حوار مع المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني
A Conversation with Lebanese Historian Wajih Kawtharani
الملخّص
تسعى "مسارات" لتعرُّف سِرَ الباحثين العرب في مجال الكتابة التاريخية، والكشف عن خبايا علاقاتهم بالمواضيع التي كرَّسوا لها أبحاثهم والصعوبات التي واجهوها، سواء كانت ماديةً، أو متعلقةً بالحصول على مصادر الخبر، أو ذات طبيعة منهاجية، كما تسعى للوقوف على درجة استفادة هؤلاء الباحثين من المدارس التاريخية المعاصرة، وانفتاحهم على العلوم الاجتماعية الأخرى. في هذا العدد، نلتقي المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني الذي ينقل لنا تجربته الخاصة مع علم التاريخ وتعامله مع المادة التاريخية. ونتعرّف أسباب اهتمامه بتاريخ الشام في العهد العثماني، وتاريخ الأفكار، وقضايا الذاكرة والتاريخ.
Abstract
Masarat (Arabic for "Trajectories") introduces Arab scholars who have made distinguished contributions through their historical writings, and reveals their relationships with their subjects as well as the material, methodological and practical difficulties they encountered. This section also reflects on the extent to which these researchers have benefited from contemporary historiographical schools of thought and their openness to the other social sciences. In this edition, Ostour introduces its readers to Lebanese historian Wajih Kawtharani, who discusses with readers of Ostour his experience of academic history and his approach to historical material. Kawtharani also uses Masarat to explain his fascination with the history of Greater Syria under Ottoman rule, the history of ideas, questions of (collective) memory and of historiography.
- وجيه كوثراني
- بلاد شام
- تاريخ الأفكار
- الذاكرة الجمعية
- الكتابة التاريخية
- أسطور
- مسارات
- Wajih Kawtharani
- Greater Syria
- The History of Ideas
- Collective Memory
- Historiography
- Ostor
- Masarat
أستاذ باحث ومدير الإصدارات بالمركز العريب للأبحاث ودراسة السياسات
-1 علاقة الباحث وجيه كوثراني بالتاريخ؟ كيف فكرت في ولوج حقل التاريخ؟ وما هي سياقات ذلك؟
عندما تستذكر ظرفًا كان له صيرورة مستقبلية لم تكن لتتوقعها حين قمتَ بخيار محدد في ذاك الظرف، لا بد أن تفكر بما كان يحيط بقرار خيارك من ملابسات وحيرة وقلق. فمن الضبابية، وربما التوهم أو خلط الأزمنة، إذا قلتُ اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا، أي نصف قرن، أنّ الهدف من اختياري اختصاص التاريخ في الإجازة هو أن أصبح مؤرخًا، أو أنني كنت محبًا للتاريخ فاخترته. صدقًا ومن قبيل تصفية صور الذاكرة بما علق به من صور لاحقة ومتراكمة طوال عقود من العمل الدائم والتجارب المتلاحقة، أقول إن اختياري لاختصاص التاريخ في أوائل ستينيات القرن الماضي، كان مهنيًا من أجل الدخول في ملاك مُدرسّي التعليم الثانوي الرسمي. وبعد أن احترت قليلً بين الفلسفة والتاريخ، وتجاذبتني بصورة عابرة اختصاصات أخرى. لكن للتذكر أيضًا أن ستينيات القرن الماضي، كانت سنوات سريان الأيديولوجيات لشباب حالم بالتغيير والتحرير والباحث عن نماذج "ناجحة" من الثورات وحركات التحرر الوطني والاشتراكية والعدالة الاجتماعية. باختصار، كانت الأيديولوجيات القومية واليسارية (بغض النظر عن المواقف منها اليوم)، تشكل أطرًا وبيئات ثقافية تتداخل مع الأطر والبيئات الجامعية والتعليمية، إذ كان بعض الشباب لا يكتفي بالدرس التاريخي الجامعي أو المدرسي فقط، بل يسعى لاكتساب معرفة مضافة من مراجع قومية وماركسية على اختلاف اتجاهاتها وأماكنها. وهي أسلحة "جدل ثقافي سياسي"، لم تكن العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن ضمنها التاريخ، بعيدة عن حلبته. في هذا الظرف، كان "ولوج حقل التاريخ" بالنسبة لي محكومًا بمزيجٍ من حالين من الممارسة والسياق الزمني: حال مهني، وهو تدريس مادة التاريخ، وحال أيديولوجي معرفي: فهم الخلفيات التاريخية لظواهر حاضرة ومعيشة. ولعلّ اهتماماتي الأولى بالبحث، أي بالكتابة التاريخية قبل أن أتوجه إلى الدراسات العليا في الخارج، كانت كتابات بصيغة مقالة أو رسالة كفاءة أو مذكرة إجازة، في موضوعات ذات دلالة وعلاقة بذاك المزاج الثقافي وسياقه الذي أتحدث عنه، من مثل: الكتابة عن الجمعيات العربية في أواخر العهد العثماني. أو الانتفاضة الفلاحية في كسروان (ثورة طانيوس شاهين 1858.) وواضح أنّ دلالات الموضوعين: ӵ ӵ إبراز الفكرة القومية العربية المبكرة. ӵ ӵ إبراز دور الصراع الطبقي في تاريخ لبنان. على كل حال، كانت هذه تمارين أولى في الكتابة التاريخية ما لبثت أن أعطتني دفعًا وزخمًا للتفكير في استكمال الدراسات العليا نحو الدكتوراه.
