ من خلال الأشياء كنمط من أنماط دراسة التاريخ العالمي، بيد أنها لا تحتاج إلى أكثر من الدعم المؤسسي، كما ذكرنا من قبل وذلك حتى يتوافر للباحث الوقت والمال للبحث عن المصادرة المفيدة، وإلى حس تاريخي متقد باستمرار من جانب الباحث بحيث لا ينحو، من دون أن يشعر، إلى التفسيرات الأحادية السبب mono-causal explanations لأحداث التاريخ. بيد أننا إذا وضعنا الفوائد المحتملة لهذا النمط من دراسة التاريخ في مقابل السلبيات المحتملة، فإننا نجد أن الأولى تطغى على الأخيرة، وهذا ما يجعل النمط بصورة عامة نمطًا جديرًا بالاهتمام. كما أننا قد نوسع من مجال تاريخ الأشياء نفسه بحيث لا يتعامل بالضرورة مع أشياء مادية فقط، إذ ليس ثمة ما يمنع ذلك النمط من الدراسات التاريخية من التعامل مع أشياء غير مادية، تكون مرتكزًا لدراسة التاريخ العالمي. ويشمل ذلك ظواهر تتجاوز غالبًا نطاق المناطق الجغرافية، كالأوبئة أو الحروب أو الهجرة، على سبيل المثال. كما يشمل أفعالً فردية لها أبعاد حضارية، كالقراءة مثلً، كما وأفعالً اجتماعية، كالتمرد مثلً. ولا يعني هذا دراسة التمرد كما مورس أو لم يمارس في ثقافة بعينها أو حتى من خلال الدراسة المقارنة لثقافتين (وإن كانت تلك المقارنة ممكنة إذا تم استخلاص نتائج عامة منها تصلح للمساهمة في فهم التاريخ العالمي)، بل يعني دراسة التمرد بوصفه منطلقًا لمساهمة في دراسة التاريخ العالمي تتبع تطور هذه الظاهرة مع التطور البشري بصفة عامة، والخروج باستنتاجات عن الأثر المتبادل بين التمرد كفعل وثقافة والأفكار الأخرى التي طورتها التجربة البشرية. وكما هو واضح، تتطلب الكتابة عن التمرد كفعل النظر إلى جوانب فلسفية وسياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية، وغيرها. هنا تصبح دراسة التاريخ من خلال دراسة تاريخ الأشياء بوضوح نمطًا من أنماط دراسة التاريخ العالمي41. وكما أسلفنا، لا تكون الدراسة عالمية إن جُزّئت على أساس الحضارات أو الدول، كأن تُنجَز في دراسة عن التاريخ العالمي دراسة كل حضارة أو دولة على حدة. فدراسة التاريخ العالمي تعني التحليق فوق الحضارات كلها، والنظر إليها جميعًا على أساس كونها حضارةً بشريةً واحدةً على الرغم مما بها من تمايزات. وينطبق الشيء نفسه على دراسة التاريخ من خلال الأشياء. فعلى الرغم من حتمية مناقشة تطور معيّ في علاقة الإنسان بالزجاج مثلً في حضارة بعينها، لا بد ألا يفقد المؤرخ قدرته على تحليل ذلك التطور كجزء من تطور قصة البشر مع الزجاج بصفة عامة، بحيث تكون التأثيرات الحضارية المتبادلة عاملً موحدًا لكل التطورات الخاصة بالزجاج، كشيء يُكتب التاريخ العالمي من خلاله.

  1. وهناك بالفعل كتاب ضخم بعنوان Revolution and Rebellion in the Early Modern World لعال  م الاجتماع والعلوم السياسية جاك غولدستون Jack Goldstone صادر عن دار نشر جامعة كاليفورنيا سنة 1993.

