Return to Article Details Wheat and Mohammad Ali Pasha's Independence Project during the Continental Blockade Crisis (1807-1815)

القمح ومشروع الاستقلال عند محمد علي إبّان الحصار القاريّ 1807 – 1815

Wheat and Mohammad Ali Pasha's Independence Project during the Continental Blockade Crisis (1807-1815)

ناصر أحمد إبراهيم

الملخّص

ضربت فرنسا النابليونية الحصار القاري على اقتصاد بريطانيا منذ نهاية عام 1806، وبعد عامٍ واحدٍ امتد الحصار إلى البحار حيث جرت مطاردة جميع السفن المتجهة إلى الموانئ البريطانية، ليصبح الحصار برًا وبحرًا شديد الوطأة. وأظهرت سنوات تلك الأزمة، أهمية القمح كسلعة إستراتيجية. وبُعيد انضمام روسيا للحصار (وهي أهم مركز لصادرات القمح) ثم الدولة العثمانية، تم غلق المضائق والموانئ أمام التجارة الإنكليزية تقريبًا. وكانت مصر هي الجهة البديلة في صادرات القمح على مستوى عالم المتوسط. ولما كان قد تولاها والٍ طموح، يدعى محمد علي باشا، فقد عرف كيف يستغل القمح كسلاح إستراتيجي، وبخاصة مع اشتداد حاجة القوى الإمبريالية إلى القمح، ليفاتحها مرارًا وتكرارًا في دعم مطلبه الأثير بالاستقلال عن الدولة العثمانية. ومن هنا، دخلت مبيعات القمح المصري على خط الصراع بين القوى الإمبريالية، لتشكّل أحد عوامل رجحان كفة بريطانيا؛ ولتتلقى جيوش نابليون الهزيمة، وتتحطم الإمبراطورية الفرنسية، ويتغيّر معها مسار حركة التاريخ الأوروبي الحديث. إنّ دراسة القمح ودلالات استغلاله إذًا يمكن أن تشكّل مدخلً جديدًا، يساعدنا في إعادة قراءة تاريخ تلك التجربة الإصلاحية المهمة، ولا سيما في سنواتها المبكرة الأولى.

Abstract

Napoleonic France established a continental blockade on the British economy at the end of 1806, before expanding that blockade to maritime lanes the following year, whence ships were prevented from reaching British ports. The crisis underscored the importance of wheat as a strategic commodity. Russia, one of the most important exporters of wheat, and the Ottoman Empire joined the siege, leading to the closure of almost all ports and shipping routes for British trade. Egypt was the alternative wheat exporter on the Mediterranean. It was ruled by an ambitious ruler, Mohammad Ali Pasha, who knew how to take advantage of the strategic value of wheat, especially when the imperial forces’ demand for wheat was on the rise. Mohammad Ali approached the British forces, asking them to support his ambitions for independence from the Ottoman Empire. Egyptian wheat thus entered the imperial struggle for power and became one of the factors that tilted the balance in favor of the British Empire. Napoleon was defeated and the French Empire collapsed, changing the path of modern European history. Equally, the large profits from wheat sales played an unmistakable role in enabling Mohammed Ali’s reform and modernization plans to go forward.

الكلمات المفتاحية:
  • فرنسا
  • إنكلترا
  • الإسكندرية
  • الحجاز
  • السويس
  • الإمبراطورية العثمانية
Keywords:
  • Ottoman Empire
  • Wahhabism
  • Sublime Porte
  • Napoleon
ناصر سليمن| Suleiman *Nasser
ناصر سليمن | Suleiman Nasserناصر سليمن | Suleiman Nasser
أستاذ مشارك في التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب - جامعة القاهرة، ومعار إلى جامعة قطر - قطر.
*
ضربت فرنسا النابليونية الحصار القاري على اقتصاد بريطانيا منذ نهاية عام 1806، وبعد عامٍ واحدٍ امتد الحصار إلى البحار
حيث جرت مطاردة جميع السفن المتجهة إلى الموانئ البريطانية، ليصبح الحصار برًا وبحرًا شديد الوطأة. وأظهرت سنوات
تلك الأزمة، أهمية القمح كسلعة إسراتيجية. وبُعيد انضمم روسيا للحصار (وهى أهم مركز لصادرات القمح) ثم الدولة
العثمنية، تم غلق المضائق والموانىء أمام التجارة الإنكليزية تقريبًا. وكانت مصر هي الجهة البديلة في صادرات القمح
مستوى عالم المتوسط. ولما كان قد تولاها والٍ طموح، يدعى محمد علي باشا، فقد عرف كيف يستغل القمح
ع
كساح إسراتيجي، وبخاصة مع اشتداد حاجة القوى الإمبريالية إلى القمح، ليفاتحها مرارًا وتكرارًا في دعم مطلبه الأثير
بالاستقال عن الدولة العثمنية. ومن هنا، دخلت مبيعات القمح المصري على خط الصراع بين القوى الإمبريالية، لتشكّل
أحد عوامل رجحان كفة بريطانيا؛ ولتتلقى جيوش نابليون الهزيمة، وتتحطم الإمبراطورية الفرنسية، ويتغيّ معها مسار
حركة التاريخ الأوروبي الحديث. إنّ دراسة القمح ودلالات استغاله إذًا يمكن أن تشكّل مدخلً جديدًا، يساعدنا فى إعادة
قراءة تاريخ تلك التجربة الإصاحية المهمة، ولا سيم فى سنواتها المبكرة الأولى.
كلمت مفتاحية: فرنسا، إنكلرا، الإسكندرية، الحجاز، السويس، الإمبراطورية العثمنية، الوهابية، الباب العالي، نابليون.
Napoleonic France established a continental blockade on the British economy at the end of 1806 , before expanding
that blockade to maritime lanes the following year, whence ships were prevented from reaching British ports.
The crisis underscored the importance of wheat as a strategic commodity. Russia, one of the most important
exporters of wheat, and the Ottoman Empire joined the siege, leading to the closure of almost all ports and
shipping routes for British trade. Egypt was the alternative wheat exporter on the Mediterranean. It was ruled
by an ambitious ruler, Mohammad Ali Pasha, who knew how to take advantage of the strategic value of wheat,
especially when the imperial forces’ demand for wheat was on the rise. Mohammad Ali approached the British
forces, asking them to support his ambitions for independence from the Ottoman Empire. Egyptian wheat thus
entered the imperial struggle for power and became one of the factors that tilted the balance in favor of the British
Empire. Napoleon was defeated and the French Empire collapsed, changing the path of modern European history.
Equally, the large profits from wheat sales played an unmistakable role in enabling Mohammed Ali’s reform and
modernization plans to go forward.
Keywords: France, England, Alexandria, Al Hejaz, Suez, Ottoman Empire, Wahhabism, Sublime Porte, Napoleon.
القمح ومشروع الاستقلال عند محمد علي
إبّان الحصار القاري ّ1807 - 1815
Wheat and Mohammad Ali Pasha's Independence Project
during the Continental Blockade Crisis (1807 - 1815)
ن|
ي
صر
القمح ومشروع الاستقلال عند محمد علي
إبّان الحصار القاري ّ1807 - 1815
Wheat and Mohammad Ali Pasha's Independence Project
during the Continental Blockade Crisis (1807 - 1815)

مقدمة

كُتبَ الكثير عن محمد علي ونوازعه الاستقلالية التي رُبِطتْ في الغالب بفترة الصدام والحرب التي شنها على السلطنة العثمانيّة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر1. بيْدَ أنَّ هذه الدراسة تحاول لمس نزعته الاستقلالية منذ أوَّل حكمه. صحيحٌ أنّه تخلص من المزاحمين والمنافسين له في الداخل (كجماعة العلماء بعد تقويض نفوذهم ونفي زعيمهم عمر مكرم في عام 1809، ثم تخلصه من القوة المملوكية في مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811)، لكنّه كان يدرك أهمية انتزاع الاعتراف الدولي باستقلاله بولاية مصر أو على الأقل الاعتراف بوضع متميز له في حكم هذا البلد. وقد وجد ضالته، من دون توقّعها، في سلعة القمح التي كشف الصراع حولها إبّان أزمة الحصار القاريّ النابليوني عن مدى أهميتها الإستراتيجية. ومن ثمّ، تركز هذه الدراسة على فهم مدى قدرة محمد علي على استغلال القمح في ذلك الظرف الاستثنائي لتحقيق حلمه الأثير "الاستقلال بمصر"، كما تبيّ إلى أيّ مدى ظهرت براعته في توظيف الظروف والمتغيرات لمصلحته. معروفٌ أنّ سياسة الحصار القاري التي فرضها نابليون في نهاية عام 1806 كانت تستهدف توجيه ضربة قوية للاقتصاد البريطاني؛ وذلك عبر منع دخول الصادرات الإنكليزية إلى أوروبا2. بعد ذلك بعام واحد، حاول مدّ الحصار إلى البحر المتوسط؛ إذ أعلن في مرسوم ميلانو الشهير (17 كانون الأول/ ديسمبر 1807) "أنّ كل الجزر البريطانية في حالة حصار في البر وفي البحر. وكل مركب يخضع للتصرفات الإنكليزية أو يقصد إنكلترا، يفقد جنسيته ويصبح غنيمة حرب للجيش الفرنسي"3. ومع انضمام الدولة العثمانية ثم روسيا للنظام القاري، أُغلقت المضايق والموانئ العثمانية أمام التجارة الإنكليزية، وأصبح الحصار شديد الوطأة؛ وهو ما اضطر إنكلترا إلى إرسال حملة عسكرية لتهديد إسطنبول (في 19 شباط/ فبراير 1807) ثم الإسكندرية (في 17 آذار/ مارس 1807)4. وعلى الرغم من فشل هاتين الحملتين، فإنّ إنكلترا استطاعت أن تحقق، من خلال عمليات القرصنة، سيطرة شبه كاملة على البحر المتوسط؛ ممّا تمخّض عنه اضطراب التجارة في حوض البحر المتوسط، طوال أزمة الحصار (1807 - 1815). كان لا بد من تأثر المصالح التجارية لولاية مصر بكل تداعيات ذلك الصراع، وبدا واضحًا لمحمد علي أن كِلا القوتين تضع هذا البلد بصفة خاصة ضمن مخططاتهما الإمبريالية5، وما سياسة الحصار القاري التي حذّر منها الباب العالي6 إلا تأكيدٌ على المخاوف المحتملة من تحوُّل مصر إلى ساحة للصراع الأوروبي. وهناك شواهد تقطع بتأكيد هذه القراءة الأولية للموقف، وخاصة مع تنافس قناصل الدولتين، عند محمد علي باشا، في اتهام كل منهما للآخر بالعمل على إعداد حملة لاحتلال مصر، حتى أعلن لهما صراحة: " أنّه لا يثق ﻻ في الإنكليز ولا في الفرنسيين على حد سواء"7.

  1. انظر على سبيل المثال: عاصم الدسوقي، "محمد علي وبناء الدولة الحديثة في مصر"، ورقة قُدِمت لندوة محمد علي ومشروع بناء الدولة الحديثة، القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية، 11 نيسان/ أبريل 2007.
  2. للاطلاع على المزيد حول سياسة الحصار القاري يمكن الرجوع إلى: Cedric Couteau, "La France, l' Angleterre et le Blocus Continental," at: http://www.histoire-empire.org/articles/blocus/introduction.htm
  3. محمد صبري السربوني، الثورة الفرنسية ونابوليون (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1937)، ص 255.
  4. جلال يحيى ومحمد نصر مهنا، مشكلة قبرص (القاهرة: دار المعارف، 1981)، ص 95  -  98.
  5. راجع: مكاتبة محمد علي إلى الصدر اﻷعظم، بتاريخ 8 2 شباط/ فبراير 1808، التى أعرب فيها عن مخاوفه من تعديات الدول اﻷوروبية على مصر التي هي مطمح أنظارها في: أمنية عامر وآخرون (محققون)، الأوامر والمكاتبات الصادرة من عزيز مصر محمد علي، رؤوف عباس حامد (مشرف)، ج 1 (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 005 2)، ص 13.
  6. عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم (محقق)، ج 4 (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1998)، ص 40  -  42.
  7. Edouard Driault, Mohamed Aly et Napoléon (1807 - 1814): Correspondance des Consuls de France en Egypte (Le Caire: L'imprimerie de L'Institut Français d'Archéologie Orientale, 1925), p. 119.

ولما كان القمح، بوصفه سلعة إستراتيجية، قد أدى دورًا أساسيًا في ذلك الصراع، وكانت الإسكندرية إحدى أهم الموانئ الرئيسة المصدِّرة للغلال في البحر المتوسط (بعد توقف روسيا عن تصدير حبوبها إثر انضمامها للنظام القاري)، فإنّ تناقض المصالح بين القوتين الأنجلو - فرنسية، وسعي كل منهما للحيلولة دون حصول الأخرى على إمدادات القمح المصري، شكل تحديًا كبيرًا لمحمد علي، وازداد الأمر صعوبة مع صدور "فرمانات الحظر الهمايوني" بمنع تصدير القمح للقوى المتصارعة. لقد اتخذت مسألة "مبيعات الحبوب" في البحر المتوسط بعدًا سياسيًا فرضته ظروف الصراع الإمبريالي بين القوى الكبرى، وكان الموقف بالنسبة إلى محمد علي أكثر تعقيدًا في تلك المرحلة المبكرة من حكمه؛ فقد تطلب الأمر بالضرورة وضع إستراتيجية تمكّنه من تحقيق مصالحه، من دون استثارة القوى الكبرى التي تتنازعه من جميع الأطراف. في هذا الإطار، تتجلى إشكالية هذه الدراسة حول تحليل مدى تأثير أزمة الحصار القاري في صوغ سياسة محمد علي في تصدير القمح، وتحليل واقعيته السياسية، وكشف رهاناته، ومدى مرونته في التعامل مع المتغيرات غير المتوقعة التي أفرزتها الأزمة، جراء الدور الخطير الذي أداه القمح المصري - آنذاك - في دعم أحد طرفي الصراع على حساب الآخر8. بداية نوّد أنّ نشير إلى أنّ سياسة محمد علي في التعامل مع الأزمة قد أخذت في التشكّل، على نحو تدريجي، وبصورة متوازية مع تطورات الأزمة نفسها، والظروف المعقدة الداخلية المصاحبة لها كذلك. ويمكن القول بأنَّ تفاعلاته مع الأزمة مرت بثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى من 1807 إلى 1810، كانت بمنزلة استكشاف لأهمية القمح كسلعة إستراتيجية زمن الحرب والحصار. فيما استغرقت المرحلة الثانية عامي 1811 و 1812، وشهد منحنى صادرات القمح خلالهما أعلى معدلاته. وتمثل المرحلة الأخيرة من 1813 إلى 1815 تراجع صادرات الحبوب، وانتهاء الظرف الذي كان سببًا أساسيًا في رواج تجارة القمح المصري. ونعالج في ما يلي كل مرحلة على حدة، آخذين في الاعتبار التحديات التي واجهت محمد علي باشا في كلٍّ منها، وطريقته في التعامل معها، والتبريرات التي كان يسوقها لكل طرف من أجل أن تمضي سفن حبوبه آمنة، بين الإسكندرية وموانئ غربي المتوسط.