-2 تابعت تكوينك للدكتوراه بين الجامعة الفرنسية والجامعة البلجيكية، ف كانت ظروف هذا التوجّه، وهل سيكون لهذا التوجه ميزة على مستوى الإنتاج والبحث مقارنة بمجايليك من الزملاء؟
وفي هذه المرة أيضًا لعبت ظروف شخصية في قرار السفر إلى بلجيكا بهدف تحضير الدكتوراه في "جامعة بروكسل الحرة". كانت المكتبة الملكية في بروكسل، وزيارات إلى باريس ومكتباتها، أمكنةَ "التكوين الأكاديمي" لتحضير أطروحة بعنوان "الحركات الاجتماعية والسياسية في لبنان 1860 - 1920 "، كان ذلك بإشراف المستشرق البلجيكي ارموند آبل. سنوات ثلاث أنجزت خلالها الأطروحة، لكن للأسف توفي الأستاذ المشرف قبل المناقشة وتعذر إيجاد بديل يتبنى الأطروحة في جامعة بروكسل، فاضطررت إلى الانتقال إلى جامعة
باريس، وتسجّلت في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، التي كان يديرها آنذاك جاك لوغوف Goff Le Jacques، حيث قبلت الأطروحة - كما هي - وناقشتها لجنة مؤلفة من المؤرخين الفرنسيين المعروفين: بيير فيلار Vilar Pierre، دومينك شفاليه Chevallier Dominique، وجاك كولان في جامعة باريس الأولى. هذه هي قصتي باختصار مع الدكتوراه الموزّعة همومها بين بروكسل وباريس. والحقيقة أن استكمال "تكويني الأكاديمي" وفقًا للمصطلح المستخدم في السؤال المطروح، لم يكن حصرًا في جامعة محدّدة، لا بلجيكية ولا فرنسية. ذلك أنّ عملي مع الأستاذ آبل كان حرًا، وكان آبل بدوره ينتمي إلى المدرسة التاريخية الفيلوجية الوضعانية، إلا أنه لم يكن يتدخل إلا نادرًا في توجيهي حيث رسمت وحدي هيكلية الأطروحة وفرضياتها وبحثت عن مصادرها ومراجعها. أما إذا شئتَ أن أتحدث عن المرجعيات الأولى لهذا التكوين، فالذاكرة اليوم تستحضر عددًا مركبًا من المرجعيات التكوينية وهي لا تزال حاضرة صراحةً أو ضمنًا في كتابي الأول الذي أعدت صوغه باللغة العربية وصدرت طبعته الأولى في عام 1976 بعنوان الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي 1920 - 1860، وهذا الكتاب كان النسخة العربية لأطروحة عام 1974 التي نوقشت في باريس الأولى. أما أهم هذه المرجعيات فهي: ماركسية (موضوعية) وضمنية، تستخدم بمرونة وحرية ومن دون قوالب ستالينية ودوغمائية، ولا بد من القول إن كتابات مكسيم رودنسون Rodinson Maxime كانت لها وقعها وتأثيرها آنذاك. نزعة نهضوية عربية تراوح بين إصلاحية إسلامية وعروبية تجد مراجعها في كتابات النهضويين العرب على اختلاف اتجاهاتهم العلمانية أو الإسلامية. محاولة مراجعة للتاريخ العثماني من زاوية نقدية للصورة النمطية التي سادت في المشرق العربي، وذلك من خلال التعامل الإيجابي و "المستفز" أيضًا مع مقولة انفرد فيها المؤرخ زين نور الدين زين في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي تنظر إلى العهد العثماني نظرة مختلفة عن نظرة القوميين العرب. حتى حينه لم أكن بعد آنذاك قد تعرّفت بصورة مباشرة وكافية على كتابات المؤرخين الفرنسيين الكبار من مدرسة الحوليات. فقط كان كتاب دومنيك شفاليه مجتمع جبل لبنان إبان الثورة الصناعية في أوروبا (صدر في عام 1971، أي حين شروعي بكتابة أطروحتي)، مرجعًا مهمًا في عملي وقد أفدت منه كثيرًا، قبل أن أتعرف عليه وألتقي به في لجنة المناقشة. وهو على كل حال، ليس بعيدًا في أعماله عن توجهات مؤرخي الحوليات، ولعله كان النافذة الأولى التي أطللت من خلالها على مدرسة الحوليات. وهنا أريد أن أشدد على أنّ التكوين يبدأ ولا ينتهي، يستمر بالاغتناء من كل الروافد، ومن كل المدارس. ولذا تبدأ هنا بعد عام 1975 (عام التحاقي بالجامعة اللبنانية مدرسًا) وبعد نشر أطروحتي: الاتجاهات الاجتماعية - السياسية (1976)، محطة جديدة في مسار تكوين مزدوج: انتاجًا وقراءةً واطلاعًا. الخلاصة أن الجامعة، لا البلجيكية ولا الفرنسية، ولا قبل هذا اللبنانية، أدت دورًا مؤسسيًا (بالمعنى المؤسسي الأكاديمي النظامي ك Discipline)، في تكويني. الأصح القول إنّ المدرسة الفرنسية أو ما أضحى يسمى "التاريخ الجديد" هو الإطار الذي تفاعلت معه، وكان كتاب histoire ' l de Faire الصادر في عام 1974 في باريس، والذي اصطحبته معي إلى لبنان، مرجعًا، تعلّمت منه الكثير ولا سيما المنهج المتداخل أو العابر للاختصاصات.
