Return to Article Details After the Armistice: The Ottoman Response to Zidan Saadi’s Petition

ما بعد الهدنة: الرد العثماني على مطالب زيدان السعدي

After the Armistice: the Ottoman Response to Zidan Saadi’s Petition

عبد الرحيم بنحادةAbderrahim *

Benhadda *

الملخّص

الوثيقة هذه موجودة ضمن كتاب "منشئات الس طين" لفريدون بك، والكتاب عبارة عن مصنَّف جمع فيه المؤلف مراسلات وفرمانات وأحكامًا أصدرها س طين الدولة العثمنية. تمثِّل الوثيقةُ واحدة من المراس ت التي صدرت عن السلطان العثمني، وهي رسالة وجهها السلطان أحمد الأول إلى الأمير زيدان السعدي بتاريخ صفر 1026 ه/ 1617 م في إثر الصراع الذي دار ب أبناء المنصور السعدي حول العرش، وتوجُّه الأمير زيدان لطلب الدعم العثمني. وتتضمن الوثيقة شرحًا للأسباب التي حالت دون التجاوب مع مطالب زيدان. وفي تقديم الوثيقة محاولة لتتبّع الصدى الذي كان لهذه الدعوة في مختلف المصادر المتوسطية، وللقول إن ما ورد في الوثيقة امتداد للسياسة التي سلكتها الدولة العثمنية في غرب البحر الأبيض المتوسط منذ ثمانينيات القرن السادس عشر، عندما أعلنت إسبانيا والدولة العثمنية انسحابهم من الصراع في العالم المتوسطي.

Abstract

The author presents a document extracted from Munseat us selatin by Feridun Bey - a compendium of correspondence, edicts, and rulings of sultans of the Ottoman Empire. A letter sent by Sultan Ahmed I to Prince Zidan Saadi in the year 1617 (1026 Hijri) following the eruption of a conflict over the throne between al-Mansour Saadi’s sons, and Prince Zidan’s subsequent solicitation of Ottoman support, the document explains the reasons precluding a positive response from the Sultan to Zidan’s request. In tracing the echoes of this call in a variety of Mediterranean sources, the author suggests that the document confirms and continues policy pursued by the Ottoman Empire in the western Mediterranean since the 1580 s, when Spain and the Ottoman Empire announced their withdrawal from conflict in the Mediterranean world.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة العثمانية
  • الدولة السعدية
  • أحمد الأول
  • زيدان السعدي
  • عالم متوسطي
Keywords:
  • Ottoman Empire
  • Saadi dynasty
  • Ahmed I
  • Zaidan Saadi
  • Munseat us selatin
  • Mediterranean world