المرحلة الأولى: من 8071 ى إل 1810

معروف أنّ محمد علي، بوصفه تابعًا للسلطان العثماني، ونائبًا عنه في حكم ولاية مصر، كان من المفترض أن تمضي سياسته وفقًا لما تمليه الإدارة المركزية من قرارات، شأنه شأن غيره من الولاة العثمانيين. بيد أنّنا مع شخصية هذا الرجل الطموح سوف نجد أمرًا مختلفًا؛ فمع أنه كان يُبدي على الدوام كل مظاهر الخضوع والتبعية، فإنه كان في الوقت نفسه ذا ميلٍ واضح إلى الاستقلال بالولاية، وهو ما أظهرته تقارير القناصل الإنكليز والفرنسيين الذين فاتحهم مرارًا في عرض هذه المسألة على حكوماتهم9. كان فشل مساعي محمد علي في إقناع القوى الكبرى بمساعدته على الاستقلال، أو على الأقل في الحصول على وضع متميز من الحكم الذاتي، على غرار بعض نظرائه بولايات شمالي أفريقيا10، قد جعله يدرك أنّ عليه الاعتماد على نفسه لتحويل طموحه في الاستقلال إلى حقيقة واقعية تفرض نفسها على الجميع. لكنّ مشروعًا سياسيًا مثل هذا كان يقتضي تدبير موارد مادية ضخمة؛ يؤسس

  1. يتفق هذا مع ما ذهب إليه إدوارد دريو Driault Edouard؛ إذ يقول: "إن مبيعات القمح المصري لم تكن في مصلحة فرنسا التي كانت مصلحتها الحيوية في كسب تلك الحركة التجارية الكبيرة التي كانت تدعم وتعزز من يوم إلى يوم قوة منافستها إنكلترا"، انظر: 17. p., Ibid.
  2. Ibid., p. 93.
  3. Ibid., p. 58

بها جيشًا قويًا قادرًا على أن يدعم به نفوذه السياسي، وأن يحقق من خلاله هيمنته المطلقة على هذه الولاية: فالمال وسيلة لامتلاك القوة، والقوة سبيل لامتلاك السلطة، والأخيرة كفيلة بتوسيع نفوذه المادي والسياسي معًا. في تلك الأثناء، ظهرت "مبيعات القمح"، في غربي المتوسط، كفرصة سانحة، وأغرى اشتداد الطلب على القمح المصري، مع ارتفاع سعره، محمد علي على الانخراط في هذه التجارة إلى أبعد مدى، وهو ما كان يتعارض مع سياسة الباب العالي الرامية إلى ضبط صادرات الحبوب المصرية في الاتجاه الذي يخدم، بالدرجة الأولى، مصالح الدولة العثمانية، ومن ثم، فإنّ تعارضًا واضحًا بين السيد والتابع ظهر على السطح حول هذه المسألة وحول تحديد الأولويات. ومن بين فرمانات عديدة، تعود إلى تلك الفترة، يلفت نظرنا أربعة عشر فرمانًا تتعلق بالجدل السياسي حول مسألة الحبوب11، ويتضح منها أنّ السلطنة العثمانية أولت اهتمامًا غير عادي بموضوع صادرات الغلال المصرية؛ سواء بسبب رغبتها في تغطية احتياجات سكان العاصمة إسطنبول نفسها، أو بسبب استخدام القمح كسلاح إستراتيجي في مواقفها السياسية المعلنة ضد بعض خصومها الأوروبيين12.

تجارة الحبوب وبدايات الالتفاف عىل سياسة المركز

ترجم الهجوم الإنكليزي على كلٍ من إسطنبول والإسكندرية (في آذار/ مارس 1807) على أرض الواقع نهاية التحالف الأنجلو- عثماني، ودخول العلاقة بين القوتين في مرحلة من التأزّم، وصلت إلى حدٍ جعل الدولة تشدّد على منع كل أشكال التبادلات التجارية مع إنكلترا13، بل القبض على ممثليها الدبلوماسيين والتجار، ومصادرة ممتلكاتهم، ومنع سفنهم من دخول الموانئ14. بيد أنّ محمد علي الذي كان لا يهمه، في المقام الأول، سوى جلاء القوات الإنكليزية عن الإسكندرية، لم يُعر تنفيذ كل ما نصت عليه الفرمانات السلطانية في هذا الصدد اهتمامًا. وترجم موقفه سريعًا باستجابته لبعض المطالب الإنكليزية التي تضمنتها اتفاقية اتخذت طابع السرية، وكان من بين بنودها: أن يزوِّد سفنهم التي تظهر أمام الإسكندرية بالمياه الضرورية، شريطة أن يتم ذلك ليلً15، وتعيين وكيل إنكليزي يدير المصالح التجارية البريطانية في مصر، وإمداد بريطانيا بالحبوب بشكل خاص16. بالفعل دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ، واختير الوكيل الإنكليزي بعناية فائقة؛ إذ وقع الاختيار على قنصل السويد "بطروتشى"17؛ فقد كانت علاقة الدولة العثمانية

  1. للاستزادة في موضوع الفرمانات المتعلقة بتصدير الحبوب إلى مالطة، انظر: Haïm Nahoum, Recueil de Firmans Impériaux Ottomans Adressé au Valis et aux Khédives d'Egypte 1006 - 1322 H. (1597 - 1904): rénis sur l'ordre de sa Majesté Fouad 1 er, Roi d'Egypte (Le Caire: L'imprimerie de L'Institut Français d'Archéologie Orientale, 1934). ويشتمل الكتاب على 1063 فرمانًا عثمانيًا صدرت بين أواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن العشرين، منها 706 فرمانات سلطانية تخص فترة حكم محمد علي؛ أي نحو ثلثي المجموعة المنشورة.
  2. كانت فرمانات الحظر تستخدم تعبير "الحظر الصارم لبيع الحبوب للبراني وللسفن المستأمنة " أي السفن الأوروبية بالتحديد، انظر على سبيل المثال الفرمانات التي تحمل أرقام 147، 151، 153 في: Ibid., pp. 45 , 47 - 48.
  3. Driault, p. 25.
  4. Ibid., p. 5. ويبين سان مارسيل أنّ حاكم الإسكندرية عمَّم مصادراته للتجار الأوروبيين كلهم، من يونان وفرنسيين وإنكليز، وأنه - عبثًا - لم يستطع الإفراج عن البضائع الفرنسية.
  5. Georges Douin & E.C. Fawtier-Jones, L'Angleterre et l'Egypte: La Campagne de 1807 (Le Caire: L'imprimerie de L'Institut Français d'Archéologie Orientale, 1928), pp. 172  -  173.
  6. Georges Douin, Mouhamed Aly Pacha du Caire: Correspondance des Consuls de France en Egypte 1805 - 1807 (Le Caire: L'imprimerie de L'Institut Français d'Archéologie Orientale, 1926), p. 198.
  7. Douin, pp. 169  -  170.

بالسويد طيبة للغاية، ومن ثم سهل الإبقاء عليه بالإسكندرية، كما أتاح استثناءه من المصادرات18. في الحقيقة، كان اختيار بطروتشى موفقًا للغاية؛ فقد نجح هذا القنصل في عقد جميع صفقات بيع الحبوب لبريطانيا حتى وفاته المفاجئة بالإسكندرية في عام 1813 إثر إصابته بالطاعون19. جاءت كل هذه الترتيبات مخالفة تمامًا للإجراءات التي اتخذها الباب العالي قِبل إنكلترا، ويؤكد سان مارسيل (القنصل الفرنسي بالإسكندرية) وجود اتفاقية اتخذت طابع السرية بين محمد علي والإنكليز20 نصّ أحد بنودها على إمداد إنكلترا بالحبوب، وهو ما دخل حيز التنفيذ بدءًا من عام 180821. وعلى ما يبدو، اتفق محمد علي باشا على شحن الحبوب إلى جزيرة مالطة، على سفن محايدة، نمساوية أو يونانية، تنطلق من الإسكندرية حاملة "علم القدس" الذي كان يحظى بالاحترام في جميع موانئ الشرق22. إنّ مغزى هذه الاستجابة يعكس الطابع البراغماتي لتوجهات محمد علي، وبداية تبلور نهجه السياسي في إدارة هذه الولاية بطريقة شبه مستقلة عن سياسة المركز العثماني وتوجهاته. والواقع أنّه كان يخشى الإنكليز أكثر من خشيته السلطنة نفسها؛ فالأخيرة غارقة في مشاكلها الداخلية وحروبها المستمرة ضد روسيا منذ عام 1806، بينما البارجات الحربية الإنكليزية تجوب البحر المتوسط، ولا تبعد سوى بضعة أميال عن مينائي الإسكندرية، وتهدد بالفعل كل السفن فور خروجها. ومن ثَمّ، تبدو البحرية الإنكليزية القوة المسيطرة فعليًا على البحر المتوسط، والتي بإمكانها مهاجمته في أيّ وقت. ولطالما أوضح للباب العالي مخاوفه من احتمال تكرار العدوان البريطاني على الإسكندرية واحتلال البلاد؛ لذلك كان يميل إلى ترجيح تحالف الباب العالي مع إنكلترا بشكل أساسي23. وسوف يُفضي في مكاتبة سرية أرسلها إلى قبو كتخدا نجيب أفندي بإسطنبول24 أنّه يفضل في حال لجأت السلطنة إلى الاستعانة بقوة أوروبية في حربها ضد الروس، أن تستعين بإنكلترا ﻻ بفرنسا؛ لأنّ تحالفها مع الأخيرة يعني انضمام الدولة بجميع ولاياتها للحصار القاري، وحينئذٍ تصبح مصر ساحة من ساحات الصراع الأنجلو - فرنسي، وهو ما يؤدي إلى تعرّض مصالحه للخطر، وبصفة خاصة في مسألة تجارة الحبوب التي توفر له الدعم المالي اللازم لتحقيق طموحه السياسي في الاستقلال. إنّ تقدير قيمة الصداقة الإنكليزية يفرض نفسه لتجنّب إثارة نزعتها الكولونيالية تجاه مصر من ناحية، ولتعظيم الإفادة المادية والعسكرية من بيع القمح لها من ناحية أخرى. وقد تابع محمد علي عن كثب تراجع القوة البحرية الفرنسية في البحر المتوسط جراء أعمال القرصنة الإنكليزية المستمرة بالقرب من سواحل الإسكندرية، وهو ما انعكس بوضوح في عجز كثير من السفن الفرنسية عن الوصول إلى الموانئ المصرية. وفي سياق هذه التطورات لم يكن على محمد علي سوى ترويض هذه القوة، والإفادة منها بدلً من الاصطدام بها. الواقع أنّ الباب العالي كان أكثر انشغال - في ذلك الحين - بتأمين سلامة الإمبراطورية من القلاقل والفتن التي تهدد بتفتيت وحدتها، إلى جانب الاضطرابات العسكرية التي شهدتها العاصمة المركزية طوال عامي 1807 و 1808، والتي أدّت من بين مجرياتها إلى

  1. Nahoum, p. 24.
  2. Driault, p. 226.
  3. Ibid., p. 134.
  4. عفاف لطفي السيد، مصر في عهد محمد علي، عبد السميع عمر زين الدين (مترجم)، السيد أمين شلبي (مراجع)، إصدار 554 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 004 2)، ص 105.
  5. Driault, p. 19.
  6. مكاتبة محمد على باشا إلى نجيب أفندي قبو كتخدا بالأستانة، بتاريخ 7 2 شوال 1225  -  5 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1810، في: سامي: ج 2، ص 6 22.

