Return to Article Details Lecture

التاريخ الإسلامي: بين النظرة الاستشراقية والنظرة من الداخل

Lecture

هشام جعيّط

الملخّص

هذا النص محاضرة قدّمها المؤرخ العربي هشام جعيط تحت عنوان "التاريخ الإسلامي بين الرؤية الاستشراقية والرؤية من الداخل" على هامش ندوة مجلة "أسطور" للدراسات التاريخية، والتي خُصصت لموضوع "التحقيب في التاريخ العربي الإسلامي". تناول جعيطّ في محاضرته دراسة السيرة النبوية؛ إذ قدّم عرضًا لأهمّ الإشكالات التي تناولها في كتابه عن السيرة النبوية المنشور في ثلاثة أجزاء، والذي يعدّ أهم كتبه. وفي تقديمه وصفه الدكتور عزمي بشارة بكونه أحد أهم المؤرخين العرب، فهو مفكر ومؤرخ في الآن ذاته، وحتى أنثروبولوجي. كما أنّ جعيط اقتحم مجالا جريئًا بدراسته السرة النبوية والشخصية العربيّة، من موقع المؤرخ العربي المسلم، ردّ من خلاله على سردية المستشرقين الغربيين عن السيرة النبوية.

Abstract

This text is the summary of a lecture titled "The History of Islamic Civilization: Orientalism versus the View from Within", delivered by noted Arab historian Hichem Djaiet on the sidelines of the Ostour symposium for historical studies. The symposium was dedicated to periodization of Arab-Islamic history, and Djaiet’s lecture focuses specifically on his work on the biography of the Prophet Mohammed, the Sira, and discussed some of the most complex issues he faced while writing his book on the topic. Introduced to the audience by Azmi Bishara, Djaiet was described as "one of the most influential Arab historians" for his "brave work" on the personal biography of the Prophet Mohammed by an Arab, Muslim historian who asserted a narrative that challenged the dominance of Western Orientalists.

الكلمات المفتاحية:
  • النبي محمد
  • المدينة
  • مكة
  • قريش
  • القبيلة
  • الفتنة الأولى
Keywords:
  • Prophet Mohammed
  • Medina
  • Makkah
  • Quraysh
  • Tribal coalitions
  • Sacred
  • Pilgrimage
  • The First Fitna
هشام جعيّط| Djait *Hichem
هشام جعيط | Djait Hichemمؤرخ عربي، والرئيس السابق لمؤسسة "بيت الحكمة" في تونس (2012 -.)2015
*
Arab historian and the former Director of Tunisia’s Beit Al Hikma (2012 - 2015).
هذا النص محاضرة  قدّمها المؤرخ العربي هشام جعيط تحت عنوان "التاريخ الإسامي بين الرؤية الاستشراقية والرؤية
من الداخل" على هامش ندوة مجلة "أسطور" للدراسات التاريخية، والتي خصصت لموضوع "التحقيب في التاريخ العربي
الإسامي". تناول جعيّط في محاضرته دراسة السيرة النبوية؛ إذ قدّم عرضًا لأهمّ الإشكالات التي تناولها في كتابه عن السيرة
النبوية المنشور في ثاثة أجزاء، والذي يعدّ أهم كتبه. وفي تقديمه وصفه الدكتور عزمي بشارة بكونه أحد أهم المؤرخين
العرب، فهو مفكر ومؤرخ في الآن ذاته، وحتى أنثروبولوجي.كم أنّ جعيط اقتحم مجالا جريئًا بدراسته الس ةرر النبوية
والشخصية العربيّة، من موقع المؤرخ العربي المسلم، ردّ من خاله على سردية المستشرقين الغربيين عن السيرة النبوية.
كلمت مفتاحية: النبي محمد، المدينة، مكة، قريش، القبيلة، الحُمس، الإياف، الحرم، الحج، الفتنة الأولى.
This text is the summary of a lecture titled "The History of Islamic Civilization: Orientalism versus the View from
Within", delivered by noted Arab historian Hichem Djaiet on the sidelines of the Ostour symposium for historical
studies.  The symposium was dedicated to periodization of Arab-Islamic history, and Djaiet’s lecture focuses
specifically on his work on the biography of the Prophet Mohammed, the Sira, and discussed some of the most
complex issues he faced while writing his book on the topic. Introduced to the audience by Azmi Bishara, Djaiet
was described as "one of the most influential Arab historians" for his "brave work" on the personal biography of
the Prophet Mohammed by an Arab, Muslim historian who asserted a narrative that challenged the dominance
of Western Orientalists.
Keywords: Prophet Mohammed, Medina, Makkah, Quraysh, Muslim tithes, tribal coalitions, sacred, pilgrimage,
the First Fitna
محاضرة "التاريخ الإسلامي:
بين النظرة الاستشراقية والنظرة من الداخل"
Lecture "The History of Islamic Civilization:
Orientalism versus the View from Within"
هشام جعيط | Djait Hichem
j
م ج| ي
محاضرة "التاريخ الإسلامي:
بين النظرة الاستشراقية والنظرة من الداخل"
Lecture "The History of Islamic Civilization:
Orientalism versus the View from Within"

كلمة الدكتور عزمي بشارة

الدكتور هشام جعيط - وطبعًا معنا ضيوف آخرون، الدكتور عبد الأحد السبتي، بالمناسبة أرحّب به. وهو مؤرخ اجتماعي معروف من المغرب. لكن سيتمّ تقديمه لاحقًا في الندوة. نحن الآن في سياق المحاضرة العامة قبل بدء "ندوة أسطور". وأسطور مجلة يصدرها المركز العربي للأبحاث. وهي واحدة من خمس دوريات يصدرها المركز، ونحن نعتز بها بصورة خاصة؛ أولً لأنّها آخر الدوريات التي يصدرها المركز، وثانيًا لأنّها من البداية قامت بتنسيقٍ بين المركز وقسم التاريخ في المعهد، وأعطت نموذجًا ممتازًا للتعاون بين مركز الأبحاث والمعهد، واتُّبع فيها برأيي معايير أكاديمية عالية جدًا، ما يؤهّلها لتكون مجلة الدراسات التاريخية العربية فعلً. ونأمل أن يكون هذا هو مستقبلها. هذا طموح وتفاؤل. ويحقّ لنا قول ذلك بناءً على تجربة الأعداد التي صدرت حتى الآن. نجتمع في إطار ندوة أسطور، وملفّها هو "التحقيب التاريخي". وهو موضوع تاريخي، وموضوع فلسفي، واجتماعي ونظري. وقد ارتأى الإخوة أن تبدأ الندوة بأفضل ما يمكن أن تبدأ به، وهو استضافة أحد أهمّ المؤرخين العرب الأحياء، وهو الدكتور هشام جعيّط، والذي أعدّه مؤرخًا وأنثروبولوجيًا في الوقت ذاته. لا أتحمس لتقديمه على النحو: المألوف... لم يعد مهمًا أين حصل على الدكتوراه، أو إن كان حصل عليها في الأصل. أعتقد أنّ هذا الأمر غير مهمّ، أي تقديم الناس أنّهم حصلوا على البكالوريوس من المكان الفلاني، والماجستير من الجامعة الفلانية؛ فألبرت حوراني على سبيل المثال لم يكن حاصلً على الدكتوراه. لهذا أعتقد أنّ فكر الشخص وإنتاجه هما الأساس، وليس أين درس، وأين تعلّم. أعتقد أنّ الدكتور جعيط اقتحم مجالً جريئًا جدًا، بخاصةٍ في ظلّ الوضع الذي كان قائمًا في تونس في حينه. فقد اقتحم كمؤرخ موضوع التاريخ الإسلامي المبكر لفهم، في محاولة فهم، أو لربط الشخصية الحضارية العربية والإسلامية انطلاقًا من تأسيس المدينة العربية، مثل كتابه الشهير عن نشأة المدينة العربية الإسلامية، بعد كتابه الشخصية العربية، فقد دخل لاحقًا مجالً أعتقد أنّه يكاد يكون حقل ألغام بالنسبة إلى مؤرخ عربي مسلم، وهو دراسة السيرة المحمدية دراسةً تاريخية (وضعية) كما يقال بموازاة سرديات السيرة النبوية أو المحاولات االفقهية لفهم تاريخ الرسول، وهذا دون أن يعارضها. فلم يكن عمله هو معارضة ال[Narrative] الديني، بل وضع [Narrative] التاريخي في دراسة الشخصية المحمدية. سُئِلت قبل قليل ما الفرق بين هذا العمل و Watt Montgomery في دراسة محمد وآخرين. هذا بالضبط موضوع محاضرته اليوم: "التاريخ الإسلامي بين النظرة الاستشراقية والنظرة من الداخل". فهو درس التاريخ الإسلامي بنظرة مؤرخٍ مسلم من الداخل. نقدّم لكم نبذة سريعة عن مؤلفاته: الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، سنة 1974. أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة، سنة 1978، وهو كتاب أحدث ضجةً كبيرة في الغرب بالمناسبة، وكنت ممّن عاشوا هذه الضجة. الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية، سنة 1986. الفتنة جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، سنة 1989. ولا يمكننا عدّ أيّ كتاب من هذه الكتب كتابًا رئيسًا للمؤلف،

