Return to Article Details Echoes of Ancient Myths and Rituals in Contemporary Abrahamic Religions

الأساطير والطقوس المتشابهة في الحضارات القديمة والأديان

Echoes of Ancient Myths and Rituals in Contemporary Abrahamic Religions

آمال عربيد*Amal

Arbid

الملخّص

يستعرض هذا البحث ميثولوجيا بعض الأساطير في الحضارات القديمة مع الطقوس المتعلّقة بها منذ وجودها الذي يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وتشابهها في جوهرها مع بعض المعتقدات للأديان السماوية في طقوس مختلفة قليلاً، وقد أعطتها دفق المعنى الديني لإضفاء القدسية عليها بعدم التحريف، أو الإلغاء، وإظهار أهميتها كمعتقدات سماوية غير مشتركة بآلية الطقوس الوثنية. يتناول البحث ثلاث أساطير وثلاثة طقوس أساسية، استخدمتها الحضارات القديمة كأساس وجودي لتناميها واستمراريتها، ثم يشرح كل أسطورة على حدة لكل حضارة، مثل حضارة بلاد ما بين النهرين، والحضارات اليونانية والرومانية والفارسية والصينية والهندية والمصرية، ثم يبيّن ما هو مشترك مع الأديان السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام؛ من حيث جوهر المعتقد مع اختلاف الدلالة. وهذه الأساطير والطقوس هي: أسطورة الطوفان، وأسطورة الخلق، وقصة آدم وحواء، والتطواف، والتطهير، والقرابين والنذور.

Abstract

This paper presents some of the mythology of millennia-old ancient civilizations and the rituals which accompanied these myths before exploring the significant and essential resemblance to the beliefs of contemporary Abrahamic religions. One difference is that the latter have been granted a sense of sanctity, presented as uncorrupted and incorruptible and as divinely ordained beliefs which are entirely unrelated to their “pagan” precedents. The author explores this broader truth by investigating the similarities between the three Abrahamic faiths and a set of classical civilizations: the Mesopotamian, Ancient Greek, Roman, Persian, Chinese, Indian and Ancient Egyptian. Specifically, the author concentrates on a select group of rituals and myths which exist across this spectrum of belief systems: the Creation myth, the Great Flood, the Adam and Eve myth, circumambulation/ veneration, purification, and the offering of sacrifices and atonements.

الكلمات المفتاحية:
  • أساطير
  • طقوس
  • بلاد ما بين النهرين
  • الإغريق
  • الفرس
Keywords:
  • Mythology
  • Rituals
  • Mesopotamia
  • Greek civilization
  • Ancient Persians

تمهيد

تُشكّل الحالة الإيمانية بالقوة الخفيّة جزءًا أساسيًا في تكوين فكر الإنسان وحضارته، وهي موجودة بدرجات متفاوتة عند البشر. فهي إيمانية عند بعض البشر بالرضا والتسليم، وظاهرة من خلال أعمالهم الصالحة، وقد تكون خفيةً ومنكرةً عند بعضهم، فيكون تمجيد هذه القوى ظاهريًا؛ خوفًا من القتل أو الترهيب. وقد يكون الإيمان طاغيًا على المنطق عند بعض المتدينين، وقد تكون ظواهر القوى السماوية خاضعةً للعقل وغير مسلّم بها، ومن ثمّ تتعرض للمناقشة من منطلق علمي عند العلماء والفلاسفة للبحث في أسبابها؛ مثل مسألة نشأة الخلق وأسبابه، ومبدأ الثواب والعقاب في الطوفان، أو الزلازل، أو ثورة البراكين القاذفة لنيران الحمم الحارقة. فكلّ نموذج من هذه النماذج الإيمانية بالمعتقد في الحضارات القديمة أو الأديان السماوية يحاول ترجمة هذا الشعور العامر الإيماني بمستويات مختلفة، لذا تعدّدت مظاهره وفقًا لمراحل كثيرة؛ نظرًا إلى ارتباطه ارتباطًا وثيقًا بالإطار الثقافي والبيئي الذي وُجد فيه. وهكذا، نشأت مجموعة الديانات والمعتقدات القديمة، فكانت الطقوس والأساطير، والسحر والشعوذة، ومحاولة السيطرة على القوى الخفيّة والتقرب إليها باستخدام طقوس معينة؛ كتقديم الأضاحي والقرابين. ثمّ ظهرت تباعًا الديانات البشرية؛ كالديانة الرافدية، وشرائع حمورابي، والفلسفات الإلهية اليونانية، والزرادشتية في بلاد فارس، والكونفوشيوسية، والبوذية والطاوية في الشرق الأقصى، والهندوسية في الهند، والأمونية والأخناتونية عند الفراعنة وغيرها، حتى نزلت الأديان السماوية الموحدة (اليهودية، والمسيحية، والإسلامية). ودَعت هذه الأديان إلى عبادة الله الواحد وتحريم عبادة الأوثان، وأبقت على ما لم يتناقض مع رسالات التوحيد، وحرّمت كل ما يسيء إلى جوهر الأديان السماوية.

مقدمة: يف نشوء الأساطير

اتخذت الأساطير في بدايتها المنحى التعليمي والوعظي كي تستطيع السيطرة على عقول البشر وقلوبهم، مستمدةً قوّتها من الآلهة الخفيّة الموجودة في غياهب القوى الكونية، ومجسدةً أساطيرها بأرباب متمثلة بتماثيل لها صُنعت من وحي الخيال، لتؤكد ميثولوجيتها بأسلوب عاطفي يخضع للترغيب والترهيب والثواب والعقاب، عبر آلية طقوس معيّنة ازدهرت في بلاد الرافدين، وانتقلت من خلالها إلى شعوب الدول المجاورة لها (بلاد فارس)، وصولً إلى ساحل المتوسط (الحضارة اليونانية والفينيقية)، وأفريقيا (مصر الفرعونية)، وأوروبا (الإمبراطورية الرومانية). ثمّ تطورت الأساطير إلى المرحلة العلمية في بحثها في نشوء الكون وخلق الإنسان، حتى أصبحت شرائع إلهيةً تُتوارث من ملوك العالم لتحكم بها شعوبها، ما أدى إلى استمراريتها مع طقوسها حتى بعد اعتناق شعوب تلك الحضارات الأديان السماوية التي لم تتمكن من إلغائها من فكر البشر، بل عمدت إلى تلاصق المعتقد بالأسطورة، وربما كان ذلك لانبثاقها من بلاد الشرق مَهْد الأديان السماوية وانطلاقها منها أيضًا. لذا، عمدت الأديان السماوية إلى تغيير دلالات أساطير الحضارات القديمة وطقوسها بإضفاء الطابع الديني عليها، لتصبح تشريعًا سماويًا يصعب رفضه، وبمنزلة حافز يعلِّق الإنسان بهذه الآلية لتساعده على استمرارية حياته لاقتناعه بوجود الله تعالى الواحد الأحد الذي يدبِّر أمره، ويسهِّل أمور حياته، ويحميه من البحث في الغيبيّات التي لم يجد لبعضها، إلى اليوم، تفسيرات علميةً ومنطقيةً. إنّنا كلما تعمّقنا في دراسة الأساطير والطقوس، ازددنا إدراكًا لأهميتها الإيمانية بالنسبة إلى الإنسان؛ من خلال ما يتعلق بمخاوفه من غدر قوى الطبيعة له، أو القَدر بالمفهوم الديني، وهو ما يجعله يتمسك أكثر فأكثر، على نحوٍ تلقائي، بعبادة الله مصدر المعجزات، ويتقيّد بفروض الصلاة حتى يحميه من مهالك تلك القوى. وعلى الرغم من جدّية العلماء في اكتشافاتهم العلمية لبعض مجاهلها

وتأثيراتها في كوكب الأرض وفي الإنسان، فإنّ الإنسان المتديّن اليوم متشبث بمعتقده السماوي - على تنوعه واختلافه - كما كان الإنسان عبر التاريخ، معتقدًا أنّ هذه القوى الخفيّة التي مصدرها الكواكب والنجوم في السماء قد خلقها الله وحده منذ بدء الخليقة وتكوين الأكوان؛ لتهذيب الإنسان بالثواب والعقاب، وتطويره نحو الأفضل والأرقى بتفضيله على سائر الكائنات الحيّة. فقد خصّه وحده بالعقل، وزرع الإيمان في قلبه لعبادته وشُكره على كلّ النعم التي خلقها له، فأرسل الرسل والأنبياء لتعليم البشر وهدايتهم إلى العمل الصالح ومحبة بعضهم لبعضهم الآخر، والحفاظ على خصوبة أرضهم وحمايتها؛ حفاظًا على استمرارية ذريتهم. لذا، تأتي هذه الدراسة محاولةً الإضاءة على بعض معتقدات الحضارات القديمة التي تتلاقى في طقوسها وأساطيرها ورموزها ودلالاتها مع بعض مظاهر الأديان السماوية1، مثل: أسطورة الطوفان، وقصة آدم وحواء، وشجرة الحياة المقدسة، وطقسية التطهير من حيث التعميد والتقديس والطهارة، والقرابين والنذور والتقديمات، وقد اندثر بعضها الآخر بالتدريج عبر التاريخ. ومن أهمّ هذه الأساطير والطقوس ورموزها ما يلي:

أسطورة الطوفان2

تعتقد معظم الحضارات والأديان السماوية أنّ الطوفان هو عقاب إلهي للبشر بسبب خطاياهم الكثيرة التي أفسدت الأرض، فأغرقوا بالمياه ولم ينجُ منهم إلا الأخيار والصالحون الذين عادوا لإحياء اليابسة من جديد بذريتهم الصالحة. وهذا يدلّنا على أنّ بداية الخلق نشأت من مياه المحيطات، وعلى أنّ نهايتهم أو قيامتهم تكون بإغراقهم في تلك المياه، وما الأرض سوى مرحلة لامتحانهم من الله على حُسن معاملتهم لها، بالزرع والحصاد والخصوبة، من الحبوب المتنوعة والحيوانات الأليفة التي حملوها معهم على سفينتهم لاستمرارية بقائهم على قيد الحياة. وهكذا، جاءت عملية تقديس المياه، والتطهير، والتعميد، كطقوس مرافقة لأسطورة الطوفان والمياه، على أساس مبدأ الثواب والعقاب، وقد تبعتها رمزية السمك والمياه والزرع والخصوبة.

أسطورة الخلق3

انبثقت من هذه الأسطورة أساطير كثيرة؛ من جهة كيفية بدْء الآلهة بتكوين كائناتها الحية وخلقها من الكواكب والنجوم والبحار والأراضي، وكيفية عبادتها بطرائق وأساليب مختلفة، أهمها الأساطير المشابهة لقصة آدم وحواء وارتكابهما للخطيئة بمخالفة القوانين الإلهية، وذلك بأكلهما من الشجرة المحرمة المخصصة للآلهة؛ إذ عوقبا ب "إسقاطهما" إلى الأرض حيث تزاوجَا وبدأت الذرية البشرية تتكاثر، ثمّ جاء تقديس الشجرة المحرمة وتقديم القرابين والنذور لها لاستمرارها مصدرًا للغذاء والعطاء، وجاء مبدأ الجنّة وجهنم، والخطأ والصواب. أمّا موضوع الموت والخلود والبعث، فقد اختلفت الحضارات القديمة التي آمن بعضها بالبعث والحياة بعد الموت4 في حلّ مسألته. في حين أقرّت الأديان السماوية، بوجه عامّ، بعدم خلود الجسد، وخلود الروح فقط، وأنّ الصالح منها يسكن الجنة، وأنّ ما كان منها سيئًا يُعاقب بالنفي إلى أعماق الأرض حيث تأكل أجسادَها نارُ جهنم، وما زال العلماء والفلاسفة يبحثون حتى يومنا هذا لإيجاد تفسير لبعض هذه المعتقدات5.

  1. نزيه الشوفي، كشف الحقائق التاريخية، ج 2 (دمشق: دار اتحاد الكتاب العرب، 2003)، ص 154.
  2. سهيل زكار، المحذوف من التوراة كاملً (بيروت: دار قتيبة للطباعة والنشر، 2006)، ص 345  -  346.
  3. عباس محمود العقاد، الله: نشأة العقيدة الإلهية، ط 4 (القاهرة: دار المعارف المصرية، 1964)، ص 107.
  4. نجوى مسلم "الحياة الدينية في مصر الفرعونية"، كنانة أونلاين، 27  /  7  /  2012، شوهد في 22  /  7  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 gcVk 6 g
  5. صموئيل كريمر، من ألواح سومر، ترجمة طه باقر (بغداد/ القاهرة: مكتبة المثنى / مؤسسة الخانجي المصرية،  1970)، ص  159.

