Return to Article Details The Arabs and the first World War

العرب والحرب العالمية الأولى

The Arabs and the first World War

​هيئة التحرير

الملخّص

بمناسبة مرور 100 عامٍ على الحرب العالمية الأولى، عقدت مجلة أسطور للدراسات التاريخية ندوةً فكريةً بعنوان "العرب والحرب العالمية الأولى"; وذلك على هامش مؤتمر "مئة عام على الحرب العالمية الأولى: مقاربات عربية" كان عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خلال الفترة 20-22 شباط/ فبراير 2015 في بيروت. وقد أدار الندوة عبد الرحيم بنحادة نائب رئيس تحرير مجلة أسطور، وشارك فيها عدد من الباحثين في التاريخ الحديث للمنطقة العربية، وهم -بحسب الأحرف الهجائية -الأساتذة: جامع بيضا، وسعود المولى، وعبد الحميد هنية، وعبد الواحد المكني، وفتحي ليسير، ومحمد الأرناؤوط، ومحمد جمال باروت، ومحمد عفيفي، ومهند مبيضين، وناصر الدين سعيدوني. وقُدّمت في الندوة مداخلات فكرية مكثفّة في عدد من الموضوعات لعدد من المتخصصين بالتاريخ الحديث للمنطقة العربية والمهتمين به، من بينها: الأوضاع العربية عشية الحرب العالمية الأولى، والمساهمة العربية في الحرب الأولى (المادية والمعنوية)، والتحولات التي عرفتها البلدان العربية زمن الحرب ومدى ارتباطها بصيرورة الحرب وتفاعلاتها معها، والعرب ومعاهدات السلام: ما جناه العرب سلبيًّا وإيجابيًّا، والمثقفون العرب والحرب; وهو محور سعى لدراسة تمثل العرب للحرب الأولى من خلال الإنتاج الأدبي والصحافي زمن الحرب وبعدها.

Abstract

As part of the ACRPS conference "The First World War A Hundred Years On: Arab Perspectives", which was held in Beirut in February 2015, Ostour's academic board hosted a seminar on "The Arabs and World War I". The seminar was directed by Abdel Rahim Benhada, Deputy Editor of Ostour, and attended by a number of specialists and researchers working in the field of modern history of the Arab region including Jami Bayda, Saud al-Mawla, Abdel Hamid Haniyah, Abdel Wahid al-Makani, Fathi Lisir, Mohammed Al-Arnaut, Mohammed Jamal Barout, Mohammed Afifi, Muhannad Mabidin, and Nacereddine Saidouni. Topics addressed by a number of specialists attending the seminar included: the Arab status quo on the eve of the Great War; Arab participation in the Great War, in terms of material and morale; contemporaneous transformations within the Arab countries and their relation to the Great War; a reckoning of what the Arabs won and lost through peace treaties; and Arab intellectuals, and how the Arabs portrayed the Great War in journalism and in literary works, during and immediately after the war.

الكلمات المفتاحية:
  • العرب
  • الحرب العالمية الأولى
  • أسطور
  • المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
Keywords:
  • Arabs
  • The First World War
  • Ostor
  • The Arab Center for Research and Policy Studies (ACRPS)

العرب والحرب العالمية الأوىل

The Arabs and World War I

22 شباط/ فبراير 2015، بيروت - لبنان بمناسبة مرور 100 عامٍ على الحرب العالمية الأولى، عقدت مجلة أسطور للدراسات التاريخية ندوةً فكريةً بعنوان "العرب والحرب العالمية الأولى"؛ وذلك ع

هامش مؤتمر "مئة عام على الحرب العالمية الأولى: مقاربات عربية" كان عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خ لاا الفترة  20 - 22 شباط/ فبراير 2015 وررت بفندق. وقد أدار الندوة في ب عبد الرحيم بنحادة نائب رئيس تحرير مجلة أسطور، وشارك فيها عدد من الباحثين في التاريخ الحديث للمنطقة العربية، وهم - بحسب الأحرف الهجائية -الأساتذة: جامع بيضا، وسعود المولى، وعبد الحميد هنية، وعبد الواحد المكني، وفتحي ليسير، ومحمد الأرناؤوط، ومحمد جمل باروت، ومحمد عفيفي، ومهند مبيضين، وناصر الدين سعيدوني. وقُدّمت في الندوة مداخلات فكرية مكثفّة في عدد من الموضوعات لعدد من المتخصصين بالتاريخ الحديث للمنطقة العربية والمهتمين به، من بينها: الأوضاع العربية عشية الحرب العالمية الأولى، والمساهمة العربية في الحرب الأولى (المادية والمعنوية)، والتحولات التي عرفتها البلدان العربية زمن الحرب ومدى ارتباطها بصيرورة الحرب وتفاعلاتها معها، والعرب ومعاهدات الس م: ما جناه العرب سلبيًّا وإيجابيًّا، والمثقفون العرب والحرب؛ وهو محور سعى لدراسة تمثل العرب للحرب الأولى من خلال الإنتاج الأدبي والصحافي زمن الحرب وبعدها.

As part of the ACRPS conference "The First World War A Hundred Years On: Arab Perspectives", which was held in Beirut in February 2015 , Ostour's academic board hosted a seminar on "The Arabs and World War I". The seminar was directed by Abdel Rahim Benhada, Deputy Editor of Ostour, and attended by a number of specialists and researchers working in the field of modern history of the Arab region including Jami Bayda, Saud al-Mawla, Abdel Hamid Haniyah, Abdel Wahid al-Makani, Fathi Lisir, Mohammed Al-Arnaut, Mohammed Jamal Barout, Mohammed Afifi, Muhannad Mabidin, and Nacereddine Saidouni. Topics addressed by a number of specialists attending the seminar included: the Arab status quo on the eve of the Great War; Arab participation in the Great War, in terms of material and morale; contemporaneous transformations within the Arab countries and their relation to the Great War; a reckoning of what the Arabs won and lost through peace treaties; and Arab intellectuals, and how the Arabs portrayed the Great War in journalism and in literary works, during and immediately after the war.

مقدمة1

يتفق جمهور المؤرخين، غربًا وشرقًا، على أنّ حدث "الحرب العظمى" في الفترة 1914  -  1918، على نحو ما سُمِّيت إبان اندلاعها،

أو "الحرب الأوروبية"، كما سُمِّيت في الولايات المتحدة الأميركية، أو الحرب "العالمية الأولى"، بحسب تسميتها في أربعينيات القرن

العشرين، قد شكَّل لحظة انعطافٍ في تاريخ العالم المعاصر خصوصًا، وتاريخ البشرية عمومًا. نشبت تلك الحرب خلال صيف 1914 واستمرت نحو أربعة ونيّف من الأعوام، وجاء اندلاعها نتيجةً لاحتداد النزاعات والخصومات

في القارة الأوروبية وبلوغها شأوًا خطِرًا في خضم التنافس الإمبريالي خلال نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ونتيجةً لِما

أسفر عنه من تصادم مصالح اقتصادية وظهور أحلاف سياسية وعسكرية. ولقد ألقى ذلك المناخ المُفعم بالتوتر والاحتقان بظلاله الثقيلة على العلاقات الدولية حتى 28 تموز/ يوليو 1914، تاريخ اندلاع الحرب بعد اكتساح إمبراطورية النمسا - المجر أراضي صربيا، بوصفه ردًّا على اغتيال وليّ عهد الإمبراطورية الأرشيدوق فرانسوا فرديناند Franz Ferdinand في سراييفو عاصمة البوسنة يوم 28 حزيران/ يونيو  1914. وقد ترتبت على هذه الحرب، وهي المنعرج الذي لم يشهد التاريخ له مثيلً؛ إنْ من جهة التعبئة والنفير والاتساع والشمول، أو من جهة الدمار، والخسائر البشرية، وتطور التقنيات الحربية، واقتصاد الحرب، تحولّات سياسّية وترابيّة واقتصاديّة بالغة الأهمية،

شملت – إن قليلً أو كثيرًا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة – شطرًا واسعًا من أقطار العالم وسكانه. بل إنّ تداعيات هذه التحولات

وارتداداتها طالت خلال عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، وعلى نحو مباشر ومؤثِّر، الاقتصاد الرأسمالي والأوضاع الداخلية لأهم الدول العظمى والعلاقات الدولية؛ ما أدَّى، في النهاية، إلى نشوب حرب عالمية ثانية في أيلول/ سبتمبر  1939. لقد أتاحت الاحتفالات التذكارية التي تتّصل بمئوية هذه الحرب خلال عام  2014، والتي أقيمت في المجتمعات الغربية (أوروبا والولايات المتحدة خصوصًا) للهيئات الأكاديمية والإعلامية والسياسية والمجتمع المدني في تلك المجتمعات فرصةً لاستئناف النظر في

مقدمات ذلك الحدث الهائل ونتائجه، واكتناه رمزيته ومزيد تدبّره، والحفر في معانيه ودلالاته؛ فكان أن نُظّمت المؤتمرات، وعُقدت

الندوات والورش وعُدّدت المنابر ونُوِّعت، وأُلِّفت الكتب والدراسات، وظهرت المطبوعات والشرائط الوثائقية وغيرها. ومن المعلوم أنّ إحياء الذكرى، بوصفه مسألةً تحدُث في مفترق التاريخ والذاكرة، وتجلّيًا للذاكرة أيضًا، قد شكَّل إحدى دعامات

هويّات الشعوب والأمم. وقد تزامنت هذه الفعاليات الاحتفالية مع حقبة عاد فيها المؤرخون للاحتفاء بالحدث والتصالح مع التاريخ

السياسي والعسكري - بعد أن غيّبته مدرسة الحوليات ردحًا من الزمن - وذلك في إطار ما عُرف بتيار "العودات" (العودة إلى الفرد،

والحدث، والسياسة، والمدة القصيرة.. إلخ) في سياق استفهامات ومراجعات جديدة. فقد بات من المسلّم به، أو المتواضع عليه، لدى المؤرخين أنّ الحدث يمكن أن يُفيد في معرفة ما تحت الحدث؛ أي في الكشف عن البنية وهو أمرٌ لا يسمح هذا المقام بتقصّيه. من ثمّة، لا يُعدُّ استغلال العرب سانحة إحياء الغرب لمئوية الحرب العالمية الأولى بدْعًا من الأمور. فمن شأن هذا الإحياء أن

يجعلهم يعكفون على إعادة قراءة ذلك الحدث الفارق من زاوية نظرهم، وعبر مورثوهم الخاصّ، علاوةً على وجود شعور قويّ في ظلّ

المستجدات الإقليمية والدولية الراهنة مفاده أنّ العرب يعيشون حاليًّا مرحلةً شبيهةً بنهاية الحرب العالمية الأولى التي شهدت تشكُّل

1 أشرف على التحرير العلمي للندوة فتحي ليسير عضو الهيئة الاستشارية لدورية أسطور.

  1. أشرف على التحرير العلمي للندوة فتحي ليسير عضو الهيئة الاستشارية لدورية أسطور.

خريطة المنطقة العربية بالمشرق، وفقًا لمصالح القوى الغربية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا. ولسنا في حاجة إلى تأكيد أنّ المشهد الجيوسياسي الراهن في المنطقة العربية، في جانب كبير منه، نتاج للقرارات والتوازنات التي جرَت خلال حقبة الحرب المذكورة وما بعدها. يوجد حاليًّا أكثر من دليل على أنّ الأعوام الأخيرة تشهد ما يمكن عدُّه، في شيء من التجوُّز، إستراتيجيَا مماثلةً ل ما حدث بعد

الحرب العالمية الأولى. وقوام هذه الإستراتيجية – وإن بدت غامضةً و"هلاميةً" أحيانًا – إعادة تشكيل خريطة المنطقة وتأهيلها بحسب مصالح أجنبية جديدة، ولا سيما بعد انقسام السودان إلى سودانيْ، وممارسة إقليم كردستان في العراق جلَّ مظاهر الدولة المستقلة، وفكرة الفدرالية المتجسّدة في العراق والمطروحة بقوَّة في كلٍّ من ليبيا واليمن، إضافةً إلى النعرات الطائفية والعرقية والانفصالية التي يمكن أن تعصف بوحدة أكثر من دولة عربية وتماسكها. فالمؤرخ، بحسب لوسيان فيفر Lucien Febvre، ينطلق من الحاضر، ومن خلاله هو فقط يتعرّف الماضي ويؤوِّله؛ بمعنى أنّ الغاية من دراسة التاريخ هي في النهاية إجلاء الحاضر وتبيُّ ما غمض من ملامحه. ومثلما يفسّ الماضي الحاضرَ، يفسّ الحاضرُ الماضي؛ وذلك في علاقة جدلية تضع الماضي والحاضر في المستوى نفسه من الأهمية، وهو

ما عناه المؤرخ فرنان بروديل Fernand Braudel بقوله: "إنّ الحاضر والماضي يضيء كلّ منهما الآخر." عندما اندلعت الحرب العظمى كانت البلاد العربية إمّا خاضعةً للاستعمار الغربي (أقطار المغرب العربي ومصر) وإمّا للإدارة العثمانية المباشرة (سوريا الكبرى والعراق)، وإمّا غير المباشرة (شبه الجزيرة العربية) ولقد أوجد دخول الدولة العثمانية الحرب الكبرى في خريف 1914 ذريعةً للقوى الغربية المتربصة بها (بريطانيا، وفرنسا، وروسيا) كي تحسم أمر ما كان يُعرف ب "المسألة الشرقية"؛ أي تقسيم ما بقي

من أراضٍ ل "رجل أوروبا المريض"، بتعبير بعض الأدبيات الدبلوماسية. وإذا سلّمنا بأنّ مشاركة العرب في الحرب العالمية الأولى (مشاركة عشرات الآلاف من المغاربة والمشارقة في الجيشين الفرنسي والعثماني، والثورة العربية بقيادة الشريف حسين.. إلخ) كانت محدودةً مقارنة بالجهد العامّ الضخم الذي تطلبته هذه المواجهة، والخسائر الكبيرة الناجمة عنها، بخاصة أنّ العرب لم يكونوا طرفًا فاعلً فيها، فإنّ النتائج المترتبة عليها كانت أغلى تكلفةً، بل إنّها كانت دراماتيكيةً جدًّا بالنسبة إليهم. فكأنّنا إزاء علاقة "تناسب عكسيٍّ"، كما يقال في لغة الرياضيات. وآية ذلك ما انجلت عنه مقررات مؤتمر

سان ريمو (5  أيار/ مايو 1920)، ومعاهدة سيفر (10 آب/ أغسطس  1920)، وهي معاهدة فكّكت الإمبراطورية العثمانية، من انتدابٍ فرنسيٍّ على سورية ولبنان، وبريطاني على العراق وفلسطين بما في ذلك الأردن حاليًّا. فهذان الانتدابان جاءَا تكريسًا للاتفاقيات السريّة التي صيغت في الغُرف المغلقة خلال فترة الحرب؛ ونعني تحديدًا اتفاقية سايكس – بيكو عام  1916، ووعد بلفور عام  1917. وحري بالتسجيل أخيرًا أنّ نهاية الحرب قد أوجدت سياقًا عامًّا لتطور ثلاث حركات قومية في الشرق، وهي متمثّلة بالحركات العربية والتركية والصهيونية، وهذا موضوع آخر كما يُقال. في هذا الإطار العامّ، وضمن هذه الإحداثيات والمدارات المتعدّدة، تنزلت ندوة "أسطور" حول العرب والحرب العالمية الأولى، وقد عُقدت في بيروت بفندق "جفينور روتانا"، يوم 22 شباط/ فبراير 2015، وشارك فيها، بحسب الأحرف الهجائية، كلّ من الأساتذة: جامع بيضا، وسعود المولى، وعبد الحميد هنية، وعبد الواحد المكني، وفتحي ليسير، ومحمد الأرناؤوط، ومحمد جمال باروت، ومحمد عفيفي، ومهند مبيضين، وناصر الدين سعيدوني، وأدار الندوة عبد الرحيم بنحادة نائب رئيس تحرير مجلة "أسطور."

المحور الأول

عبد الرحيم بنحادة: لقد خصّصنا هذه الندوة الأولى للعرب والحرب العالمية الأولى لنتطارح فيها مشاركة العرب في هذه الحرب

وتمثّلهم لها. وفي البداية أريد أن أطرح عليكم سؤالً هو: هل كان العرب، عشية الحرب العالمية الأولى؛ أي قبيل الحرب العالمية الأولى أو الحرب العظمى، واعين بما هم مقبلون عليه؟ بمعنى آخر كيف عاش العرب في المغرب عشية الحرب العالمية الأولى حين كانت التجربة الاستعمارية في بداياتها؟ وكيف أثَّرت هذه الحرب في مسار التجربة الاستعمارية في تونس، والجزائر، والمغرب. السؤال الأول إذن، هو: كيف عاش العرب عشية الحرب العالمية الأولى؟ الكلمة لكُم. جامع بيضا: بالنسبة إلى السؤال الذي طرحته (كيف عاش العرب في الرقعة العربية والإسلامية من المحيط إلى الخليج عند اندلاع الحرب، وقبل اندلاعها، وعشيتها)، أظنّ أنْ لا أحد في العالم العربي، أو في العالم كلّه كان يتوقع حربًا عالميةً؛ لأنّ الإنسانية لم تألف

حربًا على نطاق واسع، ولم يكن في سجلّها التاريخي حرب عالمية بهذا النوع من الشساعة. أمّا بخصوص سكان تلك الرقعة الجغرافية،

فإنّ لديّ وجهة نظر أخرى في ما تسميه "العرب"، وهو الانطباع نفسه الذي عند غيرهم من الأمم، بما في ذلك الأمم الأوروبية التي هي

بؤرة النزاع. فقد كان الناس يتوقعون شيئًا ما، حربًا حدوديةً بين قوتين، أو ثلاث مثلً، وربما في رقعة جغرافية محدودة، وفي زمن محدود

أيضًا. لا أحد كان ينتظر أن تتّسع رقعة الحرب، ولا أحد كان ينتظر أن يتّسع الزمن لها أكثر من أربعة أعوام. هذا إذن شعور ساكني هذه الرقعة وهو، في ما أرى، شعور العالم بأسره. آتي، بعد هذا، إلى الكلام على الرقعة الجغرافية. عندما نتحدث عن "انخراط العرب" في الحرب - وسأكتفي بحالة المغرب التي أعرفها جيدًا - ينبغي القول إنّ المغربيين لم ينخرطوا في الحرب بوصفهم عربًا، بل بوصفهم مسلمين. فحتى فرنسا، في حالة المغرب

على الأقل - وسنرى حالات أخرى بالنسبة إلى الجزائر، وتونس، والمشرق العربي - طلبت منهم الانخراط في إطار ما يسمى السياسة "الإسلامية لفرنسا"، وربما كانت لنا عودة إلى هذه النقطة لاحقًا. محمد الأرناؤوط: شكرًا، دكتور. حقيقة هذا السؤال تبدو من افتراضه وجود مؤشرات في الأفق تتحدث عن حرب عالمية مثلً.

