Return to Article Details The Negotiations between the Jewish Agency and the Syrian National Bloc

المفاوضات بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية في سورية

The Negotiations between the Jewish Agency and the Syrian National Bloc

محمود محارب

الملخّص

أجرت الوكالة اليهودية في أثناء الثورة العربية الفلسطينية الكبرى 1936-1939 الكثير من الاتصالات والاجتماعات السرية مع قادة الكتلة الوطنية والنخب السورية المختلفة. وفي هذه الدراسة عرض لأسباب اهتمام الوكالة اليهودية بسورية وبالكتلة الوطنية خلال تلك الثورة، وما رافق ذلك من تزايد في نشاط "القسم العربي" (جهاز المخابرات) التابع للوكالة اليهودية في سورية في تلك الفترة. كما أنّ فيها معالجةً للمفاوضات الرسمية السرية التي جرت بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية السورية التي كانت حينئذ تقود نضال الشعب السوري من أجل الاستقلال عن فرنسا، مع التطرق إلى خلفية هذه المفاوضات وحيثياتها، وعرض مفصَّل لمضامين هذه المفاوضات، ووقفة عند الأولويات والدوافع والأهداف للوكالة اليهودية والكتلة الوطنية من هذه المفاوضات. تستند هذه الدراسة إلى مصادر أولية، وفي مقدمتها تقارير كبار المسؤولين في جهاز المخابرات التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية الذين أجروا تلك المفاوضات والاتصالات، وهي التقارير المحفوظة في الأرشيفات الإسرائيلية. كما تستند الدراسة إلى مذكرات قادة الوكالة اليهودية حينئذ، علاوةً على الدراسات والمذكرات التي عالجت تلك الفترة.

Abstract

In its efforts to establish a Jewish State in Palestine at the expense of the Palestinian people, and its fight against the Palestinian national movement, the Jewish Agency in Palestine, the forerunner of the Israeli state, constantly interfered in the domestic affairs of neighboring Arab countries. This intervention intensified during the 1936-1939 Palestine Rebellion, and the Political Department of the Jewish Agency recruited agents in these countries while also communicating illicitly with elites and local leaders there. This article examines the Jewish Agency’s efforts during the Palestinian Rebellion to influence the Syrian National Block, which was leading the Syrian people’s struggle for independence from France. It details the content of these secret and officially recorded negotiations during that time period.

الكلمات المفتاحية:
  • الوكالة اليهودية
  • الكتلة الوطنية السورية
  • الثورة العربية الفلسطينية الكبرى
  • مفاوضات
Keywords:
  • Negotiations
  • Jewish Agency
  • Syrian National Bloc
  • 1936–39 Arab revolt in Palestine
محمود محارب| Muhareb Mahmoud *
محمود محارب | Muhareb Mahmoud* باحث غير مقيم في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وأستاذ العلوم السياسية والدراسات الإسرائيلية في جامعة
القدس، فلسطين.
أجرت الوكالة اليهودية في أثناء الثورة العربية الفلسطينية الكبرى 1936 - 1939 الكثير من الاتصالات والاجتمعات السرية
مع قادة الكتلة الوطنية والنخب السورية المختلفة. وفي هذه الدراسة عرض لأسباب اهتمم الوكالة اليهودية بسورية
وبالكتلة الوطنية خلال تلك الثورة، وما رافق ذلك من تزايد في نشاط "القسم العربي" (جهاز المخابرات) التابع للوكالة
اليهودية في سورية في تلك الفترة. كم أنّ فيها معالجةً للمفاوضات الرسمية السرية التي جرت بين الوكالة اليهودية
والكتلة الوطنية السورية التي كانت حينئذ تقود نضال الشعب السوري من أجل الاستقلال عن فرنسا، مع التطرق إلى خلفية
هذه المفاوضات وحيثياتها، وعرض مفصَّل لمضامين هذه المفاوضات، ووقفة عند الأولويات والدوافع والأهداف للوكالة
اليهودية والكتلة الوطنية من هذه المفاوضات.
تستند هذه الدراسة إلى مصادر أولية، وفي مقدمتها تقارير كبار المسؤولين في جهاز المخابرات التابع للدائرة السياسية
للوكالة اليهودية الذين أجروا تلك المفاوضات والاتصالات، وهي التقارير المحفوظة في الأرشيفات الإسرائيلية. كم تستند
الدراسة إلى مذكرات قادة الوكالة اليهودية حينئذ، علاوةً على الدراسات والمذكرات التي عالجت تلك الفترة.
In its efforts to establish a Jewish State in Palestine at the expense of the Palestinian people, and its fight against
the Palestinian national movement, the Jewish Agency in Palestine, the forerunner of the Israeli state, constantly
interfered in the domestic affairs of neighboring Arab countries. This intervention intensified during the 1936 - 1939
Palestine Rebellion, and the Political Department of the Jewish Agency recruited agents in these countries while
also communicating illicitly with elites and local leaders there.
This article examines the Jewish Agency’s efforts during the Palestinian Rebellion to influence the Syrian
National Block, which was leading the Syrian people’s struggle for independence from France. It details the
content of these secret and officially recorded negotiations during that time period.
المفاوضات بين الوكالة اليهودية
والكتلة الوطنية في سورية
The Negotiations between the Jewish Agency
and the Syrian National Bloc
محمود محارب | Muhareb Mahmoud
المفاوضات بين الوكالة اليهودية
والكتلة الوطنية في سورية
The Negotiations between the Jewish Agency
and the Syrian National Bloc

مقدّمة

جرت في سنوات الثورة العربية الفلسطينية الكبرى 1936-1939 اتصالات واجتماعات ومفاوضات كثيرة ومكثفة وسرية، في غالبيتها العظمى، بين قادة الوكالة اليهودية وممثّليها وقادة الأقطار العربية المجاورة لفلسطين، والكثير من نخب تلك الأقطار ومناطق أخرى من الوطن العربي1. وقد قام عدد كبير نسبيًا من الدراسات والكتب بالبحث في الاتصالات والمفاوضات التي دارت في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين بين الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية مع كل من قيادات الأردن ولبنان ومصر. وعلى النقيض من الاعتقاد السائد بعدم وجود اتصالات واجتماعات ومفاوضات بين الوكالة اليهودية من ناحية والكتلة الوطنية والنخب المختلفة في سورية من ناحية أخرى، جرت اتصالات واجتماعات كثيرة جدًّا بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية والنخب السورية المختلفة في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، بخاصة في أثناء الثورة العربية الفلسطينية الكبرى. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الأبحاث والكتب بشأن هذه الاتصالات والاجتماعات والمفاوضات تكاد أن تكون معدومة. وقد أشارت بعض الكتب والدراسات إلى بعض الاتصالات والاجتماعات والمفاوضات بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية، وأفردت لها عددًا محدودًا من الصفحات من دون أن تتابع وتبحث طبيعة علاقات الوكالة اليهودية وعمقها واستمراريتها مع عددٍ كبير نسبيًّا من قادة الكتلة الوطنية، ومع عدد كبير أيضًا من القيادات والنخب السوريّة الأخرى2. دأبت الوكالة اليهودية على التدخل في شؤون سورية وبقية الأقطار العربية المجاورة لفلسطين في العقود التي سبقت النكبة وتأسيس إسرائيل في سنة 1948. وكان هدفها، كما يتبين من مداولات قادة الوكالة اليهودية وتقاريرهم وقراراتهم في تلك الفترة، إبقاء سورية والأقطار العربية ضعيفة ومفككة، وإذكاء الخلافات والصراعات بينها، وعرقلة قيام جبهة عربية موحدة ضد الصهيونية، وإضعاف العمل العربي المشترك والحركة القومية العربية وضرب الوحدة العربية كفكرة وكمشروع، وتغذية الخلافات والصراعات في المجتمعات العربية على أسس طائفية وإثنية وعشائرية وجهوية. أدركت الوكالة اليهودية في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي مدى أهمية سورية بالنسبة إلى الحركة الوطنية الفلسطينية، ورأت أن الساحة السورية باتت تشكل منذ انطلاق الثورة العربية الفلسطينية الكبرى سنة 1936 مركزًا أساسًا وقاعدة إسناد مهمة جدًا للثورة العربية الفلسطينية على الصُعد المختلفة. لذلك اهتمت الوكالة اليهودية بسورية اهتمامًا كبيرًا، وكثفت نشاط جهاز استخباراتها فيها. وفي هذا السياق، أجرى قادة هذا الجهاز اتصالات واسعة مع النخب السورية المختلفة، وعقدوا مفاوضات مع قيادة الكتلة الوطنية في سورية، وكانت غاية ذلك كله تحقيق الأهداف التالية: وقف الدعم المتنوع والمهم للغاية، الذي كان الشعب السوري وقواه الوطنية يقدمانه إلى الثورة الفلسطينية. إحداث شرخ بين الكتلة الوطنية في سورية والحركة الوطنية الفلسطينية. الحصول على تأييد قيادة الكتلة الوطنية والنخب السورية الأخرى في موضوع إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين. تكوين مصالح مشتركة بين الوكالة اليهودية وقيادة الكتلة الوطنية على حساب حقوق الشعب العربي الفلسطيني القومية. نفي حقوق الشعب العربي الفلسطيني القومية أو تهميشها، ووسم حركة الشعب الفلسطيني الوطنية بالتطرف والإرهاب. حل القضية الفلسطينية في إطار اتفاق يهودي – عربي شامل بين الوكالة اليهودية والحركة القومية العربية بقيادة الكتلة الوطنية، على حساب الشعب العربي الفلسطينيوحركتهالوطنية.

  1. لتكوين فكرة عن حجم تلك الاتصالات والمفاوضات بين الوكالة اليهودية والقيادات العربية، انظر عرضًا مقتضبًا لها في كتاب: صبري جريس، تاريخ الصهيونية 1918-1939: الوطن القومي اليهودي في فلسطين (نيقوسيا: مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1986)، الجزء الثاني، ص 386-393.
  2. أشار فيليب خوري إلى جزء من الاتصالات بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية في أطروحة الدكتوراه التي أنجزها في منتصف الثمانينيات ونشرها في كتابه القيّم سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القومية العربية 1920 1945، ط 1 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997)، ص 607-611. وأشار أيضًا إلى هذه الاتصالات والمفاوضات نيل كابلان في ص 49-52: Neil Caplan, Futile Diplomacy (London: Frank Cass and Company Ltd., 1986).

