Return to Article Details Arab History and the Crisis of Method seen through Mohammed Habida’s The Misery of History

التاريخ العربي وأزمة المناهج من خلال كتاب محمد حبيدة بؤس التاريخ

Arab History and the Crisis of Method seen through Mohammed Habida’s The Misery of History

محمد الطاهر المنصوري*Mohamed

Tahar Mansouri

الملخّص

المؤلف: محمد حبيدة. عنوان الكتاب: بؤس التاريخ مراجعات ومقاربات. الناشر: دار الأمان، الرباط. سنة النشر: 2015 عدد الصفحات: 235 صفحة.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • بؤس التاريخ
  • المنهج التاريخي
Keywords:
  • Historiography
  • The Misery of History
  • Historical Method

من خلال كتاب محمد حبيدة بؤس التاريخ

يتكون الكتاب من مقدمة وعدد من المقالات كان الباحث قد نشرها في مجلات وكتب جماعية مختلفة في فترة تمتد بين عامي 1996 و 2012. وللوهلة الأولى، يقوم محمد حبيدة من خلال المقدمة بطرح جملة من المسائل، انطلاقًا من المشهد البحثي الجامعي المغربي، تتعلق بمسألة تحديث المناهج والرؤى. فقد طرح المؤلف مسألة التاريخ الإشكالي وغيابه في أغلب الأعمال الجامعية المغربية. وهو ما يوحي بغياب إشكاليات واضحة، بل انتصار النهج الكلاسيكي في مجال البحث الجامعي. وقد علل المؤلف ذلك بغياب الأطر الملائمة للقيام بالبحوث، وغياب التأطير بالنسبة إلى أغلب الباحثين. كما أشار المؤلف إلى ضعف اللغات الأجنبية قائلً: "إنّ اللغة العربية وحدها لن تمكّن الباحث مهما اجتهد من السير بعيدًا في البحث، ليس فقط في المجال الذي يعنينا بل في الأدب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بصفة عامة"(ص. 9). وهو أمر لا يقف عند مشارف الجامعة المغربية فحسب، بل يمكن أن ينطبق أيضًا على أغلب الجامعات العربية، إذ يميل المؤرّخ إلى السرد، وإلى مجاراة مشاعر الناس في تصورهم الماضي في جماليته وبياضه الناصع. كما أنّ أغلب البحوث ربما لا تعب عن إدراك قيمة التاريخ المعتمد على إشكاليات تسعى لفهم الحاضر من خلال مساءلة الماضي. بعد التقديم النظري، جمّع المؤلف بحوثه وبوّبها في ثلاثة محاور على النحو التالي:

المحور الأول: مشكلات منهجية

شمل هذا المحور ثلاثة مقالات نشرت بحسب ترتيبها في الكتاب أعوام 2005، و 2007، و 2012. وقد خصص المقال الأول لمفهوم ما قبل الاستعمار نحو تحقيب جديد. طرح فيها المؤلف على نفسه سؤال إعادة النظر في التقسيم الزمني للمغرب الأقصى من خلال مراجعة مفهوم ما قبل الاستعمار. واتبع في ذلك ما كتبه بروديل Braudel Fernand حول الأزمنة قصيرها ومتوسطها وطويلها إلى ساكنها. كما سعى المؤلف إلى مراجعة التقسيم الكلاسيكي للتاريخ (قديم، ووسيط، وحديث، ومعاصر). وهو محق في ضرورة إعادة النظر ومحق في طرح البديل، ولكن هل نجح المؤلف في ذلك؟ هذا أمر يحتاج إلى نظر. فكيف نرفض التقسيم الغربي ونستعمل مصطلحاته؟ فإذا كان التقسيم، وسيط حديث، لا معنى له في حدوده الزمنية، وربما حتى في محتواه، فالأفضل أن نتخلى عنه. ولكن ليس على المؤرّخ أن يدمج التقسيم البيداغوجي المدرسي أي (فترة ما قبل الكتابة، والفترة القديمة، والفترة الوسيطة، والفترة المعاصرة وامتداداتها إلى تاريخ الزمن الحاضر والراهن والآني) وتاريخ الظواهر التاريخية التي تخضع للتقسيم الزمني البروديلي: زمن قصير الأمد، وزمن متوسط الأمد، وزمن طويل الأمد، وزمن ساكن كما يراه لروا لاديري Ladurie Roy Le. إنّ زمن الظواهر يتغلب على الحوادث، فكثيرًا ما تعيش الظاهرة لفترات طويلة بعد وقوع حوادث مزلزلة، فتتخلخل البنى ولكنها تقاوم طويلً. فلو سحبنا فكرة العصور الوسطى الممتدة، والتي ذكرها الأستاذ حبيدة، على تاريخ بلاد المغرب أو حتى أغلب البلاد الإسلامية، وليس على المغرب الأقصى فقط، لوجدناها في وسيط متمدد. لذا لا بد أن نفرّق بين الحوادث، وهي بلا شك من المؤثّرات في كثير من الأحيان في مسار الظواهر، والظواهر ذاتها التي تخضع لتقسيم الأزمنة. فالظاهرة في حد ذاتها يمكن أن تعرف تعدد الأزمنة البروديلية وحضورها في الوقت نفسه، حتى أنّ بروديل أطلق عليها عبارة تعانق الأزمنة temps des entrelacement ' L. فالظاهرة يمكنها أن تتخطى الحدث، وتعيش بعده لس ين طويلة، إن لم يكن لقرون من الزمن. وهذا المقال على الرغم من دسامته وشحذه الفكر، فإنّه يستوجب ملاحظتين:

