Return to Article Details Infidels: A History of the Conflict between Christendom and Islam

تاريخ الكفار: الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام

Infidels: A History of the Conflict between Christendom and Islam

عماد الدين عشماوي

الملخّص

هذا الكتاب، بحث معمّق في تاريخ الإساءة والكراهية بين عالمي الإسلام والمسيحية، وكيف استمر منذ القرن السابع الميلادي حتى بواكير القرن الحادي والعشرين، وكيف اختلط التاريخ بالأسطورة، واختلطت الحقيقة بالخرافة، والمصالح بالمعتقدات لتنتج لنا تاريخ الكفار على الجانبين. يحاول مؤلِّف الكتاب أن يتتبّع النقاط الحاسمة التي تركت آثارًا عميقة في تاريخ العلاقات بين العالمين الإسلامي والمسيحي، والتي تمكّننا من فهم تاريخ العداوة والكراهية بينهما. ويتوقف الكاتب عند هذه اللحظات الحاسمة التي اكتسبت أبعادًا أسطورية وخرافية، وأنتجت آثارًا لم يتوقعها حتى من أطلقوها أنفسهم منذ القرن السابع وحتى القرن الحادي والعشرين الميلادين. وانطلاقًا من هذه النقاط المحددة، يتتبّع المؤلف تاريخ العلاقة، وكيف تشكلت صورة الكافر في الجانبين، بناء على الصورة التي رسمتها هذه النقاط بالكلمة المنطوقة والمكتوبة والمطبوعة والمصورة. ويغطي الكتاب مساحة شاسعة في الزمان والمكان على السواء، وحدوده تمتد من جنوب الجزائر وفيينا في الشمال إلى المحيط الأطلسي غربًا وبحر العرب والمحيط الهندي شرقًا، ويخرج أحيانًا عن تلك الحدود، ولكن مركزه يبقى عالم البحر المتوسط، بحثًا عن تاريخ هذه العداوة، وكيف خلقت وكيف بقيت وكيف استمرت حتى يومنا هذا؟

Abstract

Wheatcroft's book provides a detailed history of enmity and hated across the worlds of Christinity and Islam, dating from the seventh century and to the present day. It is a history that is mixed in with legend, jumbling truth with fancifulness and interests with beliefs. The end result is a legacy of reciprocated hatred. The author uses the book to trace the critical junctures which have left a deep impact on the history of relations between the world of Islam and of Christendom, and that allow for an understanding of the history of enmity and hatred which plagues relations between them. Building on these defining junctures and the author's historical view of the relationship between the two sides, and relying on textual sources and imagery, the author manages also to understand the formation of the image of the "infidel" other by the reciprocal groups. In addition to its wide temporal remit, Wheatcroft's book takes in a huge swathe of geography, ranging from the southern edge of Algeria to Vienna in the North, and from the Atlantic Ocean to the Arabian Sea and Indian Ocean, all the while anchoring himself in the Mediterranean basin. Throughout, the question which Wheatcroft asks is how the enmity between these two worlds was created, and how it persisted to this day.

الكلمات المفتاحية:
  • الإسلام
  • المسيحية
  • الخرافة
  • تاريخ الكفار: أندرو هويتكروفت
  • عالم متوسطي
Keywords:
  • Infidels
  • Andrew Wheatcroft
  • Islam
  • Fable
  • Mediterranean world
  • Christianity
* Emadeddin Ashmawy عمد الدين عشموي|
عمد الدين عشمويEmadeddin Ashmawy |* عمد الدين عشموي باحث سياسي رئيس مؤسسة بذور الثقافية،مصر.
هذا الكتاب، بحث معمّق في تاريخ الإساءة والكراهية بين عالمي الإسام والمسيحية، وكيف استمر منذ القرن السابع
الميادي حتى بواكير القرن الحادي والعشرين، وكيف اختلط التاريخ بالأسطورة، واختلطت الحقيقة بالخرافة، والمصالح
بالمعتقدات لتنتج لنا تاريخ الكفار على الجانبين.
يحاول مؤلِّف الكتاب أن يتتبّع النقاط الحاسمة التي تركت آثارًا عميقة في تاريخ العاقات بين العالمين الإسامي والمسيحي،
والتي تمكّننا من فهم تاريخ العداوة والكراهية بينهم. ويتوقف الكاتب عند هذه اللحظات الحاسمة  التي اكتسبت أبعادًا
أسطورية وخرافية، وأنتجت آثارًا لم يتوقعها حتى من أطلقوها أنفسهم منذ القرن السابع وحتى القرن الحادي والعشرين.نن وانطاقًا من هذه النقاط المحددة، يتتبّع المؤلف تاريخ العاقة، وكيف تشكلت صورة الكافر في الجانبين، بناء
الميادي
على الصورة التي رسمتها هذه النقاط بالكلمة المنطوقة والمكتوبة والمطبوعة والمصورة.
لاا
ويغطي الكتاب مساحة شاسعة في الزمان والمكان على السواء، وحدوده تمتد من جنوب الجزائر وفيينا في الش
إلى المحيط الأطلسي غربًا وبحر العرب والمحيط الهندي شرقًا، ويخرج أحيانًا عن تلك الحدود، ولكن مركزه يبقى عالم البحر
المتوسط، بحثًا عن تاريخ هذه  العداوة، وكيف خلقت وكيف بقيت وكيف استمرت حتى يومنا هذا؟
Wheatcroft's book provides a detailed history of enmity and hated across the worlds of Christinity and Islam,
dating from the seventh century and to the present day. It is a history that is mixed in with legend, jumbling truth
with fancifulness and interests with beliefs. The end result is a legacy of reciprocated hatred.
The author uses the book to trace the critical junctures which have left a deep impact on the history of relations
between the world of Islam and of Christendom, and that allow for an understanding of the history of enmity
and hatred which plagues relations between them. Building on these defining junctures and the author's historical
view of the relationship between the two sides, and relying on textual sources and imagery, the author manages
also to understand the formation of the image of the "infidel" other by the reciprocal groups.
In addition to its wide temporal remit, Wheatcroft's book takes in a huge swathe of geography, ranging from
the southern edge of Algeria to Vienna in the North, and from the Atlantic Ocean to the Arabian Sea and Indian
Ocean, all the while anchoring himself in the Mediterranean basin. Throughout, the question which Wheatcroft
asks is how the enmity between these two worlds was created, and how it persisted to this day.
تاريخ الكفار:
الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام
Infidels: A History of the Conflict between Christendom and Islam
عمد الدين عشمويEmadeddin Ashmawy |
تاريخ الكفار:
الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام
Infidels: A History of the Conflict between Christendom and Islam
الكتاب: الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسام.
الكتاب: الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسام.. Infidels: A History of the Conflict between Christendom and Islam العنوان الأصلي:
الكاتب: أندرو هويتكروفت Wheatcroft Andrew.
ترجمة: قاسم عبده قاسم.
مكان النشر: القاهرة.
الناشر: المركز القومي للترجمة.
تاريخ النشر: 2013.
عدد الصفحات: 663 صفحة.