لقد شهدت بلاد ما بين النهرين6 ومصر الفرعونية7 ظهور أُولى المعالم الحضارية؛ من آداب وأساطير (أي منذ أكثر من سبعة آلاف سنة)، وأصبحت هاتان الحضارتان مصدر إلهام لمعظم آداب الحضارات المجاورة، وحتى البعيدة عنها بفارق زمني يعود إلى آلاف السنين؛ كالآداب الكنعانية (1400 ق.م)8 التي طوّرتها بما يلائم معتقداتها، والإلياذة والأوديسة اليونانيتين9، ونظريات فلاسفة الإغريق، والركفيدا الهندية10، والأفستا  - الفارسية11، والسمسارا12 في عقيدة الفيدا والبوذية في الصين والهند، والأدب العبري (600 ق.م)، على الرغم ممّا بينهما من فارق زمني بعيد. هكذا تداخلت أهمّ أساطير الحضارات القديمة13 في خلق العالم وتكوينه؛ الموت والعالم السفلي، وقصص الحب (تموز وعشتار)، وقصة الخلود (غلغامش ونبتة الخلود)، وأسطورة الطوفان، وقصة الخلق لآدم وحواء، وسقوط الإنسان في ملحمة "آدابا"، والعقاب والثواب (الجنة ونار جهنم)، والترهيب والترغيب اللذان رافقهما التوحيد في عبادة الناس للآلهة، والتجسدات الإلهية ل "بوذا" متقمصًا أدوار الآلهة، وتقديس الحيوانات الأسطورية، لتتداخل أيضًا مع الأديان في الجنّ والعفاريت من خلال شكل "السفنكس" Sphinx و"السانتورات" Centaurs. سردت الأوديسة والإلياذة ملاحم أدبيةً تناولت فيها معظم هذه الأساطير السومرية والبابلية14. وقد انتقلت إليها من خلال أحداث الحرب والسلم، وعبر التجارة إلى شعوب البحر المتوسط؛ كالكنعانية، والحثية، والفارسية، والإغريقية، والرومانية، والفينيقية، والآرامية، وبطبيعة الحال من خلال الشعوب المحلية لتلك البلاد من الأكاديين، والبابليين، والآشوريين، والكلدانيين، وشعوب الجزيرة العربية، وغيرها من الشعوب والحضارات التي تمازجت مع حضارة سومر الأولى، وكانت امتدادًا لها. إذن، شكّلت بلاد الرافدين موقعًا جغرافيًا إستراتيجيًا لتلاقي الحضارات، ونقطة التقاء وتواصل في ما بين تلك الشعوب، ومصدرًا توثيقيًا لبداية التأريخ للعالم القديم، وصولً إلى العالم الحديث. فتداولت الشعوب هذه الآداب عبر كَهنتها، لتصل إلى ملوكها وجيوشها، وانجذبت لتُاثها وأساطيرها الجميلة التي تُظهر حضارتها الراقية، ومزجتها بآدابها.

أهم الأساطير والطقوس يف الحضارات القديمة المتلاقية مع الأديان

تتناول هذه الدراسة أهمّ الأساطير والطقوس في الحضارات15 القديمة ودورها في كيفية انتقال بعضها إلى الأديان، على امتدادها التاريخي والجغرافي من بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس إلى جنوب أوروبا، وبحر إيجة، والساحل السوري، وشمال أفريقيا، ودول

  1. علي أبو عساف، الآراميون: تاريخًا ولغةً وفنًا (طرطوس: دار أماني للطباعة والنشر، 1988)، ص 73.
  2. جيمس هنري برستد، صفحات من تاريخ مصر، ترجمة حسن كمال (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1990)، ص 56  -  58.
  3. أبو عساف، ص 74.
  4. حسام المنفي، "المدارس الملطية: أول المدارس الفلسفية عند الإغريق"، الحوار المتمدن، 13  /  5  /  2015، شوهد في 30  /  10  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 f 3 xbmC
  5. مهاريشي ماهش يوغي، البهاغافاد غيتا، ترجمة علي مولى (ويلتسشاير: د. ن، 1965)، ص 11  -  12.
  6. خليل عبد الرحمن، أفستا: الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية (دمشق: دار روافد للثقافة والفنون، 2008)، ص 33.
  7. المرجع نفسه، ص 14.
  8. سهيل ديب، التوراة بين الوثنية والتوحيد (بيروت، لبنان: دار النفائس 1985)، ص 31  -  33.
  9. فيليب سيرنج، الرموز، في: الفن -الأديان- الحياة، ترجمة عبد الهادي عباس، ط 2 (دمشق: دار دمشق للنشر، 2009)، ص  132  -  133.
  10. إيمان رجب الشلقاني، "ملحمتا الإلياذة والأوديسة: مكاشفة لأعماق النفوس في تقلباتها"، الرافد، 12  /  11  /  2011، شوهد في 26  /  11  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 emYt 5 M
  11. يوسف أحمد داوود، الميراث العظيم (دمشق: دار المستقبل، 1991)، ص 109.

الخليج العربي، وسلطنة عمان، واليمن، وصولً إلى الهند، مشكّلةً عمليةً هندسيةً انتقاليةً من تاريخ العالم القديم إلى عالم الأديان الجديد، متجاوزةً العرق واللغة، متأثرةً بميثولوجيتها الفلسفية إلى حدّ التشابه في بعض نصوصها، وهي: الطوفان، ونشأة الخلق، والتطواف، وقصة آدم وحواء، والطهارة والتطهير، والقرابين والنذور.

1 ي. الطوفان ف الحضارات القديمة

بدأت أولى أساطير الطوفان في بلاد ما بين النهرين، بحسب ما كشفت عنه الألواح الموجودة في خزائن الإله "نبو" Nebo إله الحكمة والمعرفة في مكتبة أشور بانيبال (668  –  663  ق.م) التي اكتشفها العالم الإنكليزي جورج سميث في خرائب نينوى عام 1900، وعلى الحجر المسمّى "سارداتا بولس" Polis - Saredta الذي يحكي عن أسطورة الطوفان16 (عام 3500  ق.م تقريبًا)، وقد سجلت أربع مدن رئيسة قديمة في جنوب العراق، هي: أور، والورقاء، وكيش، وشوروباك. وتحكي السجلات الموجودة17 أنّ الإله "إنليل" (بعل - بيل) أغرق تلك المدن بالمياه، لغضبه عليها (في عهد جمدة نصر عام 3500  ق.م تقريبًا) بسبب فسادها، وأنّه أرسل إلى نوح كاهن ثوطرس  (أوتو نيشتيم) أن يصنع له فُلكًا (مركبًا) لأنه الوحيد الذي لم يشارك في الفساد؛ لذلك نجا هو وعائلته.

الطوفان عند السومريين18

كان الطوفان رمزًا مقدسًا لأنّ فيضان نهرَي دجلة والفرات جعلهم يشُقون قنوات الري، فكان أعظم إنشاء في ذلك الوقت، سنة 4000 ق.م (رمز ثواب وليس رمز عقاب).

الطوفان في بابل19

ذُكر الطوفان ورمزيته على مسلّة حمورابي (1792  -  1750  ق.م)، "وهي شبيهة بما كُتب على حجر "ساردتا بولس"، فظهرت أسطورة الطوفان على الألواح السبعة السومرية في خرائب نينوى، بابل؛ وهي أنّ للحياة الخالدة سرًّا إلهيًّا على الرغم من أنّ إلهة الحكمة "آدابا" علّمت حكيم "أريدو"  جميع العلوم إلاّ سرّ الحياة الأبدية. وظهرت أسطورة أخرى تعتقد أنّ الآلهة أرسلت الطوفان العظيم لعقاب البشر المخطئين، وأنه لم ينجُ منهم سوى رجل واحد اسمه "تجتوح" الحارس، ولكنه خسر الخلود؛ لأنه أكل من ثمار الشجرة المحرّمة. كما وُجد نقشٌ بابلي طينيّ مفاده "أنّ الآلهة قررت التخلص من البشر لأنهم تكاثروا جدًا، وبدأ ضجيجهم يزعج الإله "إنكي" وبقية الآلهة، فكان الطوفان هو السبيل للتخلص منهم عن طريق إغراقهم والقضاء عليهم. لكنّ الإله "إنليل" أحبّ البشر، فسرّب معلومة الطوفان إلى ملك دولة سبار  "زيو سودرا" الذي سارع إلى بناء فُلك كبير للنجاة من كارثة طوفان الأيام السبعة الرهيبة، لينقذ الجنس البشري من حكم الآلهة، فنَعِم زيوسودرا بالحياة الأبدية مع الآلهة بعد الطوفان في جنّة دلمون الخالدة (البحرين اليوم)، وأعاد إلى الجنس البشري ذريته حيث انبثق من المياه إلهان، هما: "إيبسو" إله المياه العذبة و"تيامة" إلهة البحور المالحة20.

  1. فراس السواح، مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة، سوريا، أرض الرافدين، ط 13 (دمشق: علاء الدين للنشر والتوزيع، 2002)، ص  56.
  2. عبد الله حسين، تاريخ ما قبل التاريخ (مصر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 88.
  3. السواح، ص 56  -  57.
  4. سيرنج، ص 360.
  5. هيثم القيم، "ميثولوجيا الطوفان في الحضارات القديمة"!..، 21  /  6  /  2015، شوهد في 26  /  11  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 genvWm

الطوفان في الحضارة الهندية21

اعتقد الهنود عقوبةَ الطوفان؛ إذ أمَر الملك "سايتا فرايتا"، بعد أن علم بقدوم الطوفان من حكمائه ومعاونيه أن يبنوا له فُلكًا للنجاة ويضعوا عليه كل ما يلزمهم من حيوانات ونباتات للغذاء طوال مدة الطوفان. كما تجسّد الإله "فشنو" في هيئة الخنزير البري "فاراهة" لأنّه حامي البشر، لينقذ الأرض من خطر فيضان المياه. فاحتشدت الآلهة لمشاهدة الحدث في كهف أودايا جيري. وفي إحدى الميثولوجيات الهندية عن الطوفان، تلقّى الحكيم "مانو" نبأ قرب الطوفان من الإله "فيشنو"، وكان أثناء ذلك قد ربّ سمكةً صغيرةً طلبت منه الحياة، حتى كبرت وأصبحت ضخمةً جدًا، لتحرس البحار من الطوفان22. فجاء الأمر إلى الحكيم "مانو" أن يركب السفينة ويملأها بزوجين من أنواع الكائنات الحية كلّها. عندما جاء الطوفان ربط الحكيم مانو السفينة بمساعدة السمكة العملاقة التي ربّاها وأطلق عليها اسم الثعبان "فاسكو"، وكان الإله "فيشنو"23 قد تجسّد داخل هذه السمكة الكبيرة ليستطيع إنقاذ بلاد فيفسفاتا من الطوفان، وهكذا ظنّ العالم أنّ السمكة الكبيرة أنقذتهم من الطوفان، وأصبحت رمزًا كونيًا مرتبطًا بفكرة شريعة الأسماك التي تشابه بموضوعها شريعة الغاب "القوي يأكل الضعيف"، والإله "فيشنو" بمنزلة النبي في تعاليم "الفيدا" المقدّسة عند الهنود كما هو الشأن بالنسبة إلى "نوح" Noah في الأديان السماوية. يُضاف إلى ذلك قصة الحوت الذي ابتلع النبي يونس، وهي قصة استمرت مع الأديان، ليخرج منه وينقذ الناس من الضلال.

الطوفان عند الإغريق

تنبّأ والد ملك ثساليا بأنّ الطوفان مقبل، فأخبر ابنه بأنّ عليه النجاة من الطوفان، فبنى ملك تساليا له سفينة ونجا مع عائلته24.

الطوفان عند الفُرس

يرمز الماء في الميثولوجيا الفارسية إلى العقاب، أحيانًا، كما أنّ له دلالة على الحياة والبعث والتجدد. ويُذكر أنّ الإله "أهريمان"25(إله الشر) غضب من فساد البشر الذي يعمّ العالم، فقرر أن يعاقبهم ويطهّرهم من الذنوب والفساد، فأرسل عليهم الطوفان وأغرقهم بمياه "أردفي"؛ أي النهر في الديانة المزدكية26، لتطهيرهم من ذنوبهم.

الطوفان عند المصريين

يعتقد المصريون الفراعنة27 أنّ العالم انبثق من المياه، وأنّ الخليقة منها جاءت، إذ يعمّ فيضان النيل الأرض المصرية كلّ عامٍ، فتنتعش بالماء وتعود الخصوبة إلى الحياة النباتية. وهكذا تتمّ دورة الحياة كالمياه، وتُقام لها الصلاة لاعتقادهم أنّ الماء هو نقطة المركز لدائرة التكوين بالنسبة إلى الأرض والكائنات الحية التي تعيش عليها. كما كانوا يحتفلون بموت "أوزيريس" ولقبه إله النيل المبارك

  1. Oppi Untracht, Tradition Jewelry in India (London: Thames & Hudson, 2008), pp. 308  -  312.
  2. ثروت عكاشة، موسوعة تاريخ الفن: العين تسمع والأذن ترى، الفن الهندي (القاهرة: دار الشروق، 2005)، ص 95  -  100.
  3. جيلبير دوران، الأنثروبولوجيا: رموزها، أساطيرها، أنساقها، ترجمة مصباح العمد (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1993)، ص 194.
  4. فاروق الدملوجي، تاريخ الأديان (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 2004)، ص  391.
  5. سيتون لويد، آثار بلاد الرافدين في العصر الحجري القديم حتى الاحتلال الفارسي، ترجمة سامي سعيد الأحمد (بغداد: مطابع دار الحرية، 1980)، ص  43.
  6. دوران، ص 203.
  7. سيرنج، ص 350  -  351.

كل عام، ويرمزون إلى موته بارتفاع النيل وانخفاضه؛ أي موت الأرض وحياتها، كما اعتقدوا أنّ الإله "سيت" Sett جفف الأرض بقتله أوزيريس، وأعادت الآلهة الكبرى إليه الحياة بفيضان النيل على الأرض، فأخصبها بالشجر والحيوانات والبشر.

