Return to Article Details The Navigation Industry in Ibn Khaldoun's Muqaddimah

صناعة الملاحة من خلال مقدمة ابن خلدون

The Navigation Industry in Ibn Khaldoun's Muqaddimah

محمد الطاهر المنصوري

الملخّص

تقدّم هذه الورقة نظرة ابن خلدون إلى علاقة العرب والأوروبيين بالبحر. فهو يرى أنّ العرب لم يصبحوا من أهل البحر، إلّا بعد اختلاطهم بالشعوب البحرية التي كانت تتمتع بالدربة والمعرفة. وحاول أن يبرر ذلك بالتاريخ البدوي للعرب. وهو في رأي ابن خلدون من المعوقات التي لم تسمح لهم بممارسة البحر وركوبه. ولكن مع ذلك، فقد استطاع العرب الأخذ بناصية البحر والسيطرة عليه سيطرة مطلقة، حتى أنّ النصارى على حد قوله لم تكن لهم القدرة على وضع خشبة في البحر المتوسط. وقد قدّم ابن خلدون العلاقة بالبحر بحسب نموذج الدورات التاريخية البحرية التي بها فسر تطوّر الزمن التاريخي. إنّ القراءة الخلدونية لموضوع الملاحة البحرية تكشف عن وعي بأهمية التراكم المعرفي، وتبين عن إدراك مسألة تعاقب الأزمنة في أدوار ومراحل على شاكلة الأدوار التاريخية التي تمرّ بها الحضارات.

Abstract

In his Muqaddimah of Ibn Khaldoun, the great author asserts that Arab only became sea oriented after their original encounter and intermingling with maritime civilizations. Ibn Khaldoun traces this original reluctance back to the history of the Arab Bedouin, which, he said, prevented Arabs from living a seaborne lifestyle. Despite this, claimed Ibn Khaldoun, the Arabs succeeded in conquering the sea at a time when, according to the author, "the Christians were unable to put a plank [in the Mediterranean]". The Arabs' relation with the sea, he noted, evolved in historical cycles (maritime cycles). These maritime cycles according to Ibn Khaldoun appeared as follows: the first occurred when the Carthaginians fought the Romans, and used to send fleets to war; the second cycle came with the Romans and Goths' domination over the sea, Ifriquia (Tunisia), and Morocco; the third cycle was witnessed with the Arab- Islamic domination which in turn had three waves, the first one was the period under Caliph Umar Ibn Al-Khattab who was reluctant to use naval power, the second period in which Arabs had absolute domination of the sea followed by a third period of weakness and decline. The final cycle Ibn Khaldun calls the cycle of Christian victory.

الكلمات المفتاحية:
  • ابن خلدون
  • البحر
  • الملاحة
  • الدورات التاريخية البحرية
  • قبرص
Keywords:
  • Ibn Khaldoun
  • Sea
  • Navigation
  • Marine Cycles
  • Cyprus
  • Crete
*Mohamed Tahar Mansouri محمد الطاهر المنصوري|
محمد الطاهر المنصوريMohamed Tahar Mansouri |
ومري|
ر
ومري|
ر
تقدّم هذه الورقة نظرة ابن خلدون إلى علاقة العرب والأوروبين بالبحر. فهو يرى أنّ العرب لم يصبحوا من أهل البحر، إل ّ
بعد اختلاطهم بالشعوب البحرية التي كانت تتمتع بالدربة والمعرفة. وحاول أن يبرر ذلك بالتاريخ البدوي للعرب. وهو في
رأي ابن خلدون من المعوقات التي لم تسمح لهم بممرسة البحر وركوبه. ولكن مع ذلك، فقد استطاع العرب الأخذ بناصية
البحر والسيطرة عليه سيطرة مطلقة، حتى أنّ النصارى عى حد قوله لم تكن لهم القدرة عى وضع خشبة في البحر
المتوسط. وقد قدّم ابن خلدون العلاقة بالبحر بحسب نموذج الدورات التاريخية البحرية التي بها فسر تطوّر الزمن التاريخي.
إنّ القراءة الخلدونية لموضوع الملاحة البحرية تكشف عن وعي بأهمية التراكم المعرفي، وتبن عن إدراك مسألة تعاقب
الأزمنة في أدوار ومراحل عى شاكلة الأدوار التاريخية التي تمرّ بها الحضارات.
كلمت مفتاحية: البحر، الملاحة، الدورات التاريخية البحرية، الأوروبيون والخوف من البحر، السفن، قبرص
In his Muqaddimah of Ibn Khaldoun, the great author asserts that Arab only became sea oriented after their original
encounter and intermingling with maritime civilizations. Ibn Khaldoun traces this original reluctance back to the
history of the Arab Bedouin, which, he said, prevented Arabs from living a seaborne lifestyle. Despite this, claimed
Ibn Khaldoun, the Arabs succeeded in conquering the sea at a time when, according to the author, "the Christians
were unable to put a plank [in the Mediterranean]". The Arabs' relation with the sea, he noted, evolved in historical
cycles (maritime cycles). These maritime cycles according to Ibn Khaldoun appeared as follows: the first occurred
when the Carthaginians fought the Romans, and used to send fleets to war; the second cycle came with the Romans
and Goths' domination over the sea, Ifriquia (Tunisia), and Morocco; the third cycle was witnessed with the Arab-
Islamic domination which in turn had three waves, the first one was the period under Caliph Umar Ibn Al-Khattab
who was reluctant to use naval power, the second period in which Arabs had absolute domination of the sea followed
by a third period of weakness and decline. The final cycle Ibn Khaldun calls the cycle of Christian victory.
Keywords: Sea, Navigation, Marine Cycles, Cyprus, Crete
صناعة الملاحة من خلال مقدمة ابن خلدون
The Navigation Industry in Ibn Khaldoun's Muqaddimah

أستاذ في برنامج التاريخ، معهد الدوحة للدراسات العليا، قطر. Professor of History at the Doha Institute for Graduate Studies, Qatar.

مقدمة

يعدّ ابن خلدون شاهدًا على عصره، ملاحظًا تطورات الحياة في مظاهرها المختلفة، وهو ابن القرين الرابع عشر والخامس عشر، وليس

ابن القرن الواحد والعشرين. فهو ليس من معاصرينا، ولا من أهل زماننا. إنّه مثلنا، ينظر إلى الماضي من خلال عصره، ومن خلال ما كان

يحدث ظاهرًا ليحاول سبر ما كان يحدث باطنًا. وليس من باب خدمة المعرفة التاريخية، ولا من باب خدمة ابن خلدون، أن ننظر إليه على

أساس المعاصرة. فعلى المؤرّخ أن ينظر إلى الماضي من دون محاولة إسقاط الحاضر عليه أو الخوف من قراءته قراءة علمية بعيدًا عن العواطف.