-3 كيف صرفت هذا التكوين على مستوى الدرس التاريخي بالجامعة اللبنانية؟
درّست في الجامعة اللبنانية في الفترة الممتدة بين عامي 1975 و 2005، وبصورة متواصلة، بداية في معهد العلوم الاجتماعية درّست مقرر التاريخ الاجتماعي للبنان والبلاد العربية، ثم تفرّغت كليًا للتدريس في قسم التاريخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية. المقررات التي درّستها تناوبت أو تنوّعت بين المواد التالية: التاريخ والمؤرخون العرب، الدولة العثمانية، تاريخ العرب الحديث، منهجية البحث التاريخي، وفي السنوات الأخيرة تفرّغت للدراسات العليا حين انحصرت ساعات عملي في الإشراف على رسائل وأطروحات وسمينار "منهجية البحث التاريخي." هذا على المستوى الرسمي، أما بالنسبة إلى علاقتي العلمية والبحثية مع أطر الجامعة اللبنانية، في الكلية والقسم الأكاديمي (أي قسم التاريخ)، فأقول صراحة غنها كانت علاقة زمالة وصداقة، لا علاقة ما يسمى في الأكاديميات "علاقة بوسط علمي"، أي علاقة تفاعل وتداول أفكار وتجارب وخبرات. وكان لدخول لبنان في حرب أهلية طالت وامتدت على مدى 15 سنة متواصلة (1975 - 1990)، تأثير سلبي في الإدارة الجامعية وفي الثقافة وفي الذهنيات والعقليات والعلاقات الاجتماعية التي دخلت هي الأخرى في زواريب الزبائنية السياسية والأحزاب الطائفية النافذة، ولا سيما في الكليات المفتوحة، حيث لا يخضع الطلاّب لمباراة دخول أو اصطفاء (ولا سيما في معهد العلوم الاجتماعية وكلية الآداب والعلوم الإنسانية). وبقي أن نستثني عددًا قليلً من الأساتذة الجديين، ومن الطلاّب المجتهدين الذين كانوا ينتجون ويجدون، وقد برز بعضهم في مجال البحث. كان هذا الوسط القليل العدد، هو المجال الذي تستطيع فيه أن "تصرف رصيدك" فيه على حد تعبير السؤال، أي أن يجري خلاله التداول في سمينارات أو محاضرات أو مقالات، وفي كثير من الأحيان كان يتم ذلك من خارج الجامعة، عبر نوادٍ، وعبر دور نشر، وعبر صحف رصينة أفردت بين صفحاتها زاوية للثقافة والمقالة العلمية. هذا يعني باختصار أنّ التداول الفكري والقراءة والحوار، أي عملية الإرسال والتلقي والتفاعل، كانت تجري عمومًا خارج أطر الجامعة، وفي أوساط مثقفين بالمعنى العام، لا بالمعنى المختص أو المتخصص، أي في إطار مجتمع مدني ظل صامدًا نسبيًا في لبنان، وكان له صدى أو امتداد في البلاد العربية لدى قرّائها، ومثقفيها وكتّابها وباحثيها وأكاديمييها، وتأتي الندوات والمؤتمرات العربية لتعزز هذا التداول، ولا بد من الاعتراف أن ما ذكرته (الندوات والمؤتمرات كما الكتاب والصحف) كان لها دور محمود في "تعريفي" ونشر أفكاري عربيًا.
-4 ركزتم في دراساتكم الأولى على الشام في العهد العثمني. ما هي، في نظركم، السمت العامة للوجود العثمني في بلاد الشام بخاصة، والبلاد العربية على وجه العموم؟ ما الذي دفعكم إلى العناية بتاريخ الشام في العهد العثمني؟ هل هو أثر المدرسة الفرنسية؟
نعم كانت أطروحتي الأولى عن التكوين التاريخي للبنان، بدءًا من المتصرفية إلى دولة لبنان الكبير، وأطروحتي الثانية حول السلطة والمجتمع والعمل السياسي العربي في سورية العثمانية. وكنت قبل ذلك نشرت دراسة قراءة تحليلية لوثائق الأرشيف الفرنسي (الدبلوماسي بصورة خاصة) المتعلقة بموضوع "بلاد الشام: الاقتصاد والسكان والسياسة الفرنسية في مطالع القرن العشرين."
