دستور المدينة: قراءة في تاريخ نص
The Constitution of Medina: The History of the Reception of a Text
الملخّص
هذه الدراسة قراءة في تاريخ ما يُفرض أنه نص وثيقة أطلقت عليه المصنفات الإسلامية التاريخية الباكرة والوسيطة "الصحيفة" وأحيانًا "الكتاب"، وأشار إليه مفكرون مُحدَثون ومعاصرون، مسلمون وغير مسلمين، ب "دستور المدينة". يُفرض أنّ كتابة ذلك النص بدأت بعد هجرة الرسول محمد من مكة إلى المدينة المنورة عام 622 م. وقد أشارت بعض المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة إلى ذلك النص أو أجزاء منه، أحيانًا بتفصيل، وأحيانًا أخرى بإيجاز لا يتجاوز إشارةً عابرةً بغير مضمونٍ دالٍّ. بيد أنّه اكتسب أهميةً كبيرةً في الأدبيات الإسلامية الحديثة؛ إذ قَرأتْ في ذلك النص أمورًا لم تكن على الأرجح -بحسب هذه الدراسة- لتطرأ على ذهن مؤلفي المصنفات الباكرة والوسيطة، فضلًا عن كاتبي النص الأصليين. وليست هذه الورقة بحثًا في أصالة النص التاريخية أو تأريخًا لكتابته الأولى أو بحثًا في مصادره. كما أنها ليست دراسةً في متن النص بوصفه مصدرًا لمعلومات تاريخية أو مبادئ قيميةً. فهذه الدراسة تسعى أساسًا لتتبع تاريخ تناول المسلمين لذلك النص على مدار أربعة عشر قرنًا، محاولةً تفسر التطور في قراءته من خلال النظر في السياقات التاريخية التي لم تؤثّر بأفكارها واهتماماتها وتوجهاتها المختلفة في عملية قراءته بوصفه نصًّا فحسب، بل في عملية "صناعته" أيضًا بوصفه نصًّا تاريخيًا مؤسّسًا في الأدبيات الحديثة والمعاصرة. وهي، بعبارة أخرى، تُعنى بتاريخ ذلك النص من جهة أنه موضوع للقراءة تطوّر مع تغير الأوضاع التي عاش فيها من اهتموا به.
Abstract
This study concerns the history of a document (Sahifat al-Madinah) that was often cited in Islamic works during the early and middle periods. Modern and contemporary writers, Muslims and non-Muslims alike, refer to it as the Constitution of Medina. The drafting of this text is believed to have begun after the Hijra of Prophet Muhammad from Mecca to Medina in 622 A.D. Muslim writers in the Early Islamic and Middle Islamic periods vary in the extent to which they include details on the text itself; but it has undoubtedly taken on great importance in the modern era. The analysis presented in this paper focuses on the evolving history of how Muslims received the text over 14 centuries, and attempts to explain that evolution with reference to changing historical contexts, intellectual trends, forces and developing interests. That is, the paper investigates not just the way the text was read, but also the way it was "manufactured" into a founding historical document for modern and contemporary literature.
- مساواة
- دستور
- يهود المدينة
- ابن إسحاق
- القبائل العربية
- الأوس
- الخزرج
- Citizenship
- Equality
- Constitution
- Jews of Medina
- Ibn Ishaq
- Arab tribes
مقدمة
في أغلب الكتابات الحديثة عن التاريخ الإسلامي، ولا سيما المعاصرة منها التي يقوم بها باحثون مسلمون وأحيانًا غير مسلمين، نجد عرضًا وتحليلً لما يعدّه هؤلاء الباحثون نصًّا لواحدةٍ من أهمّ الوثائق السياسية في تاريخ الإسلام، بوصفه "دستور" أوّل "دولة" إسلامية أنشأها الرسول محمد ما إن هاجر إلى يثرب (باتت تُعرف ب "المدينة المنورة" منذ ذلك الوقت). وأطلقت المصادر الإسلامية (الباكرة والوسيطة) على الوثيقة التي يُفترض أنها اشتملت على ذلك النص، أو على بعضه، "الصحيفة" وأحيانًا "الكتاب". وبحسب هذه المصادر التي لم تذكر بالضرورة النصوص نفسها أو الأسانيد نفسها، جاءت كتابة الوثيقة بعد هجرة الرسول محمد من مكة إلى المدينة عام 622 م. وفي هذا السياق البحثيّ الذي تسعى له هذه الدراسة بوصفه موضوعًا للقراءة في العصور الإسلامية المختلفة، وموضوعًا لصناعة نص تاريخي يُقدَّم في الوقت الراهن على أنه من النصوص المؤسسة للحضارة الإسلامية، إن لم يكن، كما سنرى ذلك، مؤسّسًا للحضارة الإنسانية بصفة عامة، تُطرح عدّة أسئلة رئيسة، لعلّ أبرزها: كيف قرأ مؤلِّفو المصنفات الإسلامية الأوائل والمتأخرون والمعاصرون ذلك النص؟ وماذا رأوا فيه؟ ولماذا؟ تسعى الدراسة للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تتبع تاريخ تناول المسلمين لذلك النص على مدار أربعة عشر قرنًا، محاولةً تفسير تغير ذلك التناول من خلال النظر في تأثير السياقات التاريخية باهتماماتها وتوجهاتها المختلفة، وليس ذلك في عملية قراءة النصوص التاريخية فقط، بل في عملية "صناعة" النص التاريخي نفسه أيضًا، ليصبح في النهاية "نصًّا مؤسّسًا"1. تبدأ الدراسة بعرض نص "صحيفة المدينة" في بعض الأدبيات الإسلامية الحديثة، ومن ثمّ تنتقل إلى عرض تناولها في المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة، ثمّ تعامل تلك الأدبيات الحديثة مع حضور النص في هذه المصنفات الباكرة والوسيطة، وتنتقل، بعد ذلك، إلى تحليل تاريخ الوثيقة من زاوية سؤال البحث الرئيس؛ أي أثر السياقات المختلفة في قراءة الوثيقة، ولا سيما في تلك الأدبيات الحديثة. ولتجنب تجاوز الدراسة الحيّز المسموح به، فإنها لا تتناول إلّ تلك الأدبيات المكتوبة باللغة العربية، وإن كان أغلب مؤلفي تلك الأدبيات، وليس جلّهم، عربًا.
"دستور المدينة" يف الكتابات الإسلامية الحديثة2
كان لصحيفة المدينة حضور لافت للانتباه في أغلب الأدبيات الإسلامية الحديثة التي تتناول العديد من الموضوعات؛ مثل التنظيم السياسي للدولة والمبادئ التي يجب أن يقوم عليها من وجهة نظر "إسلامية"، والعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، فضلً عن الكتابات التي تتناول السيرة النبوية خصوصًا، أو التاريخ الإسلامي بوجه عامّ. وتقوم هذه الكتابات على افتراض وجود وثيقة تاريخية، سميت "الصحيفة" في المصادر الإسلامية الباكرة والوسيطة (ولذلك نشير إليها في هذا السياق ب "صحيفة المدينة")، وهي تشتمل على نص محدد أملاه الرسول محمد بنفسه بعد هجرته إلى المدينة المنورة أو في العام الأول من الهجرة3.
لقد وصل الاهتمام بالصحيفة إلى كتابة رسائل علمية عنها4، وعقد مؤتمرات مخصصة لمناقشة جوانبها المختلفة. ويعدّ المؤتمر التاسع لرابطة الجامعات الإسلامية الذي عُقد في جامعة الأمير عبد القادر الجزائرية عام 2014 بعنوان "صحيفة المدينة وفن بناء الدولة" مثالً لذلك الاهتمام المؤسسي بالصحيفة، بوصفها وثيقةً سياسيةً مؤسسةً لدولة5، وهو ما أفضى في النهاية إلى اتفاق أغلب المفكرين المسلمين المحدثين، ولا سيما المعاصرين منهم، على الإشارة إلى الوثيقة ب "دستور المدينة". ولم يقتصر هذا الاهتمام على المفكرين السُنة والمؤسسات السُنية، وإنما امتد ليشمل أيضًا نظراءهم من الشيعة6. فإضافةً إلى الأدبيات الشيعية الفردية التي تناولت الصحيفة، نظّم مركز دراسات الكوفة (جامعة الكوفة)، على سبيل المثال، مؤتمرًا متعلّقًا بها، وقام بنشر بعض بحوثه في كتاب بالاشتراك مع مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ببيروت7. وعلى الرغم من الاختلافات الكلامية والفقهية والسياسية والتاريخية بين السُنة والشيعة، فإنّ اهتمامات مفكري كلا الطرفين، في ما يتعلق بأهمية الوثيقة، كانت متشابهةً إلى حدّ كبير. ويعدّ هذا التشابه جديرًا بالملاحظة حقًّا، ولكنه يظلّ متوقعًا ومفهومًا في الوقت نفسه. وسيجري التعليق على قراءة المفكرين المسلمين الحديثة للوثيقة لاحقًا، سواء كانوا من السُنة أو من الشيعة. يقول مفكر مسلم معاصر في سياق حديثه عن الفترة التاريخية التي كتبت فيها "صحيفة المدينة" وأوضاع كتابتها: " بمجرد وصول النبي ﷺ إلى المدينة المنورة عقد مجلسًا كبيرًا ضمّ الأنصار ورؤساء المهاجرين في بيت أنس بن مالك رضي الله عنه، حيث تمّ فيه مداولة الأحكام والأسس القانونية لعملية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (...) وقد تمّ تعيين المواد 1 - 23 [من "صحيفة المدينة"] وتدوينها في الاجتماع، أي تسجيل العلاقات الاجتماعية والقانونية للمجتمع المسلم الناشئ. بعد ذلك قام الرسول ﷺ بمشاورات عديدة مع زعماء وممثلي الجماعات غير الإسلامية من اليهود والمشركين، وكان ذلك في بيت بنت الحارث، حيث تمّ التفاهم على المبادئ الأساسية لدولة المدينة المنورة الجديدة، وكان ذلك بمثابة الدستور الجديد للدولة، وهذا الدستور هو وثيقة المدينة المنورة. والجدير بالذكر أنّ هذين الاجتماعين المهمين قد سارَا في جوّ من الحوار الحر والهادئ، فقد طرح ممثلو كلّ القبائل انشغالاتهم ومطالبهم، وبعد الأخذ والرد والنقاشالطويل، استطاع النبي الوصول إلى كلمة سواء، كانت بمثابة الإطار المشترك الذي دُونت بموجبه مواد الوثيقة في ما بعد"8. وعلى الرغم من وجود بعض اختلاف في الأدبيات الإسلامية الحديثة حول الفترة الزمنية التي كتبت فيها الصحيفة، وكذلك حول احتمال أنّ الصحيفة بنصها المعتمد الآن كانت أكثر من صحيفة تمّ ضمّ نصوصها لاحقًا على أنها نص صحيفة واحدة، فإنّ الاتجاه الغالب في تلك الأدبيات يميل إلى النظر إليها بوصفها نصًّا كُتب دفعةً واحدةً أو في غضون الأشهر الأولى بعد هجرة الرسول إلى المدينة. وعلى الرغم من عدم تصريح كثير من أصحاب تلك الأدبيات باعتقادهم في ما يخص الطريقة التي كُتبت بها الصحيفة، يمكن الزعم أنّ الوصف المذكور آنفًا يعكس نظرتهم العامة للصحيفة بوصفها دستورًا سعى لتأسيس مبادئ معيّنة تقوم عليها مجموعة الحقوق والواجبات التي تحكم الجماعات المكونة للدولة الوليدة، والتي كان المسلمون فيها أقليةً عدديةً.