تزايد نشاط مخابرات الوكالة اليهودية يف سورية

أَولى موشيه شرتوك (شاريت) الذي رأس الدائرة السياسية للوكالة اليهودية في الفترة 1933 - 1948 وأصبح وزير خارجية إسرائيل عند تأسيسها ثم رئيسًا للحكومة الإسرائيلية سنة 1954 – 1955، أهمية كبيرة لعمل "القسم العربي" (جهاز المخابرات) التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية، ولدور ذلك "القسم" المهم كأداة فعالة لتحقيق أهداف الوكالة اليهودية تجاه العرب، ولجمع المعلومات عنهم والتجسس عليهم، وإجراء اتصالات بالنخب العربية في الأقطار المجاورة لفلسطين3. وقد شهد ذلك الجهاز تطورًا ملحوظًا في عمله وفي المهمات الملقاة عليه، وعمل تحت قيادة شاريت في الجهاز في ثلاثينيات القرن الماضي عدد من الكوادر الشابة، كان أبرزها إلياهو ساسون4 وإلياهو أبشتاين5 وريؤوفين زاسلني (شيلواح)6، الذين أدوا دورًا مهمًا في قيادة العمل الاستخباري الصهيوني في سورية، وأجروا اتصالات بالنخب العربية السورية، وجنّدوا عملاء لمصلحة الوكالة. تمكنت قيادة الدائرة السياسية للوكالة اليهودية من متابعة تطور الحوادث في سورية والاطلاع بدقة على ما كان يدور في صفوف الكتلة الوطنية والفعاليات السياسية السورية المختلفة، وعلى أولوياتها السياسية والمعضلات التي تواجهها، وذلك بفضل مجموعة من العوامل، كان أهمها: نشاط "القسم العربي" الذي جمع المعلومات وقدم التحليلات بشأن تطور الأوضاع في سورية، وأعد معلومات دقيقة عن اتجاهات القادة والنشطاء السوريين وأولوياتهم وميولهم السياسية7. الاتصالات والعلاقات واللقاءات المباشرة التي قام بها قادة "القسم العربي" مع النخب السورية. نجاح "القسم العربي" في تجنيد مجموعة من العملاء في سورية كي يعملوا لمصلحة الوكالة اليهودية في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، أي عشية اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى. وكان أهم هؤلاء العملاء عبد الله عبود الذي قدم للوكالة اليهودية معلومات وخدمات في غاية الأهمية، ومكّنها من الاطلاع عن كثب وباستمرار على ما كان يدور في أوساط الكتلة الوطنية والقيادات والنخب السورية المختلفة. وكان عبود قد بدأ تعامله مع الوكالة اليهودية في أيلول/ سبتمبر 1935، حين أرسل تقريره الأول في 13 أيلول/ سبتمبر 1935 (أنظر الملحق رقم 1)، واستمر في عمله بانتظام، ومن دون انقطاع، حتى سنة 1948 على الأقل8.

  1. للمزيد عن نشأة المخابرات الصهيونية ودورها في التجسس على العرب، انظر: محمود محارب، "المخابرات الصهيونية: بدايات التجسس على العرب،" المستقبل العربي، العدد 357 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2008.)
  2. إلياهو ساسون (1902-1978): ول د في دمشق وهاجر منها سنة 1920 إلى فلسطين، وانضم في سنة 1934 إلى "القسم العربي" (جهازالمخابرات) التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية. وسرعان ما أصبح مديرًا لذلك القسم، ثم مديرًا لقسم الشرق الأوسط في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية. كان عضوًا مهمًا في لجان الترحيل الثلاث التي أنشأها شاريت في السنوات 1937 و 1942 و 1948، والتي وضعت الخطط بهدف ترحيل الشعب الفلسطيني من وطنه. وبعد قيام إسرائيل، أصبح مديرًا لقسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإسرائيلية، وشارك في مفاوضات رودس 1949 لتوقيع اتفاق هدنة بين إسرائيل وكلٍّ من مصر ولبنان، وأصبح وزيرًا في الحكومات الإسرائيلية طوال سنوات ستينيات القرن المنصرم. انظر: إلياهو ساسون، الطريق إلى السلام (بديرخ إيل هاشلوم)، عبري (تل أبيب: عام عوفيد، 1978).
  3. إلياهو أبشتاين (إيلات () 1903-1990): ول د في روسيا وهاجر إلى فلسطين في سنة 1924. درس في قسم الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية في القدس ثم في الجامعة الأميركية في بيروت. انضم في سنة 1934 إلى "القسم العربي" المذكور وتابع في الثلاثينيات، كما إلياهو ساسون، الاتصالات والعلاقات بالنخب العربية، ولا سيما في سورية ولبنان. كان عضوًا مهمًا في لجان الترحيل المشار إليها، وعُيّ أمينًا عامًا للجنة الترحيل الأولى. ثم عيّنته الوكالة اليهودية مندوبًا لها في واشنطن في الفترة 1945-1948، ثم أصبح سفيرًا لإسرائيل في الولايات المتحدة سنة 1949-1950، وسفيرًا في بريطانيا في الفترة 1950 - 1959، ثم رئيسًا للجامعة العبرية (1962-1968). انظر: إلياهو أبشتاين (ايلات)، عودة صهيون والعرب (شيبات تسيون فعراف)، عبري (تل - أبيب: دفير، 1974).
  4. ريؤوفين زيسلني (شيلواح () 1909-1959): ول د في القدس، ودرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في الجامعة العبرية في القدس، وانضم في سنة 1931 إلى "القسم العربي" التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية الذي أرسله في تلك السنة إلى بغداد للتجسس على العراق. أصبح في سنة 1936 مسؤولً عن التنسيق بين المخابرات اليهودية والمخابرات البريطانية. وقد تابع الاتصالات بالنخب العربية في الثلاثينيات والأربعينيات، وكان من مؤسسي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية غداة تأسيس إسرائيل، ورأس جهاز الموساد في الفترة 1948-1952، ثم عُيّ مفوضًا في واشنطن سنة 1953، فمستشارًا لوزيرة الخارجية في الفترة 1957-1959. انظر: حجاي شاكيد، موساد لرجل واحد: ريؤوفين شيلواح أبو المخابرات الإسرائيلية (موساد شل إيش إحاد: ريؤوفين شيلواح أبو المخابرات الإسرائيلية)، عبري (القدس: عيدنيم، 1988).
  5. ملف 22129 / S25، الأرشيف الصهيوني المركزي، ويشمل هذا الملف المعلومات التي جمعها جهاز المخابرات التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية عن النخب السورية.
  6. تقرير داخلي عن مصروفات "القسم العربي" على العملاء في الدول العربية تحت عنوان: دفعات لرجالنا في البلدان المجاورة، نيسان/أبريل 1946، ملف 22298 / S25، الأرشيف الصهيوني المركزي. كان عبود عميلً مثاليًا بالنسبة إلى الوكالة اليهودية؛ فقد كانت له بحكم عمله الصحافي شبكة علاقات واسعة مع مختلف النخب السورية، وكان قريبًا من عدد كبير من القادة السياسيين السوريين، وهو ما مكّنه من الاطلاع على أدق التفاصيل المتعلقة بمجريات الأوضاع وتطور الحوادث في سورية، وعلى المداولات والقرارات السرية للفعاليات السياسية السورية، والتي كان يرسل تقارير عنها بسرعة إلى الوكالة اليهودية. وقد نفّذ بإخلاص وتفان المهمات الكثيرة والمختلفة التي كلفته بها الوكالة اليهودية، كان منها التجسس على الكتلة الوطنية السورية والنخب السورية والثوار الفلسطينيين في سورية، وامتد نشاطه التجسسي أيضًا إلى لبنان والعراق. وكان عبود يكتب تقاريره في بداية تعامله مع الوكالة اليهودية بخط يده على أوراقه الرسمية المروّسة باسمه هكذا: عبد الله عبود وتحت اسمه دمشق (سورية) صندوق بريد 115، وكان يوقع تقاريره بتوقيعه الخاص به وباسمه. وقد كتب له أهارون كوهين، المسؤول حينئذ عن متابعته في "القسم العربي"، في 5 2 أيلول/ سبتمبر 1935، إرشادات واضحة بشأن المطلوب منه: "... نحن يهمنا أن نوقف [نقف] على ما يجري ويقال وراء الستار"، وأشار عليه أن يكون له اطلاع شامل وعلاقات طيبة مع جميع الهيئات والأحزاب السياسية لكي يطلع الوكالة اليهودية "على كل شاردة وواردة". وكان عبود يكتب عادة تقريرين في الأسبوع، وفي بعض الأحيان أكثر من ذلك إذا اقتضت الضرورة. ويتضح من تقاريره في بداية تعامله مع الوكالة اليهودية أن الدافع المالي كان وراء تعامله مع الوكالة اليهودية، إذ كان يلح في رسائله للوكالة اليهودية في طلب المقابل المالي عندما كان في مرحلة التجربة ويعمل على القطعة. وكان "القسم العربي" في تلك الفترة يكلفه بالمزيد من المهمات ويرسل له مقابل تقاريره مبلغًا قليلً من المال، وفي الوقت نفسه يحرص على الحفاظ على علاقات متواصلة به، مثل تهنئته بالمناسبات العامة كمعايدته بعيد الأضحى. وبعد مرور شهور عدة على تعامله، أخذ يتقاضى راتبًا شهريًا بلغ خمسة جنيهات فلسطينية. وفي سنة 1946 بلغ راتبه الشهري 17 جنيهًا فلسطينيًا.

تمكّن "القسم العربي" من تجنيد ثلاثة من قادة الطائفة اليهودية السورية الدمشقية للعمل لمصلحة الوكالة اليهودية، وهم: داود (دافيد) لوزيه9، وكان رجل أعمال وصاحب مخيطة نسيج في دمشق، والدكتور داود (دافيد) بينتو10، رئيس لجنة الطائفة اليهودية في دمشق، ويوسف لنيادو11، عضو المجلس النيابي السوري. كان اليهود السوريون، الذين بلغ عددهم في نهاية الحرب العالمية الأولى ستة عشر ألفًا، جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي السوري. وأقامت قيادات اليهود السوريين الدمشقيين علاقات جيدة مع النخب السياسية والاجتماعية الدمشقية، ولا سيما مع عدد من قادة الكتلة الوطنية في دمشق. وتبين التقارير التي كان يرسلها لوزيه وبينتو ولنيادو إلى "القسم العربي" أن الدافع الأيديولوجي– السياسي وليس المالي هو الذي كان وراء تخابرهم مع "القسم العربي" وانخراطهم في خدمة الوكالة اليهودية. قدّم عبد الله عبود ولوزيه وبينتو ولنيادو إلى الوكالة اليهودية خدمات جمة ومهمة للغاية، شملت إرسال تقارير عن تطور الأوضاع المختلفة في سورية، وعن الكتلة الوطنية السورية وما يدور فيها وعن قراراتها وتكتيكاتها وسياساتها، وعن الأنشطة السورية الداعمة للثورة الفلسطينية، وعن فعاليات الثوار الفلسطينيين والسوريين وأنشطتهم وطرق دخولهم إلى فلسطين وتهريب السلاح إليها. وساعدوا إلياهو ساسون في نشر المقالات الصهيونية المدسوسة12 في الصحف السورية واللبنانية، وقاموا بتجنيد بعض السوريين لمصلحة الوكالة اليهودية... إلخ. ولعل من أهم ما قاموا به هو اتصالاتهم بعدد من قادة الكتلة الوطنية في دمشق، وتمهيدهم الطريق للاختراق الكبير الذي أحرزه "القسم العربي"، عندما تمكن هذا الجهاز من تجنيد بعض قادة الكتلة الوطنية في سورية لمصلحة الوكالة اليهودية في أثناء ثورة 1936 – 1939 الفلسطينية. نتيجة لنشاط "القسم العربي"، كانت الصورة واضحة تمامًا لرئيس الدائرة السياسية للوكالة اليهودية شاريت ولقيادة الوكالة اليهودية، بشأن ما كان يدور في سورية، ولا سيما في كل ما كان يخص سياسات الكتلة الوطنية ومواقفها وقراراتها، وما كانت تواجهه من معضلات وتتّبعه من تكتيكات سياسية. وقد أظهر شاريت في رسالة إلى الإدارة الصهيونية مدى تباهيه ب "القسم العربي" (جهاز المخابرات) التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية، فكتب: "الشباب في القسم العربي يعملون بنجاعة نموذجية، ويقدمون لنا معلومات سريعة ودقيقة عما يحدث في المعسكر الآخر.