في الماضي نقاطٌ ما تمثّل - إذا وضعنا أيدينا عليها - الأساس المنطقي للتنافر العميق بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وتوضح كم العنف والكراهية والقتل والعداوة المتخلف عن هذا التنافر. من هذه النقاط تحديدًا يبدأ تاريخ الكفار المسلمين والمسيحيين، كما يجادل مؤلف كتاب تاريخ الكفار. عبر أربعة عشر فصلً تمتد على أكثر من ستمئة صفحة، يأخذنا المؤلف في رحلته الطويلة لاكتشاف أسباب سوء الفهم، وتكرارها، والتشديد عليها، وتعميقها بالكلمة والصورة والمصالح السياسية والاقتصادية والتعصب الديني، لتجعل الإساءة والكراهية عقدة مزمنة. بدأ المؤلف رحلته مع تاريخ الكفار بتتبّع قوة الكلمة المنطوقة والنص المكتوب بخط اليد في القرن السابع، بقصد إنهاء القصة في عالم الكلمة المطبوعة والصورة المطبوعة في نهاية القرن العشرين؛ فحتى ذلك اليوم، كان هناك توافق بين الجماعة البحثية الغربية على مجموعة واحدة من الفروض ترى أن الغرب خلال القرن العشرين صار علمانيًا بصورة متزايدة، في حين أن في العالم الاسلامي الشرقي بقيت العقيدة الدينية في العالم الإسلامي الأكثر قوة في المجتمع، وفي الشؤون السياسية على السواء. لكن خطأ ذلك تبيّ تمامًا في بداية الألفية الجديدة، هناك في العالم الجديد، عندما وقعت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001؛ فبعد ذلك اليوم اختلفت طريقة التناول، وانهدم ما كان حتى لحظتها افتراضًا تاريخيًا تقليديًا. لقد تحولنا باتجاه نوع جديد من التسجيل – كما يقول المؤلف - وعدنا إلى نمط التواصل المباشر عندما ووجه الغرب بموقف غير مسبوق في 11 / 9 / 2001. لقد عاد البدو لمهاجمته في موقف كارثي يشبه نهاية العالم، واختار رئيس الولايات المتحدة ومستشاروه تسجيلً كارثيًا ارتبط مباشرة بالذكريات الكامنة منذ زمن طويل عن العدو، وهي الذكريات التي تشكّل موضوع هذا الكتاب؛ فقد أعاد حادث البرجين المحترقين اكتشاف إحياء نمط الاتصال العام الذي مات منذ زمن طويل.

من الحادثة التاريخية إىل الأسطورة.. اللغة كيف تصنع الكافر؟

يؤكد المؤلف في صفحات الكتاب مقولة جوهرية تحكم كل بناء الكتاب وهي أن هناك دائمًا نقطة ما يسهل التعرف إليها، تتمدد عندها حادثة تاريخية ما لكي تكتسب أبعادًا أسطورية وخرافية، وهنا تحديدًا يمكننا التعرف إلى كيفية صنع الكافر والعدو. تُثبَّت هذه الأسطورة عبر اللغة وآلياتها، فإساءة فهم الآخر ووصمه بالكفر والعداوة يتمان عبر خليط من صور لغة التواصل الثلاث: الاتصال بالصوت، أو عبر النصوص المخطوطة أو المطبوعة، أو من خلال الصور المطبوعة على الصفحة، أو المعروضة على الشاشة، فقد كانت الكلمات والصور أسلحة أنتجت صورة الكافر في العالمين كما يجادل المؤلف.