الأولى: أنّه يراوح بين مصطلحي ما قبل الاستعمار وما قبل الكولونيالي. وهذا في الحقيقة ما يجعل القارئ يتساءل عن الفرق بينهما، أهو فرق جوهري أم هو فرق لغوي أم هو تفرقة إرادية من المؤلف للبرهنة عن أمر ما؟ والثانية: فرض التقسيم البروديلي للزمن على مغرب ما قبل الاستعمار. فمفهوم ما قبل الاستعمار هو تحقيب بالحوادث، أي تقسيم لسهم الزمن في المغرب إلى ما قبل الاستعمار وما بعده. وهذا في اعتقادي لا علاقة له بالزمن، وإنما هو حدث من الحوادث يمكن اعتماده للفصل بين عهدين. فهل تغير زمن الظواهر الاجتماعية والذهنية والاقتصادية بعد انتصاب الحماية الفرنسية في المغرب؟ أحصلت قطيعة بين ما هو قبل وما هو بعد أم هناك تغير وتبدل بحسب تعبير ابن خلدون؟ حتى أنّ المقصود من خلال العنوان لا يبدو واضحًا في محصّلة المقال. وتناول المقال الثاني: "التاريخ القروي في المغرب الأقصى"، وهو مقال يسعى إلى لفت انتباه المؤرّخين إلى ضرورة الحفر في تاريخ القرى والبوادي، ومحاولة سبر أغوار هذه الحقول، كما أشار المؤلف إلى أهمية المخزون المعرفي الذي تركه المعمرون حول البنى القبلية والمعيش واللغات والعادات والتقاليد. وهي دراسات نفعية بلا شك، ولكنها ساهمت في التراكم المعرفي. وقارن الباحث ذلك بما انتجته المدرسة المغربية بعد الاستقلال، مقدمًا أرقامًا تفيد بما أنتج في المغرب بين عامي 1956 و 1979 (16 أطروحة)، في حين أنّه قد تمّ إنجاز 450 رسالة على اختلاف درجاتها الجامعية من عام 1979 إلى 2009. ويلاحظ أنّ المؤرّخين اقتحموا مجالات كانت تبدو كما لو أنها حكر على علماء الاجتماع والجغرافيين. وبلا شك فهذه الأعمال متفاوتة القيمة على حد تعبير المؤلف لأسباب عديدة لخصها في النقاط التالية: مسألة منهجية، وتتمثّل بصعوبة الانطلاق من الهامش لفهم المركز. ӵ ӵ خلو العديد من الأعمال المنجزة من التراكم النظري. ӵ ӵ انعدام الاستمرارية في هذا التوجه البحثي. أمّا المقال الثالث، فهو عملية بيبليوغرافية تعدادية، مع تبويب للأعمال المنجزة في تركيب تاريخ المغرب من زوايا مختلفة، اهتمت بالمواضيع الاجتماعية والاقتصادية والعلائقية، ركّز فيها على بعض الأسماء البارزة مثل محمد القبلي وعبد الله العروي وعبد الأحد السبتي. وهم ممن يعدّهم من المجددين، وممن وضعوا ربما سقفًا أصبح حاجزًا سيكولوجيًا يصعب تجاوزه على بقية المؤرّخين (ص. 68) ولئن كان أغلب المقال تعدادًا للأطاريح، فقد جاء فيه جانب مهمّ يتعلق بالمقارنة بين إنتاج الغرب الأوروبي وإنتاج المغرب. وهي مقارنة ربما تبدو غير منصفة، إذا ما نظرنا إلى التراكم المعرفي الذي حصل في أوروبا، وفي ظل أنظمة ديمقراطية وواعية بقيمة البحث والمعرفة، مقارنة بدول الحوض الجنوبي للمتوسط التي سعت إلى تدجين المؤرّخ وسلطنة الكتابة التاريخية.