ومن خلال هذا المنظور، كانت الصحيفة، التي كُتبت بمبادرة من الرسول نفسه، "ناتج حوار واتفاق"9؛ إذ سبقتها اجتماعات ومشاورات مع الجماعات التي كانت في المدينة في ذلك الوقت، من المسلمين أو اليهود أو المشركين أيضًا. فحتى إن لم نستطع توثيق ذلك، فإنه لا يستقيم، من وجهة نظر المفكرين المسلمين، أن يتمّ فرض تلك الصحيفة ببنودها المختلفة على الأغلبية العددية من الأقلية، خصوصًا أنّ بعض أفراد تلك الأقلية (أي المهاجرين) كانوا غرباء عن المدينة أصلً. بيد أنّ ضعف الاهتمام بالأوضاع التي نشأت فيها الصحيفة يقابله اهتمام كبير بها، من جهة أنها أساس للتنظيم السياسي لدولة المدينة التي أنشأها الرسول في رأي هؤلاء المفكرين؛ إذ تركز أدبياتهم في الأهمية "التشريعية" للصحيفة بوصفها دستورًا شاملً ومحكم الصَوْغ لتلك الدولة الجديدة، فضلً عن كونها مصدرًا لبعض المبادئ القانونية الأخرى، بل المبادئ العليا التي تُشكّل "روح" التشريعات الإسلامية ذات الصلة بموضوعها. يقول عبد الله الديرشوي: "لعل أقرب ما يطلق على هذه الصحيفة في اصطلاحنا الحديث هو تسميتها 'الدستور'، حيث أوضحت التزامات جميع الأطراف داخل الدولة الإسلامية، ورسمت سياسة الدولة في الداخل والخارج"10. كما يذهب إلى القول إنّ تلك الوثيقة، ذات "صياغة بالغة في الدقة"، لهي "أنصع دليل على أنّ المجتمع الإسلامي قام منذ أوّل نشأته على أُسس دستورية تامة"11؛ إذ أسّست الصحيفة مبدأ "المواطنة في الدولة الإسلامية"، وحددت "شخصية قائد الدولة"، وتناولت "أحكام السلم والحرب"12. ويتفق محمد سليم العوا - الكاتب الإسلامي والقانوني المعروف - مع الرأي القائل إنّ الصحيفة صيغت "صياغةً بالغة الدقة"13، كما يوافق على أنها أسّست مبدأ المواطنة (في مقابل القبلية القائمة على رابطة الدم والنسب) في الدولة الجديدة في المدينة، وحددت رئيس تلك الدولة (الرسول محمد)14. ويضيف العوا كذلك، في تناوله لأهمية الصحيفة التشريعية، أنها كانت "أول وثيقة سياسية متعدّدة الأطراف تقرر مبدأ جواز الانضمام إليها بعد توقيعها"15. كما أنها اشتملت على مبدأ قانوني مهمّ؛ هو شخصية المسؤولية الجنائية والعقوبة المترتبة عليها16. ويذهب مفكر آخر إلى أنها مثّلت تطورًا كبيرًا في مفاهيم الاجتماع والسياسة، بل إنها "تصلح لإقامة علاقات دولية، حتى في عصرنا هذا، لِما فيها من خصائص إنسانية عامة، وأسس عادلة"17. وأخيرًا، تلخص نتائج مؤتمر مركز دراسات الكوفة النظرة الإسلامية الحديثة ل "صحيفة المدينة"؛ إذ انتهت إلى قيام "التجربة التأسيسية للدولة في الإسلام على أساس أنّ التعاقد الاجتماعي هو أساس بناء المجتمع المدني Society Civil، وأنّ هذا العقد الاجتماعي تمثَّل بالدستور الذي يحدّد الحقوق والواجبات للأفراد والسلطات"18.
وعلى الرغم من تعدّد إنجازات الصحيفة التشريعية، فإنّ البعد الذي نال الاهتمام الأكبر فيها هو أنها وثيقة مؤسسة لدولة جديدة؛ أي دستور، كما رأينا. وقد يكون أوضح ما قيل في ذلك هو أنّ الصحيفة قد "أسست (...) دولةً مدنيةً في واقع لم يكن يعرف الدولة، بعناصرها الأربعة: المواطنين، والإقليم، والحكومة، والقانون"19، وقد كانت تلك "دولةً مدنيةً" (في مقابل الدولة الدينية)، قائمةً على "دستور مدني ضامن للحقوق والحريات ومحدد لسلطات الدولة"20. وقد نال مبدأ "المواطنة" اهتمامًا خاصًّا، على نحوٍ ربما أظهر عناصر الدولة الأخرى كأنها جاءت لتحقيق هذا المبدأ تحديدًا، أو كأنه كان دافعًا إلى كتابة الصحيفة، وليس هدفًا من أهدافها فحسب؛ إذ يقول عبد الكريم الحمداوي في نصوص الصحيفة: "بهذه النصوص الواضحة الصريحة (...) تبلورت أوّل مرة في التاريخ فكرة المواطنة بمعناها الحضاري"21. ويتفق الصلابي- العالم السنّي المعروف - مع هذا المعنى، مؤكدًا أنّ "اختلاف الدين"، بحسب الصحيفة، ليس "سببًا للحرمان من مبدأ المواطنة"22. وفي السياق نفسه، يؤكِّد المفكر الإسلامي فهمي هويدي أنّ "أهل الكتاب [بنص صحيفة المدينة]، كانت لهم حقوق المواطنة الكاملة يمارسون عبادتهم بكل حرية، ويناصحون المسلمين، ويتناصرون في حماية المدينة (...) ويتعاونون، كلّ في موقعه، على حمل أعباء ذلك"23. ويقول عزوز الشوالي في سياق شرحه لتأسيس مبدأ المواطنة دافعًا إلى كتابة الصحيفة إنّ الحاجة إلى الصحيفة جاءت بسبب إخفاق "رابطة الدم" في حلّ مشكلات المدينة قبل هجرة الرسول إليها، وهو ما دفعه إلى التفكير في "عقد وفاق جماعي بين الأطراف المتدافعة في المجتمع المدني، ودوَّنه في وثيقة نظامية هي عبارة عن معاهدة أو دستور سُميت "صحيفة المدينة"24. وبما أنّ المواطنة تحتاج إلى وطن، فقد أسست الصحيفة وطنًا حين "حرَّمت" المدينة (أي عدّتها حرمًا)، جاعلةً إياها "إقليمًا للدولة" الجديدة25. بيد أنّ تحقيق المواطنة، كما يدرك المفكرون المسلمون في العصر الحديث، يتطلب أكثر من الاتفاق السياسي؛ ولذلك ارتبطت الصحيفة أيضًا في أدبياتهم بمجموعة كبيرة من القيم السياسية والأخلاقية والاجتماعية. فبما أنّ المواطنة تتطلب المساواة بين المواطنين وتفترضها، فلا عجب أن "جاءت صحيفة الرسول (...) مؤكدة لمعنى المساواة"26؛ إذ كانت "بمنزلة دستور أرسى قواعد التعامل الإسلامي مع التعدّدية على اختلاف صورها، وصولً لصورتها المتجلية بالصيغ والممارسات السياسية"27.
وكدليل على سعي ذلك الدستور لتأسيس مبادئ "التنوع والتعدّد (...) ورابطة المواطنة"28، لاحظ مفكر مسلم أنّ الصحيفة "لم تجعل اليهود ذميين ولم تأمرهم بإعطاء الجزية لأيّ سُلطة"29. وهذا يؤكِّد حماية الصحيفة "الحرية الدينية" لمواطني الدولة30، كما تضمن تمامًا "حرية الرأي، وحرية الهجرة والإقامة، [إضافةً إلى] حرمة النفس، وحرمة المال، وحرمة الجوار، وحرمة الوطن"31، علاوةً على "حرية اللغة والثقافة"، و"حرية التجارة"، و"المشاركة والمدامجة في الطعام والزواج"، و"الدفاع المشترك"32. وفي حين يتحدث مفكر مسلم عن تأسيس الوثيقة لمبدأ "التعايش السلمي" في مجتمع المدينة33، يتحدث آخر عنها بوصفها نموذجًا يُحتذى في تطبيق "العدالة الانتقالية"34. وأخيرًا، يؤكِّد محمد مهدي شمس الدين، المفكر الشيعي والإسلامي المعروف، أنّ في إشارة الصحيفة إلى المسلمين على أنهم أمة، ثمّ الإشارة بعد ذلك إلى اليهود بوصفهم جزءًا من مجتمع المدينة الناشئ، دلالةً على أنّ "الأمة بالمعنى العقيدي قادرة على التشكّل في مجتمع سياسي متنوع يتكون منها ومن (أمّة أخرى) قائمة على أساس عقيدي أو عرقي أو غيرهما"35، وأنه "في الفكر الإسلامي لا يوجد تلازم بين مفاهيم: وحدة الأمة (بالمعنى العقيدي)، ووحدة المجتمع السياسي ووحدة الدولة"36. وفي كلّ ذلك، "يتمتع الجميع (...) بحقّ المواطنة الكاملة "37. وفي هذا السياق، يفرق شمس الدين بوضوح بين معنيين للفظ "الأمة" في الصحيفة، فهناك الأمة التي يكون أساسها الانتماء الديني، والأمة التي تقوم على التوحد في الانتماء إلى مشروع سياسي واحد38. وفي جميع الأحوال، استطاعت صحيفة المدينة، بوصفها دستورًا في تلك الأدبيات، تأصيل مبدأ المواطنة على أساس مجموعة من القيم التي تعطي له معنى. وأخيرًا، كانت صحيفة المدينة بوصفها دستورًا سياسيًا ومرجعًا لقيم ومبادئ عليا ناجحة، سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا، بل أخلاقيًا. فقد "نقلت المتساكنين من نظام الأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة إلى نظام الأمة الواحدة، كما عملت على تنظيم الدفاع المُحكم ضدّ أيّ عدوان خارجي، وتوفّر الأمن الداخلي لجميع المتعاقدين وكفالة الحقوق والحريات، والأخذ بمبدأ التكافل الاجتماعي، وتحقيق مبدأ التسامح الديني المفضي إلى التعايش السلمي والتعاون بين الأفراد والقضاء على الطبقية والعنصرية والطائفية، وعملت على سيادة العدل والمساواة في الحقوق والواجبات العامة أمام القانون وغيرها من المبادئ والقيم الإنسانية النبيلة التي لم يعرفها العالم إلا منذ قرنين تقريبًا (...) كما كان لدستور المدينة دور بارز في إخراج المجتمع من دوامة الصراع القبلَي إلى رحاب الأخوة والمحبة والتسامح؛ إذ ركّز على كثير من المبادئ الإنسانية السامية كنصرة المظلوم، وحماية الجار، ورعاية الحقوق الخاصة والعامة، وتحريم الجريمة، والتعاون في دفع الديات، وافتداء الأسرى، ومساعدة المدين، إلى غير ذلك من المبادئ التي تُشعر أبناء الوطن الواحد بمختلف أجنساهم وأعراقهم ومعتقداتهم أنهم أسرة واحدة مكلفة بالدفاع عن الوطن أمام أيّ اعتداء يفاجئهم من الخارج"39.
