تاريخ الزمن الراهن: السياق والإشكاليات
History of the Present Moment: Background and Problematics
الملخّص
نعيش اليوم زمن العودة إلى الحدث، والعودة إلى البيوغرافيا، والعودة إلى السرد؛ فهذه الأنماط الثلاثة أثبتت شرعيتها من جديد، ووجدت مكانتها في الكتابات التاريخية حاليًا، إذ في ظلّ التحوّلات الجديدة يجري التركيز على مواضيع اليومي المعيش، وعلى التجارب كما واجهها معايشو الحدث، وذلك من خلال توضيح دور الأفراد مع الأخذ في الحسبان السياقات والسلاسل ذات الصلة. إنّ الرغبة في الفهم والمعرفة هي التي دفعت المؤرخين إلى اقتحام التاريخ القريب، على الرغم مما يطرحه من إشكالات وحساسيات مفرطة للدولة والجماعات والأفراد. ويأتي هذا الاهتمام أيضًا في سياق ردات الأفعال التي استجابت للنقاشات تجاه أزمة الشك والريبة التي عرفها معنى التاريخ في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، فحاولت إعادة الحيوية والنشاط إلى حقل البحث التاريخي. في هذا الإطار تأتي هذه الدراسة لتجيب عن عددٍ من الأسئلة: ما هي سياقات بروز تاريخ الزمن الراهن؟ وما هي مظاهر الانتعاشة الكبرى لهذا النوع من التاريخ؟ وما هي الرهانات التي يطرحها على المؤرخين؟
Abstract
Institutes with an interest in contemporary history have mushroomed across the world, and particularly in Europe. The powerful rise of the media has contributed to giving a new gloss to the present, the witness, the historical actor, and to daily life. The writing of present history, however, raises difficulties for historians, difficulties that arise with the obtaining of documentation in circumstances where the time between an event and its documentation is short, the sensitivity of the issues that may be under judicial examination, and of course the issue of objectivity when interpreting events. This focus on contemporary events has risen among historians since the 1980 s. The global political upheavals following the breakup of the Soviet Union, and the rise of international terrorism, have triggered a strong demand for studies analysing these trends. We are living today in a period of return to the event, biography, and narrative. These three forms have proved their legitimacy once again and found their place in the writing of contemporary history, and with it a focus on subjects of daily life, and on experiences as lived by those who have personally witnessed them. This study is an attempt to provide insight to the following questions: What are the contexts that highlight contemporary history? What are the phenomena of the major revival of this form of history? And what are the conditions they impose on historians?
- الزمن الراهن
- الحدث
- وسائل الاعلام
- اليومي المعيش
- الكتابة التاريخية
- Present Moment
- Event
- Media
- Daily Living
- Historiography
مقدمة
منذ ثمانينيات القرن العشرين، أصبح الاهتمام بالراهن بالنسبة إلى كثير من المؤرخين بمنزلة الضرورة؛ فالهزّة السياسية الكبرى التي عصفت بالعالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفاقمُ الإرهاب الدولي تلاهما طلبٌ شديد على الدراسات التي تتناول هذه الموضوعات بالتحليل1، ولم يبق مجال التاريخ يقتصر على الماضي، كما في السابق، وإنّما توسّع ليشمل الحاضر أيضًا. استقطب تاريخ الزمن الراهن2 في مساره، عددًا كبيرًا من المؤرخين والمختصين بالعلوم السياسية، إضافةً إلى علماء اجتماع وأنثربولوجيين. وقد غدَا تيارًا استمرّ في التطوّر، وطالب روّاده بضرورة إنشاء جامعات ومراكز أبحاث خاصة؛ فنجحت المساعي تلك في الولايات المتحدة وعدد من البلدان الأوروبية. وامتد تأثير ذلك إلى عدد من البلدان العربية، ومنها المغرب وتونس، حيث بدأت الأبحاث تتناول بالدراسة حوادث الماضي القريب، رغبةً في الفهم ومواجهة المستقبل بطريقة أفضل. إنّ الاهتمام بالفهم والمعرفة هو الذي دفع المؤرخين إلى اقتحام التاريخ القريب، زمنيًا، على الرغم ممّا يطرحه على الدولة والجماعات والأفراد من إشكالات وحساسيات مفرطة. ويأتي هذا الاهتمام أيضًا في سياق ردّات الأفعال التي استجابت للنقاشات تجاه أزمة الشكّ والريبة التي عرفها معنى التاريخ في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، فحاولت إعادة الحيوية والنشاط إلى حقل البحث التاريخي. نعيش اليوم زمن العودة إلى الحدث والبيوغرافيا والسرد، الأنماط الثلاثة التي أثبتت شرعيتها من جديد، ووجدت مكانتها في الكتابات التاريخية حاليًا، حيث التركيز - في ظلّ التحولات الجديدة - على موضوعات اليومي المعيش، وعلى التجارب كما واجهها معايشو الحدث؛ وذلك من خلال إعادة تركيب تجربة الفاعلين الاجتماعيين وتوضيح دور الأفراد وحقيقة الفعل، مع أخذ السياقات والسلاسل ذات الصلة في الحسبان. فما هي سياقات بروز تاريخ الزمن الراهن؟ وما هي مظاهر الانتعاشة الكبرى لهذا النوع من التاريخ؟ وما هي الرهانات التي يطرحها على المؤرخين؟
