Return to Article Details Mohamed Tahar Al Mansuri: the Life of a Historian (1955 - 2016)

محمد الطاهر المنصوري: المؤرخ والإنسان (1955-2016)

Mohamed Tahar Al Mansuri: the Life of a Historian (1955 - 2016)

عبد الرحيم بنحادة

الملخّص

تنعى أسرة مجلة أسطور للدراسات التاريخية ممثلة برئيس تحريرها الدكتور عزمي بشارة، وهيئة تحريرها ومجلسها الاستشاري العلمي، الدكتور محمد الطاهر المنصوري أحد أعمدة لجنتها العلمية وعضو هيئة تحريرها، الذي تعجَّل الرحيل بعد أن أفعمنا بمحبَّته وأسمعنا ألطف الكلمات وأكثرها حكمة، وغنى بالمعرفة، مؤمنة بأنه سيبقى حيّاً مؤثراً عبر إنجازاته العلمية. وتنوّه المجلة بأنّ العدد الحالي قد حمل في الكثير من مقالاته ومواده بصمات الأستاذ الراحل. وستولي المجلة كما المركز العربي ما تركه الأستاذ الراحل من نتاج كل اهتمام يليق بمكانته.

محمد الطاهر المنصوري: المؤرخ والإنسان)2016 - 1955(Mohamed Tahar Al Mansuri: the Life of a Historian (1955 - 2016)

في الوقت الذي كنا نتأهب فيه لإصدار العدد الرابع من مجلة "أسطور"، نزل خبر صاعقة: محمد الطاهر المنصوري في ذمة الله. لم نصدق الخبر أو بالأحرى لم نكن نريد تصديقه... لم يكن الطاهر المنصوري عضوًا عاديًا في هيئة تحرير مجلة "أسطور" أو أستاذًا كسائر الأساتذة في معهد الدوحة للدراسات العليا، كان رجلًاستثنائيًا بكل المقاييس. لم ينل منه المرض الذي صارعه صراعًا بطوليًا، ولم يثنه عن عمله الدؤوب إن عى مستوى البحث أو عى مستوى التدريس. في مساره العلمي تعددت انشغالاته بن مترجم للأعمل التاريخية الرائدة، ومنغمس في الدراسات البيزنطية، ومهتم بالتاريخ التونسي خلال العصر الوسيط، ومتابع مواكب لما ينر في البلاد العربية في الدراسات التاريخية.

المجال الأول: يف أعمل ترجمة الدراسات التاريخية

ترجم الطاهر المنصوري من اللغتن الفرنسية والإنجليزية إلى اللغة العربية، ولم يكن اختيار الطاهر المنصوري للنصوص التي يريدها ترجمتها اعتباطيًا، فقد تجاوب مع حاجتن، الأولى وتهم مجال اشتغاله وهواجسه المنهجية والنظرية، والثانية ترتبط بوعيه بضرورة تعميم المعرفة الغربية الجديدة في البلاد العربية. فهو يرى أنّ الحاجة لترجمة نصوص فرنسية وإنكليزية أصبحت ملحة، خاصة بعد التراجع الذي عرفته اللغات الأجنبية في الجامعات العربية. وفي الوقت نفسه عاب الطاهر المنصوري عى ترجمة الأعمل التاريخية إلى اللغة العربية جنوحها نحو التسرع وانعدام الدقة في ترجمة المصطلحات. تناول محمد الطاهر ترجمة ثلاثة أعمل كبرى:

