Return to Article Details Ex-Libris: Chronicles of Theft, Preservation, and Appropriating at the Jewish National Library

مراجعة كتاب تاريخ النهب والحفظ والتملك في المكتبة الوطنية الإسرائيلية في القدس

Ex-Libris: Chronicles of Theft, Preservation, and Appropriating at the Jewish National Library

محمود محارب*Mahmoud

Muhareb

الملخّص

يعد كتابتاريخ النهب والحفظ والتملك في المكتبة الوطنية في القدس، مساهمة في الكشف عن جانب آخر من جوانب جرائم إسرائيل في حقّ الشعب العربي الفلسطيني في حرب 1948، وقيامها بسلْب الكتب العربية ونهْبها، سواء كان ذلك من بيوت أصحابها الفلسطينيين، أو من المكتبات والمؤسسات الفلسطينية، بعد احتلال المدن والقرى الفلسطينية في تلك الحرب وطرد الفلسطينيين منها. ويتكون هذا الكتاب الذي صدر بالعبرية عام 2014 عن معهد فان لير في القدس الغربية، من مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة، وردت جميعها في 229 صفحةً. والكتاب في الأصل هو رسالة دكتوراه حصل عليها المؤلف من جامعة بن غوريون في النقب، وقد استند في بحثه إلى مصادر أوَّلية محفوظة في أرشيف المكتبة الوطنية الإسرائيلية التابعة للجامعة العبرية في القدس، وإلى مقابلات، وإلى مصادر ثانوية ذات صلة بموضوع البحث.

Abstract

Ex-Libris: Chronicles of Theft, Preservation, and Appropriating at the Jewish National Library exposes another aspect of Israel's crimes against the Palestinians during the 1948 war, when it plundered Arab books – from the homes of their Palestinian owners or from Palestinian institutions and libraries – following the occupation of Palestinian towns and villages and the expulsion of their residents. The 229 page book was published in Hebrew in 2014 by the Van Leer Institute in West Jerusalem and comprises an introduction, three chapters, and a conclusion. Originally the author's doctoral dissertation at Ben Gurion University in the Negev, the book's research relies on primary sources preserved in the archive of the Jewish National Library – which is part of the Hebrew University in Jerusalem – interviews, and secondary sources with relevance to the subject.

الكلمات المفتاحية:
  • جرائم إسرائيل
  • نكبة 1948
  • نهب الكتب
  • المكتبة الوطنية الإسرائيلية
  • جيش عميت
Keywords:
  • Jewish National Library
  • Israel's crimes
  • 1948 Nakba
  • Theft of books
  • Gish Amit
المؤلف: جيش عميت Amit Gish.
المؤلف: جيش عميت Amit Gish.
عنوان الكتاب: تاريخ النهب والحفظ والتملك في المكتبة الوطنية الإسرائيلية في القدس
الناشر: معهد فان لير Leer Van، القدس الغربية.
سنة النشر: 2014.
عدد الصفحات: 229 صفحةً من القطع المتوسط.
لغة الكتاب: العبرية.