ويستند المؤلف إلى نظرية لاكان بشأن الممارسة اللغوية في فهم الأفكار، ويرى أنه لكي نفهم هذا التاريخ جيدًا في حالة المسيحية والإسلام، علينا أن نحيط هذا السياق بتاريخ يعود القهقرى قرونًا عدة، لندرك أن تغيير السياق يؤدي إلى تغيير المعنى. يؤكد المؤلف، وبالاستناد إلى نموذج لاكان التصويري لكيفية خلق المعنى وتوصيله وفهمه، أنه ليس هناك شيء في أي كلمات من قبيل شرق أو غرب وإسلام أو مسيحية، بحد ذاتها، ولكن تجاور كلٍّ من تينك الكلمتين هو ما يصنع رابطة ثقافية بينهما. ومع عملية التبادل بين الصراع والحروب، والنصر والهزيمة، والفتح والغزو والاسترداد، يتحدد المدلول الخاص لهاتين الكلمتين عبر السياق، ويصبح العدو في المرآة نراه ولا نراه. يؤكد المؤلف أن قبولنا هذا المفهوم يعني أنه لن يكون هناك سوى عدد قليل للغاية من العبارات داخل التاريخ يمكن أخذها بقيمتها السطحية؛ فلكل عبارة تقال، أو كلمة تنطق، أهميتها في فهم طبيعة الصراع وتكوينه ونموه وتطوره وتغيره عبر الزمان والمكان. كما أن المؤلف يرى أنه لكي نفهم كيف ولماذا استمر هذا الصراع، وكيف تكونت وترسخت صورة الكافر في العالمين، وبقيت وتطورت على مدى قرون كثيرة، لا بد من الاستعانة بعلم النفس الاجتماعي كي نفهم كيف تؤدي الأسطورة دورها في تكوين المشاعر المرتبطة بكلمات مثل الحملة الصليبية أو الجهاد، ونشعر بأن هناك شيئًا ما يهز مشاعرنا ويزعجنا، وما هذا الشيء إلا قوة الأسطورة القصوى، التي هي حية وحقيقية، وتحمل معنى كناية عن العدو، وتعزز ذكريات القسوة والوحشية الجوهرية الدائمة التي وسمت العلاقات بين العالمين في هذا المدى الزمني المتطاول، ومازالت.

الكافر المسلم

يجادل المؤلف أن الكفار المسيحيين والكفار المسلمين كانوا ينظرون بعضهم إلى بعض بعين الشك. وخلال اتصالهم الطويل المدى، كان بعضهم يلعن البعض الآخر ويذمه بشكل روتيني – وهو أمر متوقع - بيد أن اللعنة لم تكن هي نفسها ولا من النوع نفسه؛ فعلى الرغم من أن المسلمين لم يكونوا أول أعداء العالم المسيحي الغربي ولا آخرهم، ولا أعداءه الوحيدين، فإنهم صاروا بؤرة الخوف والكراهية الأولى بالرعاية والاهتمام بالنسبة إلى الغرب حتى أيامنا هذه، كما يقول المؤلف. اعتبر الغرب المسيحي الإسلام خطرًا مميتًا يفوق في خطورته أي عدو آخر، بدءًا بالإمبراطورية الفارسية ومرورًا بجميع أعدائه على مدى التاريخ المتطاول من القرن السابع إلى القرن الحادي والعشرين. وقد رأى الغرب المسيحي في الإسلام عدوه الداخلي والخارجي، فكيف كان ذلك؟

ليبانتو

يبدأ المؤلف كتابه بمعركة ليبانتو التي يراها صورة بلاغية معبّة عن الصراع بين العالمين الإسلامي والمسيحي، ويعدّها نقطة الدخول إلى تلك الأسرار العميقة للصراع بين العالمين؛ فعلى مدى ألف سنة، كان العالم المسيحي تحت وطأة التهديد الإسلامي الذي استولى على عقله وقلبه، حتى كانت تلك المعركة التي غيرت تاريخ العلاقة. دخل الطرفان المعركة والشعور بالنصر مستحوذ عليهما؛ فالعالم الإسلامي - ممثَّلً في العثمانيين - اعتاد على تحقيق النصر، بينما كان العالم المسيحي يستعد له جيدًا. وانتهت المعركة بتدمير الأسطول العثماني بفضل السلاح البحري الجديد لدى الغرب المسيحي. وبدأت الأسطورة منذ لحظة انتهاء المعركة؛ أسطورة ليبانتو، باعتبارها قصة رمزية أخلاقية، للتخلص من الكابوس الذي جثم ألف سنة على صدر الغرب المسيحي. لقد قتلوا الوحش أخيرًا لتظل ليبانتو في الذاكرة الغربية باعتبارها حملة صليبية نشطة، لا حادثة انتُزعت من سياق ماض، ولتكتب تاريخًا جديدًا للعلاقات بين العالمين سيحدد صورة الكافر المسلم في القرون التالية.

القرن السابع الميلادي بداية الصراع

لم تأت ليبانتو من فراغ؛ فهي نتاج صراع دامٍ تعود جذوره إلى بداية ظهور الإسلام وانطلاق الفتوحات الإسلامية السريعة والمبهرة -كما يؤكد المؤلف - والتي كانت نقطة البداية لفهم تاريخ الكراهية، وصناعة الكافر المسلم الذي تحطم في ليبانتو. فوجئ البيزنطيون بسرعة تقدُّم الإسلام وطردهم من الشرق إلى حد تهديد عاصمة ملكهم القسطنطينية. ورأى الغرب المسيحي المسلمين باعتبارهم شياطين شاملين في قوتهم وخصومتهم، لا كعدو خارجي فقط، بل كعدو داخلي أيضًا يساهم في ازدياد حركات الهرطقة الدينية، بسبب عقيدته الدينية التي كانت تتحدى المبدأ الجوهري للإيمان الأرثوذكسي. ومنذ سقوط القدس، ومن بعدها القسطنطينية (أورشليم الجديدة)، اعتبُر المسلمون مكمن كل شر، وهوجموا بالهجائيات نفسها التي استُخدمت في تصوير الشرق المسيحي، وفُهم الإسلام من خلال أمثلة العهدين القديم والجديد، ونُسب المسلمون إلى نسل قابيل الذي طُرد من حضرة الرب لقتله أخاه هابيل.. لينمو الصراع عبر تراث ممتد من الحقد والكراهية لينتشر بين عامة الناس، وليكتسب معاني جديدة، ويحفر في النفوس مشاعر عميقة يصعب بسهولة التخلص منها، ولترتسم للكافر المسلم صورة قاتمة بشعة ستظل تلازمه حتى يومنا هذا.

