Return to Article Details When a Nation Awakens by Sadek Hadjeres (Book Review)

مراجعة كتاب

When a Nation Awakens by Sadek Hadjeres (Book Review)

نورالدين ثنيو

الملخّص

كانت مذكرات الصادق هجرس منتظرة منذ مدّة طويلة ليس فقط لما سيرويه عن حياته وحياة الجزائر، بل وأيضًا لقدرته على متابعة الخطاب التاريخي للحركة الوطنية، ولكونه أحد الذين صاغوا وثائقها وبياناتها. جرى التركيز في هذا الجزء الأول من المذكرات على سنوات الأربعينيات من القرن العشرين، لحظة تاريخية مكثفة ليس في حياة الأمّة الفرنسية وإمبراطوريتها فحسب، بل وأيضًا بالنسبة إلى الجزائريين خاصة. لأنّها مثّلت حالة يقظة انتابتهم ودفعتهم إلى الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي الذي يعبّ عن الوطن من حيث هو فكرة مستقلة ومفهوم مرشح دائمًا إلى أن يَقُوم ويتقَوَّم على خصائص الذات ومحددات الأمّة والشعب. فقد انبلجت فكرة الوطن وحثّت كافّة النخب الوطنية على ضرورة البحث عن مقدراته ومقوّماته. وكانت سنوات الأربعينيات على ما يرى ويتذكر المؤلّف هي السعي إلى بلورةٍ وتوضيحٍ للمضامين التي تقوم عليها عناصر الأمّة والدولة في الجزائر.

Abstract

The memoirs of Sadek Hadjeres have long been awaited, not only for what they reveal about his life and the history of Algeria, but also for the ability of the author, one of the authors of the nationalist movement’s. Born in 1928, in the Kabylie, Hadjeres attended medical school at the University of Algiers in the late 1940s. In 1944 he joined the Algerian People’s Party and was elected in 1948 as head of the university branch of the Movement for the Victory of Democratic Freedoms, which was the legal cover for the People’s Party. He left the party in 1949, during what was then known as the Berber Crisis. In 1951, he was elected president of the Muslim Student Association of North Africa before changing allegiances in the very same year and joining the ranks of the Algerian Communist Party, eventually becoming a member of the central committee. During the War of Liberation, the political bureau in the party put him in charge of organizing and coordinating the Algerian Fighters for Liberation movement. After independence, Hadjeres remained a leftist and remained in the political opposition within his new party, the Socialist Vanguard Party. Hadjeres’ memoire, especially the first part depicting the 1940s, portray a period that represented an awakening for Algerians, one that got them involved in social and political work toward self-determination.