أذكر، الآن، في نهاية ورقتي جملةً لم أقُلها، هي: إنّ وزير خارجية النمسا والمجر الكونت بارشتولد قال في مذكراته التي نشرت بعد الحرب عام  1920: "نحن لم نكن نريد حربًا عالمية، نحن كنَّا نريد عقاب صربيا فقط". وهذه الجملة بالغة الدلالة. فالحرب - كما

تعرفون – قد اندلعت أولً ثنائيةً؛ من خلال إعلان النمسا الحرب ضدّ صربيا في  28 يوليو 1914، ثمّ اتّسعت وأصبحت عالميةً، وربما كان

الشعور بقرب اندلاع حرب أو مواجهة أزمة ما موجودًا في البلقان، أو في أجزاء واسعة منه، وهو الخارج لتوّه من الحُكم العثماني. أريد أن أجيب عن هذا السؤال، وأعرج على ذلك من خلال البلقان. فنحن قبل سنتين حاولنا أن نعقد ندوةً عن حرب البلقان في الفترة  1912  -  1913 وآثارها وصداها في المشرق، وأخفقنا في ذلك. وفي الحقيقة كانت تتوافر مادة جديرة ذات فائدة في الإجابة عن هذا السؤال. ولو عدنا مثلً إلى مذكرات علي سلام التي نشرها الدكتور حسان حلاق وغيره، لرأينا حقًّا بداية التوجس عند النُّخبة بما هو مُقبل

في المشرق. ولهذا الأمر علاقة بحرب البلقان الأولى والثانية؛ لأنّ هذه الحرب الخاطفة التي أنهت حُكم هذه الدولة "السرمدية"، أو التي

اعتقد مواطنوها وسكانها أنها دولة الخلافة والدولة الإسلامية، والتي أنهت حُكم الدولة العثمانية الذي استمر قرونًا، بتلك البساطة وتم

اقتسام هذه المناطق بين الدول، أثارت عند النُّخبة كما يبدو بوضوح في مذكرات علي سلام هذا التوجس بحرب مماثلة، أو بحرب أوسع بشأن مصير العرب، ومن ثمّة مصير المنطقة.

أرى أنّ هذا التوجس أخذ يرتبط بالاستعدادات أيضًا. فاستنادًا إلى مذكرات بوانكاريه، كان من الواضح في نهاية 1913 أنّ الحرب لا مفرّ منها، أو أنها فُرضت على فرنسا فرضًا. وبهذا المعنى، يجب على فرنسا أن تُعدَّ العدّة لها. فهذا كما يبدو في تقرير السفير الفرنسي في 4

كانون الأول/ ديسمبر 1912. لذلك، ربما يختلف الأمر في المستوى الأوروبي والبلقاني. ولكن استنادًا إلى ذلك، مع هذا الاستعداد للحرب، بدأت تتضح البروباغاندا العثمانية - الألمانية؛ ومن ثمّة، الفرنسية والإنكليزية. وربما يكون هذا الأمر أيضًا مدخلً آخر إلى صدى هذه

البروباغاندا ومن ثمّة إلى صداها في المنطقة بالنسبة إلى موقف النُّخبة العربية. ثمّ إذا توسعنا أكثر فأكثر في تحليل هذه البروباغاندا المتضاربة،

وجدنا قول الدكتور جامع بيضا إنّ البروباغاندا العثمانية والألمانية كانت تدعو سكان المنطقة إلى الدخول في تلك الحرب بوصفهم مسلمين مؤمنين بوجود خليفة، بخاصة بعد الإعداد لمثل هذه الفتوى، كما كانوا في السابق يشتغلون بذلك بحسب الوثائق. وهكذا، دخلوا الحرب وهم مندفعون إلى ما يسمى الحرب مع دولة الخلافة، مع الدولة الإسلامية، مع الدولة العثمانية. في المقابل، كانت البروباغاندا الفرنسية - الإنكليزية، بعد مراسلات حسين مكماهون، تلحّ على شيء مختلف متمثّل بأننا عربٌ لدينا

طموحات ومشاريع؛ ومن ثمّة الحلم بدولة عربية. ولذلك انخرط بعض العرب في هذه البروباغاندا، وانضموا إلى الثورة العربية باقتناع

وبحماسة للوصول إلى هذا الحلم. لذا، أرى أنّ الجواب عن هذا السؤال يرتبط بمداخل متعددة. ولكن أرى أيضًا أنّ الحوادث توالت بسرعة، وتتالت بعد ذلك، وأنه كان لا بد أن نركّز في نقطة البداية؛ أي الفترة  1913  -  1914 تحديدًا. عبد الواحد المكني: شكرًا، عشية الحرب الكبرى، كانت ثمّة مسألة مهمّة لا بد من التفطن إليها. فلم يكن من السهل صنع الرأي

العامّ آنذاك؛ لأنّ وسائل الاتصال كانت بطيئةً، والبلاد العربية خصوصًا كانت حركتها الصحافية محدودةً والمعلومة فيها تسير ببطء.

ولاحظنا في المصادر وقوع مفاجآت أحيانا عند العرب، وبخاصة عرب المغرب، أو المغاربة بصفة عامة، تجاه حدث الحرب. لكني أضطر مرة أخرى إلى تقسيم قائمٍ على مشرقٍ ومغربٍ. وبشأن بلاد المغرب، أتفق مع الدكتور جامع بيضا في أنّ معطى العروبة لم يكن مطروحًا آنذاك. فقد كانت بلاد المغرب تعيش أزمة حرب طرابلس عام 1911 ومعاهدة فاس عام  1912. وفي تونس، كانت حوادث الزلّاج والترمواي، وحوادث الزيتونة. وفي الجزائر، كانت هجرة أشراف تلمسان. وهذا يعني وجود نوع من الأزمة بسبب مخلّفات الاستعمار وتداعياته. فلمّا

جاءت الحرب، حصل تهيُّؤٌ وجدانيّ للتعاطف مع الإمبراطورية العثمانية وبخاصة مع الحليف الألماني. هذا ما كان يروج سواء عند النُّخبة

أو عند أغلب الشباب التونسي والجزائري، أو حتى عند الرأي العام.ّ أمّا في المشرق العربي، فإنّ المسألة كانت مختلفةً، والرهانات مغايرةً؛ إذ نستطيع أن نتحدث عن مشروع عربي آنذاك، أو عن

إرهاصات تبلورت في المؤتمر العربي الأول في باريس عام  1913، فثمّة جملة من المطالب الواضحة. وعندما أصبحت طبول الحرب تُدق،

كانت آنذاك على الأقل نخبة تطمح إلى حُكم ذاتي في إطار عثماني. وهكذا، كانت الإستراتيجيات، والطموحات، والآمال، مختلفةً تمامًا

عن بلاد المغرب. معنى ذلك أنه لم تكن في المشرق عاطفة جياشة كبيرة تجاه الدولة العثمانية، على الرغم من الانبهار بما قامت به ألمانيا من استعراض ومحاولة تبيان أنها حليفة أولى للإمبراطورية، وللعرب. هذا تقريبًا أهم ما يمكن أن نقوله. إنّ المؤرخين اليونانيين تحدثوا

عن المفاجأة في التاريخ وإذا أردنا أن نتحدث عن هذه المفاجأة، قلنا إنّ الحرب الأولى، أو الكبرى، فاجأت العرب. سعود المولى: أوافق على فكرة أنّ بلاد الشام كانت عثمانيةً ولم تكن تحت احتلال أجنبي، وفي هذه الفكرة نقطة فاصلة أولى؛ لأنها

فكرة استبدت بعقول العرب مرحلةً طويلةً. ولكن حين نتحدث عن الوضع العربي حينئذ، أظن أنّ الأساس هو أن نتحدث عن النُّخب في البلدان العربية، وليس عن الشعوب. فالشعوب لم يكن لديها وسائل تعبير عن رأيها ومواقفها. فلا إعلام ولا أيّ وسيلة تواصل، فضلً عن

الجمعيات والأحزاب. والنُّخب العربية العثمانية شُكِّلت من الضباط، والحكام، والمتصرفين في بعض المناطق، والمتعلمين عمومًا - وهؤلاء

كانوا يدرسون في إسطنبول وبعض العواصم الأخرى - إضافةً إلى المندوبين إلى "مجلس المبعوثان". فهذه النُّخبة التي عاشت في إسطنبول أساسًا، وامتزجت بالنُّخبة العثمانية إلى جانب نخب سياسية واجتماعية من زعماء القبائل والوجهاء المحليين. وفي هذه النقطة يجب التمييز

بين المستويات الاجتماعية في كيفية التفاعل مع الدولة العثمانية في تلك الأيام و أجندة الدولة العثمانية آنذاك. أوافق الدكتور محمد الأرناؤوط، وكنت سأقول ذلك في مداخلتي، من جهة أنّ النقطة الفاصلة، وهي حرب البلقان عام  1912، لم تأخذ حقّها من البحث. وقد أتيح لي من خلال الاشتغال بنقاشات "مجلس المبعوثان" والمندوبين من المنطقة العربية، أن أعرف أن لدينا مادةً ثريةً لمعرفة اتجاهات العرب نحو تلك المرحلة. والمثال الأول يأتينا ممَّن تطوع من لبنان، مثل "شكيب أرسلان"، للمشاركة

في حروب الدولة العليّة؛ ذلك أنّه قاد متطوعين قاتلوا في ليبيا عام  1911، ثمّ انتقل إلى البلقان، وكان معه متطوعون من كل المناطق

والطوائف. وقد انعكست تلك الحرب ونتائجها على الأوضاع الداخلية في بلاد الشام، وخصوصًا على جبل لبنان، من حيث بداية تشكّل

طموحات لطوائف في تحقيق استقلال ما، أو من حيث الشعور القوي بدُنوِّ سقوط الدولة العثمانية؛ لأنّ الهزيمة في البلقان والمآسي التي

نتجت منها نُقلت كلّها إلى تلك المنطقة، وكان في الجيش العثماني أشخاص قاتلوا في البلقان. وقد حدثني الأخ مهند مبيضين أنّ قبائل من الأردن ذهبت تقاتل في البلقان، وأنها كانت في مستوى الجيوش أو التجييش العثماني،

وأنّ مقاتلين وجنودًا من المنطقة أُخذوا ليقاتلوا في البلقان. لقد أحسّ العرب بهزيمة الدولة العثمانية، وكان ذلك في مستوى الطوائف،

وكانت توجد بدايات لشعور قومي ما، وذلك مع نشوء دول البلقان، والاستقلالات، وخصوصًا ما جرى في اليونان. فحرب استقلال

اليونان كانت بداية القومية الدينية ذات الطابع المسيحي التي انعكست في وجدان المطالبين بالاستقلال في لبنان وبعض طوائف هذه المنطقة، ثمّ كان ذلك أيضًا مع النُّخب المسلمة التي التقت النُّخب المسيحية في مؤتمر باريس عام  1913، فنتج من ذلك - وهذا ما كتبه

أنطونيوس - صوغ اليقظة القومية، أو صوغ المطالب بصيغة قومية، ونشأ هذا بعد عام  1913 وليس قبله، وقد انقسمت النُّخب - انقسامًا

عنيفًا جدًّا - ما بين عثمانية ضمن عنوان إسلامي، وقومية بعنوان سوري، وطائفية قومية بعنوان ماروني.. إلخ. وينبغي ألَّ ننسى أنّ هذه النُّخب ذهبت بعيدًا في مواقفها؛ ما بين التحام كامل بالعثمانية مثَّلته جريدة الشرقفي دمشق من جهة، وتعاون كامل مع الدول الأجنبية مثَّلته المجموعة التي حاكمها جمال باشا وأعدم معظم أبطالها من جهة أخرى. وينبغي ألَّ ننسى أيضًا أن الحرب الأولى، والمجاعة، والإعدامات، فاقمت انقسام النُّخب العربية. وهذه الانقسامات بين النُّخب تولّدت منها حساسيات وعداوات، حتى أنّ قادةً وطنيين إسلاميين اتُّهموا بتعاونهم مع جمال باشا، وبأنهم كانوا متسببين بالإعدامات والوشايات. لقد عاشت النُّخب أزمة مخيفةً في هذا الانقسام، وهذا الأمر جدير بالبحث على نحوٍ مستقلٍّ، هذا ما أحببت أن أضيفه. محمد عفيفي: كلامي سيركز في المشهد المصري عشية الحرب العالمية الأولى نتيجة التعقيدات التي كانت موجودةً في هذا المشهد. لقد جاءت تعقيدات من عدة جوانب أهمّها أنّ مصر في تلك الفترة على الرغم من أنها كانت تحت الاحتلال البريطاني، فإنّ هذا الاحتلال

ليس له في الوقت نفسه أيّ سند قانوني. ومن ثمّة، كان المشهد شديد الالتباس؛ إذ كانت توجد دولة احتلال، ولكن في الوقت نفسه كان

يوجد خديوي تابع للدولة العثمانية، وفي القانون الدولي كانت مصر، على نحوٍ ما، ولايةً عثمانيةً. وهذا سيؤثِّر قبيل الحرب العالمية الأولى وخلالها. فقد فرضت بريطانيا الحماية البريطانية على مصر عام 1914، واتخذت إجراءات عنيفةً تجاهها. وكانت توجد مشاريع لضمّ مصر

إلى بريطانيا ومشاريع أخرى مقابلة لها؛ إذ رفض حلفاء بريطانيا ضمّ مصر إلى بريطانيا بالنظر إلى عامل توازن القوى.

والأمر الثاني الذي كان يعقّد المشهد المصري تعقيدًا كبيرًا هو وجود قناة السويس؛ بسبب أهميتها بالنسبة إلى بريطانيا. وفي ما

يتعلّق بخطوط المواصلات، كانت بريطانيا ترى سيطرتها على الأراضي المصرية أمرًا ضروريًّا، على الرغم من أنّ مصر ما تزال قانونيًّا

تابعةً للدولة العثمانية. وهذا سيظهر في الحملة العثمانية، وفي الحملة المضادة لبريطانيا، في وقت مبكر جدًّا، وسيحدث التباسًا في

المشهد السياسي المصري بدايةً من عام  1906 (حادثة طابا). هذه أول مرة نرى فيها نزاعًا في حدود مصر بينها وبين الدولة العثمانية،

وهي في الأصل تابعة لها، وقد كان هذا النزاع مع تدخُّل بريطانيا تدخّلً كبيرًا جدًّا؛ نتيجةً لإدراكها أهمية مصر. فقد رأت أنه في

حال حدوث حرب، أو أزمة دولية، ستكون مصر منطقة تموين للشرق الأوسط. وهذا سينعكس كثيرًا على الحوادث في مصر، وقد أثّر

بأجمعه في الوضع السياسي بمصر. كانت فكرة العروبة غائبةً عن مصر تمامًا؛ إذ علينا أن ننتظر ثلاثينيات القرن العشرين كي نسمع على نحو خافتٍ كلامًا على "العروبة "

نتيجةً لحوادث فلسطين. لكنّ الفكرة المسيطرة آنذاك كانت الفكرة الإسلامية تحت تأثير الحزب الوطني مع مصطفى كامل، ثم محمد

فريد. والتيار الصاعد الذي سيسيطر بعد ذلك، سواء أثناء الحرب العالمية الأولى، أو بعد ثورة 1919، هو القومية المصرية الذي ظهرت بداياته ظهورًا جليًّا عشية الحرب العالمية الأولى. وعندما تمّ الغزو الإيطالي لليبيا عام  1911، حدث في المجتمع المصري شبه انقسام أو

انشطار. فالتيارات الشعبية تدعو هي والحزب الوطني إلى الجهاد في ليبيا؛ بالنظر إلى أنّها مسلمة، وإلى أنّها كانت تابعة للسلطان العثماني. في حين دعا أحمد لطفي السيد وعدّة نُخب إلى عكس ذلك؛ أي إلى الاهتمام بمصر والفرعونية اهتمامًا كبيرًا. وثمّة مقولة مشهورة أثارت

مصر في تلك الفترة لأحمد لطفي السيد هي "سياسة المصالح لا سياسة العواطف". وستصبح هذه المقولة عماد الفرعونية في مصر، وسيتم إعادة استنساخها بطرائق كثيرة بعد ذلك، بخاصة في عهد السادات. عندما قامت الحرب العالمية الأولى وجدت بريطانيا أنها في مشكلة كبيرة. فهي تريد السيطرة على مصر، لكنّ وضعها غير قانوني،

وقبل الحرب العالمية الأولى (عام  1913)، جرى تعطيل الحياة النيابية في مصر وإيقاف حرية الصحافة أيضًا، وكل ذلك من أجل تهدئة الأوضاع في مصر؛ تمهيدًا لحدوث شيء كبير لا سيما أنّ مصر ذات وضعٍ خاص، ولذلك ستصبح في الحرب العالمية الأولى المكان الذي سيأتي إليه عساكر أستراليون، وهنود، وستصبح أيضًا، إلى حدّ بعيد جدًّا، مكانًا لتموين الشرق الأوسط. وعلى أيّ حال، فإنّ فترة الحرب