دور وسائل الإعلام يف انبعاث الحدث الراهن
برزت وسائل الاتصال إلى الوجود مؤخرًا، لتدلّ على ظاهرة قديمة عرفتها المجتمعات منذ بداية التجمّع البشري؛ فالاتصال ليس حديث العهد، ولكن أدواته تطورت بصورة لم يسبق لها مثيل، منذ اختراع المطبعة التي كانت أداةً لتطوّر أهمّ وسيلة اتصال حديثة، وهي الصحافة. ومن ثمَّ تبعتها الوسائل الأخرى، فجاءت السينما لتؤمّن الاتصال عبر الصورة، ثم بالصورة والصوت معًا، وتبعتها وسيلة الراديو التي تنقل الأخبار إلى كلّ بيت. أمّا التلفزيون الذي أخذ يعمّ منذ أواسط القرن العشرين، فقد أحدث ما يشبه
الثورة؛ إذ ينقل إلى المنازل الأخبار والمشاهد والاحتفالات، بالصوت والصورة. ثم تربّعت أخيرًا وسيلة الإنترنت على عرش وسائل الاتصالات، وأمَّنت للإنسان كلّ ما يحتاج إليه من معلومات ووثائق وتسلية. وقد ساعدت التقنيات الحديثة، من الهاتف النقال إلى الأقراص المضغوطة بمختلف أنواعها والمواقع الإلكترونية وصفحات الويب ومحركات البحث، على تطوّر الاتصالات بسرعة فائقة. وتدخّلت وسائل الاتصال هذه في حقول متعددة، مثل الإعلام والإعلان والتربية والتسلية. ولا تزال تتمدّد في اتجاه حقول إنسانية أخرى3. وسائل الاتصال هي، أولً وقبل كلّ شيء وسيلة وأداة تقنية ووسيط. ولكنّها في الوقت نفسه مشروعات وأشكال تعبير. وهي تتقاسم، بنسب متفاوتة، مهمات أو أنشطة مختلفة، وهي: الإعلام والدعاية والترفيه والتربية والإبداع. وغالبًا ما تتماهى مع واحد من هذه الأنشطة، وتتّخذ قيمتها في حقل استخدامها. وهكذا، فإنّ وسائل الاتصال تفاجئنا على الدوام بتأثيرها في الحياة العالمية، في السياسة وفي الثقافة أيضًا. ونخصّ منها بالذكر وسائل الإعلام المرئية ذات الدور المحوري في تشكيل الرأي العام. ويتضاعف هذا التأثير لدى الفئات غير المتعلمة، والتي تصبح خاضعة مطلقًا لسطوتها، خصوصًا إذا ما أخذنا في الحسبان طول المدة الزمنية التي يمضيها كلٌّ من أفراد هذه الفئات مع وسائل الإعلام (ما بين ستّ ساعات وتسع ساعات يوميًا)؛ فهذه المتابعة اليومية من جانب المجتمعات المعاصرة للحصول على أكبر قدرٍ من المعلومات، تحوّلت إلى نوعٍ من الإدمان؛ إذ أصبح الناس اليوم غير قادرين على الاستغناء عنها، وبالأخص عن جهاز التلفزيون الذي يُعدّ أكثر وسائل الاتصال الأخرى قدرةً على الفعل والتأثير؛ فليست هناك وسيلة طبعت القرن العشرين مثل التلفزيون الذي أصبح في عصره الثاني، بفضل تطوّر الأقمار الاصطناعية، نافذة الجميع للإطلال على حوادث العالم. ساهمت التغيرات التي عرفها الإعلام المعاصر في التجسيد الجديد للحدث؛ فمن خلال إلقاء الضوء على العلاقات بين وسائل الإعلام والحوادث، نجد أنّها قوية إلى درجة غير قابلة للانفصال؛ ذلك أنّ التاريخ أصبح آنيًا بفضل دور وسائل الإعلام المتعددة التي أصبحت جزءًا لا يتجزّأ من الواقع، فحوادث كثيرة ارتبطت في أذهان الناس بالصورة، مثل صورة نزول الإنسان على القمر. وهناك حوادث ارتبطت في السابق بجهاز الراديو الذي استطاع خلال أعوامٍ قليلة من ظهوره تغيير قواعد اللعبة في مجال الدعاية، فأحلّ المباشر محلّ المؤجّل، وعلى هذا الأساس فرض نفسه بقوة خلال الحرب العالمية الأولى، بوصفه أوّل وسيلة اتصال صوتية في متناول الجميع؛ ففي عام 1920، كان في إمكان 50.000 أميركي أن يتابعوا الحملة الرئاسية من خلال الراديو لأوّل مرة4. وبالنسبة إلى بلد كالكونغو، وإلى حدود الخمسينيات، كان كافيًا لرجل دولة فيها على مستوى القول عبر الأثير إنّه استولى على الحكم، لكي يصبح النظام في قبضته فعلً5. دخل الراديو خلال الحرب العالمية الأولى التاريخ بوصفه وسيلة اتصال فعّالة. وتجلّت أهميته في كونه يرسل الرسائل في لحظة بثّها، من دون فارقٍ زمني. وتصل هذه الرسائل- عبر الموجات - في اللحظة نفسها إلى الجميع أينما كانوا. وظلّ الراديو فعّالً خلال الحرب العالمية الثانية؛ فعبره بثّ الجنرال ديغول رسالته إلى الشعب الفرنسي سنة 1940 بخصوص خياره الاستمرار في المقاومة. ولم يتراجع دور الراديو إلّ مع ظهور التلفزيون في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين. وتُعدّ حرب فيتنام أوّل حرب تدور أمام آلات
التصوير التلفزيونية في التاريخ. وكان تأثيرها في الرأي الأميركي والعالمي عميقًا؛ إذ أظهرت الصور التلفزيونية المرعبة مدى فظاعة الأعمال الوحشية الأميركية المرتكبة، من حرق رهبان، وقتل أطفال ونساء بقنابل النابالم الحارقة الممزوجة بمادة الفوسفور الأبيض، وإعدام مقاتلين من فيتنام الشمالية في ساحات عامة، وهدم البيوت والقرى وتخريبها بصورة كاملة. وظهرت صورٌ أكثر وحشية عن مذبحة ماي لاي6، وتسرّبت أيضًا صور جثث القتلى من الجنود الأميركيين في ميدان المعارك. ولذلك، ليس من المبالغة القول إنّ التلفزيون أدّى دورًا أساسيًا في التسبّب في أوّل هزيمة عسكرية بالغة الأثر في التاريخ الأميركي؛ فقد قُدِّر للهجوم الذي شنّه الثوار الفيتناميون، المعروف باسم هجوم تيت، بين 29 كانون الثاني / يناير و 25 شباط / فبراير 1968، أن يكون نقطة تحوّل حاسمة في الحرب الفيتنامية؛ إذ اكتسح المهاجمون أكثر من تسعين موقعًا للقوات الأميركية وقوات فيتنام