الكلمات المفتاحية:
  • الجزائر
  • فرنسا
  • الاستعمار
  • الثورة التحريرية
  • الحركة الوطنية
Keywords:
  • الجزائر
  • فرنسا
  • الاستعمار
  • National Movement
نورالدين ثنيو| Teniou *Noureddine
نورالدين ثنيو | Teniou Noureddine* متخصص بتاريخ الجزائر، جامعة الأمير عبد القادر - الجزائر.
Historian of Algeria based at the Emir Abdelkader University, Algiers.
كانت مذكرات الصادق هجرس منتظرة منذ مدّة طويلة ليس فقط لما سيرويه عن حياته وحياة الجزائر، بل وأيضًا لقدرته على
متابعة الخطاب التاريخي للحركة الوطنية، ولكونه أحد الذين صاغوا وثائقها وبياناتها.
جرى التركيز في هذا الجزء الأول من المذكرات على سنوات الأربعينيات من القرن العشرين، لحظة تاريخية مكثفة ليس
في حياة الأمّة الفرنسية وإمبراطوريتها فحسب، بل وأيضًا بالنسبة إلى الجزائريين خاصة. لأنّها مثّلت حالة يقظة انتابتهم
ودفعتهم إلى الانخراط في العمل السياسي والاجتمعي الذي يعبّ عن الوطن من حيث هو فكرة مستقلة ومفهوم
مرشح دائمًا إلى أن يَقُوم ويتقوَّم على خصائص الذات ومحددات الأمّة والشعب. فقد انبلجت فكرة الوطن وحثّت كافّة
ضرورة البحث عن مقدراته ومقوّماته. وكانت سنوات الأربعينيات على ما يرى ويتذكر المؤلّف هي
النخب الوطنية ع
السعي إلى بلورةٍ وتوضيحٍ للمضامين التي تقوم عليها عناصر الأمّة والدولة في الجزائر.
كلمت مفتاحية: الجزائر، فرنسا، الاستعمر، الثورة التحريرية، الحركة الوطنية
The memoirs of Sadek Hadjeres have long been awaited, not only for what they reveal about his life and the history
of Algeria, but also for the ability of the author, one of the authors of the nationalist movement’s. Born in 1928 , in
the Kabylie, Hadjeres attended medical school at the University of Algiers in the late 1940 s. In 1944 he joined the
Algerian People’s Party and was elected in 1948 as head of the university branch of the Movement for the Victory
of Democratic Freedoms, which was the legal cover for the People’s Party. He left the party in 1949 , during what
was then known as the Berber Crisis. In 1951 , he was elected president of the Muslim Student Association of
North Africa before changing allegiances in the very same year and joining the ranks of the Algerian Communist
Party, eventually becoming a member of the central committee. During the War of Liberation, the political bureau
in the party put him in charge of organizing and coordinating the Algerian Fighters for Liberation movement.
After independence, Hadjeres remained a leftist and remained in the political opposition within his new party,
the Socialist Vanguard Party. Hadjeres’ memoire, especially the first part depicting the 1940 s, portray a period
that represented an awakening for Algerians, one that got them involved in social and political work toward
self-determination.
Keywords: Algeria, France, Liberation Movements, National Movement.
مراجعة كتاب "عندما تستيقظ أمّة"
When a Nation Awakens by Sadek Hadjeres (Book Review)
نورالدين ثنيو | Teniou Noureddine
يو|
ين
ور
مراجعة كتاب "عندما تستيقظ أمّة"
When a Nation Awakens by Sadek Hadjeres (Book Review)
المؤلف: الصادق هجرس Hadjerès Sadek.
المؤلف: الصادق هجرس Hadjerès Sadek.
عنوان الكتاب: عندما تستيقظ أمّة.. Quand une nation s ' eveille , mémoires 1928 - 1949 العنوان الأصلي:
الناشر: Alger , Editions INAS.
سنة النشر: 2014.
عدد الصفحات: 404 صفحة.

كتابة المذكرات في الأوضاع الصعبة مثلما هو عليه الوضع في الجزائر في الوقت الراهن، هي نوع من النضال، يتجشم أصحابها عناء البحث عن اللحظة المناسبة التي قلّما تتوافر، كما تتطلب تقصي الماضي، الماضي الاستعماري الذي يعاند ولا يريد أن يمضي. فقد تشكَّل التاريخ الحديث والمعاصر في سياق الاستعمار الرأسمالي، ومن هنا صعوبة فصل الذات عنه. لكنّ المناضل والمثقف الصادق هجرس تمكّن إلى حد كبير من تجاوز هذه العقبة بعدم اقتصاره على رواية الحوادث والوقائع والمواقف، بل تحلى بروح النقد وبأسلوب تحليلي تاريخي أضفى نوعًا من الصدقية والمعقولية على ما جرى في أربعينيات القرن العشرين في الجزائر المستعمرَة. أمّا عندما يصرّ المؤلف والمناضل الصادق هجرس على كتابة المذكرات حتّى وفي سياق "حرب أهلية" في جزائر التسعينيات القرن الماضي، فإنّ الأمر يصبح بطولة للإدلاء بالحقيقة في ظروف مناوئة لها تمامًا. الحقيقة أنّ مذكرات الصادق هجرس كانت منتظرة منذ مدّة طويلة، ليس فقط لما سيرويه عن حياته وحياة الجزائر، بل وأيضًا لقدرته على متابعة الخطاب التاريخي للحركة الوطنية، ولكونه أحد الذين صاغوا وثائقها1 وبياناتها. المناضل الصادق هجرس من مواليد 1928 في منطقة القبائل، تابع مساره التعليمي من الابتدائي إلى الجامعي إلى أن تخرّج طبيبًا نهاية الأربعينيات. انخرط عام 1944 في حزب الشعب الجزائري، وانتخب عام 1948 مسؤولً عن الشُّعبة الجامعية لحزب انتصار الحريات الديمقراطية الغطاء الشرعي لحزب الشعب. وسرعان ما غادره عام 1949، بسبب ما عرف بالأزمة البربرية. وبداية من عام 1951، انتخب رئيسًا لجمعية الطلبة المسلمين لشمال أفريقيا بفضل أصوات طلبة أنصار حزب انتصار الحريات الديمقراطية، وحزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. في عام 1951، غيّ توجهه وانخرط في الحزب الشيوعي الجزائري وأصبح عضوًا في لجنته المركزية. خلال سنوات حرب التحرير، عهَد إليه المكتب السياسي للحزب تنظيم حركة المناضلين الجزائريين في سبيل التَّحَرّر وتنسيقها. وبقي الصادق هجرس يساريًّا إلى ما بعد الاستقلال، ولازم المعارضة السياسية في إطار حزبه الجديد "الطليعة" الذي أسسه عقب انقلاب الجيش على الرئيس بن بلة عام 1965، ثم عاد اسمه إلى المشهد الجزائري العام بعد بداية ما عرف بالتعددية نهاية الثمانينيات. هذه مذكرات مناضل جزائري كان يساريًّا زمن الاحتلال وبقي يساريًّا بعد الاستقلال، ما يحفّز على قراءة مذكراته على أنها شهادة مناضل ومجاهد مخلص لقضيته ومبدئه، وأنّ ما يكتبه يتمتّع بالكثير من الصدقية. لأنّ ما كان يعدّ صحيحًا لم يتنكب له، بل بقي يراه كذلك عن وعي صادق إلى أن حانت كتابة شهادته عن عصره. كما أنّ قيمة هذه المذكرات وأهميتها جاءت من كاتب ومثقف يدرك منذ البداية أنّ شروط رواية الشهادة تقتضي التَّقيد بالمسافة النقدية التي يجب أن تفصل بين الذات والموضوع، ناهيك عن الوعي بضرورة