ثم في السيرة النبوية: ӵ ӵ أزمة الثقافة الإسلامية، سنة 2001. السيرة النبوية في ثلاثة أجزاء؛ الجزء الأول: الوحي والقرآن والنبوّة، 1999؛ والجزء الثاني: تاريخية الدعوة المحمدية، سنة 2006. وهذان الكتابان كتبهما جعيط بالعربية وتُرجما إلى الفرنسية كما قال لي قبل المحاضرة؛ والجزء الثالث: صدر مؤخرًا بالعربية سنة 2014، وهو مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام، صدر بالفرنسية سنة 2012، أي إنّه صدر قبل ذلك بعامين. أضف إلى ذلك الكثير من المقالات العلمية وغيرها. وأنتم تعرفون أنّه تبوّأ منصب رئيس "بيت الحكمة"، وهذا آخر مناصبه العلمية. وطبعًا، كان أستاذًا شرفيًا في الجامعة التونسية. نرحّب به بحرارة ويشرّفنا وجوده معنا. ونتمنى له الصحة وطول العمر، ليستمر في الإنتاج وإتحاف المكتبة العربية بهذه الأفكار.

محاضرة الدكتور هشام جعيّط

أشكر معهد الدوحة والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ورئيسه الدكتور عزمي بشارة وأعضاده في المركز. وأشكر هذا البلد قطر الذي استضافني. وأشكر الحاضرين هنا، ومنهم زملائي من التونسيين والمغاربة، وإخواني من المشرق. أنا مسرور جدًا بوجودكم وبدعوة الأستاذ عزمي بشارة. ويسرنّي أن أقدّم كتابي الأخير عن السيرة النبوية. وهو في الواقع كُتِب عن مسار الرسول وانتصار الإسلام في الجزيرة العربية، وكُتب في ثلاثة أجزاء، لمدة عشرين سنة من بينها ستّ سنوات أو سبع كنت أدرس فيها الكتاب قبل كتابته، مع أنّ كتبت كتابات أخرى بين الفينة والأخرى. لكن منذ عشرين سنة تقريبًا، انصبّ همّي على التاريخ النبوي. وهو ليس بتاريخ سيكولوجي لشخصية النبي كما اعتاد على ذلك المستشرقون وشُغفوا به. همّي هو الشخصية النبوية بوصفها شخصية تاريخية مؤسسة لدينٍ صار اليوم ومنذ القديم دينًا عالميًا، مثل المسيحية، والبوذية والهندوسية. وهو يعدّ من الديانات العالمية الكبرى. وأردت أن أتفهّم هذا المسار للرسول بوصفه مؤسسَ دين. كان اهتمامي بالمسائل الشخصية ضعيفًا؛ إذ كتبت أربعة أسطر في الهوامش عن زوجاته، ورأيت أنّه تزوَّج بالأساس من أرامل حروب باستثناء عائشة، وأنّ مؤسسي الأديان الكبيرة كما مؤسسي الإمبراطوريات العظمى، ليس لهم هَمٌّ كبير بحسب معرفتي التاريخية بكلّ ما هو جنس وغير ذلك، هم تجاوزوا هذا. ويمكن أن نقارن في هذا الميدان شخصية الرسول بغيره من كبار مؤسسي الأديان، وحتى مؤسسي الإمبراطوريات. هم أناس مهووسون قبل كلّ شيء برسالتهم. وهم مقتنعون أيضًا بصفةٍ واضحة جليّة وقوية برسالتهم. ويريدون إيصال هذه الرسالة إلى البشر. وهذه حال النبي الذي كان مقتنعًا تمامًا بأنّه نبيّ مرسل. كتبت ثلاثة أجزاء؛ أوّلها هو جزء فيه عنصرٌ من التفكير، وهو ممّا يمكن أن يُقال "التاريخ المفكَّر فيه". واهتممت بصفة خاصة بالوحي كيف نزل، أي المبعث الأول. واعتمدت بصفة أساسية على القرآن في هذا الجزء. ولم أعتمد على السيرة؛ فاستقرأت السور الأساسية ببدء المبعث، وهي سورة النجم أولً، والسورة عدد 18 ثانيًا، حيث يذكر القرآن كيف ابتدأ الوحي وهو منعرج خطير جدًا ومهم جدًا. وكنت اعتمدت على تنظيم السور الذي قام به Nöldeke وصحّحه شيئًا ما أو فصّله الفرنسي Blachère دون أن أنساق وراء أفكار Nöldeke عن شخصية الرسول أو عن رأيه في القرآن. اهتممت بالاعتماد على القرآن، وهذا أمر جليّ لديّ، بوصفه نصًا تاريخيًا - وأنا

