Return to Article Details Prison and Prisoners: Examples from the Middle Ages in the Maghreb by Mustafa Nashat (Book Review)

عرض كتاب

Prison and Prisoners: Examples from the Middle Ages in the Maghreb by Mustafa Nashat (Book Review)

يحيى بولحية

الملخّص

تتناول هذه المراجعة والمناقشة قراءةً لكتاب السجن والسجناء: نماذج من تاريخ المغرب الوسيط، للدكتور مصطفى نشاط، وقد عرّفنا خلال ذلك بالكتاب وبسياقه العلمي الذي صَدر فيه. ثمّ نظرنا في محاور هذا الكتاب، وهي عبارة عن مدخل وثلاثة محاور كبرى وخاتمة. وفي عرض الكتاب ومناقشة فصوله العامة، اهتممنا بمصطلح "السجن"، وببعض القضايا المتعلقة بنوعية الجُنح التي تُسبّب دخوله، وبأصناف السجناء ومآلاتهم، ووقفنا على بعض المحاور الغائبة عن محاور الكتاب؛ كموضوع المرأة، وأهل الذمة، والمرتزقة. واعتمدنا في مناقشة الكتاب ومراجعته مقارنته بكتابات "مؤاخية" له؛ من قبيل دراسة الحسين بولقطيب "نظام العقوبات والسجن بالمغرب الوسيط"، ودراسة نجم الدين الهنتاتي "السجن بالغرب الإسلامي الوسيط"، إضافةً إلى بعض الدراسات الغربية؛ مثل دراسة ماتيو تيليي "العيش في السجن خلال العصر العباسي"، أو حديثه عن نظام القضاء واستقلالية القضاة في هذا العصر. علاوةً على ذلك، أشرنا إلى بعض المصادر من أجل تأصيل مصطلح البحث المطروق وتبيين بعض العتمات في تفاصيل المقال. لم نُرِد من خلال مراجعتنا هذه سوى المساهمة في إثارة بعض الإشكاليات التي ظلَّت غامضةً في تاريخ السجن والسجناء بالمغرب الأقصى الوسيط، وحريٌّ بالباحثين والمؤرخين بذْل جهد استقصائي وعلمي لتوضيح العتمات والوصول إلى مظانّ الحقيقة.

Abstract

This is a critique of Prison and Prisoners: Examples from the Middle Ages in the Maghreb by Mustafa Nashat. It introduces the book, discusses its major areas of focus, and presents its academic context. Special attention is paid to the term "prison," the kinds of crimes that lead to imprisonment, and the types of prisoners and their characteristics. The review points out some of the issues missing from the book such as women, dhimmis, and mercenaries. It makes use of comparisons with similar writings, such as The Penal System and Prison in Middle Age Maghreb by Al Hussein Bouleqteeb and Prison in the Medieval Maghreb by Najmeddine Al-Hentati, in addition to Western studies. It also makes reference to various sources in order to investigate the roots of the terms used in the book and to clarify some missing details. The review intends to call attention to some of the polemics concerning the history of prisons and prisoners in the Maghreb in the middle ages, encouraging researchers and historians to continue their investigative efforts to extend our knowledge of these issues.

الكلمات المفتاحية:
  • فقه النوازل
  • القضاء
  • أهل الذمة
  • دارالكفر
  • الرباط
  • المغرب الأقصى
Keywords:
  • Muslim treatment of non- Muslims
  • fiqh al-Nawazel
  • Dar al-Kufr
يحيى بولحية| Boulahya *Yahya
يحيى بولحية | Boulahya Yahya* متخصص بالتاريخ، ويعمل إطارًا تربيويًا في أكاديمية وجده للتربية والتكوين - المغرب.
تتناول هذه المراجعة والمناقشة قراءةً لكتاب، السجن والسجناء: نماذج من تاريخ المغرب الوسيط، للدكتور مصطفى نشاط
وقد عرّفنا خلال ذلك بالكتاب وبسياقه العلمي الذي صَدر فيه. ثمّ نظرنا في محاور هذا الكتاب، وهي عبارة عن مدخل وثلاثة
محاور كبرى وخاتمة. وفي عرض الكتاب ومناقشة فصوله العامة، اهتممنا بمصطلح "السجن"، وببعض القضايا المتعلقة بنوعية
الجُنح التي تُسبّب دخوله، وبأصناف السجناء ومآلاتهم، ووقفنا على بعض المحاور الغائبة عن محاور الكتاب؛ كموضوع المرأة،
وأهل الذمة، والمرتزقة.
واعتمدنا في مناقشة الكتاب ومراجعته مقارنته بكتابات "مؤاخية" له؛ من قبيل دراسة الحسين بولقطيب "نظام العقوبات والسجن
بالمغرب الوسيط"، ودراسة نجم الدين الهنتاتي "السجن بالغرب الإسلامي الوسيط"، إضافةً إلى بعض الدراسات الغربية؛ مثل
دراسة ماتيو تيليي "العيش في السجن خلال العصر العباسي"، أو حديثه عن نظام القضاء واستقلالية القضاة في هذا العصر.
علاوةً على ذلك، أشرنا إلى بعض المصادر من أجل تأصيل مصطلح البحث المطروق وتبيين بعض العتمت في تفاصيل المقال.
لم نُرِد من خلال مراجعتنا هذه سوى المساهمة في إثارة بعض الإشكاليات التي ظلَّت غامضةً في تاريخ السجن والسجناء بالمغرب
الأقصى الوسيط، وحريٌّ بالباحثين والمؤرخين بذْل جهد استقصائي وعلمي لتوضيح العتمت والوصول إلى مظانّ الحقيقة.
كلمت مفتاحية: فقه النوازل، القضاء، أهل الذمة، دارالكفر، الرباط، المغرب الأقصى
This is a critique of Prison and Prisoners: Examples from the Middle Ages in the Maghreb by Mustafa Nashat.
It introduces the book, discusses its major areas of focus, and presents its academic context. Special attention
is paid to the term "prison," the kinds of crimes that lead to imprisonment, and the types of prisoners and their
characteristics. The review points out some of the issues missing from the book such as women, dhimmis, and
mercenaries. It makes use of comparisons with similar writings, such as The Penal System and Prison in Middle
Age Maghreb by Al Hussein Bouleqteeb and Prison in the Medieval Maghreb by Najmeddine Al-Hentati, in
addition to Western studies. It also makes reference to various sources in order to investigate the roots of the
terms used in the book and to clarify some missing details. The review intends to call attention to some of
the polemics concerning the history of prisons and prisoners in the Maghreb in the middle ages, encouraging
researchers and historians to continue their investigative efforts to extend our knowledge of these issues.
Keywords: fiqh al-Nawazel (namely the fiqh that deals with new events), judiciary, Muslim treatment of non-
Muslims, Dar al-Kufr (land of disbelief), Rabat, the Arab Maghreb
عرض كتاب "السجن والسجناء:
نماذج من تاريخ المغرب الوسيط"
Prison and Prisoners: Examples from the Middle Ages in the
Maghreb by Mustafa Nashat (Book Review)
يحيى بولحية | Boulahya Yahya
y
y
ي|
بو
ي ي
عرض كتاب "السجن والسجناء:
نماذج من تاريخ المغرب الوسيط"
Prison and Prisoners: Examples from the Middle Ages in the
Maghreb by Mustafa Nashat (Book Review)
المؤلف: مصطفى نشاط.
المؤلف: مصطفى نشاط.
عنوان الكتاب: السجن والسجناء: نماذج من تاريخ المغرب الوسيط.
الناشر: الرباط: منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
سنة النشر: 2012.
عدد الصفحات: 126 صفحة.