عزل السلطان نفسه (سليم الثالث) ثم قتله! (1807)25، فضلً عن تعرضها للضغوط السياسية والعسكرية الروسية والإنكليزية التي لم تتوقف إلا في أوائل كانون الثاني/ يناير 180926. لذلك لم يكن الباب العالي خلال عامي 1807 و 1808 في وضع يمكّنه من متابعة واليه على مصر، أو التنبّه إلى مراميه البعيدة وأساليب المُداراة السياسية التي جعلته يتخذ نهجًا خاصًا به، بعيدًا عن أولويات السياسة العثمانية. إنّ كل ما كانت تأمله السلطنة، في تلك الآونة العصيبة، هو أن يتمكن واليها في مصر من وأد ثورة الوهابيين. وكان محمد علي من جانبه يتابع باهتمام بالغ ما يجري بالعاصمة المركزية، فتأكّد له أنّ الباب العالي لديه من المشكلات ما يجعله مشغولً عن متابعة علاقته التجارية بالإنكليز، وخاصة في مجال تصدير الحبوب27. في هذا السياق السياسي المربك للسلطنة، مضت شحنات القمح طوال عامي 1808 و 1809، على متن السفن الإنكليزية من الإسكندرية إلى مالطة في سرية تامة28، محققة مكاسب مادية مهمة، جعلت محمد علي يعطي الأولوية لإنكلترا على ما عداها، بل يتعاقد على توريد الحبوب لها في المواسم التالية. كان من شأن المطلب الإنكليزي - الخاص بإمدادات الحبوب - أن يُحقق لمحمد علي هدفين مهمين؛ أولهما إمداده بمصدر مهم للإنفاق على حروبه الاستنزافية مع المماليك في الصعيد، تلك التي أرهقته وجعلته في موقف مالي بالغ الصعوبة29؛ فقد كان مدينًا لقواته - إبّان الاحتلال الإنكليزي لمدينة الإسكندرية - برواتب تسعة شهور، تأخّر صرفها لتعذر الموارد المحصلة بالخزانة، وهو ما جعله يخشى من انقلابها عليه، في الوقت الذي كانت فيه إيراداته من البلاد محدودة جدًا؛ وذلك جراء سيطرة المماليك على أخصب الأقاليم المنتجة للحبوب بالوجه القبلي30؛ فضلً عن استيلاء إسطنبول على كل إيرادات جمارك الإسكندرية ودمياط ورشيد (من 0 2 كانون الأول/ ديسمبر 1806 إلى 8 كانون الأول/ ديسمبر 1809)31. ومن ثم، فإن صفقات الحبوب التي عقدها معه الإنكليز قد مثّلت بالفعل انفراجة غير عادية بقدر ما أنّها لم تكن متوقعة، كما وجد فيها معينًا أمدَّه بالموارد المالية التي مكّنته من استمالة بعض البكوات المماليك الأكثر قوة وأهمية بين أقرانهم؛ سعيًا لبث بذور الشقاق بينهم، وهو ما تحقق بالفعل، وسهّل عليه في النهاية عملية الإجهاز عليهم والتخلص منهم للأبد كمنافسين له في السلطة32. أما الهدف الثاني لمحمد علي فكان سعيه في أن يثبت لإنكلترا أنّه، وبطريقة عملية، أكثر أهمية من المماليك، الذين كانت تُراهنُ عليهم في ضمان مصالحها وحماية امتيازاتها التجارية؛ ومن ثم أمِلَ أن يدفعها، من خلال بيع الحبوب، إلى فضِّ يدها من مساعدة خصومه المماليك، وأن تقدّم له، عوضًا عن ذلك، المساعدة في الحصول على الاستقلال بولاية مصر. ولعل ذلك ما جعل دروفتي يصفه في تلك اللحظة بأنّه "واسع الثراء في حيله الميكافيلية"33. ومن هنا، تظل مبيعات القمح ترمز إلى تداخل ما هو تجارى بما هو سياسي،

  1. الجبرتي، ص 101، 106، 131  -  132، 138 - 139؛ روبير مانتران (مشرف)، تاريخ الدولة العثمانية، بشير السباعي (مترجم)، ج 2 (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)، ص 18.
  2. الجبرتى، ص 146.
  3. عامر، ص 13.
  4. ليس أدل على ذلك من أنّ المراقبين الفرنسيين باﻹسكندرية أنفسهم شككوا في وجود تبادلات تجارية في القمح بين اﻹسكندرية ومالطة، انظر: 5. p , Driault
  5. Ibid., p. 73.
  6. Ronald T. Ridly, Napoleon's Proconsul in Egypt: The Life and Times of Bernardino Drovetti (London: The Rubicon Press, 1998), p. 48.
  7. ظلت الجمارك الثلاثة خارج سيطرة محمد علي حتى نهاية عام 1809، ويرصد الجبرتي نص الفرمان الذى ضم إيرادات تلك الجمارك إلى إيرادات الترسخانة السلطانية بإسطنبول، وذلك بتاريخ 7 2 رجب 1221  -  0 2 كانون الأول/ ديسمبر 1806، راجع: الجبرتي، ص 32  -  33.
  8. المرجع نفسه، ص 179، 190  -  192.
  9. المرجع نفسه، ص 49.

كما أنها عكست قدرة الباشا على استغلال أزمة الحصار في تحقيق مآربه السياسية من دون أن يثير عليه الباب العالي الذي ظل، في كثيرٍ من الأحيان، بعيدًا عن الإحاطة بحقيقة توجهاته الاستقلالية. كان ﻻ بد أن ينعكس سريعًا أثر هذه التجارة، التي أدار دفتها في اتجاه غرب المتوسط على اقتصاد العاصمة، وجاءت أول إشارة واضحة إلى ذلك في فرمان 5 2 أيار/ مايو 1809، والذي نصَّ على "عدم التصريح للتجار باحتكار أصناف الغلال والحبوب من حنطة وأرز وخلافه وإخراجها خارج القطر، وبإرسال تلك الأصناف في موسمها إلى دار السعادة لبيعها لسكان إسطنبول الذين تأذوا من هذا الاحتكار ورفع الأسعار"، كما أمر الباب العالي محمد علي بأن يتدخل بقوة للضغط على هؤلاء التجار لجعل الأسعار في متناول أهالي إسطنبول34.

فرمانات الحظر يف دائرة الاختبار

من الملاحظ في الفرمانات الصادرة خلال عامي 1809 و 1810 أنّ الباب العالي تعامل مع المشكلة على أنّ المتسبب فيها لم يكن محمد علي، وإنّما جماعة التجار الذين وصفتهم الفرمانات "بالمضاربين في الأسعار"؛ إذ نظرت إليهم على أنّهم جشعون يستغلون الأزمة، من دون أية مراعاة لفقراء إسطنبول35. وهو ما يوحي بنجاح تمويهات محمد علي باشا في البرهنة على أنّه بعيد عن التورط في تلك التجارة، وأخذت الفرمانات التالية تتوالى على القاهرة، متضمنة مجموعة من الضوابط والإجراءات الجديدة، بقصد تفعيل الحظر، والتشدّد في عدم إعطاء تراخيص سوى للسفن المتجهة إلى إستنانبول، وحراسة السفن بصورة تامة وصارمة36. وعلاوة على ذلك، شدّدت على أمرين: الأول، ألّ تُفرض رسوم تصدير عالية على الحبوب المخصصة لإسطنبول، منعًا لارتفاع أسعارها بالنسبة إلى سكان العاصمة. والثاني، عدم إعطاء أحد التجار حق احتكار بيع الحبوب وتسويقها37. بيد أنّه أمكن لمحمد علي باشا، عبر أتباعه المخلصين بجمرك الإسكندرية، أن يتوسّع في عمليات التهريب، وإخفاء دوره الفعلي في إدارتها، حتى إنّ القنصل دروفتي Drovetti نفسه أفصح لوزير الخارجية الفرنسي "بأنّه من الصعب تقديم قائمة واحدة دقيقة حول حركة الملاحة والتجارة بميناء الإسكندرية"؛ مبينًا إلى جانب ذلك أثر الرشاوى في تسهيل هذه الظاهرة؛ إذ يقول: "إنّه بالمال يمكنك في هذا البلد تمرير كل شيء من البضائع بالتهريب. وللتهريب هدف واحد هو المُداراة على اتساع عملياته"38. والمحصلة النهائية أنّ إسطنبول لم تصلها خلال عام 1810 الكميات المطلوبة؛ ومن شأن هذا أن يفسر كثرة مجيء "القابجية"، محملين بفرمانات تفيض بروح الاستياء من استمرار تجارة التهريب بالإسكندرية، بيد أنّ أصابع الاتهام كانت لا تزال - حتى تلك اللحظة - بعيدة عن أن توجّه إلى والي مصر؛ ليظل تشخيص العلة بجشع التجار والمحتكرين39. ويغلب الظن على أنّ الباب العالي آثر تحاشي مكاشفة تابعه؛ أملً في استثمار تعاونه في تحقيق استقرار النفوذ العثماني في الجانب العربي من الإمبراطورية، وتحديدًا في الأراضي المقدسة التي انطلقت منها حركة دينية خطيرة زلزلت كيان الدولة كله؛ ألا وهي الحركة الوهابية.

  1. نشر أمين سامي مضمون الفرمان، بينما جاءت الترجمة الفرنسية كاملة لنص الفرمان، انظر: سامي، ج 2، ص 16 2؛ وانظر أيضًا: 35. p , Nahoum
  2. راجع على سبيل المثال الفرمانات ذات الأرقام: 139، 147، 151، 153، 156؛ فهي تلفت نظر محمد علي إلى ضرورة تنبيه التجار إلى أنّ ضبط أي شحنات من الحبوب تخرج سرًا في البحر سوف يتم التعامل معها على أنها "غنيمة حرب" تصادَر وترسَل إلى إسطنبول، انظر: 49 - 47 , 45 , 42 Ibid., pp.
  3. Ibid., p. 45.
  4. فرمان شاهانى بتاريخ 30 ربيع أول 1225  -  5 أيار/ مايو 1810، في: سامي: ج 2، ص 221.
  5. Driault, p. 100.
  6. Nahoum, p. 45.

طوال عام 1810، رصد المراقبون الفرنسيون بالإسكندرية، حركة شحن السفن الإنكليزية بالحبوب تحت حماية البارجات الحربية الإنكليزية40، بينما "إسطنبول وأزمير وحلب وجزر الأرخبيل تعاني نقصًا شديدًا في المؤن الغذائية41، كما أنّ السفن التي ترِد من الموانئ العثمانية كانت تعود محملة بأي نوع من البضائع والمنتجات، عدا القمح، الذي آثر الباشا أن يقصر بيعه على السفن المتجهة إلى جزيرة مالطة وإسبانيا والبرتغال، ولهذا لم يكن يصل إسطنبول من القمح إلا القليل الذي ﻻ يفي حاجة الاستهلاك الفعلي لسكانها42. ويكتب دروفتي في تقريره "أنّ الباشا، عبر حيله ومكائده، قد تمكّن من تضليل الباب العالي، وأمد البريطانيين بشحنات الغلال على حساب إسطنبول، من دون أي مراعاة لتطبيق فرمانات الحظر"43. وثمة فرمان صادر في تشرين الأول/ أكتوبر 1810 يشير إلى تكرار الأوامر المحذرة والمانعة لهذه التجارة. كان الجديد فيه مطالبته بكشف أسماء من أطلق عليهم "المهربين السريين" حتى تجري معاقبتهم، ومصادرة شحناتهم وإرسالها للباب العالي مباشرة44. وعبر فرمان صادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1810 أعلن الباب العالي بأنه سيرسل "مجموعة من المراقبين المتنكرين (إلى موانئ إسكندرية ودمياط ورشيد) لتفعيل الرقابة الصارمة والضرورية، والتنبيه بقراءة الفرمان على الملأ لردع المتورطين في هذه التجارة المحظورة"45. والواقع أنّ الباب العالي أخذ هذا الإجراء على محمل الجد، وبالفعل أرسل عيونه وبثها في كل الموانئ، بما في ذلك ميناء سالونيك، الذي تُمارس به ظاهرة التهريب نفسها46. وإزاء تعقّد ظروف الأزمة الغذائية بالعاصمة المركزية، نحو نهاية عام 1810، لم يجد الباب العالي من حلٍ سوى تدّخله المباشر في اتخاذ إجراءات عملية، يأمل أن تعجّل بوصول كميات القمح المطلوبة لسكان إسطنبول، الذين كان يُخشى لجوؤهم إلى إثارة الاضطرابات، وخاصة في ذلك التوقيت الحرج، الذي كانت تخوض فيه الدولة مواجهة ضارية ضد روسيا، التي أنزلت بالجيش التركي عدة انكسارات، جعلته في موقف حرج وصعب، حتى طلبت إسطنبول دعمًا لوجستيًا (قمح ومال وذخيرة) من جميع الولايات التابعة لها، وفي مقدمتها ولاية مصر47؛ مما يُبين إلى أيّ حد كان الموقف عصيبًا، ولا يحتمل التهاون في تأمين الاحتياجات الغذائية لأهالي العاصمة48. تُلقي الفرمانات الصادرة بين نهاية 1810 ومطلع 1811 الضوء على تلك الإجراءات؛ فقد كان من بينها: العمل على توفير سفن الكورفت الكبيرة، بالاتفاق مع بعض أرباب السفن الأجنبية، وتسديد نولون الشحنات من خلال قناصلهم بإسطنبول، في غضون 16 يومًا من تاريخ وصول الشحنة، مع تحديد أجر نولون كيلة القمح ب 3 بارة فقط، منعًا لزيادة سعر الأردب في أسواق إسطنبول، وعينت مسؤولً، أطلقت عليه "المُبايعجي"، يتولى شراء الكميات المطلوبة من القمح، واستئجار المراكب والإشراف على عمليات الشحن، وشدّدت على التعاون معه من أجل إنجاز مهمته. وتكرر التأكيد على ضرورة الرقابة الصارمة والإمساك بكل من تسوِّل له نفسه تهريب الحبوب أو تسويقها خارج المجال العثماني، وضبط شحناته التي أعلنت أنّها ستصادرها على أنها "غنيمة حرب"، وأخبرت قناصل جميع الدول حتى

  1. راجع التقارير الفرنسية ذات الأرقام: 34، 37، 40، 42، 41، 44، 47، 49، 51 في: Driault, pp. 68 , 73 , 75 , 77 - 78 , 82 , 83 , 87 , 88 , 92 , 96 , 100.
  2. Ibid., p. 68.
  3. Ibid., pp. 78 , 82.
  4. Ibid., p. 92.
  5. Nahoum, p. 47.
  6. Ibid., pp. 47  -  48.
  7. Ibid.
  8. فرمان سلطاني بتاريخ جمادى الأولى 1225 - 1810، انظر: سامي، ج 2، ص 222 - 3 22؛ ونص الفرمان منشور بالفرنسية في: 44 - 43. pp , Nahoum
  9. ويبين كل من الجبرتي وسان مارسيل أنّ مراسيم جاءت من الدولة باستعجال إرسال الحبوب لإسطنبول، راجع: الجبرتي، ص 175؛ وكذلك: 80. p , Driault

يحذِّروا رعاياهم من التورط في هذه التجارة غير المشروعة. وعُمِّمت كل هذه الإجراءات في سائر الموانئ العثمانية لمنع تجارة تهريب الحبوب إلى غرب المتوسط49. ويتضح ممّا جاء في تقرير دروفتي جدية الباب العالي في عزمه على تنفيذ الرقابة الصارمة على الموانئ؛ لضبط اتجاه حركة تصدير الحبوب إلى العاصمة المركزية وحسب، بيْدَ أنّه أبدى أسفه على تأخر مثل هذا الإجراء لمدة عام، ونقل إلى وزير الخارجية تعليقه الساخر: "إنّ الباب العالي وإن كان لم يرخص لبيع الحبوب في الخارج، فإنّه بالفعل تساهل في أمر استخلاصها وتصديرها من مصر"50.