أتكلم دائمًا عن التاريخ ولا أدخل في الميتافيزيقا وأمور من هذا القبيل - معاصرًا للرسول، ولمساره. وانتقدت في الجزء الثاني مقولات المستشرقين بخصوص أنّ القرآن من القرن الثاني أو الثالث أو أنّه ترجمة عن السريانية، وغير ذلك من الأمور التي سآتي على ذكرها. اعتمدت على القرآن لأنّ السيرة متأخرة نسبيًا؛ فابن إسحاق توفّ سنة 150 ه وهو أتمّ كتابه في رأيي قبل عشرين سنة تقريبًا، والمادة التاريخية الموجودة فيه كان يهتم بها من منعرج القرن الثاني (110 - 120 ه) واعتمد كثيرًا على الزهري المتوفَّ في 124 ه وعلى غيره من رواة السيرة بصفة شفوية. ابتداءً من عهد عمر بن عبد العزيز سنة 100 ه، حصل منعرج واهتمام بالسيرة النبوية. لكنّ هؤلاء الأشخاص الذين تكلّموا مثل عمر بن قتادة وغيره، كتبوا اعتمادًا على من قبلهم لأنّ الثقافة في القرن الأول كانت بالأساس ثقافة شفوية. أرى أنّ الاهتمام بحياة الرسول في السيرة ابتدأ تقريبًا من عهد معاوية، في الفترة الواقعة بين سنتي 50 و 60 بعد الهجرة، وليس قبلها. لكن اعتمادي على القرآن بخصوص الوحي يتنافى في بعض الأحيان مع ما تقوله السيرة؛ فأنا أرى مثلً أنّ انعزال الرسول في "غار حراء" ونزول الملَك لم يذكره القرآن بما هو أمر عظيم، وعليه، لا أرى أنّ ابن إسحاق يقول الحقيقة في كون القرشيين بطبعهم ينعزلون في بعض الأحيان في غار حراء. قد يكون الرسول انعزل. وذلك ليس ثابتًا. ولا ذكرَ له في القرآن. بينما هناك ذكرٌ ل"غار الثور" فيما بعد، عندما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة، في سورة التوبة. وعلى عكس ذلك، يذكر القرآن بصفة مفصّلة أوّل نزول للوحي في هاتين السورتين. سورة النجم فيها رؤيتان لشخص قد يكون الملَك وقد يكون الإله كما يقول بعض المفسرين، ليس في كلّ نوره لأنّه لا يمكن رؤية الإله في كلّ نوره، وأخذوا مثال موسى في ذلك، غير ممكن بل بصورة مخفّفة، إنّما قد يكون ذلك لأنّ سورة النجم لا تذكر من هو هذا الشخص؛ شخص خارق للعادة، شخص فوق الطبيعة رآه النبي وأوحى إليه ما أوحى، قد يكون الإله نفسه لكن بصفة خاصة، أو قد يكون الملَك. وهناك رؤيا أولى ورؤيا ثانية في سدرة المنتهى كما يقول القرآن، وهي بالطبع ليست كما يقول المستشرقون شجرة في قعر مكة، أو هوامش مكة، بل هي شجرة يمكن أن يقال إنّها ذات رمزية روحية كبيرة، لأنّ فيها مفهوم المنتهى. وهذا المفهوم موجود مرة أخرى في السورة نفسها أي نهاية الوجود، أو على حافة نهاية الوجود، وهو "ورأى من آيات ربه الكبرى"، وتلك كانت تجربة أساسية للرسول في هاتين الرؤيتين. بينما تعطينا سورة النجم صورةً حقيقية واضحة عن هذا الشخص الماورائي، فإنّ السورة عدد 181 تتكلم عن "إنّه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين". لكن هذا واضح، لأنّ الوحي جاء عن طريق رسول من الإله. أعطى المستشرقون الذين درسوا القرآن هذه السورة الرقم 18 قبل سورة النجم. وأنا اتّبعتهم في هذا بسبب الأسلوب. لكن، صرت الآن أشكّ في أنّ القسم الخاص بقول الرسول الكريم لا يذكر اسمه. قد تكون بعد سورة النجم لتفسير هذا الشخص الماورائي، هو رسول وليس الإله. ومن الممكن أن تكون أتت بعد النجم لتفسير الأمور وتوضيحها؛ لأنّ سورة النجم تبقى مبهمة حول نزول هذه الشخصية الماورائية التي قد تكون إلهية، وقد تكون من الملائكة. "شديد القوى ذو مرة فاستوى،... فأوحى إلى عبده ما أوحى"، توقّف المفسرون عند كلمة "عبده"، إن كان هذا الشخص هو الملَك جبريل كما ذُكر في المدينة فيما بعد في سورة البقرة، فكيف يكون الرسول عبده، الرسول هو عبد الله. فهناك مشاكل نحوية وغيرها. على كلّ لن أطيل الكلام في هذا، فالذي يهمني هو أنّ الرسول رأى رؤيتين كانتا بدايةً للوحي. ونترجمها إلى الفرنسية Vision، إمّا تكون رؤيا بالقلب، وإمّا تكون رؤية. لكن القرآن واضح في هذا المجال، إذ يقول "ما زاغ البصر وما طغى"، إذن هي رؤية حقيقية بحسب القرآن بالطبع، وليست من الرؤى المتخيلة أو شيئًا من هذا القبيل. ثم أرى أنّ العلاقة المباشرة مع الإله أو مع رسوله الكريم كما تقول

  1. سورة الكهف وعدد آياتها 110.

السورة الذي لم يُذكر اسمه في الفترة المكية، توقّفت هذه الرؤى فالرسول لم يعرف إلا رؤيتين فقط؛ إذ فيما بعد عندما تكَشّف اسم الملك جبريل لا يقول القرآن إنّ جبريل يأتي بنفسه بصفة أو بأخرى، إنّما يقول "نزّله على قلبك"، فيكون الوحي بعد هاتين الرؤيتين المبدئيتين وحيًا داخليًا يأتي من الإله عن طريق جبريل على قلبك، أي على فكرك؛ ففي المعجم القديم القلب هو مركز الفكر. هذا بخصوص بداية الوحي. ولا أرى ما قاله ابن إسحاق في هذا المجال بخصوص أنّ الرسول قلق من هذا الأمر العظيم الذي نزل عليه وكأنّه "داهية"، ولا أرى أنّه فَكّر في الانتحار وما شابهه. لكن عندما نستقرئ القرآن وسورة النجم عندما يقول "رأى من آيات ربّه الكبرى"، ففي الحقيقة النبي اهتز وشعر بفرح بهذا التكشّف الإلهي بصفة أو بأخرى، ولا أرى ضرورة لأن يعدّ كأنّه صُدم. وقصة الغار في رأيي غير مستساغة، لأنّ الرسول، بحسب رأيي، كان يصبو إلى النبوّة ويتوقع شيئًا من ذلك، وكان مستعدًا إلى حدٍ ما على الأقل أن يحدث له أمر خارق للعادة، لأنّه كان مستعدًا في رأيي لهذا الشرف الذي أتاه من الإله. وأهمّ دليل على ذلك هو أنّه حينما توقّف الوحي في الفترة الأولى كان حزينًا، وهذا أمر موجود في تاريخ الأديان. عندما نستقرئ الزرادشتية - وزرادشت أتى أيضًا بكتابٍ مقدس، وكان توحيديًا حوالى القرن 7 قبل ميلاد المسيح حين توقفت علاقته بإلهه أهورامزدا، كان حزينًا. ويظهر هذا في داخل كتاب الأفيستا Avesta وهو يُنسب إلى زرادشت بالذات، كان حزينًا ثم لمّا استعاد علاقته بالإله، انشرح قلبه. ومن هنا، فالسورة "والضحى والليل إذا سجى"، واضحة في توقّف الوحي لفترة معيّنة، فحزن الرسول لتوقه إلى الله تعالى وإلى الإله المتعالي. وهو رجل مستعد نفسيًا لهذا الأمر الذي سخّر، كما ظهر، حياته له ولم يفكّر في هذه القصص من لدن ابن إسحاق وغيره، لأنّ الإله طمّنه على ذلك. ووقع استرجاع عملية الوحي ونزول الوحي إلى آخر حياة الرسول. عمومًا، لا بد من تصحيح السيرة؛ لأنّ ابن إسحاق نفسه يقول في ما يخص ما جرى في الغار بين الرسول والملَك إنّ الملك زاره وهو في النوم وليس في اليقظة، وهذا ما يقوله ابن إسحاق حرفيًا، والنوم في العالم القديم والأحلام التي يراها أشخاص مستعدون للروحانيات بصفة خاصة، يعدّ أيضًا وحيًا من الإله. وهذا موجود في التوراة وفي عدة كتب دينية. سيتكلم القرآن فيما بعد عن رؤى أخرى، بخصوص زيارة مكة مثلً في العام السادس، تكلّم عن رؤيا الشجرة، وهي تأتي دائمًا عن طريق الحلم. وهذا يدخل في منطق الأديان القديمة في كلّ العالم. اعتمدتُ إذن في هذا الجزء الخاص بنزول الوحي، على القرآن بالأساس. مقارنةً أيضًا مع أديان أخرى، نحن نقرر مبدئيًا بوصفنا مؤرخين، أنّ الدين الإسلامي هو دين كتاب مقدس ودين وحي Révélation بالفرنسية. وكذلك في ما يخص أديانًا أخرى سواء أكانت توحيدية أم غير توحيدية، وأخصّ زرادشت وأنبياء الهند، وهناك أنبياء كثر في الهند في تلك الفترات القديمة درسها بكلّ انضباط ماكس فيبر في كتبه عن سوسيولوجيا الدين، وقمت بمقارنات متعددة بين البوذية والإسلام، وبين الهندوسية والإسلام، وبين المسيحية والإسلام. لذلك فبخصوص نقطة الوحي والاستعداد للوحي، وكيف نزل، كتبت الكتاب بالعربية ووجّهته للجمهور العربي وعددت الجمهور العربي غير عارف بصفة كافية بالأديان الأخرى، فهو مُنْصَبٌ على الغرب وعلى الآخر الوحيد أي الغرب، وليس له انفتاح على أديان أخرى في الشرق الأقصى وغيره، أو في الهند أو حتى في ما يخص إيران. وقمت بمقارنات ونوع من التعليم - إن شئت - للقارئ العربي في هذا الميدان، لكي يتفتح على الديانات الأخرى والمجالات الحضارية الأخرى. هذا باختصار ما قلته في الجزء الأول، وكان جزءًا غير طويل. أمّا في الجزء الثاني الذي يخصّ الدعوة النبوية في مكة، فإنّ اهتممت بصفة خاصة بالوسط الذي عاش فيه الرسول. لقد درس بعض الأنثروبولوجيين أو المستشرقين العالم البدوي، عالم القبائل الكبرى، أمّا دراسة الوسط الذي نشأ فيه الرسول، قريش مكة، وشبّ فيه وأخذ يدعو فيه من الأوّل خلال مدة طويلة قد تُراوح بين ثماني سنوات أو 11 سنة أو 13 سنة بحسب المصادر. مدة طويلة إذن، ولم تكن في آخر المطاف ناجحة باستثناء مئة تقريبًا أو ما يفوق المئة من المؤمنين