هيمنت الرواية التاريخية الإسرائيلية الرسمية للصراع العربي - الإسرائيلي ولحرب  1948 على الأبحاث والدراسات ومناهج التعليم والأكاديميا ووسائل الإعلام الإسرائيلية. ومجدت هذه الرواية التاريخية الحركة الصهيونية وأهدافها ووسائل تحقيقها، وحاكت الأساطير والأكاذيب في تاريخ اليهود، ونسبت إلى الديانة اليهودية ما ليس فيها؛ بادعائها أنّ اليهودية قومية وأمَّة وعِرق، وليست ديانة فحسب، وبذلت جهدا كبيرًا في إعادة كتابة تاريخ اليهود من أجل الربط بين ماضٍ قديم لأتباع الديانة اليهودية والوطن الذي سعت الحركة الصهيونية لاحتلاله وإقامة دولة يهودية فيه على حساب أصحابه الأصليين. ونفَت الرواية التاريخية الإسرائيلية قيام الحركة الصهيونية بوضع المخططات لطرد الفلسطينيين من فلسطين، وتنكرت لقيامها في حرب 1948 بطرد الفلسطينيين طردًا منهجيًّا منظَّمًا، ومدروسًا، ومعدًّا سلفًا، وتنكرت أيضًا لارتكابها المجازر في حقهم. وبعد مرور عدّة عقود على النكبة، ظهرت في إسرائيل بعض الكتب والأبحاث التي خرجت عن الرواية الإسرائيلية الرسمية، واشتملت على تحليلات ومعلومات لحرب 1948 والصراع العربي – الإسرائيلي مناقضة للرواية الإسرائيلية الرسمية. وكشفت كتب عديدة من هذه الكتب والأبحاث التي استندت إلى الوثائق والأرشيفات الإسرائيلية خططَ الطرد التي وضعتها الحركة الصهيونية، وكيفية تنفيذ هذه الخطط بطريقة منهجيَّة ومنظَّمة في حرب  1948، والمجازر المنهجية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في حرب 1948 في حقّ العرب الفلسطينيين، وقد زادت على مئة وعشر مجازر. يعالج المؤلف في هذا الكتاب ثلاث قضايا جرت في المكتبة الوطنية الإسرائيلية في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن العشرين. ففي الفصل الأول من الكتاب، يُعنى بقضية جلب المكتبة الوطنية الإسرائيلية مئات آلاف من الكتب كان النازيون قد نهبوها من اليهود في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي الفصل الثاني، يعالج -  بوجه - قضية نهْب إسرائيل للكتب العربية الفلسطينية أثناء عام حرب  1948، ويُعنى-ٍّ بوجهٍخاص  - بنهب المكتبة الوطنية الإسرائيلية التابعة للجامعة العبرية في القدس أكثرَ من ثلاثين ألف كتاب من أصحابها الفلسطينيين خلال تلك الحرب بوجهٍخاصٍّ. أمّا الفصل الثالث، فيعالج فيه المؤلف قضية وضع المكتبة الوطنية الإسرائيلية يدها على كتب ومخطوطات تابعة ليهود من اليمن هاجروا إلى إسرائيل في أواخر أربعينيات القرن العشرين وبداية خمسينياته. ويؤكِّد المؤلف أنه توجد، إلى جانب تزامن حدوث هذه القضايا الثلاث في الفترة نفسها في المكتبة الوطنية الإسرائيلية، أرضية مشتركة تربطها؛ هي دأ ب الحركة الصهيونية في الفصل بين البشر الذين انتُزعت منهم هذه الكتب وثقافتهم. فقد عملت الحركة الصهيونية في سياق سعيها لتحقيق مشروعها الكولونيالي في فلسطين على محو ثقافة "اليهودي المهجري" من ناحية، والقضاء على ثقافة ضحاياها الفلسطينيين من ناحية أخرى.

يعالج المؤلف في مقدمة الكتاب أهمية الكتب والمكتبات في الحضارة الإنسانية، فيشير إلى تأكيد باحثين كثيرين أنّ الكتب هي التي تحمل الحضارة الإنسانية، ومن دونها يتكلّس الفكر ويُمسي التاريخ أخرس. لذا، عادةً ما تستهدف الكتب والمكتبات في الحروب بسبب أهميتها الفائقة. والتاريخ يعجُّ بحوادث سلْب الكتب والمكتبات ونهبها وحرقها. ويذكر المؤلف أنه يجري في بعض الأحيان التشديد على نهب الكتب وحرقها إلى حدٍّ ينسى فيه المرء أنّ هذا الأمر ليس إلَّ من فائض الجرائم التي تُرتكب في حقّ الشعب الذي يُهزم ويقع تحت الاحتلال. ولعل إدراك المؤلف لهذه المسألة هو الذي قاده إلى عدم الاكتفاء بالتشديد على سلْب الاحتلال الإسرائيلي للكتب الفلسطينية ونهبها في حرب  1948؛ ذلك أنّه حرص في الوقت نفسه على وضعها في سياق مُجمل الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في حقّ الفلسطينيين وفي صدارتها طردهم من وطنهم فلسطين. ولم يُغفل المؤلف الإشارة إلى عمليات السلب والنهب التي قامت بها مؤسسات الدولة الإسرائيلية المختلفة والمجتمع الإسرائيلي بمجمله في حقّ مختلف الممتلكات العربية الفلسطينية؛ من مدنٍ، وقرى، وبيوتٍ، وأراضٍ، وحقولٍ، وبساتين. فقد جرى سلبٌ ونهبٌ لوطن بأكمله، ولكلّ ما هو موجود فيه.