هذا ما يتعلق ببلاد الشام. والملاحظ أن مركزية النظر والبحث في هذا الموضوع تنصب بشكل أساسي على التاريخ للتحولّات الجارية في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية والفكرية خلال فترة انتقالية حرجة وصعبة وغنية بالتحولات، أي أن ثمة حالة أو حالات انتقالية من بنى دولة سلطانية تقوم على وسائط سلطة (عصبيات وأعيان ومشايخ وأمراء محليين وملل) إلى دولة تنظيمات، أو مملكة دستورية، وصولً إلى امتناع هذا الانتقال وتعثره، ومن ثمّ، تحوله إلى ميدان صراع دولي ومشاريع اقتسام وحركات مطلبية محلية لإدارات دول جديدة أو مشاريع دول في إطار سياسات مناطق النفوذ والحمايات والانتدابات (مرحلة السنوات العشرين الأخيرة من عمر الدولة العثمانية)، أي أن اهتمامي انصب على فهم أزمة السلطات المحلية (في بلاد الشام)، وأزمة التنظيمات، ومسائل الملل والامتيازات، وخلفيات ما سمي آنذاك بالمسألة الشرقية. وهذا يعني أنني لا أدّعي اختصاصًا دقيقًا بالدولة العثمانية ومجتمعاتها، بل أركز على التأريخ لكيفيات التحوّل من صيغة الدولة السلطانية في التاريخ الإسلامي، ونموذجها هنا السلطنة العثمانية، وآلية اشتغال السلطات المحلية فيها في إطار علاقة الأطراف بالمركز، وكذلك التأريخ لكيفية الاختراق الغربي للبنى الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ورسم السياسات حيالها. وهذا يعني أيضًا أن لا دخل للمدرسة الفرنسية في اختيار هذا الموضوع، لأنه، وكما أسلفت في مقدمة هذا الحوار، كانت الاهتمامات والأسئلة المعرفية المتعلقة بالدولة والسلطة والمجتمع، وكيفية حصول التحولّات وأشكالها وآلياتها وقوانينها، تشغلني وتشغل جيلي قبل ذلك ومن مواقع متعددة أيديولوجية وسياسية ولكن في إطار منهجيات وعلوم متعددة أيضًا: فلسفية أو اجتماعية أو اقتصادية أو تاريخية (أي أنها مسائل مطروحة عالميًا ولا سيما في العالم الثالث في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية ومناهجها). وهنا أعتقد أنه كان للمدرسة الفرنسية المتمثلة بأطروحات التاريخ الجديد، تأثير، وهو تأثير يتناول المفاهيم والمنهج وليس الموضوع أو الاختيار أو الاستنتاج، كما أنه كان للدراسات العالمثالية تأثير في الموضوع، وربما في المنهج.
-5 كيف تقيّمون الأعمل الفرنسية لتاريخ الشام في العهد العثمني؟
أدت الأعمال الفرنسية دورًا في عداد المراجع التي اعتمدتها مباشرة أو بصورة ضمنية (كثقافة عامة)، وهذه لا تتعلق بتاريخ بلاد الشام وحدها، أو بالتاريخ العثماني وحده، سبق أن أشرت إلى دراسات شفاليه ومكسيم رودنسون، وأضيف دراسات جاك بيرك، وموريس لومبار Lombard Maurice، وكلود كاهين Cahen Claude، وماسنيون Massignon Louis، وسوفاجيه Sauvaget Jean، ومانتران Mantran Robert وريمون وبروديل Braudel Fernand وميكل وغيرهم، الأمر لم يكن يتعلق فقط بالتأريخ لبلاد الشام أو العهد العثماني، بل بالاستفادة منها، كمراجع إذا احتاج الأمر هذا، أو كمنهج وطريقة في التفكير والتحليل والرأي، وهذا أمر يحتاجه الباحث لا من زاوية التخصص الدقيق بالضرورة، بل من زاوية أوسع؛ من زاوية النظر الشمولي والتاريخ التركيبي (العربي والإسلامي والمتوسطي العالمي) والذي من دونه، يضيع التاريخ الجزئي (Microhistory) في زواريب لا مخارج لها، مقفلة أو أنها لا تقول شيئًا ذا معنى في سياق التأريخ المجزأ؛ إذ إن الجزئي لا يكتسب معنى إلا إذا جاء مفهومًا ومفسًّا في سياق التاريخ الطويل أو الشامل والتركيبي، وهذا هو المنهج الذي أحبذه وأحاول ممارسته.
-6 وأنتم تشتغلون على تاريخ الشام في العهد العثمني، هل كنتم تستشعرون ضرورة العودة إلى الوثائق العثمنية؟
إذا كان المقصود بالوثائق العثمانية، الوثائق التركية التي كتبت في العهد العثماني، كدفاتر الطابو والسالنامات والفرمانات، فلا شك في أنها كانت تقدّم معطيات مفيدة وضرورية لدراسة الأسعار والديموغرافيا والتوزع السكاني الطائفي، ونظام الضرائب والجباية، لكن هذه المعطيات كنت أجدها في كتب متخصصة وموثوقة، ككتابات المؤرخين الأتراك خليل إينالجك، وخليل ساحلي أوغلو... ولدى بعض المؤرخين العرب كمحمد عدنان البخيت، على أن ما سمي الوثائق العثمانية لا تقتصر على ما كتب بالتركية القديمة، فإن ما كتب
بالعربية كوثائق المحاكم الشرعية وهي محاضر لأحكام اتخذها القاضي المحلي حيال مشاكل اجتماعية معيشة، وما كتب من سير وتراجم، ككتب الأعيان والأخبار والمذكرات العائدة للمراحل التي نؤرخ لها، أعتبرها أيضًا وثائق عثمانية ولعلّها بتعبيرها المباشر عن الأهلي والمحلي، هي أكثر "صدقية" أو أكثر تعبيرًا (كمعطى تاريخي) من الأرقام والإحصاءات التي تحملها الوثائق العثمانية الرسمية. تلك الوثائق الأهلية أفادتني كثيرًا في فهم طبيعة السلطات المحلية ومراتبها الاجتماعية وعلاقتها بالهرم السلطوي العثماني، فضلً عن تعبيرها عن الأفكار والذهنيات. بل ولما كنت اشتغل على مواقع التقاطع بين الأهلي المحلي والوافد الأجنبي، وأقصد بالوافد الأجنبي (السياسات الدولية، والقناصل والسلطة الأجنبية والرساميل الأجنبية، والإرساليات والخبراء والمشاريع والمرافئ وسكك الحديد وغيرها)، فإن الوثائق الدبلوماسية (مراسلات السفراء والقناصل والخبراء)، تأتي بالأهمية نفسها، لا لآرائها المعيارية، بل لأنها تكشف أشكال التقاطع (استيعابًا أو ممانعةً أو تحوّلً مع التعبيرات المحلية). وقد أفدت منها كثيرًا في كتابي: "بلاد الشام، السكان والاقتصاد والسياسة الفرنسية)، وتجدر الإشارة إلى أنني أضفت عليه في الطبعة الثالثة الأخيرة فصلً عن الصهيونية وفرنسا، اعتمادًا على مراسلات قنصل القدس لوزارة الخارجية الفرنسية.