الصادقين الذين بقوا على دينهم. واهتممت إذن بهذا الوسط الذي شبّ فيه الرسول. ولم أكن الوحيد الذي اهتمّ بدراسة قريش، هذه القبيلة الخاصة بالرسول. قام بعض المستشرقين بهذه الدراسة. ثم ظهرت دراسات عن الحِمى وعن الحُمس، وعن مفهوم الحرم، وعن مفهوم الإيلاف قام بها مستشرقون متأخرون. اهتممت بكلّ هذه المسائل وبتطبيق المنهج الأنثروبولوجي على علاقات القرابة وعلاقات الزواج وكلّ الحياة التي يهتم بها الأنثروبولوجي في هذه المدينة الخاصة وأصولها، وكيف تأسست، في أكثر من مئة صفحة. ووصلت إلى بعض النتائج؛ مثلً في ما يخص تأسيس مكة وفي رأيي كانت حمى من حمى العرب المجاورين، وبالخصوص قبيلة خزاعة التي يبدو لي أنّها كانت قبيلة دينية، وكيف استقر القرشيون، وما هو الحُمس الذي رأى بعض الباحثين الماركسيين، أنّ له علاقة بالتجارة أساسًا، وأنّ قريشًا كوّنت نوعًا من الحلف الكبير مع قبائل مجاورة لها خصائص كبيرة وأدخلتها في نوع من الحلف هو الحُمس، وفيه طقوس خاصة، وأنّ أصل ما يسمى الحُمس (ح. م. س) هو مسألة تجارية تخص التجارة. ولا أعتقد هذا أبدًا. أعتقد أنّ الحُمس مؤسسة قديمة جدًا وقع نسيانها في فترة معينة ثمّ استُجعت في فترة ما قبل النبوّة. من ناحية ثانية الاهتمام بالحرم، أعتقد أنّ القرشيين أرادوا توسيع الحرم المكي توسيعًا كبيرًا، وأنّهم أرادوا أن يزاحموا الحج الأكبر بعرفات. وهذا فيه إشارات في القرآن وفي السير، وأنّ الحرم المكي مقام على الدين وعلى الانتماء الديني وعلى حرمة الكعبة التي لا نعرف إلى أيّ إله تنتمي، فهي قديمة جدًا وترجع إلى فترة تأليه الحجر، وعدّ الحجر ذا قدر ما لدى السامييّن، هو مقرّ الإله، لكن أيّ إله؟ ما قاله فلهاوزن Wellhausen ليس صحيحًا من أنّ إله الحجر الأسود هو هُبل. وليس صحيحًا أيضًا ما قاله غيره إنّ الإله الذي يقدّسه القرشيون في الكعبة هو الله. لا، فهذا أتى به الرسول، والقرآن فيما بعد أكّد أنّ الكعبة بيت الله. وحاولتُ دراسة الحج. ورأيت أنّ هناك حجيّن: ما سيسمّى فيما بعد الحج الأصغر، والحج الأكبر. والقرآن يتكلّم عن الحجّ الأكبر. الحج الأصغر هو العمرة إلى مكة وزيارتها وتقبيل الحجر الأسود والطواف، وغير ذلك، ويتعلق بصفة خاصة بالقرشيين ويخص حرمة المكان؛ فكلّ المدن العربية في الحجاز لها أسوار، والمدينة لها "أُتم"، الطائف لها سور، خيبر أيضًا لها حصون، ودومة الجندل الشيء نفسه. كلّ الجهات العربية وبالطبع اليمن لها حصون تحصنها من انتهاكات البدو الحربية، في حين أنّ مكة كانت مفتوحة - واستبطان القبائل المجاورة مفهوم الحرم جعل القرشيين مرتاحين من هذه الوجهة - لأنّ الحرم مقدّس، ولا يمكن لعرب الجوار، وهم كثرة من القبائل الصغيرة التي دخلت فيما بعد في بوتقة قريش وتحت حماية قريش بالذات...، انتهاكه، من كلّ قبائل الجوار. وهذا ما يعنيه القرآن عندما يعطينا بعض آراء معارضيه في قريش؛ فعندما تكون المعارضة الموجودة في القرآن فيها نوع من المعقولية تأتي من الأشراف، من رؤساء العشائر، وعندما تكون سخيفة تأتي من سفهائهم. ففي القرآن، هناك نوعٌ من معارضة الأشراف للنبي يبدو معقولً؛ فمثلً- لا أذكر بالحرف الآية القرآنية - حينما يقولون ما معناه إذا دخلنا في دينك سينتهك الحرم، سيتخطّفنا الناس، هذه الكلمة القرآنية، الناس أي عرب الجوار، إذا سقط الدين القديم ومفهوم الحرم والحرمة، لأنّ لقريش دينًا قديمًا يستبطنه أهل الجوار. سيتخطفنا الناس إذا سقط هذا الدين. وما كانوا يتخيلون أنّ الرسول سيقوم بإعادة تأسيس حرمة مكة من جهةٍ أخرى بحسب نواميس دينه الجديد. كانوا يتوقعون أنّه إذا سقط دينهم القرشي ذهبت حرمتهم. هناك شاهدٌ آخر في القرآن وهو قوله "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت.."، لم يذكر اسم الله إلا في السورة العاشرة بحسب ترقيم Nöldeke، "فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف". تعني هذه الآية أنّ حرمة الكعبة التي يؤكد القرآن أنّ الله ربّ هذا البيت، جعلتهم قادرين على أن يسافروا في رحلتين؛ مرةً كما قيل إلى اليمن ومرةً إلى الشام، دون أن يخشوا على أهلهم وبلدهم. لا يذهب كلّ الناس للتجارة، إنّما لنقل مئة شخص أو خمسين شخصًا، لكن حرمة مكة تبقى قائمة الذات حتى من دون أسوار. كلّ هذا مصدره حرمة الكعبة. وفي رأي القرآن، رب الكعبة وهو الله. وهنا نشرع في مشكلة الإيلاف. لا أتّفق مع ما كتبه المستشرقون والعرب عن الإيلاف. وقد اعتمد في ذلك علماء التاريخ على كتاب القالي وعلى ذيل كتاب القالي. هناك ذيل للكتاب يخص الإيلاف، ويعدّ الإيلاف، اعتمادًا على مفسّين ولغويين وغيرهم من القرن الثاني للهجرة، عقدًا بين قريش والقبائل التي يخترقها التجار القرشيون. قد يوجد مثل هذه العقود،