خاتمة

عرضت هذه الدراسة للتاريخ العالمي، بوصفه تخصصًا تاريخيًّا تقدّمه أغلب الجامعات الغربية الكبيرة اليوم، ولموضوع التاريخ العالمي وأهدافه وفوائده. كما دعت إلى شروع الجامعات العربية في الاهتمام به حتى يصبح المؤرخون العرب مشاركين في كتابته، بدلً من أن يظلوا متلقين له وحسب، حتى لو كان الهدف من ذلك هو الفهم الأفضل للتاريخ العربي نفسه؛ فدراسة التاريخ العالمي ترتبط بالكم المتوافر من الدراسات عن المناطق الجغرافية، وهو ما لا يعني فقط أنّالدراسات الحالية الخاصة بالتاريخ العالمي تعتمد مدى دقتها على ما هو متوافر من معلومات، بل يعني أيضًا أنّهناك فرصةً دائمةً لإعادة دراسة التاريخ العالمي حسبما يستجد من دراسات عن مناطق أو حضارات لم تُدرس بالشكل المناسب. هنا تشتبك دراسات المناطق والدراسات القومية للتاريخ من جهة، ودراسات التاريخ العالمي، من جهة أخرى، في علاقة جدلية، حيث تستخدم الدراسات الأولى لتكوين نظرة عالمية، وتستخدم هذه النظرة نفسها لمحاولة فهم بعض الأحداث والظواهر التاريخية الخاصة بإقليم جغرافي، أو تاريخ حضاري أو عرقي أو وطني معيّ. كما عرضت الدراسة لنمط من أنماط دراسة التاريخ العالمي، وهو نمط دراسته من خلال دراسة تاريخ شيء ما. وعلى الرغم من أنّ هذا النمط من الدراسة التاريخية يصلح - من حيث المبدأ - لدراسة تاريخ مناطق جغرافية بعينها، أو حتى التاريخ الوطني والقومي، فإنّ مقدار الاستثمار المعرفي والمادي فيه يجعله أكبر مناسبة لأن يكون موضوعًا لدراسة التاريخ العالمي. في كل الأحوال، يوفر ذلك النمط من الدراسة التاريخية مجموعةً من الفوائد على المستويين البحثي والمعرفي، ولكنه يظل نمطًا واحدًا من أنماط متعددة يجب أن تشترك جميعها في دراسة التاريخ العالمي، بهدف المساهمة في الإجابة عن الأسئلة الأهم: كيف وصل العالم إلى ما وصل إليه، وأين سيصل بنا هذا المسار؟ أي إنّدراسة التاريخ العالمي تسعى إلى المساهمة في فهم الماضي وفي القدرة على التنبؤ بالمستقبل في الوقت نفسه.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

العطية، حصة. " صعود الأغنياء: رؤية جديدة للتاريخ العالمي"، عمرانللعلوم لاجتماعية والإنسانية: السنة 1، العدد 4، 2013.

المراجع الأجنبية

• Bulliet, Richard W. The Camel and the Wheel. New York: Columbia University Press, 1 990.

• Don, Patricia Lopes. “Establishing World History as a Teaching Field: Comments from the Field.” The History Teacher:

vol. 36 , no. 4, 2003.

• Geyer, Michael, and Bright, Charles. “World History in a Global Age.” The American Historical Review: vol. 10 0 , no. 4, 1995.

• Goldstone, Jack A. Revolution and Rebellion in the Early Modern World. Berkeley: University of California Press,

19 9 Gottschalk, Louis. “Writing World History.” The History Teacher: vol. 2 , no. 1, 1968.

• Green, William A. “Periodizing World History.” History and Theory: vol. 3 4 , no. 2, 1995.

• Hodgson, Marshall G. S. “The Role of Islam in World History.” International Journal of Middle East Studies: vol. 1, no. 2, 1970.

• Krippner-Martínez, James. “Teaching World History: Why We Should Start!” The History Teacher: vol. 29 , no. 1,

19 Kurlansky, Mark. Salt: A World History. New York: Penguin Books, 20 03.

• Lombard, Maurice. Les textiles dans le monde musulman du VIIe au XIIe siècle. Paris: École des Haute Études en Sciences

Sociales, 1 978. Vol. 3: Etudes d’économie médiévale.

• Macfarlane, Alan, and Martin, Gerry. Glass: A World History. Chicago: University of Chicago Press, 20 02

• Manning, Patrick. “The Problems of Interaction in World History.” The American Historical Review: vol. 10 1 , no. 3, 1996.

• Maurel, Chloé. “La World/ Global History: questions et débats.” Vingtième Siècle: Revue d’histoire: no. 10 4 , 2009.

• Mazlish, Bruce. “Comparing Global History to World History.” The Journal of Interdisciplinary History: vol. 28 , no. 3, 1998.

• McNeill, William H. “The Changing Shape of World History.” History and Theory: vol. 3 4 , no. 2, May, 19 95.

• _____________. “A Defense of World History: The Prothero Lecture.” Transactions of the Royal Historical Associations:

vol. 32, 1980

• Miller, Montserrat Marti and Stearns, Peter N. “Applying Cognitive Learning Approaches in History Teaching: An

Experiment in a World History Course.” The History Teachers: vol. 2 8 , no. 2, 1950.

• Oppenheim, Samuel A. “World History in Theory and Practice: An Essay.” The History Teacher: vol. 29 , no. 3, 1996.

• Pomper, Philip. “World History and Its Critics.” History and Theory: vol. 3 4 , no. 2, 1995.

• Riello, Giorgio and Parthasarathi, Prasannan. The Spinning World: A Global History of Cotton, 1 200-1850. Oxford: Oxford

University Press, 2 011.

• Stavrianos, L. S. “The Teaching of World History.” The Journal of Modern History: vol. 31 , no. 2, 1959.

• Steensgaard, Niels. “Universal History for Our Times.” The Journal of Modern History: vol. 45 , no. 1, 1973.

• Swansinger, Jacqueline. “Preparing Student Teachers for a World History Curriculum in New York.” The History Teacher:

vol. 43 , no. 1, 2009.

• Trivellato, Francesca [et. al.], Religion and Trade: Cross Cultural Exchanges in World History, 10 00-1900. New York:

Oxford University Press, 20 14.

• Vadney, T. E. “World History as an Advanced Academic Field.” Journal of World History: vol. 1, no. 2, 1990.