العالمية ستُخرج مصر في اتجاه القومية المصرية وفي حالة شبه قطيعة مع الفكرة الإسلامية. وهذا سيكون من أسباب سقوط الخلافة وظهور الإخوان المسلمين، بوصف ذلك ردّةً من ردّات الفعل. ناصر الدين سعيدوني: من الأفضل أن نتناول قضية العرب والحرب العالمية الأولى في سياق الهيمنة الاستعمارية التي بلغت أوجها مع الحرب العالمية الأولى، وهي المرحلة التي عُرفت ب "الهيمنة المطلقة"، والتي بدأت بالتراجع منذ عام  1930. وفي هذا السياق

سخَّرت فرنسا إمكانات الجزائر لمصلحتها في الحرب سواء كان ذلك بالجنود أو العمال. وعلى الرغم من أنّ دور الجزائر ظلّ مغيّبًا، فإن

الحرب كان لها تأثير كبير في الجزائريين من جهتي العلاقات بفرنسا والخسائر البشريّة. فكانت بالنسبة إلى بعض المؤرخين كأنها استمرار

لِمَا عاناه الجزائريون بعد الحرب السبعينية (عام 1870)، فقد قاموا بثورة كبيرة كادت تضع حدًّا للاستعمار الفرنسي في الجزائر. لكن

اختلال ميزان القوى حال دون ذلك، وجعلها تنتهي بقمع وحشيٍّ، وبمصادرة نحو 35.000 هكتار من أراضي الجزائريين لتوطين آلاف الفرنسيين النازحين من منطقتي الألزاس واللورين، بعد استيلاء الألمان عليهما. ومن جهة أخرى كانت الحرب الأولى تجربةً ميدانيةً للتعامل مع الفرنسيين، بعد أن أقرُّوا مشروع التجنيد الإجباري (عام  1912)،

وقد انقسم الجزائريون إزاءه إلى ثلاث فئات. فالنُّخبة، أو حركة الشباب الجزائري، تقبّلت الخدمة الإجبارية في الجيش الفرنسي وعدّتها

مبرّرًا للمطالبة بالحقوق. في حين فضّلت فئة أخرى الهجرة - ومن أهم الهجرات هجرة "تلمسان" - وتواصلت الهجرة بعد ذلك بسبب

استمرار حالة التمرد. أمّا الفئة الثالثة، فقد تقبّلت الأوضاع واتخذت موقفًا سلبيًّا منها. وبهذه المواقف وجد الجزائريون أنفسهم في خضم

الحرب، لكنّ مستواهم لم يكن في مستوى التحديات والتطورات التي فرضتها الحرب العالمية الأولى. وفي المشرق العربي، كانت توجد

شبه يقظة بسبب تبلور موقفٍ من الدولة العثمانية وانتشار الإحساس بالانتماء العربي الذي تجاوز العوامل المذهبية والدينية، في وقتٍ كان فيه الانتماء الإسلامي بما يحمله من انتساب إلى العروبة هو الغالب في المغرب العربي. وعلى كلّ حال، فإنّ الحرب العالمية لم تفاجئ العرب، فقد وجدوا أنفسهم طرفًا فيها، وفُرض عليهم التعامل معها في إطار التجربة الاستعمارية. ولم يكن ذلك، في ما أرى، إيجابيًّا بالنسبة إلى أوضاعهم، مقارنةً بمنطقة البلقان. لقد كانت نتائج الحرب الأولى كارثيةً بالنسبة إلى العرب بوجهٍعامٍّ، في المستوييَن القومي والسياسي. ولعل أشدّها خطورةً توافر

الأوضاع لفرض الكيان الصهيوني الذي اغتصب قطعةً عزيزةً من بلاد العرب. فتحي ليسير: إنّ السؤال المطروح، في الحقيقة، هو: كيف عاش العرب بداية الحرب العالمية الأولى؟ لقد كان حدث الحرب العالمية الأولى صعبًا جدًّا بالنسبة إلى البلاد العربية، والتمييز بين المشرق والمغرب العربيين، في هذا السياق، مهمّ جدًّا. ابتداءً، الحرب الأولى لم

تصبح عالميةً إلا عام  1917  عندما خرجت منها روسيا ودخلتها الولايات المتحدة، والمؤرخون الغربيون يتحدثون عن الحرب الأوروبية حتى ذلك العهد. وموقف العرب مهمّ جدًّا؛ لأنّ منهم من كان تحت الاستعمار الغربي، ومنهم من كان تحت الإمبراطورية العثمانية التي

هي فاعل في الحرب في المشرق العربي. وثمّة حدث آخر مهمّ هو دخول دولة الخلافة الحرب إلى جوار ألمانيا والنمسا والمجر، وبخاصة

يوم  14  تشرين الثاني/ نوفمبر 1914. وكان هذا الحدث مؤثّرًا في المغرب العربي على الأقل. ففي تونس، مثلً، أُعلن الجهاد؛ من جهة

السلطان العثماني. وإنّ هذا الحدث، في ما أرى، مهمًّا جدًّا؛ لأنّه أحدث انقسامًا في صفوف العرب بين مناصر لتلك الدعوة ورافض لها.

وحتى في الشام كان في النُّخبة انقسام أيضًا بين مساند لدخول الإمبراطورية في الحرب ومعارض له. إنّ ما نعرفه من خلال قراءتنا أنّ عبد الرحمن الخليل وعبد الرحمن الشهبندر وعبد الغني العريسي كانوا من الجماعة التي ساندت هذه المشاركة، وأنّ البلاد العربية فُتحت فيها جبهات خلال الحرب العالمية الأولى؛ من ذلك أنّ الثورة العربية بقيادة الشّ يف حسين في 10 حزيران/ يونيو  1916، قد شكّلت حدثًا فارقًا في تاريخ الخليج والمشرق العربي، وهنا كان التفاعل مختلفًا جدًّا إزاء هذا الحدث. لست

مؤهلً للحديث عن هذه الحقبة، ولكن ماذا بشأن توصيف هذه الحركة؟ دعنا نسمّيها حركةً؛ بسبب وجود إشكال في هذا الموضوع. لقد

قرأنا في كتب التاريخ "الثورة العربية الكبرى"، فلنتفقْ في المصطلح: هل هي ثورة؟ ثم هل هي عربية؟ وهل شارك فيها كلّ العرب؟ وهل هي كبرى؟ وإن كانت كذلك فمن شملت إذن؟ لقد ظهرت، على أيّ حال، جبهات أخرى. صحيح أنها كانت صغيرةً، لكنها وُجدت. وقد تحدثت أمسِ عن أنّ العثمانيين ساعدوا على

إعادة المَسك بزمام الأمور في طرابلس الغرب بعد هزيمة الإيطاليين في نهاية عام  1915، حتى أنّ الحضور الإيطالي اقتصر على شريط ساحلي ضيّق شمال إقليم برقة، وآخر لم يتجاوز خمُس طرابلس في الجهة الغربية. وفي ما عدا ذلك، كان زعماء القبائل يسيطرون على كامل البلاد.

وتمكّن العثمانيون والألمان من إعادة التمركز في ليبيا وتحويلها إلى رأس جسر (عام  1916)، عبر ميناء مصراطة حيث كانت الغواصات الألمانية تأتي بالخبراء العسكريين الألمان والأتراك، وبالسلاح والذخيرة. وجرى تكليف أحمد الشريف، الزعيم السنوسي المعروف بفتح جبهة شرقية في ليبيا غرب مصر لإشغال الإنكليز، بخاصّة بعد إخفاق جمال باشا في هجماته على قناة السويس بمساعدة الألمان.

ولإشغال الإنكليز أكثر فأكثر، فتح العثمانيون والألمان جبهةً غربيةً في مصر. وأحرزوا انتصارات في البداية، ووصلوا حتى مرسى مطروح، لكنّ الجيش السنوسي انكسر بعد ذلك. وذكرتُ أمسِ أنّ الطريف في الحركة الوطنية الليبية قد تمثّل بمشاركة عناصر غير

ليبية فيها، مثل عبد الرحمن عزام الذي سيصبح في ما بعد رئيسًا للجامعة العربية، وجعفر العسكري الذي سيصبح لاحقًا وزير الدفاع في

حكومة فيصل في العراق. وبالتوازي مع ذلك فتحت جبهة على الحدود التونسية، وهي جبهة من جبهات الحرب العالمية الأولى المنسية كما جاء في المصادر الفرنسية، وقد فتحها سليمان الباروني وخليفة بن عسكر عام 1915، ودامت سنتين تقريبًا. وآلت هذه المحاولة إلى

الانكسار تمامًا مثلما أخفق هجوم أحمد الشريف والسنوسية على مصر. عندما نقول "مساهمة العرب"، فإننا نعني بذلك كيفية تقييم الثورة العربية اليوم. فثمّة من يرى أنّ سقوط الدولة العثمانية

كان بسبب خيانة عربية، وربما كانت هذه القراءة من وجهة نظر تركية. لكنّ العرب أيضًا كانوا في جبهات أخرى. وعلى سبيل المثال،

جنّد الألمان صالح الشّيف وإسماعيل الصفايحي، وهما من القادة الوطنيين التونسيين للقيام، بالدعاية للحلفاء في الجبهات الغربية.

وقد ألّف صالح الشريف كتابًا يسمىحقيقة الحرب المقدسة، ونشر منه الألمان آلاف النّسخ. وكان هذا الكتاب يُوزَّع في جبهات الجنود

المغاربة، والتونسيين، والجزائريين؛ ليقول لهم إنكم تحاربون في الصف المعادي لدولة الخلافة، وكان صالح الشريف يلقي الخُطب ويستنهض الجنود المغاربة في الجبهات ليقول لهم إنكم في الصفّ الخاطئ. فالعرب شاركوا في عدّة مواقع، سواء في البلاد العربية في الثورات، أو "الدسائس"، كما نقرأ في الأرشيف الفرنسي، وكان موقفهم من إعلان الجهاد مهمًّا جدًّا بالنسبة إلى بريطانيا. فهذا الإعلان

كان موجهًا إلى الشعوب الإسلامية من غير الأتراك، وفي صدارتهم العرب؛ بهدف خلق قلاقل في المغرب العربي، وفي عدّة بقاع أخرى،

ولا سيما في مصر؛ بسبب أهمية قناة السويس. كان العرب، إذن، مشتَّتين. ففي الجبهات منهم من كان في صفّ دول التحالف، ومنهم من كان في صفّ دولة الخلافة. ولكن

الوعود هي التي كانت تحرك العرب. فعندما اندلعت الحرب التي لم يكن لهم فيها ناقةٌ ولا جملٌ، كانت وعود بريطانية للشريف حسين بدولة عربية كبرى، وكانت توجد أيضا وعود أخرى من فرنسا؛ فقد أغدقت وعودًا كثيرةً على سكّان شمال أفريقيا، وأسرفت في ذلك، وزعمت أنّ أوضاع المستعمرات ستتحسن عندما تضع الحرب أوزارها. ولدينا في هذا الشأن وثائق. وقد ذكر الدكتور ناصر الدين سعيدوني

وطنيين جزائريين راسلوا ولسون. وأريد أن أضيف، مساوقةً لهذا الأمر، أنّ الزّعيم الوطني التّونسي محمد باش حامبة قد راسل الرّئيس

الأميركي ولسون خلال مروره بالعاصمة الإيطالية روما، في  2  كانون الثاني/ يناير  1919، وذكّره بوعوده؛ ومنها حقّ الشّعوب المولَّ عليها في تقرير مصيرها بنفسها. لديّ ملاحظة أخيرة فقط: هل كانت الحرب متوقعةً؟ في الحقيقة لقد اندلعت الحرب إثر اغتيال الأرشيدوق فرانسوا فردينان،

وليّ عهد النّمسا في صربيا، أي في منطقة البلقان التي كانت تُسمّى مخزن البارود. والإخوة المغاربة يعرفون جيّدًا أنّ الحرب ربما كانت

ستندلع بسبب الأزمتين في المغرب (أزمة طنجة عام  1905، وأزمة أكادير عام  1911)؛ لأنّ الأحلاف تشكّلت، وبدأ النزاع على أشده بين ألمانيا وفرنسا على المغرب. فالناس كانوا يتوقعون الحرب. ولم يعد السؤال: "هل تندلع الحرب؟" بل صار: "متى ستندلع؟". والرأي العام،ّ

إن صحّ الحديث عن رأي عامّ آنذاك، كان يتوقّع أن يكون انطلاق الحرب العالمية بسبب المشكلة المغربية، فإذا بها تنطلق من البلقان. مهند مبيضين: صحيح أنّ الفترة  1912  -  1913 مهمّة جدًّا - كما كان يشير إلى ذلك كلّ من الدكتور سعود والدكتور الأرناؤوط

-  بالنسبة إلى اللحظة المبكرة، أو السابقة، لاندلاع الحرب على صعيد حرب البلقان، أو التحضير لها، أو مشاركة الناس فيها. لقد ظلّ أ ناس كثيرون يتحدثون في قرى شمال الأردن عن ذهاب أبنائهم وشبابهم إلى حرب البلقان، من دون أن يعرفوا مصيرهم حتى بعد اندلاع

الحرب. إنّ هذا الأمر لا يزال حاضرًا في الذاكرة والوجدان، ولكن لم يكن له من تفسير آنذاك سوى الدفاع عن دولة الخلافة، أو الدولة الأبدية القرار، كما كانت تُسمّى. بناءً على ذلك، كان الدخول في شرق الأردن على الأقل، في ما أعرف، بداية الحرب. ف "رعايا السلطان"، و"أمير المؤمنين"،

و"الخليفة"، وما إلى ذلك من هذه الألقاب، أمرٌ ينعدم الكشف فيه أيضًا عن وجود "رأي عامّ" في ظل عدم وجود أساليب دعاية بالمعنى

الإعلامي الراهن. كان الناس يدافعون عن هذه الدولة تحت وهج الدعاية الإسلامية، والخلافة الإسلامية، وأمير المؤمنين. لدينا فاصل زمني، إذن، بين عام  1916؛ أي الثورة العربية، أو النهضة العربية، أو أيّ اسم سُمِّيته، وبداية الحرب وقبلها بسنة. فهذه الفترة هي الفترة

التحضيرية، والسنتان الأولَيان بمنزلة "دبلوم الحرب العالمية." علينا أن نذهب نحو الشعوب، والناس، والأرياف، والمدن. فالنُّخب كانت مطّلعةً على ما يحدث، أو ما يبرم من اتفاقيات ووعود. ولكن الناس البسطاء في الريف والبادية لم يكونوا واعين أنهم يخوضون حربًا كونيةً، ولم يتخيلوا أن يأتيَ أحدٌ ويزيل دولة الدين والدنيا،

أو ينهيَ وجودها، وكان التماسّ مع قوة غربية تأتي إلى هذا الوجود وتنهيه خَطْبًا كبيرًا بالنسبة إليهم. وعندما دخلت ثورة عربية الحوادث

وتفاعلاتها، ظهر هذا الموقف أكثر جلاءً بالتحالف، بإبقاء الولاء للسلطان العثماني. وفي ما يتعلق بمسألة الثورة ودخول حرب عالمية، فإنّ هذا الأمر يأتي بعد قيام الحرب بعامين تقريبًا. وكنت قد أشرت، من قبلُ، إلى

أنني لست في معرض إنصافٍ، أو انتصارٍ، أو اتهامٍ، بالنسبة للشريف حسين بن علي مثلً، ولكن أرى أنّ هذا الرجل ظُلم، على خلاف ابنيه

عبد الله وفيصل مثلً؛ لأنهما استمرَّا قائدين، والشريف حسين انتهى مبعدًا سياسيًّا، ومرض في قبرص، وكان طلبه الوحيد الذي تمّت

تلبيته له هو أن يدفن في القدس، وهو من أكثر الناس الذين تعرضوا للخيانات وللوعود. ربما كان في ثقته بالغرب إفراط. وعلى الرغم من أنّ الثقة كان لا بدَّ ألَّ تُمنح، فإنّه لم يكن يعمل من تلقاء نفسه. إنه لم يكن يعمل للثورة؛ فالثورة ليست مشروعه، بل إنّها كانت مشروع النُّخب العربية التي عرضت مشروعها على أكثر من زعيم، وأكثر من شخص فرفضوها. فقد رفضها إمام اليمن، ورفضها عبد العزيز آل سعود، وتورط فيها الشريف حسين هو بسبب ابنيه فيصل وعبد الله اللذين كانَا مع المبعوثين العرب. فابنه فيصل ذهب من منزل نسيب البكري إلى والده، ورتّب الاتصالات قبل ذلك ابنه عبد الله مع البريطانيين عام 1916. وكان إعلان الثورة معطى جديدًا وحركةً جديدةً في موقف العرب، وموقف النُّخب العربية. لهذا عندما تخسر سيحدث انقسام أكبر، وتوزُّع سيذهب بعضه لاحقًا مع الملك فاروق، وبعضه ليستقر بالقاهرة، وبعضه الآخر مع عبد العزيز آل سعود ويستقر معه. فالسنوات الأولى، أو "الدبلوم"، كما أسميها هي الأهم. وشكرًا. عبد الحميد هنية: أريد قول ملاحظة مهمةومنهجية أيضًا. ولست الوحيد الذي يلفت إليها الانتباه. إنها قضية خاصة تعرض لها المتدخلون وهم يتساءلون: أين هم العرب في ذلك التاريخ؟ أي في هذه القضية، والعروبة وتصنيف العرب. ذكر بعضهم أنّه لا موضوع للعرب في ذلك التاريخ، وأنّه يجب أن نبحث عن الكلمة الملائمة لئلّ يصبح حديثنا غائيًّا، فنحاول أن نسقط على هذه الفترة أشياء نعرفها

لاحقًا. أريد أن أؤكد وجود خطر الغائية في النظرة إلى هذا الموضوع. محمد جمال باروت: كانت المدن الشامية قد بلغت درجةً متطورةً نسبيًّا من النمو السكاني والعمراني والاقتصادي والثقافي.. إلخ.