لكن لا أرى أبدًا أنّ مفهوم الإيلاف هو هذا. الإيلاف من جذر ألفَ، وهو موجود في اللغة العربية في زمن القرآن، ويعني التعوّد على شيء. والدليل على ذلك الآية المدنية "أنّ الله ألّف بين قلوبكم وصرتم إخوة"، في ما يخص الأنصار، ألّف أي وحّد بين قلوبكم، والإيلاف هو التعوّد التجاري. وما يريد القرآن قوله هنا هو أنّ القرشيين في طريقهم يتركون بلدهم من دون حماية، لأنّه محميّ من الإله، من الكعبة. هم لا يعرفون بالضبط من هو إله الكعبة لأنّه يرجع إلى زمنٍ قديم جدًا في الفترة الساميّة، حيث كان الحجر هو بيت الإله حتى عند العبريين، و"بيت إيل" عند العبريين القدامى، ومرّت إلى اليونانيين الذين سمّوا كلّ هذه الأحجار "بيت إيل". وهي مأخوذة عن العبرية القديمة. ونحن نعرف أنّ يعقوب أو إسحاق نام مرة على حجرة فكلّمه الإله عن طريق هذه الحجرة. فالحجر مقدّس عند العرب، وعند العبريين القدامى، وعند غيرهم في هذا المجال السامي. إنّما في القرآن، ربّ هذا البيت هو الذي يحميهم وليس ما يظنّونه من أنّ الكعبة ليس لها إلهٌ معروف، وأنّ الإله هو الذي سيكشفه القرآن في السورة رقم 10، وهو الله. بين قوسين، اهتممت في أنثروبولوجيا الجزء الثاني بالحج الأكبر أيضًا. وهو حج العرب؛ العرب الرحّل على أطراف نجد، في ما بين نجد والحجاز. وهو نوع من الحج إلى الشمس، مرتبط بالشمس. وهذا قرّرته بصفة دقيقة ومرتبط أيضًا بطلب الماء في الخريف. وهو حج يقوم به الرحّل، من أصحاب الأنعام والرعاة وليس تابعًا لقريش. التابع لقريش هو حج البيت فقط. أمّا حج عرفة والمزدلفة وأخيرًا منى حيث تقع الأضحية ورمي الجمار، فهي من الأمور التي تخصّ العرب. والقبائل التي تُعطِي رخصة الإفاضة في عرفة ورخصة الوفادة في منى، هي قبائل من هذه الجهة يذكرها الطبري وغيره، وليست قبيلة قريش. هذا واضح. واهتممت بكثير من الأمور، والذي تبيّ لي هو أنّ قريشًا إذ تمثّل قبيلة، والقبيلة في كلّ الحضارات القديمة جدًا هي كيان سياسي يحمي الناس ويعلن الحرب وينهيها وغير ذلك. والعشيرة التي يسميها الأوروبيون clan Le هي التي تقوم بالوتر وبالثأر وحماية الشخص. وهذا موجود حتى في أستراليا، وفي غيرها. درسه دوركهايم وماكس فيبر وغيرهما. وأخيرًا، يوجد ما يمكن أن يسمَّى بالسلالة ويسمّيه الأنثربولوجيون Lignage وهو القرابة الاقتصادية، والوحدة الاقتصادية والجنسية، أي الأب والأم والعم والأخ الذين ينتمون فعلً إلى جدٍ واحد غير بعيد، والذين تنطبق عليهم علاقات المحارم. ومسألة المحارم هذه مهمة جدًا ودرستها عن كثب، بحيث وقع تغييرٌ للمحارم القديمة التي كانت قوية في قريش من طرف القرآن الذي دقّق المحارم بصفة مضبوطة. ثم درست الدعوة. ورأيت أنّ الدعوة التي تسمّى سرّية لا يمكن أن تكون ثلاث سنوات في هذا البلد الصغير، وأنّ المهمّ هو حين باح الرسول أمام الملأ، أو ما يسمّى الدعوة العمومية أمام الملأ، برسالته الجديدة، ومحتوى هذه الرسالة. من الممكن أن تكون سورة النجم هي أوّل اجتماع مع الملأ. وهذا الملأ هو وحدة يمكن أن نقول حكومية لكنّها ليست بدولة حقيقية، تجمع بين رؤساء العشائر، وكلّ رئيس عشيرة مستقل، وهو الذي يسيّ عشيرته ولا يتدخل غيره في هذا الأمر. وهذا ما يفسّ أنّ ما سُمي فيما بعد بزمن الفتنة وتعذيب بعض المسلمين كبلال وغيره، لا يمكن أن يكون تعذيب أيّ مسلم، بل لا بد أن يكون شخصًا من موالي أبناء عشيرة معيّنة، ورئيس العشيرة هو الذي ينفّذ العقاب في هذا الشخص. ولا يتدخل رئيس عشيرةٍ ما في أمور عشيرةٍ أخرى. والدعوة المحمدية بجعلها دعوة عمومية، أي إلى أشراف القبائل والعشائر، أرادت أن تقنع أشراف العشائر. وهذا أمر مهم جدًا؛ لأنّه لو اقتنع أشراف العشائر ورؤساؤها - وهي عشْ عشائر، منها أربع عشائر مهمة في التجارة ولها مجدٌ قديم بما فيها عشيرته هو التي هي عشيرة عبد مناف وليست عشيرة بني هاشم هي التي تقوم بالوتر، وإنما بنو هاشم لهم السلالة Lignage فقط بالنسبة إلى الرسول، وهناك قبائل مخزوم وقبائل أخرى مهمة أثْرت التجارة وصارت تقوم بدور مهم - لدخَل في الدين الجديد كلّ الناس، لأنّ أبناء العشائر يتبعون رئيسهم دومًا بكلّ انضباط. ومسألة عدم نجاح الإسلام في مكة متعلقة برؤساء العشائر؛ فرؤساء العشائر لم يدخلوا في الدين الجديد، وهو أمر مستحيل بالنسبة إليهم لو أردنا أن نرى الأمور بصفة موضوعية، لأنّ كلّ حضارتهم ونسقهم سيندثران بذلك، ولا يعرفون عن المستقبل شيئًا. وعليه، لم يدخل القرشيون في هذا الدين إلا قلّة قليلة هم 100 أو 120 شخصًا، وهم معروفون، 83 هاجروا إلى الحبشة ويذكرهم ابن إسحاق، في ما يخص القوائم ومن اتّبعه في الهجرة فيما بعد حوالى