انطلاق تجارة تهريب القمح بين الإسكندرية ومالطة (1810 - 1811)

أدت الحرب الروسية العثمانية (1810 - 1812) إلى إغلاق بوغازي البوسفور والدردنيل، وتوقّف صادرات القمح الروسي. ولم يكن أمام بريطانيا من حلٍ واضح لتأمين تغطية احتياجات جيوشها من المؤن الغذائية، سوى استيراد القمح من مصدرين: الولايات المتحدة الأميركية ومصر. غير أنّ توتر علاقاتها مع الأولى إلى حد الصدام المباشر في عام 1812 حسم اعتمادها بشكل رئيس على مصر. والحاصل أنّ الإنكليز أضرموا النيران في فرقاطة أميركية تحمل الحبوب لغريمتها فرنسا في ذلك العام. وردًّا على هذه الحادثة أصدر الكونجرس اﻷميركي "قانون حظر التجارة الأجنبية" Act Embargo، للضغط على طرفي الصراع الأنجلو- فرنسي، لكنه لم يسفر عن شيء ذي جدوى51، وتمكّن الأسطول البريطاني من محاصرة السواحل الأميركية، ونجح، حتى منتصف عام 1812، في الحيلولة دون عبور القمح الأميركي للمحيط الأطلسي سوى ما كان متجهًا لجيوشها بشبه جزيرة أيبيريا52. لقد أصبح القمح المصري المصدر الرئيس لإمداد الجيوش الإنكليزية بحاجاتها بصورة آمنة نسبيًّا، ولم يكن ثمة مشكلة تهدد هذه الإمدادات سوى فرمانات الحظر، وعجز الإنكليز عن الضغط على الباب العالي لإقناعه بإلغاء تلك الفرمانات؛ ومن ثم تحتّم التفاوض مباشرة مع محمد علي. أصدر "ستراتفورد كاننج" تعليمات سرية لقنصل بريطانيا في مصر بأن يرتِّب مع محمد علي "تجارة تهريب منظمة". وحين هدّد الباب العالي بتفتيش السفن الداخلة في نطاق خط يمتد من كريت إلى مصر، أصدر البريطانيون تحذيرًا بأنّهم لن يتغاضوا عن مثل هذا العمل53. من هنا، استمرت السفن التجارية، تحت حماية الفرقاطات الحربية الإنكليزية؛ تغدو وتروح بين الإسكندرية ومالطة وموانئ إسبانيا والبرتغال، وخاصة مع توافر كميات هائلة من الحبوب تحت يد محمد علي بعد عقده الصلح مع البكوات المماليك بالصعيد في 7 2 آذار/ مارس 1810 الذي التزم بمقتضاه البكوات المماليك توريد 107 آلاف إردبٍ من القمح من الوجه القبلي54، كما أُمّنت طرق الملاحة النيلية بين الوجهين القبلي والبحري، لتسمح بتدفق الحبوب من سائر الأقاليم، لتمتلئ على إثرها صوامع الإسكندرية بالحبوب.

  1. Nahoum, pp. 45 - 48 , 54  -  55.
  2. Driault, pp. 135  -  136.
  3. The War of 1812 ," at: http://gatewayno.com/history/War 1812.html.
  4. يلاحظ أنه في فترة ما قبل حزيران/ يونيو 1812، لم يصل إلى ميناء لشبونة، من بين 121 2 شحنة قمح، سوى 797 سفينة ترفع العلم الأميركي؛ أي بما يعادل ثلث عدد الشحنات تقريبًا. راجع: " War of 1812 Overview," at: http://www.eighteentwelve.ca/% 3 Fq% 3 Deng/Topic/ 2 ; "Short History of the War of 1812 ," at: https://ussconstitutionmuseum.org/about-us/bicentennial/short-history- 1812 /; "War of 1812 ," at: http://militaryhistory.about.com/od/warof 1812 / tp/war-of- 1812 -overview.htm; John R. Grodzinski, "The war of 1812: Still matters," at: http://news.nationalpost.com/full-comment/john-r- grodzinski-the-war-of- 1812 -still-matters; and "The war of 1812."
  5. هيلين آن ريفلين، الاقتصاد والإدارة في مصر في مستهل القرن التاسع عشر، أحمد عبد الرحيم مصطفى (مترجم) (القاهرة: دار المعارف، 1967)، ص 251.
  6. الجبرتي، ص 148.

سياسة تصدير القمح بين مصالح التابع وإرادة السيد

في ظل تعقد ظروف الحرب في أوروبا وتعثّ صادرات القمح الروسي والأميركي، وحالة النقص الشديد في غلة القمح والتي بلغت خلال سنوات 1809، و 1810، و 1811 حد الندرة في معظم بلدان البحر المتوسط55، واستعداد الإنكليز لشراء القمح من الإسكندرية بأي سعر، تطلّع محمد علي باشا إلى استغلال الفرصة التي ساقتها إليه الأقدار، ليعطي الأولوية للإنكليز، في مقابل إهماله بيع شحنات الحبوب لإسطنبول؛ طالما أنّ الأخيرة فرضت عليه سعرًا بالغ الضآلة، مع إعفاء شحناتها من دفع الرسوم، فضلً عن مطالبتها إياه بتمويل حرب الحجاز التي كان يخشى أن تستنفد ماليته؛ إذ رفضت الدولة العثمانية تعلّله بعجز اقتصاد الولاية جراء تحمله نفقات باهظة في محاربة المماليك والقضاء عليهم56، فضلً عن حاجته للإسراع بعمل الاستحكامات الحربية القوية لمدينة الإسكندرية، ولتسليح الأسطول الذي بدأ في بنائه بالفعل. وكان كل ذلك يحتاج إلى الأموال، وليس له مصدر حيوي يدعم ماليته سوى بيع الحبوب للخارج57. إذًا، جعلت قراءة محمد علي لظروفه المادية يوقن أنّ صعوباته أكثر أهمية من مراعاة صعوبات السلطان في عاصمته الجائعة؛ ومن ثم قرر انتهاك فرمانات الحظر، وبغير حياء أحيانًا، وهذا تحديدًا ما فعله إزاء فرمان 7 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 181058 الذي كان يكرر قضية الحظر؛ فبعد يومين اثنين فقط (9 2 تشرين الثاني/ نوفمبر) توجه إلى الإسكندرية للإشراف بنفسه على بيع الحبوب للإنكليز، وكتب ميسيت (القنصل البريطاني بالإسكندرية) إلى سميث (الوزير البريطاني المفوض لدى إسطنبول): "فرض الباب العالي حظرًا على تصدير الحبوب، لكنّ الباشا لم ينصع لتنفيذه، إذ رفض أن يطيع أيّ أمر صادر من سيده الأعلى يمكن أن يتعارض مع مصالحه الخاصة"، مبيّنًا أنه يقرّ إسميًا فحسب بسلطة السلطان59. لذلك لم تتأثر صفقات شراء الحبوب بفرمانات الحظر، وبحسب تقدير الجبرتي، باع الباشا كميات ضخمة منها، بلغت ما يزيد على 00 2 ألف إردبٍ بواقع 100 قرشٍ للإردب60. تبيّ هذه المفارقة أنّ سياسة تصدير القمح باتت، منذ ذلك الحين، في يد التابع ﻻ السيد، وكتب دروفتي إلى الخارجية الفرنسية: "لقد تفرّد محمد علي بتجارة الحبوب وبتحديد سعر التصدير"61، وأكّدت الصفقات التالية، على مدار سنوات الحصار القاري وما بعدها هذه النتيجة التي فرضت نفسها على الصراع، غير المعلن، بينه وبين السلطنة. ولعل مما له دلالته ومغزاه أنّه رفض التصديق على تعريفة جمركية جديدة حصل عليها قنصل الإنكليز من الباب العالي بشأن بضائع التجار الإنكليز الواردة والمصدرة إلى مصر، ليؤكد لهم عمليا أنّه هو، ﻻ المركز، مَنْ يحدد الرسوم التي تتناسب مع مصالحه. وكتب القنصل البريطاني ميسيت بمرارة: "إنّ الوالي ﻻ يحترم أيًّا من المزايا الممنوحة لإنكلترا طبقًا لاتفاقية امتيازاتنا مع الباب العالي؛ لقد باع أو احتفظ لنفسه باحتكارات مختلفة، وتمت زيادة الرسوم الجمركية القديمة، وفُرِضت الرسوم الجديدة على كل بنود الواردات والصادرات؛ والإجابة الوحيدة التي يردّ بها عن احتجاجات الوكلاء الأوروبيين أنّ لديه سلطة اتخاذ أية ترتيبات دولية داخل حكومته هو"62. وعزا دروفتي رفض الباشا تنفيذ فرمان الحظر وفرضه سياسة جمركية

  1. Muhammed Shafik Ghorbal, The Beginning of the Egyptian Question and the Rise of Mehemet Ali: A Study in the Diplomacy of the Napoleonic Era Based on Researches in the British and French Archive (London: G. Routledge, 1928), p. 281.
  2. عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، من وثائق الدولة السعودية اﻷولى في عصر محمد علي 1807  -  1819 (القاهرة: دار الكتاب الجامعي، 1983)، ص 178.
  3. Driault, p. 116.
  4. فرمان شاهاني بتاريخ 30 شوال 1225  -  7 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1810، في: سامي، ج 2، ص 226.
  5. Ghorbal, pp. 281  -  282.
  6. الجبرتي، ص 202.
  7. Driault, p. 97.
  8. نقلً عن: السيد، ص 222  -  3 22. وقد عبّ في إحدى مكاتباته- وهو بصدد الرد على احتجاجات فرنسا على خرقه الحظر ودخوله في اتفاق بينه وبين الإنكليز - عن هذا المفهوم الذى يوسع من دائرة صلاحياته بقوله: "إنّ ولاية مصر مثل سائر الولايات الممتازة، ومن قواعدها حرية العمل لصالح الدولة"، راجع: عامر، ص 17.

خاصة إلى "روح استقلاليته التي أخذ يقويها ويعمل على تنميتها باستمرار". بل أكثر من ذلك، اتجاهه إلى فرض رسوم كبيرة على صادرات الحبوب المتجهة إلى إسطنبول نفسها، ومدن تركية أخرى مثل أزمير، وهي رسوم لم تكن موجودة من قبل على الإطلاق63. وكل هذه المؤشرات تبيّ تحكّمه في رسم السياسة الجديدة لصادرات الحبوب المصرية في البحر المتوسط. وسعيًا لتركيز صادراته في اتجاه غرب المتوسط، كان ﻻ بد أن يثير عوائق التصدير في اتجاه إسطنبول، ويجد ضالته في إثارة مشكلتي القرصنة وقلة السفن، وهما المشكلتان اللتان مثلتا بالفعل معضلتين كبيرتين بالنسبة إلى إسطنبول؛ فالطلب الرسمي الذي تقدم به الباب العالي (في 42 حزيران/ يونيو 1810) إلى الجانبين الأنجلو- فرنسي، بعدم امتداد العمليات الحربية والقرصنة بينهما إلى المياه الإقليمية العثمانية، وخاصة داخل المنطقة الشاملة لكل من "المورة وكريت ومصر"، انطلاقًا من التزامها الوقوف على الحياد، ظلّ من دون ردّ إيجابي64. ومن الواضح أنّ الرفض الأنجلو - فرنسي كان مقصودًا في حد ذاته؛ فالقرصنة تتسبب في شل حركة السفن في البحر المتوسط، وهذا من شأنه أن يحقق جزءًا من إستراتيجية الحرب الاقتصادية بينهما، والنتيجة أنّ الباب العالي وجد صعوبة بالغة في استقصاء السفن المحايدة القادرة على نقل الحبوب من الإسكندرية إلى إسطنبول، حتى إنه كان يُوكل هذا الأمر إلى بعض كبار المسؤولين في الديوان الهمايوني65. ولا شك أنّ هذه المسألة وفرت لمحمد علي من الوقت ما جعله قادرًا على استيفاء الطلب الإنكليزي من الحبوب - أولً - قبل إسطنبول نفسها التي لم يكن يصلها سوى القليل66. لقد حاول محمد علي باشا استغلال "مسألة القرصنة وتعثّ إمدادات الحبوب" ليعرض على الباب العالي (في تشرين الثاني/ نوفمبر 1810) طلبه الأثير بأن يعلن السلطان "مصر سربست" (أي حرة ومستقلة سياسيًا) على غرار ولاية الجزائر، موضحًا للصدارة العظمى أنه ليس له مطمع سياسي في هذا الأمر على الإطلاق، وإنما هو يخشى في حال اضطرت الظروف السلطنة إلى الدخول كطرف في أزمة الحصار والحرب الأوروبية، أن تشتد وطأة مشكلة القرصنة، وما يترتب عليها من تعثر وصول الإمدادات السنوية من الحبوب الضرورية لسكان العاصمة، فضلً عن تأثيراتها السلبية في إعاقة تنفيذ توجيه جيشه في مهمة الحرب ضد الوهابيين، كنتيجة للانشغال بمدافعة ما أسماه "تسلط ومهاجمة الدول الأفرنكيّة على مصر"67 في حين أنّ الأمر سوف يختلف في حال صارت "مصر سربست"؛ إذ وقتها تنأى الولاية المصرية عن ساحة أيّ نزاع يضم العثمانيين، وهو ما يمكنه في هذه الحال من إمداد السلطنة باحتياجاتها المادية على سفن تحمل علمًا محايدًا. ولتأكيد حسن نياته، أو بالأحرى للمُدارة على نزعته الاستقلالية، راح يؤكد للباب العالي أنّ أمر الاستقلال يظل مرهونًا بالأزمة، أيّ هو مؤقت، فما أن تنتهي الأزمة والحرب في أوروبا، فللدولة أن تنزل مرتبة مصر إلى "الإيالة" مرة أخرى68. وكان يرمي من وراء هذا الطلب تحقيق غاية أساسية؛ فإن وافقت السلطنة على طلبه، بلغ مراده الذي يخطط له طوال الوقت، بنواله شرعية اعتراف السلطنة له بنوع ما من الاستقلال69، وإن رفضت فإنّه يفيد من الموقف على الأقل بتوصيل رسالة واضحة للباب العالي بأنّ الصعوبات التي تواجهه في إرسال الحبوب للعاصمة المركزية، وكذا في تغطية نفقات حرب الوهابيين، إنما هي صعوبات خارجة تمامًا عن إرادته، وأنه ﻻ يملك من الإمكانات المادية ما يسمح له بالتغلب عليها أو مواجهتها، ومن ثمّ يجد مبررًا منطقيًا لتعطيل حركة نقل الحبوب إليها.