الأندلس وتجربة العيش المشترك المر

ينتقل المؤلف في القسم الثاني من الكتاب إلى الأندلس ليبحث في أسباب العداوة وتجربة العيش المشترك التي فشلت وانتهت بطرد المسلمين من إسبانيا. ويوضح عبر فصول القسم الأربعة أن أولى الروايات المتعلقة بسقوط إسبانيا في أيدي المسلمين سنة 754 كُتبت بشكل يشبه كثيرًا ما رواه البطريرك صفرونيوس عند سقوط القدس في أيدي المسلمين؛ فقد غلبت عليها التعبيرات التنبؤية في إطار الكتاب المقدس، لكأنها كُتبت لزمان غير زمانها، كما يقول المؤلف: كُتبت لتقدَّم إلى ملوك إسبانيا المسيحيين الذين سيعيدونها مرة أخرى. ويتناول المؤلف تجربة العيش المشترك وأسباب فشلها من وجهة نظره، ويرى أن الكتابات التي تعبّ عن هذه المرحلة تناولت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصطلحات أنكرت إمكانية الصداقة والود، واتسمت بالعدائية وبث الكراهية؛ فقد كانت انتصارات ملوك قشتالة تفتح الطريق أمام تقدُّم صليب الرب لاسترداد الأرض المقدسة، وأورشليم الغائبة. لذا، لم يكن هناك متسع سوى لتأجيج العداوة وتصوير الكافر بأشد الصور قساوة وقتامة، لينتهي الأمر مع سقوط غرناطة إلى "ضرورة استئصال الكافر المسلم من بلاد الرب التي يجب ألا تؤوي الكفار". لقد كان المسلمون هم "الأعشاب الضارة" التي تخنق الدولة، ولا بد من اقتلاعهم تمامًا، وقد تمّ.

من الحملات الصليبية إىل حقل الغربان

في الجزء الثالث من الكتاب، يتناول المؤلف استيلاء العثمانيين على البلقان باعتباره بداية فصل جديد للعلاقة المعقدة المشبعة بالكراهية بين العالمين؛ فقد اعتبر الغرب أن الأتراك هم سبب كل بلاء حل بالبلقان منذ ظهورهم فوق "حقل الغربان"، كما يسمّي المؤلف كوسوفو. وصار الأتراك والقسوة مترادفين. وصُوِّر خروج الصرب المسيحيين من كوسوفو باعتباره معادلً لخروج اليهود من مصر، ونشوء مدينة جديدة على تل، وتلقين الجميع عناصر المأساة بكل عمق، حتى أننا- كما يقول المؤلف – لن نجد في القرن الثامن عشر سوى عدد قليل جدًا من الأطفال لا يعرفون الأمير ذا الخصال المقدسة لازار الذي قاد الرجال العظام الكثيرين الذين ذبحهم الأتراك القساة. وعبر خمسين سنة، أي من سنة 1396 حتى سنة 1448، جرّد الأوروبيون أربع حملات صليبية، لا بقصد استعادة القدس، وإنما مواجهة الأتراك الكفرة في البلقان. لكن مع سقوط القسطنطينية، مدينة أم الرب وأورشليم الجديدة، في أيديهم سنة 1453 وقعت الكارثة التي توازي، بحسب كتابات تلك الفترة، سقوط أورشليم القدس، ولتصبح هذه اللحظة موضوعًا سياسيًا ودينيًا مكررًا على مدى القرون الأربعة التالية، في غرب أوروبا وشرقها على حد سواء، وليصبح العثمانيون الكفار قبلة أنظار العالم

المسيحي الغربي. ثم يتناول المؤلف تاريخ العثمانيين في البلقان وابتداء ضعف سلطانهم، ونمو حركات التمرد والتحرر من سلطانهم، والأهوال والمجازر التي وقعت، ودور المصالح وممارسات التعصب فيها حتى سقوط الأتراك وخروجهم من البلقان.

الحملات الصليبية

يرى المؤلف أن الحملات الصليبية الأولى ولدت من رحم الخوف من الإسلام، وكانت الحملات التي تلتها نتاج طموحات سياسية وتوسعات إمبراطورية، امتزجت بعنصر خوف من الإسلام سيظل يلازم الشعور الغربي المسيحي تجاه الإسلام والمسلمين. يؤكد المؤلف أن المواجهات بين العالمين ابتداء من سنة 1099 تركت تراثًا هائلً من الذم والقدح؛ فكل معركة وحصار وتدمير كانت وقودًا للسرديات المعادية في الجانبين. ومثّلت استعادة المسلمين القدس فصلً جديدًا من الدعاية لتدمير الدين الإسلامي و"لعنة الإسلام" التي لا بد من استئصالها. يتناول المؤلف آثار حكايات زيارة الحجاج المسيحيين للقدس، وما روَوه من حكايات عن اضطهاد المسيحيين فيها، وحال القدس، مدينة "الرب الحزين"، وما تركه تدمير كنيسة القيامة من آثار في أوروبا، وما تلا ذلك من منشورات بابوية تحث المؤمنين على إرسال جيش لإنقاذ "أورشليم الجريحة". ويلاحظ المؤلف أن ازدياد حركة الحجاج إلى القدس، مع الذكرى الألفية لصلب المسيح سنة 1033، جعل الحماسة تتقد في قلوب مسيحيي الغرب. وقد أعلن البابا أوربان الثاني في سنة 1095 رحلة حج مسلحة تحت راية الصليب المقدس، سرعان ما هُزمت. لكن زمن الحملات الصليبية بدأ، لتعود القدس إلى كنف أبناء الرب مدة 87 سنة، ويُكتب فصل جديد من العداوة، وتكتمل معالم صورة الكافر خلال هذه المدة.