لا تسعى هذه الدراسة لحصر كلّ الأدبيات الحديثة والمعاصرة التي تناولت صحيفة المدينة. بيد أنّنا نستطيع أن نزعم أنّ الأدبيات التي تمّ عرضها في هذا السياق تمثّل، إلى حدّ كبير، القراءات الإسلامية الحديثة والمعاصرة لها. وتأخذ هذه الأدبيات في الوصف التنوع الموجود في المشهد الإسلامي العربي المعاصر؛ إذ تناولت مفكرين سنّة وشيعة (وبعض هؤلاء وأولئك يسعون لتجاوز هذا التقسيم المذهبي)، كما أنها لم تقتصر على مفكرين ذوي خلفية دينية بالمعنى التقليدي (أي متخرجين في المؤسسات التعليمية الدينية التقليدية)، بل اشتملت كذلك على مفكرين وحركيين "إسلاميين" من خارج المؤسسات الدينية الرسمية. كما تمّت الإشارة إلى مصنفات تهتم، أساسًا، بالتاريخ الإسلامي، وأخرى تهتم بالتنظير لمشروع سياسي إسلامي. ولم تهدف كلّ الاقتباسات السابقة إلا إلى الاستدلال على وجود اتجاه عامّ في هذه الأدبيات الحديثة ينظر إلى الصحيفة على أنها تناظر الدساتير الحديثة، من جهة أنّها وضعت أسس دولة مكتملة الأركان، وزودتها بمجموعة مبادئ تشريعية محكمة وأخلاقية سامية وسياسية متقدمة. وبذلك تصبح الصحيفة من النصوص المؤسسة للفكر السياسي الإسلامي، بمعنى أنها نص نبوي شرعي جمع بين الفكر والتطبيق الفعلي على الأرض. فهذه هي صورة الصحيفة في الأدبيات الإسلامية الحديثة بوجه عامّ، لكننا لا نعدم وجود استثناءات، وإن ظلت فرديةً متفرقةً لا تؤثّر في سلامة التعميم، ولكنها تفيد في سياق آخر حيث يتمّ التطرّق إليها40. وفي ما يلي، ننتقل إلى تناول المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة للنص نفسه أو الصحيفة.
"صحيفة المدينة" يف المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة41
سواء عُدّت "صحيفة المدينة" منذ وقت كتابتها نصًا مؤسسًا أو لم تُعدّ كذلك، فإننا نفترض، استنادًا إلى موضوعها، أن نجد لها ذكرًا في العديد من المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة؛ مثل مصنفات التاريخ بالنظر إلى أنّ الصحيفة جزءًا من سيرة الرسول، ومصنفات الحديث، وأنّها تدخل في التعريف العامّ للسنة النبوية، ومصنفات السياسة الشرعية والأحكام السلطانية، وكذلك في مصنفات الفقه الإسلامي بوصفها مصدرًا لأدلة شرعية ترتبط بالعلاقة مع غير المسلمين، والديات، وتحريم المدينة، وغيرها من القضايا. ويهدف هذا الجزء من الدراسة إلى تتبع حضور الصحيفة في المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة ووصفه. ربما يكون أقدم مصدر ل "صحيفة المدينة" هو أقدم سيرة نبوية وصلتنا كاملةً (سيرة رسول اللهلمحمد بن إسحاق المتوفى سنة 151 للهجرة)42. وقد كانت هذه السيرة مصدر النص الذي اعتمدت عليه بعض المصادر اللاحقة، ومنها ابن سيد الناس (ت. 734 ه)43، وابن كثير (ت. 774 ه)44. ويقدّم ابن إسحاق النص قائلً: "وكتب رسول الله كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادعَ فيه يهودًا وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم"45.
نلاحظ أمرين مهمين في عرض ابن إسحاق للصحيفة. فالأمر الأول هو أنه يذكرها بأطول نص معروف لها (وهو النص المثبت في ملحق هذه الدراسة، ونطلق عليه من الآن فصاعدًا "نص ابن إسحاق"). والأمر الثاني هو أنه أوردها من دون إسناد. بيد أنّ النص نفسه يظهر في مصنفات لاحقة مسندًا. فقد ذكره ابن سيد الناس في التاريخ الكبير بهذا الإسناد الذي نسبه إلى ابن أبي خيثمة؛ إذ يقول: " حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد، حدثنا عيسى بن يونس، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني، عن أبيه، عن جدّه، أنّ رسول الله كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار"46. وكما لاحظ أكرم ضياء العمري، فإنّ خبر الصحيفة لا يظهر في الجزء الذي وصل إلينا من تاريخ ابن أبي خيثمة47. ويظهر لنص ابن إسحاق إسناد آخر في كتاب الأمواللأبي عبيد القاسم بن سلام (ت. 224 ه)، جاء فيه: " حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالَ، حدثنا الليث بن سعد، قال، حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أنّ رسول الله كتب بهذا الكتاب"48. وفي كتاب الأمواللابن زنجويه (ت. 251 ه)49، يظهر النص بهذا السند: " حدثنا حميد [بن زنجويه] حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أنه قال50". هذه هي الأسانيد الموجودة لنص الصحيفة كما أوردها ابن إسحاق (أو بتغييرات طفيفة). ويمكن لنا أن نكتفي بهذه المصادر، وليس ذلك لأنّ نصها هو الأطول، ولكن على أساس أنها، في حدود علمنا، هي الوحيدة التي تصرّح بالإشارة إلى "الصحيفة" أو "الكتاب" الذي يفترض كتابته بعد هجرة الرسول إلى المدينة. غير أنّ هناك أخبارًا أو أحاديث أخرى، أكثرها مسند، يرى بعض الباحثين المعاصرين أنها تشير إلى أجزاء محددة من نص الصحيفة كما تظهر في سيرة ابن إسحاق. ونذكر بعض تلك الأخبار في هذا السياق فقط، من باب الحرص على تتبع كلّ ما يمكن أن يكون إشارةً إلى الصحيفة أو أيّ جزء منها في المصنفات الباكرة والوسيطة51. تظهر أشهر تلك الأخبار في سنن البيهقي (ت. 458)، وينسب هذا المحدّث إسناد أولها إلى ابن إسحاق نفسه. ففي باب "العاقلة"، يتحدث نص البيهقي عن العلاقة بين المهاجرين والأنصار من دون الإشارة إلى العلاقة باليهود وغيرهم كما نجد في نص ابن إسحاق. وجاء في إسناد هذا الخبر: " أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار،
ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق، حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق، قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب، كان مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال52. يورد هذا الخبر نص الصحيفة على غرار ملحق هذه الدراسة حتى المادة 12 بتقسيم حميد الله. ويظهر الإسناد نفسه في أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية (ت. 751 ه)، بيد أنّه لا يتوقف عند نهاية المتن الذي يذكره البيهقي لهذا السند، وإنما يزيد فيه حتى يكمل أكثر نص ابن إسحاق لها في سيرته. ويعلّق ابن قيم الجوزية على النص قائلً: "وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم "53. كما يظهر في نصّ البيهقي أيضًا خبر آخر بإسناد مختلف لما يعدّه بعض الباحثين المحدثين والمعاصرين فقرة بعينها من "نص ابن إسحاق" للصحيفة، وبالإسناد الذي ينسبه ابن سيد الناس إلى ابن أبي خيثمة كما هو واضح من القول: " روى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنه قال: كان في كتاب النبي 'إنّ كلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط من المؤمنين وإنّ على المؤمنين ألّ يتركوا مفرحًا منهم حتى يعطوه في فداء أو عقل"'54. وتأتي أخبار أخرى في سياق الحديث عن صحيفة يفترض أنها كانت في سيف رسول الله (السيف المسمى "ذو الفقار") وهو السيف الذي ورثه علي بن أبي طالب بعد وفاة ابن عمه وحميه55. وتظهر الإشارة إلى خبر تلك الصحيفة التي كانت عند علي في صحيح البخاري، على سبيل المثال، في موضعين56. فالموضع الأول كتاب "فضائل المدينة" في الصحيح. ونص الخبر هو: " حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي. المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منها صرف ولا عدل. وقال ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى قومًا بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل57. وتأتي الإشارة الأخرى في باب "ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بها أدناهم" في كتاب "الجزية والموادعة" في الصحيح. ونص الخبر هو: " حدثني محمد أخبرنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا عليّ فقال: ما عندنا كتاب نقرؤه إلا
كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فقال: فيها الجراحات وأسنان الإبل والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدّثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك. وذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه مثل ذلك58. وقد نضيف إلى كلّ ذلك ما يمكن أن يكون بعض إشارات إلى محتوى الصحيفة في سياق تفسير بعض الآيات القرآنية، وأغلب تلك الأمثلة تشير إلى "الموادعة" التي كانت بين الرسول ويهود المدينة. وتشمل بعض الأمثلة الآية: ﴿ألَمْ ترَ إِلَ الَّذِينَ نهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نهُوا عَنْه ﴾ُ59. ويذكر مقاتل بن سليمان (ت. 150 ه) أنها نزلت في اليهود؛ إذ كان بينهم وبين الرسول موادعة إلّ أنهم كانوا يؤذون المسلمين بنجواهم60. وتظهر الإشارة إلى الموادعة في مصنفات أخرى، فيذكر الواقدي (ت. 207 ه)، على سبيل المثال، في المغازيفي سياق الحديث عن "غزوة بني قينقاع" في "باب الموادعة" خبرًا متنه: "لمّا قدم رسول الله المدينة وادعَته يهود كلّها وكتب بينه وبينها كتابًا، وألحق كلّ قوم بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانًا، وشرط عليهم شروطًا فكان في ما شرط عليهم ألّ يظاهروا عليه عدوًّا61. كما تظهر أخبار عن كتاب كتبه الرسول مع اليهود في المدينة في سياق خبر مقتل كعب بن الأشرف، أحد أشراف اليهود، بأمر النبي، وما تلا ذلك. يقول الواقدي في مغازيه: "وكان رسول الله قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام، فيهم أهل الحلقة والحصون، ومنهم حلفاء للحيين جميعًا الأوس والخزرج. فأراد رسول الله حين قدم المدينة استصلاحهم كلّهم وموادعتهم"62. وبعد عرض ما فعله ابن الأشرف من هجاء الرسول والمسلمين وأمْر الرسول بقتله، يقول الواقدي: "ففزعت اليهود ومن معها من المشركين فجاؤوا إلى النبي حين أصبحوا فقالوا: قد طُرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا قُتل غيلةً بلا جرمٍ ولا حدث علمناه. فقال رسول الله: إنه لو قرّ كما قرّ غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منَّا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان له السيف. ودعاهم رسول الله إلى أن يكتب بينهم وبينه كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتبوا بينهم وبينه كتابًا تحت العذق في دار رملة بنت الحارث، فحذرت اليهود وذلت من يوم قتل ابن الأشرف"63. وفي رواية للشيخ الصدوق، محمد بن علي بن قولويه (ت. 81 3 ه)، يقول: "وجاءته اليهود فقالوا: يا محمد، إلى ما تدعو؟ (...) فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة، على ألّ نكون لك ولا عليك، ولا نعين عليك أحدًا، ولا نتعرض لأحد من أصحابك، ولا تتعرض لنا، ولا لأحد من أصحابنا، حتى ننظر إلى ما يصير أمرك، وأمر قومك (...) فأجابهم رسول الله ﷺ إلى ذلك. وكتب بينهم كتابًا ألّ يعينوا على رسول الله ﷺ، ولا على أحد من أصحابه، بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع في السر والعلانية،
لا بليل ولا نهار. الله بذلك عليهم شهيد. فإن فعلوا فرسول الله ﷺ في حلٍّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم. وكتب لكلّ قبيلة منهم كتابًا على حدة64. إنّ في هذه الأخبار كلّها فكرةً عامةً عن حضور "صحيفة المدينة" في المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة، وهو حضور مؤكد أحيانًا، ومحتمل أحيانًا أخرى؛ إذ لا نجد إشارةً صريحةً إلى الصحيفة. وتظهر أوّل الإشارات المؤكدة للصحيفة بنص طويل من غير سند يتكرر في بعض المصادر اللاحقة اعتمادًا على ذلك المصدر الأول أحيانًا، وبأسانيد أخرى أحيانًا أخرى. وفي ما عدا ذلك، تظهر إشارات إلى ما قد يكون بعض أجزاء من ذلك النص الطويل وبأسانيد متعدّدة. وفي جميع الأحوال، لا يمكن لنا وصف حضور الصحيفة أو أيّ أجزاء مفترضة منها في المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة بأهمّيةٍ ما؛ إذ يغيب أيّ ذكر للصحيفة في بعض المصنفات الباكرة الأولى التي نتوقع إشارتها إليها. وقد يكون أوضح مثال لذلك طبقات ابن سعد (ت. 230 ه)، وهو يُعدّ، بحسب حميد الله، أكبر مصدر للوثائق النبوية65. والواقع أنّ ابن سعد يعرض باستفاضة لحياة الرسول ويذكر نصوص كتبه إلى كثير من القبائل بعد الهجرة66، بيد أنّه لا يشير ولو عرَضًا إلى صحيفة المدينة. إضافةً إلى ذلك، لا نجد نص ابن إسحاق كاملً في أيّ كتاب من كتب الحديث، المشهور منها وغير المشهور. ثمّ إننا لا نجد هذا النص، حتى في أغلب مصنفات التاريخ أو الطبقات، بل لا نجد له ذكرًا أصلً في أسد الغابة لابن الأثير (ت. 630 ه)، وهو الذي يعرض لأهم الأحداث التي وقعت للرسول بعد الهجرة إلى المدينة من دون أيّ إشارة إلى الصحيفة67. كما لا نجد ذكرًا لها في سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي (ت. 748 ه) في عرضه لأحداث ما بعد الهجرة النبوية68. ولا نجد لها ذكرًا أيضًا في سيرة الرسول المختصرة في بداية الاستيعاب في أسماء الأصحابلابن عبد البر (ت. 463 ه)، على الرغم من ذكره، كما يذكر الآخرون، بناء مسجد المدينة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في عقب هجرة الرسول إلى المدينة69. وكما هي الحال في المصنفات السُنية، لم "يظفر البحث في كتب الشيعة ذكرًا كافيًا للصحيفة"، مثلما يشير أحد المفكرين المعاصرين الذين يعتقدون في أصالة الصحيفة التاريخية وأهميتها التأسيسية، فقد ذكرت بعض تلك المصنفات إشارات فقط لِما يُعتقد أنه الصحيفة أو بعض أجزائها70. علاوةً على الحضور المتواضع للصحيفة في المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة، لا تخفى مشكلات روايات نصها الأطول عن أيّ مهتمّ برواية الأحاديث النبوية والأخبار. فأول روايات الصحيفة (رواية ابن إسحاق) لا تقوم على سند أصلً، في حين تُضعف رواياتها الأخرى المسندة أمورًا عديدةً. فرواية ابن أبي خيثمة يظهر فيها كثير بن عبد الله المزني، وقد اتُهم بالكذب صراحة. أمّا رواية ابن سلام فهي مرفوعة، ولا يذكر فيها الزهري التابعي (أو ربما الصحابي) الذي روى عنه، وإنما يرفع الحديث مباشرةً إلى الرسول. كما أنّ بداية السند نفسه لا تصرّح بسماع يحيى من عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح، فلا نعرف تحديدًا الطريقة التي وصلت بها روايتهما إليه.
وأخيرًا، فإنّ سند البيهقي لإشارته إلى الصحيفة به مشكلات مماثلة؛ إذ ضعّف بعض نقاد الحديث عثمان بن محمد ويونس بن بكير وأحمد بن عبد الجبار، كما أنّ عثمان لم يسمعها من مصدره، وربما وصلته "وجادة"ً71. ربما نفهم من بعض تلك الأخبار المحتملة عن الصحيفة أنها لم تُكتب ابتداءً بعد هجرة الرسول إلى المدينة، وإنما كتبت لاحقًا، إمّا بمبادرة من اليهود أنفسهم، وإمّا بعد حادثة معيّنة، وهي قتل كعب بن الأشرف أحد سادة اليهود في المدينة بأمر من الرسول نفسه. وقد يكون الاستثناء الوحيد لذلك هو خبر الواقدي عن رغبة الرسول في استصلاح أخلاط المدينة وموادعتهم من مسلمين وغيرهم. والغريب أنّ هذا الخبر تحديدًا لم يلْقَ اهتمامًا من المفكرين المسلمين المحدثين والمعاصرين. بيد أنّ هذا الخبر، كما رأينا، لا يذكر كيف حقّق الرسول رغبته تلك، فلا حديث في هذا السياق عن صحيفة أو كتاب. من وجهة نظر تاريخية خالصة، لم تحْظَ صحيفة المدينة، إذن، بحضور كبير في المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة، وبالتأكيد لا تظهر بوصفها نصًّا من النصوص المؤسسة لشريعة الإسلام. وما نراه في تلك المصنفات هو إشارات إلى كتاب أو صحيفة، ليس معروفًا متى كتبت تحديدًا، وإن كان قد زيد على النص الأول لها لاحقًا، وإن كان "نص ابن إسحاق" عدّة نصوص ضُمّ بعضها إلى بعضها الآخر في مرحلة لاحقة. ثمّ إنّ أصالة الصحيفة التاريخية نفسها ليست محسومةً؛ إذ إنّ أوّل تدوين لها لا تدعمه سلسلة سند، والتداوين اللاحقة لا تقوم في العموم على سلاسل إسناد قوية بحسب قواعد نقاد الحديث النبوي ومنهاجيتهم. كما أنّ هناك اختلافات، وإن كانت طفيفةً، بين بعض روايات الصحيفة، كما هي الحال بين روايتي ابن إسحاق وأبي عبيد القاسم بن سلام. وأخيرًا، توحي بعض الإشارات إلى الصحيفة بأنها، أو بعض أجزائها، قد كُتبت بعد حادثة بعينها أو لسبب معين، ولم تُكتب ابتداءً كوثيقة منظمة لشؤون المدينة بمبادرة من الرسول وبعد مشاورة مع المجموعات التي سكنت المدينة في ذلك الوقت، على نحوٍ مستقلّ عن أيّ حوادث آنية. وقد تكون كلّ هذه الأمور مفسّةً لغياب الصحيفة الواضح في كثير من المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة؛ إذ نتوقع أن يكون هناك اهتمام بها أو حتى الإشارة إليها على الأقلّ.