2 ي. الطوفان ف الأديان السموية

الطوفان عند اليهود

"وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات، أنّ أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساءً من كل ما اختاروا" (سفر التكوين، الأصحاح 6: 1  -  2). "ورأى الرب أنّ شر الإنسان قد كثُ في الأرض، وأنّ كل تصوُّر أفكارِ قلبِه إنما هو شرير كل يومٍ. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسّف في قلبه. فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائمَ ودباباتٍ وطيورِ السماء، لأنّ حزنت أني عملتهم" (سفر التكوين، الأصحاح 6: 2  -  7). فقال الله لنوح: "اصنع لنفسك فلكًا من خشبِ جُفْرٍ. تجعلُ الفلك مساكنَ، وتطليه من داخل ومن خارج بالقار" (سفر التكوين، الأصحاح 6: 14). "فها أنا آتٍ بطوفان الماء على الأرض لأهلُِك كل جسد فيه روحُ حياةٍ من تحت السماء. كلّ ما في الأرض يموت. ولكن أقيم عهدي معك، فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك. ومن كل حي من كل ذي جسد، اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكرًا وأنثى. من الطيور كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها. اثنين من كلٍّ تدخل إليك لاستبقائها" (سفر التكوين، الأصحاح 6: 17  -  20). "لأني بعد سبعة أيام أيضًا أمطر على الأرض أربعين يومًا وأربعين ليلةً. وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته" (سفر التكوين، الأصحاح 7: 4). غمر طوفان الماء كل العالم مدة أربعين يومًا وليلة، وأُنقذ نوح ومن معه من أبنائه (سام، وحام، ويافث)28. وبعد مئة وخمسين يومًا، انحسرت المياه، واستقرت الفُلك على جبال أرارات. وبعد مضيّ أربعين يومًا فتح نوح طاقةً في الفلك، وأرسل الغراب فخرج مترددًا، ثمّ أرسل الحمامة ليرى هل انخفضت المياه، فرجعت إلى الفلك، ثمّ أعادها فحملت ورقة زيتون خضراء. وبعد سبعة أيام أرسلها، فلم تعد. فعلم أنّ المياه انحسرت. فكشف نوح غطاء الفلك، وأصعد محرقات البخور على المذبح. فشمّ الرب رائحة الرضا، وبارك الرب نوحًا وبنيه وابتدأ نوح حياته فلاحًا. وقال أحد علماء الآثار إن قصة الطوفان التي دوّنها كتاب التوراة لم تكن أصيلةً، وإنما هي من المبتكرات السومرية التي اقتبسها البابليون من سومر، ووضعوها في صيغة الطوفان البابلي30.

  1. Samuel Noah Kramer, In the World of Sumer (Wayne State: Wayne University Press, 1988), p.  240.
  2. 29  الدملوجي، ص 391.

الطوفان عند المسلمين

أكد الإسلام، من خلال القرآن الكريم، أنّ الطوفان جاء في منطقة محددة وليس في العالم كلّه، وأنه خاص بقوم نوح فقط31. يقول الله تعالى: ﴿ولقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَ قَوْمهِفلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سنَةٍ إِلَّ خَمْسِينَ عَامًا فأَخذَهمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 14). ويدلّ هذا الأمر على أنّ المياه رمزٌ لعقاب المذنبين أيضًا. وفي هذا السياق، نذكر قوله تعالى: ﴿كذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 105)، وقوله: ﴿فَأ نْجَيْنَاهُ ومَنْ معَهفِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ (الشعراء: 119  -  120)، وقوله أيضًا: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وجعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وأَعْتَدْنَا لِلظَّالمِينَ عذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفرقان: 37).

قصة الخلق

1 ي. الخلق ف الحضارات القديمة

أسطورة الخلق في بلاد ما بين النهرين32

عُرف إله النهر عند السومريين والأكاديين بالإله "أوها"، أو "ياوه" أو "يهوه"؛ أي "جوشوا"، أو "ياه"، أو "آيا" أو "يا أهيه"، أو "أهوا"، وهي صفات متعددة للإله الواحد، وعُرف أنه كان يجلس على كرسي على سطح الماء بعد أن قتل جدّه "إيبسو"، وأنّه بنى معبده فيه "إي ساكل". وكان الإله "إنكي" أحد أهمّ أركان الثالوث الإلهي المقدس البابلي (آنو - إنليل أو بعل - آيا) ابن الإله "آنو" وزوجته (دام كينا) وأنجبَا الإله "مردوخ" (أو "مردوك") في أعماق المياه، فأحبّ البشر وعمل على إنقاذهم، ووضع الإله "آيا - إنكي" كرسيه على الماء.

أسطورة الخلق عند السومريين

يُعدّ السومريون33 أقدم من وضعوا أسطورة الخليقة وأصل الوجود، وكانوا يعتقدون أنّ المحيط هو البحر الذي تولّدت منه الكائنات ثمّ خلقت السماء والأرض وغيرها، وأنّ "البحر" (وهو مذكر)، و"تيامة" (عنصر الماء المؤنث)، تزاوجَا، فولدا "آن"  إله السماء و"كي"  Kee إلهة الأرض، ثمّ تزاوج الإله "آن" والإلهة "كي" وأنجبا الإله "إنليل" إله الهواء لينير طريق الظلام لأبيه، وأنجب "نينا" الإله "أوتو"، وهو الإله "شمش"34؛ أي إله الشمس، وأشرق نورًا أكثر من أبيه، ثمّ إنّ الإله "إنليل" اتحد بأمه "كي" إلهة الأرض، ليثمر اتحادهما ظهور الحياة والحيوان والنبات على سطح الأرض بمعاونة جميع الآلهة.

أسطورة الخلق عند البابليين

يعتقد البابليون35، كما يعتقد السومريون36، أنه لم يسبق الخليقة أرض أو سماء ولم يكن يوجد سوى الظلام الدامس أو العماء أصل المادة، ومنه انبثقت المياه الأولى، فوُلد منها إلهان "إيبسو" (عنصر الماء العذب الذكر)، و"تيامة"، ومنهما توالدت الآلهة الكثيرة،

  1. الدملوجي، ص  391.
  2. سيرنج، ص 380  -  382.
  3. الدملوجي، ص 380.
  4. أندريه إيمار وآخرون، تاريخ الحضارات العام: الشرق واليونان القديمة، ج 1 (بيروت: دار عويدات للنشر والطباعة 2003)، ص  179.
  5. أسامة عدنان يحيى، "كيف خلق الكون... نظرة في أساطير بلاد الرافدين"، حضارات قديمة، 31  /  10  /  2014، شوهد في 30  /  10  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 gHdyST
  6. ويل ديورانت، قصة الحضارة: السومريون، ترجمة زكي نجيب محمود (بيروت: دار الجيل، 1998)، ص  223  -  234.

رمز المادة الأساسية. ويعتقدون أنّ الآلهة القديمة تصارعت مع الآلهة الجديدة، فقتل الإله "آيا" أباه الإله "إيبسو"37، وكوّن من جسم والده القتيل مياه المحيط والبحر السفلي، ثمّ تولّدت منه الأرض للخصوبة، وبنى معبده وسط الماء وسمّاه "إي إيبسو". أمّا الإله مردوخ ابن الإله "آيا"، فقد قتل الأم العاتية "تيامة" وقطعها إلى نصفين: النصف الأول السماء، وهو الأعلى، وخلق فيه الكواكب السبعة، والبروج، والشمس والقمر، ورتّب الكون ونسّقه بنظام دقيق، ثمّ قسّم الكهنة الأسبوع إلى سبعة أيام على نهج خلق الكواكب السبعة وجاء، مقارنةً باليهود اليوم الذين يعدّون اليوم السابع مقدسًا. أمّا النصف الثاني وهو الأسفل من جسمها، وكان أرضًا، فخلق عليه جميع الكائنات الحية.

نشأة الخلق عند الفُرس

عرفت الإلهة "أناهيتا"38 بنبع ماء الحياة، ويعتقد الفُرس أنّ الإله "ميثرا" وُلد بالقرب من جدول ماء وهو رمز البعث والتجدد والخلود؛ لأنّ الماء39 سبب لبداية أحداث الكون ونهايته.

أسطورة الخلق عند الفراعنة

اعتقد الفراعنة أنّ أصل الوجود والخليقة هو بيضة عملاقة طفت على وجه البحار، فخرج منها إله الشمس وانبثق منها الإله "شو"، وإله الفضاء "تفنوت"، و"توت" إله السماء، و"جب" إله الأرض، فتزاوجت بعدها الأرض بالسماء وولدَا الكائنات الحية جميعها، وكانت روح الإله "آمون" تطوف من بين أرواح كثيرة في الفضاء، فخلق الأرض والسماء والبشر وكلّ شيء. أمّا الإله "آتون" (الشمس)، فكان وحده مشرقًا في المحيط المظلم. فخلق الآلهة والبشر وكلّ الكائنات الحية والكواكب والأرض. والإله "أونو"40 هو إله الماء الأزلي مصدر كل شيء ويمثل المحيط الذي يغلف العالم وسيد الأسماك، وهو أول العناصر الثمانية في تكوين الخلق، وفي أسطورة أوزيريس وإيزيس41؛ حيث تلعب عقدة الصياد ورمز البحار (السمكة) بالطفل الصياد الذي يرى جثة والدة إيزيس، وتبتلع السمكة جثة أوزيريس وأعضاءه الأربعة عشر (رمز الخصوبة والولادة)، ورمز الأم والابن والأب (الثالوث المقدس). وكانت طقوس أوزيريس في مصر تقتضي تشكيل بيضة من التراب أو الطحين المعجون بالطيب، كما أنّها تقتضي تقديس العجل لأنه ينتج روثًا تولد منه الديدان، وتجعلها أعشاشًا لها (رمز للخلق بعد الموت)، وتقتضي تقديس الجعران أيضًا42، ورمزه الإله "خبري" الذي يضع بيضه في روثه ويدحرجه إلى الخلف حتى يستقر في مكان آمن يفقس فيه (رمز للبعث والتجدد). وأصبحت البيضة رمزًا لولادة الكون والحياة والبعث من جديد، ويُستخدم الجعران أيضًا تعويذةً43 حاميةً من الشرور، ويُستخدم كذلك لجلب الحظ بالنسبة إلى الأحياء، وللحماية من القرين بالنسبة إلى الأموات.

  1. يحيى.
  2. دوران، ص 207.
  3. لويد، ص 43.
  4. أنطوان زكري، تاريخ مصر القديمة: الأدب والدين عند قدماء المصريين (القاهرة: مطبعة المعارف،  1923)، ص  65.
  5. دوران، ص 193.
  6. جيمس هنري برستد، ص 53.
  7. Egyptian Treasures from the Egyptian Museum in Cairo (Cairo: Egyptian Museum Publisher, 1999), p.  220.

الخلق عند الهنود والصينيين

يرى كلّ من الهنود والصينيين أنّ نشأة خلق الكون من البيضة الذهبية44 التي كانت تطفو على سطح البحار فانفجرت وتناثرت منها الحياة، وكان الإله براهما هو الذكر والأنثى، الأب والأم بالنسبة إلى جميع الأحياء. فهو مبدأ كل شيء ومنه ظهر كل شيء حيّ؛ كظهور الشجرة من النواة، وهو جوهر العالم وأساس مبدأ الوجود. وقد أُنشئ معبد "قبثة" في شكل بيضة، ويُعرف ب  "الستوبة"، وهو ممرّ للحجاج حيث يطوفون حوله. ويؤدي هذا الطقس المؤمنون ب "بوذا"، ومن أجل ذلك، أُقيم هذا المعبد في القرن الأول الميلادي45. وقد عُدّ معبد "الستوبة" رمزًا مقدسًا لعبادة الإله "شيفا"، حيث يؤمّه المؤمنون ويقومون فيه بعدة طقوس ويقدمون له التقديمات كل سنة. وتجسِّد الميثولوجيا داخال "الستوبة" أنواعًا مختلفةً لحياة "بوذا" وتقمصاته في الدنيا، وقد عرفت ب "ستوبة سانشي"، وتمثل ولادة بوذا حيث يجلس الإله "مايا" فوق زهرة اللوتس في البحيرة الذهبية ويتطهر في نهر الغانج، قبل الاعتراف والتبشير بولادة بوذا الذي حمته الأفعى الأسطورية من مياه الأمطار حتى لا يغرق. كما يعتقد الهنود أنّ نهر الغانج46 أساس خلق الكون عند الهندوس، وأنّ تجدد المياه يعني البعث من جديد، حيث يلقون رماد موتاهم في النهر، لتبعث أرواحهم، ولتكون رمزًا للخلود والحياة الجديدة، كما يعتقدون أنّ نهر الغانج هبط من السماء كإله النهر "جانجة"، فاستقبله الإله شيفا ليتعلق بجدائله الطويلة التي تشبه السلسلة، حتى لا يرتطم بالأرض ويدمرها.

2 ي. الخلق ف الأديان السموية

الخلق عند اليهود

بحسب قصة الخلق عند اليهود، فإنّ الله قضى على الغمر المائي وهو أول موجودات الوجود كمحيط أزلي مظلم يشبه وحشًا خرافيًّا عظيم سمّته "الواياثان"، وهو التنين ذو الرؤوس المتعددة، ويشقّه الله "يهوه" إلى نصفين ويصنع منهما السماء والأرض، ثمّ استمر على أمر الخلق ستة أيام استراح بعدها الرب من عناء عمله في اليوم السابع وجلس على العرش. "وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه [...] وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلً بين مياه ومياه، فعمل الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والتي فوق الجلد، وكان كذلك، ودعا الله الجلد سماء"47. وتتألف قصة أسبوع الخلق48 من ثمانية أوامر إلهية، نُفذت في ستة أيام وتبعها يوم سابع للراحة: "في البدء خلق الله السماوات والأرض وكانت الأرض خربةً وخاليةً وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه وقال الله ليكن نور فكان نور" (سفر التكوين، الأصحاح الأول: 1  -  3). في اليوم الأول: خلق الله النور وهذا أول أمر إلهي (ليكن نور). وفصل النور عن الظلمة فسمّى "النهار" و"الليل". وفي اليوم الثاني: خلق الله الجلد، وهذا ثاني أمر (ليكن جلد)، ليفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وسمّى الجلد "السماء" (سفر التكوين، الأصحاح الأول: 1  -  31؛ سفر التكوين، الأصحاح 2: 1  -  3) في بدء خلق السماوات والأرض. وهكذا نجد تقاربًا في عملية

  1. عكاشة، ص 95  -  97.
  2. المرجع نفسه، ص 99  -  100.
  3. Jean Filliozat, L'Inde Classique, Manuel des Etudes Indienne , vol.  11 , 2 ème edn. (Paris: FEO, 1985), pp.  711  -  712.
  4. زكار، التوراة، ص 230  -  234.
  5. المرجع نفسه، ص 202.