المحور الثاين: بنى اجتمعية

استهل المؤلف هذا المحور بمقال حول الديموغرافيا التاريخية، وإمكانيات البحث في هذا المجال، من خلال المصادر المتوافرة قياسًا بأوروبا. فإذا كان المؤرّخ الأوروبي يستطيع أن يكتب تاريخًا جداوليًا أو سلاسليًا يعتمد على أرشيفات الكنائس التي تسجل فيها الزيجات والولادات والتعميد والوفيات على الأقل بالنسبة إلى النبلاء والأسياد، فإنّ ذلك ممّا لا تتوافر عليه المكتبات المغربية والعربية عمومًا. وقد قدم المؤلف جملة من الأرقام التي وردت في كتابات الرحالة، مبيّنًا أنها في أغلبها أرقام مضخّمة. وفي كل الحالات، تبدو دراسة الأوضاع الديموغرافيا في المغرب غير ممكنة، إلاّ أنّ ما يتوافر من أرقام وإشارات قد يسمح بدراسة الأوضاع السكانية. وهو ما سمح للمؤلف بالقول أنّ الوضع السكاني يشكو من التهرّم، فهو قليل الشباب كثير الشيوخ.

إنّ طرح مسألة الديموغرافيا التاريخية في المجال العربي وليس في المجال المغربي فحسب مسألة مهمّة، ولكنّها ليست غير ممكنة. كما أنّه توجد جملة من المصادر قد تسمح بتحويل النصوص إلى أرقام. فعلى سبيل المثال كتب الطبقات والتراجم تسمح إلى حد ما بدراسة ديموغرافيا الذكور أو ديموغرافيا النخبة من الذكور على الأقل. لذلك يمكن أن نقول إنّ الديموغرافيا التاريخية ممكنة جزئيًا. خصص المؤلف المقال الثاني من هذا المحور لدراسة المجتمع القبلي، ناعتًا إياه بأنه مجتمع متنقل. وقد برر الباحث هذه التنقلات بأسباب اقتصادية، تتمثّل بالبحث عن الكلأ. وهي حركة متعددة منها ما هو يومي ومنها ما هو موسمي ومنها ما هو دائم، إذ تنتقل قبائل بأكملها من مناطقها الأصلية أو مناطق استقرارها لتستقر في مناطق أخرى. ويشير المؤلف إلى أنّ بعض القبائل المهجّرة تستغل ضعف المخزن للعودة إلى مواطنها الأصلية. وهو ما يسمح بالقول إنّ القبائل حتى وإن كانت غير مستقرة في ظاهرها، فهي تعتمد دومًا على نقطة ارتكاز تنطلق منها وتعود إليها، ولو بعد زمن طويل. وهذا ما يمكن أن نسمّيه بالفرنسية essaimage ' d espace et ancrage ' d Espace، ويعني أنّ الترحال ليس دومًا ترحالً أبديًّا. كما أنّه يمكن أن نشير إلى علاقة السلطة بالقبائل الراحلة، فهي تحمل من ضمن ما تحمل في أغلب الأحيان ولاءها للسلطان. ويشير المؤلف إلى قلة الدراسات التاريخية في هذا الباب. وهذا أمر طبيعي نظرًا لقلة المصادر التي تُعنى بمثل هذه الفئات الاجتماعية، الأمر الذي يطرح ضرورة تغيير المقاربات في دراسة مثل هذه المواضيع كالأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيا التاريخية. وفي هذا السياق، نورد ملاحظة بسيطة تتعلق بالبناء، إذ يبدو أنّ عنصرًا قد يكون سقط من النص، وإلّ لا نفهم أن يتألّف المقال من مقدمة وعنصر واحد. وجاء العنصر الثالث ليتناول طبيعة المجتمع المغربي الذي وصفه المؤلف بأنه مجتمع عتيق النسق، عتيق الاقتصاد، عتيق التركيبة. كما تناول الباحث مسألة اصطلاحية مهمة، وهي مسألة الإقطاع والفيودالية. وهو مشكور على هذا التمييز بين المصطلحين الذين لا يرادف أحدهما الآخر.