الرد العثمني عىل مطالب زيدان السعدي

اقتنع العثمانيون وإمبراطورية الهابسبورغ في عام 15801، بوضع حد لسنوات طويلة من الصراع، بدأت في عشرينيات القرن السادس عشرن، وتخللتها معارك بحرية لم تسفر إلاّ عن الخسائر في الأرواح والسفن، ولم تحسم الصراع. فقد تواجه الطرفان في معارك عدة من بينها معركة مالطة 1564، ومعركة ليبانتو 1571، ومعركة حلق الوادي في تونس 1574. وخلال كل مراحل الصراع، كانت ولايات الشمال الأفريقي حاضرة بقوة سواء من خلال محاربيها، أو من خلال التحصينات، أو من خلال العتاد الحربي المستعمل. ولعل ما يدلّ على هذا الحضور هو كثرة المراسلات التي تسبق هذه المعارك، إلى درجة يمكن القول معها، أنّ الدولة العثمانية كانت تخوض صراعها مع الهابسبورغ في غرب البحر الأبيض المتوسط بالوكالة. وقد يتصوّر المرء أنّ المغرب الذي لم يمثّل جزءًا من الدولة العثمانية، لم يكن معنيًا بهذا الصراع، غير أنّ هذا الاعتقاد سرعان ما يتبدّد، عندما يطالع الباحث الأرشيفات المتوسطية التي تبرز بما لايدع مجالً للشك، أنّ المغرب كان حاضرًا بقوة في كلّ مراحل هذا الصراع؛ فقد لجأ سلاطين المغرب إلى لعبة السياسة الواقعية في علاقاتهم الدولية؛ وذلك من أجل الحفاظ على استقلاليتهم تجاه الدولة العثمانية. ومن ثمّ كان اسم المغرب يتردّد في الوثائق التي تصف صراع الإمبراطوريتين. وكانت هذه السياسة لا تراعي ضوابط معينة، بل كانت تعطي الأهمية لموازين القوة، وعليه فقد كانت السياسة الدولية المغربية تتلوّن حسب ظرفيات هذا الصراع. وعندما كان السفير الإسباني في إسطنبول يفاوض من أجل توقيع الهدنة، كان المغرب حاضرًا في المفاوضات، وكانت ورقة استقلال المغرب أو المحافظة على "ستاتيكو" من بين الأوراق التي استعملها الإسبان لاستبعاد أي خطر عثماني على المجالات الهابسبورغية في غرب البحر الأبيض المتوسط. وينبغي التذكير أن بداية هذه المفاوضات صادفت انتصار المغرب في معركة وادي المخازن في 4  آب/ أغسطس  1578، وما تلا ذلك من استقرار سياسي في البلاد؛ إذ استفاد المغرب من الظرفية الجدية في المتوسط وانصرف السلطان السعدي أحمد المنصور إلى بناء مؤسسات قوية، وجيش قادر على كبح جماح التمرّدات واستعداد لمواجهة الأخطار الخارجية. وعلى الرغم من ولوج عدد من الطامعين في السلطة والمنازعين في مشروعية السلطان أحمد المنصور سواء إلى ولاية الجزائر أو إلى إسبانيا، فإنّهم لم يستطيعوا إقناع من لجأوا إليه بالتدخل المباشر، وبقي بعضهم ورقة يفاوض بها الإسبان المغرب من أجل تحقيق بعض التطلعات المادية. وعندما توفي أحمد المنصور عام 1603، ولأنه فشل في تأمين انتقال السلطة قبل وفاته2، فقد اندلع الصراع بين ابنيه زيدان والمأمون4، بعد تحييد الإبن الثالث أبي فارس. وقد كان للابنين ولاءاتهما "لطرفي الصراع" في البحر الأبيض المتوسط؛ فكان المأمون يعوّل على إسبانيا من أجل مساعدته للانفراد بالعرش؛ فجرت بينه وبين الإسبان مراسلات وسعى إلى تقديم الامتيازات والتنازلات للإسبان، ومن ذلك مثلً أنّه سلّم لهم مدينة العرائش (1609) ذات الموقع الإستراتيجي المهم في النشاط القرصني في عرض البحر الأبيض المتوسط5. أمّا زيدان السعدي، فقد سعى من جهته إلى طرق الأبواب العثمانية، وإن لم يفرّط في روابطه الأوروبية. ففي عام 1611 أبرم اتفاقية مع فرنسا على شاكلة الاتفاقية العثمانية الفرنسية المبرمة عام 1536. وعلى الرغم من حادثة السفير كاسطلان6، فإنّه تشبّث بالحفاظ على استمرارية هذه العلاقات. ولم يجعل من إسبانيا عدوًا على الرغم من إدراكه دعم السلطات الإسبانية لمنازعه محمد الشيخ المأمون؛ فقد حفظ الأرشيف الإسباني رسالة

  1. يعتبر فرناند بروديل هذه السنة سنةً حاسمة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط؛ إذ نقلت هذا العالم من زمن صراع الإمبراطوريات إلى زمن صراع القراصنة.
  2. اتسمت العلاقات بين المنصور وولي عهده محمد الشيخ المأمون بالتوتر إلى درجة أنّه زجّ به في السجن قبيل وفاته؛ لسوء سيرته وأخلاقه؛ وولّ ابنيه زيدان في فاس وأبا فارس في مراكش. 3 اندلع الصراع بين أبي فارس وزيدان، ورغبة في خلق نوع من التوازن، سارع أبو فارس لإطلاق سراح شقيقة المأمون الذي استأثر بالسلطة ليصبح الصراع قائمًا بين المأمون وزيدان.
  3. كانت العرائش من بين أهم المدن القرصنية في شمال أفريقيا وكانت تحتضن جالية تركية مهمة منذ النصف الأول من القرن السادس عشر إلى درجة أنّ معظم الأتراك الذين ساهموا في معركة وادي المخازن كانوا من القراصنة المقيمين في مدينة العرائش، ولذلك وضعها الإسبان نصب أعينهم وظلوا يطمحون في السيطرة عليها حتى زمن السلطان أحمد المنصور، وقد كان المنصور يعدهم بها كلما شعر باهتزاز عرشه.
  4. في عام 1604 عين كاسطلان سفيرًا لبلاده في الجزائر وعقب انتهاء مهمته عين مكان سفير فرنسا في المغرب G. Curiol عام 1611. ولما كان مولاي زيدان منشغلً بالحرب مع إخوانه كلف كاسطلان بنقل الخزانة التي ورثها عن أبيه المنصور، وقد حدث أن أسرت السفينة الفرنسية التي كانت تقل هذه الخزانة، ما تسبب في حادثة ديبلوماسية بين المغرب وفرنسا، انظر: Charles Penz, Personnalités et familles françaises d’Afrique du nord – Maroc 1533 - 1814 (Paris, Editions S.G.A.F, 1948), p. 56.