تغيرات الخطاب الصليبي وأثر ذلك يف رسم صورة الكافر المسلم

كان الخطاب الصليبي يتبدل طوال تاريخه الطويل؛ فمنذ القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر، اتخذ الخطاب تنويعة من الأشكال الجديدة. وقد أوضح المؤلف كيف أن الصليبية الإسبانية ضد المسلمين امتدت خلال القرن السادس عشر لتشمل سلسلة من الغزوات في شمال أفريقيا والأراضي الجديدة في الأميركتين. ومنذ القرن الثامن عشر، صارت الحملة الصليبية التبشيرية مشروعًا بروتستانتيًا، وكسبت حياة جديدة في الغزوات الاستعمارية البريطانية في الهند وأفريقيا. ورأى كثير من المبشرين الإنجيليين المتحمسين خلال القرن التاسع عشر وما بعده أن من الطبيعي استخدام مفردات من قبيل الحملة الصليبية التي كانت تمثّل بالنسبة إليهم حربًا روحية ضد الشر. وبالتدريج، صار المعنى الشائع لكلمة حملة صليبية في اللغة الإنكليزية مجازًا دالً على فعل قوي في سبيل قضية خيرة، لكن المعنى القديم للصليب والحرب المقدسة كان لا يزال فاعلً، ولم تكن العداوة المحددة ضد المسلمين قد تلاشت تمامًا. شن المبشرون في القرنين التاسع عشر والعشرين حملاتهم الصليبية من أجل نصر روحي لا من أجل غزو إقليمي، بحسب اعتقادهم، بيد أن الكلمة لم تجعل الفصل بينهما سهلً، لأن الالتباس بين حرب مقدسة بالمعنى الروحي، وانتصار على قوى الظلام الزمنية كان له وجود متأصل منذ زمن طويل؛ فرنسا كانت قد بدأت حملة غزو صليبية جديدة في بواكير القرن التاسع عشر، وبحلول عشرينيات القرن التاسع عشر كانت أسرة البوربون الملكية الفرنسية قد عادت إلى السلطة بعد هزيمة نابليون النهائية سنة 1815، وصار لويس الثامن عشر مشغولً بشمال أفريقيا. وظهر كتاب تاريخ الحروب الصليبية لجوزيف فرانسوا ميشو الذي حظي بشعبية هائلة في السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية النابليونية، وسرعان ما صارت الحملات الصليبية المثال الأول لعظمة فرنسا الممجَّدة في مجلدات كثيرة.

ما بين إسبانيا وشرق المتوسط والبلقان

كانت المواجهات بين عالم الإسلام وعالم المسيحية في إسبانيا وشرق المتوسط مختلفة بعضها عن بعض تمام الاختلاف؛ ففي شرق المتوسط، تدخّل العالم المسيحي الغربي في منطقة كان لها بالفعل تراث مسيحي طويل، وكان فيها نسبة كبيرة من السكان المسيحيين، على الرغم من أنها

كانت في عيون الغربيين غير متمايزة كثيرًا عن المسلمين. أما في إسبانيا، فكان موقف الإسلام هو الذي تغير من وضع المنتصر إلى وضع المهزوم؛ إذ صار الموريسكيون بقايا تبعث على الخوف والاحتقار، في دولة مسيحية وجدت في نهاية الأمر أنه لا يمكن التسامح إزاء وجود المسلمين فيها. وكانت المواجهة بين المجد الفرنسي والمقاومة الإسلامية في شمال أفريقيا حملة صليبية اصطناعية. وفي البلقان، المنطقة الثالثة التي قابل الإسلام فيها العالم المسيحي، كان الموقف مختلفًا مرة أخرى. وعلى مستوى واحد فقط من مستويات المواجهة بين العقيدتين الدينيتين، كان الموقف قابلً للمقارنة بشكل محدد ومضبوط، وكان كل شيء، ما عدا اللغات والتاريخ والأعراق، مختلفًا.

الطباعة والنهضة والحملات الصليبية مجددًا

في الجزء الخامس والأخير من الكتاب، يتناول المؤلف عبر فصوله الثلاثة أثر الطباعة والصورة في تصوير العدو الكافر المسلم، وتطوره من نسل قابيل إلى التركي القاسي، وصولً إلى البدوي الحقيقي. ويبيّ المؤلف الدور الكبير الذي قامت به الطباعة وقوتها الهائلة في إعطاء اللمسات النهائية لصورة الكافر المسلم في الغرب المسيحي، وتناول أسباب عدم تحمس العثمانيين للطباعة، ومن ذلك أنها ليست راجعة إلى معاداة المعرفة إراديًا، ولا إلى خوف ساذج من الكلمة المطبوعة، بل إلى أسباب أخرى أكثر دنيوية؛ فذلك الابتكار الغربي كان يهز مصالح عدة راسخة وقوية، أولاها مصلحة الناسخين والكتبة الذين كانت الإدارة العثمانية كلها تعتمد عليهم، وثانيتها مصلحة طبقة العلماء الذين كانوا يسيطرون على المساجد التي كان يجري فيها الكثير من أعمال نسخ الكتب. كما أن العثمانيين أدركوا أن الكلمة المطبوعة قوة فعالة في التسبب في الانقسام الديني في أوروبا. ويؤكد المؤلف أن اختراع المطبعة جعل الحدود تتلاشى ببطء بين السياق الخاص والسياق العام العلني، وأن الإمبراطورية استغلت هذا التطور وطوعت اللغة بصورها المختلفة لتكون أداتها في رسم صورة العدو الذي لا بد منه في الشرق المسلم، ولتتكون الصورة النهائية للكافر المسلم. ويختم المؤلف رحلته في الأرض الجديدة و"المدينة على جبل" التي عانت من جديد خطر البدو في القرن الحادي والعشرين، واستعادة اللغة المباشرة لبث مشاعر فات زمانها لكنها ما زالت تقبع في عمق النفوس، عبر خطاب إدارة بوش الابن التي أحيت الحملة الصليبية من جديد.