كما أنّ تاريخ الأفراد والشخصيات البارزة لا يفصح عن واقع الشعوب، وليست مهمة التاريخ تمجيد الأشخاص، إذ لا وجود لأشخاص

خارج دائرة المجتمعات. فابن خلدون واحد ممن نبغوا في عصره، وليس هنا مجال لحصر هؤلاء، ولكن يكفي أن نشير إلى أنّ المغرب عرف

بعضًا من أشباهه وكذلك المشرق، ولكن ربما لم يبلغ صيتهم من الذيوع ما بلغه صيت ابن خلدون. فقد ذاع صيت ابن خلدون مشرقًا ومغربًا من خلال مقدمته، أكثر من ذيوعه من كتاب العبر وكذا من كتاب التعريف. ولعل هذا

الانتشار الكبير راجع إلى أسباب عدة: منها ما هو مرتبط بشخصه، فقد عايش معاينة العديد من كبار عصره من حفصيين ومرينيين ومماليك، وتقلب في وظائف عدة، كالتدريس والقضاء داخل إفريقية وخارجها. وارتبط اسمه باللقاء التاريخي الذي جمعه بتيمورلنك، كما كان قد التقى بعضًا من ملوك أوروبا مثل بيار لوكريال Cruel Le Pierre. وذاع صيته أيضًا لاختصاصه بما سماه صناعة التاريخ. ومن أهم المؤلفات التي لا يزال الناس يقبلون عليها المقدمة، نظرًا لما احتوت

عليه من جوانب تنظيرية ومحاولة لتفسير التاريخ ونشوء السلطة وزوالها والتطور العام للحضارات والعمران. وانكب الناس على مفهوم الدورات التاريخية، إذ رأى ابن خلدون، كغيره من أهل عصره وربما ممن سبقوه، أنّ الأيام دول بين الناس ودورات. وهذا المفهوم/ المبدأ

نجده في مختلف منعطفات الفكر الخلدوني. ولعل من الميادين التي طبق فيها هذا المبدأ ميدان البحر وممارسته، فالبحر ممارسة قبل شيء، وهي ممارسة محكومة بجملة من العوامل ومرتبطة بجملة من الأوضاع. ومن المواضيع التي ما زالت في حاجة إلى قراءة ونظر وتمحيص مسألة علاقة العرب بالبحر، أو ما سميناه صناعة الملاحة. فقد سبق

أن تناول هذا الموضوع من زوايا مختلفة العديد من الباحثين، إلّ أنّ هذه الكتابات حتى وإن سعت إلى اعتماد ابن خلدون، فقد بقيت

استشهادية أكثر منها تحليلية. وربما كان القصد من ورائها إثبات مسألة خوف العرب من البحر، خاصة لدى كل من بردراق ماتفيايفيتش Matvejevitch Predrag وقزافياي دي بلانول Planhol de Xavier. وهذا جانب سنحاول النظر فيه ووضعه في إطاره التاريخي. وهو ما يجعلنا نتساءل عما تقدمه المقدمة من معلومات حول البحر؟ وكيف نظر ابن خلدون إلى ممارسة البحر عند العرب وغيرهم؟ وكيف علل مظاهر القوَة وفسَ مواطن الضَعف؟ وهل خضعت السيطرة على البحر إلى مفهوم الدَورة الخلدونية؟

1 ولتر فيشل، لقاء ابن خلدون لتيمورلنك: لقاؤهما التاريخي في دمشق سنة 1401، محمد توفيق (مترجم)، يوسف روشا (مراجع)، مصطفى جواد (مقدم) (بيروت:

دار مكتبة الحياة، 1952.)

Abdeslem Cheddadi, "À propos d'une ambassade d'Ibn Khaldûn auprès de Pierre le Cruel," Hespéris-Tamuda , vol. 20  -  21 , no. 1 (1982  -  83), pp. 5  -  23. Gabriel Martinez Gros, "Ibn Khaldoun et la mer," in Mohamed Tahar Mansouri (dir.), le Maghreb et la mer à travers l'histoire (Paris: Herodotus, 2000), pp. 99  -  112.

وكذلك ولو بصورة عرضية:

Predrag Matvejevitch, Bréviaire méditerranéen (Paris: Payot, 1987). Xavier de Planhol, L'islam et la mer, la Mosquée et le matelot (Paris: Perrin, 2000).

وكذلك:

Christophe Picard, La mer des Califes (Paris: seuil, 2015).

المعطيات الواردة يف المقدمة

تعرض ابن خلدون إلى المسائل البحرية في موط ين: الأول عند حديثه عن ممارسة البحر وقيادة الأساطيل، والتي يعدُّها من مراتب الدولة وخططها في ملك المغرب وإفريقية ومرؤوسة

لصاحب السيف وتحت حكمه. وهي من المهام الأساسية في الدولة حتى أنّ "الخلفاء الأمويين في الأندلس كانوا لا يقطعون برأي

في أكثر شؤونهم أهمية دون الرجوع إلى ثلاث شخصيات: قائد جيش سرقسطة حاضرة الثغر الأعلى، والثاني قاضي قرطبة، والثالث قائد أسطول ألمرية." ӵ ӵ والثانيعند حديثه عن صناعة النجارة فيقول:

"يحتاج إلى هذه الصناعة [أي صناعة الخشب] في إنشاء المراكب البحرية ذات الألواح والدسر وهي أجرام هندسية صنعت على قالب

الحوت واعتبار سبحه في الماء بقوادمه وكلكله ليكون أعون لها في مصادمة الماء وجعل لها عوض الحركة الحيوانية التي للسمك تحريك

الرياح وربما أعينت بحركة المقاذيف كما في الأساطيل، وهذه الصناعة من أصلها محتاجة إلى أصل كبير من الهندسة في جميع أصنافها...