  1. داود (دافيد) لوزيه (1902-1961): ولِد في دمشق لعائلة يهودية مؤيدة للصهيونية، وجنّده "القسم العربي" التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي. وكتب معظم تقاريره للوكالة اليهودية باللغة العبرية، وكتب قسمًا كبيرًا منها على أوراقه الرسمية المروّسة باسمه الكامل وعنوانه البريدي في دمشق. انظر، مثلً، ملفَّي 22229 / S25، 22835 / S25 في الأرشيف الصهيوني المركزي. هاجر لوزيه من سورية إلى فلسطين في سنة 1943، واستمر في عمله الاستخباري، ولا سيما في تهريب المهاجرين اليهود من سورية ولبنان إلى فلسطين. وبعد سنة 1948، نشط في تنظيم هجرة اليهود من دول المغرب وتهريبهم إلى إسرائيل.
  2. ولِد داود بينتو في دمشق. كانت له علاقات بدائرة واسعة من الدمشقيين بحكم مهنته كطبيب. ورأس في ثلاثينيات القرن الماضي لجنة الطائفة اليهودية في دمشق ونظمه "القسم العربي" للعمل معه في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي. كان يكتب معظم تقاريره باللغة العربية، وغالبًا على أوراقه الرسمية، ويوقعها باسمه، انظر، مثلً، ملفَّي، 22210 / S25 22229 / S25 في الأرشيف الصهيوني المركزي.
  3. ولد يوسف لنيادو في دمشق، وانتُخب في ثلاثينيات القرن الماضي عضوًا في مجلس الشعب السوري، ونظمه "القسم العربي" للعمل معه في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي. وقد أعرب لنيادو في تصريحاته العلنية لوسائل الإعلام العربية في تلك الفترة عن معارضته المشروع الصهيوني في فلسطين وعن تأييده الحركة الوطنية السورية والحقوق العربية، انسجامًا مع الجو الوطني العام في سورية، ولكنه كان في الوقت نفسه يعمل بنشاط وإخلاص لمصلحة الوكالة اليهودية و"القسم العربي"، أي جهاز الاستخبارات، فيها. انظر، مثلً، ملف 4550 / S25 في الأرشيف الصهيوني المركزي.
  4. انظر: محمود محارب، "المقالات الصهيونية المدسوسة في الصحف اللبنانية والسورية (1936-1939)،" مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 0 2، العدد 78 (ربيع 009 2)

بالطبع ليس بوسعنا الدخول إلى العقول والأفئدة والنوايا المكتومة، ولكن القرارات والتحركات تصلنا حالً وفورًا. وفي حالتين كان بمقدوري إثبات أن المعلومات التي بحوزتي كانت أسرع من معلومات المندوب السامي [البريطاني"]13.

الكتلة الوطنية السورية والاستعانة بالوكالة اليهودية

قادت الكتلة الوطنية السورية نضال الشعب السوري ضد الانتداب الفرنسي منذ بداية ثلاثينيات القرن الماضي وحتى نيل سورية الاستقلال. وقد سعت عند تأسيسها إلى توحيد جميع الفعاليات والأطر السياسية تحت سقفها، بيد أنها لم تحقق ما سعت إليه بالكامل؛ إذ لم ينخرط في صفوفها عدد من الأحزاب السورية الراديكالية الناشئة حينئذ. إلى جانب ذلك، ظهرت وتبلورت معارضة للكتلة الوطنية في سورية بقيادة عبد الرحمن شهبندر14، خاصة بعد صدور عفو سلطات الانتداب الفرنسي عنه وعودته إلى سورية في أيار/ مايو 1937. ومع ذلك، كانت الكتلة الوطنية في سورية أوسع تجمّع سياسي سوري، والأكثر شعبية وعددًا وانتشارًا جغرافيًا وتنوعًا طبقيًا من حيث جمهورها ومؤيديها15. حدد القانون الأساسي للكتلة الوطنية الذي أقره مؤتمرها في حمص في تشرين الثاني/ نوفمبر 1932، أن هدفها هو "تحرير البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة أجنبية، وإيصالها إلى الاستقلال التام والسيادة الكاملة، وجمع أراضيها المجزأة في دولة ذات حكومة واحدة"16. وقد تبنت الكتلة الوطنية في السنوات الأولى لتأسيسها سياسة "التعاون المشرف" مع فرنسا، في سعيها إلى تحقيق استقلال سورية17، وحرصت في تلك الفترة على تبنّي وسائل النضال السياسية والجماهيرية السلمية والمفاوضات المباشرة مع سلطات الانتداب الفرنسية في سورية ومع الحكومة الفرنسية، وعدم تبنّي الصدام العنيف والكفاح المسلح في نضالها من أجل الاستقلال. وفي هذا السياق، قامت الكتلة الوطنية بين الفينة والأخرى بتنظيم الاحتجاجات والتظاهرات والإضرابات العامة ضد سلطات الانتداب الفرنسي، ولكن من دون الوصول إلى صدام عنيف معها. وفي منتصف الثلاثينيات، صعّدت الكتلة الوطنية من نضالها السياسي والجماهيري السلمي، وطالبت بالاستقلال وبتوقيع معاهدة صداقة وتحالف مع فرنسا، بعد أن تعترف فرنسا بالاستقلال، على غرار المعاهدة التي وقعها العراق مع بريطانيا في سنة 193018. وفي آذار/ مارس 1936 سافر وفد سوري بقيادة الكتلة الوطنية إلى باريس لإجراء مفاوضات مع الحكومة الفرنسية. ولم تثمر المفاوضات مع الحكومة الفرنسية التي رأسها البير سارو، بسبب تمسك الحكومة الفرنسية باستمرار تجزئة سورية إلى دول عدة على أسس طائفية وجهوية، الأمر الذي رفضته الكتلة الوطنية بشدة. وفي الرابع من حزيران/ يونيو 1936 شكّل ليون بلوم، زعيم الجبهة الشعبية اليسارية، حكومة فرنسية جديدة بعد سقوط حكومة ألبير سارو، وفي إثر ذلك تقدمت المفاوضات بين الطرفين الفرنسي والسوري اللذين وقّعا في التاسع من أيلول/ سبتمبر 1936 معاهدة الصداقة والتحالف التي نصت على أن سورية ستنال استقلالها بشروط محددة، بعد مرحلة انتقالية تستمر ثلاث سنوات، وبعد أن يبرمها الطرفان. بعد توقيع المعاهدة، أجريت في سورية الانتخابات العامة للمجلس النيابي في تشرين الثاني/ نوفمبر 1936، وحققت الكتلة الوطنية فيها انتصارًا ساحقًا، وشكلت حكومة جديدة برئاسة جميل مردم. وانتخب المجلس النيابي السوري هاشم الأتاسي رئيسًا لسورية. وفي كانون الأول / ديسمبر 1936 أبرم المجلس النيابي السوري المعاهدة، في حين رفض البرلمان الفرنسي القيام بالمثل. وظلت الحكومة السورية برئاسة جميل مردم تبذل الجهد في السنتين التاليتين لدفع البرلمان الفرنسي إلى إبرام المعاهدة لكي تصبح سارية المفعول، ولكن من دون جدوى19.

  1. رسالة موشيه شاريت إلى الإدارة الصهيونية في 7 أيار/ مايو 1936، في: موشيه شاريت، يوميات سياسية (يومان مديني)، عبري، (تل أبيب: عام عوفيد، 1968)، ج 1، ص 103.
  2. للمزيد بشأن المعارضة الشهبندرية، انظر: فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي، ص 629-635. وللمزيد بشأن أجواء الصراع بين المعارضة الشهبندرية والكتلة الوطنية بُعَيد عودة عبد الرحمن شهبندر إلى سورية، انظر: نصوح بابيل، صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين، ط 2 (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 001 2)، ص 114-122.
  3. للمزيد، انظر: خوري، المصدر نفسه، ص 93-370 2.
  4. نص وثيقة القانون الأساسي للكتلة الوطنية السورية في: وليد المعلم، سوريا 1918-1958: التحدي والمواجهة (نيقوسيا: شركة بابل للنشر، 1985)، ص 63-268 2. انظر كذلك: بابيل، صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين، ص 90-94.
  5. للمزيد بشأن سياسة التعاون المشرف التي تبنتها الكتلة الوطنية، انظر: خوري، سوريا والانتداب الفرنسي، ص 371-443.
  6. ذوقان قرقوط، تطور الحركة الوطنية في سورية 1920-1939 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1975)، ص 152.
  7. نزار كيالي، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر، 1920-1950 (دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1997)، ص 89-90.