مقدمة

ومجلة دار النيابة، ومجلة كنانيش.

محاور الدراسة

قسّم الباحث مادة دراسته إلى مدخل وثلاثة محاور كبرى وخاتمة، على النحو الآتي:

السجن من قبيل دراستي الهنتاتي، والحسين بولقطيب. ӵ ӵ المحاور

العلماء، وسجن المتصوفة.

السجون، وآداب السجن بالمغرب الأقصى الوسيط.

أو فرارًا منه. يندرج كتاب السجن والسجناء: نماذج من تاريخ المغرب الوسيطضمن ما يمكن تسميته بالتاريخ الجديد الذي بات يتناول موضوعات في التاريخ السياسي والتاريخ الاجتماعي (المدن، والقبائل، والهجرات)، والتاريخ الديني (تاريخ الزوايا والطرق على نحوٍ خاص)، وتاريخ الدولة في المغرب الأقصى وفي الأندلس والغرب الإسلامي، والتاريخ الاقتصادي (الحرف والتجارة). وضمن هذا السياق صدرت في الآونة الأخيرة مجموعة من الكتابات، منها الرقّ في الغرب الإسلاميلعبد الإله بنمليح، والفقر والفقراء في مغرب القرنين  16  و 17 م لمحمد استيتو، إضافةً إلى مساهمات عديد الدوريات التاريخية المغربية في هذا الشأن؛ من قبيل هسبريس تامودا،

مدخل: أورد فيه المؤلف على نحوٍ مختصر، الجانب اللغوي والاصطلاحي لكلمة "سجن"، وعدّ البحث في تاريخ السجن والسجناء بالمغرب الأقصى الوسيط منتميًا إلى البحث في تاريخ التهميش والمهمشين (ص. 12)، كما عرّف بأبرز الدراسات التي تناولت موضوع

المحور الأول: عرّف فيه بسجناء العامة ولم يفصِّل فيه كثيرًا، وسجناء الفعل السياسي، وتناول فيه ثلاث طبقات من السجناء هم سجن الأمراء، وسجن رجالات الدولة؛ من قبيل الوزراء، والكتاب، والحجاب، والقضاة، ثم سجن الثُّوار وشيوخ القبائل، وسجن

المحور الثاني: تطرّق فيه إلى تنظيم السجون؛ من قبيل السجن، ومورفولوجية السجن من الداخل، وتسيير السجون، وجغرافية

المحور الثالث: ذكر من خلاله مصائر السجناء من خلال العفو، والتسريح، والموت بالسجن، والقتل بالسجن، مع تحديد الوسيلة؛ سواء كان ذلك بالتسميم، أو القتل ضربًا، أو طعنًا، أو ذبحًا، أو قطعًا للسان، أو خنقًا، كما يمكن أن يكون المصير انتحارًا داخل السجن،

الخاتمة: أجمل فيها عددًا من الإشكاليات المرتبطة بالكتابة التاريخية خلال العصر الوسيط؛ من قبيل الأرقام والإحصاءات (الديموغرافيا التاريخية) كما تحدّث عن بعض القضايا التي تحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص.