  1. Driault, p. 68.
  2. Nahoum, pp. 57  -  58.
  3. مثَّل الشيخ أفندي كبير موظفي مكتب المهمات بالديوان الهمايوني، راجع الفرمانات ذات الأرقام 139، 174، 0 42 في: Ibid., pp. 42 , 54 - 55 , 76.
  4. Driault, pp. 82 , 152.
  5. مكاتبة محمد علي باشا إلى نجيب أفندي قبو كتخدا بالأستانة، بتاريخ 7 2 شوال 1225  -  5 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1810، في سامي: ج 2، ص 226.
  6. السيد، ص 297  -  298.
  7. ويتضح ذلك جليًا في تعليماته السرية إلى قبو كتخدا نجيب أفندي باستانبول، راجع نص المكاتبة في: سامي، ج 2، ص 226.

وإذ يرفض الباب العالي طلبه، فإنه يَكمُن في انتظار الفرصة، أملً أن يتحول المد لمصلحته، فينال حلم الاستقلال70. وقد صار الآن أكثر اقتناعًا بضرورة العمل على إذكاء مصالحه الخاصة، وجعلها في المقام الأول: فيقرر التخلص من المماليك أولً (في آذار/ مارس 1811)، قبل أن يقرر خوض حرب الحجاز، والتي لن يبدأها قبل 30 أيلول/ سبتمبر 181171؛ إذ إنّ القضاء على المماليك سوف يسمح له بالسيطرة على مواطن إنتاج الغلال بالصعيد، ومن ثمّ يضمن كامل سيطرته على حصيلة الحبوب من كل الأقاليم القبلية والبحرية كافة، وهو ما يمكّنه من تغطية نفقات الحرب، جراء تكثيفه حركة مبيعات القمح في اتجاه جزيرة مالطة ﻻ إسطنبول أو أزمير.

مقايضة غير معلنة: حرب الحجاز يف مقابل غض الطرف عن صادرات الحبوب إلى مالطة؟

في نهاية عام 1810 ومطلع عام 1811، كان الباب العالي قد وصل إلى مرحلة من التململ من سياسة تابعه في مصر. وتعلقت المسألتان الأكثر حساسية بين الطرفين بحرب الوهابيين التي لم يخضها محمد علي بعد، وعقده اتفاقًا منفردًا مع الإنكليز من دون السلطنة أو بالأحرى من ورائها72، وهو اتفاق يسمح بدخول السفن الإنكليزية لميناء الإسكندرية القديم وإمدادها بالحبوب تحت حراسة بعض السفن الحربية الإنكليزية؛ وهو ما كان يعني خروجًا شاذًا عن صلاحياته كوالٍ، كما نظر إلى الأمر في الوقت نفسه على أنّه انتهاك صارخ لقوانين حظر مبيعات الحبوب. وكشفت مكاتباته (السرية) إلى نجيب أفندي، المتحدث باسمه تجاه الباب العالي، عن منطق تفكيره السياسي وراء تغيير وجهة صادرات الحبوب المصرية من شرق البحر المتوسط إلى غربه؛ فهو يربط حرب الحجاز ببيع الحبوب، فيما يشبه المقايضة الضمنية؛ إذ جعل الأخيرة سببًا لإنجاز الأولى. فليس سماحه للسفن الإنكليزية بدخول الموانئ المصرية وشحنها بالحبوب سوى لتفادي أيّ تأثير سلبي يمكن أن يعوق إنجاز ما أسماه ب "التجهيزات الحجازية"؛ فالإنكليز يساعدونه ببعض اللوازم الضرورية، وبالسفن التي يتعين أن تصل إلى السويس عبر الدوران حول أفريقيا. كما أوضح للباب العالي أنّ منعهم من دخول الإسكندرية قد يتسبب في استعدائهم ويدفعهم، بما عرف عنهم من مكائد وحيل، إلى التصدي للسفن الجاري تدشينها بالسويس؛ مما قد يتمخض عنه تعطيل "مأمورية الحجاز". وينتهي من هذا الربط إلى أنه يعمل من أجل مصلحة الدولة، وليس من أجل مصالحه الخاصة، كما يزعم الوشاة، وهو أيضًا يذكِّر كبار المسؤولين بالباب العالي أنّ من بين شروط صلحهم الأخير مع الإنكليز (في عام 1810) "حرية دخول السفن الإنكليزية ومرورها من الموانئ الإسلامية وميناء الإسكندرية"، وهو البند الذي عوَّل عليه الجنرالات الإنكليز بعد ذلك؛ إذ هدّدوا صراحة بأنّه في حال منعهم من دخول ميناء الإسكندرية فإنهم سينظرون إلى هذا الميناء نظرتهم إلى الموانئ التابعة لغريمتهم فرنسا، ومن ثم تصبح الإسكندرية مستهدفة ومعرضة للتهديدات الإنكليزية73. وحين تزايدت حدة اللوم، كتب للسلطنة مجددًا "بأن التصريح للسفن الإنكليزية بشحن الحبوب كان بقصد تمكين المصافاة بين الدولتين، والمساعدة منهم في سواحل البحر الأحمر لتسهيل مهمات سفرية الحجاز، وأنه على أيّ حال أصدر مكاتبات بمنع إخراج المحصولات المصرية إلى بحر برًا امتثالً لأوامر الحضرة الملوكانية"74.

  1. السيد، ص 298.
  2. الجبرتي، ص 218  -  219.
  3. عامر، ص 17.
  4. المرجع نفسه، ص 18.
  5. المرجع نفسه، ص 19.

بيْدَ أنّ الباب العالي لم تنطلِ عليه تلك التبريرات، وحذّر الوالي من التمادي في إعطاء تراخيص بيع الحبوب للإنكليز75، فليس ثمة وضع أكثر صعوبة مما يواجهه السلطان في عاصمته التي أشرفت بحق على المجاعة، وعلى الرغم من المحاولات التي بُذِلَت من جانب السلطنة للحيلولة دون شيوع خبر هذه الأزمة بالولايات، فإنّ تفاصيلها وصلت إلى القاهرة76. وكانت شكوك الباب العالي في محلها؛ فالوالي لم يتراجع عن بيع القمح خارج مجال الإمبراطورية العثمانية77، وخاصة مع توقعاته بزيادة أرباحه، حتى إنه سافر مرتين، على غير العادة، إلى الإسكندرية في ذلك العام78 للإشراف بنفسه على بيع الحبوب. وكان رهانه على الوقت الذي تستغرقه حركة المراسلات والفرمانات؛ فقد كتب إلى نجيب أفندي بإسطنبول يقول: "وعلى أيّ حال سيستمر هو في السير بهذه الخطة باتحاده مع الإنكليز للوصول للغاية، ولحين ما يطرق مسامعهم عمله يكون قد أدرك بغيته"79. ولا ريب أنّ وعي محمد علي باستثنائية الظرف وبضرورة استغلال الفرصة، قد أغراه بعدم الاكتفاء بإمداد الإنكليز بالحبوب؛ إذ رنا ببصره إلى تسويق القمح في المناطق الأشد سخونة في الصراع الأوروبي؛ فقد طلب من الإنكليز أن يؤجروا له بعض السفن ليقوم بشحنها بالحبوب في اتجاه موانئ إسبانيا80 التي كانت تشهد على أراضيها جزءًا مهمًا من أطوار الحرب النابليونية الأوروبية. وهكذا، فقد صار قمح محمد علي باشا يؤدي دورًا حيويًا في الصراع الأوروبي، ويؤثر دون مبالغة في تطورات الصراع. وهذا ما يسجله الجنرال بوتان Boutin في رسالته إلى وزير الدفاع الفرنسي بتاريخ 9 2 تموز/ يوليو 1811؛ إذ كتب يقول: "إنّه لولا قمح محمد علي لكان على إنكلترا أن تُجبر على تفريغ شبه جزيرة أيبيريا، فبدون هذه الإمدادات ربما كانت جيوشها قد هلكت من الجوع"81. وبناء عليه، فإنّ منظور القادة العسكريين الفرنسيين وتقييمهم للدور الذي أدته صادرات القمح المصري، يكشف عن أحد العوامل غير المباشرة التي ساهمت بقوة في انتصار إنكلترا، ومن ثم في انهيار الإمبراطورية الفرنسية وتغيير مسار التاريخ الأوروبي الحديث.

صادرات الحبوب خارج المجال العثمين

طوال عام 1811، دخلت العلاقة في مرحلة من المكاشفة والمواجهة الجدلية حول الأولويات والصلاحيات المكفولة لمحمد علي بوصفه واليًا، وما تنتظره السلطنة من إبدائه الانصياع والخضوع لأوامرها وخاصة في مسألتي الحبوب وحرب الوهابيين. وقد بدأ يتلمس نفاد صبر الدولة إزاء سياساته ومواقفه من لغة الفرمانات التي أصبحت تشي باللوم والتوبيخ بصورة صريحة، حتى تصل إلى اتهامه (في تموز/ يوليو 1811) بأنّه "حصر منافع مصر لشخصه خاصة دون انتفاع الدولة منها بشيء"82. بيد أنه لم يغيّ من سياسته في شيء، وإن كان قد لُوحِظَ أنّه جعل صلاته بالإنكليز تسير في نطاق محدود جدًا83؛ منعًا لإثارة السلطنة ضده. لكنه سارع - في الشهر التالي مباشرة (آب/ أغسطس 1811)، كعادته حين كانت تفد السفن الإنكليزية إلى الإسكندرية - إلى شحن

  1. فرمان شاهاني صادر بتاريخ 1 شعبان 1225  -  1 أيلول/ سبتمبر 1810، في: سامي، ج 2، ص 224.
  2. الجبرتي، ص 175.
  3. المرجع نفسه، ص 215.
  4. لقد قضى محمد علي في المرتين نحو ثلث عام باﻹسكندرية، من تشرين الثاني/ نوفمبر 1810 إلى 18 كانون الثاني/ يناير 1811، ثم من 18 نيسان/ أبريل إلى 3 2 أيار/ مايو 1811. وبحسب الجبرتي كان دافعه اﻷساسى للسفر بلوغ نبأ وصول السفن الإنكليزية الطالبة شراء الحبوب، واستغل وجوده هناك للإشراف على تحصين المدينة واستكمال بناء سورها. انظر: المرجع نفسه، ص 202، 215  -  16 2.
  5. عامر، ص 17.
  6. Driault, p. 104.
  7. جيلبير سينويه، الفرعون الأخير: محمد علي بين 1849 - 1770، حافظ الجمالي (مترجم) (دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 005 2)، ص 129.
  8. عامر، ص 20.
  9. Driault, p. 132.

السفن بالحبوب84، في حين يتلكأ في الخروج لمحاربة الوهابيين، على الرغم من مرور ستة أشهر على قضائه على المماليك الذين طالما كان يتخذهم علة وسببًا لتأجيل خروجه للحرب85. إلى جانب ذلك، لم يُبد الباشا اكتراثًا بالظروف المادية الصعبة التي كانت تمر بها الدولة خلال فترة حربها مع روسيا؛ إذ إنّه اعتذر لها (في آب/ أغسطس 1811) عن عجزه عن إغاثتها بالحبوب والذخيرة في حربها ضد غريمتها86. وتبدو مكاتباته واضحة في مغزاها: إنّ الاقتصاد المصري غير قادر على تمويل حرب الحجاز88، ما لم يسع من جانبه إلى استغلال تجارة تصدير القمح، بالدرجة الأولى، للأجانب الأوروبيين الذين يدفعون في مقابلها الأموال والمستلزمات الضرورية للحرب. ولعلّ الربط بين مغزى هذه المكاتبة وبين ما نقله دروفتي89، في تقريره إلى وزارة الخارجية، على لسان محمد علي نفسه، يمكن أن يوضح لنا مدى اقتناعه بالتمسك بموقفه من حتمية تغيير وجهة صادرات القمح إلى غرب المتوسط. بيْد أنّ شواغل الدولة في حربها المستمرة ضد الروس التي أربكت ماليتها، وقلقها الشديد من استشراء ثورة الوهابيين في الداخل، واحتياجاتها إلى القمح والأرز المصريين لتزويد سكان العاصمة بهما، جعلها لا تقبل مثل تلك التبريرات. وبلغ استياؤها مداه حين تصفه في "أمرٍ سامٍ" بأنّه صار "أصغر الوزراء شأنًا"90، ثم نجدها تقلل، ولأول مرة، من جدوى قضائه على المماليك! بل إنّها تتساءل، مستنكرة، عن سبب تصفيتهم، وكأنها تلوح إليه بأنه لم يستأصلهم من أجل خدمة الدولة، وإنّما من أجل تكريس سيطرته وهيمنته هو على مصر91. وفي هذه اللحظة ﻻ يجد محمد علي، المنزعج من حالة السخط والاستياء الهمايوني، فكاكًا من بدء حربه بالجزيرة العربية؛ لعله بذلك يشغل الدولة عن تدخلها في سياسته التجارية التي لن يحيد عنها قيد أنملة؛ ففي إمكانه أن يخوض سلسلة من الحروب بالجزيرة العربية إرضاءً لها، لكنه ليس على استعداد أن يوقف شحن سفينة إنكليزية واحدة تفد إلى ميناء الإسكندرية. ولعل ذلك ما جعل القنصل دروفتي يقول: "إن حكومة الباشا على استعداد للتضحية بكل الاعتبارات وبكل العلاقات السياسية مهما كانت في سبيل أدنى مصالحه"93. على أنّ تقليل حدة الانتقاد والدفع بالسلطان إلى تقريظه على كل ما كان يحققه من انتصارات على الوهابيين94، لم يُنس السلطنة "مسألة الحبوب" التي ظلّت تؤرقها بسبب قلة كمياتها المعروضة بأسواق أزمير وإسطنبول التي نزل بأهلهما البؤس والفاقة، لتعاود الدولة من جديد إرسال فرمانات حظر التصدير للأجانب، والتذكير بإعطاء الأولوية للعاصمة المركزية على ما عداها، وضبط التسعيرة لمنع المضاربين من رفع الأسعار95.