نقطة البدء في تفسير ذلك هي مواجهة الأزمة المالية للدولة العثمانية، وإفلاس الدولة منذ سبعينيات القرن التاسع عشر. وقد نجم عن ذلك توقّف مرحلة التنظيمات السياسية، ولا سيما مع تعليق السلطان عبد الحميد الثاني للدستور العثماني، مع استمرار التنظيمات

العمرانية، ورفع وتيرتها. وبهذا المعنى كانت سياسة عبد الحميد الثاني استمرارًا للتنظيمات، ولكن في جانبها العمراني. وخلافًا للصورة

التنميطيّة المرسومة لعبد الحميد الثاني بصفته عدوًا للتنظيمات، ف "إنّ تجميع الخطوط السياسيّة الرئيسيّة تثبت أنّ حقبة عبد الحميد

كانت استمرارًا لبرامج عهد التنظيمات"، وهذا رأي دقيق لمالكولم ياب. لقد دفعت أزمة الإفلاس ورهن موارد الدولة لتسديد الديون التي ستزيد مع القروض؛ من أجل تمويل بناء شبكة خطوط السكك الحديد، إلى التركيز في مصادر أخرى للنمو أو الناتج المحلي الإجمالي. وكان في صدارتها التوسع في عملية استصلاح الأراضي القابلة للزراعة واستثمارها؛ إذ شكّل ذلك أحد أبرز محددات هذه المصادر، ولا سيما في أرياف حماة وحلب، وفي منطقة الجزيرة الفراتية، وكذلك الأناضول الذي ارتفع إنتاجه من الحبوب بدرجة قياسية. وعبّت سياسة الأرض العثمانية في مرحلة التنظيمات عن هذه الطموحات،

فحاولت – بخاصة في مرحلة عبد الحميد - حماية المعمورة بقوّة من البدو، وقد حمَت الفلاحين لكنها لم تستطع أن تمنع مشكلة تركُّز

الملكية. وهذا هو أساس المشكلة الفلاحية الزراعية في سورية التي ستضطلع بدور بارز في اتجاهات تطورها السياسي اللاحق بعد انهيار الدولة العثمانية. ولقد أدّى ذلك إلى انقلاب كبير في الناتج المحلي العثماني، بدأنا نلاحظه بدايةً من سبعينيات القرن إلى الثمانينيات. وحين كانت

أوروبا تعيش أزمةً في مادّة القمح، كان يوجد فائض كبير في الشام العثماني، ونقصد بالشام أيضًا ما فيها من ولايات أصبحت الآن جزءًا

من الجمهورية التركية، تسمى أحيانا "الولايات السورية الخمس". كانت مشكلة هذا الفائض هي مشكلة النقل. وتمّت محاولة حل

هذه المشكلة نسبيًّا عبر توسعة خطوط السكك الحديد. أمّا النقطة الثانية، فهي المرحلة الواقعة بين السبعينيات وعشية الحرب. وكانت مرحلة ارتفاع في معدل النمو الديموغرافي.

نحن نعرف مدرسيًّا أنّ عوامل النمو الديموغرافي تتألف من الولادات، والوفيات، وعامل الهجرة بنوعيها (الداخلة والخارجة). وعلى

الرغم من شدة تأثير الهجرة الخارجة في إطار موجة الهجرة الدولية إلى ما وراء البحار والأمريكيتين في معدل النمو السكاني في بلاد الشام، فإنّ عامل الولادات والوفيات بدأ يميل بوضوح لمصلحة ارتفاع وتيرة معدل الولادات الحية؛ ما يعني ارتفاع وتيرة الخروج من

التوازن السكاني السلبي المُعبَّ عنه في مجازات الديموغرافيا التاريخية بأسنان المنشار الذي تحصد فيه الوفيات الولادات. ووفق شارل

عيساوي في التطور الاقتصادي في الشرق الأوسط (1815  –  1914)، كان عدد سكان سوريا الطبيعية مُقدرًا بنحو  3.500  ملايين نسمة

في الفترة  1910  –  1915. وفي حال مقارنة هذا الرقم بتقديرات عام  1835، وهو  1 , 350.000 نسمة، فإنه يعني معدل نموٍّ سكاني يبلغ

نحو  1.2 %، وإذا كانت هذه التقديرات صحيحةً، فذلك يعني أنّ معدل النمو السكاني في سورية كان أعلى، على نحوٍ لافت للنظر، من معدلات آسيا وأفريقيا بوجه عامّ، ومن الهند واليابان بوجه خاصّ. وأمّا النقطة الثالثة، فهي تتمثل بارتفاع وتيرة تحضُّ البدو الرحّل والإسراع في وتائر التحول إلى نمط الإنتاج الرعوي - الزراعي، على

أساس التوسع في نمط الحياة القروي، كما تتمثل بارتفاع وتيرة التمدين في المدينة الشامية. ووفق نتائج بحوث دونالد كواترت، كانت وتيرة معدل التمدين في ولايات الشام أعلى ممّا كانت عليه في مدن الأناضول. ففي حين قطن في كل من مدن دمشق وحلب وبيروت

والقدس نحو ربع سكان سوريا الطبيعية أو الكبرى، فإنّ مدن الأناضول شكلت نحو 18 % فقط من إجمالي سكان إقليم الأناضول.

وبالنسبة إلى بيروت مثلً، فإنّها عرفت نموًّا سكانيًّا من أقل من عشرة آلاف نسمة عام 1880 إلى نحو 150 ألف نسمة عام 1914. فقد دخل

الشام العثماني بدءًا من الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى نشوب الحرب مرحلةَ توسُّعٍ عمراني ملموس في مدينتي حلب ودمشق

وشهدت بيروت نموًّا استثنائيًّا في عدد السكان، والتوسع العمراني.

استأثرت المدن بمعظم ثمار النمو الاقتصادي، ولكنّ بلاد الشام كانت أرفع تطورًا وتقدمًا؛ بسبب ارتفاع معدلات نموها السكانية والاقتصادية والعمرانية والثقافية والحضرية عمومًا في سنوات ما قبل الحرب، على غرار ما يلاحظ شكيب أرسلان من "رفاهية" ولايات الأناضول الشرقية، في حين تفوقت عليها ولايات الأناضول الغربي بسبب عملية التنمية العثمانية الحثيثة منذ مرحلة عبد الحميد. ألحقت الحرب ضربةً جسيمةً بوتائر هذا النمو. وعلى الرغم من ذلك كان تراكم رأس المال النقدي كبيرًا بعد هذا التراكم ما قبل الحرب، والمدخر قسم منه، ورأس المال النقدي خلال الحرب الذي منه شرائح الأعيان في المدن الشامية من خلال اقتصاد الحرب عبر تضخم الكتلة النقدية، ونشوء شركات بين الأعيان وقيادة الجيش العثماني الرابع من أجل توافر متطلّباته التي تقتضيها الحرب، والإنفاق النقدي الكبير للجيوش الألمانية شأنَ جيوش الحلفاء، ف "في مدينة حلب مثلً وصلت أعداد كبيرة من جنود ألمانيا، وأدّى استهلاكها الكبير وارتفاع طلبها إلى نشاط الحركة التجارية والصناعية في الشام" كما يعبّ عن ذلك كرد علي، وأدّى أيضًا إلى ارتفاع الكتلة النقدية والذهبية، وارتفاع أسعار العقارات ارتفاعًا "فاحشًا" بسبب تأجيرها للقوات الألمانية، وإلى ارتفاع سعر الحبوب بسبب اعتماد الجيوش الألمانية على الحبوب السورية، واغتناء طبقة التجار اغتناءً "لم يسبق له مثيل." وكان نصيب تجار حلب والخانجية الذين يتوسطون الفلاحين والطلب العسكري من هذه الأرباح" أوفر جدًّا من حظوظ تجار سائر المدن الشامية، حتى أنّ بلاد الشام ومدنها الداخلية كانت تغصّ بالسلع وبتجارة العملة النقدية خلال الفترة  1918  -  1920. وستظهر أهمية مزايا التراكم المالي في شراء الأراضي خلال فترة الحرب، وتحوّل الادخار إلى استثمار، وفي الاستثمار الزراعي الرأسمالي للقطن في الفترة 1920 – 1927، ثمّ في نشوء الصناعة التحويلية أو المعملية، بدءًا من عام 1927 في سورية. لكن هذا الأمر جانب من الصورة، في حين كان جانب آخر منها بائسًا جدًّا، وهو متمثّل بالحرب وآثارها في معظم السكان، ولا سيما في الريف. أردت من ذلك كلّه تقديم مدخل بشأن الآثار المتناقضة للحرب، على أنّ تلك الحرب في حصيلتها الصافية كانت وبالً مثلها مثل أيّ حرب أخرى. فتحي ليسير: المجاعات في الشام في الفترة 1916 – 1917 مسألة بالغة الأهميّة. وتفيدنا المصادر أنها تسببت بهلاك 10 %من سكّان

بلاد الشّام، وخصوصًا في منطقة جبل لبنان. فهل يفسر هذا بسياسة مصادرة المواد الزراعية التي أقدم عليها جمال باشا فقط؟ محمد جمال باروت: المجاعة ليست بفعل الحرب بدرجة أساسية، بل بفعل هجمات الجراد الكاسحة والكثيفة في نيسان/ أبريل 1915، وقد ظلّت تنهش الإنتاج الزراعي حتى الصيف. فكانت تلك الفترة من أطول هجمات الجراد، وكانت جزءًا من كارثة لحقت في تلك السنة حتى بالعراق وفلسطين ولبنان. لكن ارتفاع وتيرة طلب الجيش للحبوب أدّى إلى ندرتها وارتفاع سعرها، وهو أمرٌ دفع ثمنه فقراء الناس. وكانت المجاعة في جبل لبنان خصوصًا؛ وذلك بعد إلغاء المتصرفية وفرض الحصار عليه. وكان تأثّر جبل لبنان بندرة القمح

أقسى كثيرًا من تأثّر سورية على نحوٍ غير قابل للقياس؛ بسبب منْع تصدير القمح إليه، وهو الذي يعتمد على صادرات الشام إليه وبخاصة منطقة البقاع، ولم يرفع هذا الحظر إلا عام  1917. لكنّ جبل الدروز وجبل حوران في سورية، مثلً، ظلَّ منتجيْ للقمح، ويمدَّان مدينة دمشق به. فالمدن الداخلية السورية لم تواجه أزمة المجاعة التي واجهها جبل لبنان بسبب أريافها المنتجة للقمح، على الرغم من مصادرة الفائض الإنتاجي الزراعي، ولا سيما في مجال الحبوب وشرائه جبريًّا لسدّ حاجات الجيش.

المحور الثاين

لنمرَّ إلى المحور الثاني، وهو يتعلق بمشاركة العرب في الحرب العالمية الأولى. هناك مسألة على قدر كبير من الأهمية، وهي تتعلق

بالأرقام، كيف نثق بالأرقام التي تقدمها لنا الوثائق عن أعداد المشاركين في الحرب العالمية الأولى؟ وثمّة مسألة أخرى؛ وهي الفرق بين

المساهمات العربية بين المشرق والمغرب. فالملاحظ أنّ المغاربيين كانوا أكثر انخراطًا في الحرب العالمية الأولى من المشارقة. سعود المولى: من النقاط المهمّة في هذا الموضوع ما يتعلّق بأهمية المساهمة في الأحزاب السياسية في بلاد الشام بعد عام  1908.

ينبغي ألَّ ننسى أنّ قسمًا مهمًّا من النُّخب العربية شكَّل جمعيات؛ مثل اللامركزية، والعهد، وغيرها، وأنّ قسمًا آخر مهمًّا منها أيضًا دخل

في حزب الاتحاديين. ولعلّ معظم النُّخب الإسلامية دخلت في الحزب مع الاتحاديين، ولذلك تأسّست له فروع في كل بلاد الشام. ومن

أمثلة ذلك جنوب لبنان؛ إذ كانت في مدينة النبطية وعدد من المدن في المناطق الشيعية نُخب شيعية داخلة في هذا الحزب. وتتعلّق نقطة ثانية بأنّ هذا الأمر شكّل عامل نقاش مهمّ. فليس صحيحًا أنّ هذه المجتمعات كانت غير واعية، أو أنّ المثقفين

لم يكن لديهم وعي بتلك الأوضاع. لقد كان الأعيان والوجهاء والنواب في "مجلس المبعوثان"، وكان هناك نقاش دقيق واحترافي في تفاصيل السياسة العثمانية خلال تلك المرحلة، وخصوصًا بشأن الموقف من الدخول في الحرب العالمية الأولى مثلً. ثمّ أخذت المواقف

تعرف عدّة انقسامات تجاه هذا الأمر. فشكيب أرسلان كان من دعاة الدخول في الحرب العالمية بقوة، من خلال مقالات وندوات وغيرها. وكان يشرح ضرورة مساهمة الدولة العثمانية في الحرب إلى جانب ألمانيا؛ وذلك بناءً على الوقائع التي حدَثت في حربي ليبيا

والبلقان، والتي استنتج منها أنّ الغرب يُعِدُّ العدة لتقسيم الدولة العثمانية. وكان هذا قبل انكشاف اتفاقية سايكس بيكو أو وعد بلفور. يُضاف إلى ذلك الانتفاضات التي حدثت في ذلك الوقت، فمثلً كانت أوّل انتفاضة مجهولةً، ولم تكن انتفاضة بالمعنى الحقيقي،

بل كانت تلبيةً لنداء الجهاد الذي أطلقه السلطان عبد الحميد، وكان أوّل من لبَّوا النداء علماء الشيعة في النجف؛ أي إنّ المواجهة

الأساسية مع الإنكليز حصلت في الفترة  1914  -  1915 في الكوت والعمارة، وقادها علماء ومشايخ، ونحن نجد اليوم بشأنها كتابات عديدة.ً والمهمّ فيها أنها كانت تلبيةً لنداء السلطان ونداء الجهاد، على الرغم من كلّ التعقيدات والتناقضات السنية الشيعية. وعند علماء الشيعة

توجد خطابات وكتابات عديدة في هذه المسألة. وعندما أ علنت فتوى الجهاد، كانت ثمّة، إذن، مساهمة في مسألة الجهاد قبل ثورة

العشرين في النجف (1920). ومن ناحية أخرى، نذكر مسألة النُّخب والأعيان الذين التفوا حول الهاشميين، وكيفية نجاحهم في تجميع القادة من القبائل ووجهاء البدو، وانقسام هذه النُّخب بشأن هذه المسألة بين التحالف مع الإنكليز والبقاء في ظل الدولة العثمانية. تحتاج هذه القضية إلى نظرٍ في الوثائق العثمانية. والمشكلة أنه لا يوجد لدينا من الوثائق حول هذه الحقبة إلّ الوثائق العثمانية،

وإلى يومنا هذا أُهمل هذا الجانب بسبب النزعة القومية العربية والتركية. فالفكرة السائدة عند الأتراك أنّ أصحاب تلك النزعة خانوهم،

وأنّ الخيانة العربية هي سبب سقوط الدولة. والفكرة السائدة عند القوميين العرب أنّ العثمانيين أذلُّوا العرب وأهانوهم ولم يراعوا

حقوقهم. فلم يجرِ البحث في الوثائق العثمانية الحكومية مثلً عن أعداد المقاتلين الشهداء في الجيوش ونسبهم العامة، مقارنةً بالجيش، وبعدد السكان العرب والأتراك. وعلى سبيل المثال، قاتل جدّي والمئات من اللبنانيين والسوريين في اليمن (حملات اليمن التي قام بها العثمانيون). فكم من الآلاف ذهبوا في تلك الحرب من أبناء هذه البلدان. ناصر الدين سعيدوني: إنّ للإحصاءات أو الأرقام دلالة قيمية في الواقع، فمن الصعب تحديد عدد القتلى أو الجرحى في الحرب.