  1. نذكر أهم الوثائق التاريخية التي كتبها الصادق هجرس مع زميليه يحي حنين وحسين بن مبروك، نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، والتي وردت تحت عنوان "مشكلة الجزائر" algérien problème le في سبعة كراريس، ودراسة مستقلة قبل ذلك "الجزائر سوف تعيش" vivra Algérie ' l باسم مستعار "ايدير الوطني" للكتّاب المناضلين أنفسهم.

تقليص الأساطير التي تطارد دائمًا الكاتب وهو يكتب أو يروي شهادته. ولعلّ التماسه المساعدة من الباحثة والمؤرّخة مليكة رحَّال شاهد على ذلك. فقد قدّمت له الباحثة عونًا علميًّا وتوثيقيًّا ساعد الكاتب على ترتيب المذكرات وتنقيحها وإخراجها على النحو الذي صدرت عليه. فقد كان لها النصيب الوافر في ملازمة المؤلّف وضبط خيط الرواية وتحديد سياقاتها وترتيب فصول الكتاب وفقراته والوقوف على الحقائق والوقائع والشخصيات التي وردت في المذكرات، كما وضعت لها مسك ختام لمزيد من التوضيح والتنويه بالعمل. يقدّم المناضل والمثقف الجزائري الصادق هجرس، في هذا الكتاب، الجزء الأول من مذكراته التي تناول فيها فترة ما بين 1928 تاريخ ميلاده، و 1949 تاريخ نشوب الأزمة البربرية، على أن يتناول في أجزاء لاحقة باقي مساره النضالي والفكري. فقد جاء في مقدمة الكتاب أنّ المحاور المقبلة التي ستصدر تشمل الموضوعات التالية: أزمة الوطنية الجزائرية عام 1949، نموذج الانحرافات القادمة. معارك ودروس للحركة الاجتماعية والحزب الشيوعي الجزائري تحت الاستعمار وبعد الاستقلال. كفاح حزب الطليعة الاشتراكي ومشاكله في مواجهة التراجع على الصعيد الوطني والدولي. ӵ ӵ مختارات من نصوص ومداخلات قيِّمة.