ولهذا كانت أئمة الهندسة اليونانيون كلهم أئمة في هذه الصناعة [يذكر إقليدس وأبولونيوس وميلاوش وغيرهم"].... أولً وضع ابن خلدون الملاحة وغيرها من النشاطات الفكرية واليدوية في باب الصنائع. وأول ما ورد في هذا الباب أنّ الصنائع مرتبطة

بالتحضر، وأنّ تناقص العمران وخرابه يؤديان حتمًا إلى زوال الصنائع. إلّ أنه نظر إلى العرب والبربر على أساس أنهم "أبعد الناس عن

الصنائع لأنهم أعرق في البداوة وأبعد عن العمران الحضري وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها. والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانية في

عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها لأنهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو وعمرانه."... ثمّ يقدّم ابن خلدون جملة من المقارنات

بالصين والهند واليمن وغيرها، فيضيف " أنّ عجم المغرب من البربر مثل العرب في ذلك لرسوخهم في البداوة منذ أحقاب من الس ين، ويشهد

بذلك قلة الأمصار بقطرهم. فالصنائع بالمغرب قليلة وغير مستحكمة الأماكن... ". كما قسّم ابن خلدون العالم المتوسطي جغرافيًا وتاريخيًا، فسمّاه البحر الشامي من سبتة إلى بلاد الشام، وسمّاه البحر الرومي في الضفة

الشمالية، كل ذلك نسبة إلى المتساك ين على ضفافه. وليس هناك حديث عن ممارسة بحرية أخرى إلّ بصورة عرضية، فالمقدمة من الناحية

البحرية لا تهتمّ بغير المتوسط، ولا بممارسة البحر إلّ فيه. كما أشار ابن خلدون إلى صعوبة الممارسة البحرية "فالناس يعانون من أحواله ما

لا تعانيه أمة". كما تعرض إلى تعاقب الأمم التي سيطرت على البحر المتوسط بحكم الموقع والممارسة أو الدربة. يعدد ابن خلدون الأمم التي تمكنت من السيطرة على البحر المتوسط، وتداول التحكم فيه بين الناس. ويمكن تقسيم هذه الأطوار

أو الدورات البحرية Maritimes Cycles Les إلى أربعة أدوار تاريخية مرتبطة بالسطوة وبالقوة العسكرية والتطور العمراني في كل مرحلة. الطور الأول: هو دور قرطاج التي كان صاحبها يحارب صاحب رومة ويبعث الأساطيل لحربه مشحونة بالرجال. الطور الثاني: دور الروم والقوط وسيطرتهم على البحر وعلى إفريقية والمغرب. الطور الثالث: دور السيطرة العربية الإسلامية وينقسم إلى ثلاث مراحل:

4 عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة (بيروت: دار صادر، د. ت)، ص 252. 5 عبد العزيز سالم وأحمد مختار العبادي، البحرية الإسلامية في المغرب والأندلس (بيروت: دار النهضة العربية، 1969)، ص 169 - 170. 6 ابن خلدون، ص 410  -  411. 7 المرجع نفسه، ص 403. 8 المرجع نفسه، ص 404.

مرحلة التردد العربي الإسلامي وهو تردد مرتبط بموقف عمر بن الحطاب من البحر والخوض فيه. ӵ ӵ مرحلة السيطرة أو السطوة. ӵ ӵ مرحلة الضعف والوهن. ӵ ӵ الطور الرابع: وهو ما سماه بغلبة النصرانية. كيف يفسر ابن خلدون المرحلة البحرية من تاريخ العرب المسلمين خاصة بإفريقية والمغرب؟

مرحلة التردد

لقد ارتبطت هذه المرحلة عند ابن خلدون وغيره بالخليفة عمر بن الخطاب وبمسألة الخوف من البحر. فمسألة الخوف من البحر التي التصقت بالعرب هي مسألة مرتبطة بحدث معين وهو استشارة عمر بن الخطاب والي مصر آنذاك، عمرو بن العاص. وقد ارتبطت هذه الاستشارة بسعي معاوية، وهو والي الشام في زمن عمر بن الخطاب، إلى الاستئذان من الخليفة للقيام بغزوة بحرية تهدف إلى السيطرة على جزيرة قبرص. وتقول النصوص على لسان عمر أنّ معاوية أوشك أن يأخذ بقلبه، أي أنه أوشك أن يقنعه بضرورة غزو قبرص. فقد كتب عمر بن الحطاب إلى عمرو بن العاص "صف لي البحر وراكبه فإنّ نفسي تنازعني إليه". فكان جواب عمرو بن العاص والي مصر جوابًا مانعًا ورأيًا

معارضًا للقيام بغزوة بحرية على قبرص، فقد كتب للخليفة رسالة جوابية جاء فيها: "يا أمير المؤم ين إني رأيت البحر خلقًا كبيرًا يركبه خلق

صغير، ليس إلا السماء والماء. إن ركن خرَق القلوب وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة. هم فيه كدود على عود، إن

مال غرق وإن نجا برق". وهو ما جعل عمر يرسل إلى معاوية بن أبي سفيان رسالة يصف له فيها البحر من خلال الوصف الذي قدّمه عمرو بن العاص، ويتهدده أن لو غامر فسيكون مصيره مصير العلاء الحضرمي. وهذا نص الرسالة التي بعث بها عمر إلى معاوية، بحسب ما هو وارد في تاريخ الطبري: "إنّا سمعنا أنّ بحر الشام يشرف على أطول شيء على الأرض، يستأذن الله في كل يوم وليلة في أن يفيض على الأرض فيغرقها. فكيف أحمل الجنود في هذا الكافر المستصعب. وتالله لمسلم أحب إلي مما حوت الروم، فإياك أن تعرض لي وقد تقدّمت إليك. وقد علمت ما لقي العلاء مني ولم أتقدم إليه في مثل ذلك". كما كان عمر قد أنكر من قبل غزوة بحرية قام بها عرفجة بن هرثمة البارقي الأزدي في بحر عمان. يفسر ابن خلدون هذا الإحجام عن خوض البحر بموقف العرب منه، وهو أنهم "لبداوتهم لم يكونوا مهرة في ثقافته وركوبه". فهذا الموقف يفسر فيه ابن خلدون الإحجام عن البحر بنمط العيش وأسلوب الحياة. وهو ما ذكره في معرض حديثه عن الصنائع التي لا تنمو خارج العمران، ولا تزدهر إلا بازدهاره، ولا تتقلص إلا بتقلصه. فلعلّ نمط الحياة البدوي، وهو نمط حياة يعتمد بساطة العيش وشظفه، لم يكن يدعو إلى البحث عن مصادر رزق مستجلبة، أو عمّا يمكن أن يعطي للحياة بريقًا زائدًا. لكنّ هذا الرأي فيه بعض النظر. فقد نبغ العرب قبل

الإسلام وقبل ابن خلدون في المجال البحري، وتغنوا به في أشعارهم، واستعملوا لغته مجازيًا. كما أنّ الجزيرة العربية قبل الإسلام، حتى وإن سيطرت عليها البداوة الظاهرة، فقد سيطرت هي بدورها على العديد من المسالك التجارية البحرية التي تربطها خاصة بالشرق الأقصى. ولعل احتكار العرب تجارة مادة البخور في العصور القديمة دليل على ذلك. والصراع الفارسي البيزنطي في القرن السادس ميلادي، من أجل السيطرة على الطريق الساحلية لشرق البحر الأحمر، دليل على الرغبة في التحكم في أهم المسالك الموصلة إلى مادة البخور لعالم المتوسط.