الأدبيات الإسلامية الحديثة وحضور الصحيفة يف المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة
لم يُضف العرض السابق إلى حضور صحيفة المدينة في المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة كثيرًا لما هو معروف عنها، باستثناء ما يمكن أن يكون إشارات إليها في تفسير بعض الآيات القرآنية وبعض مصنفات الحديث. فالواقع أنّ بعض المفكرين المسلمين المعاصرين لم يغفلوا عن المشكلات التي يثيرها حضور الصحيفة في المصنفات الباكرة والوسيطة. فمنهم من ناقش أصالة الصحيفة التاريخية ووحدتها بوصفها وثيقةً ذات نص ثابت منذ كُتبت. ومنهم من تناول الأوضاع التي كُتبت فيها، وناقش ارتباط مضمونها بمبادئ الإسلام والمبادئ الحديثة ذات الصلة بالدولة والمجتمع. بيد أنّ ذلك لم يترتب عليه بالضرورة أيّ أثر في تقويم أغلب هؤلاء المفكرين لتاريخانية الصحيفة أو تقديرهم لأهميتها، مع وجود بعض استثناءات فردية قليلة. نبدأ بتلك الاستثناءات، حيث صرّح بعض المفكرين المسلمين في العصر الحديث بأحكام صريحة تجاه الصحيفة. فقد استراب بعض هؤلاء في أصالة الصحيفة التاريخية؛ إذ ذهب يوسف العش إلى أنها موضوعة، ملاحظًا أنها "لم تَرِد في كُتب الفقه والحديث الصحيح
رغم أهميتها التشريعية"، بل ذهب إلى القول بتعمد ابن إسحاق حذف إسناد الصحيفة لورود كثير بن عبد الله فيه72. ويتفق التميمي مع العش في أنّ الصحيفة قد "وضعت وضعًا"، مرجحًا أن يكون واضعها هو ابن هشام (ت. 218 ه)؛ ذلك أنه هو الوحيد الذي يذكرها في روايته لسيرة ابن إسحاق، في حين لا تذكرها الروايات الأخرى73. ويضيف التميمي أنّ لغة الصحيفة "لا تتناسب (...) مع لغة المكاتبات التي كتبها الرسول ﷺ"؛ إذ إنّها تميل إلى الإطناب، واستخدام المفردات الغريبة (مثل "يوتغ" و"مفرح" و"دسيعة" و"يبيء") وهو ما يشبه أسلوب ابن هشام74، كما أنّ الصحيفة أهملت أهمّ قبائل المدينة اليهودية في ذلك الوقت، وهي بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة75. وقد يكون عدم وجود اهتمام كبير بالصحيفة في بعض الأدبيات الإسلامية الحديثة والمعاصرة أو حتى ذكرها، على الأقلّ، مرتبطًا بإشكالياتها76؛ من جهة أنّ من المفكرين من يفضلون إهمالها بالكلّية، بدلً من الانزلاق إلى موقف تبريري ربما لا يكون مقنعًا، وربما لا تكون هناك حاجةٌ إليه ملحّةٌ أصلً. ماعدا هذه المواقف القاطعة في ما يخص أصالة الصحيفة التاريخية وأهميتها كوثيقة، يظهر في أغلب المناقشات الأخرى التي تتناول حضور الصحيفة في المصادر الإسلامية الباكرة والوسيطة حرصٌ واضح على التقليل من شأن تلك المشكلات بدلً من التعامل معها بحيادية وموضوعية. ففي حين يصرح زاهد بأنّ الصحيفة "لم يهتم بشأنها المؤرخون وأهملوا دراستها"، فإنّ ذلك لا يمنعه من الاستفاضة في المفاهيم الحضارية التي يمكن أن نستقيها منها77. أمّا أكرم ضياء العمري، فهو يعرض لأسانيد الصحيفة المختلفة والمشكلات التي تثيرها على نحوٍ يؤثّر في صدقيتها التاريخية بنصها الذي يورده ابن إسحاق. ويذكر العمري مشكلات جرح بعض الرواة في تلك الأسانيد، ومشكلات عدم اتصال بعض أسانيدها أو غيابها تمامًا، كما يذكر المشكلات التي تتعلق بطريقة "تحمل" الرواية؛ أي حصول الراوي عليها من مصدره. ومع اعترافه الضمني بأنه لا يوجد للصحيفة سندٌ واحد بلا مشكلات، فإنه مازال قادرًا على تأكيد أنه "إذا كانت الوثيقة بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها في الأحكام الشرعية، سوى ما ورد منها من كتب الحديث، فإنها تصلح، أساسًا، للدراسات التاريخية التي لا تتطلب درجة الصحة التي تقتضيها الأحكام الشرعية، وخصوصًا أنّ الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة"78، مؤكدًا أنّ أسانيد الصحيفة المختلفة "تعاضد بعضها ببعضها الآخر"79، ومن ثمّ يمكن لنا أن نطمئنّ إلى أصالتها التاريخية. كما نجد فيمن قبلوا أصالة الوثيقة التاريخية من يميل إلى أنها كانت في الأصل صحيفتين ثمّ جُمعتا إلى بعضهما80، ويفرق بعضهم الآخر بين المعاهدة (أي الصحيفة)، وقد كتبت بعد الهجرة مباشرةً، وموادعة بعض قبائل اليهود المشار إليها في بعض المصنفات
الباكرة والوسيطة81، كما يفرق بعضهم بين موادعة اليهود، وكانت قبل بدر، ووثيقة أخرى كتبها الرسول بين المهاجرين والأنصار تتناول المعاقل82. بيد أنّ كلّ عدم اليقين المذكور لا يعني أيّ قدحٍ في تاريخانية الصحيفة ونصها المفترض؛ إذ لا تبدو عملية ضمّ نصوص كلتا الصحيفتين تمثّل إشكاليةً معيّنةً حتى في نظر من تناولوا هذه النقطة. ثمّ إنّ بعض الأدبيات الحديثة والمعاصرة تشير إلى الرواية التي تذكر كتابة الصحيفة بناءً على طلب من الرسول في عُقب حادثة بعينها83، بمعنى أنّ الصحيفة كانت نتاج أوضاع معيّنة ولم تتمّ كتابتها في إثر هجرة الرسول محمد إلى المدينة وبمبادرة منه بمعزل عن أوضاع طارئة. ويذهب بعضهم إلى أنّ الصحيفة بمنزلة "التزامات وقوانين وتنظيمات، كانت تتولد وتتطور تبعًا للأوضاع المحيطة بمجتمع المدينة"84. ونجد من يصرح بأنها كُتبت بعد بدر، ولم تُكتب بُعيد هجرة الرسول إلى المدينة85. كما لاحظ أحد المفكرين أننا لا نعلم إن كانت بنود هذه الصحيفة قد صيغت في إثر مفاوضات لأنّ ديباجتها لا تذكر فريقًا ثانيًا فاوضه الرسول أو تعاهد معه86. بيد أنّ كلّ ذلك الغموض حول ملابسات كتابة الصحيفة لم يمنع النظر إليها بوصفها نصًّا مؤسسًا. ولا يقتصر هذا الفهم على من عدّ الصحيفة "دستورًا"، بالمعنى الحديث، ولكنه ينطبق أيضًا على من عدّها "معاهدة"ً87، أو "ميثاقا مدنيًا "88، أو كتابًا واجب التنفيذ فيه "بيانُ الأمور التي يرى [الرسول] وجوب اتباعها"89. وأخيرًا، نجد من يصرح ببدائية لغة الصحيفة، ملاحظًا تكونها "من جملٍ قصيرة بسيطة وغير معقّدة التركيب ويكثر فيها التكرار"، على خلاف من أشار إلى دقة صوغها، كما رأينا. ومن المفكرين من يذهب إلى القول إنّ "التركيب الداخلي للصحيفة لا يخلو من تشويش، و[إنها] تفقد في بعض مقاطعها التسلسل المنطقي للأفكار والمبادئ التي تشتمل عليها"90. بيد أنّ صاحب الرأي الأول نفسه يصادر دلالته في ما يخص أصالة الوثيقة التاريخية، مؤكدًا - من دون دليل - أنّ الصحيفة "تستعمل كلمات وتعابير كانت مألوفةً في عصر الرسول، ثمّ قل استعمالها في ما بعد حتى أصبحت مغلقةً على غير المتعمقين في دراسة تلك الفترة"91. والأمر الملاحَظ في هذا السياق، أنّ لغة الصحيفة البسيطة قد تكون دليلً قويًّا على أصالتها التاريخية، وليس العكس. وقد أدرك بعض المفكرين المسلمين ذلك92، في حين ظنّ بعضهم الآخر، في ما يبدو، أنّ الاعتراف بتلك البساطة قد يُضعف من شأن نص الوثيقة بوصفه نصًا تشريعيًا مؤسسًا؛ إذ يفترض أن تكون تلك النصوص محكمة الصَوْغ، حتى وإن كُتبت منذ أكثر من ألف وأربعمئة عامٍ. وإذا
كانت معالجة المفكر محمد مهدي شمس الدين للوثيقة هي أفضل معالجة، فإنه لا يزال قادرًا على توظيفها في التأصيل لأفكار المواطنة والدولة والسيادة وغيرها93. خلاصة الأمر أنّ الأدبيات الإسلامية الحديثة والمعاصرة التي تناولت مشكلات حضور الصحيفة في المصادر الباكرة والوسيطة، مع وجود استثناءات قليلة جدًّا وفردية إلى حدّ كبير، لم تَبْدُ ساعيةً لتناولها بحيادية تاريخية، بل لتفادي احتمال استخدام ذلك الحضور المتواضع والإشكاليّ للقدح في تاريخانية الصحيفة أو أهميتها. وقد أوقع هذا الموقف بعض هؤلاء المفكرين المسلمين في تناقضات عديدة. فمن غير المفهوم أن يرفض باحث ما، بناء على أسانيد وثيقة معيّنة، حجيتها بوصفها مصدرًا تشريعيًا، وأن يقبل في الوقت نفسه أصالتها بوصفها وثيقةً تاريخيةً. فالوثيقة، من وجهة نظر منطقية خالصة، إمّا أن تكون أصيلةً، وإمّا أن تكون غير أصيلة، ولا ثالث لهذين الاحتمالين. كما أنّ طريقة تحقيق ذلك ليست واضحةً. فالصحيفة تشتمل، بالفعل، على أحكام تشريعية، وهي تختلط بتلك "المبادئ" التي تتمّ قراءتها في الصحيفة وتؤسسها. كما أنّ تلك المبادئ، بحسب القراءة الإسلامية الحديثة للصحيفة، هي مبادئ نصوص الإسلام المؤسسة نفسها. فإذا استبعدنا الأحكام ولم تكن في الصحيفة مبادئ ليست في نصوص أخرى، تساءلنا: ما الحاجة إليها إذن؟ وفي مثال آخر قريب، يلاحظ المفكر صالح أحمد العلي أنّ الصحيفة لا تَرِد في كتب الحديث المعتمدة، ولا تصرح مصادرها الباكرة والوسيطة بأوضاع كتابتها أو تاريخ ذلك أو حتى اسم كاتبها "كما هو شأن الكتب والمعاهدات التي كان يعقدها الرسول"، فضلً عن وجود ما يدل على أنها في الأصل صحيفتان "جمعهما ابن سحاق في روايته وجعلهما وثيقةً واحدةً". وعلى الرغم من كلّ ذلك، فإن العلي يَعدّها "وثيقةً أصيلةً وغير مزورة"، يضاف إلى ذلك حديثه عن تنوع جوانب أهميتها، تشريعيًا وأمنيًا وتنظيميًا وأخلاقيًا94.