الخلق؛ ذلك أنّ الله خلق المياه والبحار أولً، ثمّ السماء وما تلاها من كواكب ونجوم، ثمّ خلق الأرض، فالإنسان. وترمز البيضة إلى البعث من جديد (عيد الفصح اليهودي)، وفي الحضارات القديمة. وترمز الشجرة49 إلى بداية الحياة (الخير) ونهايتها بالموت (الشر)، ثمّ إلى يوم الميعاد والحساب بالثواب والعقاب، وتعاقب دورات الحياة المختلفة بالنسبة إلى الشجرة مشابه للدورات الزمنية لدورات حياة الإنسان50، وهي ترمز إلى ولادة نبي اليهود إبراهيم أيضًا، ووتد هيكل سليمان رمز الكبالا "شجرة الكرمة".

الخلق عند المسيحيين

"وأَقسَم بالحي إلى أبد الآبدين، الذي خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها والبحر وما فيه: أن لا يكون زمان بعدُ" (سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، الفصل 10: 6). "دعا بولس عابدي الأوثان إلى ترك هذه الأباطيل (الأصنام) والرجوع إلى الإله الحيّ الذي صنع السماء والأرض والبحار وكلّ شيء فيها. إذا كان الله قد خلق الحياة، فلا بد أن يكون حيًّا، الله هو الإله الحي، لكنّ الأصنام لا تمتلك هذه القدرة"51. الماء هو الأمّ، بطن الطبيعة الدائمة العذرية، الأبدية الخصوبة، هي المياه الطبيعية ويرمز بذلك إلى الأم مريم العذراء والدة يسوع المسيح، وقد لقِّبت ب "القمر الروحي" و"كوكب البحر" و"ملكة المحيط". وينادي المسيح السامريين52: "من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية" (يوحنا، الفصل 4: 14). ويسمع يوحنا في سفر الرؤيا الكلمات التالية أنّه يُعطي من ينبوع ماء الحياة مجانًا (سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، الفصل 21: 6). ثم يصف لنا نهر الحياة الذي ينبع من عرش الرب والحمل (رمز المسيح)، (سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، الفصل 22: 1). وترمز الآبار أيضًا إلى الروح القدس مصدر الماء الحي للمسيحيين أو ينبوع الحياة53 في القرن الثالث عشر ميلاديًا.

الخلق عند المسلمين54

وردت عدّة آيات في القرآن تتحدّث عن الخلق، منها: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلقَ السَّمَاوَاتِ وَالرْضيَّامٍ وكَانَ عَرْشهُ ع فِ سِتَّةِ ألَ الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمدَلً﴾ (هو: 7). ﴿يَوْمَ تُبدَّلُ الرْضُ غَيَْ الرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (إبراهيمَ: 48). ﴿ثُمَّ اسْتوَى إِلَ السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (فصلت: 11). ﴿وَهُوَ الَّذِي خلقَ السَّمَاوَاتِ وَالرْضَ يَّامٍ وكَانَ عَرْشهُ﴾ (الحديد فِ سِتَّةِ أَ: 4). ﴿ثُمَّ اسْتوَى إِلَ السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فقَالَ لهَا وَلِلَْرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ (فصلت: 11).

  1. André Lemaire, Les écoles et la formation de la Bible dans l'ancien Israë l (Paris: Fribourg/ Göttingen, 1981), p. 110.
  2. دوران، ص 324.
  3. المرجع نفسه، ص 204  -  205؛ (سفر أعمال الرسل، الفصل 14: 14  -  15.)
  4. Peter Fox, Text and Script ,  2 nd edn. (Dublin: Library Dublin, 1990), p. 112.
  5. George Anderson, The Insular Gospel (London: Thames & Hudson, 1987), pp. 300  -  307.
  6. إيمار وآخرون،   تاريخ الحضارات العام: القرون الوسطى، ج 3، ص  117  -  120؛ وانظر: الدملوجي، ص  656.

قصة آدم وحواء

1 ي. آدم وحواء ف الحضارات القديمة

قصة آدم وحواء عند السومريين، قصة الخطيئة الأولى

وجد المنقبون وعلماء الآثار في العراق نقشًا سومريًا في شكل (ختم أسطواني)، يسرد قصة آدم وحواء منقوشة بطريقة تشكيلية، حيث يُصَوّر رجل على رأسهِقلنسوةً أو "قرني"، وامرأة حاسرة الرأس، وهما في حالة جلوس فوق كرسيين متقابلين وبينهما شجرة نخيل (شجرة الحياة المحرمة)، وكلاهما مادٌّ يده نحو جذع التمر المتدلي من النخلة الذي يُقابلهُ. وتظهر الحية واقفةً منتصبةً خلف المرأة، مغريةً إياها بالأكل من التمر وإطعام حبيبها، من دون أخذ موافقة الآلهة.

قصة آدم وحواء في الأسطورة البابلية55

تحولت جزيرة دِلمون قديمًا (البحرين اليوم) إلى جنّة بعد اتحاد الإله إنكي بالإلهة الأم الأرض "نينهورساج" التي غضبت من زوجها إنكي؛ لأكله ثماني نبتات مقدّسة ومحرّمة، فألقت عليه بلعنة الموت قائلة: "إلى أن يوافيك الموت لن أنظر إليك بعين الحياة". وحلّت اللعنة على كل المياه والمحيطات؛ لأنّ إنكي يُمثِّل إله المياه. وهكذا شحّت المياه، ولم يتبقَّ للأرض من مياه تشربها، ولم يستطع إنكي ريّ الأراضي وإنبات المزروعات فعمّ الجفاف والقحط والمجاعة كل العالم. توسط كبار الآلهة لإقناع نينهورساج بالعفو عن زوجها إنكي؛ لأنها الوحيدة القادرة على شفائهِ، فقبلت وساطتهم وخلقت لشفاء أمراضه الثمانية آلهةً بعددها وكانت أبرعهنّ الإلهة التي أزالت الألم من ضلع صدرهِ، فأبرأته وحدها، من بين الآلهة الثماني، وهي تُسمّى "نن تي"؛ أي سيدة الضلع بالسومرية، وتدل على الحياة؛ أي السيدة التي تُحيي. لذا، نراها في الأسطورة تقوم بشفاء ضلع الإله المريض إنكي. هكذا، توارثت الشعوب هذه الميثولوجيا، ثمّ انتقلت معها عبر الأديان السماوية، وقد جاء فيها أنّ المرأة وُلدت من ضلع الرجل؛ بمعنى أنّ حواء وُلدت من ضلع آدم. وورد في الحديث "استوصوا بالنساء خيرًا فإنّ المرأة خُلقت من ضلع، وإنّ أعوج شيء من الضلع أعلاه، فإنْ ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء"56.

قصة آدم وحواء عند البابليين57

كانت الآلهة في هيئة البشر بأرواحها، وكانت قواها كبيرةً، لأنها هي التي خلقت أبا البشر "لولو"  من دم الإله المذنب "كنكو" قائد حرب الإلهة "تيامة"، بعد أن مزجته بالتراب، وخلقته على صورتها، فحمل صفاتها ليعبدها في الجنة ويخدمها ليؤمّن لها مؤونة العمل والحياة. ويُعدّ هذا جزاءً أبديًّا على أبي البشر "لولو" يقدمه للآلهة مع أبنائه مدى الحياة؛ لأنّ زوجته أكلت من الكرمة المحرّمة

  1. الحكيم البابلي، "جذور اقتباسات الأديان التوحيدية: الجزء الأول"، الحوار المتمدن، 17  /  8  /  2011، شوهد في 14  /  7  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 g 01 kjL
  2. رشيد كهوس، "هل خلقت المرأة من ضلع أعوج؟!"، الألوكة، 4  /  10  /  2009، شوهد في 30  /  10  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 fHO 4 SL
  3. البابلي.

شجرة معرفة الخير والشر الخاصة بالآلهة والمحرّمة على البشر، فطُردت مع "لولو" المخلوق من الطين، وعاشَا على الأرض وأخصباها بالبشرية والمزروعات.

قصة آدم وحواء عند الفُرس58

تقول الأسطورة الفارسية عن خلق آدم وحواء: إنّ الإله الكلّ القدرة (أهورا مزدا) إله الديانة الزرادشتية خلق "غايومارت" الذي عاش  ثلاثة آلاف عام روحًا بلا جسد، ثمّ تحوّل إلى شاب وسيم، وبعد أن عاش ثلاثين سنةً إنسانًا، قام الشيطان "أهريمان" بتسميمهِ وقتلهِ، بعد تحريض من جي Gee العاهرة التي تزاوجت مع "غايومارت" على الرغم منه، ومن بذرته نمَت كل البشرية التي أتت من أب وأم "ماشي" و"ميشان" (مثل آدم وحواء) وقد تركا عبادة "أهورا مزدا" إله الخير وتبعَا غواية الشيطان "أهريمان"، لِذا حكم عليهما الإله "أهورا مِزدا" بالعذاب الأبدي في الحياة على الأرض.

2 ي. آدم وحواء ف الأديان السموية

قصة آدم وحواء عند اليهود

ذُكرت هذه القصة في التوراة (سفر التكوين، الأصحاح 3: 1  -  14). و"الثعبان هو الفردوس الأرضي مع بقائه أكثر الحيوانات مكرًا، وهو رمز الشر، والشيطان بثوب ثعبان الذي أغوى حواء لتلقّب بذنب التكبر، وهو أكبر من كل الذنوب لأنها سمعت نصيحة الشيطان وخرقت القانون الإلهي"59. وتفسير قصة الثعبان وحواء أنّ الله حرّم على الإنسان أن يأكل ثمرة شجرة معرفة الخير والشر، هو مفهوم حسي متعلق بالسعادة والشقاء. أمّا الأكل من الشجرة، فهو تجربة هذا الشقاء الذي يرمز إلى الموت، لكنّ الشجرة ترمز إلى الحياة؛ لأن الله يرمز إلى الخير ولا يعطي إلاّ الخير، كما يرمز إلى حواء بالخطيئة لأكلها التفاحة من الشجرة بعد أن أغواها الشيطان الذي اتخذ جلد الثعبان، والذي امتحن إيمانها بالله. وتشككها في إيمانها دفعها إلى ارتكاب الخطيئة والسقوط إلى الأرض مع آدم لإنتاج البشرية60.

قصة آدم وحواء عند المسيحيين

رُمز إلى الشيطان عند المسيحيين بالثعبان مع آدم وحواء، وظهر ذلك في بداية التبشير المسيحي، كما مُثِّل المسيح مصلوبًا على شجرة يلتف على أسفل جذعها ثعبان حيث يوجد آدم وحواء. وفي بعض الأناجيل، ترمز الشجرة إلى رؤى القديسين عن أسطورة الأشجار الثلاث أو الأقمار الثلاثة: "عندما يصعد النبي شيت إلى السماء ليطلب الغفران لأبيه آدم يرى ثلاث رؤى، في المرّة الأولى يرى شجرةً يابسةً على حافة نهر، في الثانية ثعبانًا يلتف حول جذع شجرة، في الثالثة تنمو الشجرة61 وتكبر لتبلغ السماء وهي تحتضن مولودًا بين أغصانها، ثمّ يعطي الملاك شيت ثلاث بذور من الشجرة المحرّمة التي أكل منها والداه (آدم وحواء)، من تلك البذور الثلاث تنبت الأشجار التي بذرت الخلائق والتي يصنع منها صليب العذاب"62.

  1. أرنست بابلون، الآثار الشرقية، ترجمة مارون عيسى الخوري (طرابلس- لبنان: دار جروس برس/ دار حكمت شريف، 1987)، ص 113  -  116.
  2. سيرنج، ص 125  -  126.
  3. دوران، ص  295  -  296.
  4. Susan Lewis, Sacred Calligraphy: The Chi Rho Page in the Book of Kells (New York: Fordham University Press, 1980), pp.  135  -  150.
  5. Karl Otto, Werckmeister (Berlin: Tats, 1967), pp.  300  -  315.

قصة آدم وحواء عند المسلمين63

ترمز الحيّة إلى الشر، وترمز ثمرة شجرة التفاح إلى خطيئة آدم وحواء؛ إذ أغوى الشيطان المختبئ في جسد الحية حواءَ وآدمَ بالتفاحة ليأكلاها فسقطَا من الجنة إلى الأرض. فلولا سقوط آدم وحواء من الجنة لما كان هناك نسلٌ للبشرية على الأرض. وربما كان هذا الأمر يُعدّ خيرًا في الحضارات القديمة، بالنظر إلى أنّهما كانا بدْء ذرية البشر على الأرض، ولكنّه كان عقابًا لهما في نظر الإسلام؛ إذ أمر الله آدم وحواء أن يسكنا الجنة ويأكلا من ثمارها ويبتعدا عن شجرة بعينها من أشجار الجنة، لأنها محرّمة على خلاف سائر أشجارها64. وبحسب تفسير ما جاء في القرآن الكريم65: "هل أدلّكما على شجرة إن أكلتما منها خلدتما فلن تموتا، وملكتما ملكًا لا ينقضي فيبلى، فحلف لهما بأنّه ناصح لهما في ما ادعاه من الكذب فأكل آدم وحوّاء من الشجرة التي نُهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمر ربهما فانكشفت لهما عوراتهما، وكانت مستورةً عن أعينهما وأوحى إليهما: أن اهبطوا من الجنة آدم وحواء وإبليس بعضكم لبعض عدو، يكون إبليس لهما عدوًّا، وهما لإبليس عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين إلى منتهى آجالكم وإبليس إلى النفخة الأولى. قال الله فيها تحيون يعني في الأرض. وفيها تموتون عند منتهى آجالكم ومنها تخرجون يوم القيامة"66. نلاحظ أنّه ثمة إجماعٌ للحضارات القديمة والأديان السماوية على أنّ الخطيئة موجودة في الشجرة المحرمة67 التي ترمز إلى احترام القوانين الدينية والشرائع، ولكن جاء وصف كلّ منها للشجرة بحسب ما تنتجه بلاده من أشجار مثمرة؛ فهي شجرة النخيل في بلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية عند العرب من مسلمين ومسيحيين ويهود، وهي مباركة مثل شجرة الزيتون68 الدالة على الحياة. وفي هذا السياق نذكر الآية:  ﴿يُوقَدُ مِن شجرَةٍ مُّبَاركَةٍ زَيْتُونَةٍ ل شَْقِيَّةٍ ولَاغَرْبِيَّةٍ يكَادُ زَيْتُهَا ي ءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ (النور: ضِ 35). كما اتُخذت شجرة التفاح رمزًا للفاكهة المحرمة، ورمزًا للخصوبة، ونقشت على جدران الجوامع69 (آدم وحواء والشجرة المحرمة) عند اليهود في ساحل فلسطين والأردن ولبنان وبلاد المتوسط (كاليونان)، وهي الكرمة في بلاد الفُرس وعند الإغريق أيضًا، ونلاحظ أن الثعبان مصدر الشر الدائم للحضارات القديمة والأديان السماوية، وأنه يتخذ دور الشيطان دائمًا، وأنه مرافق لكلّ الرموز الحيوانية والنباتية والكونية. إذن، هي معتقدات متداخلة في ما بينها من حيث الخطيئة والتحريم، والشر والخير وصراعهما، وبدء ذرية البشر كبدء بذرة الشجرة التي تنمو وتكبر، ثمّ تموت متجددةً كالفصول الأربعة المشابهة لحياة الإنسان. يبدأ التزاوج بين المرأة والرجل الذي يلقح بويضتها؛ أي البذرة، فتحمل وتلد طفلً، ثمّ يكبر حتى يصبح شابًا ويمرّ بمراحل العمر حتى يصبح كهلً ويموت، ثم يستمر أمرُ دورة الحياة من تزاوج وولادة وموت على هذا النحو، حتى يوم القيامة وحساب البشر عند الله.