9 محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، محمد أبو الفضل إبراهيم (محقق)، ج 4 (القاهرة: دار المعارف، 1967)، ص 259.

كذلك بعض المحاولات العسكرية التي وقف ضدها الخليفة عمر بن الخطاب لا يمكن إلّ أن تعبّ عن وجود تجارب بحرية. ثمّ إن

هذه العمليات البحرية التي وقفت ضدها سلطة الخلافة لم تكن ممكنة لو لم تتوافر لها الوسائل الضرورية من سفن، ونوتية، وقدرة على تحديد الاتجاه في البحر، ومعرفة بالمسالك والمراسي، وغير ذلك مما يتطلبه الإبحار. أضف إلى ذلك أنّ التجربة العسكرية البحرية الأولى التي قام بها العلاء الحضرمي، حتى وإن أدت إلى نتائج عسكرية ومادية مهمّة،

كانت من الناحية العسكرية مضرة بالعرب في بدايات خروجهم من الجزيرة وتوجههم نحو المناطق الشمالية. فقد قام العلاء الحضرمي باقتحام الخليج العربي الفارسي، والعبور إلى الساحل الفارسي انطلاقًا من منطقة البحرين. وكانت هذه الحملة العسكرية ناجحة من المنظور الغنائمي، وليس من المنظور البشري. إذ تقول النصوص أنّ العلاء الحضرمي رجع إلى البصرة محمّلً بالغنائم، ولكنّه فقد أغلب سفنه. ونتصور

أنّ هذه السفن التي فقدت في عرض الخليج العربي الفارسي لم تكن خالية من الجند. فيفهم من ذلك أنّ النتائج المادية المتمثّلة بالغنائم كانت مهمة. ولكنها من الناحية العسكرية البحت لم تكن كذلك. فقد فقَد العلاء الحضرمي أغلب سفنه، ولا شك عددًا كبيرًا من الأرواح

البشرية. وهو ما أدى بعمر إلى عزل العلاء الحضرمي من القيادة، وتولية سعد بن أبى وقاص أميرًا للجيش ورئيسًا للعلاء الحضرمي ذاته. ويبدو أنّ هذا الموقف كان محكومًا بجملة من العوامل: منها ما هو سياسي؛ فهي تجارب تمّت من دون إذن الخليفة، الأمر الذي قد يكون فيه تجاوز لسلطة ما زالت في طور البناء، وفي حاجة

إلى فرض ذاتها في مختلف المجالات. كذلك ربما يدخل رفض عمر السماح لمعاوية بالغزو البحري تخوفًا من الرجل ومن مطامحه، وتحسّبًا

لما قد يأتيه معاوية، ذلك الرجل الطموح الذي بنى مجد الفرع السفياني من بني أمية في مجتمع ما تزال القبلية فيه حية، بل هي أس من أسس الدولة والمجتمع. ومنها عوامل عسكرية بحت؛ فقد فشلت تجربة العلاء الحضرمي، إذ فقد الرجل أغلب سفنه، حتى وإن عاد محمّلً بالغنائم. ففي بداية

الفتوحات كان المسلمون في حاجة إلى الرجال، فهم أقلية تقتحم مجالً شاسعًا ونسبيًّا كثيف السكان. وفي كل الحالات كان عدد غير العرب

فيه أكثر من العرب المسلمين. لذلك يبدو عمر متخوفًا من المعارك أو المغامرات البحرية التي قد تأتي على الكثيرين من جنده. كما أنّ موقف عمر بن الخطاب ليس سوى موقف والي مصر، موقف الخليفة من موقف الوالي. فليس عامل الخوف النفسي أو الطبيعي، كما قد يراه بعض المؤرّخين من أنّ العرب لا يملكون "جينات بحرية"، وإنّما هاجس الخوف

وإن وجد فهو ظاهرة عامة لدى مختلف الشعوب البحرية وغير البحرية. فالرومان كانوا يحبذون على حد تعبير المثل اللاتيني "كراء البحر والبقاء على الشاطئ " rivage le sur vous - tenez mais , mer la Louez، أو الروس الذين كانوا يقولون ما يشبهه من المواقف poêle le sur assis rester et mer la Louer، كراء البحر والجلوس على المقلاة. ولعل الهولنديين، وهم أكثر شعوب أوروبا خبرة بالبحر وتدجينًا له، كانوا يقولون: "البقاء على اليابسة ولو على متن عربة متهالكة، خير من السفر في

البحر ولو على متن سفينة جديدة"، neuf navire un dans mer sur que chariot vieux un avec lande la sur être mieux vaut Il. كما

كان المسيحيون في العصر الوسيط ينظرون إلى البحر بعين الريبة والخوف. فمن الناحية الدينية هو عالم بلا دين، ولا يسافر فيه إلا كل من لم يكن له الوازع الديني الصلب والشعور الديني العميق. فالكنيسة لا تنظر بعين الرضا إلى المشتغلين بالبحر، مع أنّه عالم مخيف، قد يؤدي

10 انظر الأمثال المتعلقة بالخوف من البحر ضمن كتاب:

Jean Delumeau, La peur en Occident (XIVe-XVIIIe siècles) (Paris: Fayard, 1978).

إلى تعميق الإيمان، إذ يقول المثل الأوروبي، وهو مثل يعود إلى العصور الوسطى، خاصة عندما بدأ النشاط البحري يتنامى: "إن كنت ترغب في النوم اذهب إلى الكنيسة، وإن كنت ترغب في الصلاة اذهب إلى البحر"، église ' l à va dormir veux tu si , mer la à va prier veux tu Si. على كلٍ، مسألة الخوف من البحر التي ارتبطت بذهنية العرب لا تبدو مقنعة، بل هي موقف محجم عن البحر بسبب ظرف سياسي وعسكري معيّ، وربما كذلك بسبب عدم ممارسة العرب كلهم للبحر، خاصة قبائل وسط الجزيرة وشمالها. حتى أنّ ابن خلدون حاول

أن يعلّل سبب تخوف العرب من البحر في البداية، ونبوغهم فيه فيما بعد. وهو ما يمكن أن نسمّيه الطور الثاني من العلاقات العربية

الإسلامية بالبحر.