الكافر المسيحي

حاول المؤلف أن يرسم صورة الكافر المسيحي التي أنتجها العالم الإسلامي الشرقي عبر المواجهة الشاملة بين العالمين، منذ القرن السابع حتى القرن الحادي والعشرين، لكن قلة ما اعتمد عليه من مراجع، وتخصيصه غالبية فصول كتابه لرسم صورة الكافر المسلم، جعلا هذا الجانب مختصرًا في جميع فصول الكتاب. وربما يعود هذا جزئيًا إلى ما أشار إليه المؤلف من تفوق اهتمام المسيحيين بالإسلام وانشغالهم به، إذا ما حكمنا من خلال حجم النصوص المكتوبة والكتب وتفاسير الكتاب المقدس والأوصاف والمجادلات والقصائد والملاحم التي أنتجها الغرب المسيحي، مقارنة بما أنتجه الشرق المسلم في هذا المجال؛ فالعالم الإسلامي، كما تبيّ من خلال الكتابات التي تتبّعها المؤلف عبر كتابه، صوّر المسيحيين باعتبارهم ناقصين أخلاقيًا وملعونين، وأن معركة ليبانتو كانت إرادة الله ومجرد هزيمة لأسطول عثماني واجه أسطول الكفار الملاعين، وشاءت إرادة الله أمرًا آخر. ويلاحظ المؤلف أن المسلمين لم يكونوا يحتفلون بانتصاراتهم على الغرب المسيحي، وكان النصر الوحيد الذي كان يُحتفَل به على طريقة احتفال الغرب بليبانتو، هو الاستيلاء على القسطنطينية، مع ملاحظة أنه لم يكن هناك في الاحتفال ذلك التدفق في الصور والنصوص التي تولدت عن النصر المسيحي في ليبانتو، لذلك لم يحتل النصر العثماني مكانة راسخة في مملكة التاريخ والذاكرة. مع تطور العلاقات بالغرب المسيحي وازدياد المواجهات والحروب، وضع المسلمون بالتدريج سجلً مديدًا من المصطلحات لوصف المسيحيين، مثل إفرنج وإفرنجي ونصراني وعدو الله. وعندما أراد المسلمون أن يوسعوا مخزونهم من مصطلحات الإهانة، زاد ابتعادهم عن المعجم اللغوي التقليدي، ووصف غير المسلمين بأوصاف تدل على أنهم غير متحضرين، وهي مصطلحات تجمع بين صفة الفظاظة والهمجية والوحشية والشبق الجنسي الذي يوصف به الحمار الوحشي. وباستخدام هذه المفردات، كان في وسع المسلمين أن يصوروا المسيحيين الغربيين بأنهم ناقصون أخلاقيًا

بالضرورة، وملعونون بسبب بيئتهم والمؤثرات المفسدة في ثقافتهم، وحتى كتابتهم خلافًا للطبيعة: من الشمال إلى اليمين. وكان المسيحيون الغربيون يوصفون بأسوأ الأوصاف الحيوانية، فيُنعتون بالكلاب والخنازير. كان الكفار المسيحيون "أنجاسًا مثل البول ودم الحيض والبراز". وأظهرت الكتابات، التي رسخت مفهوم الكافر المسيحي، الغربيين باعتبارهم مخترقين للحدود بين الحلال والحرام، ومنتهكين ومزعزعين ليس لحياتهم فقط، وإنما للعالم كله من حولهم. لقد "خلقوا دنسًا مرئيًا ومستمرًا"، وأكدت الحكايات الخرافية أن البراز المقدس الجاف للبطريرك الأكبر في القسطنطينية، المبجل لدى المسيحيين، كان يُحفظ ويصنع منه أقدس بخور لتكريس النصارى في جميع مناسباتهم. وكان رسم المسيح على الصليب يُظهر مدى انحطاط الغرب الكافر، ومدى بُعده عن الإيمان السليم. وساهمت السِيّر الشعبية، مثل سيرتي أبو زيد والظاهر بيبرس وغيرهما، في تكريس صورة المسيحيين الأشرار في جوهرهم، والخطرين والفاسدين ماديًا وروحيًا بشكل شاذ.. وأظهرت بعض كتابات الفقهاء مدى التأثير الهدام لطريقة حياتهم ولغتهم ولباسهم وعاداتهم الكريهة، وتأثيرهم السيئ في الناس الذين يعيشون معهم فترة طويلة من الزمن، واعتبروا الزواج من مسيحية خطرًا روحيًا، والتردد في قبول المسيحيين الذين أسلموا بحجة أنهم يلوثون الإسلام. وفاقمت الحروب الصليبية إرث العداوة والكراهية تجاه الغرب الكافر. ومع تطاول الزمن، أعاد المسلمون اكتشاف العواقب الوخيمة لحوادث القرن الحادي عشر، وصارت الحروب صليبية حادثًا معاصرًا. ومنذ هذه اللحظة تكاثرت معان جديدة، واكتسب المصطلح الجديد (الصليبيون) معنى وكلاء الغرب الاستعماريين والاستغلاليين، أعداء القومية العربية والإسلام. وقد اندمجت معان سياسية جديدة للغرب مع العبارات المجازية القديمة عن النجاسة والنهب، التي تشكلت مع تجربة المسلمين مع الصليبيين قبل قرون خلت، لكن ذلك لم يكن بالشكل الذي كان في الغرب، بل اقتصر على الألفاظ والكتابات، ولم يمتد إلى الصور التي برع فيها الغرب.