صحيفة المدينة بين المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة والأدبيات الإسلامية الحديثة
لا تهدف هذه الورقة إلى التقليل من شأن النص الذي هو محلّ الدراسة. ففي حال افتراض أصالتها التاريخية، وبصرف النظر عن كونها كُتبت دفعةً واحدةً أو على مراحل، أو كانت بمبادرة من الرسول أو نتاجًا لأوضاع آنية معيّنة، فإنها قد تعدُّ فعلً "إنجازًا" في السياق الحضاري الذي حدثت فيه. بيد أنّ هذا السياق الحضاري تحديدًا يحتّم علينا ألّ نقرأ في الصحيفة ما لا يمكن قراءته فيها، أو ما لا يمكن نسبته إلى الزمن الذي كُتبت فيه. فإذا كان الإسلام قد شكّل طفرةً حضاريةً كبيرةً في حياة العرب، فإنّ الطفرات لا يمكن تقييمها إلا بالإشارة إلى ما كان قبلها وما كان في وقتها، ولا يمكن لها هي نفسها أن تتجاهل ذلك الواقع الذي تحدث فيه وتسعى لتغييره. وحتى التفكير في الاتفاق على مبادئ متجاوزة للقبائل في حدّ ذاته على نحوٍ نسبي وليس مطلقًا؛ فالنص مازال يذكر القبائل بأسمائها95 في بيئة تقوم على الأعراف القبلية كان إنجازًا، ولكنه ربما كان من وحي سابقةٍ تمثّلت بحلف الفضول مثلً.
كما كان تدوين تلك المبادئ في ثقافة شفهية يُعدّ إنجازًا، ولكنه ربما قام على سوابق أخرى مهّدت له من كتابة بعض النصوص؛ كالمعلقات، بحسب وصف المصنفات التاريخية ذلك، أو حتى كتابة صحيفة مقاطعة قريش المسلمين بعد هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة96، من دون أن ينتقص ذلك من دور الإسلام المحوري97. من المؤكّد أنّ تلك السوابق كانت تمهّد لفكرة العقد المكتوب، وقد تكون الطفرة التي أحدثها الإسلام متمثّلة، أساسًا، بتحويل كتابة النصوص المهمة، وأحيانًا الشخصية (كالديون مثلً)، إلى قاعدة، وهو ما قد تدعمه رسائل الرسول المكتوبة إلى بعض الملوك والحكام في إطار دعوتهم إلى الإسلام. يُضاف إلى ذلك اهتمامه بتعلّم المسلمين الكتابة حتى لو كان ذلك من أسرى الحرب الذين يعادونه. وهذه القاعدة، كما هو شأن كلّ التطورات الحضاريةَ، أخذت وقتها لترسخ، بخاصة في العصور القديمة التي ظهر الإسلام في أواخرها بحسب التحقيب المتداول للعصور التاريخية. وأخيرًا، يمكن لنا أن نضيف في سياق الحديث عن الجوانب اللافتة في الصحيفة اهتمامَها الواضح بالضعفاء والمستضعفين؛ إذ تذكر "المُفرَح" و"العاني" و"المظلوم" و"الأسير" وغيرهم، بهدف التخفيف عنهم ما أمكن. ويرتبط كلّ ذلك بوضوح بنصرة القرآن للفئات المستضعفة بصفة عامة، وهو ما جذب كثيرًا منهم للإسلام قبل الهجرة وبعدها. كلّ ذلك يمكن قوله بطمأنينة عن الصحيفة، وقد نتفق بدرجة أو بأخرى مع الرأي القائل إنها "فتح جديد في الحياة السياسية والحياة المدنية في عالم يومئذ"98. بيد أنّ ذلك لا يبرّر بالضرورة النظر إليها على أنها "أول وثيقة إنسانية نظمت حياة الناس في الأرض "99، أو أنها "أقدم النصوص ذات الصلة بتأسيس مجتمع سياسي في العالم"100، أو أنها "أكبر وأعظم وثيقة سياسية (...) لم تتجاوزها في روحها ودلالتها أيّ وثيقة تاريخية معروفة اليوم"101، أو أنها "العقد الاجتماعي الأول في تاريخ البشرية "102، أو أنها ظلّت "أصلً من الأصول التي يرجع إليها في التشريع والتنظيم"103. كما أنّ ذلك لا يبرّر القول إنّ الصحيفة "حددت (...) مصدر السلطات الثلاث التشريعية، والقضائية، والتنفيذية"104، أو أنها "شكّلت منعطفًا دينيًا، وسياسيًا، وحضاريًا، على مستوى البشرية جمعاء "105. كما لا يبرّر تميز الصحيفة في سياقها المقارنة بينها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948 م)106، أكان ذلك بهدف إثبات تفوقها عليه، أو حتى مضارعتها له.
ليس المقصود بذلك هو الانتقاص من الصحيفة. فمثل تلك المقارنات بينها وبعض الدساتير والاتفاقيات والإعلانات الحديثة تفترض أنّ تصور المجتمع الفاضل عند مؤلفي كلّ تلك الوثائق واحدٌ، وهو افتراض على درجة من البساطة تغفل الاختلافات القيمية العميقة بين الحضارات والمجتمعات والتطور المستمرّ والحتمي لتلك القيم داخل كلّ حضارة ومجتمع. وأخيرًا، لا يبرّر تميز الصحيفة في سياقها الزعم أنّ "فيها من القواعد والمبادئ ما يحقّق العدالة المطلقة، والمساواة التامة بين البشر"107. فبحسب النظرة الكونية للحضارة نفسها التي ظهرت فيها الصحيفة، لا مكان أصلً للمطلق ولا للتام في عالم البشر108. ومع كلّ ذلك، لا يمكن النظر، تاريخيًا، إلى صحيفة المدينة على أنها من النصوص التي جرى بها تأسيس الحضارة الإسلامية والتنظيم والفكر السياسييْ. وقد يكون الدليل الكافي على ذلك هو الاهتمام الضئيل الذي أولته إياها المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة ذات الصلة بها. كان الأحرى بمؤلفي تلك المصنفات - وقد كانوا أقرب تاريخيًّا إلى السياق الذي ظهرت فيه تلك الوثيقة، وانتمى كثير منهم إلى ثقافات أخرى في الشرق الأدنى أكثر تقدمًا في فكرها السياسي من عرب الجزيرة العربية - أن يسهبوا في الحديث عن تلك الصحيفة من حيث مضمونها وصوغها في حال اعتقادهم أهميتها كنصّ من نصوص الإسلام المؤسسة. وقد أغفلت الأدبيات العربية الإسلامية الحديثة ذلك الغياب للصحيفة في المصنفات الإسلامية الوسيطة والمعاصرة، أو تغافلت عنه. فلا نجد إلا إشارات عابرةً لذلك الغياب في كتب الفقه والحديث، مثلً، على الرغم من "أهميتها التشريعية "109. إنّ غياب الصحيفة في المصنفات الباكرة والوسيطة قد يكون دليلً على شكّ مؤلفي تلك المصنفات في أصالتها التاريخية، بيد أنّ هذا يعدّ احتمالً واحدًا. والواقع أنّ أدلة أصالة الصحيفة التاريخية قد تكون أفضل من كثير من الأخبار التي اعتمدها مؤلفو المصنفات التاريخية الوسيطة مثلً، سواء كان ذلك من ناحية ورودها كاملةً في بعض المصنفات بأسانيد مختلفة في القوة وإن كانت الاختلافات في المتن قليلةً نسبيًّا، أو من خلال النقد الداخلي لها من زاوية لغتها وأسلوبها ومحتواها110. الاحتمال الآخر الذي قد يفسر غياب الاهتمام بالصحيفة في المصنفات الإسلامية الباكرة والوسيطة هو أنها لم تكن لها تلك المكانة "التشريعية" التي حظيت بها عند المفكرين المسلمين المحدثين والمعاصرين. وقد يفسر ذلك سؤال آخر ينقلنا مرةً أخرى إلى العصر الحديث، هو: لماذا اكتسبت صحيفة المدينة هذه الأهمية التشريعية في نظر المفكرين المسلمين في العصر الحديث؟ والواقع أنه لا يمكننا الإجابة عن هذا السؤال إلا من خلال فهم السياق الذي عاش فيه هؤلاء المفكرون، وهو سياق معروف، ويعترف بتأثيره كثير ممن دأبوا في إنكاره.