أربعينيات القرن العرشين... أو بداية سياق يقظة الوعي الجزائري

كانت سنوات الأربعينيات من القرن العشرين لحظة تاريخية مكثّفة ليس في حياة الأمّة الفرنسية وإمبراطورتيها فحسب، بل وأيضًا بالنسبة إلى الجزائريين خاصة. لقد مثّلت حالة اليقظة التي انتابتهم ودفعتهم إلى الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي الذي يعبّ عن الوطن بصفته فكرة مستقلة ومفهومًا مرشّحًا دائمًا إلى أن يَقُوم ويتقوَّم على خصائص الذات ومحددات الأمّة والشعب. فقد انبلجت فكرة الوطن وحثّت كافة النخب الوطنية على ضرورة البحث عن مقدراته ومقوّماته. وكانت سنوات الأربعينيات، على ما يرى ويتذكر المؤلف، هي السعي إلى بلورةٍ وتوضيحٍ للمضامين التي تقوم عيها عناصر الأمّة والدولة في الجزائر. عاشت الجزائر سنوات الأربعينيات بكلّ ما حملت من زخم وعنفوان الحرب العالمية الثانية، بداياتها وسياقاتها وتداعياتها وفي صلة مباشرة مع الحرب. ليس فقط لأنّ الآلاف من الجزائريين المسلمين شاركوا فيها وعانوا ويلاتها، بل وأيضًا لأنّ الجزائر العاصمة صارت لسنوات مركز قيادة أركان المقاومة الفرنسية بزعامة الجنرال Gaulle de Charles محرر فرنسا من جحافل الجيش النازي وحلفائه. وتمّ على إثر ذلك تكريس فكرة التحرير في الوعي الجزائري. وهو الوعي الذي راح الصادق هجرس يتقصَّاه في مظاهر نضال التنظيمات والتشكيلات الاجتماعية والمهنية والسياسية ونشاطها وعملها، على قدر ما تستطيعه وتقدر عليه. وقف المؤلف على سنوات الأربعينيات لأنها كانت بالفعل والمعنى لحظة تاريخية امتلكت وعي الجزائريين بقيم ومثُل الحرية والعدالة والشرعية الدولية، كما أنها كانت أيضًا من جانب الفرنسيين محطة تاريخية كبرى ومفصلية بين عهدين عهد المقاومة وإمكانية تحقيق الأمل الفرنسي وعهد "التعاون" مع النظام النازي والخيبة الفرنسية. وبكلمة واحدة ذات المعنى الواحد كانت الأربعينيات عصر النضال الأممي، فكلّ قوات العالم وشعوبه وجدت نفسها في جبهات القتال الأوروبية، وكلها تأثّرت بهذا القدر أو ذاك بما كان يجرى في حينه وما سيطرأ من تداعيات ومضاعفات. ففي الجزائر، شهد الوضع العام تعقّدًا تداخل فيه الداخلي بالخارجي، والوطني بالأممي، إلى حد يصعب معه رسم الحدود والمعالم بينها. ولعلّ أبرز مظاهر هذا التعقيد في الجزائر تداخل المجال الاجتماعي والمجال السياسي في

لحظة زمنية فارقة، عبّت عن أزمة النظام الكولونيالي برمته، ودعته إلى واجب تصفيته، ليس من الشعوب المستضعفة والمحتلة فحسب، بل وأيضًا من داخل الدول الاستعمارية ذاتها.