التزمت الكتلة الوطنية في ميثاقها الوطني الصادر في 10 كانون الثاني/ يناير 1936 برفض وعد بلفور، وبمقاومة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وبالسعي إلى تحقيق اتحاد الأقطار العربية20. وعند تفجر الثورة العربية الفلسطينية الكبرى في 1936، فرضت مجموعة من الأسئلة نفسها على قيادة الكتلة الوطنية السورية في تلك المرحلة من نضالها لاستقلال سورية، كان في مقدمها: هل تساهم الكتلة الوطنية في دعم الثورة العربية الفلسطينية ومساندتها في نضالها ضد الوطن القومي اليهودي في فلسطين والحركة الصهيونية برمّتها، انسجامًا مع مواقف الكتلة الوطنية وقراراتها الرافضة وعد بلفور والملتزمة بمقاومة الوطن القومي اليهودي في فلسطين؟ هل تتخذ الكتلة الوطنية موقفًا محايدًا وتحجم عن تقديم الدعم والمساندة للثورة الفلسطينية، خشية تأثير هذا الدعم في مواقف كل من بريطانيا وفرنسا والحركة الصهيونية و"اليهود في العالم" من استقلال سورية ومن مسألة إبرام البرلمان الفرنسي المعاهدة؟ هل تقف الكتلة الوطنية ضد تقديم الشعب السوري وقواه الوطنية الدعم للثورة في فلسطين؟ ما هو مفهوم الكتلة الوطنية للعلاقة بين النضال الوطني السوري من أجل الاستقلال، والنضال الوطني الفلسطيني ضد الصهيونية والاستعمار البريطاني من أجل استقلال فلسطين والحفاظ على عروبتها؟ ما هو موقف الكتلة الوطنية من الحركة الوطنية الفلسطينية ومن استمرار الثورة الفلسطينية؟ وهل يجب التعامل معها كحليف ينبغي مساعدته والتنسيق معه للاستمرار في الثورة من منطلقات وطنية سورية وقومية عربية أم اعتبار استمرار الثورة عبئًا على الكتلة الوطنية- في سعيها لتحقيق الاستقلال- وينبغي وقفها؟ هل الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية الهادفتان إلى إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين عدوّان ينبغي مقاومتهما للحيلولة دون تحقيق هدف إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، أم ينبغي التفاوض معهما من أجل تحقيق استقلال سورية؟ هل التفاوض مع الوكالة اليهودية يخدم فعلًالنضال من أجل استقلال سورية؟ هل القضية الفلسطينية ورقة من الأوراق التي يمكن استخدامها في سعي الكتلة الوطنية لتحقيق استقلال سورية؟ يتبين من تقارير "القسم العربي" في الوكالة اليهودية أن موقف الكتلة الوطنية لم يكن موحدًا تجاه الثورة الفلسطينية وتقديم الدعم لها، بل تعددت فيها الآراء ووجهات النظر إزاء هذه المسألة؛ ففي حين قاد شكري القوتلي، بالتعاون مع عدد من القادة الوطنيين السوريين - وفي مقدمتهم نبيه العظمة وعادل العظمة اللذان كانا حتى سنة 1936 ملاحَقين من سلطات الانتداب الفرنسية ويعيشان في خارج سورية - الأنشطة الداعمة للثورة الفلسطينية، مثل جمع التبرعات المالية وتهريب السلاح وتشجيع انخراط المقاتلين السوريين في الثورة في فلسطين، اتخذ عدد من قادة الكتلة، وفي مقدمتهم جميل مردم ونسيب البكري ولطفي الحفار وفوزي البكري، موقفًا مغايرًا لموقف شكري القوتلي ومتحفظا جدًا حيال الثورة الفلسطينية وتقديم الدعم لها، ومهادنًا للوكالة اليهودية. زاد من حدة المعضلة التي واجهتها الكتلة الوطنية بشأن موقفها وسياستها تجاه الثورة في فلسطين مجموعة من العوامل المتضاربة، التي ضغطت باتجاهات مختلفة على قيادة الكتلة الوطنية السورية؛ فقد كان هناك في صيف سنة 1936 تعاطف كبير للغاية ودعم حقيقي واسع من الشعب السوري وقواه الوطنية للثورة الفلسطينية في جميع المجالات، منها جمع التبرعات المالية وتهريب السلاح ومشاركة المئات من الثوار السوريين في القتال في فلسطين جنبًا إلى جنب مع الثوار الفلسطينيين. ولكن كان في قيادة الكتلة، من ناحية أخرى، خشية وتحسّب من موقف بريطانيا وردّة فعلها أساسًا، وأيضًا من ردة فعل الحركة الصهيونية و"اليهود في العالم"، في حال تقديم الدعم للثورة في فلسطين. وكان عدد كبير من قادة الكتلة المهمين يخشون خسارة مساندة بريطانيا السياسية لهم في نضالهم من أجل استقلال سورية، لأن الثورة الفلسطينية كانت موجهة ضد كل من الصهيونية وبريطانيا. أضف إلى ذلك تضرر الاقتصاد السوري من الإضراب العام ومن الثورة الفلسطينية؛ إذ كانت فلسطين سوقًا مهمة للمنتوجات السورية. كما كانت الكتلة الوطنية تخشى أن تخرج الأنشطة السورية المختلفة المناصرة للثورة الفلسطينية، كالتظاهرات والإضرابات العامة، عن سيطرتها، وتتحول أعمالً ضد فرنسا، وهو ما قد يقود إلى استعمال سلطات الانتداب الفرنسي القبضة الحديدية العسكرية ضد قادة الكتلة، بما في ذلك الزجّ بهم في السجن وإبعادهم وتهميش دورهم ودور كتلتهم21. كانت الكتلة الوطنية تبحث في تلك المرحلة الحرجة من سعيها لنيل استقلال سورية عن أي طرف يستطيع التأثير في فرنسا لمنح سورية الاستقلال. ومن المفارقات أن قيادتها ظنّت في تلك الفترة، التي ازداد فيها زخم الثورة الفلسطينية، أن الوكالة اليهودية بالذات قد تكون ذلك الطرف

  1. شمس الدين الكيلاني، تحولّات في مواقف النّخب السوريّة من لبنان 1920-2011 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 012 2)، ص 93.
  2. للمزيد انظر إلى: خوري، سوريا والانتداب الفرنسي، ص 602-604.

الذي قد يساعدها في التأثير في فرنسا للغرض المذكور. ويبدو أن وصول ليون بلوم، زعيم الجبهة الشعبية اليسارية الذي كان قد ساهم في تأسيس الوكالة اليهودية سنة 1929، إلى سدة الحكم في فرنسا، ساهم في زيادة بعض الآمال لدى قيادة الكتلة في إمكان التأثير في فرنسا من خلال إقامة علاقات مع الوكالة اليهودية، لكن كان ذلك مبنيًا على فرضيات غير صحيحة بشأن الصهيونية واليهود، مثل أن الصهيونية واليهود يسيطران على سياسات الدول العظمى وعلى وسائل الإعلام وعلى رأس المال في العالم. وفي سياق سعيها للحصول على مساعدة الوكالة اليهودية في التأثير في فرنسا لمنح سورية الاستقلال، أبدت الكتلة الوطنية استعدادها في المفاوضات التي أجرتها مع الوكالة اليهودية، كما سنرى، للقيام بدور الوسيط بين الوكالة اليهودية والحركة الوطنية الفلسطينية.

بداية الاتصالات بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية

في أيلول / سبتمبر 1935 زار فلسطين فخري البارودي، العضو القيادي في الكتلة الوطنية، ورئيس منظمة "القمصان الحديدية" وصاحب "مكتب الدعاية والنشر". وكان البارودي معنيًا بالاطلاع في تلك الزيارة على أوضاع المشروع الصهيوني في فلسطين، فالتقى، من خلال أحد أصدقائه العرب الفلسطينيين، بممثل الوكالة اليهودية إلياهو أبشتاين، ومكث في ضيافته يومين كاملين زار خلالهما مشاريع ومؤسسات تعليمية وزراعية وصناعية يهودية صهيونية مختلفة، وعددًا كبيرًا من "الكيبوتسات"، والجامعة العبرية في القدس22. كانت زيارة قائد وطني عربي بوزن البارودي للمؤسسات الصهيونية غير عادية وغير مألوفه حينئذ. ولم يخف البارودي عن أبشتاين انبهاره بالتطور العلمي والتقني للمشاريع والمؤسسات التي زارها، وعبّ في الوقت نفسه عن خشيته من أخطار المشروع الصهيوني المتطور علميًا على العرب. واستفسر مضيفه عن قضايا سياسية، وفي مقدمتها موقف الحركة الصهيونية من القومية العربية والوحدة العربية، وإمكانية التوصل إلى تفاهم بين اليهود والعرب في البلدان العربية يقوم على أساس الحياة المشتركة في إطار سياسي واحد. فاقترح عليه أبشتاين الاجتماع إلى رئيس الدائرة السياسية للوكالة اليهودية موشيه شاريت، من أجل الحصول على إجابات عن تلك الأسئلة. بيد أن البارودي كان حذرًا فرفض الاقتراحَ لكي لا تأخذ زيارته بُعدًا سياسيًا23، ودعا في ختام زيارته إلياهو أبشتاين إلى استئناف الحديث بينهما، إذا ما قام الأخير بزيارة دمشق. وأرسل من لبنان رسالة إلى أبشتاين طلب فيها أن يرسل له منشورات ومعلومات عن المؤسسات الصهيونية في فلسطين، مثل الهستدروت والهاغاناه والكيرن كييمت والحركة التصحيحية، وقرارات المنظمة الصهيونية، وكذلك إحصاء يتعلق بعدد المدارس الزراعية والصناعية والتجارية والتعليمية بمراحلها المختلفة24. في حزيران/ يونيو 1936 بحثت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية السياسة التي ينبغي اتباعها تجاه البلدان العربية المجاورة لفلسطين، في ضوء تعاظم الثورة في فلسطين واتساع نطاقها، وفي ضوء المستجدات في سورية. وكان أحد القرارات التي اتخذتها الدائرة السياسية هو السعي إلى إقامة علاقات مع الكتلة الوطنية في سورية، بغرض وقف الدعم السوري بمختلف أشكاله للثورة العربية الفلسطينية أو تقليصه. إلى جانب ذلك، كانت الوكالة اليهودية تخشى من أن يؤدي نضال الشعب السوري بقيادة الكتلة الوطنية إلى استقلال سورية استقلالً كاملا أو شبه كامل، ومن إمكانية عقد سورية معاهدة مع فرنسا على غرار المعاهدة التي كانت قائمة بين العراق وبريطانيا، بحيث تتعزز قدرات سورية الذاتية وإمكانات زيادة دعمها للشعب الفلسطيني وثورته ضد الصهيونية وبريطانيا25. وبناء على توجيه من شاريت، سافر أبشتاين ووفد معه إلى دمشق في تموز / يوليو 1936 للاتصال بالكتلة الوطنية وعقد اجتماعات مع قيادتها، فزار أبشتاين ضيفَه السابق فخري البارودي، بغرض تنظيم اجتماع رسمي مع الكتلة الوطنية في سورية.

  1. أبشتاين، عودة صهيون والعرب، ص 286-287.
  2. المصدر نفسه.
  3. رسالة فخري البارودي إلى إلياهو أبشتاين في 22 / 9 / 1935، ملف 10121 / S25، الأرشيف الصهيوني المركزي. ذكر فخري البارودي في رسالته إلى أبشتاين والتي كتبها باللغة العربية: "أعلم أنك ستتعب بجمع المطلوب ولكن هذا التعب سيهون عندما تعلم أنك كسبت صديقا مثلي بما تقدمه له من هذه التشكيلات التي يجب على العرب أن يتعلموا منها ويأخذوا عنها ما يمكن أخذه مما يوافق طباعهم وعاداتهم".
  4. أبشتاين، عودة صهيون والعرب، ص 88.

قبل عرض ما دار في هذا الاجتماع وفي الاجتماعات الأخرى التي أجراها ممثلو الوكالة اليهودية مع قادة الكتلة الوطنية، من المهم الإشارة إلى أنّ موفدي الوكالة اليهودية أظهروا تمسكًا شديدًا بالمشروع الصهيوني الهادف إلى إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، وحاولوا في الوقت نفسه تجميل هذا المشروع والادعاء أنه لا يؤذي الشعب العربي الفلسطيني. وقد تجنبوا في مفاوضاتهم مع قادة الكتلة الحديث عن سياسة الوكالة اليهودية وإستراتيجيتها الحقيقيتين تجاه الشعب العربي الفلسطيني، واللتين هدفتا إلى ترحيل الفلسطينيين من بلادهم، ليتسنى إقامة دولة يهودية في فلسطين. وفي هذا السياق طرحت الحركة الصهيونية منذ بداية القرن العشرين الشعارات الصهيونية الثلاثة: احتلال الأرض، واحتلال العمل (العمل العبري)، والإنتاج العبري. وقد تشكل في ثلاثينيات القرن المنصرم أثناء الثورة العربية الفلسطينية الكبرى 1936 – 1939 إجماع صهيوني يدعو إلى ترحيل العرب الفلسطينيين من فلسطين، شمل جميع الأحزاب والهيئات والمنظمات الصهيونية المختلفة26. وشكّلت الوكالة اليهودية ثلاث لجان ترحيل من أجل وضع الخطط العملياتية لترحيل العرب الفلسطينيين إلى الدول العربية؛ الأولى في عام 1937، والثانية في عام 1942، والثالثة في عام 1948. ومن المفارقات أن جميع ممثلي الوكالة اليهودية الذين أجروا المفاوضات الرسمية مع الكتلة الوطنية وادّعوا في هذه المفاوضات أنّ الصهيونية تجلب الخير والبركة للشعب العربي الفلسطيني، كانوا أعضاء مهمين في لجان الترحيل هذه. فقد كان الياهو أبشتاين أمين عام لجنة الترحيل الأولى، ووضع هو نفسه خططًا لتهجير العرب الفلسطينيين إلى منطقة الجزيرة في سورية بعد أن زارها بتكليف من لجنة الترحيل الأولى وقدّم تقريرًا واسعًا عنها للجنة الترحيل27؛ وكان أيضًا كلّ من الياهو ساسون ودوف هوز ودافيد هاكوهين ويوسف نحماني أعضاء مهمين في لجان الترحيل28. وغنيّ عن القول إنّ لجان الترحيل الثلاث هذه كانت سرّية في حينه وإنّ قادة الكتلة الوطنية والنخب السورية الأخرى لم يكن لديهم معرفة بهذه اللجان ولا بأنّ مندوبي الوكالة اليهودية الذين اجتمعوا معهم كانوا أعضاء مهميّن في لجنة ترحيل الشعب العربي الفلسطيني من فلسطين.