الأولبعنوان "التاريخ الجديد "1، وهو عمل جمعي أشرف عليه أحد مؤسسي مدرسة الحوليات الفرنسية جاك لوغوف Jacques Goff Le. وقد كانت ترجمة هذا العمل بتكليف من المنظمة العربية للترجمة، ونر الكتاب ضمن منشورات المنظمة العربية للترجمة، في بروت سنة 2007. ويتناول الكتاب عرة مواضيع مهمة كلها تتعلق بقضايا نظرية في الدراسات التاريخية، عولجت فيم سبق كالتاريخ والمدى الزمني الطويل، وتاريخ الذهنيات، وتاريخ المهمشن، والأنثروبولوجيا الثقافية، والتاريخ الآني، وتاريخ المتخيل، وغرها من المواضيع. والدراسات في النهاية تلح عى ضرورة الاهتمم بما سمي بالمواضيع "الخسيسة" او المهمشة في الدراسات التاريخية. إنّ الاهتمم بالتاريخ الجديد عند المنصوري نابع من قناعته بضرورة دراسة هذه الظواهر التي عني بها هذا التاريخ في المجالات العربية والإسلامية، وكذلك رغبته الجامحة في الانفتاح عى العوالم المعرفية الإنسانية والاجتمعية من أجل فهم أعمق لها. فهو لم يقف عند ترجمة هذا العمل فحسب، بل سعى إلى وضع مقدمة مفصلة تستعرض تطور البحث التاريخي في فرنسا تبرز مدى إحاطة الباحث بالنقاشات الدائرة بن مؤرخي مدرسة الحوليات من أجل تطوير الكتابة التاريخية. وحرصًا منه عى الدقة وضع قائمة بالمصطلحات التي صادفها في الكتاب مع ترجمتها ترجمة دقيقة إلى اللغة العربية، كم وضع قائمة طويلة بالمراجع العربية والأجنبية التي اعتمدها. ولم تكن الترجمة بالنسبة إلى الطاهر سوى توطئة لما باشره في أعمله، إذ سعى إلى تطبيق ما ورد في الكتاب من دراسات عى العالم العربي الإسلامي بعيدًا عن الإسقاطات التي لا تراعي السياقات التاريخية. أمّا الكتابالثانيفكان بعنوان "التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد "2 من تأليف المؤرخ الفرنسي فرانسوا دوس Dosse François، وترجم بدعم من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ونر ضمن منشورات مركز الوحدة العربية ببروت سنة 2009. في "التاريخ المفتت" يسعى محمد الطاهر المنصوري إلى إحاطة القارئ العربي بالتطورات التي عرفتها الكتابة التاريخية في الغرب، وعى وجه الخصوص في فرنسا وكيفية تعامل أجيال المؤرخن من الحوليات إلى التاريخ الجديد. وإذا كان الكتابان الأول والثاني يترجمن قناعة منهجية لدى الباحث، فإنّ الكتاب الثالثوعنوانه " إسكان الغريب في العالم المتوسّطي: السّكن والتجارة والرّحلة في أواخر العصر القديم وفي العصر الوسيط"3 جاء ليتجاوب مع قناعة لدى الطاهر المنصوري، وهي أنه لا مجال للحديث عن النقاوة العرقية أو الدينية أو اللغوية في عالم البحر الأبيض المتوسط. فقد كان هذا العالم منفتحًا لا تحول الحدود فيه بن التواصل وانتقال الأفكار والمعارف والتقنيات، وهو بالنتيجة مجال للتثاقف. ويرى الباحث أنّ هذا الكتاب مهم أيضًا من الناحية المنهجية، إذ يسمح بمعرفة اقتصادية واجتمعية شاملة انطلاقًا من جزئيات. فقد عالجت الدراسة موضوع ظاهرة الفنادق في البحر الأبيض المتوسط بصفتها مؤسسة لإيواء الغرباء تتفاعل فيها الثقافات وتنصهر. ولعل الجهد الذي بذله الطاهر المنصوري في ترجمة هذا العمل، ورصانة الترجمة وسلامتها، جعلا مؤسسة زايد تمنحه الجائزة الأولى للترجمة سنة.2014 وفي إطار الهم المنهجي نفسه وللغايات نفسها تندرج ترجمته الأخرة لدراسة قصرة لجيوفاني ليفيGiovanni Levi

جاك لوغوف، التاريخ الجديد، محمد الطاهر المنصوري (مترجم ومقدم)، عبد الحميد هنية (مراجع) (بيروت: المنظّمة العربية للترجمة، 2007.) فرانسوا دوس، التاريخ المفتت، محمد الطاهر المنصوري (مترجم) (بيروت: المنظّمة العربية للترجمة، 2009.)

أوليفيا ريمي كونستابل، إسكان الغريب في العالم المتوسّطي: السّكن والتجارة والرّحلة في أواخر العصر القديم وفي العصر الوسيط، محمد الطاهر المنصوري (مترجم) (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2013.)

  1. Jacques Le Goff (dir.), La Nouvelle Histoire (Paris: Complexe, 2006).
  2. François Dosse, L’histoire en miettes (Paris: la Découverte, 1987)
  3. Olivia Remie Constable, Housing the stranger in the Mediterranean World: lodging, Trade, and Travel in the Late Antiquity and the Middle Ages (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).