الجنوبية، وأوقعوا بها خسائر كبيرة في الأرواح. وأظهرت التغطية الإعلامية مقدار التضليل الإعلامي الذي مارسته الحكومة الأميركية في فيتنام؛ إذ إنّ الصور التلفزيونية للهجوم أبرزت شيئًا مختلفًا عن الرواية الرسمية التي كانت تروّج لفكرة الانتصار والنجاح في الحرب. إنّ صور الثوار الفيتناميين وهم يقتحمون السفارة الأميركية في سايغون، وتزايد القتلى في صفوف الجيش الأميركي، أفقدا الرئيس جونسون Lyndon B. Johnson تأييد الشارع، وانتهى الأمر إلى انسحاب القوات الأميركية من المستنقع الفيتنامي سنة 1975، بسبب احتجاجات الشارع، ومعارضة الرأي العام7. يتعقّب الإعلام الحوادث ويسلّط الأضواء عليها. وفي رأي المؤرخ بيير نورا Pierre Nora أنّ وسائل الإعلام اغتصبت التاريخ وجعلت الحادث وحشًا، لأنّها تفرض علينا يوميًا، عناوين تصنع منها حوادث. وقبل أن تنقلها إلى الجمهور، يُخضعها رجال الإعلام للتنسيق وإعادة التأهيل والتوضيب والتصميم. وهو ما يفرض علينا مزيدًا من الشك والريبة؛ لأنّ الجمهور المتلقّي لا يميز هنا بين الحدث الكبير الذي يفرض نفسه والحدث الميّت الذي يأتي عنصرًا مشوّشًا. لوسائل الإعلام قدرةٌ رهيبة على قلب الحقائق. وهي متّهمة في بعض القضايا بالمغالطة وتشويه الحقيقة التي هي مفقودة أو مخفيّة، بصورة مقصودة. نحن نشاهد الحدث يمرّ بطرقٍ مختلفة، بحسب خلفية وسائل الإعلام، وبحسب ما يريده المجتمع8؛ فالأمر في جوهره أشبه ما يكون بالطريقة التي تناول بها ميشال دو سيرتو Michel de Certeau مصطلح "صناعة التاريخ"؛ إذ رأى أنّ الحدث ينبع من فعل، من صناعة، فهل نحن أمام عملية فبركة للحدث في وسائل الإعلام الحديثة؟ إنّ من الركائز الأساسية في صناعة الحدث المحطاتِ الإخبارية المختصة بصناعة الخبر، ولا سيّما المرئية منها، على امتداد العالم، إضافةً إلى وسائط التكنولوجيا الجديدة الأخرى التي انطلقت بعنفوان عبر الإنترنت، من مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصًا الفيس بوك، وتويتر، واليوتيوب؛ فقدرة وسائل الإعلام على التأثير في توجيه الحوادث خلال المرحلة الراهنة أمرٌ واقع. ولا يقتصر الإعلام اليوم على إخبارنا عن الواقع، بل أصبح يصهرنا فيه، ويحشرنا في الراهن ويغرقنا فيه، ويخبرنا إلى حد التخمة؛ فعوض جعلنا ندرك الحوادث في بُعدها التاريخي ودلالتها العميقة، صرنا نضيع في جزئياتها، بل أضحت الحوادث ضائعة
ومفتَّتة في سلسلة من العجالات (الأحداث العاجلة)9؛ فالحدث المعاصر يمرّ أمامنا مرورًا فوريًا ومباشرًا، حتى قبل اكتمال تَشكُّل صورته. وهو يفرض علينا بسطوته مزيدًا من المعيش، إلى درجة يأخذ فيها الحاضر مكان الماضي؛ فالحوادث تواجهنا بقوة أينما اتجهنا. وعبر وسائل الإعلام المختلفة وعن طريقها، يواجهنا الحدث. نتابع ونشاهد يوميًا نماذجَ من الأخبار والوقائع، وهي تُنْقَل على الهواء مباشرة. إنّه زمن متابعة الحدث في فترة هيمنة عصر الصورة إلى أبعد الحدود. وبفضل آلات التصوير المتطورة، وفي ظلّ التنافس الرهيب بين القنوات التلفزيونية، وعبر فضاءات الإنترنت المتنوّعة والمواقع الاجتماعية والحوارية، شاهدنا حوادث مفاجِئة ومباغتة. عرضت علينا الفضائيات صورًا متعددة ستظلّ محفورة في الذاكرة، ولن تُنسى أبدًا؛ منها صور احتراق أحد أكبر الأبراج الشاهقة في العالم في مدينة نيويورك بعد أن اصطدمت به طائرة ركّاب مدنية، ومشهد مباشر لطائرة ثانية وهي تصطدم بالبرج الثاني لمبنى مركز التجارة العالمي، أمام ذهول الجميع، هذا الذهول الذي ظهر أيضًا بفضل دور عدسات الكاميرا في حوادث الثورات العربية. لقد شهد العالم مع الطفرة الإعلامية والتقدّم الهائل في وسائل الاتصال تحولّات مهمة تمخّض عنها تحوّل في مفهوم الحدث، ونتج منها تطوّر في طبيعة عمل المؤرخ نفسه، وأدّت إلى تحوّل في المفهوم التقليدي لمهنة المؤرخ لمصلحة المفهوم المعاصر للتاريخ. فالمؤرخ مُطالب اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، بكتابة تاريخ الزمن الحاضر، بحكم تسارع وتيرة الحوادث وتنوّع مصادر الخبر، وبسبب اهتمام المجتمعات المعاصرة بالراهن؛ فمؤرخ اليوم هو من يستثمر تجربته ومشاركته في الحوادث والوقائع التي يؤرخ لها وهي تقع. وهو بهذه السمة، يشترك مع بعض كبار المؤرخين السابقين. ألم يكن هيرودوت Herodotus وثيوسيديس Thucydides وابن خلدون في زمنهم مؤرخين لزمنهم الحاضر، من خلال اهتمامهم بحوادث عصرهم ووقائعه؟ ألم يحصل تاريخ الزمن الراهن على أوراق اعتماده منذ أن مارسه بعض كبار المؤرخين، كما هي حال المحارب الفرنسي والمتخصص بالعلاقات الدولية بيار رونوفان Pierre Renouvin الذي كتب عن الحرب العالمية الأولى وهي لا تزال مستمرة؟ ألم يكتب مارك بلوك Marc Bloch الهزيمة الغريبة غداة انهيار الجيش الفرنسي أمام النازية في المرحلة الأولى من الحرب العالمية الثانية؟10 إن صعود نجم تاريخ الزمن الحاضر في زمن الثورة الرقمية والمعلوماتية، وفي مجتمعٍ يُكَرِّسُ أغلب وقته للإعلام، هو أحد التغيرات المهمة التي تُلقي بظلالها اليوم، على مشهد الكتابة التاريخية في العالم ككلّ؛ فحين يتحوّل الحاضر إلى شغل الأفراد الشاغل، على العلوم الإنسانية، ومن بينها التاريخ، أن تُدرجه ضمن أولوياتها.