-7 كيف تم التحول من الاهتمم بتاريخ الشام إلى العناية بتاريخ الأفكار وقضايا الذاكرة والتاريخ؟
الواقع أنني أثناء اشتغالي على التاريخ الاجتماعي - السياسي ومن خلال العودة إلى الوثائق والمصادر التي تقدم معطيات لفهم مسار الأحداث ومواقف الفئات الاجتماعية سواء كانت هذه الأخيرة طبقات أو طوائف، أو أعيانًا وزعماء أفرادًا، كنت أستشعر الضرورة للتأريخ لحيزٍ أو مستوى من الوقائع، هي "وقائع الفكر" التي تعبر عن اتجاهات رأي أو برامج، أو تحمل خطابًا ذا رسالة لرأي عام أو جمهور، لاتخاذ موقف أو للتأثير في رأي، وهذا حيز مثّله مفكرون وكتّاب وعبّت عنه مجلاّت ذات اتجاهات ومناهج ورؤى. وعند هذا المستوى من التمييز بين الواقعة الفكرية والواقعة الحدثية. كنت أستشعر مفارقةً أو تفاوتًا بين نمطين من الكتابة: كتابة المؤرخ الغارق في توصيف الوقائع وتصنيفها بمعزل عن سياقات الحدث المصيري وتأثيراته التي قد تبدّل وتغير في المراحل التاريخية وتحدد انعطافات أو انقطاعات ما بين المراحل من جهة، وبين ما يكتبه "الفيلسوف" أو عالم السياسة الغارق في الأفكار أو في المواقف بمعزل عن سياقاتها التاريخية التي تفسّها وتفسر تغيراتها. هذا الاستشعار - وفقًا لمفردة السؤال - هو وفقًا لمصطلحات علم المعرفة، وعي إبستمولوجي أولي أو منهجي لضرورة الربط بين المستويين أو بين الحيزين، حيز الحدث وحيز الفكر. هذا الوعي أدركته لحظة اشتغالي على مقالات رشيد رضا في المنار عام 1979، أي في الوقت نفسه الذي كنت أشتغل فيه على كتاب بلاد الشام من خلال الوثائق الفرنسية، ذلك أن التحولّات الراديكالية في مواقف رشيد رضا من تأييد جمعية الاتحاد والترقي بين أعوام 1908 و 1911، إلى النقمة على الحزب وسياسته بعد عام 1913، إلى تأييد ثورة الشريف حسين، إلى التخلي عن هذا الأخير، ثم تأييد تنصيب فيصل ملكًا على سورية، إلى البحث عن خلافة ضائعة في عام 1922، وصولً إلى تأييد عبد العزيز بن سعود والتخلي عن الهاشميين نهائيًا في عام 1925؛ كل هذه التحولات وخلال سنوات (نحو 15 سنة)، هي تحولات درامية لا يمكن فهمها لدى ناشط وكاتب وفقيه، كرشيد رضا، بالمزاجية أو التبدّل أو الانتهازية كما يخيل لباحث في الفكر يعالجه معزول عن سياقاته التاريخية، وكما حصل ويحصل عادةً. لقد صدر كتابي مختارات سياسية من مجلة المنار مع مقدمة عن رشيد رضا في عام 1979، لأبيّ أن وراء تحولّات رشيد رضا الفكرية، تحولّات في الأحداث، راديكالية ومصيرية ومن شأنها تغيير خرائط ورسم خرائط، وزوال دول وإحداث دول؛ فكان من الطبيعي أن تحدث هذه التحولات الموضوعية تحولّات في فكر كاتب وفقيه وناشط سياسي ورئيس تحرير مجلة إسلامية رافقت كل هذه الأحداث. إذًا، كان اهتمامي مبكرًا بتاريخ الأفكار السياسية، ولم ينقطع هذا الاهتمام، فالموضوع
نفسه عدت له موسعًا في كتاب الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في تركيا، رشيد رضا، علي عبد الرازق، عبد الرحمن الشهبندر (1996)، مع إعادة نشر لوثيقة أنقرة في التفريق بين الخلافة والسلطنة والتي كانت خطوة ممهدة لإلغاء الخلافة في عام 1924 (عنوان الوثيقة: الخلافة وسلطة الأمة.) أما اهتمامي بقضايا الذاكرة والتاريخ، فجاء متدرجًا، وذلك من خلال اهتمامي بقراءات إتنولوجية، كان الحافز لها قراءة لفي ستراوس Strauss - Lévi Claude في مجموعة مقالاته عن الإتنولوجيا والتاريخ فيالأنثروبولوجيا البنيوية (1 و 2)، ونقده للتاريخانية وحواره الضمني مع بروديل الذي حاول أن يخرج البحث التاريخي من التاريخانية ويصالح الأنثروبولوجيا من خلال نظريته في اختلاف وتائر السرعة في الزمن التاريخي والتأريخ للمدد الطويلة. بهذا تحتل الأفكار وكذلك الذاكرة - وهنا الحديث عن الذاكرة الجماعية - نصاب الزمن الطويل، أو الزمن