تجاوب محدود وسياسة فرض الأمر الواقع

كان الباب العالي قد أرسل إلى الإسكندرية إحدى عشرة سفينة، وصلت تباعًا، على مدار آب/ أغسطس 1811، وأخذ الفضول الاستخباراتي سان مارسيل إلى مراقبة هذه السفن، حتى لنجده عبر تقاريره الدورية، يدرجها كواحدة من الأحداث الجديرة بإحاطة

  1. 92 تغيرت لغة الفرمانات تمامًا بعد سيطرته على الحرمين الشريفين وإرساله مفاتيح الحرم الشريف إلى دار السلطنة، انظر: عامر، ص 23.
  2. Ibid., p. 135.
  3. عبد الرحيم، ص 178  -  179.
  4. عامر، ص 20.
  5. Driault, p. 116.
  6. عامر، ص 19.
  7. عريضة من محمد علي إلى اﻷعتاب الشاهانية، بتاريخ 19 رجب 1226  -  9 آب/ أغسطس 1811، في: سامي، ج   2، ص 233 - 232.
  8. Driault, p. 116.
  9. Nahoum , p. 49 , 53  -  55.
  10. 87 كثيرًا ما أوضح محمد علي في مكاتباته إلى الباب العالي "عدم كفاية المنافع المصرية لمصروفاتها". انظر: المرجع نفسه، ص 175.

الخارجية الفرنسية بشأن تطوراتها، وهو يشير إلى أنّه تأكد من أنّ نية الباب العالي تتجه إلى زيادة عدد هذه السفن إلى خمسين سفينة! ربما استنادًا إلى أنّ الباب العالي أصدر في ذلك الوقت "خطًا شريفًا" بأن يرسل محمد علي للدولة ما بين 00 4 إلى 500 ألف إردبٍ من الحبوب96. ثم نجده يتساءل، وإن بدا متشككًا في الأمر، عما "إذا كان هذا الخط الشريف سوف يُوقف المشاريع التي يفكر الباشا في مباشرتها في مجال تجارة الحبوب مع مالطة؛ إذ من المتعين أن يرسل إلى هذه الجزيرة وكيلً عنه يتولى في مقابل بيع القمح هناك، شراء المنتجات اللازمة للاستهلاك في مصر"97. بيد أن شكّه هنا لم يكن في مدى قدرة مصر على تغطية طلبات الغلال في الجانبين العثماني والإنكليزي معًا، وإنما في مدى انحسار هامش الحركة والإرادة السياسية عند محمد علي، وذلك بالنظر إلى الضغوط الشديدة التي كان الباب العالي يمارسها عليه، ومخاوفه في الوقت نفسه من الدسائس التي كانت تحاك ضده في ديوان الصدارة العظمى والقصر السلطاني والتي تحدث عنها مرارًا في مكاتباته، سواء إلى الصدارة العظمى أو مع قبو كتخدا نجيب أفندي. لقد كان سان مارسيل مشغولً بفهم مدى الإمكانات المتاحة للباشا على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، ومن واقع خبرته على مدار السنوات الأربع السابقة التي ظل يرقب خلالها حركة السفن الوافدة والخارجة من مينائي الإسكندرية، رأى أن بلدًا غنيًا بالموارد الزراعية مثل مصر "يمكن أن يبيع للأجانب أكثر من مئتي ألف إردب، دون أن يترتب على ذلك أيّ خلل باحتياجات الرعية في الداخل". واستنادًا إلى ذلك، أبدى اعتقاده للخارجية الفرنسية بأن محمد علي، حتى إن أطاع أوامر الباب العالي بإمداد العاصمة المركزية بكامل حاجاتها من الحبوب، فإنه يمكنه كذلك تزويد الإنكليز بحصتهم الضخمة المعتادة كما في السنوات السابقة98. إذًا، فالقضية التي شغلت الخارجية الفرنسية، في ذلك الحين، باتت تدور حول محاولة استطلاع مدى قدرة الإسكندرية على الاستمرار في إمداد مالطة بالحبوب؛ لما لذلك من تأثير سلبي في سياسة الحصار القاري. ويلاحظ من خلال الفرمانات العثمانية أنّ الدولة أبدت من جديد اهتمامًا جديًا وملموسًا بقضية الحبوب، مدفوعة بشدة أزمتها الغذائية؛ فأرسلت مندوبًا كبيرًا من الديوان الهمايوني؛ ليتولى الإشراف على تنفيذ هذه المهمة العاجلة99. لكن التجربة أبانت أنّ سياسة التصدير أمر ﻻ يمكن إتمامه من دون توافق ذلك مع مصالح محمد علي؛ فقد بيّ لنا مارسيل عبر تقاريره أنّ الباشا لم يصدر تعليماته سوى بشحن ثلاث سفن فقط من مجموع السفن الإحدى عشرة100، وذلك بعد أن أهملها قرابة ستة شهور بالميناء (من آب/ أغسطس 1811 حتى نهاية كانون الثاني/ يناير 1812)! بينما سارع بالتوجه، في التوقيت ذاته، إلى مدينة الإسكندرية لإتمام الصفقة الإنكليزية. وقد أصدر تعليمات صارمة بنقل كل ما يمكن جمعه من الغلال إلى الإسكندرية أولً، وفي هذا يقول الجبرتي: "وفي كل يوم تُساق المراكب المشحونة بالغلال إلى بحري، وكل ما وردت مراكب سيرت إلى بحري حتى شحت الغلال، وغلا سعرها وارتفعت من السواحل... ونزل بالناس شدة بسبب ذلك". بيد أنّ هذا لم يكن يعني أنّ صادرات الحبوب أثرت في السوق المحلية؛ فبعد مدة قليلة وردت الغلال للأسواق وانحلت أسعارها101. وهو ما أكده سان مارسيل في سياق تعجبه من وفرة القمح الذي غطى الكميات الهائلة التي أراد الباشا تصديرها إلى الخارج، من دون أن يؤدى ذلك إلى تناقصه في الداخل102.

  1. Driault, p. 121.
  2. Ibid.
  3. Ibid., p. 104.
  4. Nahoum, pp. 54  -  55.
  5. Driault, p. 167.
  6. الجبرتي، ص 226.
  7. Driault, p. 167.

ووفقًا للتقارير القنصلية، قام محمد علي خلال شهر واحدٍ (في كانون الثاني/ يناير 1812) بشحن خمسين سفينة ترفع العلم الإنكليزي، ولم يحدث تأخير على الإطلاق في عملية شحنها ولا تسويف من جانب الإنكليز في دفع الثمن103. أما السفن التابعة للباب العالي، فقد طال انتظارها بالميناء حتى انقطع الرجاء وتملك اليأس والقنوط ربابنتها، لتعود من حيث أتت وهي فارغة! وتكبد ربابنتها خسائر كبيرة جراء تعطل سفنهم عن العمل لمدة نصف عام تقريبًا104. وكان هذا أكثر الشواهد دلالة على أنه قدم مصلحته الخاصة على أيّ اعتبار آخر، وفرض سياسة الأمر الواقع على السلطنة، مكتفيًا فحسب بتقديم ما يمكن تسميته ب "التجاوب المحدود" الذي يظهره في صورة الممتثل لأوامر السلطنة، من دون أن يلزم نفسه اتباع سياستها وما نصت عليه فرمانات الحظر. والواقع أن الظرف الذي كانت تمر به الدولة لم يكن ليمكنها بالفعل من الدفع به إلى احترام إرادتها وتنفيذ فرمانات الحظر؛ فما لديها من المشكلات الداخلية والخارجية (تمردات جيش الإنكشارية والسباهية الذين يبدون خارج نطاق طاعة السلطان نفسه، والحرب ضد روسيا المستمرة من غير توقف منذ عام 1806، والقلاقل السياسية في البلقان وفتنة الوهابيين بشبه الجزيرة العربية)105، جعلها بالفعل مشغولة بما فيه الكفاية عن كبح جماحه. وبات ﻻ يشغلها سوى الحفاظ على وحدة الكيان العثماني، واستعادة المدينتين المقدستين (مكة والمدينة)106. أما القمح فسوف يتم الاعتماد بشكل أولي على ما يتم جلبه من ولايات البلقان الشمالية107. وفي هذا السياق تتقدم مسألة "حرب الحجاز" على مسألة "صادرات الحبوب"، وإن لم يعن ذلك تغاضيها كلية عن خرق فرمانات الحظر؛ إذ ظلت تضغط عليه وتلوّح له بفرمانات الحظر طوال سنوات الحصار القاري108. لكنه في النهاية، تمكن من مواصلة تصدير القمح في اتجاه مالطة، وهذا ما كان يثير تحديدًا حفيظة الفرنسيين، خلافًا للباب العالي، ويدفعهم للضغط عليه دبلوماسيًا بشكل أساسي.

الاحتجاجات الفرنسية واستمرار صادرات الحبوب

إذا كان محمد علي قد تعمّد في مكاتباته مع مسؤولي الباب العالي تجاوز مناقشة مسألة خرق فرمانات الحظر، فإنه في المقابل لم ينكر في مناقشاته مع القناصل الفرنسيين مخالفته لفرمانات سيده؛ بل كان حواره معهم مفتوحًا ومكشوفًا. ومع ذلك، لم تُعيه الحيل في تقديم الحجج التي تسوغ موقفه وتبرره. وإذا كان يعمل على الاستفادة من تناقض مصالح القوى الكبرى، ويراعي عدم محاباة مصالح قوة دون أخرى، فإنّ قاعدته الأساسية - كما صرح لدروفتي - أن يكون "صديقًا للجميع" tous de ami ' L109.

  1. Ibid., p. 104.
  2. Ibid., p. 164 - 165 , 167.
  3. Stanford J. Shaw and Ezel Kural Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey (18 o 8 - 1975) , vol. II (Cambridge: Cambridge University Press, 1977), pp.  6 - 7.
  4. Driault, p. 208.
  5. تشير دراسة حديثة إلى أنه طوال الفترة 1768  -  1829، ظلت إسطنبول تعتمد في تموين نفسها بالقمح من ولايات البلقان الشمالية، واستمر هذا الوضع منذ تراجع سيطرة العثمانيين على البحر اﻷسود، راجع: خليل أنالجيك وآخرون، التاريخ اﻻقتصادي واﻻجتماعي للدولة العثمانية، قاسم عبده قاسم (مترجم)، ج 2 (بيروت: دار المدار اﻹسلامى، 007 2)، ص 615.
  6. Nahoum, pp. 62 and 76.
  7. Driault, p. 203.

وأعرب دروفتي عن تململه من تبريرات الباشا التي يرددها مرارًا وتكرارًا110. لكنه لم يكن يستطيع إنكار منطق تفكيره السياسي حين صرح له محمد علي: "إنني إن منعت عنهم القمح سيأتون بالقوة لأخذه ونهبه من مصر"، فالأفضل لمصالحه أن يروضهم ﻻ أن يستعديهم، وأن يستغل شدة حاجاتهم برفع الأسعار (من 18 قرشًا في السوق المحلية إلى 100 قرشٍ عند التصدير). ومن قبل، فرض عليهم دفع رسوم تصدير، وغالى في تقديرها، بحيث جعل على كل إردبٍ من الحبوب رسمًا يعادل ثلثي قيمته!111 ومن ثم، فإنّ سياسته تعمل على توجيه "ضربة شديدة التأثير للمالية الإنكليزية"، ثم إنه يطلب من الإنكليز، في مقابل القمح، إمداده بالذخيرة الحربية، ويمكنه أن يستعملها، يومًا ما، ضد هذه القوة نفسها إذا حاولت مهاجمة بلاده. إذًا، فمن مصلحة فرنسا، التي دائمًا ما تحذره من الأطماع الإنكليزية في احتلال مصر، أن يدعم هو قوته الحربية لدرء مثل هذه الأطماع. وفي ضوء ذلك، يتعين ألا يُنظر إلى تصديره للحبوب على أنها سياسة ضد المصالح الفرنسية كافة، وإنما تحمل نتائج غير مباشرة وإيجابية للجانبين المصري والفرنسي. من ناحية أخرى، أحال محمد علي المشكلة على الفرنسيين أنفسهم، مذكرًا القنصل الفرنسي بأنه أبدى استعداده من قبل لإمدادهم بالحبوب بسعر أقل مما يبيعه للإنكليز بواقع 5 2 في المئة! إلا أن تجارهم وسفنهم نادرًا ما استطاعت أن تصل إلى الإسكندرية؛ وليبُرهن بطريقة عملية أن ليس ثمة قوة بوسعها أن تُملي عليه التحيّز لأعداء فرنسا112. وطالما أعرب القناصل الفرنسيون في تقاريرهم عن سخريتهم من هذا الموقف؛ لعلمهم أنّ الباشا لا يخفى عنه حجم الصعوبات التي تحول دون إمكانية توافد السفن الفرنسية إلى ميناء الإسكندرية، وهو ما يعني أنه يُكاشفهم، بصورة غير مباشرة، بقصر أيديهم عن تأمين خطوط الملاحة التجارية الفرنسية بالمتوسط الذي بات بالفعل تحت سيطرة إنكليزية شبه كاملة وملموسة. ثم أعلن صراحة بأنه ليس على استعداد للرهان على قوة ﻻ تملك سوى الوعود البعيدة؛ لأنه يرى أنّ عليه أن يفكر في اللحظة الحالية، والتي تليها، بدلً من المراهنة على مستقبل بعيد ﻻ يضمن نتائج تقلباته، وأنه يفهم جيدًا أنّ استقرار علاقته مع قوة كبيرة، مثل إنكلترا، مرتبط ارتباطًا شرطيًا بوجود مصالح متبادلة. وبواقعية سياسية، يصل في جدل مع القنصل الفرنسي بالإسكندرية إلى حد القول بأنه إذا ما انقلب الحظ ضده، واضطرته الظروف العصيبة إلى الاستسلام لإحدى القوتين العثمانية أو الإنكليزية، فإنه يُؤثر الخضوع للأخيرة؛ لأنها - على حد قوله - "ستبقي على حياته وتحفظ له ثروته، على حين ستنزع منه القوات العثمانية الاثنتين معًا (حياته وثروته")113. ويزيد دروفتي على ذلك في تحليل علة ميله إلى إيثار الإنكليز على الفرنسيين: "إن الباشا في الواقع يُؤثر علينا الإنكليز أعداءنا؛ ليس لأنه يخشاهم قليلً فحسب؛ ولكن أيضًا لأنه يجد في علاقاته معهم ما يشجع ويدعم طموحاته ويرضي شحه"114. إنّ قراءته العملية للواقع السياسي ومراعاته لمصالحه المركانتيلية هي التي حددت بوصلة توجهاته، وهي أيضًا التي مكنته من رسم حدود علاقته بالإنكليز في هذه المرحلة. لقد حاولت الخارجية الفرنسية استثارة الباب العالي للتدخل في إيقاف تجارة الحبوب مع مالطة وإلزام محمد علي الكف عن تجارته مع الإنكليز115. كما أرسلت إلى قنصليها بالإسكندرية والقاهرة، تستحثهما على بذل ما في وسعهما لتفعيل قوانين

  1. Ibid., p. 116.
  2. Ibid., p. 68. وقد عمّم محمد علي فرض رسوم التصدير على كل السلع الغذائية، باﻹضافة إلى النطرون واﻷخشاب والصابون، كما أنه فرض رسومًا مشابهة على الأطمعة التي تجلب إلى مصر؛ راجع: 65 - 64. p., Ibid.
  3. Ibid., p. 116.
  4. Ibid., pp. 121 and 209.
  5. Ibid., p. 203.
  6. عامر، ص 17.