اجتمع أبشتاين بفخري البارودي يف دوما

جرى في 17 تموز / يوليو 1936 اجتماع بين أبشتاين والبارودي في دوما بالقرب من دمشق، وكان بحضور عاموس لندمن29 ودافيد لوزيه. ودار الحديث بين الجانبين عن الوضع في كل من فلسطين وسورية، وعن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الوكالة اليهودية والحركة القومية العربية30. ادعى أبشتاين في حديثه مع البارودي خلال ذلك الاجتماع أن المشروع الصهيوني الساعي لإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين لا يضر الشعب العربي الفلسطيني ولا يؤذيه، بل يجلب له الخير والبركة. وأنكر أن يكون سبب الثورة الفلسطينية يعود إلى الأضرار المختلفة التي يلحقها المشروع الصهيوني بالشعب الفلسطيني وإلى المخاطر التي يحملها هذا المشروع على وجودهم. وأكد أن الوكالة اليهودية تتمسك باستمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وترفض وقفها أو تقليصها تحت أي ظرف. وادعى أن استملاك الوكالة اليهودية الأراضي العربية الفلسطينية لن يؤدي إلى اقتلاع الفلاحين من أراضيهم.

  1. للمزيد عن الإجماع الصهيوني الداعي لترحيل العرب الفلسطينيين، انظر: محمود محارب، "الصهيونية والهاجس الديمغرافي"، شؤون فلسطينية، العدد 194، أيار/مايو 1989؛ وانظر: نور الدين مصالحة، طرد الفلسطينيين: في مفهوم الترانسفير في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1982 – 1948 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992.)
  2. نشر إلياهو أبشتاين (ايلات) هذا التقرير تحت عنوان "الجزيرة" في كتابه، عودة صهيون والعرب، مصدر سبق ذكره، ص 160- 170.
  3. ايلات، عودة صهيون والعرب، ص. 160.
  4. عاموس لندمن (1904-1987): ول د في بيروت وتخرج في الجامعة الأميركية. عمل منذ أواسط الثلاثينيات جاسوسًا ل "القسم العربي"، وشمل نشاطه الاستخباري لبنان وسورية والعراق، وشارك في تهريب المهاجرين اليهود عن طريق بيروت إلى فلسطين. هاجر في أواخر الثلاثينيات إلى فلسطين واستوطن فيها.
  5. محضر اجتماع إلياهو أبشتاين وفخري البارودي في 17 / 7 / 1936، ملف 9783 / S25 الأرشيف الصهيوني المركزي. انظر كذلك المحضر نفسه في: أبشتاين، عودة صهيون والعرب، ص 417 – 421.

وفي ما يتعلق بموقف الصهيونية من القومية العربية واستقلال سورية، ادعى أبشتاين أن الصهيونية تؤيد تطلعات العرب القومية بشكل عام، والسوريين بشكل خاص. وأشار إلى أن السوريين يقفون على عتبة الاستقلال، وإلى أن تعزيز الاستقلال بعد تحقيقه يتطلب قوة مادية وتقنية وعلاقات جيدة مع الجيران، وأن الحركة الصهيونية على استعداد لمساعدة الحركة القومية العربية من أجل تعزيز استقلال الدول العربية. كما ادعى أن الحركة الصهيونية لا تتناقض مع المصالح القومية العربية ولا تضرها، وأن العرب لا يقدّرون، كما يجب، أهمية الحركة الصهيونية في تطور المشرق، والفائدة الكبيرة التي بإمكانهم جنيها من ازدهار الصهيونية، وأنحى باللائمة على القوميين العرب السوريين لعدم إدراكهم ذلك. في ردّه، وطوال حديثه مع أبشتاين في هذا الاجتماع، لم يَر فخري البارودي أنّ الحركة الصهيونية هي عدوّ استعماري استيطاني غريب عن هذه المنطقة، وأنّها تسعى بواسطة الهجرة والاستيطان إلى إقامة وجود لها، بالتحالف مع القوى الاستعمارية، على حساب وجود الشعب العربي الفلسطيني. ففي ردّه على أبشتاين، وافق البارودي أبشتاين الرأي بشأن"الفائدة الكبرى"، التي قد يجنيها "الشعب العربي بأسره"، إذا ما تعاون مع "الشعب اليهودي". وأضاف، إنّ الحركة القومية العربية لم تنضج بما فيه الكفايه بعد، لتدرك الأمور وتتخذ منها موقفًا وفقًا للمصالح وليس وفقًا للتناقضات القائمة. واستطرد فخري البارودي مخاطبًا أبشتاين: "لا تنسوا أنكم تفكّرون منذ ألفي عام في المشروع الصهيوني، فلا عجب والحال كهذه أن يكون لكم برنامج ذو رؤية بعيدة المدى وأن تكون معالم الطريق واضحة أمامكم". واقترح البارودي على أبشتاين أن تعطي الصهيونية إشارات واضحة للعرب عن حسن نواياها تجاههم من أجل أن تكسب ثقتهم. وأضاف، إنّ العرب يدركون قوة اليهود في العالم ولا يستهينون بها، "فأنتم تسيطرون على نصف الصحافة العالمية أو على ثلثيها، حاولوا أن تقوم هذه الصحافة بخدمة مصالحنا أيضًا كما هي تخدم مصالحكم، وحاولوا استعمال نفوذكم الكبير في الدوائر الأوروبية والأميركية لمصلحتنا ولمصلحتكم". وقال البارودي إنّ الصهيونية اتجهت حتى الآن نحو الدول الغربية، وأنه عليها تعديل مسارها والتوجّه نحو الشرق، إن كانت تريد التوصل إلى تفاهم كامل مع العرب. ولم يوضح البارودي أسس هذا التفاهم الكامل بين العرب والصهيونية، ولكنه أعرب عن قناعته بالعمل المشترك بين الوكالة اليهودية والعرب "فعندكم الخبرة والمال وعندنا الأرض وقوّة العمل، وإذا ما جرى التعاون بيننا فإنّني أرى منذ الآن كيف سيتعلم أبناؤنا العبرية وأبناؤكم العربية". وأردف البارودي، بأنّ ما ذكره الآن لا يستطيع البوح به لا لزوجته ولا لأعزّ أصدقائه، لأنه ليس بوسعهم أن يفهموه وذلك بسبب تربيتهم. وفي ما يخص الثورة في فلسطين قال البارودي: "لقد بذلت كل ما بوسعي لكي لا يتفاقم الوضع في فلسطين. آلاف الشباب السوريين أرادوا الذهاب إلى فلسطين لمساعدة إخوانهم ومنعناهم من القيام بذلك. وقد أعقنا أيضًا تهريب السلاح. وليكن معلومًا لكم أنّ تهريب السلاح إلى فلسطين يقوم به فقط المهربون المعنيون بالربح المالي، وليس لدوافع قومية. فقد أوقفنا تهريب السلاح الذي كان يجري من دوافع قومية". وتطرّق البارودي إلى مسألة وقف الثورة الفلسطينية، وإلى دور الوسيط الذي كان يتطلع أن تقوم به الكتلة الوطنية السورية بين الحركة الوطنية الفلسطينية والوكالة اليهودية، فشدد على أنه "لا توجد قوة في العالم بإمكانها إيقاف الثورة الفلسطينية من دون الاستجابة لشروط مسبقة". وأضاف، إنّ "مفتاح وقف الثورة في فلسطين يوجد في يدكم وهو وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين. فوقفها لفترة معينة سيمكّننا من الاتصال بالقيادة الفلسطينية وتمهيد الأرض للتوصل إلى اتفاقية في ما بينكم". وقد ردّ الياهو أبشتاين بوضوح وأكّد ثانية أنّ الوكالة اليهودية لن توافق إطلاقًا على وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وحتى لو كان ذلك الوقف موقّتًا. وردّ البارودي وقال إنه من دون وقف الهجرة لا يمكن الحديث عن اتفاق بين العرب واليهود في فلسطين. فمطلب وقف الهجرة اليهودية هو أهمّ مطالب الثورة في فلسطين، ولن يوقف الفلسطينيون ثورتهم من دون وقف الهجرة اليهودية. وأضاف، "إذا ما أعطيتموني تلميحًا بأنّكم مستعدون لقبول هذا الشرط فسنذهب أنا والعديد من قيادة الكتلة الوطنية في سورية مثل شكري القوتلي ولطفي الحفار وغيرهما، إلى قادة الفلسطينيين بهدف حثّهم للتفاوض معكم. وإلا فلن نقبل القيام بأيّ دور في هذه القضية". عند ذلك، اقترح الياهو أبشتاين على فخري البارودي تناول موضوع العلاقات العربية – اليهودية في فلسطين ليس من خلال الثورة في فلسطين ومطالبة الحركة الوطنية الفلسطينية بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإنما من خلال "معالجة ودراسة مجمل العلاقات العربية – اليهودية في فلسطين من جميع جوانبها". ووعد فخري البارودي بالتفكير في هذا الموضوع من الزاوية التي طرحها الياهو أبشتاين، وقال إنّه سيخبر قيادة الكتلة الوطنية بما دار في هذا الاجتماع وأنّه سيقترح عقد اجتماع بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية لإجراء حوار شامل وجذري بين الطرفين، بخصوص مجمل العلاقات العربية – اليهودية. وسيقوم داود لوزيه بإخبار أبشتاين عن قرار الكتلة بهذا الأمر. ذكر الياهو أبشتاين خلال حديثه في هذا الاجتماع أنّه يعتزم السفر إلى أوروبا، وأنه سيزور باريس، فاقترح فخري البارودي أن يعطي البارودي أبشتاين رسالة توصية كي يجتمع مع الوفد السوري المفاوض في باريس.