120 شخصًا بما في ذلك النساء والأولاد لا أكثر، والبقية بقيت تابعة للأرستقراطية القرشية. والدليل على ذلك أنّ الرسول لمّا تغلّب على مكة من دون حرب لكن بقوة عسكرية، دخل أبو سفيان وهو رئيس كلّ عشيرة بني عبد مناف، ومعه رؤساء عشائر مكة الآخرون في هذا الدين، ودخلت معهم كلّ مكة. في الجزء الثاني، اهتممت بصفةٍ خاصة بقصة الغرانيق. وهي قصة معروفة، من الآيات الشيطانية. حذفها ابن هشام. وهو حذفٌ واضح. في حين أنّ الطبري الذي يروي أيضًا عن ابن إسحاق، يذكر قصة الغرانيق. وتأويله قصة الغرانيق هو كما يلي: هناك قسم من رؤساء العشائر المكّيين القرشيين، لنَقُل القسم المعتدل، أراد أن يقترب من محمد، وتأثّروا حتى في اعتقاداتهم بالدعوة النبوية، فعدّوا مثلً آلهتهم بنات الله، أو أنّهم ملائكة، وأنّهم يشفعون لهم لدى الله، وهذا موجود في القرآن. فهناك حزب، نجده عند ابن إسحاق، يرى التقارب مع الرسول، وليس الرسول الذي أراد التقرّب من قومه قريش، كما يقال. لا، بل العكس هو الصحيح في اعتقادي. لكن من جهة أخرى، كان هناك قسم آخر لم ير ضرورة لهذا التقارب. بل رأى أنّه لا بد من الحفاظ على الدين القديم، وإذا لزم الأمر معاداة هذا الرسول. وهم الناس الذين ذكرهم عروة دون أن يسمّيهم. ولقد اعتمدت على رسالة عروة إلى عبد الملك، لأنّ عروة بن الزبير هو رجل قديم توفّ سنة 94 ه، وعاش كثيرًا، وُلد قبل واقعة "الجمل" حيث مات أبوه في الجمل سنة 35 ه. مات عروة كبيرًا وكان فقيهًا كما يقول ابن سعد في ترجمته. عندما استقرت الأمور خلال الثمانينيات، أراد عبد الملك أن يفهم ماذا صار، ففي عهد عبد الملك بعد الفتنة الثانية، وقع استقرارٌ في هذه الإمبراطورية، وهو الذي عرّب الدواوين، وبنى قبة الصخرة وغير ذلك من الأمور. وقع استقرار في عهده إلى حين وفاة هشام سنة 125 ه؛ أي مدة أربعين سنة من استقرار الدولة الإسلامية في كنف دولة بني أميّة. أراد عبد الملك إذن أن يفهم ما وقع من الأمور. ورسالة عروة موجودة في الطبري، وهي تبدو لي صحيحة؛ فعروة يخفي الأمور، ولا يتكلم عن الأشخاص، من دون شك لأنّ هناك أشخاصًا، بنو أمية، قاموا بالمراوغة. ما نفهمه منه، أنّ أثرياء قريش من الجيل القديم لهم أملاك في الطائف، وفيهم أشخاص من الجيل الجديد، رجعوا بسرعة إلى مكة وأوقفوا كلّ محاولة للتفاهم مع الرسول أو أمور من هذا القبيل من جانب الأطراف المعتدلة، وأوقفوا ذلك، وزادهم حدة هؤلاء الأثرياء الذين أتوا من الطائف، وكانت الطائف تابعة لمكة، وكان لأثرياء مكة ورؤساء العشائر الكبار أملاكٌ في الطائف، ويقول عروة إنّهم رجعوا بسرعة وأوقفوا كلّ شيء وقاموا بالفتنة، أوّل فتنة وقعت، خصوصًا وأن ثمة آية في سورة النجم، الآية رقم 23 على ما أعتقد، يقول القرآن بما معناه إنّ هذه الآلهة غير موجودة، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم وما أنزل الله بها من سلطان، فينكر وجود الآلهة تمامًا، وهو ظنٌ ووهمٌ. وهنا حصلت القطيعة بين أهل مكة وعلى رأسهم ما أسمّيه الحزب المتشدد، والقصة التي تقول إنّ الرسول قرأ سورة النجم كلّها ولكن دون وجود الآية 23 التي زيدت فيما بعد من دون شك في فترة قريبة، حيث اتضح مبدأ الوحدانية الإلهية ونفي وجود الآلهة، قرأ عليهم كما يقولون والشيطان أدخل على لسانهم "تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى"، وأنّ "قريش" سجدت ورأت أنّ هناك تقاربًا وقع، وأنّ الله هو خالق كلّ شيء، لكن يقولون نحن نشكرك على جعلك حظًا لآلهتنا ولعاداتنا. هذا ما تذكره السيرة. وهو غير ممكن، لأسبابٍ متعددة شرحتها في عشرين صفحة تقريبًا، ووقع رجوع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، لأنّهم ظنّوا أنّ قريشًا أسلمت. لكن هذا وهْم وخيال. إن الآية التي يذكرها ابن إسحاق ليست من أسلوب القرآن تمامًا، في سورةٍ من أجمل سور القرآن. وسورة النجم مركّبة من فترات متعددة حلّلتها، ليست سورة مكتملة تُقرأ على قريش. ورجوع المسلمين من الحبشة لا معنى له، إذ لم تقع فتنة ولم تكن هناك أيّ ضرورة لكي يذهب بعض المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، ثم عندما وصلوا، تبيَّ لهم أنّ "قريش" لم تُسلم، فرجعوا مرة ثانية. وهذا لا معنى له. إنّما وقعت فعلً هجرةٌ إلى الحبشة، بعد أن حصلت القطيعة. عندئذ كان لهذه الهجرة معنى، فخلال هذه الفترة وجدت فتنة، ويقصد