تناول جديد للتاريخ السيايس
أُعيد الاعتبار إلى التاريخ السياسي الذي أُبعد إلى الهامش مع مدرسة الحوليات؛ فقد عُدّ آنذاك أفقًا ميتًا في البحث التاريخي. وقد انتقلنا اليوم إلى النقيض مع عودة الحدث وانبعاثه من جديد، فجرى ردّ الاعتبار إلى الفعل المعلَن أو المُعبَّ عنه صراحةً، وإعلاء
التساؤلات المتصلة بالمشاغل التاريخية والمرتكزة على الاهتمام بالتاريخ السياسي عبر تجديد تناوله11، على صعيد المنهج، وعلى صعيد المصطلح والرمز. عاد المؤرخون إلى دراسة التاريخ السياسي، لكن من موقع جديد مخالف للموقف الذي تعامل به المؤرخون الوضعيون مع هذا الصنف من التاريخ. والموضوعات التي انكبّ عليها المؤرخون السياسيون الجدد كثيرة، نذكر منها النازية والمذابح التي خلّفتها إبّان الحرب العالمية الثانية، والموضوعات المرتبطة بانهيار المعسكر الاشتراكي وتفتّت الفدرالية اليوغسلافية، والحروب الأهلية الأفريقية12. ومن علامات عودة التاريخ السياسي إلى الواجهة مجدَّدًا، الاهتمام الكبير الذي يبديه حاليًا عدد كبير من المؤرخين الأكاديميين تجاه الحوادث السياسية؛ إذ نلاحظ اليوم تطوّر الأبحاث في التاريخ المعاصر في مختلف الجامعات؛ من ذلك مثلً، أنّه جرى في فرنسا توجيه عدد كبير من المرشَّحين لإنجاز أطروحاتهم في موسم 1982 / 1983 نحو موضوعات تطوّر الاقتصاد في كلٍّ من ألمانيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة في الفترة 1914 - 1950. وفي موسم 1984 / 1985، طُلب من الباحثين التركيز على موضوعات الحياة السياسية في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، في الفترة الواقعة بين 1945 و 196913. خرج البحث التاريخي إذًا في العقود الأخيرة عن القواعد التي وضعها المؤرخون الألمان والفرنسيون من أصحاب المدرسة الوضعية؛ فشروط الموضوعية والأرشيف المكتوب والمسافة النقدية، عُدّت معايير أساسية في البحث التاريخي. ولهذه المآخذ، لم يَجْر الاهتمام بتاريخ الحاضر وبالماضي القريب، خلال القرن التاسع عشر، لانتفاء معايير التأريخ "العلمي"، من قصر الزمن المنقضي، والافتقار إلى المحفوظات المدوّنة، والافتقار إلى النظر المتّزن والرزين. ونجمت عن ذلك إدانة هذا الضرب من التأريخ، وعزوف كبار المؤرخين عنه، وما خلَّفه النهج التاريخي الموروث هو حمل التأريخ على النظر البعيد زمنًا. والظاهر الذي لا شكّ فيه هو افتقار الأمس القريب إلى مثل هذا البعد. لكن هذه الفكرة المتعلقة بانقضاء الوقت وتقادمه على الوقائع، فكرة لا تتماسك. ويكفي ذكر المناقشات التي صاحبت ذكرى مرور قرنين على ثورة 1789، وهي الذكرى التي تزامنت مع سنة انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا (1989)؛ فقد احتدمت يومها المناقشات بين المشاركين بخصوص علاقة الثورة الفرنسية بالإرهاب وبالأنظمة الشمولية. وأَقحمت تلك المناقشات الثورة الفرنسية التي بلغت قرنين من "العُمر"، في قلب الحاضر المباشر. وعاصرت الواقعة الحاضر النابض معاصرةً قلّما حظيت بها واقعة راهنة14. بدأ التاريخ السياسي الحدثي يشهد انتعاشًا منذ نهاية السبعينيات؛ وذلك بتجدّده من الداخل. ومن مظاهر هذا الانتعاش اكتساح التاريخ السياسي مجالات جديدة؛ فهو لم يبق مقتصرًا على الظواهر الدبلوماسية والعسكرية، وإنّما امتدّ ليشمل حوادث الساعة، في إطار ما يُعرف بتاريخ الزمن الحاضر؛ إذ لم يبْق الحاضر مجالً من مجالات وسائل الإعلام فقط، بل احتواه التاريخ الآني أيضًا، وأصبح فرعًا من فروع التاريخ، واعْتُفَ به مجالً من مجالات اهتمام المؤرخ اليوم، على الرغم من حداثة ظهوره. تعددت مؤسسات تاريخ الزمن الحاضر؛ إذ أ نشئت معاهد كثيرة في عدد كبير من الدول التي اهتمت بالأبحاث والدراسات المتعلقة بالفترة الراهنة. وقد ساهم هذا الازدهار في إقحام الحاضر في مجال التاريخ، من خلال دراسة آخر الحوادث الكبرى.
ونذكر على سبيل المثال، معهد التاريخ المعاصر Institut für Zeitgeschichte الألماني الذي أُسس في مدينة ميونيخ سنة 1952، واختص في البداية بدراسة تاريخ الثورات قبل أن ينتقل إلى الاهتمام بكتابة تاريخ النازية وتاريخ الحرب العالمية الثانية. ونذكر
الذي ظهر Istituto Nazionale per la Storia del Movimento di Libérazione أيضًا المعهد الوطني لتاريخ حركة التحرير
في مدينة ميلانو الإيطالية سنة 1949، لكن لم يُعترف به بصورة قانونية إلا في سنة 1967. وفي بعض الدول الأخرى، مثل إسبانيا والأرجنتين، أُنشئت مؤسسات بهدف دراسة تاريخ الزمن القريب وذاكرته. وجرى التركيز في الغالب على "آخر كارثة في الزمن." وبغضّ النظر عن الاختلافات المفاهيمية بين هذه المؤسسات والمعاهد، فإنّ الشيء المثير للانتباه هو بلا شكّ، عودة الاهتمام بهذا النوع من التاريخ الذي عادت إليه المشروعية، وأصبح معترَفًا به في الجامعات15. في أواخر السبعينيات، تكرّس استخدام مصطلح "الزمن الحاضر"، وخصوصًا في فرنسا16 التي قرّرت الجهات الرسمية فيها أن تمنح – أخيرًا - مكانًا مؤسساتيًا للبحث في التاريخ الآني؛ وذلك بتأسيسها في سنة 1978 معهد تاريخ الزمن الحاضر HTP الذي نشأ في أحضان المركز الوطني للبحث العلمي CNRS17 بمساهمة من المؤرخ بيار نورا، ودشّنه في سنة 1980 فرانسوا بيداريدا Francois Bedarida الذي ترأّس مجلس إدارته إلى غاية سنة 1990، وتلاه روبرت فرانك Robert Frank ثم هنري روسو Henri Rousseau ثم فابريس دالمييدا Fabrice d'Almeida، وصولً إلى كريستيان إنغارو Christian Ingrao الذي يقوم بإدارة المعهد منذ سنة 2004. وقد تناول موضوع الحرب العالمية الثانية. وتابع الدراسات حول مرحلة الحرب. وتوجَّه أيضًا إلى تحليل الحوادث الأكثر معاصرة، مثل مرحلة تصفية الاستعمار، ومرحلة المقاومة18. وانصبّ اهتمام أشهر دور النشر على إصدار الأبحاث التي ينجزها المعهد، وذلك بسبب إقبال القرّاء الشديد على هذه الفترة من التاريخ. وقد أ وكِلَ إلى هذا المعهد تأريخ حوادث الأمس القريب المتصل بالحاضر. وهنا يجب التمييز بين التاريخ الحاضر والتاريخ المعاصر؛ فإذا كان ابتداء التاريخ الحديث والمعاصر، في برامج التدريس الفرنسية، يتحدد من تاريخ الثورة الفرنسية سنة 1789، فإنّ برنامج دراسة الزمن الحاضر يتناول وقائع الأمس القريب وحوادثه التي ما زالت آثارها تخيّم على حاضرنا.19إنّ معهد تاريخ الزمن الحاضر هو وارث لجنة تاريخ الحرب العالمية الثانية التي أنشئت في سنة 1951. وانبثقت بدورها عن لجنة البحث في تاريخ الاحتلال النازي وتحرير فرنسا. وكانت الحكومة المؤقتة برئاسة الجنرال ديغول Charles de Gaulle قد عهدت إليها في سنة 1944 بالقيام بالتأريخ لفترة حكومة فيشي والمقاومة في فرنسا المحتلة20.