الحظر والتصدي لدسائس الإنكليز116. لكن هذا الجهد الدبلوماسي لم يسفر عن شيء ذي بال، وظلت مسألة تصدير الحبوب مرهونة - من الناحية الواقعية - بإرادة الباشا أولً وأخيرًا، في حين بدت الظروف الدولية مساعدة له على تهيئة المجال للمضي قدمًا في هذا الاتجاه.

تفاقم أزمة الحصار القاري (1812 - 1813)

على غير توقع، تفاقمت أزمة الحصار واتسع مجال الحروب لتشمل البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وتعطلت نتيجة لذلك أهم منافذ توريد القمح، في كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية؛ الأولى بسبب زحف نابليون (في 42 حزيران/ يونيو 1812) على موسكو إثر خروجها من النظام القاري117، والثانية بسبب نشوب الحرب الأنجلو - أميركية في غرب الأطلسي. وبدءًا من أيار/ مايو 1812 كان الحصار الأميركي يستهدف ممارسة "حرب تجويع ضد جيوش بريطانيا في شبه جزيرة أيبيريا"118. وبات من المحتم الإسراع بشراء كميات كبيرة من القمح تسد طلب الاستهلاك لأكثر من ستة أشهر، والعمل على إيجاد احتياطات أساسية؛ من أجل مواجهة الاحتمالات الأسوأ وغير المتوقعة في الحرب الأنجلو- أميركية والتي سوف تستمر حتى عام 1814119. وتمثل هذه التطوراتُ الخلفيةَ الأساسية التي في سياقها نفهم سبب تكالب السفن البريطانية والإسبانية على ميناء الإسكندرية، وسبب عمل الإنكليز على عقد صفقات شراء القمح قبل بدء موسم حصاده، وسبب بقاء سفنهم داخل ميناء الإسكندرية تنتظر شهورًا طويلة وصول القمح من مواطن الإنتاج بالريف، وسبب تقبل الإنكليز- على مضض - رفع محمد علي سعر إردب القمح ورسوم تصديره الجمركية بصورة مبالغ فيها، والتي انعكست على ارتفاع سعر القمح بالفعل في كل من صقلية ومالطة وإسبانيا والبرتغال. وقد قُدِر عائد صادرات محمد علي باشا من القمح - في ذلك الحين - بما يتجاوز عشرين مليون قرش تركي!120وبقدر ازدياد قوة الطلب على الحبوب وجني المزيد من الأرباح، تزايدت نزعة محمد علي باتجاه الحجر على بيع الحبوب في الداخل. وسجل الجبرتي الممارسات العنيفة التي صاحبت جمع الحبوب من الفلاحين، ومنعهم من بيع القمح أو شرائه، بل إجبارهم على تسليم كل ما كان مخزونًا حتى في دورهم، على أن يُحاسبهم عليه في العام القادم121. وتسبب ذلك في خلق حالة من السخط والتمرد، لكنه لم يكن مستعدًا للتراجع أو التفاوض مع الفلاحين؛ حتى ﻻ تفوته الفرصة التي درّت على خزائنه خمسين ألف كيسٍ من القروش!122 ومن

  1. Driault, pp. 109 - 110.
  2. السربوني، ص 283 - 84 2؛ هربرت أ. ل. فشر، تاريخ أوروبا في العصر الحديث 1789  -  50 19، أحمد نجيب هاشم ووديع الضبع (مترجمان) (القاهرة: دارالمعارف، 1984)، ص 101  -  102.
  3. John R. Grodzinski, "War of 1812 ," at: http://www.napoleon-series.org/military/Warof 1812 / 2006 /Issue 5 /c_Wellington.html.
  4. انتهت الحرب اﻷنجلو - أميركية رسميًا، بعد سقوط نابليون، وذلك بتوقيع معاهدة جينت Ghent في 42 كانون الأول/ ديسمبر 1814. إﻻ أنّ الحرب على أرض الواقع استمرت حتى وقوع معركة نيو أورليانز، التي هُز م فيها الجيش البريطاني في 8 كانون الثاني/ يناير 1815. انظر تفاصيل ذلك في: " The War of 1812."
  5. Driault, pp. 177 , 182 - 183 , 203. وحسب تقدير قنصل الإسكندرية، فإنّ الرسوم بلغت، في أواخر عام 1811، نحو 5 2 في المئة!، وبعد عام (أيلول/ سبتمبر 1812) نجد دروفتي يشير إلى أنّ محمد علي فرض ضريبة تصدير على القمح قدرها 100 فرنك على كل 5. 2 هكتولتر! انظر: Ibid., p. 137 and 197.
  6. الجبرتي، ص 5 24742 و.
  7. المرجع نفسه، ص 245.

هنا، تعامل بوحشية في إخماد تمرد الفلاحين. وفي هذا التوقيت ذاته، نجد دروفتي يؤكد أنّ ما كان يُجلب من أميركا من دقيق القمح إلى كل من موانئ قادش ولشبونة وجبل طارق، صارت الإسكندرية هي المورد الرئيس لهذه الموانئ123. وبذلك مضى محمد علي في سياسته، غير عابئ بقوانين الحظر العثمانية والنابليونية طالما أنها ضد مصالحه. بيد أنه، من ناحية أخرى، كان مدركًا أنّ استمرار الخط التجاري الملاحي، بين الإسكندرية ومالطة، من شأنه أن يُفسد معركة الحصار الاقتصادي التي يحاول نابليون إحكامها ضد إنكلترا وحلفائها، ولذلك ظل يتحسب من شن الفرنسيين حملة جديدة على مصر حتى سقوط نابليون124. وإزاء هذا الخطر المحتمل قرر في عام 1812 تهدئة الموقف مع فرنسا، من خلال إثبات جديته في إمكانية فتح باب التبادلات التجارية معها. وإذا كانت الظروف الفعلية ﻻ تسمح بوصول السفن الفرنسية إلى الإسكندرية، فإنه سيبذل قصارى جهده في التمويه من أجل إرسال بعض الشحنات إلى الجزر الخاضعة للنفوذ الفرنسي بالأرخبيل اليوناني. ونجح بالفعل في إرسال شحنة إلى جزيرة كورفو125وأعربت الخارجية الفرنسية عن تقديرها لهذه المبادرة الإيجابية، فأرسلت إلى محمد علي شحنة من الأسلحة في مقابل القمح، بالإضافة إلى هدية معتبرة. وكانت تأمل أن يرسل إلى كورفو شحنات مماثلة من القمح126. والحقيقة أن فرنسا كانت في حاجة ماسة إلى الحبوب؛ إذ كان محصولها المحلي في 1812 سيئًا للغاية، حتى لقد اندلعت بعض التمردات والتظاهرات الشعبية في عدد من المدن الفرنسية127. وطوال عام 1813 أجرى محمد علي، بالالتفاف حول سفن القرصنة الإنكليزية، تبادلات تجارية مع فرنسا؛ وذلك عبر مينائي سالونيك/ تريستا128. ومن الواضح أن فرنسا النابليونية المشغولة بحروبها على جبهات متعددة في أوروبا، قد اضطرت إلى مجاراة محمد علي، وقبول الحد الأدنى من تبادلاته التجارية، وأن تغض الطرف عن سياسته التجارية، وتجاهله لبنود الامتيازات التجارية129. واللافت للنظر في هذه المرحلة أنّ محمد علي الذي ألمَّ بشكل جيد بالتفاصيل المعقدة لأزمة الحصار القاري، وما تبعها من اتساع للمجال الجغرافي للحرب بين القوى الكبرى، لم يكتف بانتظار مجيء السفن الأوروبية إليه، بل سارع باتخاذ خطوة أكثر أهمية، جعلته على دراية دقيقة بتطورات الصراع ونتائج الحروب وآثارها المباشرة في اتساع قوة الطلب على الحبوب في غرب البحر المتوسط أو انكماشها، حتى يتمكن من تحديد الخط البياني لسعر بيع القمح بما يتناسب مع واقع الأزمة قوة وضعفًا، ومن ثم يستفيد من المضاربات المركانتيلية حول هذه السلعة الإستراتيجية التي أدت دورًا مؤثرًا زمن الحرب والحصار. وفي سبيل تحقيق ذلك اتخذ إجراءين مهمين: الأول، شراؤه مجموعة من السفن، والتي مكنته من إرسال حبوبه إلى الموانئ الأوروبية تحت الحماية الإنكليزية. وبالفعل، وصلت أول ثلاث سفن تابعة له محملة بالحبوب إلى مالطة في آب/ أغسطس 1812،

  1. Driault , pp. 195 and 200.
  2. Rapport fait à S.E. Le Ministre des Affaires Extérieures, Mengin, correspondance no. 85 , 20 / 1 / 1812 , pp. 161 - 162 ; " الدولة السعودية الأولى وحملات محمد علي على الجزيرة العربية"، في: فيلكس مانجان، تاريخ مصر في عهد محمد علي: عرض الحوادث التاريخية منذ جلاء الفرنسيين حتى عام 1823، محمد البقاعي (مترجم)، (الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 006 2)، ص 105.
  3. Driault, p. 117.
  4. Ibid., p. 175.
  5. للاطلاع على المزيد في هذا الشأن، راجع: Pierre Coftier & Paul Dartiguenave, Révolte à Caen 1812 (Cabourg-France: Editions Cahiers du Temps, 1999).
  6. Driault, p. 206.
  7. Ibid. , p. 242. واستخدم المنطق ذاته مع بريطانيا، ووقع قنصلها سولت، في عام 1816، معاهدة تجارية جديدة مع محمد علي، راجع: كارلو جيليو، "القضية المصرية 1798 - 1841 "، في: عماد المقدادي (مترجم)، اﻹسهامات الإيطالية في دراسة مصر الحديثة في عصر محمد علي باشا: مجموعة مقالات مختارة، إصدار 972 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 005 2)، ص 169.

ومصحوبة بطراد وبريك حربي لحمايتها من القرصنة130. وتمثل الإجراء الثاني في اتجاهه إلى إنشاء مؤسسة تجارية في مالطة نفسها، عيَّ بها وكلاء تابعين له، يقومون بترويج مبيعات القمح وتسويقه بعد دراسة أحوال السوق وقوة الطلب، وبذلك ضمن بيع قمحه بالشروط المناسبة لتطورات الأزمة، كما تولت هذه المؤسسة تبادل القمح بالمنتجات الصناعية الأوروبية والذخيرة الحربية التي كانت تحتاج إليها مصر131. وتوقع سان مارسيل منذ البداية أن تؤدي هذه الخطوة إلى التأثير السلبي في المصالح الأجنبية، وبلغ تشاؤمه إلى حد القطع "بأنّ الصفقات التجارية التي تجري لحساب الباشا لن تدع أيّ مؤسسة أوروبية تزدهر في هذا البلد"132. وفي نهاية صيف 1813، بلغت تجارة الحبوب بين الإسكندرية ومالطة حدها الأقصى من الرواج وجني الأرباح، وكان بوسع مراقب دؤوب مثل دروفتى أن يجزم بأنّ ما جناه محمد علي من أرباح، قد جعلته ليس قادرًا فحسب على تغطية نفقات إدارته، والتكلفة الضخمة لتسليح جيشه، والإنفاق على قصره، وإرسال الهدايا المعتادة إلى إسطنبول، وغير ذلك من النفقات الاستثنائية، بل صار باستطاعته أيضًا أن يدخر فائضًا ماليًا مهمًا، يمكنه من مواجهة تقلبات حظه السياسي في المستقبل. ولهذا وصفه دروفتى في تلك اللحظة بأنه "أغنى باشاوات الإمبراطورية العثمانية"133. بيد أن هزائم نابليون المتتالية وضعت نهاية حقيقية لاستمرارية رواج تلك التجارة.

سقوط النظام القاري وتراجع صادرات الحبوب يف الإسكندرية

شهد عام 1812 هزيمة الجيش الفرنسي عند أبواب موسكو، وتلتها كارثة الانسحاب خلال فصل الشتاء القارس؛ إذ فقد نابليون معظم جيشه، ووقعت عدة هزائم عسكرية انتهت بسقوط الإمبراطورية الفرنسية في واترلو عام 1815، لينتهي معها الحصار القاري، ويعود السلام لأوروبا ولطرق التجارة والملاحة الدولية. وتغيرت أشياء كثيرة في أوروبا، كان من بينها ما أصاب سوق تجارة الحبوب والدقيق134. ومثلما كانت لأزمة الحصار القاري أثرها الملموس في رواج مبيعات الحبوب والدقيق، فإنّ انتهاءها ترك آثاره سريعًا، ليس في مستوى المستهلكين الأوروبيين فحسب؛ وإنما كذلك في أرباب التجارة في منافذ التصدير، ومن ثمّ بدا متوقعًا أن تتقلص حركة صادرات الحبوب بالإسكندرية؛ فالسلام وانتهاء الحصار وتسريح الآلاف من الجنود، وعودة فتح البحر الأسود واستئناف حركة التجارة بين بريطانيا وروسيا، المصدرة لأجود أنواع القمح وأرخصها سعرًا، أدى إلى انخفاض قوة الطلب على القمح المصري ومن ثم تراجع صادراته خلال صيف 1813135. بيد أنّ ذلك لم يكن يعني توقف حركة تجارة الحبوب بين الإسكندرية ومالطة والموانئ الأوروبية تمامًا، وإنما تقلص نشاطها بالتدريج، وصاحبها انخفاض تدريجي للمنحنيات السعرية، ومن ثمّ لعوائد هذه التجارة؛ ففي تقرير مؤرخ في 8 أيلول/ سبتمبر 1813 يسجل دروفتي ملاحظته على تراجع حركة الصادرات مع جزيرة مالطة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود طلبات مقدمة لشراء الحبوب.