المحور الثالث: دروب بحثية

جاء هذا المحور ليختم الكتاب. ونحن نرى، من خلال العنوان، أنّ المؤلف يحملنا إلى مجالات بحثية ما زالت لم تطرق، مثل ما سماه التاريخ والبيولوجيا. وهو في الحقيقة طرح للعلاقة بين التغذية والتطورات البيولوجية لسكان المغرب. إضافة إلى ذلك، قدم الكاتب في المقال الثاني مسألة دراسة المناخ وأثره في التطور التاريخي لبلاد المغرب. إذ تبين النصوص أنّ هناك سنوات خصب وسنوات محل، وقرونًا ممطرة على حد تعبير المؤلف، وقرونًا جافة. وأبرز المؤلف في هذا المبحث أهمية الأدب الجغرافي العربي وإمكانيات استغلاله في هذا الباب. ولعل المسالك البحثية التي يقترحها الأستاذ محمد حبيدة - وهي دروب فتحها الأوروبيون في ظل مدرسة الحوليات وألّفوا فيها الكثير - تبقى دروبًا غير مستساغة إلى حد الآن في ذهن كثير من المؤرّخين العرب، وليس المغاربة فحسب. وربما حسنًا فعل الأستاذ بسعيه للتعريف بالمسالك البحثية الفرنسية أساسًا، خاصة أنّ الشباب اليوم أحادي اللغة في أغلبه. كما أثار موضوع تاريخ المرأة، والذي وإن حظي بعديد الدراسات الاجتماعية وأهمها أعمال فاطمة المرنيسي، أو بعض المحاولات الجندرية هنا وهناك، فهو موضوع لا يزال مجهولً بحكم موقف المصادر - وهي من تأليف الرجال - من المرأة، وقلة المعلومات حول نصف المجتمع. ما يمكن استخلاصه من هذا الكتاب هو أنه صيحة فزع صوب المؤرّخين، لينظروا في منهجياتهم وفي مواضيعهم البحثية. وفي الوقت نفسه، هو سعي إلى تقريب المناهج الحديثة، الفرنسية أساسًا، والمنبثقة عن مدرسة الحوليات، من خلال طرح مسائل منهجية نظرية مع تطبيقها على مواضيع معيّنة. والكتاب، مع ما يمكن أن نقدم له من النقد، يفتح بصائر الباحثين على دروب بحثية غير مألوفة. وهو ما يعمق وعينا بالتاريخ، وما يمكّننا من تجاوز القراءات الإيجابية أو القيمية للتاريخ التي تغطيها المواقف الأيديولوجية. وينضاف

صوت محمد حبيدة إلى أصوات سابقيه ومعاصريه، لإخراج التاريخ - يحصر المؤلف قراءته في الكتابة المغربية - من الاجترار والخوف من طرق مواضيع "غريبة" Etrangetés - والعبارة لجاك لوغوف - وعدم الانفتاح على العلوم الأخرى، لأنّ التاريخ شمولي أو لا يكون. أخيرًا يبدو لي أنّ العنوان العام لهذه المجموعة من المقالات لا يتماشى والمحتوى، لأنّ المسألة ليست مسألة بؤس التاريخ، بقدر ما هي بؤس المناهج المعتمدة. التاريخ العربي لا يزال في أغلبه يكتب بالحبر الأبيض وليس فيه سواد.