وفي سنة 1978، دُمجت لجنة تاريخ الحرب العالمية الثانية في معهد تاريخ الزمن الحاضر الذي أضحى تابعًا للمركز الوطني للبحث العلمي الذي ورث مكتبته ومحفوظاته. وعلى الرغم من سنّ قانون سنة 1979 يحدّ من الوصول إلى السجلات المتعلقة بحوادث الزمن الراهن، فإنّ جهود المعهد، بما توافر في مكتبته من مستندات ووثائقَ ومحفوظات عن حقبة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ساهمت في إغناء تاريخ الزمن الراهن. يشتغل المعهد بفِرق بحثية متعددة تضمّ باحثين في المركز الوطني وباحثين متعاونين ينتمون إلى عدد من الجامعات الفرنسية. ويستقبل طلبة دكتوراه وباحثين من دول أجنبية. وينصبّ اهتمامه على موضوعات مختلفة؛ أهمّها: تاريخ الحرب في القرن العشرين، والأنظمة الاستبدادية، والشمولية، والكولونيالية، إضافةً إلى الاهتمام بالتاريخ الثقافي للمجتمعات الحديثة. ويهدف المعهد إلى إحياء التاريخ الجماعي من خلال الاهتمام بذاكرة الشعوب بعد سنة 1945؛ وذلك بتناول الحوادث الكبرى المختلفة التي ميّزت القرن الماضي، سواء داخل أوروبا أو خارجها. وكانت لهذا المعهد الذي أصبح ذا شرعية كاملة في مجال البحث الأكاديمي، مساهمة فعالة في التأريخ للفترة المعاصرة؛ فبإشرافه، وُضِع عددٌ كبير من الأبحاث عن تاريخ الحربين العالميتين، وحقبة الاستعمار وما بعدها، وتاريخ النظم السياسية الاستبدادية (الفاشية، والنازية، والشيوعية.) إضافةً إلى معهد تاريخ الزمن الراهن، تهتمّ مؤسسات فرنسية أكاديمية أخرى بالحقبة المعاصرة؛ فالمؤرخ الجامعي جان فرانسوا سرينيلي J. F. Sirinelli المتخصص بتاريخ فرنسا السياسي والثقافي في القرن العشرين، قام في سنة 1989 بتأسيس "مجموعة تاريخ الزمن الحاضر" GHTP في تولوز21، ويرأس حاليًا مركز تاريخ العلوم السياسية. وهو عضو بارز في معهد باريس للدراسات السياسية، ورئيس اللجنة الفرنسية للعلوم التاريخية. ويشتغل بمعيته أساتذة متخصصون بالتاريخ المعاصر. وهو يُمَثِّل، بكتاباته، تَوجُّهًا جَديدًا في الإسطوغرافيا الجديدة؛ فقد ساهم بصورة أو بأخرى في إحياء أبحاث التاريخ السياسي؛ إذ ساعدت أعماله في الفترة الحالية على تطوير مجالات البحث التاريخي وتوسيعها. نضيف أيضًا الدور الذي قام به مركز تاريخ الحركة النقابية الذي أسّسه جان ميتران Jean-Mitterrand في فرنسا سنة 1966، بتشجيع من أرنست لابروس Ernest Labrousse. وقد أضحى هذا المركز ميدانًا للبحث في تاريخ الحركات الاجتماعية والنقابية. ثم تحوّل إلى مركز التاريخ الاجتماعي للقرن العشرين Centre d'histoire sociale du XXe siècle. ودخل تجربة الشراكة مع المركز الوطني للبحث العلمي السابق الذكر. وهو يشتغل على عدد من الموضوعات المرتبطة بالتحولات الاجتماعية للفترة المعاصرة والراهنة.
المغرب يف خضم التاريخ الراهن
عرف المغرب بدوره، وإن بصورة متأخرة، اهتمامًا بالتاريخ الراهن22؛ فقد وقَّعَ المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، مع جامعة محمد الخامس في الرباط يوم 25 كانون الثاني / يناير 2010، اتفاقية تعاون بشأن إحداث مسلك ماستر "التاريخ الراهن."
وقد التزم المجلس توفير الدعم اللازم لهذا التكوين الذي يندرج في سياق تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة المتعلقة بحفظ الذاكرة والتاريخ والأرشيف23. وبالفعل، فُتح في وجه الطلبة، لأول مرة، ماستر تاريخ الزمن الراهن في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، بدايةً من الموسم الجامعي 2010 - 2011. وفي هذا المسلك تناول الباحثون القضايا الراهنة دوليًا ووطنيًا، مع التركيز على خصوصيات المرحلة الاستعمارية في المغرب، وذاكرة مغرب ما بعد الاستقلال، وقضايا بناء الدولة الوطنية24. وجرى الاهتمام بذاكرة الأماكن، وخصوصًا البنايات ومراكز الاعتقال والاحتجاز والتعذيب السابقة التي أصبحت أماكن لحفظ الذاكرة، وبإعادة الاعتبار إلى الشاهد والفاعل التاريخي والحياة اليومية والتاريخ الشفوي، من خلال جلسات الاستماع إلى الروايات التي قدّمها الضحايا على وجه الخصوص. طرحت هيئة الإنصاف والمصالحة التي أُسست في 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2003 موضوع المصالحة مع التاريخ. ودعت إلى إزالة العراقيل التي تحول دون البحث في هذا التاريخ. وأكّدت أهمية ترسيخ التواصل بين الأجيال بما يحفظ الذاكرة. وفي هذا الصدد، دعت الهيئة إلى مراجعة شاملة لحالة الأرشيف العمومي، ونصَّت على ضرورة تنظيمه في إطار قانوني واضح، وتهيئة الشروط الضرورية لإصلاح وضعيته25. ومن خلال اشتغالها على الفترة الزمنية الممتدة من سنة 1956 إلى نهاية سنة 1999، ساهمت هيئة الإنصاف بدورها في إنتاج الأرشيف بوصفه مادة مهمة بالنسبة إلى كتابة تاريخ المغرب في ما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛ وذلك بعد عقود من سيادة الذاكرة الرسمية التي أقصت أيّ ذاكرة أخرى؛ فقد شاركت الهيئة في إعادة صوغ ذاكرة وطنية تعددية غير انتقائية أو غير مبنيّة على الإقصاء، وذلك من خلال جلسات الاستماع التي نظَّمتها؛ إذ اعتُمدت الشهادات الشفوية أهمّ مصدر من المصادر المعتمدة إلى جانب الوثائق والسجلات الرسمية26، وخصوصًا في ظلّ غياب الكثير من السجلات والوثائق التي من شأنها استجلاء حقيقة الانتهاكات وتوضيح كثير من نقاط الظل في التاريخ الوطني لما بعد الاستقلال27.