وإذا قلت مثلً: هلك 100 شخص، فقد يكون العدد  101 أو  99، ومن ثمّة فإنّ الأرقام تُعبِّ عن واقع الأحداث فقط؛ وذلك لصعوبة

ضبطها بسبب اختلاف الروايات. وعلى كلّ حال، توجد تصنيفات عديدة لضحايا الحرب العالمية الأولى من العرب. فثمّة القتلى والجرحى

من المشاركين في الحرب، وثمّة من قُتلوا في الثورات والأعمال الناتجة من الحرب، وثمّة من هلكوا من جرّاء الأوضاع المأساوية التي

نتجت من الحرب كالكوليرا، والطاعون، والمجاعات، وغير ذلك، بغضّ النظر عن الذين التحقوا بالجانب الآخر وعدُّوا في حُكم المفقودين. إنّ إشكالية الأرقام في تحديد خسائر الحرب قضية مهمّة، ولكن ينبغي أن تُعالج بنظرة شاملة ودقيقة لتعرُّف النزْف الذي تعرَّض

له العالم العربي من جرّاء الحرب العالمية الأولى وتبعاتها؛ من قمع استعماري وأوضاع مأساوية. جامع بيضا: سأتحدث، بطبيعة الحال، عن حالة المغرب، وانخراط المغرب، أو المغاربة، أو إشراكهم (انخرطوا طوعًا أو تحت

الإكراه). وفي هذا السياق نطرح سؤالً: هل هُم شهداء؟ أم هل أنهم "قتلى راحوا طعمًا للمدافع" فحسب؟ هذه مسألة أخرى ولكن

في حالة المغرب يجب أن تُؤخذ في الحسبان. فهذه المشاركة ليست انخراطًا لسبب قوامه حداثة الاحتلال عام 1912، ثم اندلاع الحرب عام  1914؛ أي بعد زمن قصير جدًّا من الاحتلال. وهذا يعني أنّ قوات الاحتلال لم يكن لديها بعدُ تمكُّن على أرض الواقع، سواء كان ذلك من حيث المؤسسات، أو من حيث البنيات الإدارية، أو البنيات التحتية. وثمّة عنصر آخر يجب أن نأخذه في الحسبان؛ وهو أنّ المغرب الأقصى لا يحمل مثل بقية الدول إرثًا عثمانيًّا سواء كان ذلك بالنسبة إلى

الناس عمومًا، أو بالنسبة إلى النُّخبة خصوصًا، ولا يحمل ذلك الإرث أيضًا في مستوى السُلطة. وهذا كلّه جعل قوات الاحتلال تستغل هذا

الظرف لكي تردّ على فتوى الباب العالي المتعلّقة بالجهاد، في تشرين الثاني/ نوفمبر  1914، بفتاوى أخرى مضادة ذات طبيعة إنسانية، استصدرها المقيم العامّ الفرنسي ليوطي من أقطاب الزوايا من العلماء الكبار؛ مثل عبد الحي الكتاني، وأحمد المواز، وأبو شعيب الدوكالي، وغيرهم. وإذا ذهبنا إلى ما هو أبعد من ذلك تساءلنا: هل كان لهذه الفتاوى تأثير في الشعب؟ لقد كان تأثيرها نسبيًّا، ولكنّ "الداهية" ليوطي

استطاع أن يستميل أمير المؤمنين السلطان إلى استصدار رسائل منه موجهة إلى المحاربين. وفي الأرشيف أنّ السلطات الفرنسية كانت تستنسخ تلك الرسائل الموجهة إلى المحاربين في الخنادق في فرنسا. فالقبطان "جوا" الذي كان يؤطّر بعض القوات في بورتو وغيرها، مثلً، يذكر أنه في الفترة  1914  -  1915 استُنسخت هذه الرسائل، ووُزعت بين الناس الذين كان معظمهم أميين، وغير ناطقين باللغة العربية،

أو عاميتها. فجلّهم أمازيغ ولكنهم يقبلون هذه الرسالة بخشوع، ما إن يعرفوا أنّها وصلت من ذلك السلطان الذي يصلّون باسمه كل يوم جمعة. توجد، إذن، دعاية عثمانية، ودعاية مضادة تنتقد شرعية الدولة العثمانية في خلافة المسلمين؛ لأنها ليست من آل البيت. بل يوجد مشروع لجعل السلطان المولى يوسف خليفة للمسلمين، ولكن جرى التخلي عنه. وآتي إلى قضية الأرقام فأضيف ما يلي: على الرغم من حداثة الاستعمار، وهشاشة البُنى، وموقع قدم فرنسا في تلك الفترة في المغرب، فقد استطاعت - وأضع الأرقام الرسمية محلّ استفهام

لأنها دون الواقع - أن تجند رسميًّا 40.398 رجلً على الأقل. وقد نجم عن ذلك نحو  9.000 من الضحايا و 17.000 من الجرحى. أعني

أنّ الأمر يتعلّق بنجاح له تداعياته. ولكن يجب أن يوضع في سياقه حتى نعرف حيثياته بدقة. عبد الرحيم بنحادة: كان جامع بيضا يتحدث عن الدعاية والرسائل والفتاوى التي استصدرها السلطان العثماني، وكان يشير بطريقة مضمرة إلى تلك الوثائق التي نشرتها مجلة العالم الإسلامي عام  1916، والتي كانت بمنزلة فتاوى تبين أنّ الدولة العثمانية لم تكن بالدولة التي تستحق أن تكون دولة خلافة، وتقترح المولى يوسف بديلً، ومرشحًا للخلافة. ولكن الذي وقع أنّ إنكلترا حليفة فرنسا

كانت تقترح شخصًا آخر هو الشريف حسين. ومن ثمّة، حدث ذلك النزاع الخفيّ داخل أوساط الحلفاء في مواجهة دول المحور، وفي

مواجهة الدولة العثمانية خصوصًا. عبد الواحد المكني: صحيح أنّ رقعة الحرب كانت في أوروبا، ولكن البلاد العربية عرفت جيوبًا لهذه الحرب (خليفة بن عسكر، والباروني، وأحمد الشريف) بين تونس وليبيا وقعت في مصر، بعد محاولة الهجوم على قناة السويس وما وقع في شبه الجزيرة العربيّة،

وهذه نقطة أولى. النقطة الثانية هي أنّ الجديد في هذه الحرب هو حرب الغواصات واستعمال الطائرات، وهو ما وقع في الجنوب التونسي، و"حرب الخنادق". ومثل هذه أشياء لم يكن للجنود العرب أو المغاربة تدريب عليها؛ فساهم ذلك مساهمةً كبيرةً في سقوط عدد كبير من الضحايا؛ ذلك أنّ عدد الضحايا الكبير لهذه الحرب يرجع إلى التطور التقني. فمثلً، ما إن خرج عدد كثير من التونسيين من الموانئ حتى قصفتهم الغواصات الألمانية، وقُتل نحو  700 جندي تونسي وهم خارجون من ميناء وهران. لقد ذهبوا برًّا إلى وهران فقصفتهم الغواصات الألمانية.

وهذه الفئات التي شاركت في الحرب هي من الأرياف والبوادي عادةً. وهي فئات فقيرة، والتعرض لها لا يكون في سياق رقمي فقط، بل في سياق اجتماعي أيضًا، وإنّ أغلبها من عمق المجتمع، ومن فئاته الشعبية. النقطة الأخرى متمثّلة بوجود رأي، ورأي ضديد تجاه الخسائر. وأول محاولة لبلورة الحديث عن خسائر، وعن أزمة، وعن نزْف، كان قد قام بها محمد بشحامبة في كتابه الشعب الجزائري التونسي وفرنسا. وهذا الكتاب تم تعريبه في بيت الحكمة في تونس عام  1990، وقد بلور فيه المؤلف فظائع الاستعمار الفرنسي في تونس والجزائر ولم يعرّج على المغرب، وذكر فيه سلاسل رقميةً للمجندين

والضحايا تنطوي على كثير من المبالغة التي تدخل في إطار الخطاب. إنّ المشاركين في الحرب من التونسيين والجزائريين والمغاربة نسميهم في الخطاب الشعبي التونسي "المراركة". وأشير إلى أنّ المغاربة كانوا أقلّ خسائر، بشهادة الفرنسيين. ففي الحرب المباشرة خاصةً، كانت للجيش المغربي تقاليد، وهو أكثر دربةً من التونسيين والجزائريين. وفي تونس كان يوجد جيش، لكن تمّ حلُّه، وأصبح تحت إدارة فرنسية، وأصبح تقريبًا، بدايةً من عام  1882، جيشًا مدنيًا، لا جيشًا

عسكريًّا. أمّا بالنسبة إلى المغرب، فتتحدث المصادر عن أنّ المغاربة الذين شاركوا كانوا أقلّ خسائر من التونسيين والجزائريين؛ بسبب

وجود تقاليد لهم متمثّلة ب "فرق الغوم"، و"فرق المخزن"، و"فرق الصبايحية". إضافةً إلى وجود ضباط فرنسيين، في الفترة  1911  -  1912، مؤثّرين في الجيش المخزني المغربي، وفي تدريبه. هذا ما أردت أن أقوله في بإيجاز. فتحي ليسير: شكرًا، على نحوٍ برْقيّ، ومساوقةً لمسألة الخسائر، أشير إلى أنّه راجت عبارات؛ مثل مذابح، وركام الجثث، وقبور

جماعية، في إشارات إلى أنّ هذه الحرب كانت أكثر فظاعةً وبشاعةً من الحروب السابقة. ومردّ ذلك استعمال أسلحة جديدة مثل "الغاز الخانق" الذي نسميه اليوم "الكيماوي" والطيران. كلّ ذلك كان حاسمًا في الجبهتين: الجبهة التي فتحها الألمان والإيطاليون مع

مصر، والجبهة في الجنوب التونسي حيث أنشأ الفرنسيون مطارات جديدةً لقصف نالوت التي كانت منطلق القبائل الثائرة. أريد أن أشير كذلك إلى ما يلي: بوصفيّ عربيًّا، من المغرب العربي، أرى أنّ تصفية زعماء الحركة العربية (شنق جمال باشا لرموز هذه

الحركة)، وإعلان الشريف حسين الثورة العربية بالتنسيق مع جماعة الحركة العربيّة في الشام (سوريا الكبرى)، إلى جانب الارتجال الذي وسم

مخطّطات الخبراء الأتراك والألمان خلال الحرب في المنطقة، كانت كارثيةً بالنسبة إلى عرب المشرق والحركة العربية على وجه الخصوص.

ما أريد أن أشدّد عليه هو وجود تقصير كبير في دراسة هذه الفترة من الجانب العربي. إنّ الوثائق المتعلّقة بجبهة الجنوب التّونسي

تعدّ بعشرات الآلاف. والفرنسيون يعترفون بأنها كانت فعلً جبهةً من جبهات الحرب العالمية، ويكفي أن نذكر أنّ عدد الضباط الفرنسيين

كان  365  ضابطًا، وأنهم كانوا يشرفون على العمليات، وأنّ عدد القتلى في الجانب الفرنسي، في عدّة مواقع، تجاوز  2750ً قتيل. تتمثّل الملاحظة الأخيرة بالمجندين وبجهد الفرد بصفة عامة. فثمّة من شاركوا في الجبهات، وتوجد في هذا المؤتمر عديد الورقات

بشأن هذا الموضوع. لكنّ جهد الحرب الفرنسي لم يقتصر على المجندين الذين شاركوا في الجهد الحربي فقط. ففرنسا سدّت النقص

الكبير من العمالة في المصانع بشباب المغرب العربي، وقُدّرت هذه العمالة بعشرات الآلاف الذين اشتغلوا في المناجم في أوضاع صعبة جدًّا، ولم يكونوا متكيفين مع الطقس والبرودة الشديدة (تصل الحرارة إلى عشرين درجةً تحت الصفر). فهذه مشاركة أيضًا ضمن جهد الحرب متعلّقة بنزْف بشريّ، لا يجري التعرض له في أغلب الأحيان، وهو جانب مهمّ جدًا؛ لأنّ الصناعة الحربية تطورت تطوّرًا كبيرًا؛ ما دفع

الفرنسيين إلى إشراك النساء في مهن لا تستقيم مع وضع المرأة؛ فهي مهن شاقة جدًّا تجري في أوضاع صعبة. شكرًا. محمد عفيفي: شكرًا. أودّ أن أساهم في مسألة المعاناة فقط، وأشير إلى آلام من تطوعوا، أو عملوا في الجهد الحربي. والتجربة

المصرية، في هذا الشأن، ثرية ومهمّة. وتشير الأرقام إلى عشرات الآلاف من المصريين من البسطاء الذين جاؤوا من الريف، تم أ خذوا

للعمل في الجهد الحربي في بلاد الشام، وفي أوروبا. وتوجد مؤشرات دالة على موت كثير منهم. غير أنّ الأرقام متضاربة، ولم تُدرس باستفاضة. وفي تلك الفترة، ثمّة مصريون ماتوا في بلاد الشام، وحتى في جنوب فرنسا. وتلك المعاناة دخلت أيضًا في التراث الشعبي

المصري. وحتى الآن، على سبيل المثال، توجد أغنية شهيرة جدًّا ما زلنا نرددها، وقد حاكتها أغان أخرى، مثل: "بلدي يا بلدي يا عزيز عيني وأنا نفسي أروح بلدي"، وأصل هذه الأغنية: "بلدي يا بلدي والسُلطة خدت ولدي" (السُلطة الإنكليزية). وحاكت تلك الأغنية

أيضًا أغانٍ كثيرة أخرى. وفي هذا السياق، توجد أمثلة أخرى من هذا القبيل. زرعت المعاناة عند المصريين فكرة الحلم بأنّ من يخلصهم من معاناتهم هو عباس حلمي الذي سوف يأتي مع الحملة العثمانية،

حتى أنّ أغنيةً شعبيةً ظهرت، وظلّت تُردَّد حتى الآن؛ إذ يُردَّد في الملاعب الله حيّ، التاني جي". والمقصود بذلك الهدف الثاني، على أن

أصل ذلك هو: "الله حيّ، عباس جي.. إلخ". وهذه الأغنية التي تشتمل على الحلم بعودة عباس نتيجة المعاناة الشديدة التي عاناها

المصريون طويلة جدًّا. مهند مبيضين: أظن أنّ جلّ المجنّدين، بوجهٍعامّ، كانوا من الأرياف، وأنّ أكثر الناس الذين عانوا هم أبناء الريف والفلاحين.

وهذا الأمر ربما أدَّى إلى كساد في الأراضي الزراعية في ما بعد. أتوقع أنه توجد سجلات عثمانية في هذا الشأن. وبالنسبة إلى أعداد

المجنّدين، فإنّ كثيرًا من المعلومات المتوافرة تظلّ غير دقيقة. وفي ما يتعلق بأولاد العشائر والبدو الذين شاركوا في ما بعد في ثورة مع الشريف حسين أو في حملة جمال باشا نحو السويس، يوجد مصدر مهمّ أرى أنّه من الأفضل أن نطّلع عليه؛ لأنني اطلعت على معطيات لبعض المعارك في منطقة شرق الأردن متعلّقة بالعمليات

العسكرية للثورة من خلال مجلة الحرب العظمىالتي كان ينشرها عمر أبو النصر، وهي مجلة كانت لها أهميّة في تلك الفترة، وكانت

تُوثّق وقائع الحرب توثيقًا يوميًّا تقريبًا خلال عامين مستمرين من الزمن. محمد الأرناؤوط: بالنسبة إلى المشاركة، أرى أنّ لدينا إشكالية متعلّقة بالتعميم. فالمناطق التي تناولناها لكل منها خصائصها؛ شأن

بلاد الشام، ومصر، وبلاد المغرب. البارحة مثلً، عرفنا من خلال إحدى الورقات أنّ نظام التجنيد في الجزائر لم يصدر إلّ عام 1912.

وبالنسبة إلى بلاد الشام، فإنّ لدينا مسارين مرتبطين بالتجنيد. فمن خلال الأرشيفات العثمانية المتعلقة بوزارة الحربية يمكن

أن نعرف معطيات خاصةً بالجيش العثماني الرابع، والكيفية التي كان يجري بها التجنيد، وآليته، وصولً إلى عدد الضحايا والشهداء. أمّا المسار الآخر، فهو التطوع. ومن ثمّة إذا عدنا إلى صحيفة المقتبس، أرى أنه لا بدّ من التمييز بين عام 1914  (بداية الحرب ونداء

السلطان للجهاد) وعام  1916  (إعلان الثورة). ولو أنّنا عدنا إلى الصحافة السورية خلال هذه الفترة، وتحديدًا خلال وجود جمال باشا، لوجدنا بلاد الشام كأنّها كلّها مُجندة أو متطوعة في سبيل الدفاع عن هذه الدولة. ولذلك يجب أن نأخذ في الحسبان، كما ذكر الدكتور

مهند مبيضين، أنّ موقف العشائر في شرق الأردن مثلً لم يُحسم لمصلحة طرف معيّ إلا عام  1917؛ ولذلك فإننا نحتاج إلى أن نعود إلى

المصادر والأرقام، إذا أردنا التوصل إلى نتائج دقيقة. شكرًا.

المحور الثالث

عبد الرحيم بنحادة: بالنسبة إلى المحور الثالث، ثمّة حضور للعرب خلال الحرب العالمية الأولى التي امتدت خلال

الفترة  1914  –  1918. ولكن يوجد حدثان بارزان مرتبطان بتاريخ الأمة العربية هما حدث سايكس بيكو عام  1916، وحدث وعد بلفور عام  1917. فكيف أثّر هذان الحدثان في مسار الحرب؟ وكيف تأثر العرب بالحرب من خلالهما؟ محمد جمال باروت: بخصوص وعد بلفور، يحتاج الأمر إلى استعراض مكثَّف. وتحتاج مسألة العلاقة بين ما نصطلح عليه "الحركة العربية" وهذا الوعد إلى تدقيق وشرح. فبأيّ معنى هي حركة عربية؟ وبالنسبة إلى "الحركة الصهيونية"، فلن أعود، بطبيعة

الحال، إلى بدايات الاستيطان الحديث، ولكن كان توجد حالة ح وارية بين رجالات من يمكن أن نضعهم في إطار الحركة العربية من جهة، وقادة الحركة الصهيونية من جهة أخرى. وحتى في الصحف العثمانية، في تلك الفترة، توجد تفاصيل كثيرة متعلّقة بمحاولات التنقيب، وشراء الأراضي.. إلخ. النقطة المحورية تتلخّص في حضور ممثّل عن الحركة الصهيونية في المؤتمر العربي الأول، وهي في حاجة إلى توقُّف عندها، وعند الدور الفرنسي أيضًا في عميلة التحفيز. إننا نجد، في التاريخ الداخلي لتطور الحركة الصهيونية في فلسطين، عملية تحوّل كبير في موقف

أعيان الشام الممثّلين في "مجلس المبعوثان". وقد جرى هذا التحول من خلال عملية لقاء شكري العسلي وممثلي الحركة الصهيونية، على أساس الاعتراف بحقوق اليهود. والحقيقة أنّ طرح الأفكار كان يصل إلى درجة أعلى من وعد بلفور، على الرغم من أنّ صيغة هذا الوعد كانت دقيقةً. وهذا تغير كبير؛ لأنّ شكري العسلي في "مجلس المبعوثان" عام  1911 دخل في قطيعة مع الاتحاديين نتيجةً لعدة ملابسات، ثمّ بدأت هذه العلاقة عمليًّا عام  1914، وهي من الممكن تدقيقها بسهولة حتى بحسب الأيام. في هذا السياق، نجد على صعيد الوقائع أنّ فيصل التقى ويزمان عام  1918، مصادفةً في إطار تنظيم اتفاق فيصل وويزمان الثاني بعد عقْد مؤتمر فرساي. ولهذا الأمر سياق آخر تنضوي إليه تحفظات فيصل، إلى جانب وجود شكوك في إمكان قراءة فيصل للوثيقة التي كانت باللغة الإنكليزية. الخلاصة، إذن، أنّ العلاقة بين الحركة العربية والحركة الصهيونية لم تكن بهذه الطريقة العدائية التي صوّرها الفكر القومي اللاحق بعملية إعادة البناء الأيديولوجية لهذا التاريخ؛ أي عملية الجزر المبعثرة المتمثلة بنجيب عازوري وتوقُّعه

أن يكون النزاع بين القوميتين العربية واليهودية في كتابه يقظة الأمة العربية. فأفكار عازوري ومجموعته اليمينية مرتبطة بالنزاعات الفرنسية السياسية والفكرية الداخلية، تحديدًا بين اليمين الفرنسي والجمهوريين الفرنسيين من جهة، واليسار والماسون من جهة أخرى.