في موضوع "استعملات البيوغرافيا"4. وعى الرغم من أنّ هذه الدراسة الأصلية نرت منذ أمد بعيد في مجلة الحوليات الفرنسية (1989)، فإنّ الباحث الطاهر المنصوري أصر عى ترجمتها لما أصبح يكتسيه موضوع استعمل السرة في الكتابات التاريخية العربية التي انفتحت عى مناهج الحوليات والتاريخ الجديد ليبن أنّ البيوغرافيا ليست بالضرورة كتابة التاريخ من خلال السر، ولكنها - كم يقول – "منهج يسمح باستقراء ح قبة من الزمن في شتى تمظهراتها وتعبراتها من خلال تتبع سرة الفرد. فيكون الفرد موضوع البيوغرافيا مَطيَّة أو فُرصة للمؤرخ لينبشَ التاريخ بشكل شمولي مُتتبِّعا مسار الفرد من خلال محيطه الاجتمعي والسياسي والاقتصادي والثقافي وغره من حقول التاريخ المُختلفة"6. استفاد الطاهر قبل أن يستفيد غره مم ترجم من أعمل وما قرأه من أدبيات منهجية، فراح يكتب عن المواضيع التي أثارها لوغوف وزملاؤه، فأبدع في دراسة بعنوان "التحجب والتزنر"7 التي نرتها دار تبر الزمان باللغة الفرنسية سنة 2007، وقد خصها لتطور اللباس ورمزيتة في البلاد الإسلامية، مبرزًا أنّ اللباس سواء في البلاد الإسلامية أوفي الغرب يعدّ "عنصرًا مميزًا وعلامة بارزة لهوية السطح أو للهوية الظاهرية". فاللباس في نظره يستطيع أن يرسم الفوارق والحدود الاجتمعية والجنسية والإثنية والملّية داخل المجال العربي الإسلامي ويعبّ عنها. وقد استثمر محمد الطاهر المنصوري في هذا الكتاب النصوص التاريخية والجغرافية والأدبية.

المجال الثاني: الدراسات البيزنطية

أما المجال الثاني الذي نبغ فيه الراحل فهو مجال الدراسات البيزنطية. فقد توجه محمد الطاهر المنصوري إلى فرنسا من أجل إتمام دراساته العليا، وارتمى في أحضان مجال قلم تخصص فيه الباحثون العرب. وهو مجال الدراسات البيزنطية. فناقش أطروحته للدكتوراه في موضوع العلاقات بن مصر وبيزنطة ما بن القرنن الثالث عر والخامس عر9. فقد أثار انتباهه وصول سلالتن في مصر وبيزنطة في اللحظة نفسها، وفي ظل ظرفية دولية أجبرتهم عى التقارب والتعاون إلى درجة أن الاختلاف الحضاري والديني لم يكن عائقًا. لم يكتف الطاهر المنصوري بالاعتمد، ليتميز بهذه الدراسة، عن المصنفات العربية التي تتضمن معلومات عن هذه العلاقات، بل سعى عى استنباط مادة دراسته من النصوص البيزنطية والإغريقية عى وجه الخصوص، واضطره ذلك إلى تعلم اللغة الإغريقية. وسعى أيضًا إلى الإلمام بالدراسات الغربية المتعلقة بالتاريخ البيزنطي، وهو ما يمكن أن يلمسه قارئ هذه الدراسة التي تأخر في نرها باللغة العربية إلى سنة 2000. ولم يعن فقط بالتاريخ المباشر بن بيزنطة والعالم الإسلامي، بل عمل عى دراسة هذه العلاقات في إطار شبكتي العلاقات الأوروبية والإسلامية. بعد دراسته عن العلاقات بن الممليك وبيزنطة، انغمس في التاريخ البيزنطي، وراح يبحث في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية، فنر العديد من الدراسات، ومنها عى وجه الخصوص كتابه عن "الحياة الدينية في بيزنطة"10 الذي اعتمد فيه النصوص البيزنطية الأصيلة، ونتائج الدراسات الحديثة التي أنجزت في موضوع التاريخ الديني البيزنطي، مستلهمًالمنهجيات الحديثة في مقاربة التاريخ الديني والثقافي. ولأنه كان مهوسًا بالمصطلحات وتقعيدها، فقد أنجز قاموسًا عن "المصطلحات البيزنطية"11، نر سنة 2003. كان الهدف من

جيوفاني ليفي، "استعمالات البيوغرافيا"، محمد الطاهر المنصوري (مترجم)، مجلة أسطور للدراسات التاريخية، العدد الثالث، 2016، ص 25  -  38. 5 المرجع نفسه، ص 26.

8 محمد الطاهر المنصوري، الحياة الدينية في بيزنطة: من الانبعاث إلى القطيعة مع روما (صفاقس: دار الأمل للنشر والتوزيع، 2003.)