لاحتلال والطرد ونهب الكتب

أكَّد المؤلف أنّ دافيد بن غوريون David Ben-Gurion، مؤسس دولة إسرائيل ومهندس طرد الفلسطينيين من فلسطين، أولى أهميةً قصوى لاحتلال القدس في حرب  1948. فما إن أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار التقسيم، في  29  تشرين الثاني/ نوفمبر  1947، حتى هاجمت القوات العسكرية الصهيونية الأحياء العربية الواقعة في ما أصبح يُعرف بالقدس الغربية؛ مثل أحياء الطالبية، والقطمون، والبقعة، والمصرارة، وأبو طور. وكانت هذه الأحياء العربية، ولا سيما حيّ القطمون والطالبية، تحظى بمستوى معيشة راقٍ، وكانت تسكنها أعدادٌ كبيرة من الشريحة العليا للمجتمع العربي المقدسي. لقد قامت القوات العسكرية الصهيونية باحتلال هذه الأحياء العربية، وبطرد سكانها منها؛ وذلك في سياق سياسة "التطهير العرقي" التي اتبعتها القيادة الصهيونية في حرب  1948. وأشار المؤلف إلى أنه ما إن احتلت القوات الصهيونية هذه الأحياء العربية، حتى سارعت القيادة الصهيونية إلى توطين المستوطنين اليهود في جميع بيوت الفلسطينيين في هذه الأحياء. وقد كتب دافيد بن غوريون في مذكراته في 20 كانون الثاني/ يناير  1948 "إنّ حي الطالبية تحوَّل إلى حيّ يهودي" (ص. 80) وفي السابع من شباط/ فبراير لخَّص دافيد بن غوريون عملية التطهير العرقي التي قامت بها القوات العسكرية الصهيونية في القدس، في اجتماع قيادة حزب مباي بقوله: "عند الوصول إلى القدس عن طريق لفتا - روميما، وطريق محنيه يهودا، وشارع الملك جورج، ومئه شعاريم - لم يكن يوجد غرباء (...) فالجميع يهود مئة في المئة. منذ خراب القدس في عهد الرومان لم تكن القدس يهودية كما هي الآن. لا يوجد أيّ عربي في الأحياء العربية التي تحت سيطرتنا في القدس الغربية. وهذا الوضع لن يتغير" (ص. 82) عالج الكتاب بطريقة تفصيلية كيفية قيام المكتبة الوطنية الإسرائيلية التابعة للجامعة العبرية في القدس بنهب نحو 30 ألف كتاب من الأحياء العربية في القدس الغربية التي احتلتها القوات العسكرية الصهيونية في حرب  1948. وتابع كذلك نهب سلطات الاحتلال الإسرائيلية وموظفي "القيم على أملاك الغائبين" نحو  40  ألف كتاب من المدن الفلسطينية الأخرى؛ مثل يافا، وحيفا، واللد، والرملة، وعكا، وطبريا، وصفد، والمجدل، وبئر السبع. ووضَّح المؤلف، استنادًا إلى وثائق المكتبة الوطنية الإسرائيلية التابعة للجامعة العبرية، أنّ هذه المكتبة خصصت عددًا من موظفيها للقيام بعمليَّات سلبٍ ونهبٍ للكتب العربية من بيوت العرب الفلسطينيين، ومن المكتبات العامة ومن المدارس، في إثر احتلال القوات