قضايا وإشكاليات

يُعبِّ ميلاد السجن عن مرحلة متقدمة في تاريخ النظام العقابي الإنساني. فبظهوره سيعرف "العقل التأديبي" قفزةً نوعيةً تتجلى في أنّ السُلطة ستوجّه اهتمامها نحو إنتاج أجساد "طيّعة" بدلً من تفكيك أوصالها، أو تقطيعها كما كان سائدًا من قبلُ؛ إذ لم يعد الهدف متمثّلً بالتغلب على الجسد نهائيًّا عن طريق سحقه وإبادته، بل أصبح متمثّلً بترويضه، وتدجينه، ومراقبته1. يقول الباحث: "إنّ الدراسة التي نقدمها عن تاريخ السجن والسجناء بالمغرب الوسيط محاولة لرصد الخلفية التاريخية للسجن في المغرب الأقصى الوسيط باعتباره فضاءً مصادرًا للحرية شأنه في ذلك شأن السجن في أيّ منطقة من المعمورة وفي أيّ فترة تاريخية" (ص. 9)، وهو ما يقحمنا بالضرورة، كما يقول مارك بلوك Bloch Marc، في قراءة الحاضر بمرآة الماضي واستبصار الماضي بلغة الحاضر2. أثار الباحث إشكالية تسعى ل "استقراء فضاء السجن في تاريخ المغرب الأقصى الوسيط من خلال توطينها بمجموعة من الأسئلة، منها: ما هي الجنح ذات الطابع العامّ التي كانت ترمي بأصحابها في أتون السجن؟ وما هي أصناف السجناء؟ وهل غلب السجن السياسي على وظيفة السجن؟ وهل ثمة تجليات لأدب السجن بالمغرب الأقصى الوسيط؟ وما هي مصائر السجناء؟" (ص. 10) وقد لجأ الباحث في بناء موضوعه إلى "التوسل بمنهج تاريخي يقوم على التوثيق وعلى جمع شتات الإشارات التاريخية المتناثرة بالمظان عن هذا الموضوع" (ص. 10)، وحاول في بداية موضوعه التعريف بمفهوم السجن لغةً واصطلاحًا، وأورد تعريفات موجزةً بخصوصهما. ونظنّه قصّ في ذلك؛ إذ تزخر كتب التاريخ العامّ ومدونات الفقه بتعريفات مستفيضة. فقد عرف ابن تيمية السجن بقوله: "الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه؛ سواء كان في بيت، أو مسجد، أو كان بتوكيل الخصم، أو وكيله عليه وملازمته له"3. وقال الكاساني: "هو منع الشخص من الخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية والاجتماعية"4. ومن جانب آخر تَرِد في هذا السياق مصطلحات متعلّقة بهذه التعريفات لا نريد الإطناب في ذكر دلالاتها الاصطلاحية، ومنها: الحبس ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله﴾5، والحجر، والحصر، والوقف، والاعتقال، والإمساك، والإثبات، والنفي، والأسر، والصبر، والحجز.. إلخ. ولهذه المفاهيم آثار في كتب الفتاوى والنوازل، وفي مناقب الرجال والأولياء، وفي كتب الأدب والقضاء، ولها تعريفات خاصة يمكنها أن تساعدنا في لَمِّ شتات الموضوع في أُفق بنائه، ورسم معالمه ومضامينه. وكان بإمكان الباحث التنقيب عنها لتضيء بعض الجوانب المعتّمة في هذا الكتاب. وعرَّف الباحث ببعض الكتابات التي تناولت موضوع السجن. ولئن كانت هذه الكتابات قليلةً، فإنها تُشجع الباحثين على اقتحام هذا اللون من الدرس التاريخي، على الرغم من أنّ المحاولة محفوفة بالمخاطر المتجلية في ندرة الإشارات التاريخية لكل ما يخص

  1. الحسين بولقطيب، "نظام العقوبات والسجن بالمغرب الوسيط: مساهمة في دراسة 'العقل التأديبي' المغربي خلال العصر الوسيط"، مجلة فكر ونقد، العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر  1999)، ص  26.
  2. Marc Bloch, Apologie pour L'Histoire ou Métier D'Historien , 2 nd edn (Paris: Librairie Armand Colin  1952), p.  26  -  30.
  3. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ط 2، ج  53 (بيروت: لبنان، دار الكتب العلمية،  1982)، ص  398.
  4. أبو بكر بن مسعود الكاساني، بدائع الصنائع، علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود (محققان)، ج 7، ط 2  (بيروت: دار الكتب العلمية، 1986)، ص  100.
  5. سورة المائدة، الآية 106.

السجن والسجناء خلال العصر الوسيط. ومن بين تلك الكتابات، دراسة الهنتاتي "السجن بالغرب الإسلامي الوسيط"6 المتعلّقة بموضوع للسجن، وقد عدّها صاحبها من التابوهات في مختلف الحضارات؛ ومنها الحضارة الإسلامية7، وهدف من خلالها إلى إثارة الموضوع من خلال الفقه المالكي والقانون الجنائي في الإسلام. وقد حكم الهنتاتي بقلة المصادر الإسلامية في موضوع السجن في تاريخ المسلمين (ص. 150)، على خلاف ما نجده في أدبيات الفقهاء الذين قدَّموا في نظره معلومات مهمةً (ص. 150)، وأورد قولً لابن فرحون عدَّ فيه السجن من المصالح المرسلة (ص. 152) ووسيلةً للتوبة (ص. 153). لقد غلب على مقالة الهنتاتي الموضوع الفقهي، وركَّز في معلوماته في الغرب الإسلامي، وأحال بشكل كبير على المراجع الفقهية المشرقية. كما غاب عن مقالته موضوع المغرب الأقصى، واقتصر على ذِكر حالات خاصة بالقيروان. وعلى عكس الهنتاتي، لم يتلفت الحسين بولقطيب إلى الموضوع الفقهي وتأصيلاته، واهتمّ أساسًا بالجوانب التاريخية. وتُعَدُّ دراسة بولقطيب "نظام العقوبات والسجن بالمغرب الوسيط: مساهمة في دراسة 'العقل التأديبي' المغرب خلال العصر الوسيط" من أبرز الدراسات التاريخية في هذا الموضوع. أمّا الباحث نشاط، فقد أوجز في تأصيل الموضوع من الناحية التاريخية والجوانب اللغوية التي أشرنا إليها سابقًا، على الرغم من أهميتها التاريخية والتوثيقية، علمًا أنّ كتب التاريخ العامّ ثرية بإثارة قضايا تخص السجن والسجناء منذ فترة ما قبل الإسلام في ما يتعلّق بالاصطلاح أو الاستقراء التاريخي. ضمن هذا السياق عمل العرب بعقوبة السجن، واتخذوا السجون، وحبسوا في البيوت، وربطوا في جذوع النخل.. إلخ. وبسبب متاخمة المناذرة لبلاد الفُرس أخذوا عنهم كثيرًا من أساليب الحكم والإدارة والعادات، وبنوا سجنهم المشهور "الصنين" وفيه حُبس عنترة بن شداد العبسي، وعدي بن زيد العبادي الذي مات في هذا السجن خنقًا بأمر من النعمان بن المنذر8. يُضاف إلى ذلك أنّ الغساسنة اختلطوا بالروم، وبنوا السجون، وعاقبوا بها9. ومن حوادث حبس الأسرى في الخيام ما رُوي أنّ النبي ﷺ حبس الأسرى في بدر ثلاثة أيام، ثم اتجه بهم صوب المدينة. ومنها أيضًا حبْس العباس بن عبد المطلب في خيمته، ليلةَ فتح مكة، أبا سفيان بن حرب بأمرٍ من النبي ﷺ. وإذا كانت وظيفة السجن في فترة صدر الإسلام مرتبطةً بتقويم سلوك المسجونين وحُسن معاملتهم كما تنص على ذلك النصوص والفتاوى الفقهية، فإنّ فترات القهر السياسي أثَّرت في هذه الوظيفة نفسها؛ إذ صار السجن ركنًا مظلمًا ومجالً للانتقام السياسي والشخصي، وهو ما حاول الباحث نشاط تفصيل الكلام فيه من خلال حديثه عن سجناء سياسيين منهم الأمراء، والوزراء، والكتاب، والحجاب، والقضاة، والعلماء، والمتصوفة، وشيوخ القبائل. أورد الباحث عددًا من الكتابات التي تناولت موضوع السجن؛ مثل   كتاب الخراج لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (توفي عام 182 ه)، وكتاب   أنس المسجون وراحة المحزونلصيف الدين الحلبي (كان حيًّا حتى عام 625 ه)، ولم يرِدْ ذكرٌ لأحد أبرز من كتبوا في السجن، وخصوصًا أنّه كانت له علاقة وثيقة بالقضاء، ونعني بذلك الخصاف صاحب كتاب أدب القاضي (ت. 261 ه)؛ إذ أفرد لموضوع المحبوسين قسطًا وافرًا من الكلام (ص  263  -  276)، وتحدَّث من خلاله عن قضايا واقعية بحث لها عن مخارج فقهية ومن بينها قوله: "الحبس