الاجتماعي البطيء التغير. وكل هذا يطرح إشكاليات تصدّى لها جاك لوغوف في كتابه الذاكرة والتاريخ. أما بالنسبة إلى اشتغالي على هذا الموضوع، فقد اكتشفت أن العديد من النصوص التاريخية العربية وإن اتخذت شكل الأسلوب العلمي من توثيق وتبويب، لدى المؤرخ المحترف، تظل تحمل صورًا من الذاكرة، صحيحةً أو مشوّهةً، أو مزينةً، وهي غالبًا ما تقع في آفة الإسقاطات الزمنية وخلط الأزمنة، وقد عالجت بعض الموضوعات من هذا القبيل، أولً في كتاب الخطاب السياسي والتاريخ (1984)، إذ درست نماذج من الكتابات التاريخية اللبنانية الطائفية، أي الصادرة عن مؤرخي طوائف لتبيان الحيز الأيديولوجي - السياسي في تصورات ماضي الطوائف اللبنانية، وهي تصورات ذاكرة قيد الإنشاء بفعل الضغوط السياسية. وقد أعدت صوغ هذه المقالة مع إضافات وتجديد في كراس مستقل. وثانيًا في كتاب الذاكرة والتاريخ - القرن العشرون الطويل (1995)؛ إذ حلّلت بعض المقاربات التي تخلط بين مفردات الذاكرة الموروثة من زمن، ووقائع التاريخ وسياقاته المنتسبة أو الحادثة في زمن آخر. وأخذت مثالً على ذلك: حروب المتوسط والحروب الكولونيالية حيث تستخدم تعابير صليبية وجهاد من فعل وطأة الذاكرة، أما التأريخ لمسارات المصالح والسياسات ومحدداتها فيجري في حيّز آخر.
-8 الفقيه والسلطان من أهم الكتب/ العلامات في تاريخ الإنتاج التاريخي العربي سيم أنه تناول موضوعًا يهم العرب راهنًا؛ أي العلاقة بين إيران وتركيا، ما هي خلفيات ودوافع هذا التأليف؟
جاء هذا الكتاب في سياق الجدل الثقافي في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية في إيران، جدل أثير حول مقولة ولاية الفقيه العامة التي أطلقها الإمام الخميني؛ إذ أثارت بدورها لغطًا اختلط بأيديولوجيات وتفسيرات تبريرية انخرط فيها المثقفون العرب بمعرفة أو بغير معرفة. ولمّا كنت سابقًا قد اشتغلت على مفهوم السلطة في الدولة العثمانية وتحديدًا على تجلياتها في لبنان وولاية سورية، وعلى خلفياتها المندرجة في مفاهيم الدولة وسلطاتها في التاريخ الإسلامي (ولا سيما بدءًا من العصرين البويهي الفارسي والسلجوقي التركي)، فقد دفعني كل هذا للقيام بهذه المقارنة، بين نموذجين من الحكم السلطاني، النموذج العثماني والنموذج الإيراني (الصفوي بشكل خاص)، ففي هذين النموذجين علاقة تقوم بين الفقيه والسلطان أو الشاه. فما طبيعة هذه العلاقة بين الطرفين، وهل ثمة تشابه أو تمايز أو اختلاف بين التجربة العثمانية (السنية) من جهة، والتجربة الصفوية (الشيعية) من جهة أخرى. هذا السؤال يمثل إشكالية البحث الذي حاولت أن أقدم إجابات أولية عنه. أول الإجابات المعالجة في الكتاب، التشابه الكبير بين التجربتين، وهو تشابه يقع في طبيعة المؤسسة الدينية ووظيفتها التي لحظتها هيكلية الحكم في الدولتين. مع فارق أساسي هو بقاء قطاع من فقهاء الشيعة خارج هذه المؤسسة، قابعين في
حوزاتهم الدينية (كحوزة النجف) مستقلين عن الشاه أو السلطان، وناسجين علاقاتهم مع جمهورهم الشيعي على قاعدة علاقة مرجع التقليد بمقلديه. وهذه الخلفية التاريخية التي حاولتُ درسها من خلال المصادر (كتب الفقهاء والتراجم بصورة خاصة) تبين التالي: أن تشابه التجربتين يعود إلى وحدة مرجعيتهما التاريخية المتمثلة لدى الطرفين في المرجعية الإدارية والثقافة السياسية الفارسية الواحدة والمشتركة. أن آلية اشتغال الفقه (كأحكام وفتاوى شرعية)، وفي حال تحوّله إلى فقه سلطاني، هي واحدة لدى الطرفين، بل لدى كل الأطراف الفارسية والتركية والعربية. وهذا ما يفتح النقاش لا على ولاية الفقيه الإيرانية فحسب، بل على طبيعة العلاقة بين الدولة والدين أيضًا، سواء لدى الدولة التي تعتمد الشريعة، أو الأحزاب الإسلامية السياسية التي تطمح إلى الحكم باسم الإسلام.