استمالة زيدان والعمل على إقناعه بضرورة تشكيل حلف ضد إسبانيا. وكانت إنكلترا - كما يقول زيدان - مستعدة لتقديم دعم مالي كبير7.

لكسب "شرعية دولية".

في موضوع علاقات زيدان بالعثمانيين في ما يلي: ӵ ӵ لجوء زيدان بمحض إرادته إلى طلب المعونة التركية8.

مولاي أحمد المنصور. ويذكر أيضًا أنّه مكث بها خلال المرة الثانية "ثلاثين شهرًا"9.

وتتحدث عن انحراف مكّن العدو من ثغر من ثغور المسلمين.

ولم ينج منهم إلاّ غراب واحد في شرذمة قليلة"10.

اكتفى بإرسال خلعة وسيف إلى الأمير المغربي، وأمر باشا الجزائر بالتدخّل لمساعدة زيدان11.

المصادر العثمانية. من زيدان إلى الملك فيليب الثالث Philip III12 بتاريخ ربيع الثاني 1017 ه/ آب/ أغسطس  1608. ولم تنل جهود إنكلترا من هذه العلاقات؛ إذ حاولت

إنّ كثافة هذه العلاقات كانت تدلّ على حرص زيدان على فرض نفسه مخاطبًا وحيدًا داخل المغرب، وإنّه الملك الشرعي، فهي محاولة منه

وإذا كانت علاقات زيدان بأوروبا موثّقة، فإنّ علاقاته مع الباب العالي ظلّ يكتنفها الكثير من الغموض بسبب ضعف التوثيق. فقد اعتمد الأوروبيون على ما كان يشاع في ذلك الوقت، والشائعات هي التي غذّت المصادر المغربية المهتمة بهذا الموضوع. وينحصر ما تداولته المصادر المغربية

سفارة مغربية إلى إسطنبول قادها عبد العزيز الثعالبي، وهو السفير الذي وصل إلى إسطنبول للمرة الثانية؛ إذ يذكر أنّه كان قد حلّ بها مبعوثًا من السلطان

توجيه رسالتين إلى الدولة العثمانية13: الأولى موجّهة من زيدان إلى "سلطان البحرين والعراقين" وتفصح هذه الرسالة أنّه بعد "إزاحة الموانع" والقضاء على "فتن الخوارج عن متابعة الاتصالات بين الباب العالي و زيدان رجوعًا إلى عهود الآباء لجمع الكلمة"؛ أمّا الرسالة الثانية فموجّهة من زيدان إلى خليل باشا، الدعم الذي قدّمه العثمانيون لزيدان؛ إذ يذكر الإفراني أنّ السلطان العثماني جهّز لزيدان "من جيش الأتراك اثني عشر ألفًا، وركبوا البحر فغرقوا جميعًا أمّا المصادر الأجنبية فهي وإن اتفقت مع المصادر المغربية حول لجوء زيدان السعدي إلى إسطنبول، فإنّها تورد أنّ توجّه زيدان بطلب المعونة، كان استجابة للرسالة التي بعث بها الصدر الأعظم خليل باشا وجاء فيها قوله "فلتعلم فخامتكم أنّنا سنبعث إليكم برسالة أخرى نطلب منكم فيها إيفاد سفير مصحوب برسالة سامية ومحملً بالهدايا النفيسة والنادرة، لتجديد روابط الصداقة التي تجمع بيننا وتمتينها"14. وتورد الوثائق الأجنبية – وهذه المرّة الوثائق الهولندية - إنّ الباب العالي على الرغم من ذلك لم يستجب بالشكل الذي تصوّره المصادر المغربية؛ ففي رسالة بتاريخ 25 آذار/ مارس  161715، نجد أنّ السلطان العثماني لم يعمل إلاّ على تحميل المبعوث المغربي رسالة ملأها بتعابير منمّقة حول استمرار العلاقات الودية بين المغرب والباب العالي. وفي رسالة بعث بها كورنيلس هاخا Cornelis Haga إلى الولايات العامة في آذار/ مارس  1617، يذكر أنّ السلطان العثماني