  1. Nejmeddine Hentati "La prison en Occident musulman medieval," Arabica, no.  54 (Apr 2007), pp. 149  -  188.
  2. Ibid., p.  150.
  3. حسن أبو غدة، أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام (الكويت: مكتبة المنار، 1987)، ص  50  -  51.
  4. المرجع نفسه، ص 51.

في حقّ المحبوس لا يخلو: إما أن يكون بسبب الدين، أو بسبب العقوبات الخالصة للعباد؛ وهو القصاص في النفس أو في الطرف، أو في العقوبات الخالصة لله تعالى؛ وهو الزِّنا والسرقة وشرب الخمر، أو بسبب عقوبة مترددة بين حق الله تعالى وحق العبد وهو حق القذف"10. لقد اعتمد الباحث نشاط الإشارات المصدرية الواردة في فقه النوازل، وأدب المناقب، وكُتب الحسبة والقضاء، وكتب التاريخ العامّ، وأورد بعض وظائف القاضي. فممّا كان عليه "تنظيم الدخول إلى السجن أو الخروج منه بتسجيل أسماء السجناء في زمام يثبت نوعية التهم المنسوبة إليهم، وفترة دخولهم السجن". وممّا كان عليه أيضًا تفقُّد "زمامه ومساجينه كلّ أسبوع لمعرفة النزلاء الجدد، وتسريح من انقضت مدة سجنه" (ص. 82). نتساءل أين ضاعت هذه "الكنانيش" وهذه الأرقام؟ ما الذي جعل المؤرخين يغفلون في مدوناتهم التاريخية عن هذه المعلومات القمينة بالتسجيل والدراسة؟ لعلّ الجواب عن هذا السؤال يرتبط بنمط الكتابة التاريخية وأولويات الخبر التاريخي في هذا النوع من الكتابة؛ وهو ما سنتناوله لاحقًا، وقد أشار الباحث إلى بعض هذه الإشكاليات في نهاية كتابه. تثير ندرة المعلومات الخاصة بموضوع السجن والسجناء مصاعب جمةً؛ فهي لا تسمح بالإحاطة بالموضوع من جوانبه المختلفة بسبب قلة اهتمام المصادر التاريخية المختلفة والمتباينة بمواضيع المهمشين وقضايا المجتمع الخاصة. وعلى الرغم من ذلك، تحدَّث الباحث عن أسباب كثيرة لدخول السجن، من بينها: السرقة، والتدمية، والقتل، والاستنقاص من مقام النبوة، وسبّ الرسول ﷺ، والنزاع في الملكية، والاتهام في الأموال، ووساطة الرشوة، وتعاطي المسكرات، وقطع الطريق، والتعدي على حرمات الناس، وتزوير النقود؛ وهي قضايا ترتبط بما سماه الباحث "سجناء الحق العامّ". وضمن زاوية مقارنة تتحدث الكتابات التاريخية الغربية عن جرائم أخرى أودعت أصحابها السجون الأوربية خلال العصر الوسيط؛ من قبيل الزِّنا، ونسبة الولد، والديون، والهرطقة. وبخصوص سجناء الفعل السياسي، يشير الباحث إلى أنّ المعطيات التاريخية أكثر توافرًا بشأن هذا الصنف من السجناء، وهذا الجانب كان قد تحدَّث فيه بولقطيب، وضمنه يندرج كل من كانت تعدُّهم السُلطة غير منسجمين مع اختياراتها، وتصنّفهم في خانة "المغضوب عليهم"، وقد قسّمهم إلى الفئات التي كنَّا أشرنا إليها. لعلّ أبرز ما يُنتقد به الباحث في هذا الموضوع غياب المرأة. فمثل هذا الأمر يثير تساؤلات عديدةً من قبيل: ألم تكن ثمّة سجينات خلال فترة موضوع الدراسة؟ وإن كان الأمر كذلك، فما هي أسبابه؟ وهل أحجمت المصادر التاريخية عن تناول هذا الموضوع؟ أم هل أنّ المسألة مسكوت عنها مثل عدة مسائل أخرى؟ لقد كانت أوروبا خلال المرحلة نفسها تشهد في سجلات الكنائس تقييدات خاصةً بالنساء السجينات، وتتحدّث عن أسباب الحبس، ومنها: السرقة، والحمل غير الشرعي في نظر الكنيسة، والخصومات، وغيرها. وبالنسبة إلى المغرب خلال العصر الوسيط لا يمكننا أن نعدم وجود نساء ارتكبن جنحًا استدعت تدخلً قضائيًّا وإصدار أحكام متباينة في حقهن؛ فهل خضعن للعقوبات السجنية مثل الرجال؟ إنّنا لا نجد لهذه الأسئلة جوابًا في مؤلف الباحث نشاط، سواء كان ذلك من جهة الموضوع أو من جهة طرح هذه الإشكالية. وتَرِد في الكتاب إشارات قليلة تخص سجن زوج المعتمد بن عباد في أغمات (ص  26  -  84)، وقد قال الباحث إنّ "عبد المؤمن الموحدي سجن نساء الأمير علي بن يوسف ونساء أولاده ولم يسرحهم إلا بعد تدخل من أبي شعيب الدكالي" (ص  2 3)، كما تَرِدُ إشارة موجزة نسبها إلى ابن حزم يدعو فيها إلى ضرورة الفصل بين سجن المحبوسات في الديون والآداب وسجن القبيحات (ص. 85). وفي موضع سابق وردت عبارات تدعو إلى عدم الجمع بين الرجال والنساء في سجن واحد، وإلى أن يكون سجَّان النساء شيخًا متزوجًا عفيفًا،