العسكرية الصهيونية الأحياءَ العربية وطرد سكانها منها. ففي كثير من الأحيان سار موظفو المكتبة الوطنية الإسرائيلية خلف القوات العسكرية الصهيونية ونهبوا الكتب من البيوت والمكتبات العامة، على غرار ما كانت تقوم به عامَّةُ الجمهور اليهودي من سلْبٍ ونهبٍ للممتلكات الفلسطينية في تلك الأحياء العربية. وعلى منوال اللص الذي لا يعترف بلصوصيته، والمجرم الذي لا يعترف بفعله الإجرامي، حاول مسؤولو المكتبة الوطنية الإسرائيلية تجميل السطو على الكتب العربية ونهبها؛ بادعائهم أنّ الدافع من وراء أفعالهم تلك هو حمايتها من النهب والسرقة على أيدي الجمهور الإسرائيلي، والحفاظ عليها من التَّلف الذي قد يصيبها في حال بقائها في أماكنها. بيد أنّ المؤلف فنَّد هذا الادعاء، ووضَّح أنّ هدف سرقة المكتبة الوطنية لتلك الكتب كان تملّكها، وأظهر أنّ المكتبة الوطنية الإسرائيلية اتخذت مختلف الإجراءات والتدابير الرسمية لتملّك تلك الكتب العربية، وأنّها رفضت طلب إعادتها إلى أصحابها الفلسطينيين عندما طالب بعضهم بها بعد حرب  1967. وفضلً عن ذلك، أكَّد المؤلف أنّ نهب المكتبة الوطنية الإسرائيلية للكتب العربية كان مخالفًا للمواثيق والقوانين الدولية مخالفةً صريحةً وواضحةً (ص. 103) وأكَّد المؤلف أنّ ما ارتكبه الجمهور اليهودي والجيش الإسرائيلي من عمليَّات سطوٍ على الممتلكات الفلسطينية ونهبٍ لها قد اقترن دومًا بطرد الفلسطينيين من المدن والقرى الفلسطينية، وأنّ تلك العمليَّات قد انتشرت انتشارًا لم يكن يُمكن أن تتجاهله وسائل الإعلام العبرية في تلك الفترة. وعلى الرغم من ذلك، سرعان ما توقفت عن التطرق إليه في إطار محاولةٍ لطمس هذا الموضوع. واقتبس المؤلف كتابات شهود عيان عديدة لعمليات سلْب الممتلكات الفلسطينية؛ فقد كتب يتسحاك ليفي Isaac Levi الذي شاهد عمليات النهب ما نصُّه: "عندما كانت عمليات تطهير حي القطمون مستمرةً، بدأت أعمال سلب ونهبٍ شارك فيها جنود ومواطنون اقتحموا البيوت الخالية من سكانها وحملوا منها الأثاث، والملابس، والأدوات الكهربائية، والأغذية. لقد كان ذلك منظرًا مخجلً  " (ص. 83) كما اقتبس المؤلف من الكاتب موشيه سميلانسكي Moshe Smilansky في صحيفةهآرتس، في الأول من أيلول/ سبتمبر 1949  - وقد وصف فيها سلب المجتمع الإسرائيلي ونهبه للممتلكات الفلسطينية - قوله: "كانت هناك  440  مدينةً وقريةً فلسطينيةً و 2.5  مليون دونم مزروعٍ بمختلف أنواع المزروعات، ومئات آلاف الدونمات من أشجار الزيتون، والحمضيات، والكروم، ومن أشجار أخرى مثمرة. وقد انقض كلّ الإسرائيليين على هذه الغنيمة. الرجال والنساء والأطفال، الجميع شارك في السلب والنهب. جرى سلْب كلّ شيء؛ الأبواب وإطاراتها، والشبابيك، والحجارة، والبلاط، والسيارات وقطع غيارها (...) ولم يسلم من النهب أيّ شيء" (ص. 84) وقف المؤلف على الفرق بين موقف النُخب الإسرائيلية الرسمي من سلْب المجتمع الإسرائيلي ونهبه للممتلكات الفلسطينية وموقفها من السلب والنهب الرسميَيّن اللذين قامت بهما الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها المختلفة تجاه الممتلكات الفلسطينية. فلئن دان قادةٌ في الدولة، على نحوٍ ظاهري، عمليات نهْب المجتمع الإسرائيلي "التلقائي" للممتلكات الفلسطينية، فإنهم عدُّوا سلب الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها المختلفة لتلك الممتلكات ونهبها لها عملً شرعيًّا وأخلاقيًّا (ص. 84). فمعارضة عدّة نُخب وقادة صهيونيين، كما أشار المؤلف، لم تكن بسبب عمليّات سلْب الممتلكات الفلسطينية ونهْبها في حد ذاتها، بل كانت بسبب أنّ السلب والنهب قد كانَا من فئات واسعة من المجتمع الإسرائيلي بطريقة تلقائية، ولم يكونَا من الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها المختلفة بطريقة رسمية، ومنهجية، ومنظمة. وذكر المؤلف أنّ القيادة الإسرائيلية دأبت مبكرًا في وضع الخطط وإقامة المؤسسات لمصادرة أملاك الفلسطينيين المنقولة وغير المنقولة. ففي آذار/ مارس 1948، أقامت الهاجاناه (المنظمة العسكرية الصهيونية) "لجنة الأملاك العربية"؛ بهدف مصادرتها عند وقوعها