-9 يسلط كتابكم "تأريخ التاريخ" الضوء على المدارس والمناهج، ويعتني بتطور الكتابة التاريخية ذج. ما هو تقييمكم للبحث التاريخي العربي العربية المعاصرة من خلال دراسة بعض الن في الزمن الراهن؟ وهل ترون ضرورة للاستفادة من إنجازات مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد، لا سيم أنكم تخصصون فصلً عن هذا الموضوع في كتابكم؟
الحقيقة أنّ هذا الكتاب الصادر في عام 2012، وكما تشير مقدمته، هو مجموعة من الكتابات أعدّت تباعًا، كانت نواته كتابًا مختصرًا عنوانه "مدخل إلى علم التاريخ"، وضع ككتاب مرجع تدريسي لمقرر اعتمد ليكون مادة مشتركة في كل أقسام العلوم الإنسانية في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية لتكريس المنهج التاريخي كمنهج أساسي في العلوم الإنسانية الأخرى، عندما بدأت الجامعة اللبنانية تجدد وتحدّث مناهجها (مبدئيًا)، بدءًا من عام 2000. بعد ذلك، وسّعت هذه "النواة" وأضفت لها كتابات تناولت بالعرض والنقد نماذج من كتابات تاريخية توزعت على أجيال من المؤرخين والباحثين العرب، أساتذة من الجيل الأول: أسد رستم، قسطنطين زريق، نقولا زيادة، زين نور الدين زين، ومساهمات معاصرة كنماذج لأنماط من الكتابة: التاريخ المفهومي، التاريخ - المسألة، التاريخ والفلسفة. وأهمّ ما يمكن أن يؤديه هذا الكتاب من دور وهدف، هو الدعوة للاطلاع على مسارات البحث التاريخي العربي عبر مراحله حتى اليوم وعبر دارسيه أيضًا، علمًا أن الثروة التأريخية العربية كنز لم ينضب، بل إنّ بعض حقوله لم تكتشف ولم تستخدم ولم تستثمر كما ينبغي، كموضوعات ومجالات، وأيضًا كمصادر ومخطوطات. كما أن ثمة دعوة مكمّلة، هي في تحقيق آلياتها، شرط موصل لهذا الاستثمار، وهي الإحاطة بمدارس البحث التاريخي الحديث في الغرب وتحولّاتها وعلاقتها بمدارس البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى، أي الإلمام بما أضحى يسمى المناهج العابرة، أو المتداخلة في المعرفة الإنسانية. الكتاب يحاول أن يعرّف بهذه الأمور والقضايا، ويحفّز على ولوج ما هو أبعد وأغنى وأعمق لكل المدارس، لمدرسة الحوليات وغيرها من المدارس. هذا ولا بد من الاعتراف أن الكتاب لا يدّعي تغطية لكل المدارس، كما أنه لا يدّعي أن يغطي ساحات الكتابة التاريخية العربية كلها، في أقطارها أو أعلامها. فهذه التغطية تحتاج في رأيي إلى مشروع جماعي أي فريق عمل من الباحثين يتوزعون بين مهمات بحث وفي إطار مخطط مدروس ومنسّق. لستُ في موقع يسمح لي بتقييم عادل وشامل للإنتاج التاريخي العربي، ولكن من خلال قراءاتي والتي هي جزئية بالطبع، ومن خلال متابعتي للمخطوطات التي ترد إلى قسم الإصدارات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وإشرافي على إعداد المؤتمر
السنوي للدراسات التاريخية الذي يُنظمه المركز (وقد أنجزنا حتى الآن ثلاثة مؤتمرات ونحن بصدد الإعداد للمؤتمر الرابع)، تكوّنت لدي فكرة أولية هي أن الباحث العربي الشاب بدأ يلج بنجاح مناهج المدارس الحديثة ويطرح موضوعات جديدة وفي حقول جديدة تندرج في حقول التاريخ العالمي الجديد، وتلُاحَظ هذه الانعطافة الإيجابية لدى الباحثين الشباب في بلاد المغاربة أكثر مما تلاحظ في المشرق. كذلك، فإن التأريخ للحدث - الذي شابته في مرحلة التركيز على التاريخ الاجتماعي على المدى الطويل والشامل أو التركيبي بعض الشوائب ونقاط الضعف - بدأ مع التأريخ للثورات العربية يسترجع مكانة ملحوظة ولكن بمنهجية جديدة، هي منهجية التأريخ المباشر أو التأريخ للحاضر، وهي منهجية تتجاوز الوصفية والانحباس بالحدث السياسي كما كان سابقًا أو اتباع النمط الصحافي، وإنما يتم التأريخ للحدث الراهن في سياقه التاريخي وفي أبعاده الشاملة المركبة. ولا بد هنا من التنويه بالدراسات العديدة التي أصدرها المركز في موضوع الثورات العربية، والتي تعتبر مراجع أساسية في باب التأريخ للحدث الراهن (تاريخ الحاضر.) لكن لي كلمة حول بعض أطروحات الدكتوراه العربية، وكذلك رسائل الماجستير، ويصل منها إلى المركز - بهدف النشر - العشرات، وهي أنها تنغمس في التاريخ الجزئي، أو البحث الجزئي (Micro)، حتى لتكاد تصبح تمارين أبحاث مقصورة على الدراسة الكمية أو الدراسة الوصفية، ومن دون ربطها بسياقات أو أطر أو مفاهيم، أو أبعاد تجعلها ذات معنى أو وظيفة في التراكم المعرفي أو فهم المسائل الكلية.