مرحلة السطوة

فقد كتب فيالمقدمة ما نصه: "والسبب في ذلك أنّ العرب لبداوتهم لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه، والروم والإفرنجة لممارستهم أحواله

ومرباهم في التغلب على أعواده مرنوا عليه فأحكموا الدراية بثقافته. فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم، وصارت أمم البحر خولا لهم وتحت أيديهم، وتقرب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته واستخدموا النوتية في حاجاتهم البحرية أمما وتكررت ممارستهم البحر وثقافته، استحدثوا بصراء بها، فتاقت نفوسهم إلى الجهاد فيه وأنشأوا السفن والشواني، وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح، وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر، واختصوا بذلك من ممالكهم وثغرهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى حافته مثل الشام وإفريقية والمغرب والأندلس". "وكان المسلمون لعهد الدولة الإسلامية قد غلبوا على هذا البحر من جميع جوانبه وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه فلم يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من جوانبه، وامتطوا ظهره للفتح سائر أيامهم فكانت لهم المقامات المعلومة من الفتح والغنائم وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل فيه مثل ميورقةومنورقة ويابسة وسردانية وصقلية وقوصرة ومالطة واقريطش وقبرص وسائر ممالك الروم والإفرنج... وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد على فريسته وقد ملأت الأكثر من بسيط هذا البحر عدة وعددًا واختلفت في طرقه سلمًا وحربًا فلم تظهر للنصرانية فيه ألواح". ولعلّ ما قاله ابن خلدون فيه جانب كبير من الدقة، إذ إنّ العرب المسلمين قد أوغلوا في جهات مختلفة من البحر المتوسط، معتمدين

بالدرجة الأولى على البحريين من سكان البلاد المفتوحة، حتى أنّ السفينة التي كان يستقلها معاوية بن أبي سفيان وزوجته كان ربانها من

القبط، وكان قائدها قبطيًا يدعى طاليا، بحسب ما رواه ابن أعثم الكوفي. ويمكن تقسيم ممارسة البحر إلى عدة محطات مختلفة: غزو قبرص في 27 ه/ 648 م، وبعدها السيطرة على مختلف جزر الحوض الشرقي للبحر المتوسط مثل رودس. وهو عمل رسمي قررته الدولة المركزية. كما أغزى معاوية بن أبي سفيان ابن أبى أمية الأزدي جزيرة كريت من دون فتحها، وفتح بعضًا منها الوليد بن عبد

11 يمكن النظر في الكتاب الضخم الذي كتبه جان دليمو حول ظاهرة الخوف في الغرب، وقد جمع فيه من النصوص والأمثال الشعبية التي تتحدث عن البحر، ما يجعل

هذه الظاهرة إنسانية، لا تختص بشعب، ولا ترتبط بعصر. انظر: Delumeau. 12 ابن خلدون، ص 107. 13 المرجع نفسه، ص 108، 153. 14 أحمد بن أعثم الكوفي، "كتاب الفتوح"، ج 2، في: محمد الطاهر المنصوري، قبرص من خلال المصادر العربية في العصر الوسيط:

Chypre dans les sources arabes médiévales (Nicosie: Centre de Recherche Scientifique, 2001), p. 384.

الملك، ثمّ فيما بعد سيطر عليها مجموعة من الأندلسيين الفارين بعد ثورة الربض في عهد الحكم بن هشام عام 278 ه/ 892 م. وتمكن

هؤلاء الفارّون من السيطرة على الجزيرة في حدود عام 209 ه/ 824 م. وظلت إمارة مستقلة عن الدولة المركزية الإسلامية إلى حدود

350 ه/ 961 م، عندما استولى عليها الإمبراطور البيزنطي نقفور فوقاس. وإذا كان غزو قبرص أو غيرها من الجزر الأخرى هو عملً رسميًّا،

فإنّ غزو جزيرة كريت أو إقريطش هو عمل مستقل، قاده أبو حفص عمر بن شعيب الأندلسي المعروف في النصوص بالإقريطشي، وتوارث إمرتها بنوه من بعده. وقد كان لجزر الحوض الشرقي للبحر المتوسط دور مهمّ في الغزوات البحرية التي قام بها العرب في اتجاه بلاد الروم. وكانت غزوات

متتالية شملت القسطنطينية، وبلغت مدينة صالونيك وأثينا في بداية القرن العاشر. وهو ما جعل البيزنطيين يسعون بالطرق المختلفة على الأقل لإعادة نفوذهم على جزيرة كريت. ولمّا تمّ لهم ذلك، قال الإمبراطور البيزنطي: "اليوم قد أصبحت لي سيادة البحر."

على كلٍّ قد تحكّم العرب المسلمون في الحوض الشرقي للبحر المتوسط - إلى حدود القرن العاشر - وحصروا الإمبراطورية البيزنطية في المجال البري لبلاد آسيا الصغرى وبلاد البلقان، واقتصر نشاطهم البحري على المساحلة داخل بحر إيجة وداخل البحر الأسود. أمّا في الجزء الغربي من البحر المتوسط، فالأنشطة البحرية العربية الإسلامية متعددة. فبعد السيطرة على اليابسة من بلاد المغرب، اجتاز

العرب المضيق بين بلاد المغرب وبلاد الأندلس والمسمّى اليوم مضيق طارق. وهي أول مغامرة وراء البحار، وقطع مع الموقف التقليدي المرتبط

بقول عمر "لا تجعلوا بيني وبينكم بحرًا". إذ يعدّ عبور الجيش العربي الإسلامي المضيق مغامرة، اضطلع فيها سكان البلاد الأصليون بدور

مهمّ، وإلّ لما تفهّمنا إقحام البربر بالدرجة الأولى في هذا العمل العسكري البحري البري، لو لم تكن لهم خبرة ومراس بالبحر. وقد مهدت السيطرة على البر الطريق لخوض العمليات البحرية. وليس من السهل القول إنّ هذه العمليات هي بالدرجة الأولى من

أجل الغزو والغنيمة. فهي أمور لا تخلو منها حرب، وإنّما هي عمليات وقاية لحماية السواحل بالدرجة الأولى. فلو أخذنا مصر أو الشام أو