تحت الاحتلال. وما إن احتلت الهاجاناه القرى والمدن الفلسطينية حتى باشرت مصادرة أملاك الفلسطينيين. وفي تموز/ يوليو  1948، أقامت الحكومة الإسرائيلية لجنةً وزاريةً لتكون مسؤولةً عن "الأملاك المتروكة" التي يملكها الفلسطينيون الذين طردتهم إسرائيل من وطنهم وقيِّمةً عليها. وتابع المؤلف الخطوات القانونية والرسمية التي قامت بها إسرائيل بعد حرب  1948، وقد هدفت إلى مصادرة الأملاك الفلسطينية بطريقة منهجية و"قانونية" من ناحية، وإلى منْع الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم من ناحية أخرى. فبعد فترة وجيزة من طرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وضعت إسرائيل ممتلكاتهم تحت يد "القيِّم على أملاك الغائبين" الذي مُنح صلاحيات لبيع أراضي الفلسطينيين "الغائبين"، وبيوتهم، ومختلف أملاكهم ل "سُلطة التطوير" التابعة للحكومة الإسرائيلية. ثمّ إنّ هذه السُلطة باعت للكيرن كاييمت (الصندوق القومي) الأراضي العربية، ومن ثمّة قام بدوره في تأجيرها للمؤسسات والأفراد من اليهود فقط.

أصحاب الكتب

تقصَّ المؤلف أسماء أصحاب الكتب الفلسطينيين الذين نهبت المكتبة الوطنية التابعة للجامعة العبرية كتبهم من الأحياء العربية في القدس التي احتلتها القوات العسكرية الإسرائيلية، فوجد في أرشيف المكتبة الوطنية تقريرًا كتبه أحد موظفي المكتبة، في بداية عام  1949، وردت فيه أسماء عديدة لأصحاب الكتب الفلسطينيين الذين نهبت الجامعة العبرية كتبهم، وأسماء المدارس والمؤسسات الفلسطينية التي نُهبت منها الكتب أيضًا. وتضمَّن هذا التقرير خمسين اسمًا فلسطينيًّا نهبت الجامعة العبرية كتبهم من مكتباتهم الخاصة. وتبيَّ من التعرّف إلى أصحاب هذه الكتب التي وردت في ذلك التقرير أنهم كانوا يُشكِّلون نخبةً من المثقفين العرب المقدسيين. وكان من بينهم خليل السكاكيني، ومحمد إسعاف النشاشيبي، ويعقوب فراح، وهنري كتان، وخليل بيدس، وفؤاد أبو رحمة، وفرنسيس خياط، وحلمي عبد الباقي، ويوسف هيكل، وتوفيق كنعان. لقد وضعت المكتبة الوطنية التابعة للجامعة العبرية هذه الكتب بعد أن جعلتها ضمن دليل استعمال في متناول أساتذة الجامعة العبرية وطلَّبها، ولا سيما أساتذة قسم دراسات الشرق الأوسط وطلَّبه. وكان من بين المسؤولين عن تصنيف هذه الكتب المؤرخ المستشرق إلياهو أشتور Eliyahu Ashtor، أحد أساتذة التاريخ في الجامعة العبرية، وهو متَّصف بأفكاره العنصرية المعادية للحضارة العربية. ويذكر المؤلف أنّ المؤرخ إلياهو أشتور عبَّ عن رأيه في نهب الجامعة العبرية للكتب الفلسطينية وتملّكها بقوله: "إنّ الجامعة العبرية أنقذت هذه الكتب، وليس ذلك لأنها 'جمعتها' من بيوت أصحابها وحافظت عليها من التلف، بل لأنها 'أخرجتها' من ملكية أصحابها الفلسطينيين الذين لم يكن في وسعهم استيعاب مضامينها، ونقلتها إلى الذين يعرفون الاستفادة منها لمصلحة العلم والإنسانية". ومجَّد إلياهو أشتور نهْب الجامعة العبرية لهذه الكتب وأعطاه، كما يذكر المؤلف، بعدًا دينيًّا يهوديًّا باستعماله مصطلحات ومفاهيم دينية يهوديةً. فالجامعة العبرية وفق إلياهو أشتور "خلَّصت" تلك الكتب وحررتها من أصحابها الفلسطينيين (ص. 94) وأشار المؤلف، مقابل نقده اللاذع لأقوال إلياهو أشتور العنصرية، إلى علاقة الفلسطينيين المتينة بالحضارة والكتب، وخصوصًا أولئك الذين نهبت الجامعة العبرية كتبهم، ونوَّه بحنينهم إلى كتبهم المنهوبة ولا سيما حنين الأديب الفلسطيني خليل السكاكيني إلى مكتبته التي عجَّت قبل نهبها بكتب كثيرة.