بها إجبار رؤساء القبائل مَواليهم وبعض أبناء عشيرتهم على النكوس عن الإسلام، وفتنوهم يعني جذبوهم إليهم وجعلوهم يتنازلون عن الإسلام. كما قام بعض سفهائهم بالاستهزاء بالرسول وبعنف كبير agressivité Grande. وقد ابتدأت مشاعر العداوة مع هذه الفتنة الأولى؛ إذ وقعت فتنةٌ ثانية في مكة. وعندئذ يكون من المعقول أن يرسل الرسول عددًا كبيرًا من المؤمنين الذين بقوا على دينهم إلى الحبشة، ليس خوفًا من الفتنة، ولكن خوفًا عليهم من أذى قريش ومن أن يتألموا، ولم يبق معه إلا ثلّة قليلة من أصحابه، وبقي وحده. وعندئذ وقعت القطيعة مع قريش. لا يمكننا أن نؤرّخ هذا بالضبط، كما قام بذلك شخص مثل ابن سعد الذي يؤرّخ أنّ هذا وقع في السنة الخامسة بعد الهجرة أو في السنة السادسة بعد الهجرة، أو غير ذلك. نحن لا نعتمد إلا على تقسيم القرآن المكي إلى ثلاثة أجزاء؛ القسم الأول انتهى بسورة النجم، وتلتها بسرعة سورة الإخلاص وبالتأكيد الموقف التوحيدي "قل هو الله أحد" إلى آخره..، وسورة الكافرون أيضًا وردت بسرعة بعد سورة النجم، وبعد هذه القطيعة تبلور الدين التوحيدي في تلك الفترة، أي في آخر الفترة الأولى. والفترة الثانية من التنزيل هي من نوع آخر، ثم أتت بعد ذلك فترة ثالثة حيث تغيّ الأسلوب والمعجم القرآني. وكلّ ما يمكن أن نقوله إنّ القطيعة تمّت في آخر الفترة الأولى. ولا نقول بعد هذه السنة من المبعث أو تلك؛ فهذا غير ممكن. قمت في الجزء الثاني بدراسة ما تقوله السير، سواء ابن سعد أو البلاذري أو ابن إسحاق أو الطبري. وعددتها نوعًا من "الأناجيل الإسلامية"؛ لأنّها تقصّ علينا حياة الرسول، وتأتي ببعض الآيات، وابن إسحاق بصفة خاصة بعد كلّ حدث يأتي بالآية التي تبرهن عليه. لكنّه يخطئ كثيرًا في استشهاداته القرآنية، كما بيّنت ذلك. والآن نأتي إلى المدينة، سألخّص هذا بسرعة. لماذا أسلم قسمٌ كبير من المدنيين من أهل يثرب ودخلوا في الإسلام؟ أريد تحليل ذلك اعتمادًا على ماضي المدينة الذي كان ماضي حروب بين الأوس والخزرج، وهما قبيلتان من المدينة. حروب مستديمة وقديمة. وآخرها معركة "بُعاث" قبل سنتين من الهجرة تقريبًا، والتي غُلب فيها الخزرج على أيدي الأوس ومعهم اليهود، قبيلتان كبيرتان هما بنو النضير وبنو قريظة. وكان الجوّ في المدينة مسمومًا جدًا؛ إذ تقول المصادر مثلً إنّه حينما جاء الرسول لم يكن ممكنًا أن يأتي معه أحد مسلمي المدينة إلى مساكن الأوس، لأنّه يخشى على نفسه من القتل، فكانت كلّ عشيرة مستقرة في مكانها والجوّ مسموم لما حصل في "بُعاث". وكان المدنيون خلافًا للقرشيين متشبثين بالوتر، أي وتر من قُتل. وكان يسود جوّ حربي بين الأوس والخزرج، والأوس كانوا حلفاء مع اليهود. والذين أتوا بالرسول إلى المدينة هم عناصر من الخزرج، أرادوا أن يقيم هذا الإنسان الذي عدّوه مثل الحَكم، السلم. وشخصية أجنبية يمكن أن تقوم بالتحكيم بين طرفَ المدينة وإحلال السلم. وهي ظاهرة موجودة في التاريخ. فعندما نتحدث عن المدن الإيطالية في القرون الوسطى، حينما يتصارع طرفان أو حزبان في مدينة معيّنة، يدعون أجنبيًا يسمّونه (بوديستا Podesta) أي صاحب الحكم، ولكن بشروط هي أن يحلّ السلم بين هذه العناصر، وألّ يتزوج من أيٍ من الحزبين، وأن يكون موضوعيًا، وذلك لمدةٍ معينة. وعليه، فالرسول يقوم بدور هذا الشخص؛ فهو لم يتزوج بأيّ أنصارية، واستقر في وسط المدينة، وكان دوره هو إحلال السلم. وهذا ما جعله في السنة الأولى يقوم بتحرير الصحيفة المدنية بمعيّة عناصر من أهل المدينة. ويذكر فيها كيف يمكن تصفية الحسابات. لهذه الصحيفة دورٌ كبير. والمستشرقون مغرمون بها ولا يزالون؛ لأنّهم ظنّوا أنّ اليهود أعضاء في الأمة الإسلامية، ولم يفهم هؤلاء المستشرقون إلى اليوم النص، أو أساؤوا فهمه بطريقة فظيعة. ولعلّ ما غالطهم هو ما ذكره أساسًا ابن هشام أنّ فوق هذه الصحيفة كمدخل، ما قاله ابن إسحاق من مصالحة بين المسلمين واليهود، ولكن في الحقيقة اليهود موجودون في الصحيفة لكن كأمر ثانوي، والمصالحة الحقيقية هي لخلق أمر جديد هو خلق أمّة المؤمنين، أي لم تكن المصالحة "لا على الدخول في هذا الدين الجديد الذي سيجعل الأعداء القدامى أمّة واحدة وليس لأحد منهم الحق في الثأر أو شيء من هذا القبيل. بل أكثر من ذلك، إذا قام أحد أبناء إحدى العشيرتين بمخالفة، فعلى المسلمين من أبناء عشيرته أن يعاقبوه. ولا يحقّ لمؤمنٍ أن يثأر لكافر ولو من عشيرته، ومن هنا، إقامة نظام سلمي محمّدي قائم على الدين.