فحين "اصطدم" بعض المسلمين بأفكار الحداثة الغربية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي خلال القرنين المنصرمين، ظهرت ثلاث فرق منهم. بُهِر الفريق الأول بتلك الأفكار وسعى لاستعارتها من دون أن يستشعر حاجةً إلى "تأصيلها"، في حين نظر فريق آخر إليها بارتياب شديد على نحوٍ أفقده القدرة على محاولة فهمها. أمّا الفريق الثالث، فقد رحب ببعض تلك الأفكار وإن انقسم بنفسه إلى تيارين فرعيين. فرأي الفريق الأول هو أنّ استعارة بعض تلك الأفكار "المستحدثة" لا تمثّل تهديدًا لهوية المسلم إذا لم تناقض أيّ معتقد من معتقداته الأساسية. ويعتمد هذا التيار، أساسًا، على منهاجية فقهية في اختبار ذلك التناقض قائمة، أساسًا، على مبدأ أنّ "الأصل في الأشياء الإباحة"، أو أنّ "المسكوت عنه مباح". وفي المقابل، سعى التيار الثاني لإثبات أنّ كثيرًا من تلك الأفكار ليس غريب عن الإسلام أصلً، وإنما هو متجذر في تراثه النظري والعملي. وفي سبيل إثبات ذلك، يعيد هذا التيار، معتمدًا على منهاجيات تاريخية "حديثة" متمثّلة بقراءة التاريخ في ضوء تلك الأفكار الحديثة نفسها التي يسعى لإثبات تأصلها في ذلك التاريخ. يمكن القول، بصفة عامة، إنّ الفريقين الأولين كانَا دائمًا الأقل عددًا، وإن لم يَعْنِ ذلك بالضرورة أنهما الأقل وزنًا. وبحسب ما هو شائع، تنتمي إلى الفريق الأول مجموعة المثقفين العلمانيين، مسلمين كانوا أو غير مسلمين. في حين تنتمي إلى الفريق الثاني التيارات الدينية الإسلامية، والسلفية منها خاصةً، على تعدّدها. أمّا الفريق الثالث والأكثر عددًا وربما تنوعًا، فيضم أصحاب "الفكر التجديدي" الساعي إلى المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، والتراث والحداثة، من رجال دين ومثقفين وحركيين إسلاميين من متخرجين في المؤسسات التعليمية الدينية وغير الدينية. ويتكوّن هؤلاء في الأغلب من التيارين الفرعيين السابق ذكرهما. كما أنّ هذا الفريق الموسوم ب "الفكر التجديدي" قد يضم طوائف من القوميين والعلمانيين الرافضين للخضوع لهيمنة الغرب الثقافية، والناظرين إلى الإسلام نظرة تتجاوز بعده الديني العقدي والعملي. وينتمي أغلب المنضوين إلى الفريق الثالث إلى التيار الفرعي الثاني الذي يسعى للتأصيل الفكري للأفكار الحديثة. ولا نعدم وجود أفراد من السلفيين القادرين على فهم الأفكار الحديثة والتعامل معها بإيجابية. وهؤلاء ينتمون في الأغلب إلى التيار الفرعي الأول؛ إذ يستند قبولهم لبعض أفكار الحداثة على عدم تعارضها مع أيّ نصوص أو مأثورات، وإن أغرت فكرة التأصيل التاريخي بعضًا منهم أحيانًا. وفي كلتا الحالتين، فإنّ ذلك التيار هو الذي ظلّ يقوم ب "التفتيش" في التراث الإسلامي الباكر بغية العثور على نصوص أو أخبار قد تدعم مشروعية بعض الأفكار الحديثة وتأصّلها دينيًا أو حضاريًا. أثَّر السياق الذي تُقرأ فيه الصحيفة في العصر الحديث، إذن، في ما يقرؤه المفكرون المسلمون فيها. ويختلف ذلك السياق عن السياق الذي قُرئت فيه الصحيفة في العصور الإسلامية الباكرة والوسيطة. فلم يكن لمعاصري الوثيقة ومؤرخيها الأول أو اللاحقين تلك النظرة للدولة والمجتمع من حيث الإقليم، والسُلطة بأنواعها، والشعب، وما يرتبط بكل ذلك من مبادئ السيادة، والمواطنة، والعلاقات الدولية، وحقوق الإنسان، والتعدّدية الدينية والثقافية، وغيرها111. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ شخصًا ما من معاصري الوثيقة ما كان ليفهم كثيرًا ممّا يُكتب عنها الآن. وليس ذلك من جهة غرابة الألفاظ والمصطلحات فحسب، بل من جهة غرابة الأفكار نفسها التي تُعبّ عنها تلك الألفاظ والمصطلحات. وفي جميع الأحوال، حتى إن كانت تلك القراءة الحديثة للصحيفة مشروعةً من ناحية المبدأ، فإنه لا يمكن نسبتها إطلاقًا إلى التاريخ. بعبارة أخرى، تتطلب الموضوعية والتاريخانية بل الأمانة العلمية التفريق الواضح والقاطع بين "تفسير القارئ"، و"مقصد
المؤلف". وكما يرتبط هذا المقصد بسياق المؤلف، يرتبط التفسير بسياق القارئ بصفة عامة، وبالقدر الذي يستوعبه كلّ قارئ من ذلك السياق بحسب علمه وخبرته وثقافته بصفة خاصة. إضافةً إلى تغير السياق، وهو التطور الأول المرتبط بالقراءة الإسلامية الحديثة لنص الصحيفة المعتمد الآن، يمكن إضافة تطور ثانٍ لحِق بالصحيفة نفسها في العقود الأخيرة. وقد رأينا أنّ أوّل ذكر لنص الصحيفة في مصدر تاريخي (سيرة رسول اللهلابن إسحاق) كان النص الأطول الذي ينسب إليها، وأنّ ذلك النص ذُكر مرتين بعد ذلك على الأقل (عند ابن سيد الناس وابن كثير). بيد أنّ إشارات أخرى إلى النص في المصنفات الباكرة والوسيطة تدل على أنه لم يكن ثابتًا على هيئته تلك. فبعض الإشارات إلى الصحيفة توحي باقتصارها على بعض ذلك النص الأطول، كما قد تدل إشارات أخرى على أنه كان هناك أكثر من صحيفة وأكثر من نص. وقد رأينا انعكاس كلّ ذلك في الأدبيات الإسلامية الحديثة التي اهتمت بأصالة الصحيفة التاريخية ومحتواها. عمومًا، كان نص الصحيفة في قرون الإسلام الباكرة والوسيطة في حالة "ميوعة"، بمعنى أنه كان يزيد وينقص بحسب ما يصل كلّ مصنف، أو بحسب ما يُهتمّ بإيراده منه، أو ربما تغيرت بعض أجزائه إمّا عمدًا أو سهوًا كما هي الحال مع أيّ نص. والواقع أنّ نص الصحيفة قد مرّ بمرحلة ميوعة سابقة حين انتقل بطريق الرواية الشفهية حتى من دون محتوى معيّ خلال النصف الأول من القرن الثاني الهجري (وهي الفترة التي كتب فيها ابن إسحاق سيرته). وتتسم الرواية الشفهية ب "الميوعة" بامتياز (وهو ما لا يعنى إطلاقًا أنه لا يمكن الوثوق بها)، بعكس النصوص المكتوبة التي تكتسب صفة الثبات ومن ثمّة تُؤسّس سلطتها كنص (إلا إذا تعرضت لتحريف أو تصحيف مقصود أو غير ذلك). ويفسر ذلك حرص المسلمين من البداية على كتابة القرآن. في حين اتسم الحديث النبوي المنقول شفاهيًا ب "الميوعة"؛ بمعنى أنّ الأحاديث كانت تزيد أو تنقص، بحسب المكان والزمان وجهد رواة الحديث ونقاده وما إلى ذلك - حتى تمّ تقييده (أي تدوينه)، على نطاق واسع في نهايات القرن الثاني وخلال القرن الثالث الهجريين. وفي الوقت الراهن، أصبحت هناك مصنفات حديث "ثابتة" اكتسبت سُلطةً جعلتها المصدر الحصري للأحاديث الصحيحة، حدَّت بقدر كبير من تلك الميوعة التي اتسمت بها رواية الحديث في القرنين الأولين. مرّ نص الصحيفة، إذن، بمرحلة ميوعة أولى انتهت بكتابته على نحوٍ معيّ (وهي الأطول) على يد ابن إسحاق في النصف الأول من القرن الثاني الهجري. ثمّ تلت هذه المرحلة مرحلة ميوعة ثانية ظهرت فيها إشارات إلى النص قد تدل على اختلاف في محتواه، فضلً على اختلاف في فهم أوضاع كتابته، بل ربما أصالته. وانتهت هذه المرحلة من الميوعة بمرحلة اعتماد النص الأطول الذي رواه ابن إسحاق بوصفه نصّ الصحيفة الأصلي، سواء كان ذلك في المصنفات الوسيطة؛ كتاريخ ابن كثير مثلً، أو على الأخص، في المصنفات الحديثة؛ كمجموعة الوثائق السياسية لعصر النبوة والخلافة الراشدة لحميد الله الذي زاد تقسيم النص إلى "مواد" كما تُقسم الوثائق الحديثة. ولا عجب أنْ حَرِصَ هؤلاء المفكرون المسلمون المعاصرون الذين اهتموا بهذه النقطة على الحجاج في أنّ الصحيفة كانت "من أوّل الأمر وثيقةً واحدةً بجميع بنودها"112. وكان هذا التطور مهمًّا، فلا يمكن توظيف الصحيفة في مشروع إثبات أصالة بعض الأفكار الحداثية في تاريخ الإسلام النظري والعملي من دون أن يكون لها نص ثابت، وكلّما زاد ذلك النص طولً وتنوعًا، زادت فائدته في هذا السياق. وأخيرًا، قد يكون التطور الثالث والأكبر الذي حدث للصحيفة هو تصنيفها على أنها وثيقة "قانونية". والواقع أنّ مثل هذا التصنيف لم يكن معروفًا أيضًا في قرون الإسلام الباكرة والوسيطة. ولا يعنى هذا بالطبع أنه لم يجرِ النظر إلى بعض النصوص على أنها أقرب إلى
الفقه، أو التاريخ، أو غير ذلك. بيد أنّ ذلك لا يعني أن تلك النصوص تعرضت لذلك التصنيف (القانوني، والسياسي، والاجتماعي.. إلخ.) فهذا التصنيف أيضًا حديث. ويؤدِّي تصنيف الصحيفة على أنها نص قانوني دستوري إلى حتمية قراءة أمور تشريعية فيها. ومرةً أخرى، نؤكّد أنه لا يمكن لنا رفض مشروعية تلك القراءة من ناحية المبدأ، ولكننا نصرّ، من منظور تاريخي بحت، على تأكيد أنّ تلك القراءة لا تعتمد على ما يقوله النص نفسه (إذا افترضنا جدلً أنّ هناك "ما يقوله النص نفسه")، بل تعتمد، أساسًا، على ما نعرفه نحن، قرَّاء النص. فأهمية الوثيقة التشريعية تفترض وجود فكرة معيّنة عن التشريع، وهي فكرة قد تطورت بطبيعة الحال عبر القرون. وبعبارة أخرى، ليست الأهمية التشريعية للصحيفة، أو أيّ نص آخر، ثابتة، لأنها لا تقوم على النص فقط، بل هي متغيرة، لأنها تقوم على متغير؛ أي السياق الذي تُقرأ فيه ومعرفة القارئ نفسه بذلك السياق، وهي المعرفة التي تُحدد له اهتمامات معيّنةً وتفرض عليه تحيزات بعينها. والواقع أنّ بعض المفكرين المسلمين في العصر الحديث يصرح بما يؤيّد جانبًا أو آخر من هذا التحليل. على سبيل المثال. ويصرح محمد كمال إمام أنّ حديثه عن حقّ المواطنة في الصحيفة هو قراءة "معاصرة"113. في حين يقول عكاشة أنّ الصحيفة "تضمنت في بنودها القواعد الأساسية لقيام أيّ دولة"، إلا أنه يلاحظ في الوقت نفسه "بساطتها وعدم تكلفها"، وهو ما يعكس الطبيعة البسيطة للمجتمع نفسه التي ظهرت فيه114. ويصرح مفكر ثالث بأنّ مبادئ الصحيفة قد "مثلت معالم على درب تطور وتقدم وتحرر وتحضر إنسان ذلك العصر "115. وعلى الرغم من كلّ ذلك، يغفل أغلب، المفكرين المسلمين المعاصرين، حقائق مهمةً، منها أنّ بعض نصوص الوثيقة قد نُسخت شرعًا وفعلً؛ فلم يعُد للمشركين، على سبيل المثال، حقّ في الوجود في الدولة الإسلامية بحسب مصنفات الفقه، ولم يعُد لليهود والنصارى بقاء فيها إلا بوصفهم ذميين يدفعون الجزية116. كما أنّ هناك فقرات في الوثيقة تناقض بوضوح ما يسعى كثير من المفكرين المسلمين لقراءته فيها، فضلً عن أيّ مفهوم حديث لفكرة المواطنة. وقد يكون أبرز مثال دالّ على ذلك هو: "ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر ولا ينصر كافرًا على مؤمن"117، وهو ما يعني، بحسب مفكر واحد أكّد ذلك، أنّ الرسول لم يُعطِ المشركين "حقوق المسلمين ومكانتهم" نفسها؛ إذ إنّ "دم المؤمن لا يكافئ دم الكافر"118. وقد ذهب مفكران إلى القول إنّ بنود الصحيفة (بافتراض "نص ابن إسحاق") المرتبطة باليهود جاءت للتضييق عليهم اتقاءً لمكرهم، وليس لدمجهم في المجتمع الجديد، كما هو شائع119.