  1. حسام الدين بن مازة البخاري، كتاب شرح أدب القاضي للخصاف، محيي هلال السرحان (محقق)، ج 1  (بغداد: مطبعة الإرشاد،  1977)، ص  272  -  273.

على ألَّ تطول مدة سجنهن. وفي حالة ثبوت التهمة على إحداهن وسَجنها، فينبغي أن تكون التي تشرف على سجنها "امرأةً قابلةً خيرة"ً. وإذا كانت رسالة ابن عبدون التي أوردها الباحث تتحدث عن المطلب الفقهي في شروط سجن النساء، فإننا لا نجد إشارات واقعيةً إلى موضوع النساء السجينات بالمغرب الأقصى الوسيط على النحو الذي جرى التفصيل فيه بالنسبة إلى الرجال. من جانب آخر، لا نجد أثرًا ذا بالٍ بخصوص سجن أهل الذمة  - وبخاصة اليهود - يدل على وجودهم في دهاليز السجون، وهم الذين طالما اشتكت منهم العامة في المعاملات الربوية، وفي التجارة والبيوع، كما كانت لهم دسائس سياسية معروفة في مصادر التاريخ الوسيط. ومن ثمّة، لا نعدم أن يكونوا ممن استفادوا من دهاليز السجون وظلماتها. وهو جانب غائب في مؤلَّف السجن والسجناء. وضمن السياق نفسه نتساءل عن سجن المرتزقة وهي فئة وُجدت بأعداد وفيرة خلال فترة موضوع الدراسة، وفي هذا الإطار يتوافر للأستاذ نشاط زاد معرفي ثريّ في موضوع المرتزقة خلال العصر الوسيط في فترة الدول العصبية (حُكم المرابطين، والموحدين، والمرينيين)، وقد أدَّوا أدوارًا عسكريةً وسياسيةً لافتةً للانتباه، لكنَّنَا لا نجد أثرًا محوريًّا في متن الدراسة لموضوع المرتزقة في سجون الدول تلك العصبية؛ ومن ذلك أنّ ابن عذاري ذكرَ أنّ الجند المسيحي الذي رافق المأمون من الأندلس لاسترجاع ملكه، عام 625 ه/  1228 م، بلغ خمسمئة فارس، وأنّ فاس عندما استولى عليها أبو يحي بن عبد الحق المريني، عام 647 ه/  1249 م، كان بها نحو مئتي فارس من النصارى الأجناد العاملين في صفوف الموحدين11. ومن جهة أخرى، جعل يعقوب المنصور من الكتائب المسيحية حرسًا خاصًا به، وأسكنهم قصرين من قصور قصبة مراكش الإثني عشر12. من الأكيد أنّ المواجهات العسكرية بين الأطراف المتناحرة (سُلطةً ومعارضةً) زجّت ببعضهم في غياهب السجون، فما الأسباب التي جعلت الباحث نشاط يُحجم عن تخصيص محور خاص بهم في الموضوع؟ أيرجع ذلك إلى أنّ الإشارات التاريخية لا تساعده على هذا الأمر أم إلى أنّ الفراغات العديدة والمعتّمة التي تلازم قضايا المجتمع بالمغرب الأقصى الوسيط تتطلب جهدًا مؤسساتيًّا وبحثًا مستفيضًا في كافة المصادر المغربية والأوربية؛ بغية إعادة تركيب المبهم من ذاكرتنا التاريخية؟ لقد أطال الباحث نشاط حديثه عن سجن المعتمد بن عباد، وابتعد بنا عن موضوع السجن والسجناء، ليقحمنا في عالم العُنف السياسي الذي شهدته تلك الفترة. وهذا الأمر يَرد على امتداد صفحات البحث؛ ما يجعل موضوع السجن ملازمًا لمسألة العنف والصراع السياسيين، بل إنّ موضوع العنف السياسي يكاد يطغى على الموضوع الرئيس الخاص بالسجن والسجناء وأحوالهم، ولا شك في أنّ شُحّ الإشارات التاريخية دفعت الباحث إلى الإطناب في مواضيع ذات علاقة بالتناحر السياسي خلال فترة حُكم الدول العصبية. وفي مستوى آخر، أثار الباحث مسألة تحاشي الحديث عن السجن والسجناء، وطرح في عقبها مجموعةً من الأسئلة، هي: ӵ هل يبعث السجن - في حد ذاته - على التقزز والاشمئزاز؟ ӵ هل هو وصمة عارٍ على من أوجده، بخاصة إنْ كان مقترنًا بحالات من التجاوزات؟ ӵ هل وُجدت رقابة ما منعت المؤرخين وغيرهم من التأريخ لمؤسسة السجن؟ ӵ هل يُجتنب الحديث عن السجون لدخولها في المثالب بدلً من المناقب؟ هل يُجتنب الكلام على السجناء لأنّهم من الذين يعيشون في هامش المجتمع، شأنهم في ذلك شأن الحمقى، والمجذومين، والعبيد، وهم الذين قلَّما سُمع لهم صوتٌ في كتابات المؤرخين؟