ويجدر التنويه بأنّ خليل السكاكيني، بعد مرور نحو نصف عام من سقوط حي القطمون ونهب مكتبته، وصَف في مذكراته الوضع في حيّ القطمون قبل سقوطه وكيفية مقاومته للاعتداءات العسكرية الصهيونية عليه. كما وصف السكاكيني بيته قبل وقوعه تحت الاحتلال الإسرائيلي، ثمّ عبَّ عن حنينه إلى بيته، وإلى مكتبته فكتب ضمن عنوان "لئلا ننسى:" "الوداع يا مكتبتي! يا دار الحكمة، يا رواق الفلسفة، يا مهد العلم، يا ندوة الأدب! كم أحييت فيك الليالي الطوال أقرأ وأكتب... الوداع يا كتبي النفيسة القيمة المختارة... من يصدِّق أنّ بعض الأطباء كانوا يستعيرون مني بعض الكتب الطبية لأنّ هذه الكتب لا توجد إلا في مكتبتي... لم تعرض مشكلة في اللغة في إحدى دوائر الحكومة إلا وسألوني عنها لأنهم يعرفون أنّ مظانّ هذه المشكلة لا توجد إلا في مكتبتي... الوداع يا كتبي! لست أدري ما حلّ بك بعد رحيلنا... الوداع يا كتبي! يعزّ عليّ أن أ حرم منك وأنا على أهبة الرحيل من هذه الدنيا... يعزّ عليّ أن أُحرم منك وقد كنتِ غذائي الروحي، وكنت  - ولا أزال -ِهًا إلى هذا الغذاء. لقد كنتُ ألازمك في ليلي ونهاري ولم شَ يزرني أحد في الليل أو النهار إلا وجدني منكبًّا على كتبي". استعرض المؤلف إستراتيجية إسرائيل المعادية للعرب الفلسطينيين الذين بقُوا في حدود الدولة التي قامت على أنقاض شعبهم، وحلَّل الوسائل التي اتبعتها، والمؤسسات التي أقامتها بهدف محو ثقافتهم وهويتهم العربية الفلسطينية وإحلال الولاء للدولة اليهودية وثقافتها محلّها. فقد أنشأت إسرائيل عام  1949 قِسمًا خاصًّا للعرب في وزارة التربية التعليم الإسرائيلية، ووضَع يهود صهيونيون منهاجًا تعليميًّا تربويًّا للعرب في إسرائيل، وفرضوا عليهم كتبًا تعليميةً كتبها صهيونيون؛ لتحلّ محلّ الكتب العربية الفلسطينية التي كانت في المنهاج التربوي الفلسطيني قبل النكبة. وفي الوقت نفسه قامت إسرائيل بإتلاف عشرات آلاف الكتب التعليمية الفلسطينية التي نهبتها من المدارس والمكتبات العربية أثناء الحرب. وفي خاتمة الكتاب، يربط المؤلف بين القضايا الثلاث التي عالجها في كتابه؛ وهي القضايا التي هدفت إلى فصل كلّ من الفلسطينيين واليهود في مختلف أنحاء العالم عن ثقافاتهم الأصلية، وإلى فرض ثقافة صهيونية عنصرية كولونيالية عليهم.

1 خليل السكاكيني، كذا أنا يا دنيا: يوميات خليل السكاكيني (القدس: المطبعة التجارية،  1955)، ص  393  -  394.