تندرج تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية في إطار ما هو متعارف عليه اليوم بلجان الحقيقة والمصالحة عبر العالم. وهي لجان جرى تشكيلها في عدد من البلدان، بغرض تحقيق العدالة الانتقالية، وتسوية الآثار المترتبة عن الانتهاكات المرتكبة خلال الفترة المسمّاة "سنوات الجمر والرصاص". وقد مارست الهيئة المغربية مهمات ترتبط بالتقييم والبحث والتحرّي والاقتراح في ما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الفترة المذكورة أعلاه، والمتمثّلة في الاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والتعذيب والاعتداء الجنسي، والاغتراب الاضطراري، والحرمان من الحق في الحياة نتيجة الاستعمال المفرط للقوة العمومية. إلى جانب معالجة الهيئة الملفات الفردية، وإصدارها أحكامًا محددة تتعلق بالتعويض المادي للضحايا والإدماج الاجتماعي والتغطية الصحية، اقتُحت مجموعة من التوصيات المتعلقة ببرامج جبر الضرر الجماعي28، والتي تولّ المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان مهمة تتبّعها. وقد أعادت هذه التوصيات الأسئلة بخصوص التاريخ الراهن إلى الواجهة؛ إذ اقترحت الهيئة مجموعة من التدابير، أهمها: الدعوة إلى حفظ الأرشيفات الوطنية وتنسيق تنظيمها، في إطار معهد الأرشيف الموصى بتأسيسه ليكون مؤسسة وطنية تشرف على الأرشيف في إطار قانوني، والاهتمام بالتوثيق والبحث والنشر بشأن الحوادث التاريخية المتصلة بماضي الانتهاكات الجسيمة، وبتطورات قضايا حقوق الإنسان والإصلاح الديمقراطي، وبلورة مقاربة جديدة لحفظ الذاكرة، تستهدف تحويل بنايات الاعتقال والاحتجاز والتعذيب السابقة، كالمعتقل السرّي تازمامارت ومعتقل كرامة، إلى أماكن لحفظ الذاكرة، بوصفها شواهد، وذلك في إطار مشاريع جبر الضرر الجماعي29. القيام بمراجعة برامج محتوى التاريخ، وتشجيع البحث العلمي المتعلق بالتاريخ الراهن، وخصوصًا التركيز على فترة ما بعد الاستقلال.
إشكاليات يطرحها تاريخ الزمن الراهن
إنّ الاهتمام بتاريخ الزمن الحاضر تحدٍّ كبير تفرضه المهمة الجديدة الملقاة على عاتق المؤرخ، لتجاوز أزمة الشكّ التي تمس اليوم مهنة التاريخ. ينضاف إلى ذلك المكانة الكبيرة التي يحظى بها الماضي القريب والذاكرة والشهادة، لدى العموم. وقد ساهم الصعود القويّ لوسائل الإعلام في إعادة البريق إلى الراهن والشاهد والفاعل التاريخي والحياة اليومية. لكن كتابة هذا التاريخ تطرح معضلة في وجه المؤرخين، وبخاصة في الجانب المتعلق منها بصعوبة الحصول على الوثائق بسبب قصر المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الحوادث من جهة، وعدم اكتمال سلسلة حلقات الحدث من جهة ثانية، ولحساسية بعض القضايا التي قد تكون محلّ نظر قضائي من جهة ثالثة، وأخيرًا تُطرح قضية الموضوعية بحكم علاقة الحوادث بالواقع المعيش. من المؤكد أنّ الحدث لا يختفي نهائيًا من مسرح الوقائع؛ فالتاريخ يعمّمه، وفي الإمكان أن يصبح أيّ شيء حادثًا، بل حتى اللاحوادث وإن لم يجر تسميتها بعد، فهي متوقَّعة. ومن هنا، لا شيء هو حدث حقيقة؛ فالحدث المستجدّ ليس دائمًا جديدًا كما
نظنّ، وإنّما بُروزه يدخل ضمن صيرورة تاريخية ومنطق اجتماعي. ويجري أحيانًا تقديم الحدث "المفاجأة"، بينما كلّ شيء مختلَق في زمن عصرنة وسائل الإعلام. تظلّ إعادة الاعتبار إلى الحدث، حتى وإن بدت مقنعة، غامضة من بعض وجهات النظر؛ فإذا أ خذت بصورة سطحية ضمن قراءة موجزة، يمكن أن نرى فيها موقفًا من المواقف المختلفة حول الموضوع القديم بتسارع التاريخ30؛ فالزمن التاريخي يمضي أمامنا اليوم في زمن عصرنة الإعلام بوتيرة سريعة، إلى درجة أصبحت معها كتابة التاريخ تواجه صعوبة في متابعة زخم الحوادث، وذلك بصورة تضاهي إلى حدٍ بعيد الصعوبة التي عبّ عنها منظِّر التاريخ لورنز فون شتاين Lorenz von Stein في سنة 1843. ويبدو الأمر أشبه ما يكون بممارسة التاريخ من فوق عربة متنقلة؛ فالمؤرخ لا يستطيع تسجيل كلّ ما يمر به من حوادث، وذلك بسبب التطور الهائل في سرعة انتقال المعلومات وتبادلها31. وهو ليس وحده في الساحة، بل تصاعد دور المثقفين الإعلاميين، ولهذا النوع من المثقفين تأثير حقيقي في الحياة السياسية في مجتمعٍ يكرِّس للإعلام وقتًا يفوق ما يمنحه للتفكير والقراءة. كما أنّ له دورًا مهمًا في تحريك "الخطوط الحمراء" بالنسبة إلى قضايا متعددة، ومن شأن ذلك أن يطوّر بصورة إيجابية مناخ اشتغال المؤرخ. وفي هذا السياق، يمكن التذكير بعامل ساعد على الانتقال من الذاكرة إلى المعرفة التحليلية للماضي القريب، في بعض التجارب، من خلال التلاقح بين المؤرخ وعالم السياسة، وبين المؤرخ والصحفي، ومعناه الصحفي الذي يزاوج بين عمله اليومي السريع ونفَس البحث والتأليف؛ ففي الولايات المتحدة الأميركية، جاء ألان ن يفين Alan Nevin مؤسس "التاريخ الشفوي"، من عالم الصحافة. وفي فرنسا يُعدّ الصحفي جان لاكوتير Jean Lacouture مراسل جريدة لوموند في المغرب سابقًا، مؤسس سلسلة "التاريخ الفوري" في إحدى كبريات دور النشر. وجاء روني ريمون من علم السياسة. وهو أوّل من دعا إلى البحث في الملفات الحساسة للقرن العشرين32. على الرغم من أهمية الإعلام، يُتَّهَم الصحفيون، على عكس المؤرخين، بأنّهم لا يبحثون عن جذور الظواهر والحوادث التاريخية، وإنّما يكتفون بسردها سردًا سريعًا. وهنا يكمن الفرق بين مهنة الصحفي ومهنة المؤرخ؛ فالصحفي يتحدث فقط عن الحاضر ومشكلاته الآنية من دون الغوص في التفصيلات والجذور، ومن هنا يُعدّ منظوره قصير النظر، في حين ينبش المؤرخ في أعماق الوقائع، فلا يكتفي بما يُعرض على وسائل الإعلام والإنترنت، بل يحاول الوصول إلى الوثائق والمستندات أيضًا. لذلك، فإنّ تحليلات المؤرخين الكبار تُقنع بشموليتها القارئ وتُشبعه، على عكس التقارير الصحافية السريعة، على أهميتها33. تختلف أدوات التحليل طبعًا، لدى كل من الصحفي والباحث التاريخي؛ فلا المنهجية واحدة ولا الخلفية واحدة. وإذا كانت وسائل الإعلام المختلفة تعطي حيزًا واسعًا اليوم للحوادث السياسية، فإنّ الطريقة المفكَّكة التي تعالَج بها الوقائع لا تمنح هذه الحوادث أيّ منهجية أو أيّ معقولية تاريخية. وهنا تكمن الخطورة؛ ففي ظلّ افتقاد المشاهد البسيط أيّ نظرة شمولية إلى الظواهر