-11 تنظمون سنويًا مؤتمرًا للدراسات التاريخية العربية. ما هي انتظاراتكم من هذه المؤتمرات؟
مؤتمر الدراسات التاريخية السنوي، جزء لا يتجزأ من منظومة المؤتمرات والندوات الأخرى التي ينظمها المركز العربي للأبحاث سنويًا، والتي تنتظم في الهدف المركزي والمحوري للمشروع الحضاري الذي يحمله المركز كهدف ورؤية، وهو تشجيع البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والانخراط فيه (أي في البحث). والكثير من هذه الأفكار أطلقها المدير العام للمركز الدكتور عزمي بشارة، وانتظمت في آليات عمل ناجحة عبر مسؤولين حدّدوا لها بدورهم أهدافًا مرحلية وعملية انطلاقًا من دراسة واقع الأشياء وتلمس الحاجات وملء النواقص والدفع إلى الأمام في الأفكار وتطوير الآليات. بالنسبة إلى مؤتمر الدراسات التاريخية، خيار الموضوع يخضع لتلمُس نقصٍ ما في الإنتاج حوله، كما كان الحال بالنسبة إلى المؤتمر الأول حين اختير له موضوع "التاريخ الشفوي: المفاهيم والحقل والمناهج" أو مناسبة مئوية أو استذكار لحدث كان منطلقًا لطور أو أطوار في التاريخ، كما كان حال مؤتمر مئة عام على الحرب العالمية الأولى (الثاني)، أو أنه استشعار (إبستمولوجي) بضرورة ممارسة نقد لإنتاج عربي (مأزوم) أضحى من الضروري تجاوزه، وكما هو حال المؤتمر الثالث "التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كتب وكيف يُكتب؟." ماذا ننتظر من هذه المؤتمرات؟ من خلال تجربة سنوات ثلاث، أول محصلة هو رصيد التعارف بين المؤرخين العرب، من كل الأعمار ومن كل الأقطار (يشارك في كل مؤتمر نحو خمسين مؤرخًا من خارج لبنان). لكن الأهم يقع في ما يخطط له في الإعداد، بدءًا من الورقة الخلفية التي تكتب بعناية إلى الدعوات، وصولً إلى التحكيم وانتقاء الأوراق، ومن خلال هذا الجهد الهادف، ننتظر: مزيدًا من اكتشاف الكفاءات العربية الواعدة في الإنتاج التاريخي العربي. وفي هذا الصدد، يمكن التأكد من ذلك عبر الأبحاث الجيدة التي نشرت في مجلدات المؤتمرات التي انعقدت، وهي تصدر تباعًا عن المركز.
مزيدًا من تعميق الرؤية والاطلاع على ما يقوم به المؤرخون العرب في جامعاتهم وأماكن وجودهم، وممارسة النقد المتبادل عبر النقاش. تطوير البحث في حقول التاريخ العربي من خلال إخضاع أوراق المؤتمر للتحكيم والتوجيه. تحويل المؤتمر إلى مؤسسة علمية في البحث التاريخي تجمع وتؤطر المؤرخين العرب في لقاءات سنوية، وتنشر أبحاثهم في مؤلفات مشتركة لتكون مراجع في موضوعات متخصصة.
-21 أنتم من المؤسسين لمجلة أسطور، كيف تنظرون إلى هذا المشروع؟
الحقيقة أنني اقترحت فقط اسمأسطور للمجلة التاريخية وكان قد اقترح فكرتها ومشروعها في الأساس الدكتور عزمي بشارة، كما أنني قدّمت بعض الأفكار في بيانها الأول، ومن ذلك شرح معنى "أسطور" الذي يعني الكتاب والسطر كما يرد ذلك في لسان العرب، ولعلّ في ذلك دعوة لاستعادة الأصل في ما قبل استخدام مفردة التاريخ، ولكن أيضًا لإعطائها حداثة في التوجه والإعداد والتأليف والتحرير. وهي مهمات يقوم بها فريق من الزملاء بجدارة ونجاح، وفي طليعتهم نائب رئيس التحرير الصديق الدكتور عبد الرحيم بنحادة. ولهذا أعتبر أنّ مشروع أسطور، هو مشروع يستكمل مشروع المؤتمر، بل إنّ المشروعين هما رافدان لنهج من البحث التاريخي والمقالة التاريخية نتمنى أن يكبر ويغزر ويصب في المشروع النهضوي العربي الذي يعمل من أجله معهد الدوحة والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.