والوثيقة التي نقدّمها تسير في اتجاه إلقاء أضواء كاشفة عن تاريخ العلاقات المغربية العثمانية في النصف الأوّل من القرن السابع عشر من خلال

  1. Chantal de La Véronne, "Relations entre le Maroc et la Turquie dans la seconde moitié du XVIe siècle et le début du XVIIe siècle (1554 - 1616)", in Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée , no. 15 - 16 , (1973), p.  391.
  2. أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج 6 (الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997)، ص 49. الإفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، هوداس (محقق) (باريس، د.ت)، ص 293.
  3. يقول الإفراني: "ثم إنّ زيدان لما هرب من فاس حسبما بيّناه قبل، قصد تلمسان، فلم يزل مقيمًا بها وكان بعث إلى ترك الجزائر ليستعين بهم على إخوته[...]". انظر: محمد السوسي
  4. ينظر ما كتبه الثعالبي نفسه عن زيارته إلى إسطنبول وهو محفوظ في الخزانة الوطنية بباريس ضمن مجموع رقم 524.
  5. مجهول، رسائل سعدية، عبد الله كنون (محقق) (تطوان: دار الطباعة المغربية، 1954)، ص 157-158.
  6. الإفراني، ص 239.
  7. Véronne, p. 392.
  8. Henry de Castries , Les sources inédites de l'histoire du Maroc. Archives et bibliothèques des Pays- Bas, Vol. II, pp. 671 - 672.
  9. Ibid., Vol. III, pp. 26 - 27.