التاريخية والسياسية، تقوم وسائل الإعلام، بوعي أو من دون وعي، بتجزئة الصيرورات التاريخية فلا تسجّل الوقائع والحوادث ضمن منظور شمولي. مثَلُ الصحفي كمثَل مؤرخ اللحظة، يتعامل مع الحدث حين وقوعه، فيؤرخ للحاضر، ولكنه لا يؤرخ للتاريخ الحاضر؛ ذلك أنّ الخبر الصحافي يظلّ غير مكتمل، وغير مفهوم بالصورة المطلوبة، فهو في الغالب يأتي مفصولً عن سوابقه ولواحقه، ويبقى في حاجة ماسّة إلى الزيادة والإتمام34. وهذا من بين الأسباب التي تجعل غالبية المؤرخين تتجنّب تناول التاريخ الحاضر؛ فهذا النوع من الكتابة التاريخية يبقى أفقًا صعبًا بسبب عوامل ثلاثة: أوّلها غياب البُعد التاريخي الضامن- في نظرهم - الموضوعية التاريخية المنشودة عند كلّ مؤرخ؛ وثانيها قضية المصادر من حيث تنوّعها، وبخاصة المصادر الشفوية لشهود العيان، وما يحوم حولها من تشكيك في صدقيتها؛ ويكمن ثالثها في صعوبة التحليل والتأويل للحدث الآني الذي لا نعرف بعدُ نهايته ومآله وانعكاساته على مجرى الحوادث. هذا إضافةً إلى تخوّفات بعض المؤرخين من التداخل بين التاريخ والصحافة والعدالة أحيانًا35؛ فالحوادث الساخنة القريبة تثير الحساسيات، وتسبّب لغطًا كبيرًا، وتطرح الكثير من التساؤلات بالنسبة إلى ممارسة المؤرخين، لوجود الشهود من الناجين ومن مسبّبي الكوارث، فيحدث بذلك تداخل بين دور المؤرخ وشهادة الشهود ودَهْم الذاكرة. إنّ الضحايا الناجين يسعون إلى تحقيق العدالة القضائية وكشف الحقيقة وحفظ الذاكرة وإعادة الاعتبار. وتناضل فعاليات المجتمع المدني وتعمل من أجل عدم تكرار ما جرى. والدولة التي تكون عادةً طرفًا في بعض القضايا، مطالَبة بالاعتراف والتعويض وجبر الضرر. يطرح هذا التداخل مشكلة عويصة بالنسبة إلى النتائج التي تترتب عن الغوص في تاريخ الزمن الراهن؛ فموقف المؤرخ مختلف جذريًا عن مواقف الأطراف السابقة الذكر المعنيّة بالموضوع، لأنّ غايته ليست التنديد أو كشف الأسرار، وإنّما الفهم، وتقبّل "أنّ ما حدث قد حدث"، من دون الدخول في متاهة اتهام أيّ طرف من الأطراف أو تبرئته. تتعدّد الحوادث والموضوعات التي تنتمي إلى التاريخ القريب زمنيًا، وتطرح إشكالات وحساسيات مفرطة للدولة والجماعات والأفراد؛ فتاريخ حكومة فيشي المتعاونة مع الاحتلال النازي الألماني، في فترة 1940 – 1944، مثالٌ لهذا الشكل من الالتباس36؛ فقد تعمدت الدولة الفرنسية تجنّب تدريس هذه المرحلة إلى حدود أواخر الثمانينيات. ولم يتناول التأريخ الأكاديمي نظام فيشي بالبحث إلا بعد مضيّ خمس وعشرين سنة على نهايته. والندوة الأولى التي تصدّت لسنوات نظام الماريشال بيتان Philippe Pétain نظّمها رينيه ريمون René Rémond سنة 1970 في معهد العلوم السياسية، وتناولت "حكومة فيشي والثورة الوطنية بين 1940 و 1944." وقد أغفلت المداخلات مسؤولية نظام فيشي عن ترحيل اليهود الفرنسيين واحتجازهم في المعتقلات النازية، لحساسية الموضوع. وفي الثمانينيات، وقع تطوّر مهمّ هو خروج المحفوظات المتعلقة بهذه الفترة المحرجة إلى العلن، الأمر الذي سبّب احتقانًا سياسيًا وفكريًا، وأثار اهتمامًا شعبيًا كبيرًا. وفي سنة 1992 / 1993، أصبح نظام فيشي "شأنًا عامًا"، وهو ما نجم عنه اضطراب في الأوضاع
الداخلية؛ إذ خرجت التظاهرات، وكُتبت بيانات في الموضوع، ولم يتحقق احتواء الحوادث إلا بعد تدخّل السلطة. وقد أسفرت تلك الأجواء المتوترة عن قضية جو بوسكيه Joë Bousquet، المتهم بالتعاون مع الاحتلال الألماني، وكان قد اعتُقل في سنة 1991، ثم اغتيل في سنة 1993. وأسفرت أيضًا عن محاكمة متعاون آخر هو بول توفييه Paul Touvier في سنة 1994، ومحاكمة موريس بابون Maurice Papon في سنة 1997. أصبح التأريخ لهذه المرحلة أكثر عسرًا جرّاء دهم الذاكرة الحاضر وتخييمها عليه. وقد شمل الدَّهم مصلحة المحفوظات وموظفيها؛ فحُجبت المحفوظات وحُظر على الجمهور مراجعتها37، لأنّ مرور خمسين سنة على الحادث لم يكن كافيًا للنسيان وتجاوز العُقَد؛ إذ إنّ "ذاكرة فيشي تشكّل في فرنسا الماضي الذي لا يمضي"38، والجيل الذي عانى ويلات الماضي القريب تُعطيه القوانين الحق في فتح محاكمة دائمة لجيل الحرب، وهو ما نلمسه في المثال الذي قدّمناه؛ فقد دين البعض في فترة التسعينيات بتهمٍ تتعلق بفترة حكومة فيشي، استنادًا إلى المعطيات والأسرار الجديدة التي كشفتها المستندات المحرَّرة من الرقابة. إنّ مهمة المؤرخ إزاء الحوادث الصادمة، كمرحلة حكم فيشي في فرنسا وموضوعات المحرقة ومعسكرات الاعتقال التي تقع على الحدود القصوى، تفرض عليه تنويع الشهود، والتمييز بين الشهادات بحسب أصلها (نازيون سابقون، ومقترفو ذنب، وناجون من معسكرات الاعتقال...)؛ فشهادات الناجين من الضحايا هي غير شهادات المتورطين. يسعى الباحثون في التاريخ الراهن إلى فصل التاريخ عن الذاكرة في كتاباتهم ونقاشاتهم؛ فطريقة اشتغال الذاكرة تشبه بصورة أو بأخرى طريقة اشتغال المجمّد، بحسب تعبير الروائية الإيطالية سوزانا تامارو Susanna Tamaro، فماذا يحدث حين نقوم بانتزاع ما بداخل المجمّد من طعام مكث بداخله مدة طويلة؟ إنّه يبدأ استعادة شكله ولونه تدريجيًا، ويملأ المطبخ برائحته، وهكذا تقبع الذكريات الحزينة مدةً طويلة في أحد كهوف الذاكرة الكثيرة. تقبع هناك سنوات، بل عشرات السنوات. ثم يحدث في يومٍ ما أن تعود إلى السطح، ويعود من جديد الألم الذي كان قد اصطحبها في يوم من الأيام. يعود حالمًا وحادًّا كما كان منذ سنوات كثيرة39. وهذا ينطبق بالضبط على التاريخ الحاضر، حيث الخلط الذي يعيق بصورة أو بأخرى تقدّم الأبحاث والدراسات. ويجري التذرّع أيضًا بفكرة عدم مضيّ الوقت الكافي على وقوع الحوادث، على أساس أنّ الوقائع الكبيرة لها ذيول ليست في الحسبان. وهذه الحجة لا تقنع أحدًا اليوم، ولا سيّما المؤرخين؛ فرواية الماضي نفسه محفوفة بالظنون.