حضور الصورة في العالم الإسلامي وأثرها يف تطور الكافر المسيحي

ظلت الصور حضورًا أجنبيًا غير مألوف في العالم المسلم قبل القرن الثامن عشر. وفي الممارسة، لم يحدث حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أن صارت الصور أكثر شيوعًا حتى في المدن الكبرى، ولهذا السبب لا يبدو أن هناك علاقة بين معظم النظريات التي أُنتجت في الغرب عن طبيعة الصور من جهة، وظروف العالم الإسلامي من جهة أخرى. لكن مع اختراع الطباعة، ومن خلال تكاثر الصور، صارت المذمة الغربية أكثر قوة وأوسع انتشارًا بشكل غير محدود. وبمرور الزمن، تعلم الشرق الدرس من الغرب، واستخدم المسلمون المطبعة ووسائل الإعلام المرئية والإلكترونية بالمهارة نفسها والحذلقة التي يستخدمها بها الغرب، كما أنهم تعلموا كيف يمكن لهذه التقنيات الجديدة أن تحمل المذمة التي يوجهها الشرق إلى مدى أبعد وأكثر قوة مما يمكن لقلم الكاتب أن يفعله. كان المفكرون الإسلاميون في أواخر القرن التاسع عشر يعون تمامًا الحداثة الأوروبية في تجلياتها المادية والسياسية. وقد عرف بعضهم، مثل محمد عبده، الثورة الفكرية الأوروبية التي برزت منها، ولكن تفكيرهم تطور في اتجاه مضاد لما رأوا أنه شخصية الغرب السلبية، ودعا آخرون، مثل الأفغاني، إلى مقاومة الغرب وتحويل أسلحته وأساليبه الفنية ضده. كما نمت فكرة الغرب العدو عند دعاة مثل حسن البنا وسيد قطب وجماعة الجهاد... ومع صعود الإحيائيين الإسلاميين، ازدادت صورة الغرب الكافر سوداوية - خاصة مع ظهور الدول القومية وسقوط الخلافة والسياسات العلمانية التي اتّبعتها هذه الدول – فقد يأس هؤلاء الإحيائيون من أي أمل في أن تأتي الفضيلة من أي دولة مسلمة علمانية، ورفضوا أي حل وسط أو مواءمة مع القوى الدنيوية، أكانت حكومات المسلمين المستبدين، أم الحكومات الديمقراطية الجماهيرية على النمط الغربي؛ إذ كان يدفعهم اقتناع بأن جهادهم سينتصر في آخر المطاف، من خلال تضحيات لا نهاية لها وعزم لا يلين. وتم تعديل المذمة والسباب القديمين بما يفي بمتطلبات الشؤون السياسية المعاصرة، ليتطور مفهوم الجهاد في العصر الحديث ويتلاءم مع ظروف العداوة في شكلها الجديد.

الحملات الصليبية والجهاد

لا يزال الجهاد والحملة الصليبية الغابران موجودين في الزمن الحاضر، لكنهما تبدلا، فاكتسبا قوة سياسية واجتماعية جديدة، فما عادا حفريات حية وإنما هما من نتاج القرن العشرين. كانت مفردات الحملة الصليبية وأيديولوجيتها ترد في بال المسيحيين المشتبكين في حرب ضد المسلمين بسهولة تماثل السهولة التي يرد بها مصطلح الجهاد في بال المسلمين الذين يقاومونهم. وفي كلٍّ من الحالين، لم يحدث قط أن اقتربت النظرية من الممارسة، ولم يقم أيٌّ من البابوات بتخويل السلطة لحملة فرنسا في شمال أفريقيا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وكثير من حروب الجهاد التي نودي بها ضد الأوروبيين في الإقليم نفسه كانت من الناحية الفنية مريبة في عيون السلطات الدينية العثمانية في إسطنبول. كانت لغة الحرب المقدسة قد تحولت إلى وسيلة للتعبئة، لا تكبح جماحها حدود القانون؛ فقد كان الحديث عن الحملة الصليبية أو الجهاد نغمة قوية، ودعوة لا يمكن مقاومتها لحمل السلاح. ومع حلول العصر الحديث، ما عاد المسألة المهمة ما تعنيه أي من الكلمتين بالضبط في المصطلحات القانونية، وإنما هي الاستجابة التي تولدها كل منهما. وقد تطور مفهوم الحملة الصليبية منذ أوائل القرن التاسع عشر ليتخذ معنيين متوازيين: أحدهما المعنى الفني لوصف الحملة الصليبية التاريخية في الشرق الأوسط والتي كانت قد اتخذت من قبلُ مجموعة من المسميات المختلفة، والآخر المعنى المرادف للقتال بشراسة من أجل قضية خيرة. وربما كانت عبارة حملة صليبية ضد الجهل أول استخدام بهذا المعنى، بيد أن هذا الطراز من التشدد احتفظ بروابط قوية مع القيم الأقدم - مع أن هذا لا يحظى باعتراف واسع في الغرب مثلما يحظى إحياء مفهوم الجهاد - وعلى الرغم من عدم وجود أدبيات كثيرة منشورة عن التقاليد الجديدة للحملة الصليبية، بعكس السيل المنهمر من الكتب عن الجهاد في الإسلام، بيد أن الممارسة والبرهان الدالين على شن الحملات الصليبية موجودان وواضحان لكل ذي عينين، كما يؤكد المؤلف.