وقبل تقديم فحوى الرسالة لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الوثيقة مستلّة من كتاب فريدون بك منشآت السلاطين16، ولم نعثر لها على أثر أثناء تحرياتنا في الأرشيف العثماني. كما أنّ الوقائع التي توردها الوثيقة لم يكن لها أي صدى في النصوص العثمانية. بيد أنّ أهمّ إشكال يطرحه استعمال النصّ هو وجوده ضمن كتاب أنجز في مرحلة سابقة عن تاريخ إنتاجه؛ فقد كتبت الرسالة في آذار/ مارس 1617، في حين أنّ فريدون بك توفي عام 1583. و فريدون بك هو أحد المؤرخين العثمانيين البارزين، ورئيس الكتّاب زمن الصدر الأعظم صوقللي باشا. اشتغل بالدفتردارية المركزية والتحق عام 1553 بولاية الرومللي ليشتغل إلى جانب محمد صوقللي باشا، عندما كان واليًا عليها، ورافقه عندما أصبح صدرًا أعظمَ. وقد أدّى فريدون بك دورًا أساسيًا في المفاوضات العثمانية الصفوية من أجل تسليم الأمير بايزيد اللاجئ آنذاك في البلاط الصفوي. وفي عام 1570 عيّ فريدون بك رئيسًا للكتّاب ورقّي عام 1573 إلى رتبة نشانجي. وفي عام 1575 قدّم فريدون بك كتابه منشئات السلاطينللسلطان مراد الثالث، غير أنّه لم ينل حظوة في أوساط هذا السلطان الذي لم يكن ينظر إليه بعين الرضى لكونه أحد "محمييّ" الصدر الأعظم صوقللي17، فأقيل من منصب الناشنجي، وكان ذلك بمنزلة مؤشّ على نهاية عهد الصدر الأعظم القوي. وعلى الرغم من أنّه تولّ مناصب أخرى، فإنّها لم تكن في نفس مكانة المناصب التي تبوّأها سابقًا. غير أنّه، وبعد مقتل صوقللي باشا عاد فريدون بك ليسطع نجمه مرة أخرى؛ إذ عُيّ نشانجيًا وتزوج عائشة سلطان ابنة رستم باشا وحفيدة السلطان سليمان القانوني. وقد توفي فريدون في مكتبه عام 1583. أمّا كتابه منشآت السلاطين، فهو عبارة عن تجميع للوثائق الرسمية، من فرمنات ورسائل سلطانية واتفاقيات، ويورد المؤرخ سلانيكي أنّ الكتاب تضمن ما ينيّف على 250 وثيقة موزّعة على عهود السلاطين الأحد عشر إلى عهد السلطان سليم الثاني. وقد طبع الكتاب مرتين، ووصل عدد وثائقه إلى 735 وثيقة في طبعته الأولى و 841 وثيقة في طبعته الثانية؛ وهو ما يعني أنّ عددًا من الوثائق تمّ حشرها، ويرى أحد الباحثين أنّ من أصل مجموع الوثائق ما يزيد عن الثلاثين وثيقة لاحقة لعام وفاة فريدون بك. وتعدّ الوثيقة التي نحن بصددها واحدة من هذه الوثائق التي تمّت إضافتها إلى منشآت السلاطين. وهذه الوثيقة عبارة عن رسالة وجّهها السلطان العثماني أحمد الأول إلى مولاي زيدان، بتاريخ آخر صفر الخير من عام 1026 ه / آذار/ مارس 1617. وتسمح الوثيقة بتسجيل الملاحظات التالية: أنّها تضع اليد على وصول السفير المغربي عبد العزيز الثعالبي إلى إسطنبول "حاملًالتحف والهدايا والأسلحة المرصّعة والحرير إلى بلاط السلطان"، وتذكر التحفَ والهدايا وليس عشرةَ قناطر من الذهب كما تذهب إلى ذلك المصادر المغربية. تخبر الوثيقة بوصول رسالتين: الأولى ولعلّها كانت استجابة لما نقرأه في وثيقة الأرشيف الإسباني، وتحتوي على"مواد المحبة والوداد" وتنسجم محتوياتها مع ما ورد في الرسالة التي توجد ضمن رسائل سعدية. أما الثانية فتحتمل أن تكون جوابّا على رسالة أخرى، كانت قد استمددت العثمانيين في صرف "همّتهم إلى إبطال طريق الهند الذي يتقوى بهم اعتضادهم (الكفار) ويتمشّ استنادهم[....]" تؤكّد الوثيقة وعي الباب العالي بخطورة احتلال"العرائش والمعمورة وما يضاهيها من القلاع المشهورة". وإذا كانت الرسالة التي بعث بها خليل باشا تشير إلى أنّه "إذا ارتأت إرادة السلطان إرسال عسكر أو أوامر إلى حكّام تلك المناطق لدفع الضرر والفساد" وتؤمّل في ذلك على "وجوب التعاون"، فإن الرسالة الثانية تبدأ بوضع شرط التعاون وتؤاخذ مولاي زيدان لعدم طلبه دعم الباب العالي في الوقت المناسب، فقد "كان اللائق بكم والواجب على ذمتكم أن تستمدوا وتستعينوا بأعتابنا قبل أن يتصادم الصفوف ويتزاحم الزحوف". كما تبيّ الرسالة أنّ العثمانيين "قادرون على إيصال عسكر يضيق عليهم الطريق". ويظهر من خلال الوثيقة أنّ الدولة العثمانية لم تكن قادرة على الاستجابة للمطالب السعدية الزيدانية، إذ تشير الوثيقة الثانية إلى أنّه "لا يشغلنا عن الإمداد بعون رب العباد إلّ انشغالنا بما نحن عليه من إعداد لوازم الجهاد، لاستئصال أهل الرفض والإلحاد[...] وتجهيز العمارتين العظيمتين إلى البحرين المسجورين بعساكرنا المنصورة[....]" ولعلّ ما يؤكّد صدق ما نذهب إليه المصادر الأجنبية/الأوروبية التي حصرت الرد العثماني

  1. أحمد، فردون بك. منشآت السلاطين.(تقويم خانه عامره: اسطنبول، 1848.)
  2. كان محمد صوقللي صدرًا أعظم للسلاطين سليمان القانوني وسليم الأول ومراد الثالث، وإذا كان نجمه تألّق زمن حكم سليم الثاني فإنّه بدأ يعاني من مشاكل عندما تولّ السلطان مراد بسبب تنامي تيّار ينتصر للحرب مع الصفويين، فيما كان هو منافحًا عن الاستمرار في الحرب ضد إمبراطورية الهابسبورغ. واستطاع هذا التيار أن يؤثّر في السلطان مراد وهكذا انعكس ذلك على موقف مراد من الصدر الأعظم ومحميّيه.