وقد سأله أبشتاين عن كيفية مساعدته الوفد السوري في باريس، فأجابه البارودي بأن يقول للفرنسيين إذا عاد الوفد السوري إلى سورية من دون تحقيق نتائج فإنه ستنشب ثورة عظيمة لم تشهدها سورية من قبل. وفي نهاية الاجتماع وأثناء وداعه ضيوفه قال فخري البارودي لأبشتاين: "لو أنّ الوكالة اليهودية تقوم بمساعدة الوفد السوري في باريس فإنّ ذلك من شأنه أن يثبت مشاعر الودّ التي يكنّها الشعب اليهودي للشعب العربي، وذلك رغم الثورة والصراع الدائر مع العرب الفلسطينيين. ومن شأن عمل كهذا أن يعطي الكتلة الوطنية سلاحًا قويًّا للمبادرة باتجاه المواضيع التي جرى نقاشها"31. يتبين من التقارير التي أرسلها لوزيه وبينتو إلى الوكالة اليهودية أن البارودي قدم تقريرًا إلى قيادة الكتلة الوطنية عن اجتماعه مع أبشتاين، وأنه لم يكن واضحًا لقيادة الكتلة ما إذا كان هذا الاجتماع جرى بين الطرفين بشكل شخصي أم بشكل رسمي. وقد طلب أبشتاين من لوزيه أن يوضح لقيادة الكتلة أن الاجتماع الذي جرى بينه وبين البارودي كان اجتماعًا رسميًا، وأن أبشتاين اجتمع إلى البارودي بوصف الأخير أحد قادة الكتلة الوطنية، وأن المواد المتعلقة بالمؤسسات الصهيونية أرسلها إلى البارودي بصفته قائدًا في الكتلة الوطنية وليس بصفته الشخصية32.

الاجتمع الرسمي الأول بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية

بعد مرور أسبوعين على اجتماع فخري البارودي مع الياهو أبشتاين عقد الاجتماع الرسمي الأول بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية في بيت فخري البارودي في بلودان في الأول من آب / أغسطس 1936. وقد مثّل الكتلة الوطنية في هذا الاجتماع الذي دام ساعتين ونصف الساعة، شكري القوتلي وفخري البارودي ولطفي الحفار، ومثّل الوكالة اليهودية الياهو أبشتاين وعاموس لندمن، وشارك أيضًا في هذا الاجتماع داود بينتو33. افتتح الاجتماع فخري البارودي فأشار إلى أنه قدّم تقريرًا عن اجتماعه مع أبشتاين إلى قيادة الكتلة الوطنية وأنّ قيادة الكتلة الوطنية قرّرت بناءً على تقريره عقد اجتماع مع ممثلي الوكالة اليهودية بهدف استيضاح موقف الوكالة اليهودية والحصول منهم على معلومات وتوضيحات، وبناءً على ذلك ستقرر الكتلة الوطنية إن كانت هناك جدوى للاستمرار في المفاوضات مع الوكالة اليهودية. وأكّد البارودي على أهمية هذا الاجتماع وأنه يدلّ على أن موضوع العلاقات بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية لم يعد يقتصر على اتصالات شخصية فقط وإنما دخل مرحلة جديدة؛ لأنّ المشاركين في هذا الاجتماع هم ممثلون رسميون لكلٍّ من الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية. وبعد مقدمته التوضيحية القصيرة طلب فخري البارودي من الياهو أبشتاين الشروع في الحديث. أشار الياهو أبشتاين في بداية حديثه إلى أنّ هذا الاجتماع ليس الأول الذي يعقده ممثلو الوكالة اليهودية مع قيادات عربية، إذ التقى قادة صهاينة مع قادة عرب في الماضي، ولكن هذا الاجتماع هو الاجتماع الرسمي الأول الذي يُعقد بين مندوبين عن الوكالة اليهودية وممثلين عن الكتلة الوطنية. ثم طرح أبشتاين الرواية التاريخية الصهيونية للصراع العربي - الصهيوني وللمسألة اليهودية في أوروبا ولظهور الصهيونية، وادّعى أنّ اليهود في أنحاء العالم المختلفة يشكّلون أمة وقومية وديانة في آن واحد وأنّ الحركة الصهيونية هي "حركة التحرر القومي لليهود في العالم"، وربط بين اليهود الذين يعيشون في أوطانهم في أوروبا مع أتباع الديانة اليهودية القدماء الذين عاشوا في المشرق. ثم عالج موضوعين أساسيين؛ أوّلهما الوضع في فلسطين، وثانيهما العلاقات "العربية – اليهودية"، أي العلاقات بين مجمل العرب في الوطن العربي واليهود في فلسطين والعالم، وإمكانية التوصل إلى اتفاق "عربي – يهودي" شامل بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية في سورية. كغيره من الكولونياليين، امتدح الياهو أبشتاين مشروع الحركة الصهيونية الاستيطاني في فلسطين الهادف إلى إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين. وادّعى أنّ هذا المشروع الاستيطاني لا يأتي على حساب الشعب الفلسطيني ولا يلحق أيّ نوع من الأذى بهم، وإنما يفيدهم ويرفع من مستواهم الاقتصادي، وتجاهل كليةً أنّه يتناقض مع وجود الشعب الفلسطيني في وطنه ومع حقوقه القومية وفي مقدمتها حقّه في تقرير مصيره

  1. المصدر نفسه.
  2. رسالة إلياهو أبشتاين إلى دافيد لوزيه في 26 / 7 / 1936، ملف 10121 / S25، الأرشيف الصهيوني المركزي.
  3. محضر اجتماع الوكالة اليهودية مع الكتلة الوطنية في بلودان في 1-8-1936، ملف 10093 / S25، الأرشيف الصهيوني المركزي؛ انظر كذلك إلى المحضر نفسه في: أبشتاين، عودة صهيون والعرب، ص 422-428.

بحرية وإنشاء دولته المستقلة. ذكر أبشتاين أنّه يوجد في فلسطين 400 ألف يهودي ويدعمهم 17 مليون يهودي في العالم. ويسعى هؤلاء ال 400 ألف يهودي إلى إقامة وطن قومي يهودي ليس فقط لهم وإنما أيضا لليهود الموجودين في العالم والذين سيهاجرون إلى فلسطين. وأضاف، "لا توجد أيّ قوة، خارجية أو داخلية، تستطيع منع تحقيق إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين". واستطرد أبشتاين قائلً إنّه لا يمكن تبرير أسباب الثورة الفلسطينية بادّعاء أنّها اندلعت بسبب إلحاق الصهيونية الأضرار المادية أو أيّ نوع آخر من الأضرار، بالشعب الفلسطيني. فالصهيونية لم تلحق وفق ما ادّعى أبشتاين أيّ ضرر بالفلسطينيين. أمّا إذا كان العرب الفلسطينيون يخشون من أنّ تطوّر الوطن اليهودي قد يلحق الأضرار بالفلسطينيين، فإنّ الوكالة اليهودية على استعداد لأن تقدم الضمانات المطلوبة التي تضمن ألّ يؤذي الوطن القومي اليهودي العرب الفلسطينيين بأيّ شكل من الأشكال. ثم اقترح أبشتاين أن يجري بحث هذه الضمانات في الاجتماعات المقبلة بين الجانبين. أمّا في ما يخصّ موضوع العلاقات بين الوكالة اليهودية والحركة القومية العربية عمومًا والكتلة الوطنية بخاصة، فأشار الياهو أبشتاين إلى أنّ قادة الكتلة الوطنية في سورية هم الأكثر ملاءمةً من غيرهم من القوميين العرب في إدراك أهمية هذا الموضوع، وإلى أنهم الأكثر قدرة على إيجاد حلّ للقضية في فلسطين، بما يخدم العرب واليهود في فلسطين. ادّعى أبشتاين أنّ الوكالة اليهودية تؤيد استقلال سورية لأنّ ذلك بحسب اعتقاده سيقود إلى سلام في المنطقة بأسرها ويشكّل أيضًا ضمانة لبناء علاقات بين سورية والوكالة اليهودية في مختلف المجالات، ولا سيما في المجال الاقتصادي. أشار أبشتاين إلى أنّ لليهود في العالم قوةً لا يستهان بها في مجالات مهمة في دول كثيرة، وإلى أنّ سورية ستبقى في حاجة إلى طاقات علمية وتنظيمية وتكنولوجية ومالية كبيرة بعد أن تحقّق استقلالها، وأنّ العالم العربي لا يمتلك هذه الطاقات، وأنّ الوكالة اليهودية لديها هذه الطاقات و"بإمكاننا أن نضعها تحت تصرّفكم من دون أن تثير خشية العرب وقلقهم، لأن تطلعاتنا القومية لا تتعدى حدود فلسطين". وأضاف أبشتاين أنّه "من أجل التوصل إلى اتفاق يهودي - عربي على الكتلة الوطنية إظهار تفهّمها والاعتراف بالتطلعات القومية للشعب اليهودي وقبول حقّه التاريخي في إقامة وطنه القومي في فلسطين. ومن الواضح أن هذا الأمر مشروط بمنحنا العرب الفلسطينيين ضمانات كافية التي تحفظ مصالحهم". في ردّه على أبشتاين، بدأ شكري القوتلي بالمجاملات المتَّبعة في مثل هذه الاجتماعات، وأعرب عن أمله في التوصّل إلى تفاهم بين الجانبين. وقال إنّ فكرة التفاهم بين العرب واليهود ليست جديدة بالنسبة إلى القادة السوريين "فقد تعاونّا مع المرحوم الملك فيصل بهذا الشأن منذ البداية، قبل وبعد تتويجه ملكًا على سورية". ثم عالج شكري القوتلي القضايا المركزية التي طرحها أبشتاين في مداخلته، لا سيّما موقف الصهيونية وسياستها تجاه الشعب العربي الفلسطيني، وتجاه الكتلة الوطنية في سورية والحركة القومية العربية، ومسألة التوصل إلى اتفاق يهودي - عربي شامل. رفض شكري القوتلي الادّعاء الصهيوني أنّ هناك حقًّا تاريخيًّا لليهود في فلسطين بدعوى أنّ اليهود عاشوا في فلسطين قبل ألفَي عام، وميّز بين حياة اليهود مع العرب بسلام خلال العصور الماضية و سعي الصهيونية إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وأكّد أنّه لولا سعي الصهيونية إلى إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين لما عارض العرب الفلسطينيون والعرب في البلدان العربية هجرة اليهود إلى فلسطين وإلى البلدان العربية. وفي ما يخص ادّعاء أبشتاين أنّ المشروع الصهيوني في فلسطين أدّى إلى رفع مستوى الفلسطينيين قال شكري القوتلي إنّ المسألة الأساسية في نظر الفلسطينيين تكمن في الخطر من المشروع الصهيوني نفسه، من الخطر الذي يشكّله إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين من خلال هجرة اليهود من أرجاء العالم إلى فلسطين، على الشعب العربي الفلسطيني. فهذا يقود إلى أن يؤول الحكم في فلسطين إلى اليهود عاجلً أو آجلً، ما يؤدّي إلى خسران العرب الفلسطينيين كل شيء بما في ذلك مستوى معيشتهم الذي ادّعى أبشتاين أنّ الصهيونية رفعته. ثم استفسر شكري القوتلي عن الضمانات التي أشار إليها أبشتاين باقتضاب، والتي مفادها أنّ الوطن القومي اليهودي لن يلحق الأذى بالشعب الفلسطيني، وطلب منه تحديد هذه الضمانات. وأضاف القوتلي، إنّ ما يزيد من تعقيد المشكلة هو أنّ الوكالة اليهودية لا توضح بشكل دقيق ماذا يعني الوطن القومي اليهودي، ولا توضح إذا ما كان المقصود بهذا المصطلح احتلال كلّ فلسطين كما ينادي زئيف جابوتينسكي، الأمر الذي يقود إلى تهجير العرب الفلسطينيين من فلسطين. واستطرد سائلً، "هل تريدون إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين أم أنكم تريدون تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي؟ إذا كنتم تقصدون الإمكانية الثانية، فإنّنا نعارض ذلك بشدة وبحزم وليس هناك أية إمكانية للتوصل إلى تفاهم. ولكن إذا كنتم تقصدون الإمكانية الأولى فإننا على استعداد لبحث الضمانات التي أشرت إليها وإيجاد حلّ يخدم الطرفين المعنيَيّن". على الرغم من أنّ شكري القوتلي لم يشر إلى طبيعة الحلّ الذي يريده، لكن تمييزه بين الإمكانيتين يفتح مجالً واسعًا للتفاوض مع الوكالة اليهودية على أرضية مريحة جدًّا لها. وفي ما يخصّ العلاقة

بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية بصورة خاصة والحركة القومية العربية بصورة عامة، قال شكري القوتلي: "نحن لا ننكر ولا نستهين في قوة وتأثير اليهود في أنحاء العالم. ونحن نقدر هذا وندرك مدى حجم المساعدة الكبيرة التي بالإمكان الحصول عليها من اليهود". وأضاف، إنّ الثورة في فلسطين ستستمر، أمّا إذا ما توقفت فإنها ستتجدد بقوة وعنف أكثر، ما لم يتم إيجاد حل دائم لمشكلة العلاقات العربية – اليهودية في فلسطين. والسوريون بقيادة الكتلة الوطنية هم الأكثر ملاءَمة للعمل لحلّ هذه القضية وهم على استعداد للقيام بهذا الدور، وبذلك يتم التمهيد للتوصل إلى اتفاق شامل بين الوكالة اليهودية والعرب عامة. وأضاف القوتلي، على الرغم من المصاعب التي واجهها القوميون في سورية فإنهم رفعوا دومًا شعار الاستقلال العربي وبذلوا الجهد لتحقيقه. وعندما تحقّق سورية استقلالها فإنّ ذلك يقرب من التوصل إلى الاتفاق بين العرب واليهود. لذلك "من المهم أن تساعدونا بكل الوسائل لنيل الاستقلال، الذي سيفيدكم عند تحقيقه بشكل ملموس". واختتم شكري القوتلي مداخلته بتأكيده استعداد الكتلة الوطنية على الاستمرار في الاجتماعات مع الوكالة اليهودية، وبتعبيره عن أمله أن تقود هذه الاجتماعات إلى التوصل إلى اتفاقية بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية. واقترح القوتلي أن يركّز الاجتماع المقبل بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية على قضيتين مركزيتين مرتبطتين ببعضهما البعض، وفق ما شدّد القوتلي؛ أوّلهما العلاقات بين العرب واليهود في فلسطين، وثانيهما مسألة التوصل إلى اتفاقية بين اليهود والعرب كافة. وفي ختام الاجتماع اتفق الطرفان على ضرورة الحفاظ على سرية هذه الاجتماعات. في تعقيبه القصير، شكر الياهو أبشتاين شكري القوتلي على مداخلته وادّعى أنّ الكثيرين في الغرب يعتقدون أنّ سكان الشرق غير قادرين على العيش سوية بسلام مع بعضهم البعض، وأنّ هذا الرأي السائد في الغرب هو إحدى العقبات الكبيرة التي تقف أمام سعي العرب لتحقيق هدفهم في أن يحكموا أنفسهم، لذلك فإنّ بإمكان التوصل إلى حلٍّ سلمي للمسألة العربية – اليهودية أن يخدم العرب وأن يرفع من مكانة الشرق34.

الاجتمع الرسمي الثاين بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية

عُقد الاجتماع الثاني بين الكتلة الوطنية السورية والوكالة اليهودية في دمشق في التاسع من أيلول / سبتمبر 1936 في بيت لطفي الحفار35. وقد مثّل الكتلة الوطنية في هذا الاجتماع الذي دام ثلاث ساعات ونصف الساعة شكري القوتلي ولطفي الحفار وفايز الخوري، ومثّل الوكالة اليهودية دوف هوز36 والياهو أبشتاين ودافيد هاكوهين37 ويوسف نحماني38 وعاموس لندمان، وحضر الاجتماع أيضًا دافيد بينتو. أشار الياهو أبشتاين في بداية الاجتماع إلى أنّ الوكالة اليهودية أضافت إلى وفدها المفاوض ثلاثة من كوادرها المختصين بالمسألة العربية، وذلك بعد أن أعربت الكتلة الوطنية في الاجتماع السابق عن موافقتها على الاستمرار في المفاوضات، وأنّ هذا الوفد سيقدم تقريرًا كاملا عن مضمون هذا الاجتماع إلى قيادة الوكالة اليهودية كي تتخذ القرارات الملائمة. ثم طلب أبشتاين من شكري القوتلي تقديم عرض مختصر عن الاجتماع السابق بين الطرفين. بعد أن عرض باقتضاب القضايا الأساسية التي عالجها الاجتماع السابق. أشار القوتلي إلى أنّ وفد الوكالة اليهودية يكتب محضر هذا الاجتماع، كما كان قد كتب محضر الاجتماع السابق، وطلب باسم الوفد السوري عدم نشر أيّ شيء عن هذه الاجتماعات من دون الحصول على موافقة مسبّقة من الطرفين، وقد وافق الحاضرون على هذا الطلب. ثم تحدّث دوف هوز وطرح في بداية مداخلته ثلاث نقاط، قال في الأولى: "إنّ خوف العرب الفلسطينيين من

  1. المصدر نفسه.
  2. محضر اجتماع ممثلي الوكالة اليهودية الكتلة الوطنية، ملف نحماني 2، أرشيف تاريخ الهاجاناه.
  3. ولد دوف هوز (1894- 1940) في بولندا وهاجر في صغره إلى فلسطين، وخدم في الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى، وكان من مؤسسي المنظمة العسكرية الصهيونية "الهاجاناه" في عام 1920 ومن قادتها الأوائل. مثّل الهستدروت وحزب مباي في لندن وكان له دور كبير في تطوير العلاقات بين الوكالة اليهودية وحزب العمال البريطاني، وكان عضوًا مهمًا في "لجنة الترحيل" الأولى التي أنشأها رئيس الدائرة السياسية للوكالة اليهودية موشيه شرتوك في عام 1937 لوضع الخطط لترحيل الشعب العربي الفلسطيني من فلسطين.
  4. ولد دافيد هاكوهين (1897- 1984) في روسيا وهاجر إلى فلسطين في عام 1907، وخدم في الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى. كان من قادة حزب مباي والهاجاناه، وكان عضوًا في لجان الترحيل الثلاث التي أنشأها موشيه شرتوك في أعوام 1937 و 1942 و 1948، والتي عملت على وضع الخطط لتهجير الشعب الفلسطيني من فلسطين. أصبح عضوًا في الكنيست عن حزب مباي (ثم العمل) لفترة طويلة ورأس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست.
  5. ولد يوسف نحماني (1891-1965) في روسيا وهاجر إلى فلسطين عام 1907 وانضم إلى منظمة هاشومير (الحارس) التي تأسست عام 1909. وُظِّف في عام 1922 في دائرة الأراضي التابعة للصندوق القومي اليهودي (الكيرن كاييمت) وأصبح من كبار موظفيها في الجليل وتخصّص في شراء الأراضي العربية. كان عضوًا مهمًا في لجان الترحيل الثلاث التي أشرنا إليها سابقًا.

المشروع الصهيوني هو خوف متخيّل، لذلك فإنّ التوصل إلى اتفاق بينهم وبين اليهود أصعب من التوصل إلى اتفاق في ما لو كان هذا الخوف خوفًا حقيقيًا وقائمًا فعلً". وقال في النقطة الثانية إنّ هذه المفاوضات سيكون لها قيمة أكثر إذا ما جرى تحديد مدتها الزمنية. أما في النقطة الثالثة فأشار إلى أنّ المفاوضات ستنجح إذا رأى كل طرفٍ الفائدة التي سيجنيها هو والطرف الآخر من التوصل إلى اتفاق عربي – يهودي. ثم استعرض دوف هوز الرواية التاريخية الصهيونية، وقال إنّ اليهود ما انفكوا يحاربون منذ ألفي عام من أجل "العودة إلى صهيون" وإقامة وطنهم القومي. وادعى دوف هوز في مداخلته أنّ إقامة الوطن القومي الذي تعمل الحركة الصهيونية على تحقيقه يجلب البركة للفلسطينيين ويحسِّن من أوضاعهم الاقتصادية، وأنّ مصلحة الحركة الصهيونية توجب العمل على رفع مستوى معيشة العرب الفلسطينيين والدفاع عن مصالح الفلاح العربي الفلسطيني. وادعى هوز أنّ إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، لن يكون على حساب الشعب العربي الفلسطيني ولن يتسبّب في أيّ ظلمٍ أو استغلالٍ للفلسطينيين ولن يؤدي إلى اقتلاعهم من وطنهم. وادعى أيضًا أنّ مصلحة الحركة الصهيونية توجب العمل على رفع مستوى معيشة العرب الفلسطينيين والدفاع عن مصالح الفلاح الفلسطيني. وعند هذا الحد من قلب الحقائق، خاطب دوف هوز (وهو عضو "لجنة الترحيل" في الوكالة اليهودية التي وضعت الخطة تلو الأخرى لترحيل الفلسطينيين من فلسطين)، قائلً: "والآن أريد أن تقولوا لي بصراحة إذا كنتم تصدّقون ما قلته لكم وأن تعبّوا عن رأيكم إذا كنتم تعتقدون أن بوسع اليهود أن يفيدوكم بواسطة موهبتهم وجهدهم ومالهم. لا توجد قوة في العالم باستطاعتها إخراج اليهود من فلسطين. وفي مقابل ذلك، إذا وحّدت هاتان القوتان الكبيرتان – العرب واليهود – جهدهما لاستفادا استفادة كبيرة من عملهم هذا". في بداية رده على دوف هوز قال شكري القوتلي إنّ هناك مثلً عربيًا يقول "حضرت مائدة الطعام على أكمل وجه ووضعت عصا بجانبها". فمن ناحية قال دوف هوز إنه يريد التوصل إلى اتفاق بين اليهود والعرب، ومن ناحية أخرى قال إنه لا توجد قوة في العالم بوسعها إخراج اليهود من فلسطين. وتساءل القوتلي إن كان المقصود ال 400 ألف يهودي الذين هاجروا إلى فلسطين والموجودين الآن فيها، أم أنّ المقصود هو عدد غير محدود من اليهود الذين سيهاجرون إليها في المستقبل. ووضّح القوتلي أنّ الموضوع هنا هو موضوع سياسي وليس موضوعًا دينيًا، وأكد أنّ اليهودية هي ديانة وليست قومية، وأنّ السوري اليهودي مثلً هو عربي سوري يدين باليهودية تمامًا كما يدين السوري العربي بالإسلام أو بالمسيحية. وأضاف: لو أنّ اليهود هاجروا إلى فلسطين من دون وعد بلفور؛ أي من دون أن يكون هدفهم إنشاء وطنٍ قومي يهودي في فلسطين، لما كانت هناك أصلً مشكلة. فالمشكلة هنا هي مشكلة سياسية وتتمثل في سعي الصهيونية لإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين. وعالج شكري القوتلي الادعاء الصهيوني المتكرر بأنّ المشروع الصهيوني جلب البركة للفلسطينيين في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وتساءل عن فائدة ذلك، إن كان هذا الادعاء صحيحًا، عندما يصبح اليهود أغلبية بواسطة الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. وقارن في هذا السياق بين المشروع الصهيوني والاستعمار الفرنسي لسورية لجهة ادعاء كليهما أنهما يحسّنان الوضع الاقتصادي؛ فأشار إلى أنّ الفرنسيين أعلنوا دومًا بأنهم يريدون جلب البركة الاقتصادية لسورية وأنهم يعملون على تحسين الاقتصاد السوري وأنهم حاولوا تأجيل إعطاء السوريين حقوقهم السياسية إلى فترة لاحقة. ولم يوافق السوريون على ذلك، لأنهم يريدون أن يكونوا أسيادًا على وطنهم، ويناضلون من أجل تحقيق الاستقلال، سواء حسّن الاستعمار الفرنسي وضعهم الاقتصادي أو لم يفعل. وأضاف القوتلي، حتى إن تحسّن وضع العرب الفلسطينيين الاقتصادي فإنّ هذا التحسن مؤقت، لأنّ العرب الفلسطينيين سيخسرون كل ما يمتلكونه إذا ما سار تطور الأحداث في المستقبل كما سار عليه حتى الآن. ونفى القوتلي أن تكون خشية العرب الفلسطينيين من المشروع الصهيوني متخيّلة، وأوضح أنها حقيقية وتنبع من أسباب حقيقية وفي مقدمتها استمرار استيلاء الحركة الصهيونية على الأراضي واستمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ثمّ أوضح ذلك بقوله، "لو كنت عربيا من مدينة يافا لسألتكم إلى أين تسعى الصهيونية وما هو هدفها؟ لأنني لست مهتمًا فقط بنفسي وإنما أيضا بأولادي وأحفادي، وأنا أريد أن أعرف ماذا سيكون مستقبلهم؟". واختتم القوتلي مداخلته بقوله، على الرغم من كل ما ذكره في هذا الاجتماع بشأن القضية الفلسطينية، فإنّ هناك نية طيبة لدى الوفدين للعمل سوية ولفحص التناقضات بينهما من أجل التوصل إلى اتفاق بصفتهما "أقرباء وأصدقاء من دون الحاجة لمساعدة الغرباء". وبعد أن أنهى القوتلي مداخلته، طرح فايز خوري سؤالً مقتضبًا عن عدد اليهود الذين سيهاجرون إلى فلسطين وفق ما تطالب به الصهيونية. أجابه دوف هوز بأنّ "عدد المهاجرين اليهود يعتمد على قدرة فلسطين الاستيعابية، لذلك لا يمكن تحديده. فقد يصل في السنة القادمة إلى ألفين أو إلى خمسة آلاف أو إلى مئة ألف مهاجر يهودي". وأضاف، إنّ وجود الصهيونية بات أمرًا واقعًا وأنه "عليكم فهم المسألة الصهيونية من جميع جوانبها والوقوف على أسبابها وأهدافها كما جرى الحديث في اجتماع اليوم وفي الاجتماع السابق". ثمّ تحدث يوسف نحماني عن الهجرة اليهودية