ومنطلقه في العداء للحركة الصهيونية واليهود هو منطلق ما يسمى "العداء للسامية"، وليس منطلق العداء للحركة الصهيونية كمشروع قومي استيطاني إحلالي. بطبيعة الحال، أبرز مشروع نجيب عازوري، وهو من أبرز مبلوري الفكر القومي العربي، بوصفه ذا "دواع قوموية". وفي هذا الصددُ، لدينا مشكلة متعلّقة بعملية وضع هذه الأفكار في سياقها الفعلي. فمثلً، لم تكن العلاقة عدائيةً بين قادة الحركة العربية والحركة الصهيونية قبل اندلاع الحرب، وربما حتى في الفترة التي أعقبتها بعدة سنوات؛ بمعنى أنّ العلاقة لم تكن تناقضيةً تناحريةً على النحو الذي نتصوره اليوم. فقادة الحركة العربية في الشام مدُّوا يدًا للتحالف أو الحوار مع الحركة الصهيونية، وتدخل العثمانيون الاتحاديون لمحاولة منْع ذلك وعرقلة انعقاد الاجتماع. إنّ قادة الحركة العربية في تلك الفترة لم يدركوا كُنْهَ المضمون الاستيطاني الإحلالي للحركة الصهيونية إلا على نحو محدود، وهو ما ستُعبِّ عنه كارثة نشوء الوطن القومي اليهودي، ومن ثمّة نشوء دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني. محمد الأرناؤوط: قبل سايس بيكو ووعد بلفور، أرى من الضروري أن نعود إلى موضوع الثورة، وإلى التساؤل المهم الذي طرحه الدكتور فتحي ليسير بشأن الثورة العربية الكبرى، وقد كان الشريف حسين يسميها "النهضة العربية"، وهو مصطلح له مغزاه. وإذا عدنا إلى صحيفة القبلة التي استشهد بها الدكتور مهند مبيضين، فمن المهم أن نسميها باسمها "النهضة العربية  " Revolt. وفي ما بعد استُخدم مصطلح "الثورة"، ثم "الثورة العربية"، ثم أ ضيف إلى هذا المصطلح كلمة "الكبرى". وقد وعد الدكتور مهند بإيجاد مناخ نعيد فيه مراجعة هذه الفترة، وصولً إلى ما حدث وإلى ما انتهت إليه هذه الحركة، وخصوصًا ما أبداه من تقدير للشريف الذي ظُلم، ونُفي، وانتهى إلى ما انتهى إليه. بالنسبة إلى وعد بلفور، إضافةً إلى ما قاله الأخ العزيز محمد جمال باروت وما قلته بشأن ضرورة التمايز - وأشير إلى أنني في هذه الأيام عدت مصادفةً إلى قراءة كتاب بيان الحوت المتعلّق بالنُّخب والقادة الفلسطينيين - لفت نظري بخصوص وعد بلفور الاحتفالات التي كانت تُقام له. والآن يكتب أحد الزملاء دراسة عن هذا الموضوع، فيذكر أنّه ورد في الصحافة اليومية أنّه كانت تُقام احتفالات ضخمة بصدور وعد بلفور في الإسكندرية، حتى أنّ أحد الاحتفالات حضره نحو  7000  شخص، وكان ذلك من مظاهر الفرحة. ومثل هذا الخبر في الصحافة المصرية كان يمرّ على نحوٍ عادي. ثمّ إنّ وعد بلفور قُرئ قراءةً رسميةً في نيسان/ أبريل  1920؛ أي عندما بدأ الانتداب. أمّا بالنسبة إلى سايكس بيكو، فلا بد أن نأخذ

في الحسبان أنه كان اتفاقًا سريًّا، وأنّه لم يُعلن إلا مصادفةً؛ نتيجةً للثورة البلشفية وما قام به البلاشفة، وهو ما علم به الناس في فلسطين في مطلع عام  1918، عندما كانت العمليات العسكرية على الأرض قد حُسمت تقريبًا، وكان الجنرال اللنبي قد وصل واحتل القدس،

وأصبحت العمليات العسكرية في المنطقة تدور لمصلحة الحلفاء. أرى أنّ هاتين النقطتين مهمّتان، إضافةً إلى ما قاله الأخ العزيز جمال.

وعندنا الآن من يشتغل بالوعي المبكر أو الموقف المبكر إزاء الصهيونية وغيرها. شكرًا جزيلً. فتحي ليسير: كشف البلاشفة للشريف حسين عن حقيقة اتفاقية سايس بيكو وأعلموه بها، فهل ثمّة ما يشير في الوثائق إلى أن البلاشفة كشفوا للشريف حسين عن فحوى اتفاقية سايكس بيكو، وأنه - على الرغم من ذلك - واصل دعمه لإنكلترا كأنّ شيئًا لم يكن؟

مهند مبيضين: السؤال مهمّ، وقد كشف نوري الشعلان، وهو أحد الشيوخ البدو، هذا الأمر لعودة أبو تايه الذي كان مع جنود

فيصل عام  1917. فقد وصلوا إلى العقبة، بعد أن كانوا في الوجه، واستمرت العمليات فيها. أرجو أن تجريَ مساهمات في هذا الأمر، سواء كان ذلك في ندوة، أو في مؤتمر السنة المقبلة، حتى ننظر في الكيفية التي سيكون بها تقييم هذا الموضوع. وفي موضوع الحوادث الكبرى للنهضة العربية (أو الثورة)، يمكن القول إنها كانت مشروعًا اصطدم بمخطّطين. وأقول، مرةً أخرى،

إنّ النهضة ليست مسؤولية الشريف حسين ولا مسؤولية أولاده، سواء كان ذلك في ما يتعلّق بإخفاقاتها، أو نجاحاتها، أو تداعياتها. كان يوجد مشروعان آخران: مشروع الاستعمار الأوروبي في المشرق، ومشروع الحركة الصهيونية. وبالنسبة إلى هذه الحركة، لم تكُن النُّخب على وعي بأنها تتعامل مع مشروع دولة سيكون اسمه "إسرائيل" لاحقًا. وهذا ما اتضح مع شيوخ العشائر والبدو عندما كانوا يعتبون على الوكالة الصهيونية بأشياء من قبيل "إنكم أعطيتم فلانًا أشتال زيتون ولم تعطوا هذا." وفي الوقت نفسه، فإنّ الدراسة في "مجلة أسطور" متعلّقة بالنُّخب السورية، وعبود، وفخري بارودي، والقوتلي، وبالكيفية التي تعاملت بها النُّخب السورية مع الحركة الصهيونية والوكالة الصهيونية، وبالطريقة التي كان توجد من خلالها مشاريع، ولقاءات، ومؤتمرات، علمًا أنّه كان في دمشق نحو  16000 يهودي في ذلك الوقت. ويحيل هذا الأمر على أنه لم يكن ثمّة فهمٌ واضح بالنسبة إلى النُّخب. وإذا

كانت هذه هي حال النُّخب، فكيف تكون حال العامة والبسطاء الذين لا يعرفون خطر الحركة الصهيونية التي كانت متغلغلةً في كل مدينة، أو مجموعة ضباط، أو مندوبين يتعاملون معهم؟ أمّا بالنسبة إلى مسألة الوطنيات، فنتساءل: كيف عبّت هذه الوطنيات عن ذاتها خلال هذه المرحلة؟ في البوادي والمدن كان ثمّة

نوع من النُّخب، ولكنها مُشكّلة في حالة وعي مختلفة. أرى أنّ الأمور كانت غير واضحة تمامًا في تلك الأماكن. لم يكن يُتخيل أنّ هذه

الدولة ستسقط، ولكن حينما أصبح الغرب واقعًا حدث انكشافٌ وانكسارٌ لهذه النُّخب، وهو أكثر مشهد صارخ عاناه الأمراء الذين حكموا

المنطقة. فعبد الله الحسين كان يعاني في شرق الأردن، وفيصل كان يعاني في العراق معاناة شديدةً. وكما قلت، كان الضحية الأكبر هو والدهم الشريف حسين بن علي الذي ذكر في إحدى الوثائق أنّ أحد الأشخاص، وهو الممرض، كان يطالب براتبه؛ أي إنه لم يكن

لديه راتب يدفعه له مقابل رعايته الصحية له. بل إنّه لم يُقم له مأتمٌ، ولم يُقم له بيت عزاء، وإنما أُخذ مباشرةً ودُفن في القدس. شكرًا. نقول دائمًا إنّ النُّخب الأردنية كانت لها علاقة بالحركة الصهيونية، وإنّ الأمير عبد الله كانت له علاقة بالحركة الصهيونية. نجد

أنّ النُّخب العربية في ذلك الوقت متهتكةً مخترقةً من الحركة الصهيونية، وأنّ لها تعاونًا معها. فمن لم يكن عميلً لألمانيا، كان عميل لبريطانيا، وعملاء بريطانيا عاتبون على عملاء ألمانيا، وعملاء ألمانيا عاتبون على عملاء بريطانيا. شكرًا. ناصر الدين سعيدوني: أرى أنّ وعد بلفور هو تعبير عن مشروع استعماري أوروبي قبل أن يكون خطوةً صهيونية. ومن ثمَّة، فإن

الفكر الاستعماري القائم على النظرة المركزية الأوروبية التي تتجاهل حقوق الشعوب الأخرى ومصالحها كانت تُخطّط لغرس الكيان الصهيوني على حساب الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني؛ لأنها ترى أنه يستحيل في المستقبل التعايش بين صاحب الأرض، وهو الشعب الفلسطيني، ومغتصبي أرضه وهم اليهود، وهو ما يتطلب في نظرها تجاهل الشعب الفلسطيني. هذا ما عبَّ عنه هاينز فيتشر Heinz Fischer، أحد الطلبة اليهود، من خلال أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية في جامعة باريس عام 1937

. فقد La colonisation juive en Palestine: ses étapes , ses difficultés الاستيطان اليهودي في فلسطين: مراحله ومصاعبه بعنوان

ركّز في دراسة عقلية العرب من خلال موقف الجزائريين من الفرنسيين وأسلوب الأوروبيين في الجزائر، أملً أن يُستفاد من ذلك في معاملة

الفلسطينيين، معتمدًا في رسالته على المصادر اليهودية. وقد أظهر الأهداف التي كان يُخطط لها الصهاينة قبل ضياع فلسطين بعشر

سنوات. ولسوء الحظ لم يطّلع على تلك الأطروحة، في ما أعلم - باحثون عرب آنذاك؛ بسبب الانشغال بتصفُّح الأرشيفات البريطانية. وقد سمحت لنا الأوضاع مؤخرًا بالحصول على نسخة من هذه الأطروحة، واشتركت في ترجمتها مع الدكتور معاوية سعيدوني. وحتى تكتمل

الفائدة منها، وضعنا لها مقدمةً ضافيةً بعنوان: "المستقبل لمن؟" كما ألحقنا بها مجموعةً من الوثائق اليهودية التي استعملها فيتشر في رسالته. وعلى الرغم من أنّ هذه الأطروحة طبعت قبل أكثر من عشر سنوات من ضياع فلسطين، فإنّها تظلّ مهمّةً بالنسبة إلى الباحث

العربي؛ لأنها تدرس نفسية العرب من منظور أوروبي وتُحلِّل وعد بلفور من وجهة نظر صهيونية، وهو ما يؤكِّد أنّ وعد بلفور بداية لتطبيق مشروع استعماري أوروبي للبلاد العربية في الواقع، قبل أن يكون خطةً سياسيةً هدفها تمكين اليهود من فلسطين. جامع بيضا: تعليقي سيكون أيضًا بشأن وعد بلفور، وقد تساءلت: هل كان له صدى عند النُّخبة المغربية؟ في الواقع، لا نجد له أي صدى عند النُّخبة المغربية المسلمة. ولكن لم يكن لهذه النُّخبة ردّة فعل ضدّ وعد بلفور إلا في العشرينيات والثلاثينيات. إلى جانب ذلك يوجد صدى في الأوساط اليهودية المتطورة وغير المتطورة؛ ونعني بذلك المتعلمة وغير المتعلمة. بل إنّ الأفكار الصهيونية تسربت إلى بعضها حتى قبل وعد بلفور، منذ أواخر القرن التاسع عشر بعد المؤتمر الأول في "بازل". لكن إبّان الحرب، ونحن

نتحدث عن الحرب العظمى، كان المقيم العامّ ليوطي لهذه الأفكار الصهيونية بالمرصاد؛ لأنه كان يراهن على السياسية الإسلامية، وفي

الوقت نفسه كان موقفه هذا منسجمًا مع السياسة الإسلامية ومع السياسية الرسمية لفرنسا التي تريد الاحتفاظ بالعنصر اليهودي في

دائرة "الاتحاد اليهودي العالمي"، بدلً من الاستجابة لطموحات بريطانيا بتصدير اليهود إلى فلسطين. وحتى الذين لم يخضعوا لأوامر من اليهود، ومن الأوامر الرسمية الفرنسية ولليوطي، فضلوا الهجرة إلى فلسطين، ولكن تحت غطاء أو تحت ذريعة روحية باطنها الصهيوني يحركه ناشطون صهيونيون كلّهم من الأشكناز، وليسوا من السفرديم، وأغلبهم جاء إمّا

من أوروبا الوسطى، وإمّا من بريطانيا، وأصله من أوروبا الوسطى، الفئة القليلة هي التي هاجرت فاصطدمت بواقع فلسطين آنذاك؛

لأنّ ذلك الحلم قد تبخر فرجعت. لم يسمح لها ليوطي بالعودة "إنكم عصيتم أوامري" وبقيت مدةً في البحر تنظر أن يسمح لها بالعودة "لأسباب إنسانية" فقط. سعود المولى: ضمن هذا السياق، أظنّ أنّ اليهود في تلك الأيام كانوا فئةً في بلادنا، وأنهم كانوا أصحاب مال وأصحاب علمٍ؛

لذلك من الممكن أن تكون في الصحافة مقالات مؤيدة لوعد بلفور، مثلما تفضل الدكتور محمد جمال باروت بالإشارة إلى ذلك، كما حصلت اجتماعات مؤيدة لوطن قومي يهودي في بلدان إسلامية عديدة، من دون أن يعنيَ ذلك وجود نوع من التعاطف، أو أن

المسلمين، أو المسيحيين، أو سكان هذه البلدان، كانوا يعُون المسألة الصهيونية، ومن ثمّة النُّخب أيضًا. ولكنّ احتجاجي كان على

القول إنها كانت "متهتكة"ً. في تلك اللحظات الحاسمة: سقوط الدولة العثمانية، ومخاض نشوء دول جديدة، كانت كلّ النُّخب تبحث عن مواقع لها في تكوينات عديدة، وفي اتجاهات متعددة، وكانت تحسم انتماءها وتذهب إلى الاتجاه الذي سارت فيه، وإلى الحد الأقصى؛ إلى حد الاستشهاد، سواء كان ذلك مع الهاشميين في الحجاز، أو مع الدولة العثمانية، أو مع الفرنسيين، أو مع الإنكليز. ولعل أشدّ المُعادين للصهيونية في تلك الأيام كان اليمين الانعزالي اللبناني، وكنّا نسميه "اليمين المسيحي الطائفي". وهذا اليمين المؤسِّس للكيان اللبناني رأى أنّه يوجد منافس اقتصاديّ لموقع لبنان، ولكيان لبنان. وأبرز ممثلي هذا التيار هو ميشال شيحا، صاحب

أيديولوجية "الفكرة اللبنانية"، فهو من تصدَّى بعنف للصهيونية، في حين أنّ وجهاء المدن والمسلمين كانوا يحسبون حسابات اقتصادية

في التعامل، من دون أخذٍ في الحسبان وجود كيان صهيوني سينشأ على المدى البعيد. لم تأخذ القضية الفلسطينية شكْل الاستنهاض لمجتمعاتنا إلّ في الثلاثينيات، مثلما تفضل محمد عفيفي بالقول. فقبل عام  1936، لم يذكر سعد زغلول ولا الإخوان المسلمون (حسن البنا) كلمة "فلسطين"، وكلّ الأمر كان من باب التعاطف الإنساني، ومن قبيل القول: "إننا ندفع مبالغ لكي نساعد إخواننا الفلسطينيين"، وبعد ذلك كان التخطيط لإحضار الشيخ محمد أمين الحسيني عضوًا في الإخوان

المسلمين؛ أي إنّ عام 1936 كان العامل الحاسم تاريخيًّا، وكانت له علاقة بالتحولات الدولية التي حصلت، مثل سياسية ستالين في

بناء التحالفات، والجبهات الوطنية، ووصول الجبهات الشعبية اليسارية للحكم (فرنسا، وبريطانيا، وإسبانيا مثلً)، ومواجهة الفاشية والنازية الصاعدة، وقيام معاهدات بين الحركات الوطنية اللبنانية والسورية مع دولة الانتداب الفرنسي، وقيام الثورة الفلسطينية الكبرى في الفترة  1936  -  1939، وهذا ما جعل القضية الفلسطينية تأخذ، منحى آخر. والخلاصة أنّه لم توجد مسألة صهيونية أو يهودية في وعي

شعوبنا عام  1917 بمثل هذا الوضوح الذي صارت عليه بعد عام  1936. عبد الواحد المكني: أرى أنه عندما أ  علن وعد بلفور عام 1917 لم تكن توجد حتى عند النُّخب مسألة اسمها "الصهيونية"، إلا إذا استثنينا بعض النبهاء في إطار تأثرهم بنظريات اليمين الفرنسي المعادية للسامية. ولكن بوجه عامّ لم تكن هذه المسألة موجودةً. والتعرض

لعلاقة بعض الأطراف بالطائفة اليهودية ينبغي ألّ يُفضي إلى القول إنها كانت مع الصهيونية. وينبغي أن نؤكد أنّ اليهود في البلدان

العربية مندمجون، اندماجًا تامًّا، في المجتمع، وخصوصًا في المغرب، وتونس، وغيرهما. في تونس لم تكن أوّل مواجهة بين التونسيين

المسلمين واليهود عام  1917 بسبب الحوادث في المشرق، أو بسبب وعد بلفور، فقد كانت في خريف عام  1917، وقد حركها الفرنسيون؛ لأنّ اليهود لم يكونوا مجندين، فوقعت نقمة عليهم من جهة أنّ أبناء التونسيين المسلمين، وأبناء "الفرنسيين المسيحيين" هم الذين دفعوا تكلفة الحرب. ومن ثمّة بدأت المصادمات في مقابلة لكرة القدم. لقد كانت مسألة الصهيونية غائبةً، وكان ينبغي أن ننتظر عام  1936 في تونس لتقع مشاحنات في مدينتي صفاقس وتونس بسبب ما وقع في الخارج وليس في الداخل. آنذاك أصبح ما يقع في فلسطين والشرق الأوسط ينعكس، لكن قبل ذلك لا وجود لمسألة الصهيونية حتى عند النُّخب، وحتى عند زعماء الحركة الوطنية. وبالنسبة إلينا في المغرب بصفة عامة سيكون الطرح الرئيس والموضوعي للمسألة

الصهيونية بدايةً من عام  1947، هذا ما أردت أن أقوله. جامع بيضا: ربما كان المغرب قد تنبَّه للحركة الصهيونية في وقت مبكّر؛ ففي الفترة  1929  -  1930 كانت توجد عريضة مشتركة بين

المسلمين واليهود للتنديد بوعد بلفور. عبد الواحد المكني: الشيخ الثعالبي وهو زعيم الحركة الوطنية في تونس هاجر منذ عام  1923، ونظّم مؤتمرات للقدس وكان صدى تحركاته يصل إلى تونس، ولكن المسألة ستطرح في بعدها الواسع بدايةً من الثلاثينيات.