في نميقة وسيف وخلعة. وتبقى الرواية التي توردها المصادر المغربية حول غريق المساعدات العثمانية مجرد شائعة كان من وراء ترويجها، دون شك، زيدان السعدي لربح بعض الوقت وأسلوب لمواجهة منازعه في السلطة. والظاهر أنّ اتفاقية 1580 كانت وراء تعامل الدولة العثمانية مع مطالب زيدان السعدي؛ إذ لم يعد هناك من رهان لضم المغرب. وقد تكون الأسباب التي دفعت الدولة العثمانية إلى الانسحاب من عالم المتوسط هي نفسها التي كانت وراء الرد العثماني اللبق على رسائل زيدان. فقد كانت الدولة العثمانية منشغلة بجبهات متعددة، إذ دخلت في حروب – كما تقول الرسالة – ضد الكفرة والأعراب الأشرار والملحدين ولعلّ هذه الحروب هي التي جعلت السفير المغربي الثعالبي يكتب تاريخًا للدولة العثمانية على عهد السلطانين أحمد الأول وعثمان الثاني، وربما كان قصده من ذلك رغبته في إعطاء صورة عامة عن الوضعية التي كانت تعيشها الدولة العثمانية، وأن يبيّ انشغال عثمان الثاني بالحروب مع الروم منذ السنوات الأولى لتوليته. ويمكن أن نضيف إلى ذلك صعوبة العلاقات بين المركز والمحيط – أي بين إسطنبول وولاياتها الطرفدراية – إذ لم يعد ولاة الجزائر يمتثلون لأوامر الإدارة العثمانية، وأصبحوا يتصرّفون بمحض إرادتهم وليس بما يمليه الباب العالي؛ ففي السابق كان الباب العالي يوكل أمر التصرّف إلى باشاوات الجزائر مثلما حدث مع محمد الشيخ السعدي (1553) وعبدالملك السعدي (1576)، وكان هؤلاء ينفّذون ما يصدر إليهم من أوامر دون تردّد، أما مع نهاية القرن السادس عشر فقد بات من الصعب أن تنصاع ولايات الشمال الأفريقي للأوامر الصادرة من الإدارة المركزية، ونعتقد أنّ ذلك كان من بين تبعات هدنة 1580.

نص الوثيقة

الحمد لله الذي أعلى معالم الإسلام وبشّ المجاهدين في سبيله بالنعيم المقيم في دار السلام، وأكرم المؤمنين بتوفيق المجاهدين غاية الإكرام، وجعل عبدة الأصنام وعندة المشركين ومردة الملحدين منحوسة الرؤوس ومنكوسة الأعلام، والصلاة والسلام على عارف الحق عن الباطل، وخارق شرك الشرك بشرعه المبشّ بالدّوام، سيّدنا ونبيّنا محمّد المبعوث بسيف الجهاد وحسام الانتقام على قاصدي حصين حصن الإيمان والإسلام وعلى آله العظام وأصحابه الكرام الذين سعوا في ميادين الدين بأقدام الإقدام صلاة وسلامًا دائمين إلى قيام الساعة وساعة القيام. أما بعد نسلّم على ذلك المقام الجليل سلام إكرام وتبجيل، ونثني إلى ذلك المعهد الجزيل أعنّة الثناء الجميل، فننهي إلى المقّر العزيز والمحلّ الحريز لأحب أحبابنا وأصدق أصدقاء أبوابنا عضد دولتنا الباهرة الزاهرة، عصب صولتنا القاهرة، حارس الحصون الغربية لممالك الإسلام، فارس معارك إرغام كل مرغام، مشيد أركان الانتظام، مؤيّد أهل الاعتصام بالعروة الوثقى التي ما لها انفصام، مبدّد فرق البغي والاختصام، أليفنا المبجّل العلي الشأن، خليفنا المكمّل السنى المكان، صاحب العزّ والمجد والسيادة، رفيع الشأن المولى زيدان حفظه الله الملك المنّان عن تطرق مكايد الزمان، وأظفره على الكفرة وأهل الطغيان. أنّه قد وصل إلينا من مقامكم الشريف حفّ بألطاف الملك اللطيف، كتابان كريمان وبِدُرّ الإخلاص نظيمان اللذان يتعطّر بروائح أنفاسمها النفيسة مشام الآفاق، وتفوح من مضامينهما فيَح تأكّد الميثاق بحسّ الوفاق، المبعوثان مع العالم العابد الورع الزاهد العارف جامع المحامد والأدب والمعارف، مفخر أرباب التمييز الشيخ عبد العزيز. أحدهما اجتمع فيه مواد المحبة والوداد، وبرز أنوار بدر المراد من أفق الفؤاد، وذكر فيه محامد والدنا المرحوم السلطان الماجد، ومكارم أجدادنا الأكارم الأماجد، السلاطين العثمانية والخواقين الإيمانية الذين كانوا خلفاء الله تعالى في أرضه وأقطاره. ولو كانت المحامد وجوهًا لكانوا غررها، ولو كانت الحمية بدرًا لكانوا نوره وسناه، ولو كانت الشجاعة غصنًا لكانوا نوره وخباه، وسطر فيه ما كان بين آبائكم الكرام وبين أسلافنا الفخام الذين