إن مفهوم "الأمّة" في القرآن قام دائمًا على الدين، خلافًا لمفاهيم أخرى موجودة مثل "الرهط" و"العشيرة"، ومثل "القرون" وهي الأجيال المتوالية من البشر. كلّ هذه المفاهيم قرآنية، والأمّة هي مفهوم مرتبط دائمًا بالدين حتى في الفترة المكّية. وهناك آية في القرآن تقول لو شاء الله لجعل من الناس أمّة واحدة، نعم، أمة واحدة مقامة على الدين القويم الصحيح. فهو مفهوم ديني. وبناءً عليه، كتابة هذه الصحفية مهمة جدًا لأنّها هي التي أتت بالسلم بفضل الدين، وخلق هذا المفهوم الذي يوجد في القرآن المكّ أي مفهوم الأمة الإسلامية ومفهوم المؤمنين برسالة محمد. وتَعدّ هذه الصحيفة اليهود أيضًا أمّة مع المؤمنين، أي أمّة بسبب دينٍ خاص بهم، لكن أراد أن يجعلهم مصاحبين للمسلمين، لكن هم لهم أمّة خاصة بهم، مشابهة للأمة الإسلامية. لكن كلّ المستشرقين القدامى والجدد، باستثناء كايتاني Caetani Leone، يريدون أن يجعلوا اليهود أعضاء في الأمّة الإسلامية. وهذا خطأ كبير وواضح. يرفض كايتاني ذلك لأنّ الإسناد ضعيف. ويجيبه Nöldeke بأنّ الإسناد لا قيمة له، وأنّه وقع إقحام اليهود إلى اليوم. ودونر Donner Fred أيضًا يقول في كتابه الجديد Muhammad and the Believers إنّ اليهود أعضاء في الأمة. ولم يفهموا أيضًا تركيبة الصحيفة. فالصحيفة صحيفتان، مُخاطتان إحداهما بالأخرى؛ قسم أوّل كُتب في السنة الأولى قبل "بدر"، وهو القسم الذي يتكلم عن الأمة ولا يتكلم عن القبائل اليهودية، وهذا أمر واضح جدًا، ويقول الواقدي إنّ الرسول عدّ اليهود مواليَ وتبعًا للعرب، ومن هنا، هو لا يتكلم عن قبيلة معيّنة، لا قينقاع ولا قريظة ولا شيء من هذا القبيل. وإنّما يقول يهود بني عوف وهم القينقاع، ويهود الأوس وهم النضير وقريظة. وعندما يتكلم عن اليهود يتكلّم بالتبَع للعشائر العربية؛ فالرسول لا يعترف في القسم الأوّل الذي كُتب قبل "بدر" باليهود بوصفهم كيانًا سياسيًا، بل يعترف فقط بأنّ لهم دينًا خاصًا بهم يكوّنون به أمّة. وهم تابعون سياسيًا واجتماعيًا للعرب. ولم يفهم المستشرقون لماذا لم يذكر اسم بني قريظة. ما جعل بعضهم يقول إنّ الصحيفة كُتبت بعد الصراع مع بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة. وهذا غلط. ثم هناك قسم ثانٍ كُتب بعد "بدر" وقبل "أحد". ولذا ذُكرت فيه قريش ومداهمة المدينة، وضرورة أن يتسلح كلّ أهل المدينة بما في ذلك اليهود للدفاع عن المدينة إذا تمّت مهاجمتهم. وكُتب هذا القسم الثاني في السنة الثالثة للهجرة، ترقّبًا لمهاجمة قريش المدينة. ويطلب الرسول من العرب والمسلمين أن ينفقوا للدفاع عن المدينة. هذا الجزء الثاني من الصحيفة من العدد 37 إلى 47 كُتب إذن في السنة الثالثة. وأدمج الكلّ في صحيفةٍ مكتملة. لكنّ هذه الصحيفة منقسمة زمنيًا إلى قسمين. من جهةٍ ثانية، أردت أن أقول إنّ الرسول في المخيال الجماعي هاجر إلى المدينة. لكنّه في الحقيقة وفي القرآن أُخرج من مكة "وأخرجوكم من دياركم.."، إلى آخره. وتقول آية أخرى إنّ "قريش" أرادوا أن يقتلوك أو يخرجوك.. وأخيرًا اختاروا الإخراج؛ فالهجرة لم تكن هجرة إرادية إنّما إجبارية. أردت أيضًا في هذا الكتاب الثالث أن أُفهم القارئ أنّ مسار الرسول في المدينة لم يكن هيّنًا؛ إذ تعرّض لمقاومة كبيرة ليس فقط في حروبه مع قريش وإنما في صراعه مع الداخل؛ فقد كان هناك اليهود الذين كانوا يعارضونه، وكان الرسول يعتقد أنّ اليهود سيدخلون بسرعة في هذا الدين الجديد الذي يعترف بدينهم وتوراتهم. لكن هذا لم يحدث. والمقصود باليهود هم الربانيون والأحبار وقادة القبائل، وبالخصوص "بني النضير" التي كانت هي القائمة بالشؤون الدينية. وكانت هناك معارضة قوية. وكان الرسول يتخوّف على المؤمنين لأنّ ضربات اليهود كان من شأنها أن تخلخل عزيمة المؤمنين في المدينة. وهو وصل في آخر المطاف إلى نتيجة، وهي أن يحدث Homogénéité أي تجانس في مدينته التي استقر فيها. وهذا ما جعله يطرد اليهود، وفي النهاية يقتل زعماء بني قريظة لخيانتهم ومظاهرتهم أصحاب الخندق كما يقول القرآن. مسار النبي كان صعبًا جدًا. كما كان هناك المنافقون. وقد حلّلت معنى المنافقين، وكيف يمكن أن نفهم هذا الوجود وقضية ابن أبَ بصفة خاصة، وغير ذلك. لم يتخلص النبي من الصعوبات إلّ في السنة الخامسة للهجرة، بعدما نجح الدفاع الذي أنشأه أي الخندق، ولم تُستبح المدينة من جانب قريش والبدو الذين كانوا معها. عندئذ رأى الرسول أنّه تخلّص من قريش ومن اليهود تمامًا. ووقع انسجام في المدينة؛ لأنّ قسمًا كبيرًا من الأوس كان في البداية معارضًا الرسول لأنّهم كانوا الغالبين في حرب "بُعاث"، وكان قسم كبير من الأوس أصدقاء لبني قريظة وبني النضير، وكانوا جيرانهم، ولم يُسلموا إلّ في

السنة الخامسة للهجرة. درست في آخر المطاف كيف جرى توحيد الحجاز بالأساس وليس كلّ الجزيرة العربية، وعلاقة الرسول بالقبائل. وطرحت إشكاليات غير موجودة في كتبٍ أخرى بخصوص هذا التوحيد، وبخصوص ما يسمّونه بالردّة. قمت بتحليلات خاصة لا يمكن أن أسترجعها الآن. لكن في آخر المطاف وعند موت الرسول، لم يقع توحيدٌ كامل للجزيرة العربية. ولا أرى أيضًا أنّ الرسول هو الذي جاء بفكرة الفتوحات. وأرى أنّ حلفاء الرسول هم من أتى بفكرة الفتوحات لأنّهم رأوا أنّ من مصلحة الإسلام أن يخرج العرب إلى الخارج، لأنّ الإسلام يجبر العرب على الأخوّة وأمور متعددة، وكان صعبًا على العرب أن يكونوا مسلمين جدّيين في جوّ الجزيرة العربية ومناخها الصعب، لذا رأوا أنّ الإسلام لن ينجح إلّ إذا كانت طاقة العرب موجَّهة إلى الخارج. هذه في الجملة، سيداتي وسادتي، إطلالة عامة على هذه الكتب الثلاثة، توخّيت فيها نقد النصوص، ونقد ما لم أره صحيحًا من آراء المستشرقين، بتحليلٍ دقيق للمصادر، وبصيغة تفهمية لهذه المغامرة الكبيرة التي كانت منعرجًا عظيما في تاريخ الإنسانية، تستحق أن يدرسها الإنسان، بالأخص المسلمين، دراسةً تاريخية معمّقة دقيقة وموضوعية، لكن تفهمية أيضًا. كما يجدر بالمؤرخ أن يكون متعاطفًا دائمًا مع موضوع بحثه.

كلمة الختام: الدكتور عزمي بشارة

أثيرت قضايا كثيرة في هذه الجلسة؛ منها قضايا فكرية مهمّة، ومنها مسألة إسقاطات مفاهيم الماضي على الحاضر، إذ يرى كثيرون أنّ الصحيفة هي دستور المدينة. في حين أن كلمة "دستور" كلمة حديثة، وهذا إسقاط من الماضي كما في إسقاط الدلالات الحديثة لمصطلحات مثل "دولة" و"أمة" من هذه الألفاظ في استخداماتها في الماضي، ويُسقط كثيرون مفهوم الأمة على أمم الماضي. وطبعًا، يختلف مفهوم الأمة الآن عن الماضي. ولا يمكننا أن نقبل بأنّ المدينة كانت أمّة مواطنين كما قرأت عند بعضهم، وغير ذلك. وحتى مفهوم الطائفة يسقط الآن على الماضي، وهي لم تكن تعني ذلك في الماضي؛ إذ كانت تعني طائفةً من الأشياء. ومفهوم الملّة أيضًا، وكلّ هذه المفاهيم، نأمل أن يساهم مشروعنا في معجم الدوحة التاريخي للّغة العربية مساهمةً كبيرةً في فهم النصوص في زمانها وسياقها التاريخي، بدلً من فهم الألفاظ بدلالاتها الحاضرة. هناك مشكلة أرى أنّ الدكتور هشام وآخرين يعانونها؛ فمشكلة المثقف العربي العقلاني المتخصص الذي يستخدم معاييرَ عقلانيةً في أبحاثه ومعايير أخلاقيةً في حياته، أنّه يعاني سلفيتين هذه الأيام؛ سلفيةً دينيةً، وسلفيةً علمانيةً، تحوّل العلمانية التي اتفق معها إلى أيديولوجية. وأرى أنّ بعضنا يسقط ضحية السلفيتين، لا ضحية سلفية واحدة. وربما هذا ما يميز عصرنا من عصر طه حسين في تلك الفترة؛ فإذا كنت تعيش في بلدٍ مثل تونس قد تهاجمك سلفية دينية متشددة جدًا وتهاجمك أيضًا سلفية لائكية متشددة جدًا. وعلينا في هذه المرحلة أن نصمد كباحثين في وجه ضغوط سلفياتٍ عديدة كما يبدو. وبهذا نختم.