  1. Giovanni Levi, “Les usages de la biographie,” Annales: Économies, Sociétés, Civilisations , vol. 44 , no.  6  (1989), pp. 1325 - 1336.
  2. Mohamed Tahar Mansouri, Du voile et du zunnâr: Du code vestimentaire en pays d'Islam)Tunis: éd. L'Or du temps, 2007).
  3. Mohamed Tahar Mansouri, “Recherches sur les relations entre Byzance et l’Egypte (1259 - 1453) d’après les sources arabes”, Thèse doctorale, Toulouse, 1987 (Tunis: publication de la faculté des lettres, Mannouba, 1992).
  4. Mohamed Tahar Mansouri, Vocabulaire historique de Byzance (Tunis: éd. Amal édition, 2003).

وضع هذا القاموس التعريف بالتاريخ البيزنطي من خلال مصطلحاته ورصد تطورها التاريخي. وقد استرعى اهتممه الدور الذي كانت تضطلع به جزر المتوسط في العلاقات بن البيزنطين والمسلمن وبن شرق المتوسط، وغربه. فراح يبحث في دراسة أخرى بعنوان "قبرص من خلال المصادر العربية" نرت سنة 2003، وهو المقتنع بضرورة تعدد النصوص في قراءة تاريخ العالم المتوسطي. لقد كان الطاهر يريد تمرير رسالة من خلال هذه الدراسة، وهي أنّ المصادر العربية لا تقل أهمية عن نظرتها الأوروبية في إماطة اللثام عن تاريخ العالم المتوسطي، ولعله كان يستحضر تلك الدعوة التي وجهها مؤرخ البحر الأبيض المتوسط، فرناند بروديلBraudel Fernand، لزملائه في جنوب المتوسط وشرقه. لقد خرج الطاهر المنصوري في دراساته عن بيزنطة من قوقعتن؛ قوقعة التاريخ الوطني التي ميزت البحث التاريخي في تونس بعد الاستقلال، وقوقعة التاريخ العربي وعدم انفتاحه عى الدراسات البيزنطية عى اعتبار أنّ التاريخ البيزنطي شأن أوروبي بامتياز ونظرة المؤرخن العرب إلى العلاقات البيزنطية الإسلامية في إطار صراع مستديم بن الإسلام والمسيحية. أفضى هذا الاهتمم بالعالم البيزنطي ومختلف الترجمت التي قام بها، وعى الخصوص ترجمة "إسكان الغريب"، إلى تولد اهتمم آخر عند المؤرخ الباحث الطاهر المنصوري فأضحى يكرس بعضًا من أعمله للبحر المتوسط والعالم المتوسطي، وقد ترك قيد الطبع عملن مهمن في هذا الباب يتعلق الأول بكتاب بعنوان: "التجارة المتوسطية في العصر الوسيط". والثاني تحت عنوان "أطلس العالم المتوسطي" وهو عبارة عن تحقيق ودراسة لنص مهم لأحد جغرافيي البلاد التونسية في العصر الحديث.

المجال الثالث: تاريخ تونس

أمّا المجال الثالث الذي تألق فيه فقيدنا، فيتعلق بتاريخ تونس، وقد ربط في الكتابة عن تاريخ تونس اهتممه بالتاريخ البيزنطي. ولعل من علامات ذلك إقدامه عى ترجمة قيد النر لكتاب دوني برنفل عن "التحصينات البيزنطية في إفريقيا". بيد أنّ أهم ما يترجم الاهتمم بتاريخ تونس كتابان: الأول عن "الحممات مدينة متوسطية" الذي نر باللغة الفرنسية سنة 2000، وتعود عنايته بهذه المدينة التونسية الصغرة إلى ارتباطه العاطفي بها، فهي المدينة التي كان يسكن بها، وهي المدينة التي كان يعدّها ملهمته في كتاباته، ليس فقط في مجال الدراسات التاريخية فحسب، بل حتى في مجال السرد، فقد عرف عن الفقيد أيضًا إنتاجه في مجال السرد الأدبي عندما أنجز رواية بعنوان "مدرجات الصمت" (silence du amphis Les) والصادرة ضمن منشورات ارتحال في تونس سنة.2011 الثاني عن "تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة" وصدر عن دار صامد سنة.2015 ويأتي إصدار هذا الكتاب بعد مرور عر سنوات من إصدار جمعة من المؤرخن التونسين بإشراف هشام جعيط. ويمثّل هذا الكتاب الجزء الثاني في سلسلة خصصت لتاريخ البلاد التونسية. وهو مؤشر عى أنّ الكتاب يقترح نفسه لمراجعة العديد من الأحكام وإعادة طرح القضايا وفق تمشٍ منهجي مختلف. ومن بن القضايا المهمة التي أثارها الطاهر المنصوري مسألة النصوص والمصادر العربية المعتمدة لكتابة تاريخ إفريقية زمن التبعية للمرق، وكيف تقاس بهذه النصوص درجة التبعية والاستقلال عن الدولة المركزية في المرق. وقد استغل محمد الطاهر المنصوري إثارة قضية المصادر لرى أنّ مؤرخ تونس ملزم بالانفتاح عى النصوص البيزنطية والأوروبية التي من شأنها أن تساهم في فهم استقلال تونس وتبعيتها خلال المرحلة المبكرة من تاريخ إفريقية الإسلامي. ومن بن المراجعات التي يقترحها محمد الطاهر المنصوري ما يسميه بالتبعية الرمزية والاستقلال الفعلي، وقد عالجها المؤلف خلال الحقبتن