حول الأثر البادييس أو قوة الإصلاح الاجتمعي

في تقدير وتقييم لما بعد الاستعمار وما بعد الحركة الوطنية، انتبه المناضل هجرس إلى أنّ سنوات الأربعينيات، أساس يقظة الوعي فيها، هو الأثر الباديسي في حياة المجتمع الجزائري المتأهب إلى امتلاك مصيره وتقريره في أفق من فكرة الاستقلال والسيادة. فقد ترك ابن باديس الإنسان والمصلح المثقف تراثًا سرى في حياة الناس، وانساب في المجتمع بسلاسة وعفوية، لم يكن ظاهرًا ومرئيًّا في حينه، لكنه رتَّب أثره بصورة واضحة في صلة الجزائريين بالسلطة الاستعمارية. وهذا ما توقف عنده المؤلف بالشرح، وخصص له الفصل التاسع الذي ركز فيه على البعد الاجتماعي لفكر ابن باديس ونشاطه. ولعلّ أوّل تجليات الأثر الباديسي هي مسألة الديني والسياسي التي كانت تهمّ التيارات اليسارية، ولم تكن لتقوى على خوضها وفق إشكاليتها الحقيقة، أي البحث في الدين والبحث أيضًا في السياسة أو الدولة. فقد تبيّ أنّ قوة الفعل الاجتماعي تؤدي في الحالة الاستعمارية إلى تغيير النظام السياسي القائم، ويمكن أن يجرّه إلى تعديل في المركز القانوني والإداري للسكان. إنّ التركيز على النشاط الإصلاحي الذي اضطلع به ابن باديس في إطار جمعية العلماء، هو من النوع الذي يندرج في رؤية، وينطوي على منهج، ويمتد في الآفاق، لأنه من وحي الواقع المجتمعي والبشري، يتواصل مع التاريخ في أبعاده الثلاثة. وقف المؤلف والمناضل هجرس على البعد الاجتماعي والواقعي والعملي للنشاط الديني والتربوي والتهذيبي في مساعي ابن باديس ومواقفه وآرائه. ففي جميع المجالات التي كانت توفّر التنشئة الاجتماعية إلّ وكان لابن باديس أثر فيها، ولعلّ على رأسها الكشافة الإسلامية التي كانت التنظيم الذي تعلّم فيه هجرس وأصدقاؤه ألفباء حب الوطن وقيم الإسلام السمحة وروح التعاون وأصول البذل والوفاء. وفي هذا التكوين الكشفي كانت الإحالات على كتابات ابن باديس وآرائه وتجربته مادة للتوضيح وتكريس الدرس المعنوي. ولعلّ أقوى هذه الدروس لحظة الوقوف لأداء الأناشيد الوطنية التي كان الشباب الجزائري يرددها عن ظهر قلب، بكل ما يملك من فيض المشاعر والتماهي مع لحظاتها المؤثرة. وعليه، وعلى وفق المقاربة وطريقة معاينة الوقائع، يفصح المناضل الصادق هجرس عن فعالية النظام الكشفي في حياة الشباب المتأهب إلى الانخراط في مسار التحرر العام وتحديد مصير الجزائر. فقد كانت الحياة الكشفية هي المدى الذي يتحرك فيه الشاب الجزائري، وتبرز فيه قدراته التي تتفق حتمًا مع تخليص الجزائريين من الهيمنة والسيطرة والاستغلال. وكلها مثالب تأبى أن تتماشى مع النظام الكشفي وروحه التنظيمية والتربوية وقيمه العملية والمعنوية.

فكرة التحرر والانعتاق قبل الاستقلال

من بين اعترافات الكاتب وشهاداته، أنّ مفهوم الاستقلال الذي كان متداولً في أربعينيات القرن الماضي لدى الجزائريين مفهوم شعبوي، غامض يلفّه الخيال أكثر من الإدراك العملي له، والبحث المتواصل في وسائل تحقيقه، أو رصد إمكانياته الذاتية لدى المجتمع الجزائري. ما كان يراه المناضل الجزائري ويسعى إليه هو التحرر من براثن الاستعمار، وتحسين وضعية الإنسان الأهلي إلى مواطن جزائري، تحكمه قوانين الجمهورية. فطوال الأربعينيات، وهي لحظة الوعي بقيمة الوطن، لم يجر التفكير في مضمون الاستقلال، ولا في مفهومه الذاتي المستقل البعيد عن مؤسسات السياسية والإدارية والأمنية والاجتماعية في الجزائر، لا بل كان يتمّ التفكير في التحرير والانعتاق داخل هذه المؤسسات. والمؤكد أنّ بها يتمّ تحقيق الاستقلال لاحقًا. كان الاستقلال فكرة طوباوية بسبب غياب مشروع مجتمعي جزائري. ولعلّ هذا ما كان يغذي الصراعات والمماحكات والسجلات السياسية والأيديولوجية بين أطراف الحركة الوطنية

وعناصرها، إلى أن حانت لحظة الثورة التحريرية التي كانت في جانب كبير منها تنفيسًا عن احتقان سياسي، لازم الحركة الوطنية بعد حوادث أيار/ مايو 1945.

خاتمة

نختم بعرض أهمّ ما جاء في هذا الجزء الأول من مذكرات الصادق هجرس، بإطلالة على ما جاء في محتوياته: من عقد إلى عقد، وبذور وثمار الأفضل والسيئ، وطفولتي، ومدرسان: التعليم العربي والفرنسي، وسنواتي الأولى في التدريس: التعليم المتوسط والكوليج في مدينتي المدية والبليدة، والانطلاقة الكبرى للحركة الجمعوية، والانبثاق القوي للسياسي من خلال السوسيولوجي والثقافي، وتطوّرات وتساؤلات أولى: 1944  -  1946، في ثانوية ابن عكنون، وعلي لعيماش، الثقافة والسياسة بين النشاط والنضج، وحول فكر ابن باديس: 1946  -  1948 الجامعة والبلد العميق: ربيع 1949 واندلاع الأزمة في الوسط الطلابي.