الكراهية يف زمن الإنترنت

أعطت وسائل الاتصال الحديثة كلًّ من الجهاد الجديد والحملة الصليبية الجديدة مدى غير عادي وأكبر كثيرًا مما كان موجودًا بالفعل؛ فالآن يمكننا أن نتعلم كيف نكره بطرق جديدة من خلال السينما والتلفزيون والإنترنت. بيد أن العملية تبقى هي نفسها، ذلك أن السباب متحرك، وإذا كان في إمكانه أن يغير أسلوبه، فإنه لا يزال يحمل ثقل العار بكامله، كما يقول المؤلف.

من عصر التنوير إلى عصر الإنترنت

الغرب يتحدى العالم الإسلامي منذ عصر التنوير، وليس التحدي هذا بفقه مختلف فقط، وإنما أيضًا بمفهوم مغاير تمامًا لمفهوم الدولة وفصل الديني عن العلماني، ومفهوم أن السلطة السياسية تنبع من الشعب، ولا تصدر عن حاكم مقدس يعيّنه الرب، وحتى تعاليم المسيحية يمكن أن تقابلها بالتشريع عندما تختلف مع الإرادة الشعبية. وقد أثار هذا التحدي الذي طرحته الحداثة الغربية هياجًا فكريًا في الشرق الإسلامي، وسعى الشرقيون بعد ذلك، ويسعون، للبحث في عيون كثير من المفكرين المحدثين لكي يحصلوا على حداثة تعينهم على مجابهة الغرب، لكنهم لم ينجحوا تمامًا حتى الآن، وذلك لأسباب كثيرة ومتنوعة، أهمها أن مسار التقدم لم يكن سهلً على الإطلاق، حتى في أوروبا أو الولايات المتحدة؛ فقد وجِدت المقاومة ضد المجتمع العلماني في المناطق الريفية في كل مكان، ولكن التحدي الذي طرحته الأفكار السياسية والاجتماعية الجديدة والتكنولوجيا الحديثة، أنتج أيضًا استجابة حماسية بين الشرقيين، أكانوا من خلفيات ريفية أم من خلفيات حضرية متعلمة. وحفز هذا التحدي من جانب الحداثة الأوروبية عملية إحياء فكري لا مثيل لها منذ قرون في العالم الإسلامي.

خاتمة

بلغة رشيقة، وتسلسل جذاب أتاحتهما الترجمة، ومعلومات وافرة ونظرات ثاقبة، يؤكد المؤلف في خاتمة كتابه أنه: إذا كان ثمة عبرة أخلاقية في الأحداث التي وصفتها في هذا التاريخ الطويل، فهي أن الكلمات والصور أسلحة. ولسنا نعرف من ستقتله هذه الأسلحة أو ستجرحه، وأين. إننا بحاجة إلى الوعي بخطورة اللغة والكلمات التي صنعت من الآخر كافرًا، وكلفت البشرية الكثير من الدماء، ورسخت سوء فهم عميقًا يحتاج إلى بذل جهد متواصل للتغلب عليه، يبدأ باكتشاف نقاط الاتصال الأساسية المسببة له. إن محاولة تقنين الفروق بين الشرق والغرب لا تمت بصلة إلى حقائق الحياة المعيشة، أو حقائق أتباع الكتب المقدسة والشرائع؛ فقد كان الناس يمضون في معظمهم أيامهم في توافق مع أخلاق جماعتهم أو طائفتهم الخاصة. وينبغي أن نميز بين الإسلام والمسيحية، بوصفهما الديانتين اللتين يؤمن بهما أتباعهما من المسلمين والمسيحيين، وبين الإسلام والمسيحية بوصفهما، في تصور كلٍ من الفريقين، ديانتين معادية إحداهما للأخرى. صحيح أن العالمين الإسلامي والمسيحي متنافسان على المستوى الديني والجغرافي والسياسي والاقتصادي، ومنذ أول نقطة اتصال بينهما - ولا غرابة في أن كلمات الكراهية بدلً من كلمات الحب كانت تسود عندما كان أحد العالمين يثير صورة الآخر – ولكن المشكلة التي يتعيّ أن تُعالَج تكمن في تحوُّل عملية إثارة هذه الصورة وعواقبها إلى صناعة الكافر في الجانبين. وفي النهاية، يرتكز الأمل الحقيقي في مستقبل أفضل للعالَمين على الاستماع والفهم المتبادلين، من دون أي تحيز مسبق يُنتِج عداوات دائمة. نلاحظأخيرًا أن على الرغم من بعض الملاحظات المتعلقة بإقحام اليهود من دون سبب وجيه في دراسة مخصصة للعلاقة بين العالمين الإسلامي والمسيحي، ومن بعض الأخطاء المتعلقة بمعلومات عن تاريخ الصراع، يظل هذا الكتاب رائدًا يفتح الباب واسعًا لدراسات تاريخية جديدة، واقتراحات مفيدة، لتطوير الدرس التاريخي في بلادنا وعالمنا الإسلامي عن تاريخ "الكفار" المسلمين/ المسيحيين، و"الكفار" السنّة/ الشيعة، و"الكفار" الإسلاميين / العلمانيين، و"الكفار" الحكام/ المحكومين.