  1. المرجع نفسه، ص 396.
  2. الحسن الوزان، محمد حجي (محقق)، وصف إفريقيا، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي،  1983) ج  1، ص  105.

أثار الباحث أسئلةً محوريةً، لكنّه لم يقدِّم إجابةً بشأن القضايا الإشكالية المرتبطة بها. وإنّ الإشكالية لا تخصُّ موضوع السجن والسجناء، أو التابوهات التي غاب الحديث عنها في المدونات التاريخية خلال الفترة المذكورة، بل إنّها ترتبط بطبيعة الكتابة التاريخية، ومضمونها، وأولويات الخبر التاريخي وما يستحق التسجيل والذكر والحفظ، وقد أشار الباحث العروي في كتابه مفهوم التاريخ إلى هذا المعنى قائلا: "هناك قول اتفق عليه المؤرخون القدامى شرقًا وغربًا، وهو أنّ التاريخ المذكور هو مجموع العوارض والطوارق التي كانت تستحق أن تحُفظ، وما لم يُذكر فلسبب عدم أهميته أو كما قيل في ما بعد لأنه لم تكن له نتائج ظاهرة"13. وأحال الباحث على قول لروزنتال Rosenthal Franz ورد فيه "علم التاريخات من ذكر أحداث مشهورة كانت في أزمنة خالية؛ أي لا تحدث إلا في دهور متطاولة كطوفان مخرب، أو زلزلة مبيدة، أو وباء وقحوط مستأصلة لأمم"14. ومن ثمّة، فإنّ موضوع السجن لم يكن ضمن أولويات تدوينات المؤرخين؛ إذ انصبَّ اهتمامهم على ما حدث في دار الإسلام من الوقائع السياسية من نشأة الدول والإمارات وسقوطها، والترجمة لبعض الأعلام، وذكر كرامات الأولياء وأدوارهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما جنحوا إلى ذِكر الأوبئة والمجاعات المبيدة للأمم والأقطار. لم يهتمَّ المؤرخون بالأرقام ولم يُولُوا أخبار "دار الكفر" واستقرار المسلمين بها كبيرَ عناية؛ ولا تتوافر لدينا دراسات جادة تحاول ملء هذا الفراغ بالاعتماد على الأبحاث الأركيولوجية القمينة بالكشف عن مورفولوجية السجون خلال العصر الوسيط، سواء كان ذلك من خلال البحث الميداني المتخصص، أو تفقُّد السجون التي بُنيت خلال العصر الحديث (عهد المولى إسماعيل نموذجًا)، ومحاولة محاكاة الصورة ومقابلتها بالإشارات المصدرية التي تتطلب مسحًا شاملً للمخطوطات، في حين تتوافر للمؤرخين الغربيين وثائق ومستندات رقمية ترجع إلى العهود الفيودالية، وهي موجودة في الأديرة، والمؤسسات الكنسية، والمقاطعات الفيودالية التي اهتمت بالضبط الإحصائي، وبالمعلومات الخاصة بمواضيع من قبيل الديموغرافيا، وتاريخ الجنون، والسجناء والسجون. وقد حاول بعض المؤرخين الغربيين تناول موضوع السجن في العالم الإسلامي، ومنهم ماتيو تيليي Tillier Mathieu في مقالة بعنوان "العيش في السجن خلال العصر العباسي"، وقد رام التدقيق في مسألة السجن والسجناء خلال الفترة المشار إليها، وصدَّر دراسته بالإشارة إلى الصعوبات التي تعترض الباحث قائلً: "تندر الإشارة إلى يوميات السجون في العالم الإسلامي خلال العصر الوسيط من قبيل بنية السجن، والعناية المادية بالسجناء، وأوضاع معيشتهم ومصيرهم.. إلخ"15. وحاول تيليي التركيز في بحثه في كلّ ما يخص السجن والسجناء من قبيل اللباس، والطعام، والنظافة، والمدة الحبسية. وكانت لدراسته أهمية في هذا الموضوع. وللباحث تيليي مقالات أخرى تتناول المؤسسة السجنية منها "السُلطة القضائية واستقلال القضاء خلال العصر العباسي"16، وفيها تناول بعض القضايا التي تخص السجناء. كما أنّه كتب في موضوع العدالة خلال القرون الإسلامية الأولى، متطرّقًا إلى بعض القضايا الخاصة بالسجن؛ كالمدة الحبسية، وإمكان لقاء السجين زوجتَه، مُحيلً في معلوماته على كتاب الخصاف الذي أشرنا إليه من قبلُ. وأورد نشاط في محور تنظيم السجون معلومات تخص المقدمات التي عُومل بها السجناء قبل الزجِّ بهم في أتون السجن، وأطلق على هذه المرحلة "ما قبيل السجن"، وهي تتجلى في عملية الجلد، والتكبيل، والطواف ببعضهم في أحياء المدينة، معتمدًا في ذلك على إشارات الوزان خلال العصر الوطاسي (ص. 74). وحاول تعميم هذا الأسلوب على الفترات السابقة قائلً: "لا نستبعد حضور المراحل

  1. عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ط  4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،  2005)، ص  35.
  2. المرجع نفسه.
  3. Mathieu Tillier, "vivre en prison á l'époque abbasside," journal of the economic and social history of the Orient , (2009), no.  52 , pp.  635  -  659.
  4. Mathieu Tillier, "Judicial Authority and Qadi's Autonomy under the Abbasids," Al-Masaq, vol.  26 , no.  2  (2014), pp.  119  -  131.