خاتمة
يمكن النظر إلى تاريخ نص صحيفة المدينة على أنه مثال جيّد لعملية صناعة النصوص المؤسسة، وهي عملية تبدأ بخلق نص مادي مكتوب، له أوّل وله آخر، لا يزيد ولا ينقص، ثمّ تنتهي بتحليل النص. وفي هذا السياق، قد يضيع النص الأصلي تمامًا، سواء من ناحية محتواه أو معناه. كما يضيع سياق النص في عملية لا تعبأ بالتأريخ له بقدر ما تسعى لتوظيفه توظيفًا معينًا. وهكذا يضيع صاحب النص أيضًا، فلا يبقى إلا القارئ، فهو الذي يولد من موت المؤلف، بعبارة رولان بارت Barthes Roland، وربما من ضياع النص نفسه أيضًا. والقارئ ابن سياقه الخاص، ذلك السياق الذي يفرض عليه عددا لامتناهيًا من التصورات المراوغة، التي ما يلبث أن يمسك بتلابيب بعضها حتى تكشف له عن غيرها. بعبارة أخرى، نحن نقرأ في التاريخ ما نريد أن نقرأه، ونرى في النصوص ما نريد أن نراه. وإنّ ما نريد أن نقرأه أو نراه لا نحدده نحن فقط، بل يُحدده لنا واقعنا وسياقنا. هذا شأن القراءة في كلّ وقت، ولكنه يكون أظهر ما يكون حين تكون القراءة في واقع لا يمتلك فيه القارئ قدرًا كبيرًا من التأثير.
الملاحق
ملحق: نص صحيفة المدينة بحسب محمد بن إسحاق وتقسيم محمد حميد الله120هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش و[أهل يثرب] ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. 2 2. أنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الحارث [بن الخزرج] على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وأنّ المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. 12 12 ب. وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر ولا ينصر كافرًا على مؤمن. وأنّ ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأنّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وأنه من تبعنا من يهود فإنّ له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وأنّ سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. 18 18 وأنّ كلّ غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا. وأنّ المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله. وأنّ المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثمًا أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وأنّ أيديهم عليه جميعًا
20 20 وأنّ المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه. ب. وأنه لا يجير مشرك مالً لقريش ولا نفسًا ولا يحول دونه على مؤمن.
لعنة الله وعضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإنّ مرده إلى الله وإلى محمد. 24 24 وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
وأهل بيته. 26 26 وأنّ ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف. 27 27 وأنّ ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف. 28 28 وأنّ ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف. 29 29 وأنّ ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف. 30 30 وأنّ ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف. وأنّ ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. 32 32 وأنّ جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم. وأنّ لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ البر دون الإثم. 34 34 وأنّ موالي ثعلبة كأنفسهم. 35 35 وأنّ بطانة يهود كأنفسهم. 36 36 وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد. ب. وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم وأنّ الله على أبرّ هذا.
والنصيحة والبر دون الإثم. 37 37 ب. وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وأنّ النصر للمظلوم. 38 38 وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. 39 39 وأنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وأنه من اعتبط مؤمنًا قتلً عن بينة فإنه قوَدٌ به إلا أن يرضى ولي المقتول وأنّ المؤمنين عليه كافةً ولا يحلّ لهم إلا قيام عليه. وأنه لا يحلّ لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يؤويه وأنّ من نصره أو آواه فإنّ عليه
وأنّ يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه
وأنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النصح
40 40 وأنّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. 41 41 وأنه لا تُجار حرمة إلا بإذن أهلها.
أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره. 43 43 وأنه لا تُجار قريش ولا من نصرها. 44 44 وأنّ بينهم النصر على من دهم يثرب.
إلا من حارب في الدين. 45 45 ب. على كلّ أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأنّ الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
واتقى ومحمد رسول الله. وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإنّ مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وأنّ الله على
وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإنه لهم على المؤمنين
وأنّ يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة من البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأنّ البر دون
وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وأنّ الله جار لمن بر
قائمة المصادر والمراجع
"وثيقة دستور دولة النبي في المدينة". مجلة حوار، المجلد الأول، العدد 4 (1987).
ابن أبي خيثمة، أبو بكر أحمد. التاريخ الكبير. المجلد 4، القاهرة: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، 2004.
ابن الأثير، عز الدين. أسد الغابة في معرفة الصحابة، بيروت: دار الكتب العلمية، د. ت.
ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن. مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح. القاهرة: دار المعارف، 1989.
ابن زنجويه، حميد. كتابالأموال، الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1986.
ابن سعد، محمد. الطبقات الكبرى، القاهرة: مكتبة الخانجي، 2001.
ابن سليمان، مقاتل. تفسير مقاتل بن سليمان، بيروت: دار الكتب العلمية، 2003.
دار ابن كثير، د. ت.
ابن شبة، أبو زيد عمر. أخبار المدينة المنورة، بريدة: دار العليان، د. ت.
ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد. الاستيعاب في أسماء الأصحاب، بيروت: دار الفكر، 2006.
ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. أحكام أهل الذمة، الدمام: دار رمادي للنشر، 1997.
ابن كثير، عماد الدين إسماعيل. البداية والنهاية، الرياض/عمان: بيت الأفكار الدولية، د. ت.
ابن هشام، عبد الملك. السيرة النبوية، بيروت: دار الكتاب العربي، 1990.
إمام، محمد كمال. "حق المواطنة: قراءة معاصرة في دستور المدينة"، مجلة المسلم المعاصر، العدد 84 (1997).
البيهقي، أبو بكر أحمد. السنن الكبرى، بيروت: دار الكتب العلمية، 2003.
حميد الله، محمد. مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، بيروت: دار النفائس، 1985.
الذهبي، شمس الدين. سير أعلام النبلاء، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996.
. ميزان الاعتدال في نقد الرجال، دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009.
بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2014.
ابن سيد الناس، أبو الفتح محمد. عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، المدينة المنورة/ دمشق/ بيروت: مكتبة دار التراث/ البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري، دمشق/ بيروت: دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، 2002.
حسنة، عمر عبيد. "تقديم" لكتاب وثيقة المدينة: المضمون والدلالة لأحمد قائد الشعيبي، سلسلة كتاب الأمة، العدد 110 زاهد، عبد الأمير كاظم (تقديم وإعداد). وثيقة المدينة: دراسات في التأصيل الدستوري في الإسلام، سلسلة الدراسات الحضارية، السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل. شرح كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، بيروت: دار الكتب العلمية، 1997. الشاهين، محمد عمر أحمد. "تنظيمات الرسول (ص) في المدينة المنورة"، آداب الرافدين، العدد 52 (2008).
الشعيبي، أحمد قائد. وثيقة المدينة: المضمون والدلالة، سلسلة كتاب الأمة، العدد 110 (2005 - 2006).
شمس الدين، محمد مهدي. في الاجتماع السياسي الإسلامي، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر/ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1992.
. نظام الحكم والإدارة في الإسلام، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر والمؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1991.
الصلابي، علي محمد. السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث، بيروت: دار المعرفة، 2008.
عبد اللطيف، سامر مؤيد، وجواد، عدنان هاشم. "التعددية السياسية في وثيقة المدينة المنورة"، مجلة رسالة الحقوق، العدد 2 (2012). عبد المتجلي، محمد رجاء حنفي. "الأدلة الإسلامية في المدينة في عهد الرسول (ص): المسجد.. المؤاخاة.. الدستور"، الدارة، العدد 4 (1991).
عدلاوي، علي. "أسس التعايش السلمي في ضوء وثيقة المدينة المنورة"، مجلة أنسنة للبحوث والدراسات. العدد الأول (2010).
عفيفي، محمد الصادق. المجتمع الإسلامي وأصول الحكم، القاهرة: دار الاعتصام، 1980.
عكاشة، محمود. تاريخ الحكم في الإسلام: دراسة في مفهوم الحكم وتطوره، القاهرة: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، 2002.
علوان، علي محمد. "الوحدة الوطنية من المنظور الإسلامي"، دراسات مجتمعية، العدد 8 (2011).
العلي، صالح أحمد. "تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة"، مجلة المجمع العلمي العراقي. المجلد 17 (1969).
العمري، أكرم ضياء. "إعلان دستور المدينة (المعاهدة)"، مجلة هدي الإسلام، المجلد 50، العدد الأول (2006).
العوا، محمد سليم. "دستور المدينة والشورى النبوية"، أعمال ندوة النظم الإسلامية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، 1987.
العيساوي، جاسم محمد راشد. الوثيقة النبوية والأحكام الشرعية المستفادة منها، الشارقة: مكتبة الصحابة، 2006.
الغزالي، محمد. فقه السيرة، القاهرة: دار الشروق، 2000.
القاسم بن سلام، أبو عبيد. كتاب الأموال. المنصورة/ الرياض: دار الهدي النبوي للنشر والتوزيع/ دار الفضيلة للنشر والتوزيع، 2007. القاسمي، ظافر. نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، بيروت: دار النفائس، د. ت.
القرضاوي، يوسف. من فقه الدولة في الإسلام: مكانتها.. معالمها.. طبيعتها.. موقفها من الديمقراطية والتعددية والمرأة وغير المسلمين، القاهرة: دار الشروق، 2001.
ناصر، علي. "المعاهدات في الإسلام: دستور المدينة نموذجًا"، الوحدة الإسلامية، العدد 130 (2012).
هويدي، فهمي. مواطنون لا ذميون، القاهرة: دار الشروق، 1990. هيكل، محمد حسين. حياة محمد، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014. الواقدي، أبو عبد الله محمد بن عمر. كتاب المغازي، الرياض: دار عالم الكتب، 1984. وثيقة المدينة: دراسات في التأصيل الدستوري في الإسلام، سلسلة الدراسات الحضارية، بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2014.