  1. خلال اشتغالنا بنشر تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية لمؤلف مجهول تمكنّا من العثور في الخزانة الوطنية بباريس علىتاريخ الدولة العثمانية في بداية القرن السابع عشر، لعله من وضع السفير المغربي الثعالبي. 18 انظر نص الوثيقة الأصلي في الملاحق.

حصل لهم تمام الصيت وعظيم الفخار والذكر الجميل الذي عمّ زوايا الآفاق والأقطار من الحب الذي لا يقدر صيّاد القلم أن يصيد حمائم بيانه بحبات التقاط وشبكات الحروف من الانخراط سلك الوفاق والالتئام الذي ينال به في إحياء الدين وإعزازه كل مرام، وما أوجب إرسال أذيال التأخير والإمهال من الاشتغال بقتال الكفار الملاعين، ومحاربة أعداء الدين وأحزاب الشياطين، والمجاهدة في رفه آفتهم، والاستقصاء في استيصال شأفتهم، وبيّ فيه توجّههم بعدما أضحت تلك الأقطار آمنة الأطراف، وصارت بكفاية مجاهدتكم سالمة الأكناف إلى إظهار ما ادخرتم في البال من إرسال الكتاب، وتجهيز رسلهم ليبنوا ما عندكم من جميل الموالاة والمخالصة مشافهة، ويقرّروا ما أنتم عليه من عهود الآباء والأجداد مواجهة، وطلبكم لحسن معاودتهم من ديارنا، وانصرافهم عن أقطارنا، بما يكون سبيلً لإعزار أهل الهدى، وإذلال الكفرة المتردين في هاوية الردى، وباعثًا لما يشبه من الإسلام العصا، وتشدّ ببركته هامة من كفر وعصى. وأمّا المكتوب الآخر فهو أيضًا مصحوب بالمبالغة في تنويه المحبة المغروسة، وتروية المودة المؤسّسة المحروسة، ومشتمل على ذكر ما خصّه الله تعالى بالسلاطين العثمانية والخواقين الإيمانية من الخصائل التي يتضايق عن عددها طوق المحصي، ويتقاصر دون حصرها باع المستقصي، ومخبر عمّا اعترفهم في البحر ما أساطيل العدو وأباطيل أهل الطغيان والعتوّ، حتى أوجب انقلابهم واقتصى قفولهم وإيّابهم، وعن مجادلة إرسالهم على بلاد بعد ما تعذّر السفر من جهة الجزائر لمانع وقع هناك، ومنبئ عن اجتماع الكفرة وعهدهم الصلح بين طواغيتهم الفجرة، وعن قصدهم والعياذ بالله على البلاد الإسلامية والديار الإيمانية أذلّهم الله تعالى وخذلهم، وصرف وجوه الخسف قبلهم، وعن استمدادكم منّا في صرف همتنا العلية إلى إبطال طريق الهند الذي يتقوّى به اعتضادهم، ويتمشّ استنادهم واعتمادهم، وعنايتنا بإعانة ولي، والهداية مصروفة في كل حين إلى نصرة أولياء الدين، ونكاية أعداء الله الكافرين، حتى لايمسّ المسلمين شرّ العدوّ ومضرّته، ولا يصدم المؤمنين فساد أهل الشرك ومعرّته، ولا يخفى عن علمكم أنّ من عادتنا الجميلة الموروثه من آبائنا وأجدادنا أصحاب مآثر الجليلة، أن نتلقّى من يرد علينا، ويرغب إلينا من البلاد الشاسعة للترحيب والترهيب باسطين له بساط الأنس ليفوز من سفره بنصيب، وسمو في دفع ما يرهبونه عن ساق الجد، ونستفرغ في تحصيل ما يطلبونه أقصى الوسع والجهد. فلمّا قرأت علينا آيات إخلاصكم، واستقرّت لدينا مواد ودادكم واختصاصكم، وأحضر رسلكم في حضرتنا العليّة في مقام المثول، وعرض علينا هداياكم البهيّة المتلقاة بالقبول، أثنينا على تلك الأخلاق الطاهرة والأعراف الزاهدة ثناء متأرج النفخات، متبرّج الصفحات، فأدمتم في مراعاة الحقوق ساعين ولدولتنا الإسلامية راعين، لا