ذاتها في تاريخ المغرب الأقصى الوسيط" (ص. 74). وإن كان التعميم بإطلاق يضعنا تجاه إشكالية الحسم في موضوع يحتاج، في إثباته، إلى الوثيقة التاريخية المؤكدة للحوادث المراد تدوينها. ولا شك في أنّ غياب وثائق في هذا المجال تثير عدّة صعوبات، وتدفع الباحثين إلى الخروج باستنتاجات تعتمد بُعدَ المقابلة والمقارنة. يقحمنا كتاب الباحث نشاط في الحاضر ومآسيه الحقوقية من خلال إشكاليات الماضي وتمثلاته الراهنة. ومن الإشارات المهمة في هذا الشأن ما أورده بخصوص أماكن السجن من خلال قوله: "لم يقتصر سجن الخارجين عن الحكم بالمغرب الأقصى الوسيط على الدور، بل استعملت الحُفر لأداء الوظيفة ذاتها، حيث أمر عامل مرابطي بتقييد أحد السجناء خلال العصر المرابطي وحُمل إلى السجن، وجَعل على رجله كبلين ودلَّه بالحبل في حُفرة وجعل عليها لوحًا وأمر رجالً أن يجلسوا عليه؛ وكانت تلك الحفرة عبارة عن مطمورة عميقة" (ص  78 -  79). ولنا أن نتساءل عن عدد الحُفر والأخاديد والقاعات المظلمة التي تعجّ بالخصوم السياسيين - في زمننا الراهن - في المعتقلات السرية لسجون الرأي السياسي بالعالم العربي، وفي أقبية الاستخبارات الأمريكية (سجن غوانتانامو نموذجًا). من جانب آخر، تطرَّق الباحث إلى عمليات الذبح وقطع الرؤوس. وكان الحسين بولقطيب قد ذكر هذه العمليات في دراسته "نظام العقوبات والسجن بالمغرب الوسيط"، وتعرض لتقنية قطع الرؤوس التي كانت هي التقنية السائدة خلال العصر الوسيط، على غرار تقنية تعليق رؤوس الثُّوار على شرفات أسوار المدن، وفي الساحات العمومية. فمثل هذه التقنيات، بحسب بولقطيب، كانت من الأمور المألوفة في ذلك العصر المذكور، وقد أورد نصًّا لابن عذاري ذكر فيه أنّ المأمون علّق على أسوار مراكش "نحو أربعة آلاف رأس وكان زمن القيظ، فشكا الناس روائحها للمأمون. كما شاعت تقنية الإحراق في مشهد علني شبيه "بالهولكوست" الجماعي الذي كان يتعرض له السحرة والهراطقة في أوروبا الوسيطية. ويجدر التذكير في هذا الصدد بأنّ باب المحروق بفاس حمل هذه التسمية بسبب إحراق الخليفة يوسف الموحدي أحدَ معارضيه في وسطه. ناقش الباحث سَجن أعلام وسياسيين بارزين، ونودُّ الإشارة إلى مجموعة من الفرضيات التي أوردها بخصوص سَجن لسان الدين بن الخطيب وقتله (ص. 62)، ومن بينها قضايا شخصية ودنيوية، كما أورد تُهمًا سياسيةً على لسان القاضي البناهي تقول إنّ ابن الخطيب خان وطنه الأندلس. وإذا كان الباحث أوجز التهم السياسية الموجهة إلى ابن الخطيب، فإنّ هذا الكاتب عبّ في بعض فصول كتاباته عن موقفه السياسي بوصفه مثقفًا من حكم ملوك الطوائف؛ إذ يقول في قول صريح إنّ "أهل الأندلس من الانشقاق والانشعاب والافتراق إلى حيث لم يذهب كثير من أهل الأقطار مع امتيازها بالمحل القريب والخطة المجاورة لعباد الصليب، ليس لأحدهم في الخلافة وارث ولا في الإمارة سبب، ولا في الفروسية نسب، ولا في شروط الإمامة مكتسب، اقتطعوا الأقطار، واقتسموا المدائن الكبار"17. وهو قول سياسي خطِر وجريء ألحق به الأذى والقتل والتنكيل. لقد انتقد ابن الخطيب مسألةً حساسةً في الممارسة السياسية في تاريخ المسلمين. ولا شك في أنّ أغلب المحن التي تعرض لها المثقفون المسلمون - فقهاءَ وفلاسفة - نتجت من المسافة النقدية التي كانت تفصلهم عن السُلطة وما ارتبط بها من بيعة ومعارضة. وقد أثار الباحث الجابري مِحَن المثقفين المسلمين وخصَّ نماذج محددة بالتحليل والاستنتاج، منها شخصيتَا ابن حنبل وابن رشد. وتوصل بعد تمحيص النصوص والوقائع والمقابلة بينها إلى دور البعد السياسي في نكبتهم وامتحانهم. يُضاف إلى ذلك أنّ مِحَن العلماء في العصور الحديثة (المولى إسماعيل نموذجًا، وقضية تجنيد الحراطين في جيش العبيد، وموقف بعض العلماء المعارض لذلك) مرتبطة بالموقف السياسي. وضمن هذا السياق نرى أنّ "التهم الفقهية" و"الملذات الدنيوية" لم تكن على وجه الحقيقة عاملً حاسمًا في نكبة ابن الخطيب، وأنّ الموقف السياسي الصريح من سُلطة بني الأحمر ومن ملوك الطوائف عجَّل بسجنه ثم اغتياله، بخاصة بعد وفاة السلطان المريني أبي فارس عام  774 ه، وقد حمى ظهره من أعدائه في حياته.