إفريقية، لوجدنا أنّ البيزنطيين حاولوا المرار العديدة الهجوم على السواحل انطلاقًا من الجزر المقابلة لهذه المناطق. وقد اقتنع العرب المسلمون

بأنه لا يمكن أن يحصل الأمن على السواحل، إلّ إذا تمّ التغلب على الجزر وربطها بالبر المقابل لها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ الجزر

المتوسطية، سواء في الحوض الغربي أو في الحوض الشرقي للمتوسط، لم تكن مرتبطة في ما بينها، وإنما مرتبطة إداريًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا

بما قابلها من اليابسة. فليست هناك علاقات تذكر بين قبرص وإقريطش، وليست هناك علاقات تذكر بين جربة ومالطة، أو بين مالطة

وقرقنة أو صقلية، وإنّما ارتباط وثيق بالبر المقابل. ولم تصبح هذه الجزر مندمجة ضمن شبكة بحرية، إلّ بعد سيطرة البحرية الأوروبية على عالم المتوسط. ويشير ابن خلدون إلى العديد من العمليات البحرية التي وقعت انطلاقًا من إفريقية ومن الأندلس والمغرب، وبلغت إلى جنوة وقوصرة وسردانية ومنورقة وميورقة ويابسة. وقد كانت هذه الأعمال البحرية تتمّ وفق إرادة مركزية. فهي من الخطط الأميرية التي كانت تخضع إلى

تنظيم واضح وجهد كبير: ӵ ӵ حفر الموانئ والمراسي على طول السواحل. تعيين قُوّاد يدبرون أمر الأسطول، ويسهرون على تزويده بالسلاح والمقاتلة، ورياس يشرفون على إبحاره وإرسائه. تعدد الوظائف البحرية مثل صاحب البحر وصاحب ديوان البحر والجند. ӵ ӵ خبرة البحر وصبر على مكابدته. ӵ ӵ المشاركة في الحملات البحرية خارج بلاد المغرب.

بروز عائلات وشخصيات تكاد أن تكون مختصة في هذا المجال في بلاد المغرب والأندلس. وهي عائلات توارثت رياسة البحر، وشخصيات نبغت في الإبحار في لجه بمعرفة وتبصر ودراية شهد بها ابن خلدون وغيره من المؤرّخين والرواة. ولعل من أبرزها عائلة

بني ميمون في العهدين المرابطي والموحدي، وكذلك أحمد الصقلي في عهد الموحدين، وهو من أصيلي قرية سدويكش بجربة من بني صدغيان البربرية وابن رماحس بالأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر (القرن العاشر). كما نبغت عائلات مغربية في موانئ المشرق، مثل عائلة أبى العباس المغربي وعائلة الموفق، واللتين توارثتا رياسة البحر في موانئ الإسكندرية ودمياط لأجيال مختلفة ما بين القرين الثالث عشر والرابع عشر على الأقل من 673 ه/ 1274 م إلى 766 ه/ 1365 م، بحسب ما هو موجود في المصادر. إضافة إلى ذلك، تكوّن

رصيد من التجارب والمعارف البحرية التي بدأت تبرز في الفترات اللاحقة، أي ما بعد العصر الوسيط، إلاّ أنّه، بحسب ابن خلدون، بدأ التراجع البحري العربي الإسلامي مع منتصف القرن الحادي عشر.

مرحلة الوهن والتراجع

مرّت هذه المرحلة بنوع من التدرج، بدأ بتوازن القوى مع بداية القرن الحادي عشر، وتمثّل بتبدل المبادرة التاريخية في المجال

المتوسطي، بل أصبح المجال المتوسطي مجالً متقاسمًا ليست فيه الغلبة لا للعرب وللأوروبيين، ولكن تحوّلت المبادرة العسكرية من أيدي

العرب إلى أيدي الأوروبيين. إذ أصبحت البحرية الأوروبية تهاجم الجزر التي كانت في السابق قلاعًا بحرية متقدّمة للعرب. فمثلً قد أ نهي

الوجود العربي في جنوب فرنسا منذ عام 364 ه/ 975 م، واستولى النرمان على جزيرة صقلية منذ منتصف القرن الحادي عشر. ثمّ بعد ذلك، تجاوزت البحرية الأوروبية مجال الجزر لتصل إلى السواحل سواء الأفريقية أو الشرقية. وهو ما يصادف انطلاق الحروب

الصليبية. وهي التي تصادف التراجع الحقيقي لبعض جهات العالم الإسلامي خاصة الجانب الشرقي منه. ويفسر ابن خلدون هذا التراجع

البحري في الشرق بعدم الاكتراث بشؤون البحر، وعدم إدراجه ضمن السياسة العامة للأيوبيين أو الزنكيين من قبلهم. في حين بقيت بلاد

المغرب وخاصة الجناح الغربي منها على قدر من القوة البحرية. وهي قوة تفسر من وجهة النظر الخلدوني بوجود إرث قديم من المعارف

والتقنيات البحرية، وبوجود هذه الدول على سيف البحر، وخاصة تجدد العصبيات السياسية. وهذه العصبيات لا يمكن أن تتجدد إلا بتجدد

الشوكة أي القوة العسكرية. وهو ما رآه ابن خلدون في الموحدين وفي بني مرين من بعدهم. في نهاية الأمر يعزى التراجع البحري في بلاد الضفة الجنوبية للمتوسط إلى انقلاب في موازين القوى من الناحية السياسية العسكرية

وخاصة الاقتصادية. فمن الناحية الشمالية ازدهرت الملاحة ارتباطًا بالنشاط التجاري، ومنه تخلصت إلى المجال العسكري. ففي معرض حديثه عن التجارة

في بلاد العرب والبربر، لم يتعرض ابن خلدون إلى التجارة البحرية العربية، بل اكتفى بالحديث عن التجارة البرية، وعن تجارة بلاد

السودان، في الوقت الذي فيه كان البحر المتوسط مجالً لا تتوقف فيه الحركة في مختلف الاتجاهات. ولم ينظر ابن خلدون إلى السفينة من

جهة الاستعمال السلمي في الحضارة العربية، وإنّما من المنظور العسكري بالأساس. في حين بدأت البحرية عاملً رئيسًا في التجارة الأوروبية

أولً، ثمّ عنصرًا عسكريًّا ساندًا في مرحلة ثانية. وقد بدأ ميزان القوى في مرحلة أولى بالتساوي بين القوتين البحريتين العربية الإسلامية في

المغرب والأوروبية في الأندلس وجنوة، في الوقت الذي كان فيه الشرق، مصر والشام، بمنأى عن هذا النشاط، حتى أنّ صلاح الدين الأيوبي

طلب من أبي يعقوب المنصور دعمًا بحريًّا، ولكنه لم يحصل لأسباب ليس هنا مجال الحديث عنها. فما هي حقيقة هذا التراجع البحري؟ وكيف يمكن تفسيره اليوم؟

15 سالم والعبادي، ص 173  -  178. 16 ابن خلدون، ص 396. 17 ابن خلدون، ص 256.