خلاصة
لقد تعددت مؤسسات تاريخ الزمن الحاضر؛ إذ أ نشئت معاهد كثيرة في عديد الدول، وخصوصًا في أوروبا. وقد اهتمت بالأبحاث والدراسات المتعلقة بالفترة الراهنة، وبحوادث الأمس القريب التي تتصل بالحاضر، والتي مازالت تخيّم آثارها على عالمنا.وساهم الصعود القويّ لوسائل الإعلام في إعادة البريق للراهن وللشاهد، وللفاعل التاريخي، وللحياة اليومية. لكن كتابة
هذا التاريخ تَطرح عوائق بالنسبة إلى المؤرخين، بخاصة في الجانب المتعلق بصعوبة الحصول على الوثائق؛ إذ يتعذر ذلك بسبب قصر المسافة الزمنية التي تفصلنا عن هذه الأحداث من جهة، وعدم اكتمال سلسلة حلقات الحدث من جهة ثانية، وحساسية بعض القضايا التي قد تكون محلّ نظرٍ قضائي، وتُطرح قضية الموضوعية بسبب علاقة الأحداث بالواقع المعيش . ستظلّ مشكلة تناول التاريخ الراهن قائمةً، ما دام صنّاعه وشهوده في قيد الحياة. وسيبقى الخلاف دائمًا بشأن صدقية الحوادث التي تتناولها أقلام المؤرخين وشهود العيان والصحافيين. لكن لا غنى اليوم للمؤرخ عن الخوض، إلى جانب الأطراف الأخرى، في معالجة قضايا الزمن الراهن التي تظلّ ذات أهمية في عصر العولمة؛ فالتقوقع في الماضي السحيق لا يفيد مهنة المؤرخ في عالم اليوم الذي تشعّبت فيه الحوادث والوقائع، وتطوّرت فيه العلوم الدقيقة، وتجددت فيه مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية.
قائمة المصادر والمراجع
المراجع العربية
الضرر الجماعي، [د. ت.].
بال، فرنسيس. الميديا، فؤاد شاهين.(مترجم)، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008.
بن سليمان، فريد. مدخل إلى دراسة التاريخ، منوبة-تونس: مركز النشر الجامعي، 2000.
399، [د. م.]: [د. ن].، 2014.
256، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2000.
التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، المملكة المغربية: منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، 2006.
تولار، جان وغي تويليه. صناعة المؤرخ. عادل العوا.(مترجم)، دمشق: دار الحصاد للنشر والتوزيع، 1999.
التيمومي، الهادي. المدارس التاريخية الحديثة، صفاقس: دار محمد علي، 2013.
العالي، عبد السلام بنعبد. ضد الراهن، سلسلة ملتقى، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2005.
العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ، ط 4، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005.
المنظمة العربية للترجمة، 2007.
ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر، صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2012.
والإنصاف والمصالحة، المملكة المغربية: منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، 2006.
المراجع الأجنبية
أوجبور، باسو ولحسن أيت الفقيه. إملشيل الذاكرة الجماعية، طنجة: مطبعة ألطوبريس، منشورات جمعية أخيام في إطار برنامج جبر تامارو، سوزانا. إذهب حيث يقودك قلبك، أماني فوزي حبشي.(مترجم)، أيمن عبد الحميد الشيوي.(مراجع)، سلسلة إبداعات عالمية تايلور، فيليب. قصف العقول: الدعاية للحرب منذ العالم القديم حتى العصر النووي، سامي خشبة.(مترجم)، سلسلة عالم المعرفة لوغوف، جاك (مشرف.) التاريخ الجديد، محمد الطاهر المنصوري.(مترجم ومقدّم)، عبد الحميد هنية.(مراجع)، بيروت: هارتوغ، فرانسوا. تدابير التاريخانية: الحاضرية وتجارب الزمان، بدر الدين عرودكي.(مترجم)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010. هيئة الإنصاف والمصالحة. التقرير الختامي: الكتاب الرابع، مقومات توطيد الإصلاح والمصالحة، إنجاز اللجنة الوطنية للحقيقة
• Bourdé, Guy & Martin Hervé. Les écoles historiques. Paris: Editions du Seuil, 1983.
• Faire de l'histoire. Jacques le Goff et Pierre Nora(dir). Bibliothèque des histoires, Paris: Gallimard, 1974.
• Historiographies I: Concepts et débats. C. Delacroix [et al.], Folio histoire 179 , Paris: Gallimard, 2010.
• Kenbib, Mohammed (ed.), Temps présent et fonctions de l'historien , Série colloques et séminaires 158 , Rabat:
Université Mohammed V-Agdal, Faculté des lettres et des sciences humaines, 2009.
• Soulet, Jean-François. L'histoire immédiate: Historiographie, sources et méthodes , Collection U. Histoire, Paris:
Armand Colin, 2009.
• Vermeren, Pierre. Histoire récente, histoire immédiate: L'historiographie française et le cas du Maghreb ,
Série colloques et séminaires 158 , Rabat: Université Mohammed V-Agdal, Faculté des lettres et des sciences
humaines, 2008.