  1. (طه: 120  -  122.)
  2. Jean-Pierre Caillet, L'Art du Moyen Age: Occident, Byzance, Islam (Paris: Gallimard, 1995), p. 434.
  3. (طه: 122  -  124.)
  4. قصة آدم عليه السلام في القرآن"، إسلام ويب، 21  /  10  /  2012، شوهد في 30  /  10  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 gdippL
  5. Helmut Trnek & Nuno Vassallo e Silva et al. (eds.), Exotica: The Portuguese Discoveries and the Renaissance Kunstkammer (Lisbon: Calouste Gulbenkian,  2001), p. 62.
  6. الدملوجي ص   727  -  726.
  7. سيرنج، ص  294  -  295.

طقوس التطهير70

1 ي. التطهير ف الحضارات القديمة

رمزية التطهير عند السومريين71

السحر كذلك، فهو يؤدي دور الطب.

التطهير عند البابليين72

تُعدّ من الذنوب، كما كان الكهنة73 يقومون بغسل المريض بالماء لشفائه من ذنوبه.

طقسية التطهير عند الفراعنة74

المبهرجة حتى غروب الشمس، فيغلق المعبد وتُعاد الكرّة كل يوم كأداء طقسي لرؤية التطهر الإلهي لنهر النيل/ نهر الحياة.

التطهير عند اليونانيين

تقوم الطقوس بضخّ ماء التطهير على كل ما يُمتلك من أشياء وأولاد وحيوانات في البيت، وكل المنعطفات التي تؤدي إلى المنزل. ويرافق التطهير الصلوات والأدعية، كما يُجري السومريون الطقوس على رسم للشخص المعنيّ (المسحور)، أو نقش يمثّل صورته، ثمّ يُلقى ذلك في النار ليحترق ويزول السحر. ويستخدمون الزيت النقي المقدّس ويُمسح به المرضى أو المسحورون، ويقوم التطهير بفعل

يقترن التطهير بالماء الذي يُعدّ أصل الكون. ويتمثّل طقس التطهير بقيام الكاهن بغسل المذنب من أخطائه ومن الأمراض التي

الماء هو أساس طقس الطهارة ويرمز إلى الإله "سوبك"75 التمساح، إذ كان يشرف على عملية التطهر، وكان الكهنة يغتسلون في بحيرة مقدّسة قبل الفجر مطهِّرين أجسادهم، ثمّ يطوفون دورانًا حول المعبد، مهرقين الماء ومشعلين البخور في انتظار شروق الشمس. وعندها تفتح أبواب المعبد أول لحظة الشروق حيث يُجرد تمثال الإله من ثيابه، ويغسل بالمياه الطاهرة الطقسية، ثمّ تعاد إليه ثيابه

بعد اعتناق اليونانيين لآلهتهم القديمة وعبادتها76، عَدّوا الإسكندر المقدوني هو "المخلص" من الذنوب في المراحل الأخيرة للإمبراطورية المقدونية، وظلوا على عبادتهم لإلههم الشافي "إسكليبوس"، ليخلِّصهم من الآلام الجسدية، وكانوا يقومون باحتفالات طقسية مثل: قيامة الإله الميت ليبحث في أسرار الموت والتجدد، حيث يقوم المؤمن بعدّة تطهيرات ليتمثل بالإله ويشترك في طبيعته الإلهية، وبحالات انخطافية لمحبة الإله والشعور بآلامه (الفلسفة الرواقية). كما انتشر بين العبادات اليونانية مفهوم الخطيئة، ومفهوم

  1. المرجع نفسه، ص 340  -  345.
  2. ديورانت، ص 226  -  230.
  3. حكمت بشير الأسود، "قداسة الماء ورموزه في حضارة بلاد ما بين الرافدين"، أبو الصوف، شوهد في 30  /  10  /  2016، في:
  4. سيرنج، ص 350.
  5. كهنة مصر القديمة المتطهرين"، المتحف المصري، شوهد في 31  /  10  /  2016، في:
  6. عبد المنعم عبد العظيم، "التمساح سوبك.. إله فرعوني مقدس الجانب"، ميدل إيست أونلاين، 4  /  11  /  2008، شوهد في 31  /  10  /  2016، في:
  7. إيمار وآخرون، تاريخ الحضارات العام، ج 1، ص  493  -  493. http://bit.ly/ 2 giW 3 V 2 http://bit.ly/ 2 geBuLz http://www.middle-east-online.com/?id= 69405

الطهارة الجسدية التي يحصل عليها بالاستحمام والصوم، والطهارة الروحية التي يقوم بها عبر الصلاة، والطهارة الأدبية التي تطهر الروح والنفس بالفضائل، إضافةً إلى التطهير بالنار77 الذي يعني التطهر بإعادة صهر النفس بقهرها بالمصاعب كعملية سبك الذهب.

التطهير عند الرومان78

كان يُعهد بالتطهير إلى ابن الملك الذي يقوم بطقسية التطهير، فيطهِّر المذنبين بالماء. وأعطى الأباطرة الرومان الطقوسَ بعض الحياة العاطفية، بعد أن تزاحمت الأديان الشرقية، لتطغى على عبادات الآلهة الرومانية، فانتشرت أعمال التنجيم، وبلغ الهوس بالناس إلى حدّ تصديق طوالع الغيب والمدهشات من معجزات وهمية. وقد أدّى إيمانهم بالقوى الطبيعية الخارقة إلى حركة شاملة من تبادل الطقوس والعبادات ومزج بعضها ببعض، فجرى توطين الإلهة "سيبيل" الفروجية الأصل في عهد الإمبراطور "كلوديوس"، وجعلها رسميةً بإضافة عبادة الثالوث؛ إذ أُضيف إلى الإلهة سيبيل ابنها وعشيقها "أتيس". وكان الكهان يحتفلون بأعيادهم لهذه الآلهة، وبتقديم الطقوس إليها علانيةً، فيطوفون بشوارع المدينة في فصل الربيع ثلاثة عشر يومًا، وكان يسبق هذه الطقوس الصوم والتطهير. وللتذكير بقصة "أتيس" وندب النادبين عليه، يحاولون تشويه أجسامهم كما شُوِّه جسمه على نحوٍ شنيع، خلال موكب الجنائز، إضافةً إلى قهقهات صاخبة عند قيامته من الموت. ويرافق الاحتفال ذبح الثور، وذبيحة الكبش، وهما يرمزان إلى انتقال عنصر الحياة من الضحية إلى الإنسان الذي ينضح بدمائهما كعربون لخلوده، ويرمز إلى دفنه في القبر بوجوده في حفرة؛ وذلك لتنقيته من الخطيئة وتجدده ثانية. ويقدّم هذا الاحتفال الديني كرمز دالٍّ على خلاص الإمبراطور وأسرته. وكانت الفستاليات (العذارى)79 خادماتٍ للمعبد الأثيني، وكنّ هنّ اللواتي يلقمن نيران المعبد المقدسة حتى لا تنطفئ، وكنّ يرمزن إلى الطهارة والقدسية؛ لذا يحرم تدنيسهنّ للحفاظ على طهارة المعبد. وتتم عملية التطهير بالمياه بجريانها عبر قنوات مائية منتظمة لتمُرّ من أفواه الأسود المنقوشة على إفريز المعابد الرومانية التي ترمز إلى الطهارة؛ إذ تتطهر المياه بحركة دورانها لتصل إلى الأسود المنحوتة الرابضة على رأس الينابيع بعد أن تكون قد اكتملت دورتها وصُفِّيت من الشوائب العالقة بها. كما جرى فرض الوضوء والتطهيرات (كالاستحمام في الشتاء في نهر التيبر) من أجل استعادة النقاوة والطهارة، وهذا الموروث إغريقي - يوناني.

التطهير عند الصينيين80

كانت ولادة بوذا (القرن السادس ق.م) مع الهالة التي تحيط برأسه دلالةً على الألوهية والقدسية. لذا، طُهِّر بالماء رشًّا عند ولادته تبشيرًا بمعرفته التنوير، وقد مُثِّلت هذه الميثولوجيا على جدارية معبد تعود إلى القرن السابع الميلادي. وكانت النار، وهي من عنصر اليانغ، رمزًا للتطهر. وكان الماء رمزًا أنثويًّا، ورمزًا للشتاء. وكان يُفرض على العذارى الطهارة قبل زرع الأرز حتى لا يموت الزرع81.

التطهير عند الفُرس82

يعتقد الفُرس أنّ الإله "ميثرا" وُلد بالقرب من جدول مياه. لذا، فهو يرمز إلى البعث والخلود والتجدد. والمياه هي سبب بداية أحداث الكون ونهايتها، وهي ترمز إلى الطهارة والعقاب. ويُذكر أنّ الإله "أهريمان"83 غضب من الفساد الذي يعمّ العالم، فعاقب

  1. هيرقليطس، جدل الحب والحرب، ترجمة عبد المنعم مجاهد (بيروت: دار التنوير للنشر، 1983)، ص 73  -  75.
  2. سيرنج، ص 51  -  53.
  3. إيمار وآخرون،   تاريخ الحضارات العام: روما وإمبراطوريتها، ج 2، ص 203  -  205.
  4. A Selection of Early Chinese Bronzes-Eskenazi (Eskenazi: London, 2006), pp. 20  -  22.
  5. سيرنج، ص  359.
  6. دوران، ص 207.
  7. لويد، ص 43.

البشر بإلزامهم التطهّرَ من ذنوبهم وفسادِهم، وأغرقهم بالمياه التي أصبحت طقسًا دينيًا يُلزمهم الاستحمام بمياه النهر عند بزوغ الشمس وغروبها.

2 ي. التطهير ف الأديان السموية

التطهير عند اليهود

يجري التعميد في اليهودية بالغسل سبع مرات، وفي كل مرة تُؤدّى صلاة خاصة. وهكذا، أصبح الماء رمزًا مقدسًا للطهارة والتطهير عند اليهود، فهم يمجِّدونه في "عيد المظال"84 ويجرون خلال سبعة أيام غسولات بالماء، مستعملين قوارير من ذهب، كما يتخذه الماسونيون رمزًا للتطهير في شعائرهم، إذ تغطّس أيدي المرشّح في الماء، ويرتبط ذلك برمزية الإناء في الطين. لذا، على اليهودي عبور البحر الأحمر ليتطهر أو يتعمد من عبودية الخطيئة في الخروج. وتُعدّ صورة النبع التعميدي رمزًا للشعب اليهودي لعَتقِه من الرقّ المصري. ويُملأ الماء من بحر القلزم لإعداد الطقوس الدينية، قبل تقدمة الذبيحة للتطهر، ويغرف منه الكهنة ويغتسلون قبل تأدية الطقوس85. يقول داود ليهوه: "لأنّ عندك ينبوع الحياة بنورك نرى نورًا" (مزمور  36: 9). وكانت الآبار ترمز إلى الشريعة". وكذلك كانت الغيمة86مصدر الماء ورمزًا للطهارة؛ لأنها ظللت موسى على جبل سيناء، لذلك اتُخذت رمزًا عند اليهود لتعميدهم وطهارتهم.

التطهير عند المسيحيين87

يرمز ينبوع الحياة إلى الأناجيل التي تمثِّل ماء الحياة الأبدي وهو مبدأ التطهير والتعميد، ويطهر المولود المسيحي عند ولادته ويغطّس بالماء ثلاث مرات. ويُعدّ التعميد هو التكريس الذي يسبقه إعداد من الترشيح ليمسح ويصبح مسيحيًا. وتدوم حفلة التعميد كل ليلة السبت المقدس إلى أحد الفصح.