يمكن النظر إلى الأسباب التي قد تساهم في التفسير، وهذه الأسباب متنوعة، نوردها كالتالي:

الأسباب التقنية والمادية

ليس هناك ما يفيد فقدان بلاد المغرب ممارسة البحر أو على الأقل الدربة على خوضه وممارسته. هناك بعض المعلومات التي تفيد وجود

بعض التجار الكبار الذين اشتركوا في ملكية بعض السفن القطلانية مثلما هو موجود في الوثائق الديبلوماسية العربية التي نشرها ألاركون عام

1940 بمدريد. كما يوجد حديث عن وجود ما تسمّيه الوثائق بالمنجرة، وهي المكان المعدّ لسفن الخشب، إمّا لبناء السفن، وإمّا لإصلاح

ما قد يحصل بها من عطب. ثمّ إنّ مسألة الخشب التي كان يفسر بها ضعف البحرية، هي في حاجة إلى تعديل، إذ نجد الحديث عن جلب مكارم الخشب من جبال

الريف والأطلس، على الأقل بالنسبة إلى العهد المريني لبناء السفن، والاعتماد على خشب الصنوبر في الأندلس، لتموين دور الصناعة بما

تحتاجه من المادة الأولية الأساسية لبناء السفن. كما لا يخفى على الباحث وجود علم بحري متطور على سواحل إفريقية. ولعل مدينة صفاقس كانت مركزًا مهمًّا من مراكزه، فتطوّر

فيها علم الفلك وعلم المرشدات البحرية التي اشتهرت بها عائلة علي بن أحمد الشرفي الصفاقسي. وآثارها تدل عليها، إذ توجد على

الأقل أربعة مخطوطات معروفة، وهي من صنع الجيلين الأخيرين من العائلة: علي بن أحمد الشرفي الصفاقسي (القرن السادس عشر)

(بكل من باريس وأكسفورد ولمبروزيانا) وابنه أحمد بن علي بن أحمد بن محمد الشرفي (نهاية القرن السادس عشر/ بداية القرن السابع عشر.)

ويذكر علي بن أحمد في نسخة باريس أنّ المرشدة البحرية التي أعدّها عام 1551 "تختلف عمّا كان يصنعه الوالد والجد". وهو ما يحيلنا على

أربعة أجيال على الأقل من هذه العائلة: أحمد، وعلي، وأحمد، ومحمد. كما لا نعدم معلومات حول انتقال بعض المغاربة للنشاط البحري في الشرق الإسلامي. ولعل عائلة أبي العباس المغربي كانت تسيطر على

رياسة البحر في كل من دمياط والإسكندرية. وهو ما تذكره النصوص وفي بعض الأحيان بإطناب. فمثلً في معرض الحديث عن غزو بيار دي

لوزنيان Lusignan de Pierre الإسكندريةَ عام 766 ه/ 1365 م، يقول النويري الإسكندراني، صاحب كتاب الإلمام بالأعلام فيما جرت به

الأحكام والأمور المقضيَّة في وقعة الإسكندرية، وقف المغاربة موقفًا بطوليًّا للدفاع عن الميناء. فإذا كانت الأسباب المادية والتقنية لا تقنع

بالتراجع البحري المغربي أو المشرقي، فهل يمكن أن نبحث عن أسباب أخرى في الحقل الذهني وفي الحقل السياسي؟

الأسباب الذهنية

هناك بعض الإشارات التي نعثر عليها بصورة عرضية في النصوص. وهي مواقف بعض الفقهاء من عالم البحر وعالم الاختلاط بالشعوب

غير الإسلامية. فالمازري في فتاويهوالبرزلي في جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام، يمنعان بظاهر اللفظ وصريح

العبارة السفر إلى صقلية، والخضوع ولو ليوم واحد لأهل الكفر، على حد تعبير البرزلي. ولعل منع السفر يغني عن الوسيلة. فهل يحتاج إلى

سفينة من لا حق له في الإبحار بها إلى البر المقابل؟ قد يعترض البعض على هذا الرأي بالقول لعل ذلك يسمح بالإبحار في اتجاه مناطق أخرى من العالم الإسلامي المتوسطي، لكن في

الواقع هناك سببان يجعلان هذا الاعتراض غير مقبول:

Los documentos árabes diplomáticos del Archivo de la corona de Aragón , editados y traducidos por Maximiliano A. Alarcón y Santón y Ramón García de Linares (Madrid: Archivo General de la Corona de Aragón, 1940).

19 انظر علي بن أحمد بن محمد الشرفي الصفاقسي، أطلس العالم المتوسطي، محمد الطاهر المنصوري (محقق، ومقدّم، ومترجم) (صفاقس: دار صامد للنشر، 2016.)

الأول هو ارتباط العالم الإسلامي بعضه ببعض برًا، ووجود قبائل لها مهمّة الخفارة وتوفير الأمن على طول المسالك التي تربط بين

جزئي العالم الإسلامي من المغرب إلى المشرق. كذلك وجود محطات مهيّأة لذلك تسمح بالتزود بالماء وبالاستراحة، إلى غير ذلك مما قد

يحتاجه المسافر حاجًا أكان أم تاجرًا. الثاني تمثّل بوجود بنود في المعاهدات التي وقّعتها الدول الإسلامية المطلة على العالم المتوسطي مع المدن التجارية والممالك الأوروبية، يتم

بمقتضاها الاستعانة بالسفن التي ترسو في مختلف الموانئ. وهو ما جعل هذه السفن الأوروبية تساهم في تنقّل الناس وتنقّل البضائع، بين مختلف جهات العالم الإسلامي المتوسطي. وليس أدل على ذلك من رحلة ابن جبير الذي امتطى سفينة جنوية من مدينة سبتة ليصل إلى الإسكندرية في الذهاب ومثلها من عكا في الإيّاب؛ ومن بعده في بداية القرن الرابع عشر خالد بن عيسى البلوي الذي غادر الإسكندرية على متن سفينة إيطالية