وعن الاستيطان اليهودي في فلسطين وإيجابياتهما على العرب الفلسطينيين، وتلاه دافيد هاكوهين الذي تحدث عن إمكانيات التوصل إلى اتفاق عربي – يهودي مشترك والنتائج الإيجابية بالنسبة إلى الطرفين. ثم لخص الياهو أبشتاين، الذي شغل هو وبقية أعضاء وفد الوكالة اليهودية المفاوض مواقع مهمة في لجان الترحيل التي أقامتها الوكالة اليهودية لترحيل الفلسطينيين وطردهم من فلسطين، والتي أشرنا إليها سابقًا، مطلبي الوكالة اليهودية الأساسيين اللذين اعتبرهما أساسًا وشرطًا لأي اتفاق عربي - يهودي بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية، وهما: استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين من أصقاع الأرض المختلفة من دون تحديد حجم هذه الهجرة ووتيرتها ووفق ما ترتئيه الوكالة اليهودية لقدرة فلسطين الاستيعابية لهذه الهجرة اليهودية، واستمرار استملاك الوكالة اليهودية للأراضي العربية في فلسطين. ثم اختتم شكري القوتلي الاجتماع بحديثه باقتضاب وبشكل عام عن أهمية الاجتماعات بين الجانبين لبحث مختلف القضايا من أجل التوصل إلى تفاهم متبادل39.

خاتمة

سعت الوكالة اليهودية في الاجتماعين الرسميين اللذين عقدتهما مع الكتلة الوطنية بشأن التوصل إلى "اتفاق عربي - يهودي" شامل، إلى التأثير في الكتلة الوطنية لوقف مختلف أشكال الدعم الذي كان يقدمه الشعب السوري وقواه الوطنية للثورة في فلسطين أو تقليصها، والحصول على تأييد الكتلة الوطنية السورية للوطن القومي اليهودي في فلسطين وللهجرة اليهودية إلى فلسطين، بالحجم والوتيرة اللذين ترغب فيهما الوكالة اليهودية، وادعت على النقيض من موقف الوكالة اليهودية وسياستها الحقيقية أنها في مقابل ذلك تؤيد الكتلة الوطنية في سعيها لاستقلال سورية وتحقيق الوحدة العربية. ويبدو أنّ دافع شكري القوتلي الذي قاد وفد الكتلة الوطنية في الاجتماعين الرسميين مع الوكالة اليهودية، كان فحص إمكانية الحصول على دعم الوكالة اليهودية لاستقلال سورية مقابل القيام بدور الوسيط بين الوكالة اليهودية والحركة الوطنية الفلسطينية، تمشيًا مع الاعتقاد السائد في الكتلة الوطنية وفي أوساط واسعة من النخب العربية، بأنّ للوكالة اليهودية وللحركة الصهيونية و"اليهود في العالم" تأثيرًا كبيرًا في فرنسا والدول العظمى في العالم. ويبدو أنّ شكري القوتلي الذي تميّز عن الكثير من زملائه في قيادة الكتلة الوطنية بالتزامه مساندة الثورة في فلسطين، استخلص من مواقف الوكالة اليهودية في هذين الاجتماعين الرسميين، أن ليس هناك جدوى من تلك المفاوضات فأوقفها وركز جل جهده على تقديم مختلف أشكال الدعم للثورة العربية الفلسطينية الكبرى. بيد أنّ قيام وفد الكتلة الوطنية تحت قيادته بإجراء مفاوضات رسمية سرية مع الوكالة اليهودية في تلك الظروف والخلفيات ساهم في خلق جو لا يمنع أو لا يحرم الاتصالات أو اللقاءات السرية بين قادة من الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية. كان الاجتماع الرسمي الثاني بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية هو الاجتماع الرسمي الأخير في جولة المفاوضات هذه، والتي كانت قيادة الكتلة الوطنية السورية على علم مسبق بها واطلعت على نتائجها، ولكنه لم يكن إطلاقًا الاجتماع أو اللقاء الأخير بين مندوبي الوكالة اليهودية والعديد من قادة الكتلة الوطنية السورية. فقد تلته في الشهور والسنوات اللاحقة اجتماعات واتصالات كثيرة جدًا بين ممثلي الوكالة اليهودية مع عدد من قادة الكتلة الوطنية من بينهم جميل مردم ونسيب البكري ولطفي الحفار وفوزي البكري، ومع قادة "المعارضة" الشهبندرية لا سيما مع عبد الرحمن شهبندر ونصوح بابيل، وكذلك مع قادة في "جبل العرب" وفي مقدمتهم سلطان الأطرش ويوسف العيسمي، وسارت هذه اللقاءات والاتصالات بشكل عام في الاتجاه الذي أرادته الوكالة اليهودية.

  1. محضر اجتماع ممثلي الوكالة اليهودية مع الكتلة الوطنية، ملف نحماني 2.

الملاحق

ملحق رقم (1): وثيقة تظهر بداية تعامل عبد الله عبود مع الوكالة اليهودية. ملف 22298 / S25، الأرشيف الصهيوني المركزي.

ملحق رقم (2) رسالة فخري البارودي إلى إلياهو أبشتاين في 22 / 9 / 1935، ملف 10121 / S25، الأرشيف الصهيوني المركزي.

قائمة المصادر والمراجع

الوثائق

اليهودية وقادة الكتلة الوطنية والنخب السورية الأخرى، المحفوظة في الأرشيف الصهيوني المركزي.

المراجع العربية

أبشتاين، الياهو. عودة صهيون والعرب (شيبات تسيون فعراف). عبري. تل -أبيب: دفير، 1974.

المعلم، وليد. سوريا 1918-1958: التحدي والمواجهة. نيقوسيا: شركة بابل للنشر، 1985.

بابيل، نصوح. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين. ط 2. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 001 2.

ساسون، الياهو. الطريق إلى السلام (بديرخ إيل هاشلوم). عبري. تل أبيب: عام عوفيد، 1978.

شاريت، موشيه. يوميات سياسية (يومان مديني). عبري. تل أبيب: عام عوفيد، 1968.

الإسرائيلية). عبري. القدس: عيدنيم، 1988.

قرقوط، ذوقان. تطور الحركة الوطنية في سورية 1920-1939. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1975.

كيالي، نزار. دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر، 1920-1950. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1997.

الفلسطينية، 1992.

محارب، محمود. "الصهيونية والهاجس الديمغرافي." شؤون فلسطينية: العدد 194، أيار/ مايو 1989.

---------. "المخابرات الصهيونية: بدايات التجسس على العرب." المستقبل العربي: العدد 357، تشرين الثاني/ نوفمبر 008 2.

المراجع الأجنبية

تقارير كبار المسؤولين في جهاز المخابرات (القسم العربي) التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية، ومحاضر الاجتماعات بين مسؤولي الوكالة جريس، صبري. تاريخ الصهيونية 1918-1939: الوطن القومي اليهودي في فلسطين. نيقوسيا: مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1986. خوري، فيليب. سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القومية العربية 1920-1945. ترجمة مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997. شاكيد، حجاي. موساد لرجل واحد: ريؤوفين شيلواح أبو المخابرات الإسرائيلية (موساد شل إيش إحاد: ريؤوفين شيلواح أبو المخابرات الكيلاني، شمس الدين. تحولّات في مواقف النّخب السوريّة من لبنان 1920-2011. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 012 2. مصالحة، نور الدين. طرد الفلسطينيين: مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين، 1882-1948. بيروت: مؤسسة الدراسات ---------. "المقالات الصهيونية المدسوسة في الصحف اللبنانية والسورية (1936 - 1939)." مجلة الدراسات الفلسطينية: السنة 0 2، العدد 78، ربيع  2009.

• Caplan, Neil. Futile Diplomacy. London: Frank Cass and Company Ltd., 1986.