  1. لسان الدين بن الخطيب، أعمال الأعمال فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام، ليفي بروفنسال (محقق)، ط 2  (بيروت: دار المكشوف،  1956)، ص  144.

خاتمة

ختم الباحث مقالته بقوله: "لا تعدو أن تكون هذه المحاولة للتأريخ للسجن والسجناء بالمغرب الوسيط، وملامسةً لهذا الموضوع الشائك. فالكثير من جوانبه تبقى في حاجة إلى متابعة ومراقبة" (ص. 118). وقد أثار إشكالية الإحصاءات والأرقام في ما يسمى بالديموغرافيا التاريخية، وشكَّك في ما ورد من أرقام تخصُّ عدد الوفيات في السجون الأموية زمن الحجاج (ص. 120)، وهو إشكال يحتاج إلى تمحيص ونظر. ولمَّح الباحث إلى إشكال أوردناه سابقًا بخصوص الأسرى، ونسبه إلى المرحوم بولقطيب؛ إذ تَرِد إشارة تتعلق بقيام المنصور باستخدام أسرى معركة الأرك في بناء سور مدينة الرباط، وفي مسجد حسان (ص. 121)، وهو جانب لم يُفصِّل فيه الباحث الأسباب والفرضيات التي أثرناها من قبلُ. فعملية الأسر تُعدُّ محورًا أساسيًّا في موضوع السجن والسجناء، ومن خلالها يمكن رصد أهمّ الوظائف التي أنيطت بسجناء المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط. لقد امتلك الباحث نشاط جرأةً علميةً مميّزة مكَّنته، على الرغم من قلة الإشارات التاريخية، من التعريف بمؤسسة السجن والسجناء بالمغرب الأقصى الوسيط، وهي جرأة مطلوبة في هذه المعارف التاريخية المبهمة والملغومة. كما أنّه تمكن من نسج خيوط دقيقة في منهج استقرائي متميز لموضوع شائك وحساس، وقدّم للقارئ مادةً أوليةً دسمةً تُمكِّنه من معرفة الحاضر بلغة الماضي، على الرغم من قلة المعلومات وتناثرها في كتب التاريخ العامّ، وكتب النوازل، والقضاء والحسبة. ولكنْ ظلت بعض الإشكاليات معلّقةً وفي حاجة إلى بحث وتمحيص؛ من قبيل غياب موضوع المرأة سجينةً، إضافةً إلى أنّنا لا نجدا أثرًا ذا بالٍ لأهل الذمة والمرتزقة في صفحات هذا الكتاب. لكنّ الباحث أطنب في ذكر تفاصيل العنف السياسي والتنكيل بالخصوم (المعتمد بن عباد نموذجًا) خلال مراحل حُكم الدول العصبية بالمغرب الأقصى على نحوٍ همَّش من خلاله الموضوع الرئيس (السجن والسجناء). ثمّ إنّه اكتفى بنقلٍ وصفيٍّ لمحاور الموضوع؛ فغاب السؤال الإشكالي الذي نجد بعض ملامحه لدى الباحث بولقطيب عندما ناقش الخلفيات التي دعت السُلطة الحاكمة إلى عمليات الذبح، وقطع الرؤوس، وغيرها. وضمن هذا السياق يقول بولقطيب: "ومهما يكن من أمر، فإنّ بتْ الأعضاء كان يهدف من ورائه مبتكروه إلى نقش الجريمة على جسد "الجاني" تذكيرًا له ولغيره بالحضور الدائم للسُلطة. أمّا عقوبة جزّ الرأس فهي تمتح من تراث المغرب الأقصى القديم، فال 'الفتنة' في هذا التراث يتمُّ القضاء عليها بقطع رأسها، والرأس هنا لا يعني سوى رأس متزعِّمها. وفضلً عن ذلك، فإنّ مرجعية الرأس في التراث الإنساني عامةً تعني العقل المُدبِّر، إذ العقل أو الرأس هو الجهاز المتحكم في بقية الأعضاء، وبشلِّه تُشَلُّ تلك الأعضاء"18. على الرغم ممّا ذكرناه بشأن كتاب الباحث نشاط، فإنّه يشتمل على مادة تاريخية مهمة أحسبها أوّل مقاربة تاريخية حقيقية لمسألة السجن والسجناء بالمغرب الأقصى الوسيط، وحريٌّ بالمهتمين الالتفات إلى الكتاب ومحتوياته بالنظر إلى الجِدة التي طبعت مضمونه وإشكالياته. وننتظر منه، ومن المؤرخين والدارسين العرب، مزيدًا من البحوث المتميزة في مواضيع مماثلة.

  1. بولقطيب، ص 25.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

بيروت: دار المكشوف،  1956.

أبو غدة، حسن. أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام. الكويت: مكتبة المنار، 1987.

مجلة فكر ونقد، العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر  1999).

العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ، ط  4. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،  2005.

الوزان، حجي. الحسن محمد (محقق)، وصف إفريقيا، ط  2، بيروت: دار الغرب الإسلامي،  1983.

المراجع الأجنبية

ابن الخطيب، لسان الدين.   أعمال الأعمال فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام، ليفي بروفنسال (محقق)، ط 2. ابن مازة البخاري، حسام الدين. كتاب شرح أدب القاضي للخصاف، محيي هلال السرحان (محقق). بغداد: مطبعة الإرشاد،  1977. بولقطيب، الحسين. "نظام العقوبات والسجن بالمغرب الوسيط: مساهمة في دراسة 'العقل التأديبي' المغربي خلال العصر الوسيط"،

• Nejmeddine Hentati "La prison en Occident musulman medieval," Arabica, no.  54 (Apr 2007), pp.  149 - 188.

• Tillier, Mathieu. "Judicial Authority and Qadi's Autonomy under the Abbasids," Al-Masaq, vol.  26 , no.  2  (2014),

pp.  119  -  131.

• Tillier, Mathieu. "vivre en prison á l'époque abbasside," journal of the economic and social history of

the Orient , (2009), no.  52 , pp.  635  -  659.