  1. Driault, p. 196.
  2. Ibid., p. 206.
  3. Ibid., p. 151.
  4. Ibid., p. 203.
  5. Agriculture, Depression and Poor Law 1813 - 1837 ," at: http://soilandhealth.org/wp-content/uploads/ 01 aglibrary/ 010136 ernle/ 010136 ch 15. htm; "English Farming: Chapter XV," at: http://soilandhealth.org/wp-content/uploads/ 01 aglibrary/ 010136 ernle/ 010136 ch 15.htm
  6. Driault, p. 227.

بيد أنّ المضاربين طلبوا من محمد علي تخفيض الأسعار ورسوم التصدير، لتحفيزهم على الشراء منه. وتبين التقارير القنصلية الاستجابة السريعة لمحمد علي؛ بتخفيضه سعر الأردب من 90 إلى 80 فرنكًا136، وفي نهاية 1813 واصل تخفيض سعر الأردب بدرجة ملحوظة، حتى وصل إلى ما يعادل ثلثي معدل سعره السابق الذي كان يتشبث به من قبل137. والواقع أنّ استمرار الإنكليز في شراء القمح المصري، بين نهاية عام 1813 ومنتصف عام 1814؛ كان راجعًا لسرعة إيقاع الأحداث العسكرية الجسيمة آنذاك، وتزايد نشاط القرصنة الفرنسية في شمال المتوسط، فضلً عن عدم الاطمئنان بعد لإمكانية استعادة التبادل التجاري الطبيعي مع الموانئ الأوروبية نظرًا لطول فترة الحرب لأكثر من سبع سنوات متتالية. وبناء عليه، ظل التوجس والحذر مستمرين حتى سقوط نابليون النهائي في واترلو (في 18 يونيو 1815)138. إذًا، فإنّ حالة الحذر والتحسّب دفعا بريطانيا إلى مواصلة شرائها للقمح، وإلى الحفاظ على احتياطيها الإستراتيجي في مخازن السفن القريبة من ساحات الحرب. ومن هنا، حين بدت هزائم الجيش الفرنسي تتوالى وتنذر بقرب انتهاء النظام القاري، وجد البريطانيون لديهم وفرة غير عادية من شحنات القمح؛ الأمر الذي انعكس على تراجعهم عن شرائه، وهذا أدى بدوره إلى حدوث انخفاض ملحوظ في أسعار الحبوب وحركة صادراتها139. ولم تعد التقارير الفرنسية تتضمن إشاراتها المعتادة إلى ورود السفن التجارية من مالطة، وما تذكره في هذا الصدد يتعلق بالسفن التي عملت لحساب الباشا، والتي كان يحاول من خلالها بيع ما يمكنه من الحبوب في مالطة، حتى بأسعار منخفضة جدًا؛ نظرًا لشدة حاجته للسلع الأوروبية الكولونيالية التي وسع من دائرة الطلب عليها140. وبعد أكثر من شهرين على هزيمة نابليون ونفيه إلى جزيرة ألبا، وصلت أنباء انهيار الحصار القاري وحلول السلام في أوروبا، وتم الاحتفال بالإسكندرية بهذه المناسبة. واللافت أنّ حكومة الباشا شاركت فيه برفعها العلم الأبيض على قلعة قايتباي، وإطلاق المدافع من القلعة، تمامًا كما فعلت السفن الإنكليزية وسفن الحلفاء داخل ميناء الإسكندرية141. وبصرف النظر عما ترمز إليه هذه المشاركة (شبه الرسمية) من دلالة سياسية تشير إلى ارتياح الباشا من مشاريع نابليون الإمبريالية المزعجة، وخاصة قبل ولاية مصر، فإنّ ما يهمنا هنا أنها ترمز إلى النهاية الفعلية للظرف الذي هيأ المجال، على نحو غير مسبوق، لرواج تجارة الحبوب المصرية؛ ومن ثم، فنهاية نابليون كحدث سياسي تظل ترمز أيضًا إلى ما هو اقتصادي؛ إذ خفتت الحركة التجارية بين الإسكندرية ومالطة بصورة ملحوظة، وخاصة بعد صدور "قوانين الغلال" Laws Corn (الصادرة في عام 1815) التي بمقتضاها فرضت الحكومة البريطانية رسومًا حمائية تستهدف دعم أسعار القمح المحلي البريطاني ضد المنافسة الأجنبية142، هذا فضلً عما خلقته سنوات الحرب الطويلة من مشكلات اقتصادية غير عادية في جميع أنحاء أوروبا، تسببت في إفقار الأسواق القارية؛ لتنخفض حركة التبادلات التجارية بين إنكلترا والقارة الأوروبية بين عامي 1815 و 1820143.

  1. Ibid., p. 230.
  2. Ibid., p. 233.
  3. Grodzinski.
  4. Ibid.
  5. Driault, p. 237.
  6. Ibid., p. 244.
  7. Corn laws," at: https://en.wikipedia.org/wiki/Corn_Laws; "English Farming: Chapter XV."
  8. Agriculture, Depression and Poor Law 1813  -  1837."

وهكذا لم يكن بوسع محمد علي، في السنوات التالية ل "واترلو"، الاستمرار في بيع حبوبه في الأسواق الأوروبية، باستثناء الفترات التي أُصِيبت فيها أوروبا بكوارث الأزمات الغذائية الشديدة على نحو ما حدث في عامي 1816 و 1817175. وبذلك، لم تعد هناك تجارة حبوب منتظمة ورائجة بين الإسكندرية ومالطة والموانئ الأوروبية الأخرى مقارنة بما كانت عليه زمن الحصار القاري. فتراجعت الأرباح التي كان يجنيها محمد علي نسبيًا من هذا المصدر الخارجي، مما دفعه إلى تركيز اهتمامه، في مرحلة ما بعد واترلو، على ترتيب موارده في الداخل والبحث عن مصادر جديدة للإيرادات. بيد أنه أولى اهتمامه للواردات، فبقدر تحقيقه السيطرة الاحتكارية على الصادرات، راح يرسل وكلاءه إلى الموانئ الأوروبية لإحكام قبضته على تجارة الواردات؛ مما يبين إلى أيّ مدى دشن محمد علي مركزيته في إدارة شؤون الاقتصاد المصري منذ تلك الفترة المبكرة والتعامل مع كل متغيراتها بما يخدم مصالح مشروعه السياسي.

خاتمة

نخلص مما سبق إلى أنّ القمح المصري أدى دورًا حيويًا في تطورات أزمة الحصار القاري، بفضل تمكّن محمد علي باشا من فتح خط ملاحي بين الإسكندرية ومالطة وموانئ غربي المتوسط، وذلك على الرغم من قوانين الحظر السلطاني التي حاولت حصر مبيعات القمح في إطار الإمبراطورية العثمانية، وأيضًا على الرغم من اعتراضات الخارجية الفرنسية التي وجدت في إمدادات القمح المصري للجيوش الإنكليزية أكبر تحدٍ لسياستها؛ إذ دعم محمد علي غريمتها اللدود على مواصلة الحرب إلى نهايتها، لتنتهي بهزيمة نابليون، وتحطم سياسة الحصار القاري، ومن ثم ساهمت سياسة محمد علي في تصدير القمح - ومن دون مبالغة - في تغيير مسار التاريخ الأوروبي الحديث. وتبقى الدلالة ذات المغزى هنا أنّ القمح المصري كان داخل المعادلة الصعبة ولم يكن على هامشها، وأنّ محمد علي رفض أن يكون دُمية تحرّكها الأهواء والمصالح المتناقضة للقوى الكبرى المتربصة بمصر؛ وأنّ مصالحه المركانتيلية الخاصة كانت أساس كل تعاملاته مع الجميع، كما كانت هذه المرحلة بمنزلة تجربة ثرية، اختبر من خلالها مدى إمكانية الخروج من دائرة التبعية للسلطان، والتأكيد على نزعته الاستقلالية التي ظلت تتزايد على مدار السنوات التالية. وبناء عليه، فإننا نعتقد بأنّ المرحلة المبكرة من حكمه تمثل مفتاحًا لفهم لب توجهه السياسي الذي تبلور حول مساعيه الحثيثة نحو تحقيق مشروع استقلاله بولاية مصر. صحيح أنّ محمد علي ما كان له أن يمضى بنجاح في تحقيق أقصى مراميه المادية من وراء استغلال أزمة الحصار القاري، لولا تناقض المصالح الدولية، وتعقّد ظروف الأزمة بتعطّل منافذ صادرات القمح الرئيسة، في كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية، إلا أنّ عمق الإستراتيجية التي طبقها في تعاملاته مع جميع الأطراف المتناقضة، وواقعيته السياسية في التعامل مع كل المتغيرات التي أفرزتها الأزمة، هي التي أكسبته القدرة على تطويع ظروف أزمة الحصار القاري لتخدم مصالحه الخاصة من دون الوقوع في شرك صراعاتها المدوّية. وكانت الوفرة المادية الهائلة التي جناها خلال السنوات السبع للأزمة، قد مكنته من تعزيز نفوذه في مصر في الفترة التالية؛ فجزء من فوائض تجارة القمح غطت نفقات حروبه ضد المماليك بالصعيد، وضد الوهابيين بشبه الجزيرة العربية، كما تمكّن من تحصين

  1. الجبرتي، ص 242، 5 44؛ ريفلين، ص 54 2. ومن الجدير بالذكر أنّ اهتمامه بشحن السفن الأوروبية جاء أيضًا على حساب حصة إسطنبول، حتى كتب إليه قبو كتخدا محمد نجيب أفندي من إسطنبول ينبهه إلى ضرورة إرسال الأرز والقمح لمنع اﻹشاعات واﻷراجيف التى تقال عنه حتى تزول الشكوى ضده. راجع: عامر، ص 104.
  2. Édouard Driault, La formation de L'empire de Mohamed Aly de l' Arabie au Soudan, (1814 - 1823): Correspondence des Consuls de France en Égypte (Le Caire: l'imperimerie de L'Institut Français d'Archéologie Orientale, 1927), p. 37.

استحكامات الإسكندرية، وبناء سور كبير في محيطها، وفي تدشين النواة الأولى لأسطوله البحري بالبحر الأحمر، وفي تكوين جيش نظامي كبير، وكل ذلك عرقل - بالفعل - المشاريع الإمبريالية الأولى التي كانت تُخطط لإعادة احتلال مصر ووقوعها تحت نفوذ قوة أوروبية خلال العقدين الأولين من القرن التاسع عشر. كما أنّ نجاح سياسته في تصدير القمح في تلك الظروف الصعبة، كانت وراء سياسته في ممارسة الاحتكار بشكل أوسع ومنظم ابتداءً من عام 1816. وهكذا، فإنّ الفترة المبكرة من حكم محمد علي تحتاج بالفعل إلى إعادة النظر في تقييم مردودها ونتائجها البعيدة وصلتها بمجريات الأحداث والتطورات التي تلتها.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

المصرية، 1998.

البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 11 نيسان/ أبريل 007 2.

السربوني، محمد صبري. الثورة الفرنسية ونابوليون، القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1927.

القاهرة: المركز القومي للترجمة، 004 2.

إصدار 972، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 005 2.

الإسلامي، 007 2.

المعارف، 1967.

سامي، أمين. تقويم النيل، القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 002 2.

والوثائق القومية، 005 2.

الكتاب الجامعي، 1983.

دارالمعارف، 1984.

البقاعي (مترجم)، الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 006 2.

يحيى، جلال ومحمد نصر مهنا. مشكلة قبرص، القاهرة: دار المعارف، 1981.

الجبرتي، عبد الرحمن. عجائب الآثار في التراجم والأخبار، عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم (محقق)، القاهرة: مطبعة دار الكتب الدسوقي، عاصم. "محمد علي وبناء الدولة الحديثة في مصر"، ورقة قُدِمت لندوة محمد علي ومشروع بناء الدولة الحديثة، مركز السيد، عفاف لطفي. مصر في عهد محمد على، عبد السميع عمر زين الدين (مترجم)، السيد أمين شلبي (مراجع)، إصدار 554، المقدادي، عماد. (مترجم)، الإسهامات الإيطالية في دراسة مصر الحديثة في عصر محمد علي باشا: مجموعة مقالات مختارة، إينالجك، خليل وآخرون. التاريخ الاقتصادي الاجتماعي للدولة العثمانية، قاسم عبده قاسم (مترجم)، بيروت: دار المدار ريفلين، هيلين آن. الاقتصاد والإدارة في مصر في مستهل القرن التاسع عشر، أحمد عبد الرحيم مصطفى (مترجم) القاهرة: دار سينويه، جيلبير. الفرعون الأخير: محمد علي بين 1849 - 1770، حافظ الجمالي (مترجم)، دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 005 2. عامر، أمنية وآخرون. الأوامر والمكاتبات الصادرة من عزيز مصر محمد علي، رؤوف عباس حامد (مشرف)، القاهرة: دار الكتب عبد الرحيم، عبد الرحمن عبد الرحيم. (محقق)، من وثائق الدولة السعودية الأولى في عصر محمد على 1807  -  19 18، القاهرة: دار فشر، هربرت أ. ل. تاريخ أوروبا في العصر الحديث 1789  -  50 19، أحمد نجيب هاشم ووديع الضبع (مترجمان)، القاهرة: مانتران، روبير. (مشرف)، تاريخ الدولة العثمانية، بشير السباعي (مترجم)، القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1993.

مانجان، فيلكس. تاريخ مصر في عهد محمد علي: عرض الحوادث التاريخية منذ جلاء الفرنسيين حتى عام 1823، محمد