التعميد عند المسيحيين88

جاء في إنجيل يوحنا أنّ المسيح علّم تلاميذه التطهر؛ وذلك كما يلي: "قام عن العشاء، وخلع ثيابه، وأخذ منشفةً واتزر بها، ثم صبّ ماءً في مغسل، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها. فجاء إلى سمعان بطرس. فقال له ذاك: "يا سيد، أنت تغسل رجلي!" أجاب يسوع وقال له: "لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع، ولكنك ستفهم فيما بعد". قال له بطرس: "لن تغسل رجلي أبدًا!" أجابه يسوع: "إنْ كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب". قال له سمعان بطرس: "يا سيد، ليس رجلي فقط بل أيضًا يدي ورأسي". قال له يسوع: "الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه، بل هو طاهر كله. وأنتم طاهرون ولكن ليس كلكم". لأنه عرف مسلِّمَهُ، لذلك قال: "لستم كلّكم طاهرين". فلما كان قد غسل أرجلهم وأخذ ثيابه واتكأ أيضًا، قال لهم: "أتفهمون ما قد صنعت بكم؟ أنتم تدعونني معلمًا سيّدًا، وحسنًا تقولون، لأنّ أنا كذلك. فإنْ

  1. ديب، ص 31  -  33.
  2. بابلون، ص 180  -  184.
  3. Jerzy Szablowski, Arrasy wawelskie (Warszawa: Arcady, 1994), p. 137.
  4. دوران، ص 204  -  206.
  5. كان طلاب العماد يسمُّون يوم الأحد قديمًا أسماء مختلفةً منها "أحد المستحقين"، لأنهم عرفوا الدين المسيحي وأرادوا اعتناقه، فكانوا يذهبون ويطلبون التنصير يوم سبت النور "سبت لعازر"، طبقًا لاصطلاحات الكنيسة في أول عهدها. وكانوا يسمّونه كذلك "أحد غسل الرأس"، وهي عادة متبعة في زمانهم، إشارةً إلى التطهير، واستعدادًا للتنصير، كما كانوا يسمّون أحد الأغصان، أحد السعف، "أحد أوصنّا" (هوشعنا).

كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض، لأنّ أعطيتكم مثالً، حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا. الحقَّ الحقَّ أقول لكم: إنّه ليس عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مرسله. إنْ علمتم هذا فطوباكم إنْ عملتموه" (يوحنا، الفصل 13: 4  -  16). وكان يوحنا المعمدان يعمِّد الناس في نهر الأردن وقد عمَّد المسيح.

غسل الأيدي89

يقوم الكاهن بعد ذلك بغسل يديه ثلاث مرات، وهو يقول: في المرة الأولى: "تنضح عليَّ بزوفاك فأطهر تغسلني فأبيض أكثر من الثلج" (مزمور 51: 9). في المرة الثانية: "تسمعني سرورًا وفرحًا فتبتهج عظامي المتواضعة" (مزمور 51: 8). في المرة الثالثة: "أغسل يديَّ بالنقاوة وأطوف بمذبحك يا رب لكي أسمع صوت تسبيحك" (مزمور  25: 6  -  7). هذه الغسلات ليست لنظافة الأيدي، وإنما هي لتذكّر الكاهن بالنقاوة الداخلية والطهارة من الخطيئة؛ وذلك لأنّ اليدين تشيران في أغلب الأحيان إلى عمل الإنسان.

التطهير عند المسلمين

الماء رمز الطهارة90، وهو يؤكد الغسل الشعائري الذي يجريه المؤمنون قبل الصلوات الخمس اليومية (الوضوء). فالصلاة هي كنبع الماء المقدس العذب، وهو أمرٌ مشترك في البلدان الإسلامية. وتقيم الجوامع أمامها مناهل أو بركًا خاصة بالوضوء قبل الصلاة. كما تنتشر مناهل مياه للشرب لكل عابر سبيل في كل أرجاء البلاد الإسلامية91، وعملية التطهير في الإسلام هي لتطهير الإنسان من النجاسة؛ لأنّ أعضاء جسد الإنسان الطاهر تسبّح الله ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالرْضُ ومَنْ فَِيهِنَّ وَإِنْ مِن إ شَْ ءٍِلَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدهِولَكِنلَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44). والتطهر هو رفع النجاسة، ويتمّ، بحسب الإسلام، بذكر اسم الله، وبالتغطيس في المياه الجارية الطاهرة سبع مرات. وميزة الإسلام التبسيط، فالأمور بالنيّات؛ إذ يمكن ملء وعاء وإفراغه على الجسد، بعد ذكر اسم الله على الماء. ومن المهم معرفة أنّ أيّ شيء لا يحلّ عليه اسم الله يسكنه الشيطان. ويتضح ذلك من خلال الآية:  ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لكَ علَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّ مَنِ اتَّبعكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر: 42)، والآية ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ علَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعلَ رَبّهِمْ يتَوكَّلُِونَ﴾ (النحل: 99)، والآية ﴿ألَمْ ترَ أنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عمَزًّا﴾ (مري لَ الْكَافرِينَ تَؤزُّهُمْ أَ: 83). نلاحظ أنّ هناك طقوسًا مشتركةً تسبق التطهير بالماء92، وطقوسًا بعد عملية التطهير أو التعميد، سواء كان ذلك عند الحضارات القديمة أو عند الأديان السماوية، وكذلك الأمر من ناحية طقوس الصوم أو الصلاة أو التراتيل أو عملية الغسل وحركاتها. والغاية من ذلك كلّه هي الطهارة؛

  1. طقس القداس الإلهي (علم اللاهوت الطقسي)"، تكلا، شوهد في 31  /  10  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 fPLHhg
  2. Bernard O'Kane, The Iconography of Islamic Art: Studies in Honour of Robert Hillenbrand (Scotland: Edinburgh University Press, 2007), pp. 28  -  200.
  3. سيرنج، ص 351.
  4. الدملوجي، ص 656  -  658.

أي نظافة الجسد ممّا علق به بعد يوم عملٍ شاقٍّ، بسبب الصيد، أو الزراعة، أو الصناعة، وغير ذلك من الأعمال؛ إذ يقابلها تنقية الروح من الأخطاء التي يرتكبها المرء في حياته. لذا، عليه أن يقوم بعملية التطهير والصوم ليشعر بالرضا، وحتى ترضى عنه آلهته أو ربّه من أجل تحقيق أمنياته.

طقسية الطواف

1 ي. الطواف ف الحضارات القديمة

الطواف93 في بلاد ما بين النهرين

كان هذا الطقس عبارة عن تطواف تواكبه التماثيل الإلهية المحمّلة على المحملات في الأعياد. وساد الاعتقاد أنّ هذه الطقوس اليومية من صلوات وذبائح تزيد الأعمار وتطيل الحياة، وأنّ الصلاة تطهّر من الإثم. وكان يُرمز إلى الطواف بالدولاب94؛ يقوم الإله "شمش" ببدء دورانه، معلنًا بداية السنة، ويقوم الكهنة ببدء التطواف حوله.

الطواف عند العرب95

تكون شعائر العمرة (الطواف بالبيت) بالسعي، أو الهرولة، بين الصفا والمروة. وهي عادة قديمة كانت تمارس في الجاهلية. وكان الطواف حول الأصنام والأوثان يقترن بالرقص والتصفيق والصفير والتلبية، كما اتخذ العرب مع عبادتهم للكعبة بيوت "شمس طاغوت"، وهي بيوت خاصة بالأصنام ومعظّمة كالأصنام، ولكل منها "سادن" و"حجاب"، وكان المؤمنون بها يهدون إليها ويطوفون حولها كما يهدون إلى الكعبة ويطوفون حولها.

الطواف عند الفراعنة96

كان الفرعون يقلَّد التاج الأبيض الجنوبي والتاج الأحمر الشمالي، ثمّ "البشنت" الذي يجمع بينهما، ويجلس على العرش فوق البردي واللوتس، ثمّ يدور حول الجدار الأبيض دلالةً على تولّيه أمر الدفاع عن مصر، أسوةً بالشمس التي تدور حول الأرض. وبهذا يحمل الملك الفرعون ألقابًا خمسة97 بمرسوم ملكي. وهذه الألقاب هي: حوروس رع، ورع والتاجان، وحوروس الذهبي الرامز إلى الشمس "رع" ملك القصبة، والنحلة رمز مصر العليا ومصر السفلى، وابن رع98.

الطواف عند اليونان99

شُهر عيد أثينا الكبير باسم "باناثينا"، وهو يوحّد الأثينيِيّن سياسيًا، ويذكّر بتأسيس المدينة، ويرمز إلى إلهة مدينة "أثينا"، ومعناها "العذراء" التي تقام لها احتفالات سنوية، إضافةً إلى احتفال خاص بها كل أربع سنوات، وضع برنامجه سولون (نحو 640  -  550 ق.م)

  1. Eric H. Cline & Mark W. Graham, Ancient Empires: From Mesopotamia to the Rise of Islam (London: Cambridge University press, 2011), pp. 125  -  135.
  2. Anne-Marie Christin, L'image écrite ou la déraison graphique (Paris: Flammarion, 2001), p. 25.
  3. الدملوجي، ص 260  -  261.
  4. إيمار وآخرون،   تاريخ الحضارات العام، ج 1، ص 57.
  5. Spiser Cathie , Les Noms Du Pharaon: Comme Etres Autonomes Au Nouvel Empire (Switzerland: Academic press Fribourg, 2000), pp.  33  -  36.
  6. سيرنج، ص 350  -  355.
  7. “The Rite of Circumambulation,” sacred-texts , accessed on 31  /  10  /  2016 , at: http://bit.ly/ 2 fnvMmq

وبيستروس في الربع الأول من القرن السادس قبل الميلاد. ويستمر الاحتفال تسعة أيام تتخلله مباريات فنية مختلفة في الموسيقى والغناء، ومباريات رياضية فردية وجماعية في ألعاب القوى والخفّة، والسباق بالجياد والفروسية، والرقص بالأسلحة، والسباق بالمشاعل، ويُعطى الفائزون جوائز وقوارير ملأى من زيت زيتون الآلهة، وهي القوارير الباناثينية المعروفة. كان يقام التطواف للآلهة "أثينا" في بيبلوس في منتصف القرن السادس قبل الميلاد. أمّا في اليوم الأخير من هذا العيد، فيقام تطواف طويل تسير في صدارته الشخصيات الرسمية ويشترك فيه المقيمون الأجانب أنفسُهم، وهو ينطلق من شمالي غربي المدينة نحو معابد القلعة، مصطحبًا معه الذبائح والقرابين. وبين القرابين قطعة فاخرة هي ال "بيلوس" المعدّة لتمثال "أثينا" تحيكها وتطرزها طوال أربع سنوات فتيات العائلات الكبرى، وفقًا لقواعد تُقرّها السلطات، وهي تدور "حول صراع أثينا ضدّ الجبابرة". ويكون هذا التطواف مع هذا التقديم إكرامًا يُؤدّى إلى الآلهة البوليسية الأولى للمدينة كلّها "كعرفان الجميل والأمل" ويشمل تطواف عيد الآلهة أربعمئة شخص ومئتي حيوان. وبهذا العيد، كان "البوليس" (إدارة الحكم) يوحِّد أثينا كلّها بعبادة آلهتها. وكان يتمّ الطواف ثلاث مرات، بدءًا من اليمين في المياه، مع رشّ الماء باستخدام غصن الزيتون للتطهير، أو حول المذبح حيث يستخدم الكاهن غصن الزيتون ممسكًا به في يده اليمنى في عملية رشّ الماء لتطهير المذبح، ويرافق ذلك ترنيمة مثل الصلاة للآلهة لقبول عملية التطهير، وقد أخذ الرومان عنهم هذا الطقس.

الطواف عند الرومان100

أُخذ طقس الطواف عند الرومان عن اليونانيين، بما في ذلك آلهتهم مع تغيير بعض أسمائها. ويرمز الإله "مارس" إلى إله الجيش والحرب. وكانت تقام له احتفالات "التطهير" بتطواف دائري تتبعه ذبيحة كبرى، مع ارتباط ذلك بالصلوات والأدعية، لتمنع الأمراض المنظورة وغير المنظورة وتطردها وتبعدها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجدب والتخريب والكوارث وآفات الفلك، فضلا عن الطلبات التي لا تنتهي، والتي تؤمّن سعادة المؤمنين.

الطواف عند الصينيين101

تتوسط أملاك الإمبراطور، أو العاهل، في المدى الأضلاع الأربعة لحدود الكون والأرض، ويحتفظ الملك وحده بوسط المدى وقوته بموجب طقوس محددة، ثمّ يأتي رؤساء المقاطعات والأجزاء التي على جوانب المدى كل سنة إلى العاصمة في وسط المدى، ليقدموا للإمبراطور تقارير عن أمور ولاياتهم، حيث يطوف عليهم بخطة نظام الشمس (شرقًا، وجنوبًا، وغربًا، وشمالً)، ويتوقف في كل جزء بحسب أحد فصول السنة المختص بكل ضلع.

الطواف عند الهنود102

في العقيدة الفيدية يبدأ الطواف حول المعبد بإشارة من اليد اليمنى التي ترمز إلى تحكم المؤمنين ببدء طوافهم، وذلك بموازاة يدهم اليمنى في المعبد، أي في اتجاه الساعة، حيث تبدأ الشمس دورانها حول الأرض، وكذلك الأمر في الطقوس البوذية؛ إذ يجري الطواف

  1. Ibid.
  2. David N. Keigthley, Sources of Shang History: The Oracle-Bone Inscription of Bronze Age China (Berkeley: University of California Press, 1978), pp. 83  -  85.
  3. عكاشة، ص 95  -  97.

حول معبدَي "الستوبة" و"داغويا". ومن جهة أخرى، يعتقد الهنود أنّ اليد اليمنى في اتجاه عقارب الساعة هي علامة للسعادة، وهي لولبية بوق الإله فيشنو؛ لذا يطوفون حول النار المقدسة مُمسكين شعلة النار باليد اليسرى.