المحور الرابع

عبد الرحيم بنحادة: وضعت الحرب أوزارها عام  1918، وبدأ الحلفاء يحضرون لمعاهدات السلام ويُملون المعاهدات التي يريدون.

ومن الأسئلة التي تُطرح: ماذا جنى العرب من الحرب العالمية الأولى؟ وما هي تكلفة الحرب العالمية الأولى بالنسبة إليهم؟

ناصر الدين سعيدوني: في الحقيقة، لم يكتسب العرب من الحرب العالمية الأولى في المدى القريب أمرًا ذا شأن، سواء كان ذلك

من الناحية المادية أو المعنوية بسبب الأحداث التي كانت مأساويةً. غير أنّ تداعياتها كانت على المدى البعيد بمنزلة انطلاقة لحركة التاريخ. فقد أوجدت أوضاعًا سمحت بتطور المطالب الوطنية، وبتعمُّق الوعي، ولا سيما في المغرب العربي الذي عرف - في غفلة من

الإدارة الاستعمارية - تطورًا فكريًّا، وسياسيًّا، وثقافيًّا. ولعلّ هذا ما يمكن أن نعُدَّه جانبًا إيجابيًّا بالنسبة إلى الحرب. فعلى الرغم من

بلوغ الاستعمار أوجه في الثلاثينيات من القرن العشرين، كانت الحرب - بسبب مشاركة الجنود الجزائريين، والمغاربة، والتونسيين، وغيرهم – بدايةً لأوضاع وتداعيات سمحت في المدى البعيد بتفكيك البنية الاستعمارية، وهو ما يتطلب تلمُّس نتائج الحرب في العالم

العربي من منظور دراسة المجال عبر الزمن الطويل بحسب نظرية المؤرخ الفرنسي فرناند برودال. مهند مبيضين: شكرًا. أشير إلى أنّ مجموعة من الشّباب الأردنيين قد تواصلوا مع السفارة الأسترالية في الأردن بعد أن افتتحت

لها مقرًّا في عمّان. وإلى أنّ الحكومة الأسترالية ستنظم رحلةً لأحفاد الجنود الذين قُتلوا أثناء القصف في منطقة عمّان والسلطنة في الفترة

1916  -  1917، وإلى أنه سيكون ثمّة خطّ مع أستراليا. إنّ الخروج من الدولة السلطانية إلى مشروع الدولة المنتدبة في المشرق العربي أو المحتلة، في ما أرى، كان صاعقًا. غير أنني أظن

أنّ دولة فيصل في سوريا خلال الحرب وما بعدها في الفترة 1918  -  1920 كانت مهمّةً جدًّا؛ على صعيد الوطنية السورية، وعلى صعيد

الحركة القومية العربية، وعلى صعيد النُّخب وتجاربهم. وقد أنجز الدكتور أرناؤوط أمرًا مهمًّا في موضوع تجربة فيصل سابقًا، في جامعة

"آل البيت" قبل عشر سنوات. واليوم يجري تقييم هذا المشهد، ويجري الخروج بمشهد أكثر انقسامًا. وهذا ما أثّر في النُّخب التقليدية،

والتجار والفلاحين، وزعماء القبائل. قرأت بعض البرقيات من بعض وجهاء شرق الأردن تشتمل على تحذير لفيصل في مؤتمر الصلح ممثلً عن والده، وعن العرب من تقسيم المنطقة، ومن إمكان نشوء هجرة يهودية تبعًا لوعد بلفور. وهذا يحيل، مرّةً أخرى، على أن

الخروج كان خسارةً فادحةً وأنه أدّى إلى مزيد من التضرر والانقسام. وإن كان الحلم العربي مع فيصل لم يستمر طويلً، فالنتيجة أنّنا ذهبنا إلى التعدد والانقسام أكثر مما كنّا عليه قبل الحرب. شكرًا. جامع بيضا: على الرغم من الجانب الدرامي المتمثّل بالضحايا والوقوع في الأسر، فإنّ لهذه الحرب جانبًا آخر شأنَ العملة؛ ذلك

أنها ساهمت في فتح عيون المغاربة على العالم، والدليل على ذلك أنّ بعض الشعارات التي كانت منسيةً إبان الحرب، رُفعت مباشرة بعد

الحرب مبادئ ولسون الأربعة عشر في تقرير البصير من لدن الشبيبة المغربية في إرهاصات التنظيم أثناء العشرينيات، ورُفعت أيضًا إبّان

حرب التحرير الريفية التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي. إنها تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة؛ في الملبس، وفي الأكل، وفي العادات، منها الحصول على معاشات مادية من لدن بعض المحاربين؛ أعني أنّ بعض العادات التي لم تكن معروفةً في المجتمع دخلت إلى العائلات بما فيها العائلات البدوية. يُضاف إلى ذلك أمرٌ آخر كثيرًا ما ننساه في حالة المغرب على الأقل. فهذه أوّل مرّة يساهم فيها

المغاربة في حرب الخنادق بأوروبا ضد دولة إسلامية تحت علم فرنسا. ولهذا وقْعُه في سقوط ثنائية دار الحرب ودار الإسلام أو تقلصها. أشير أخيرًا إلى مشاركة نحو أكثر من  40.000 من المغاربة في الحرب من دون احتساب العمال، وإلى أنّ أغلبهم رجع بعد اتفاقية

الصلح إلى البلاد، وكان في الوقت نفسه يبثّ من حوله بعض الأفكار حول تلك البلدان وذلك العالم. وعندما احتاجت أوروبا، وبالخصوص فرنسا التي كانت تستعمرنا إلى إعادة بناء نفسها، تزوّدت من هذا الخزان البشري لليد العاملة، وشكّل ذلك النواة الأولى لظاهرة الهجرة

إلى فرنسا، وإلى الدول الأوروبية عمومًا، وهي ظاهرة مازلنا نعيشها. فهنالك أربعة ملايين ونصف المليون، أو خمسة ملايين من العمال

المغاربة خارج المغرب. وهذه الظاهرة انطلقت من تلك البدايات.

سعود المولى: بالنسبة إلى مسألة الجيش الأسترالي التي أشار إليها مهند مبيضين، أودّ أن أقول إنّ الغزو الصهيوني واجتياح لبنان، في صيف 1982، أخذ الخطة نفسها التي استخدمها الأستراليون عند الدخول إلى لبنان من فلسطين (1917 – 1918)، بل إنّ التكتيكات كانت هي نفسها أيضًا. وقد أنجز أحد الباحثين الشبان دراسةً في هذه المسألة المهمّة. أظن أنّه يوجد اتّفاق على كلّ ما قيل. ولكنْ ثمّة

عامل ذو أهمية كبيرة بعد عام 1918. إنّه نشوء الأحزاب السياسية الحديثة في بلداننا، وبخاصة الأحزاب الشيوعية. وهذا يعني أنّ أوّل

الأحزاب في بلادنا كانت هي الأحزاب الشيوعية؛ بالنظر إلى سبب متعلّق بالأممية الثالثة، ولا سيما أنه جرى إرسال مندوبين إلى بلداننا للمساعدة في تشكيل أحزاب بلشفية. وفي أغلب بلداننا، تعود الأحزاب الشيوعية إلى عام  1918، إن لم يكن قبل ذلك. وقد كان هذا العامل مهمًّا في تلك الحقبة. إضافةً إلى ذلك، يوجد عامل آخر في بلاد الشام؛ هو نشوء النزاع الأيديولوجي والسياسي حول الهوية، والدولة الوطنية، وهوية الدول الموجودة، والطابع الطائفي بالنسبة إلى بعض الدول (لبنان وكذلك تقسيم سوريا إلى دول طائفية ومناطقية أيام الانتداب)، والطابع ما فوق الوطني بالنسبة إلى بعضهم (قومية أنطون سعادة السورية أو قومية البعث العربية)، وصولً إلى الهوية الوطنية الخاصة؛ مثل الهوية اللبنانية الكيانية. وهذا يعني أيضًا وجود دينامية حيوية أيديولوجية ثقافية مهمّة. وفي هذا السياق نذكر كذلك الجمعيات

الأهلية الخيرية التي نشأت بعد عام  1916 (أو ما يُسمى حاليًّا "المجتمع المدني")، بخاصة في دمشق، وحلب، وبيروت، وفي مدن سورية،

وفلسطين، ولبنان، ومصر؛ للإعانة والمساعدة والتعليم. لذا، ساهمت تلك الجمعيات في تلك الحقبة في تكوين وعيٍ مدنيٍّ بالمواطنة، وفي الاهتمام بشؤون الناس في مجتمعاتنا. فتحي ليسير: في الحقيقة، أوافق تمامًا على ما قيل منذ حين في ما يتعلّق بأنّ نهاية هذه الحرب كانت كارثيّةً بالنسبة إلى البلاد

العربية، سواء في المشرق العربي أو المغرب العربي، وربما كانت في المشرق العربي أشدّ من ذلك؛ لأنّ الولايات العثمانية سقطت تحت الانتداب مدشّنةً بذلك صفحةً جديدةً في التاريخ المعاصر للمنطقة. ولكن هذا لا يمنع أنّ آمال العرب عرفت اختلافات وتلوُّنات من بلد

إلى بلد. وابتداءً من الآن سنتحدث عن أقطار؛ عما أثارته مبادئ ولسون. ولو عدنا إلى صحافة ذلك العهد في أيّ بلد من البلدان، وليكن

هذا البلد تونس لأنني أعرفه أكثر من غيره من البلدان، لوجدنا آمالً عريضةً علّقها الوطنيون على هذه الوثيقة، والتونسيون يعدّون أنفسهم مشاركين في الانتصار من خلال ما قدموه، وأنّ الوقت قد حان للحظوة بقليل من ثمار ذلك الانتصار. ومن الوثائق المهمّة جدًّا رسالة بعث بها محمد بشحامبة، وهو يُعَدُّ الرجل الذي بذر البذرة الأولى لفكرة المغرب العربي في سويسرا

عام  1916، وقد أسّس مجلةً تسمى مجلة المغرب، وكانت تشارك في هذه المجلة أقلام مغربية، وجزائرية، وتونسية. كما أنّه أرسل رسالة

إلى الرئيس ولسون حين كان مارًّا في تلك الفترة بروما في 2  كانون الثاني/ يناير  1919 ذكّرهُ فيها بتضحيات سكان المغرب، وتحدّث باسم

جميع المغاربة ولم يتحدث باسم التونسيين. والرسالة موجودة، وهي تستحق أن تدرس أو تُخصّص بمقالة على الأقل. تكرس الاستعمار في بلاد المغرب العربي، أو "تعقلن"؛ ففرنسا التي أنهكتها الحرب، زادت استغلالها للمستعمرات، واستغلال خيراتها أكثر فأكثر، بطريقة ممنهجة. وثمّة رسائل دكتوراه أكّدت هذا الجانب بكلّ وضوح وقوّة. وليبيا التي أعرفها قليلً، كانت نهاية

الحرب فيها كارثيةً. فالفترة بين عام  1913 واندلاع الحرب، عرفت فيها برقة نوعًا من الحُكم الذاتي، وكان يوجد اتفاق إنكليزي - إيطالي

على منحها نوعًا من الحُكم الذاتي. وفي هذا السياق نذكر إدريس السنوسي الذي سيلجأ إلى مصر عام  1922، والذي سيعود ملكًا على

ليبيا عام  1951، باتفاق قوى غربية. وبقيَ السنوسي ملكًا خلال الفترة  1951  –  1969؛ أي حتى انقلاب القذافي عليه. وهذا يعني أنه كان

ثمّة إجماع على هذه الشخصية. وقد حدث الأمر نفسه تقريبًا في الجهة الغربية؛ إذ جاء ضابط إيطالي يسمى رودولفو غراتسياني، ومحَق

المقاومة محْقًا دمويًّا بطريقة بربرية لا مثيل لها، ودخلت ليبيا ليل الاستعمار الطويل بعد إعدام عمر المختار في أيلول/ سبتمبر  1931. إنّ الزّملاء في المشرق العربي يعرفون أفضل مني أوضاع إجهاض حكومة العهد الفيصلي في سورية عام  1920، ثم الانتدابات

المعروفة في سورية ولبنان، وظهور الأردن كيانًا سياسيًّا مستقلًّ واحتلال العراق، وثورة العراق عام  1920، ثم ثورة مصر عام  1919 التي

كانت حدثًا مفصليًّا في تاريخ مصر. تحدثتم منذ حين عن ثلاثية نجيب محفوظ. أشير في هذا السياق إلى أنّ أحد أبناء أحمد عبد الجواد،

المسمّى "فهمي"، مات في هذه الثورة، في نهاية الجزء الأوّل من الثلاثية، وإلى أنّ نجيب محفوظ كان متعاطفًا مع حزب الوفد، ومعجبًا

جدّا بشخصية سعد زغلول باشا الذي جسّد رمز الوطنية المصرية آنذاك. ملاحظة أخيرة: نهاية الحرب بدأت تكرس في البلاد العربي الدولة الوطنيّة، ونشأت الحركات الوطنية في سوريا، والعراق، ومصر،

والمغرب العربي. فكلّ بلد أصبحت له حركة زادت في تكريس فكرة الدولة القُطرية، والهوية المحلّية، والاستقلالات التي بدأت منذ عام  1943، وبالنسبة إلى سورية، ولبنان، ومصر، كان ذلك على نحوٍ غير واضح عام  1936. وفي بلاد المغرب العربي تطوّر الأمر ورُسّخ أكثر

فأكثر، وأصبحت الدولة الوطنيّة في ما بعد حقيقةً واقعةً. وهذا موضوع آخر. عبد الواحد المكني: شكرًا. في السياق نفسه، سأبتعد عن الجانب القاتم من نتائج الحرب؛ لأنه قيل فيه الكثير. أريد أن أنظر

ببرودة دم إلى النتائج في الأمد البعيد. من الناحية السياسية بدأ يزول ذلك البهرج الذي كانت تمتلكه الخلافة العثمانية في المخيال عند عامة الناس، سواء في المغرب أو في المشرق. فالسلطان العثماني المنصور، أو فلْنقل الخلافة على الأقل، لم تعد تصلح للحكم، وربما كانت تصلح للعقيدة. وهذه الفكرة كُرِّست إثر الحرب. ومن الناحية السياسية أيضًا نذكر الدولة الترابية القطْرية والظاهرة الحزبية. والعائلات

السياسية الموجودة الآن تشكّلت بُعيد الحرب كل الأحزاب الشيوعية في الإسكندرية عام  1921، وفي لبنان وتونس تكونت كل الأحزاب

الشيوعية، تقريبًا، في الفترة 1919 – 1921. ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، كانت ظاهرة هجرة اليد العاملة بدايةً من عام  1916، بخاصة من المغرب، ثم كانت هجرة الطلبة في ما بعد. جلّ الزعماء في المغرب والذين عملوا في الحركات الوطنية كانوا مهاجرين، فمصالي الحاج بدأ محاربًا ثم مهاجرًا وتزوج

فرنسيةً خاطَت أوّل علامة للجزائر، وبورقيبة تزوج أرملةً فرنسيةً وهو طالب. الهجرة، إذن، ظاهرة جديدة ارتبطت بالحرب. وفي المستوى الاجتماعي، تحدّث الدكتور جامع بيضا عن التحديث النسبي الذي عاد به المجندون، وعن التحديث المهمّ في

الأرياف، وخصوصًا في مستوى الأذواق، بما في ذلك الملبوس، والمأكول، والمركوب. فكلّ هذه العوامل غيّت نسق الذهنيات، وستكون

لها نتائج بين الحربين من خلال الثورة على كل ما هو عتيق. وفي هذا الإطار تأتي عملية "تجديد" - ولا أقول عملية "تحديث" - عرفتها الأقطار العربية نتيجةً للحرب العالمية الأولى. محمد الأرناؤوط: شكرًا مرةً أخرى. أعود إلى التمييز بين المشرق وشمال أفريقيا، وهو أمرٌ يرتبط بالمشاركة. إذا تساءلنا مثلً: بالنسبة

إلى المشرق، أين ذهب الجنود المشاركون؟ من ثمّة توجد علاقة لهذا الأمر بنتائج لم نلمسها في المشرق، وربما كانت هذه النتائج واضحة

في تونس، وفي الجزائر، وفي المغرب؛ بسبب طبيعة المشاركة في الجبهات. وبالنسبة إلى المشرق شارك العرب في جبهة السويس، ثمّ في القتال

ضد الإنكليز في جنوب العراق، وصولً إلى بغداد، أو في الدردنيل، أو في الجبهة مع روسيا. لكنّ حصيلة المشاركة في هذه الجبهات، مقارنة

ببلاد المغرب، كانت محدودة.ً

بالنسبة إلى النتائج الأخرى، يمكن القول، استنادًا إلى المذكرات والصحافة وغير ذلك، إنّ العرب بدؤوا ينتقلون من إحباط إلى

إحباط، ومن بكاء إلى بكاء. يقول عارف العارف مثلً: عندما دخل الجنرال اللنبي إلى القدس بكينا حتى طلوع الصباح. وهذا يعني أنه كان يوجد استشعار لما هو مقبلٌ. ومن أمثلة الإحباط أيضًا، مؤتمر الصلح بباريس، وصولً إلى الكيفية التي جرى بها التعامل مع ما سُمي

"المسألة العربية". يُضاف إلى ذلك إحباط آخر عندما جرت موقعة ميسلون، والكيفية التي تمّ بها التعامل مع من انتخب ملكًا دستوريًّا

على سورية، وغير ذلك من أنواع الإحباط. في الحقيقة، لدينا سلسلة إحباطات متتالية، وصولا إلى الانتداب. وليس الانتداب فحسب، بل التفنن حاليًّا في تقسم سورية وكيف

أنها بعد تشكيل لبنان الكبير تحولت إلى أربع دويلات: جبل الدروز، وجبل العلويين، وحلب، ودمشق. في خلاصة سريعة، أرى أنّ التحول المهم الذي جرى، كما تفضل بذكره الدكتور عبد الواحد المكني، يتعلق بالخلافة. معنى ذلك أنّه مع إلغاء السلطنة عام  1922 كانت بداية التحول إلى ما يمكن أن نسميه "اتجاه الدولة الوطنية"؛ أي ظهور هذه النزعة، ثم ظهور الحركة الوطنية، ومن ثمّة الدولة الوطنية.