أوصلته إلى إفريقية؛ أو رحلة عبد الباسط بن خليل الظاهري الذي غادر ح ين راجعًا على مصر مرورًا ببجاية وتونس وجربة على متن سفينة

جنوية. وقد وصف لنا ابن عبد الباسط خلال هذه الرحلة كيف كان أهل إفريقية الذاهبون من بجاية إلى تونس، أو من تونس إلى جربة أو طرابلس، ينتقلون وينقلون بضائعهم من منسوجات وزيوت وحبوب بواسطة السفينة الجنوية التي كان يمتطيها. ثمّ إنّ هذه السفن كانت تتوقف في مختلف

الموانئ، خاصة في العهد الحفصي، لفترات تراوح بين 18 يومًا مثل تونس وطرابلس، إلى 8 أيّام مثلما هو الشأن في بجاية أو في جربة. كذلك برز موقف نابذ للبحر، وإقرار بالعجز عن ركوبه، عبّ عنه أحسن تعبير الشاعر أبو مصعب الزبيري الصقلي في القرن الحادي عشر،

عندما رفض دعوة وجهها له حاكم إشبيلية المعتمد بن عبّاد: "لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسى

وأعجب لأسود عيني كيف لم يشب إلّ ع غررٍ والّ للعرب ".

البحر للروم لا يجري السفين به وهو تقريبًا ما عبّ عنه ابن خلدون، عندما قال: "تراجعت قوة المسلمين في الأساطيل لضعف الدولة ونسيان عوائد البحر بكثرة العوائد البدوية بالمغرب وانقطاع العوائد الأندلسية ورجع النصارى

فيه إلى دينهم المعروف في الدربة فيه والمران عليه والبصر بأحواله وغلب الأمم في لجته على أعواده وصار المسلمون فيه كالأجانب إلا قليلا من أهل

البلاد الساحلية لهم المران عليه لو وجدوا كثرة من الأنصار والأعوان وقلة من الدولة تستجيش لهم أعوانًا وتوضح لهم في هذا الغرض مسلكًا"....

خاتمة

يمكن القول إنّ ابن خلدون أخضع السيطرة على المجال البحري للدورة التاريخية. فالممارسة البحرية هي من الرتب السلطانية، فكلما

ارتفع شأن السلطان، اشتدت سطوته في البحر. وكلما وهن السلطان، تراجع سلطانه على الماء. وفي نظر ابن خلدون ارتبطت الممارسة البحرية عند العرب بالغزو، في حين كانت ساندًا للتجارة لدى الأوروبيين، والمصطلح المستعمل هو "النصارى"، وخاصة لدى الجنويين منهم. كما يَعدّ ابن خلدون ثقافة البحر عند العرب ثقافة دخيلة، وليست متأصلة فيهم. وفي النهاية، لا تعدّ ممارسة البحر مرتبطة بتوافر

الماديات الضرورية لها، وإنّما بوجود ذهنية بحرية لدى السلطان أكثر منها لدى السكان.

20 خالد بن عيسى البلوي، تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، الحسن السائح (محقق) (الرباط: وزارة الأوقاف المغربية، 1964.)

Cf.  Bernard Doumerc, Venise et l'émirat Hafside de Tunis (1231  -  1535) (Paris: L'harmattan, 1999).

22 ميخائيل أماري، المكتبة العربية الصقلية نصوص في التاريخ والبلدان والتراجم والمراجع (بيروت: دار صادر، 2005)، ص 628  -  629. 23 ابن خلدون، ص 256.

المراجع

References

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، بيروت: دار صادر، د. ت. أماري، ميخائيل. المكتبة العربية الصقلية، نصوص في التاريخ والبلدان والتراجم، بيروت: دار صادر، د. ت (عن طبعة ليبسيك، 1857.) البلوي، خالد بن عيسى. تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، الحسن السائح (محقق)، الرباط: وزارة الأوقاف المغربية، 1964. سالم، عبد العزيز وأحمد مختار العبادي. البحرية الإسلامية في المغرب والأندلس، بيروت: دار النهضة العربية، 1969. الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الأمم والملوك، محمد أبو الفضل إبراهيم (محقق)، ج 4، القاهرة: دار المعارف، 1967. الكوفي، أحمد بن أعثم. كتاب الفتوح، الهند: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، 1970.

الأجنبية

• Akkari, Hatem (dir.). La Méditerranée médiévale: perceptions et représentations, Paris; Tunis: Maisonneuve & Larose/Editions de la Méditerranée, 2002. • Daoulatli A. (ed.), La Tunisie, Hommes et Monuments , Tunis: Ministère de la Culture, 1996. • Lombard, Maurice. "Un problème cartographié: le bois dans la Méditerranée musulmane (VIIe - XIe siècles)," Annales, Economies , Sociétés , Civilisations , vol. 14 , no. 2 (1959), pp. 234  -  254. • Makrypoulias, Christos (ed.). Sailing ships of the Mediterranean Sea and the Arabian Gulf , Athènes: Koweit F. A. S, 1998. • Mansouri, Mohamed Tahar (dir.). Le Maghreb et la mer à travers l'histoire , Mesogeios , numéro spécial, VII, Paris: Herodotus, 2000. •. Chypre dans les sources arabes médiévales , Nicosie, Centre de Recherche Scientifique, 2001. • ".Les relations entre marchands chrétiens et musulmans au Maghreb à la fin du moyen-âge," Colloque: Chrétiens et Musulmans au temps de la renaissance, Tours, Juillet 1994 , in Actes du 37 e Colloque international du Centre d'Etudes Supérieures de la Renaissance de Tours, Paris, 1998 , pp. 405  -  414. • ".De l'étranger et du méditerranéen: Intégrations et rejets," Imago Temporis Medium Aevium , Lerida/Espagne, I, 2007 , pp. 13  -  23. • Predrag, Matvejevitch. Bréviaire méditerranéen , Paris: Payot, 1987. • Picard, Christophe. L'Océan Atlantique musulman da la conquête arabe à l'époque almohade: Navigation et mise en valeur des côtes d'al-Andalus et du Maghreb occidental (Portugal - Espagne - Maroc) , Paris: Maisonneuve & Larose/UNESCO, 1997. •. La mer et les musulmans d'Occident au Moyen Age, VIIIe - XIIIe siècle , Paris: PUF, 1997.. 2015 , Paris: Seuil, La mer des Califes. • • De Planhol, Xavier. L'islam et la mer, la Mosquée et le matelot , Paris: Perrin, 2000. • Delumeau, Jean. La peur en occident (XIVe-XVIIIe siècles) , Paris: Fayard, 1978.