12 محمد الطاهر المنصوري، تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة (صفاقس: دار صامد للنشر والتوزيع، 2015.)

  1. Mohamed Tahar Mansouri, Chypre dans les sources arabes médiévales (Nicosie: éd. Centre de Recherches Scientifiques, 2001).
  2. Mohamed Tahar Mansouri, Hammamet: histoire d'une cité méditerranéenne (Tunis: éd. MED, 2000).

الأغلبية والفاطمية. وإضافة إلى هذه المراجعات عالج الكتاب، قضايا ترتبط بأثر الجغرافيا في تاريخ تونس؛ فوقف عند التأثر الذي مارسه البحر والصحراء في التاريخ التونسي، وعالج الباحث البنية الاجتمعية في تونس خلال العصر الوسيط وانتبه إلى التعدد الإثني واختلاف النصوص في الحديث عن هذا التعدد. كم استعرض في فقرات وضعية أهل الذمة وعلاقاتهم بالمسلمن مسجل تذبذب هذه العلاقات وداعيًا إلى التخلي عن الصور النمطية التي ميزت عادة دراسة هذا الموضوع. وخصص محمد الطاهر المنصوري فصلً للبنى الذهنية في البلاد التونسية، وكم ركز عى التنوع الاجتمعي، أكد الباحث التنوع الفكري الذي ميز تاريخ تونس الثقافي، والذي يعود إلى فترة ما قبل الإسلام. هذه هي المجالات الكبرى التي اشتغل فيها فقيدنا، غر أنه لم يكن محصورًا فيها، ولا أدل عى ذلك من مقالاته المتعددة في المجلات المتخصصة ومشاركته الواسعة في الندوات والمؤتمرات الدولية بعروض دراسات لا ترتبط بهذه الميادين. كم أنه كان متابعًا جيدًا لما ينر من كتب ودراسات في العالم العربي. ويرتبط بشبكات بحثية دولية في أمركا واليابان وفرنسا واليونان والعالم العربي. فقد كان أستاذًا زائرًا محاضرًا في كبريات الجامعات في هذه البلدان. كان الطاهر المنصوري، الاجتمعي بطبعه محافظًا عى شبكاته البحثية متابعًا لها إلى آخر رمق لم ينل من هذا التواصل لا بعد المسافات ولا الحالة الصحية التي عاشها في السنة الأخرة. كان الطاهر المنصوري مؤرخًا كاملً، قارئًا جيدًا للنصوص المخطوطة والقديمة، ملم بخباياها، وقادرًا عى فك رموزها، ساعده في ذلك امتلاك وتحكم في ناصية اللغتن العربية والفرنسية، وقدرة عى إدراك كنه النصوص الإنكليزية والإيطالية والإغريقية. كان محمد الطاهر المنصوري كريمًا سخيًا في علاقاته، وصاحب القلب الكبر مع طلابه وزملائه، وإن بدا في بعض الأحيان صارمًا في أحكامه لا تلومه في الله لومة لائم، وبدا هذا السخاء في الوقت الذي يكرسه لمتابعة أعمل طلبته، وفي فحصه العميق لكل ما يعرض عليه من أعمل للتقييم أو من أطاريح جامعية للمناقشة. هذه الأعمل ستجعله حيًا بيننا حاضرًا كلم أثرت مواضيع الدراسات البيزنطية في العالم العربي. لقد استطاع أن يقرن اسمه بكبار المؤرخن في العالم من أمثال جاك لوغوف وفرانسوا دوس وجيوفاني ليفي وغرهم، ولا تذكر أسمء هؤلاء إلّ ويتم استحضار اسم كبر: محمد الطاهر المنصوري.

عبد الرحيم بنحادة نائب رئيس التحرير