والعشرينيات هي فترة مهمّة بالنسبة إلى هذا التحول؛ لذلك نجد في الحركة الوطنية السورية ما سُمّيَ الثورة السورية الكبرى. لاحظوا،

إذن، الثورة العربية الكبرى، والآن الثورة السورية الكبرى التي أصبح سقفها توحيد البلاد في إطار دولة واحدة ضمن معاهدة مع فرنسا، ولم يعد السقف يتخطى سورية. عرفت مصر الأمر نفسه. فقد شهدت تحولً مهمًّا في الحركة الوطنية، وفي ثورة 1919. والفارق في هذا السياق يتعلّق بالوضع في بلاد

المغرب؛ فهو مختلف عن بلاد المشرق في هذه الناحية. ففي المغرب، كان الوضع "مستقرًّا" تحت الحماية، أو الاحتلال. أمّا في المشرق،

فكانت ثمّة وعود بدولة عربية. وهكذا يتأتى الإحباط من التخلي عن هذا الوعد، ومن التحول إلى دولة محتلة بأسماء مختلفة سواء كانت

انتدابًا أو حماية.ً

المحور الخامس

عبد الرحيم بنحادة: أختم بالتساؤل عن تمثُّل العرب للحرب العالمية الأولى من خلال الإنتاج الأدبي والصحافي زمن الحرب وبُعيدها. محمد عفيفي: التعبيرات عن الحرب العالمية الأولى كثيرة، وهي ليست في الأدب والفن فقط، ومن الصعب الإلمام بها في هذه الفترة القصيرة. فرَادَة سيد درويش مثلً، جاءت من أنّه ذهب إلى بلاد الشام وعاش فيها أثناء فترة الحرب، ثمّ عاد إلى مصر. ثمّ إنّ الحرب

العالمية الأولى كانت عاملةً في ازدهار الفن ازدهارًا كبيرًا في مصر لأنه أصبح يوجد فيها عسكر من أستراليا وعسكر إنكليز، فازدهرت

المسارح والكباريهات والأغاني كثيرًا، وقد كانت توجد أغان كثيرة حول تلك الفترة. وفي الوقت نفسه عملت حالة الحرب في ازدهار القطن

وتجارته والتأثير الاقتصادي، وهو ما انعكس على الفن. فأثرياء الريف أصبحوا يبيعون القطن في مصر أو الإسكندرية ويصرفون تلك المبالغ في المسارح والكباريهات وفي الفن. توجد حالة ازدهار كبيرة كُتب عنها في مسارح روض الفرج، ومسارح عماد الدين في فترة الحرب. ازدهر الشعر أيضًا في هذه الفترة، وأصبح التعبير، نتيجةً للأحكام العرفية والتقييد على الصحافة، من خلال الشعر الفصيح، وأحيانًا من خلال شعر العامية. لدينا كتابات جمعت تلك الأشعار. أمّا في الروايات، فستأتي فترة أخرى وخصوصًا روايات نجيب محفوظ، ومسرحية توفيق الحكيم عودة الروح. ولعلّ

الحكيم يعني بها أنّ فترة الحرب كانت صعبةً، ولكن مع ثورة  1919 كانت عودة الروح إلى مصر. وفي الحقيقة، عملت الحرب شيئًا آخر

مهمًّا؛ ذلك أنّها خلقت "الأدب المصري" وأصبح في ما بعد يوجد "مُقرّر" يدرَّس في الجامعة المصرية اسمه "الأدب المصري" نتيجةً للحس

الوطني، وأصبح يوجد حرصٌ على الأدب المصري حتى في العصر الإسلامي؛ مثل "أدب الطولونيين" و"أدب الإخشيديين". كانت توجد، إذن، تحولات كثيرة في هذا المجال. عبد الواحد المكني: إذا ميّزنا بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية في تونس، لا نجد أنه حدثت أمور كثيرة بالنسبة إلى تلك الثقافة.

فلقد كان تأثير الحرب في الثقافة الشعبية خاصةً. وفي هذا السياق يمكن أن نذكر الشاعر عبد الرحمن الكافي الذي كان مجندًا في الحرب العالمية الأولى، وعندما عاد من الحرب، انتمى في البداية إلى الحزب الشيوعي، وقال عدّة قصائد شعبية كانت جريئةً جدّا، وأغلبها "بذيء"، وقد قمت بتحقيق أشهر هذه القصائد، وهي منشورة على الشبكة العنكبوتية. وكانت قصائده تصف حالة الإحباط واليأس، ولعلّه اختار البذاءة لمواجهة القبح. يوجد شعراء آخرون كثيرون. وتوجد في الجزائر عدة أغان، منها "يا ربي سيدي"، وقد جاءت هذه الأغاني بعد الحرب، ولكن إلى حدّ الآن لم نقم بجمع هذه المدونة، ولم يُبذل جهد كثير في جمع الموروث الشفوي. ناصر الدين سعيدوني: إنّ الحرب العالمية الأولى أغنت الأدب الشعبي وفجّرت الطاقات الكامنة في الفنان الشعبي العربي، وهو ما يسمح بالقول إنها كانت نقلةً نوعيةً مميّزة. وفي هذا المجال تُقدِّم الجزائر نموذجًا رائدًا في ما يتعلق بالأدب الشعبي وصلته بالحرب

العالمية. فالالتجاء إلى المديح الديني، والاستغراق في الشطحات الروحية التي تنظمها حلقات الزوايا، والغوثيات والتوسل والابتهال، والحنين إلى الوطن والاشتياق إلى الأهل والأحبة، كلّها مظاهر حرّكت الضمير الشعبي، وهزّت المخيال الجمعي، وسمحت بتفجير

الشحنة العاطفية والمخزون الطاقوي. وهذا الأمر يسمح بالقول إنّ الحرب العالمية الأولى كانت بالنسبة إلى الأدب الشعبي بمنزلة الزلزال الذي حرّك العواطف وبثّ الوعي، وسمح للروح الوطنية أن تنموَ وتصبح حركةً قادرةً على تغيير الواقع العربي بعد الحرب العالمية الأولى. مهند مبيضين: ربما تكون النتائج متشابهةً، لكن بالنظر إلى أنّ منطقة شرق الأردن لم تظهر بوصفها كيانًا سياسيًّا مستقل

إلا بعد انتهاء الحرب عام 1920 تقريبًا، فقد ظهر نوع من المقاهي، وبدأت العرائض تُشكَّل وتُكتب، وبدأ الشارع يأخذ حيِّزه وتعبيره عند

مجموعات الحركات الوطنية أفضل مما كان عليه، بأشكال غير معبَّ عنها بمعنى منظَّم. الأصوات التي ظهرت بين الناس في الصحافة؛ ومنها الشعر الشعبي، كانت قبل الحرب، وأثناء الحرب، وبعد الحرب. وفي هذا السياق، نريد أن نشكر دار جداول؛ إذ أخرجت الشعر

النبطي أو الشعر الشعبي في صحيفةالِقبلة، وهو شعر رافق عمليات الحرب الكبرى في الفترة 1916  -  1918. جامع بيضا: في ما يتعلق بردَّات الفعل في المغرب بشأن الأدب والفكر، ينبغي أن نستحضر أوضاع غياب حرية التعبير بالنسبة إلى الأهالي خصوصًا، في ظلّ نظام الأحكام العرفية، وغياب أيّ صحافة حرة؛ لذلك من الصعب أن ننتظر حضور شيء ملموس في هذا

المجال. فجميع التجليات لم تبدأ إلَّ في الوسط الشعبي؛ ومن ذلك الأغاني، سواء كانت باللسان الأمازيغي أو اللسان العربي الدارج. وحتى الذين تجرؤوا قليلً في التعبير عمّا يريدون قوله كتابةً، حاولوا مراوغة الواقع بشيء من الخيال. أستحضر في هذا السياق العلامة أحمد صبيحي الذي تأثر بالحرب، وسافر إلى مكة أثناء اندلاعها؛ لكي يعبِّ عن أفكاره الإصلاحية التي دوّنها في كتاب من مطبوعات الطبعة الحجرية في ذلك الوقت بعنوان أصول أسباب الرقي الحقيقي. وحتى لا يقول إنني أواجه

السُلطة الفرنسية، وهو ناظر أحباس؛ ومن ثمّة موظف للسلطة، يقول: "رأيت في منامي أمسِ.. إلخ"، ويطلق العنان لمخيلته، فيعبر عن

كثير من المسائل والأماني لإصلاح حالة البلاد والعباد. أما الصحافة، فقد كانت مقموعةً. وفي العشرينيات، بُعيد الحرب، بدأت بعض

الإرهاصات بصحافة مخطوطة باليد (الوطن، والسيف القاطع، والمدرسة، وأم القرى)، ثمّ كانت أجواء أخرى في الثلاثينيات لا أقول

إنها شهدت صحافةً حرةً، بل أقول إنها عرفت صحافةً مسموحًا بها على الأقل. فتحي ليسير: في الحقيقة، لم أكن لأردّ عن مسألة الحريات في ظل الاحتلال الفرنسي، لولا ما قاله الزميل جامع بيضا. فلست

موافقًا له في الرأي. صحيح أنه كانت توجد أحكام عرفية، وصحيح أنّ الاستعمار كان قامعًا للحريات. ولكنْ ما حظيت به تونس في ظل

الاستعمار الفرنسي من حرية صحافة هو أكثر مما حظيت به في بداية دولة الاستقلال؛ فقد كان قانون الصحافة مرنًا جدًّا. وصحيح أنّه

كان بإمكانهم تعطيل صحيفة، ولكن بإمكانك تأسيس صحيفة ما إن تملأ مطبوعةً. فالصحيفة نفسها التي تتوقف اليوم، يبتكر لها أصحابها عنوانًا آخر جديدًا في الغد، ثمّ تعاود الصّدور بالطاقم الصحافي نفسه. وعلى كلّ حالٍ، فهذا موضوع آخر يستحق ندوةً أخرى. نعود إلى ما كنّا بصدده. الملاحظة الأولى هي أنّ الإنتاج الأدبي والإبداعي كان ضعيفًا، مقارنةً بأمر جلل متمثّل بالحرب العالمية الأولى. لم يكن يوجد إنتاج غزير لأسباب عديدة ليس هذا مجالها، إذا ما استثنينا إلى حدّ ما رواية الرغيفلتوفيق يوسف عواد. الملاحظة الثانية متعلقة بما ذكره زميلي عبد الواحد المكني بشأن الثقافة العالمة والثقافة الشعبية. لدينا أزجال رائعة جدًّا جاء بها مجندون نجوا

من أهوال الحرب، أو ابتدعها بعض المحاربين. وحتى إن لم تكن القيمة الأدبيّة لهذا الشعر جيدةً جدًّا، فإنّ هذا الشعر يشكّل شهادة

تاريخيةً. والمشكلة أنّ هذا المأثور من (أشعار، وأهازيج، وأغان)، لم يدوّن إلا في بعض الصحف، وأنّ الحفظة ماتوا، ولم يُلتفت إليه في

وقت من الأوقات لأسباب عديدة. لم تكن توجد جامعة تونسية ولا مراكز بحوث. لهذا، دُفن مع أولئك الذين اختفوا. أمّا بشأن الأعمال

الإبداعية في السينما مثل المسلسلات التلفزيونية، فهذا موضوع آخر؛ لأنّ هذه الأعمال ليست مباشرةً وليست معايشةً للحوادث. عبد الحميد هنية: حدثت في تونس انتعاشة ثقافية كبيرة في العشرينيات، كان من رموزها أبو القاسم الشابي وما حام حوله من إنتاج ثقافي، وشعري. وكان من رموزها أيضًا الطاهر الحداد الذي تحدث عن حرية المرأة، وبداية الدستور، والحزب الجديد. هذه الانتعاشة، لم تكن من نتائج الخروج من الحرب، بل كانت مرتبطةً بأوروبا، وبالعالم بصفة عامّة. سعود المولى: صحيح أنّ الذي انتعش هو الأدب الشعبي، والثقافة الشعبية، والزجل خاصةً، ويمكن أن نستحضر في مناطق البدو

والفلاحين "العتابا" و"الميجانا" و"الشروقي". وهذه الأنواع الشعبية التي كانت تحكي فعلًالآلام والمعاناة التي عاشها الأهل أو المقاتلون الناجون في تلك الحقبة. فهذا الموضوع يستحق البحث. وفي بلادنا لم يكن ثمّة أدب قصصي أو فنّ قصصي، ومن مخيلة اللبنانيين عن

الحرب الأولى خرجت أعمال عديدة متعلّقة بمسألة المجاعة، ولكنها أخذت طابعًا مشحونًا بالأيديولوجيا، وطابعًا عاطفيًّا ضد العثمانيين

على نحو خاصّ. فكأنّ جمال باشا والدولة العثمانية كلاهما كان يقصد إلى قتل المسيحيين من خلال تجويعهم. فأدّى ذلك إلى شيوع

نوع من الأدب الشعبي، وشيوع بعض القصص وبعض الفنون - حتى الغنائية منها - حول المجاعة في تلك الحقبة قبل عام  1930. وقد ساهم الرحابنة في هذا الأمر مساهمةً مشهودة.ً تتعلّق الناحية الثانية بنشوء شخصيات لها علاقة بالأحزاب كما تفضّل الدكتور عبد الواحد المكني بالقول، لها علاقة بالنهضة بالوعي الحزبي والسياسي، الشيوعي والتقدمي والاشتراكي والقومي.. إلخ. وخرجت شخصيات ووجوه كثيرة كانت لها أهمية شعبية. ولكن لم يكن يوجد شبيه، أو مثيل، لما حدث في العالم المتقدم من كتابات أدبية روائية، أو قصصية، أو فنية، متعلّقة بنتائج ذلك "الزلزال" الذي هزّ العالم. فهذا النوع من الوعي جاء بعد ذلك، فقد كان الاهتمام سياسيًّا في نُخب سياسية.

محمد الأرناؤوط: بالنسبة إلى بلاد الشام، من الملاحظ أنّ استلهام الحرب في الأدب، إضافةً إلى الأدب الشعبي، لم يُبحث كما

ينبغي. أريد أن أتحدث عن الأدب. فمن الملاحظ مباشرةً بعد الحرب، أنّ لدينا أحد رواد المسرحية والرواية في سوريا، وهو معروف الأرناؤوط الذي كتب مسرحيةجمال باشا السفاح، عام 1919، وكانت هذه المسرحية تُعرض، فتقابل باهتمام شديد في المسارح. أخذ الاسم منذ ذلك الحين يفرض نفسه "جمال باشا السفاح". ولكن، لا بد أن نأخذ في الحسبان أنّ تلك المسرحية كانت جنسًا أدبيًّا

جديدًا بعد روايةزينب. وعلى سبيل المثال، كلّما كان الكلام على الحرب، استحضرنا في هذا السياق روايةالرغيفللروائي اللبناني يوسف

عواد. أريد أن أقول إنّ موضوع الحرب مازال قابلً للاستلهام. فالروائي نبيل سيلمان نشُرت روايته مدارات الشرقفي أربعة أجزاء وعُدّت

في ما بعد واحدة من أفضل 100 رواية عربية. وثمة مثال آخر هو ممدوح عدوان في مسرحية سفر برلك، وفي الأردن نذكر الروائي سليمان قوابعة من خلال روايته سفر برلك ودروب الفقر. هذه الرواية صدرت منذ أربعة أعوام؛ أي إنّه لا تزال لدينا قابلية استلهام أريد أن أربطها بما يمكن أن أسمّيه "أدلجة التاريخ والأدب"؛ لأنّ لدينا في بلاد الشام الآن، سواء كان ذلك في سورية، ولبنان، والأردن،

اصطفافًا من جديد بين المثقفين: مع الدولة العثمانية أم ضد الدولة العثمانية؟ إنّ كلّ ذلك ينعكس على الأدب بطبيعة الحال. فرواية

سليمان قوابعة أراها روايةً أيديولوجيةً بالدرجة الأولى؛ لأنّ قارئها يُشحن باستمرار منذ البداية حتى النهاية لكي يصل إلى موقف ما من

الدولة العثمانية. هذا موضوع في تقديري مهمّ؛ وهو استلهام الحرب وأشكالها وأنماطها. عبد الرحيم بنحادة: أشكركم على الجهد الذي بذلتم.