2 ي. الطواف ف الأديان السموية

الطواف في المسيحية

يُرمز إلى المسيحية103، في إجمال، بالشجرة؛ من جهة انتشارها ونموّها كأوراق الشجر. فهي غرسة تنبت، وتبرعم، وتزهر، وتعود لتمرّ بدورية فصلية سنوية مدى الحياة، هي شجرة أشعيا أو "عقدة أشعيا"، وهي رمزية عمودية ترتقي من الأرض نحو السماء. وترمز الشجرة إلى الخشب الذي صُنع منه الصليب، ليتحول إلى رمزية خشبية كونية. وتحمل الأغصان رمزًا في أحد الشعانين104، ويطوفون بها في عيد العنصرة "غرغانتيا". وتمثل الأيقونات "غرغانتيا"، وتمثِّل كذلك "سان كريستوف". يجري الطواف بالبيعة بطريقة رمزية تذكارًا لدخول السيد المسيح الاحتفالي إلى أورشليم، بالنّظر إلى أنّ المسيح غادر "بيت عنيا" في فلسطين قبل الفصح بستة أيام وسار إلى الهيكل، فكان الجمع الغفير من الشعب يفرشون ثيابهم أمامه، وآخرون يقطعون أغصان الشجر ويطرحونها في طريقه؛ احتفاءً به، وهم يصرخون: هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب هوشعنا في الأعالي (متى، الفصل

طقوس الاحتفال ب "عيد السيدة العذراء"105

يُعدّ عيد انتقال السيدة العذراء واحدًا من أهمّ الأعياد التي تحتفل بها الكنيسة الأرثوذكسية. ويعود هذا الاحتفال إلى فترة المسيحية الأولى تذكارًا لصعود السيدة العذراء إلى السماء بعد رقادها. ويُسبق الاحتفال بالعيد صوم عن تناول اللحوم والبيض والسمن طوال خمسة أيام، مع الاقتصار على الخضراوات والزيوت. يبدأ الاحتفال من يوم العاشر من آب/ أغسطس حتى الخامس عشر منه، ومن ثمّ يقام قداس احتفالي ليليّ يوم الرابع عشر. ويبدأ الاحتفال بطواف الرهبان والقساوسة مع جموع المؤمنين حاملين تمثال السيدة العذراء على أكتافهم في شوارع المدينة، وصولً إلى كنيسة السيدة العذراء، وإقامة قداس في صباح اليوم التالي. وفي نهاية الاحتفال تقام موائد يقدم عليها المؤمنون ما ذبحوه من الأضاحي، ثمّ يتمّ طبخها، لتُقدّم في مائدة جماعية لكل من يزور الكنيسة. أمّا اليوم، فقد اقتصرت على بعض الحلويات والمأكولات كنوع من التقديمات.

الطواف في الإسلام (الشعائر الدينية)

يُعدّ الطواف من أهمّ الفروض الإسلامية. ومن مناسك الحج والعمرة الوقوف بمزدلفة، والطواف حول الكعبة والتلبية، والسعي بين الصفا والمروة، وذبح الأضحية، وتقصير الشعر. وقد كان الحج أقدم شعائر العرب الدينية؛ إذ بدأ مع أول بناء للكعبة فكانوا يحجون إلى "بيت الله الحرام" الذي سُمِّي "الكعبة الشريفة" في الفترة الإسلامية، وأصبحت الكعبة مقرًا دائمًا لهم للعبادة والصلاة، والزيارة والتجارة، وهدفًا للتعبد والتنسك. وأصبحت، بعد هدْم أصنامها، مقصدًا للإسلام، لتتحول في كل سنة إلى محجٍّ إسلاميٍّ في أشهر

  1. Anderson, pp. 280  -  300.
  2. كلمة عبرانية من "هوشعنا" أوصنا. معناها "يا رب خلص"، ومنها أ خذت كلمة "أوصنا" اليونانية التي ترتلها الكنيسة في هذا العيد الذي يأتي قبل الفصح بأسبوع، وهو الأحد الأخير من الصوم واليوم الأول من أسبوع الآلام، وفيه يبارك الكاهن أغصان الشجر من الزيتون وسعف النخيل (متى، الفصل 21: 9.)
  3. إدمون إسحق، "طائفة السريان الأرثوذكس.. تحتفل بعيد انتقال السيدة 'العذراء'"، إسيريا، 16  /  8  /  2010 شوهد في 27  /  7  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 g 1 sruB

مُحددة، هي: شوال، وذو القعدة، والأيام العشرة الأولى من ذي الحجة، لأداء فريضة الحج، وزيارة الكعبة، وما يتبع ذلك من شعائر دينية إسلامية بعد أن هُدمت الأصنام. وأصبح الطواف يتمّ حول الكعبة سبع مرات106.

طقسية القرابين والنذور للميت والبعث

طقسية البعث بعد الموت في بلاد ما بين النهرين

وُجد في قبور "أور"107 التي يرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد أدوات إلى جانب الميت، تُستعمل عادةً في الحياة الدنيا (الآلات الثمينة التي يستعملها العظماء)، من عجلات وأسلحة وخناجر وخوذ، وجميعها كانت من الفضة والذهب. كما وُجدت زنانير من الفضة وأواني طعام من الذهب، ومعدّات تزيين وتبرّج وحلي، وآلات موسيقية، إضافةً إلى جثث الجواري والحيوانات والخدم الذين يشكّلون حاشية الملك "الرجل العظيم" أثناء حياته مع أدواتهم. فهم يدفنون معه أحياءً ليخدموه في الحياة الثانية. لا يصبح الميت إلهًا كما هو الشأن في حضارة مصر، وكانت هذه البدعة نادرةً في حضارة بلاد الرافدين، وإنما يجب أن يكون للملك ابن يقوم بتقديم القرابين إليه، ويسمّى "غريق الماء" ومنظِّم وجبات الطعام للميت، ثمّ تهبط الروح نحو الأرض الكبيرة السفلى تحت الأعماق ولا تعود منها أبدًا، كنزول "عشتار" إلى الأرض السفلى وكيفية نزْع أثوابها لتجتاز الأبواب السبعة للأسوار السبعة المتتابعة، وتُقدّم القرابين للآلهة108 من الذبائح الحيوانية؛ كالخرفان التي أصبحت بديلً من القرابين البشرية على طاولة مقدسة أمام الصنم الإلهي، وسط "الأزاهير" وأدخنة البخور والروائح العطرية، ويكون لذلك أوقات خاصة. وهذا الأمر مشابه لطقوس التقديم عند اليهود.

قربان انتقال الروح إلى السمء عند الفُرس109

ترمز الولائم بالأسرار الميثرية إلى ذكرى شعائرية لوليمة "ميثرا" مع الشمس قبل صعودها العمودي إلى السماء. والوليمة هي أربعة أرغفة من الخبز (أو طلائم الخبز)، وهي مدوّرة وعليها نقش للصليب المرتبطة عبادته بالشمس، ويتناولها أتباع الديانة الميثرية لتعطيهم القوة للجسم، والحكمة للنفس، والخلود للروح، كما وشموا المؤمنين بالصليب (على الجبين) كرمز لخلودهم بعد الموت، بخاصة المتدينين بالديانة الميثرية. نلاحظ تشابهًا في رمزية الولائم والقربان عند الميثرية مع القربان والعشاء السرّي عند الطائفة المسيحية، وهو ما يدلنا على أنّ فعالية الطقوس استمرت بمظاهرها وشكليتها ورمزيتها ورافقت الأديان السماوية مع بعض الاختلاف في المعنى والهدف، إضافةً إلى أنها ما زالت قائمةً حتى يومنا هذا.

  1. الدملوجي، ص 260.
  2. المرجع نفسه، ص 202  -  206.
  3. سلامة سركيس، الأرخيولوجيا: منهجيات – مراحل - إشكاليات (بيروت: دائرة منشورات الجامعة اللبنانية، 2003)، ص  135.
  4. سيرنج، ص 399.

القرابين والنذور عند اليونانيين110

كانت تمارس الولائم الجنائزية عند اليونانيين الإغريق ما بين القرنين السادس والسابع قبل الميلاد، على المدافن، فيفرطون في شرب النبيذ. وبعد ذلك يبدؤون رحلة البحث عن الخلود باستحضار أرواح الموتى؛ لمعرفة كيفية حسابهم في الحياة الآخرة تحت الأرض، وكانوا يقيمون لها أعيادًا عُرفت بأعياد دونيسيوس في معبد الآلهة "أوروفيوس" وعُرفت باحتفالية "عالم الأسرار" أو "يوم الأسرار" للاطمئنان إلى الحياة الثانية بعد الموت.

القرابين والنذور عند الرومان111

استمر الكهنوت الفردي "ملك الذبائح" يحافظ على الصلاحيات الدينية، ويشرف على الذبائح والولائم المقدّسة والأعياد كدَور تمثيلي. ويوجد نحو خمسة عشر كاهنًا خاصًا؛ أي إنه لكل إله كاهن تقريبًا، يخدم ثلاثة منهم إلهًا عظيمًا (جوبيتير، ومارس، وكويرينوس)، وأحاط دياليس  كاهن جوبيتر، بأمجاد عظيمة وأُخضع هو وزوجته الكاهنة لمراسم عبادية ملزمة جدًّا كأول تقييد قديمًا؛ منها أنّ عليه أن يلبس الجلباب، ويشذِّب الكرمة، ويستهلك شرابًا أو طحينًا مختمرًا، ويرتدي ملابس كتانيةً، ولا يرتدي أيّ نوع من القماش يقتضي عقدةً أو حلقةً، ولا يلمس حصانًا أو يمتطيه، ولا يرى سلاحًا أو ميتًا، وهي من أهمّ المحرّمات؛ ليكون كاهنًا، وليحقّ له تقديم الذبيحة الإلهية. وكان صاحب البيت يقدّم ذبيحةً من النبيذ يرميها في المدفأة، وكانت أمعاء الشاة أو الخروف أو الثور تُقدّم وتُحرق كذبيحة للمعبد في الأعياد والمناسبات.

طقوس الميت والنذور عند الفينيقيين112

كانت تُقدّم الذبائح البشرية من أحد أطفالهم المرضى والمشوهين خلقيًا كذبيحة إلى الإله "بعل همون"، ليمنّ عليهم بالذرية السليمة الخالية من التشوهات؛ إذ يجعلون الطفل الميؤوس من شفائه قربانًا بين يدي تمثال الإله "ملقارت" البرونزي المنبسط بانحناء نحو الأرض؛ وذلك أنّ الطفل المولود بعاهة ينحدر من بين يديه ليهوي في أتونٍ من نار متقدة يرتفع لهيبها عاليًا.

طقوس الأموات والنذور عند الفراعنة113

كان الجعران114 (الخنفساء السوداء) من أهمّ الرموز المرافقة للميت كتعويذة؛ لأنه يرمز إلى البعث والحياة بعد الموت، وقد نقش على العقيق والفيروز وبعض الأحجار الكريمة. وكان المصريون يعتقدون أنّه توجد حياة ثانية بعد الموت115؛ إذ تفارق "البا" (الروح) "الكا" (الجسد). لذا، كان الميت يُحنّط بطريقة معيَّنة لحفظ جسده من التّلف، وكانت أحشاؤه توضع في أوعية حورس الخاصة، وكانت تُقدّم له أوعية الطعام كل يوم، ثمّ توضع إلى جانبه جميع أغراضه الخاصة إلى حين عودته كي يستعملها.

  1. إيمار وآخرون،   تاريخ الحضارات العام، ج 1، ص 297.
  2. الدين في روما القديمة"، المعرفة، شوهد في 1  /  11  /  2016، في: http://bit.ly/ 2 gac 9 lx
  3. الدملوجي، ص 62.
  4. Christine, p. 62.
  5. طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج 2، ط 2 (بغداد: دار الوراق للنشر، 2006)، ص 160.
  6. إيمار وآخرون،   تاريخ الحضارات العام، ج 1، ص 24  -  28.

طقوس الأموات عند الصينيين116

يعتقد الصينيون أنّ لكل إنسان عدة أنفس في الوقت ذاته، وأنّ إحداها تنفصل عن الجسد فورًا عند الموت، وهي (الهون)، وأنّ طريقها مملوءة من الأخطار قبل أن تصل إلى السماء حتى تأخذ مكانًا يليق بها كما هو الشأن في الحياة. أمّا النفس العليا، فتُسمّى ال "بو"، وهي تظلّ مع الجثة، وتُقدّم إليها الفروض والقرابين وتتحول إلى شيطان (كوي)، ليعود ويزرع الرعب في حياة أسرة الميت، وإن ظلت ال "بو" تحيا في العالم الجوفي. في حين تحيا كل من الأنفس ال "هو" وال  "بو" في عالمها الخاص حياة الإنسان نفسِه وهو حيّ. وبعد ثلاث سنوات من انتهاء فترة الحزن، تُقدّم إلى الميت لوحة من خشب الكستناء ليصبح حاميَ الأسرة؛ وذلك بعد تقديم الأسرة الفروض الدائمة إليه. وكانت طقوس الميت117 تُجرى بأنْ يضع الصينيون حجرًا كريمًا من اليشب الأخضر (الجاد) على كل نوافذ حجرة الميت الذي يكون من طبقة النبلاء، ويُلبسونه ثوبًا حريريًا يُسمّى "منغ بي"، يُكتب عليه اسمه. وكان المحزونون يرتدون لباسًا أبيض. أمّا أولاد الميت، فيحملون عصًا، رمزًا لحزنهم وحدادهم، ويُدفن مع الميت أشخاص ليخدموه إلى جانب أسلحته وخدمه. وأمّا الأموات من طبقة الفلاحين أو الفقراء، فتُدفن معهم دمى من القش أو الخشب. وبعد الدفن تقام مأدبة طقسية، وتُقدّم القرابين. وكان الجعران من حجر الجاد الأخضر يوضع في فم الميت ليرمز إلى البعث وانتقال الروح إلى جسد طفل آخر بعد اجتيازها مراحل الموت الكبرى.

الطقوس والقرابين عند اليابانيين118

تُسمّى آلهتهم "كامي"، وقد شُيّدت لها معابد مسقوفة، وقُدمت إليها القرابين الرمزية كالأحصنة والأبقار البيضاء، ونسيج الكتان، والقنّب، لتجعل حياتهم الأخرى سعيدةً.