تلقون من سدّة العزّ والإقبال سوى النظر بعين الإعزاز والإجلال، وصون التواد عن التضاد، والإخلال عن الاختلال، ونرجو من الله ذي الرحمة والرأفة ألّ يخسف بدر كمال المؤالفة بحلوله أرض بعد المسافة، ويقينا وأيّاكم من مسّ آفة ومخافة، ولما أدرج في ذلك الدرج الجليل من المساعي بالسعي الجميل في إبطال أهل التضليل، فنحن بإذنه سبحانه وتعالى نتقيّد بأدائه راجين منه تعالى عونه وإحسانه، ونرسل الأوامر الشريفة إلى أمرائنا المحافظين في حدود البصرة، ونأمرهم في ذلك الفتوة والنصرة. ثم لا يذهب عن علمكم، أنّه واضح عندنا، واتّضح لدينا شرّ الكفّار وبعض الأعراب الأشرار، قهرهم الله القهّار، وأنزلهم دار البوار، في بعض ديار تلك الأقطار مثل العرايش والمعمورة وما يضاهيهما من القلاع المشهورة، وعجزكم عن إقلاعها وانتزاعها، وتطهير تلك الأراضي وبقاعها، وكان اللائق بكم والواجب على ذمّتكم أن تستمدوا بنا، وتستعينوا بأعتابنا، قبل أن يتصادم الصفوف، ويتزاحم الزحوف، فنحن بحول الله وطَوْله قادرون على إيصال عسكر يضيق عليهم الطريق والمسالك، ويلجئهم إلى المضايق والمهالك، ونخلّص المسلمين من وابق مكرهم وعوائق غدرهم، وتكون إعانتنا هذه مرغمة لأنوف الكافرين، ومكسرة لجموع أهواء الخاسرين المتجاسرين، حتى يتقطّع أطماع أعدائكم من تلك البلاد، ويندفع عنها أسباب الشر ومواد الفساد، ولا يشغلنا عن الإمداد بعون رب العباد إشغالنا لما نحن عليه من إعداد لوازم الجهاد لاستيصال أهل الرفض والإلحاد، وخرق شرّ شوكة أهل الضلال والفساد، وتجهيز العمارتين المعظمتين إلى البحرين المسجورين بعساكرنا المنصورة حفظهم الله مما يورث الشين في الدارين، ونحمد الله على ما أسبغ علينا من جزيل آلائه، ونستزيده سبحانه جلائل نعائمه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حرّر هذا السِفْر المبارك في أواخر صفَر الخير في سنة ست وعشرين وألف من هجرة من له العز والشرف عليه الصلاة والسلام ما ختمت الصلاة بالسلام.

قائمة المصادر والمراجع

الوثائق

الثعالبي، عبد العزيز. كتاباته عن زيارته لإسطنبول، ضمن مجموع الخزانة الوطنية بباريس ضمن مجموع رقم 524.

المراجع العربية

الإفراني، محمد. نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، هوداس (محقق) باريس، د.ت.

مجهول، رسائل سعدية، عبد الله كنون (محقق) تطوان: دار الطباعة المغربية، 1954.

الناصري، أحمد بن خالد. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج 6، الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997.

المراجع الأجنبية

• De La Véronne, Chantal, "Relations entre le Maroc et la Turquie dans la seconde moitié du XVIe siècle et le début du XVIIe

• Penz, Charles. Personnalités et familles françaises d’Afrique du nord – Maroc 15 33-1814 Paris, Editions S.G.A.F, 1 948.

• De Castries , Henry. Les sources inédites de l'histoire du Maroc. Archives et bibliothèques des Pays- Bas, Vol. II.

siècle (1 554-1616)", in Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée , no. 1 5-16 , 1973.