طقوس الموت والنذور في الهند119

أهمها تقديم "الذبيحة الإلهية" التي تُثبت صلة الوصل بين الإنسان والإله، وبين الأمور المقدّسة والعادية. ويقوم بها الكهنة الذين يصطحبون معهم عدة أنواع من الثيران البيضاء المقدسة، وتُقدّم هذه الطقوس بمناسبة ظهور الهلال وبدْء السنة الجديدة، وموسم الحصاد (جني البواكير الزراعية)، إضافةً إلى طقس تقديم "التيس" افتداءً لحياة رجلٍ. وأهمّ هذه الطقوس متمثّل بطقس "السوما". وتدوم الطقوس عدة أيام، وأشهرها "الفاجبيا"، كسباق العربات التي ترمز إلى "الشمس"، و"الراج سبوتا" وهو التتويج الملكي؛ إذ يتولّ الكهنة وممثلو الشعب إجلاس الملك على العرش. أمّا "الإسغميدها" (ذبيحة الحصان)، فهي تُثبت قوّة الملك، وتعطيه العظمة والسيادة المطلقة. وأمّا طقس بناء هيكل النار، فكان يجري بتقديمات بشرية، لكنّها في ما بعد أصبحت رمزيةً، وصارت بمنزلة تقديمات من الهدايا الثمينة. وأمّا طقس الجنازة عند انتهاء الحياة، فيكون بتزيين الميت وإقامة موكب له لإحراق جثته. ويُحمل على الأكفّ، أو على عربة يُشدّ إليها غصن شجرة ليمحوَ آثار أقدام الأقرباء الذين يحملونه، ثمّ يوضع الميت فوق لوحة من الحطب، وتجلس زوجته بقربه ليتمّ إحراقها

  1. دوران، ص 290.
  2. المرجع نفسه، ص 294  -  295.
  3. Michiko Ishigami-Iagolniser, Les Hyakumanto dharani et les débuts de la Xylographie au Japon, VIII-XIII Siècles (Bordeaux: Société des bibliophiles de Guyenne, 1996), p. 129.
  4. إيمار وآخرون:   تاريخ الحضارات العام، ج 1 ص، 564.

معه وهي على قيد الحياة. لكنّ هذه العادة أبطلت، وأصبح لاُ يُرفق مع الميت أثناء الحرق إلّ ما تيسّر من مقنياته الخاصة؛ مثل قوس مكسور بالنسبة إلى أحد أفراد "الكستريا"، وأدوات عبادة إنْ كان من "البرَهْما"، ويحرقون معه "تيسًا"، أو يضحون ببقرة. وتدوم فترة الحداد خلال الصوم والطهارة والزهد، فيطمرون رفاته المحروق بالأتربة، ويقام بناء حجري عليه للذكرى، ويكون اللون الأسود لونًا للحداد والحزن، وتتبع ذلك طقوس احتفالية. وللهنود عقيدة تُعرف ب "السمسارا" (التقمص) بعد إصلاح بوذا للأوبانيشاد120. فكلُّ كائنٍ يشعر بالموت والألم. لذا، فإنّ الوجود يحمل الألم في طياته؛ لأنّ الرغبة الدائمة في ملذات الحياة تُولّد الألم لتوهم المرء أنّ الرغبة الظاهرة هي حقيقة الحياة؛ وذلك لأنه يجهل قيمة الحياة والموت. ومن ثمّ وجب الموت للعودة إلى الحياة الثانية؛ أي انبعاث روحه بولادته طفلً جديدًا لينموَ جنينًا مرةً ثانيةً، حتى يكبر ويعرف معنى وجوده، ويستمر على هذا المنوال على مدى دورة هذا النظام الكوني للحياة والموت، حتى يتلاشى جهله بعد أكثر من حياة (كأن تكون سبع مرات مثلً)؛ كي يصل إلى "النرفانا" ويوازن في معرفته بين لذة الحياة والموت.

القرابين والنذور عند اليهود

تُجرى هذه القرابين والنذور في هيكل سليمان121 (هيكل التقديمات)؛ إذ تشعل النار التي تشبه قرون البقر على سطح زوايا هيكل، ويُرشّ عليها دمُ ذبائح الضحايا من الحيوانات المذبوحة، ثمّ تُسكب فوقها الخمرة الممزوجة بالماء، لتجري عبر قناة في الزاوية الجنوبية الغربية، ومن ثَمّ تصل إلى قناة تحت الأرض، فتصبّ في وادي قدرون (منطقة في فلسطين)، وتُعدّ ثماني طاولات (لكل طاولة ذبيحة). وتحفظ المُدَى التي جرى بها طقسُ ذبح الحيوانات في غرفة مخصصة، وتصبح هذه المُدَى مقدّسةً في الهيكل. وتكون هذه التقديمات فداءً وتضحياتٍ ونُذرًا ليرضى الله عن المؤمن به، ولطلب غفرانه أخطاءَهم.

النذور والقرابين عند المسيحيين

الثور والبقرة122

جاء الثور رمزًا للتضحية "التوروبول"؛ أي انتصار العقل على القوى الوحشية، وهذا الأمر مأخوذ من رمزية فارسية. وقد نحت أنطونيو دي روسبلينو، وهو يضحي بالثور على ضريح الكاردينال البرتغالي، في كنيسة "سان فيفيانتو" في فلورنسا، في القرن الخامس عشر ميلاديًا؛ للدلالة على انتصار الخير على الشر. واستمرت رمزية التضحية بالثور في عهد الأنطونيين، وكانت تقام "التيروبول" كأضحية تكفيرية؛ إذ يتضمخ جسد كلّ من الكاهن والراهب بدم الثور المذبوح ليتخلص من قوى الشر في داخله، ولكسب قوَّته.

"سر القربان المقدس"123

يحتوي سرداب قبر القديس كاليكيت في روما، رسمًا جداريًّا من أواخر القرن الثاني لسمكة تحمل سلّة ملأى من الخبز. ويرمز الخبز والسمك إلى القربان المقدّس؛ ذلك أنّ تضاعفهما يُعَدّ معجزةً إلهيةً. كما نجد نقشًا على البرونز من القرن السادس يشتمل على خبز وسمكتين، في وسطه القربان الذي يرمز إلى المسيح.

  1. خليل عبد الرحمن، ص 33  -  34.
  2. Lemaire, p. 35.
  3. سيرنج، ص 52  -  53.
  4. المرجع نفسه، ص 53  -  54.

الأضحية والنذور عند العرب والإسلام124

عُرفت التقديمات والنذور منذ أقدم الحضارات، وقد أخذها العرب، وكانوا يستخدمونها بصبّ دم الضحية الحار فور ذبحها فوق رؤوس الأنصاب إرضاءً لها، وتَجنُّبًا لغضبها، وتوددًا إليها، وطمعًا في شفاعتها. ومن جهة أخرى، يَعدّون ذلك بمنزلة طعام لها، لامتزاج لحومها ودمائها بطريقة الحلول والتناسخ؛ أي الاتحاد بلحوم الناس ودمائهم. وأمّا ذبح الضحايا وتقديم النذور، فكانَا يتمّان بعد الرجم. وقد حرّم الدين الإسلامي التضحية بالآدميين. وفي عيد الأضحى، تتمّ التضحية بالإبل والبقر والضأن والماعز؛ وذلك بعد أن أراد النبي إبراهيم التضحية بابنه من أجل الله، فأرسل الله له كبشًا ليكون لابنه فداءً. واستمر هذا الطقس قربانَ تضحيةٍ في يوم عيد الأضحى من كل عام125.

خاتمة

أظهر استعراض بعض أساطير الحضارات القديمة وطقوسها (حضارة بلاد الرافدين، والحضارة الفارسية، والحضارة العربية، والحضارة الفينيقية، والحضارة الفرعونية، والحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، والحضارة الصينية، والحضارة الهندية) تشاركًا ملموسًا وجليًّا بينها وبين معتقدات الأديان السماوية، إذ أعطتنا توثيقًا مهمًّا لتاريخ بدايات ميثولوجياتها، ودلالات استمراريتها حتى يومنا هذا. فقد عمد مؤرخون وملوك من تلك الحضارات إلى تسجيلها على نحوٍ إيضاحي، فنقشوها على جدران معابدهم، وعلى الألواح الصلصالية (الرُّقم)، والحجرية (كالنصب)؛ مثل شرائع حمورابي، وعلى موادّ معدنية (قلائد، وتيجان، وتمائم، وأختام خاصة بالملوك)، وعَدّوها ركيزةً أساسيةً لمعتقداتهم التي انصهرت في واقع حياة تلك الشعوب الاجتماعية وتوارثوها، حتى بعد اعتناقهم للأديان السماوية التي لم تستطع إلغاءها؛ بسبب تجذّرها في حياتهم اليومية، فباتت تقليدًا دينيًّا أساسيًّا يُحتذى به حتى يومنا هذا، على الرغم من امتداها إلى آلاف السنين. واستنتجت الدراسة تأثّر الأديان الثلاثة بالحضارات القديمة. فالديانة اليهودية تُعدّ أُولى الأديان السماوية التي تأثرت بحضارات بلاد ما بين النهرين من شرائع حمورابي ومبدأ التطهير، وقصة آدم وحواء والطوفان، بسبب سَبيها إلى تلك المنطقة وتعايشها مع شعوبها وشرائعها مدةً زمنيةً طويلةً، ثمّ وُجد بنو إسرائيل في منطقة سيناء حيث سيطرت حضارة الفراعنة المصرية وأسرت كثيرًا منهم عبيدًا، فتأثروا بميثولوجياتها، وخصوصًا شرائع أخناتون وأناشيده التي تماهت مع المزامير، فضلً عن اقتباسهم لبعض مبادئ الفلسفة اليونانية في الخلق، لوجودهم في نقطة المركز على ساحل المتوسط التي احتلّها اليونانيون القدامى. كما تأثّر الدين المسيحي بميثولوجيات الحضارة اليونانية والرومانية في كل حقبات الحضارتين؛ كالطواف، والتطهير بتحويله إلى التعميد، والنذور والقرابين "العشاء وطقسيته الخبز والسمك"، واقتباس بعض طقوسها وتغييرها على نحوٍ ملُائم للديانة المسيحية؛ كمواصلتهم احتفالاتهم بالأعياد بتغيير دلالاتها الدينية، وذلك لانبثاق الديانة المسيحية من مهد الفلسفات اليونانية. فقد سيطرت إمبراطوريتها على بلاد الشرق والغرب، وتوارثتها الإمبراطورية الرومانية بميثولوجياتها، ثمّ انتقلت مع شعوبها التي آمنت بالدين المسيحي. كذلك تأثر الدين الإسلامي بطقوس العرب في الجاهلية؛ كمناسك الحج، والصوم في رجب ورمضان، واتباع التقويم في حضارات بلاد ما بين النهرين، وتأثر بطقوسها أيضًا؛ مثل التضحيات والنذور، ومبدأ الثواب والعقاب في الطوفان، وعملية التطهير في شرائع حمورابي، وذلك بسبب نشوء الدين الإسلامي في منطقة الجزيرة العربية المجاورة لبلاد ما بين النهرين.

  1. Cline & Graham, p. 75.
  2. (الصافات: 99 – 110.)

ثمّ إنّنا نلاحظ وجود مبدأ مشترك في بعض أساطير الحضارات القديمة مع معتقدات الأديان السماوية الثلاثة، ورأينا أن نختار منها ستّ ميثولوجيات متضمنةً ما يلي من الأساطير والطقوس:

أسطورة الطوفان

من خلال الحضارات القديمة والأديان السماوية في ما يتعلّق بمبدأ الثواب والعقاب، يتّضح أنّ الأساطير والمعتقدات الدينية تشترك في أنّ الآلهة السماوية وحدها هي التي تملك أحقية فرض العقاب والثواب. فهي من عاقبت الإنسان على شروره وخطاياه في حقّ أخيه الإنسان بإغراق مزروعاته وممتلكاته، حتى بات لا يملك شيئًا لاستمرار بقائه. كما أنها تُبيِّ الكيفية التي تمّ بها اختيار الصالحين من البشر لإنقاذ ذريتهم والكائنات الحيّة، وإنقاذ الطبيعة من دمار الطوفان. فقد تمّ اتخاذ وسيلة الإنقاذ نفسها المتمثّلة بالفُلك أو السفينة. ونلاحظ من خلالها عمليةَ صراع بين الخير والشر، وعواقبهما المنبثقة من صراع البقاء بين الكائنات الحية، وبين الإنسان وأخيه على الأرض. وتُظهر الأساطير مبدأً لترهيب الإنسان وترغيبه من أجل الالتزام بالمبادئ والوصايا التي شرعتها الآلهة السماوية في الحضارات القديمة، ورسائل الكتب السماوية التي أُنزلت على الأنبياء والرسل لتقويم الإنسان، وردّه عن ضلالته إلى الصراط المستقيم، إذ يتخذ الكهنة دورًا مشتركًا في الحضارات القديمة هم ورجال الدين في الأديان السماوية؛ مثل فروض التوعية والتبشير وهداية الناس؛ من أجل إصلاحهم نحو قيمة الخير المعطاء.

أسطورة الخلق

تُظهر هذه الدراسة، من خلال سردها، معتقدات الحضارات القديمة (الرافدية، والفارسية، والفرعونية المصرية، والصينية، والهندية)، ومعتقدات الأديان السماوية أيضًا، أهميةَ العناصر الأربعة، بالنظر إلى أنّ الماء هو العنصر الأول في أساس الخلق للكون واستمرارية الحياة على الأرض. وتتّضح من الدراسة بحوث متعدّدة في مسألة الخلق، استنادًا إلى دراسة فلكية في عملية تحليل المتقدّمين لتخصيب الأرض، وكيفية إحالتها على علاقة الكواكب والنجوم بالأرض وتأثيراتها فيها. فمن أجل ذلك عبدوها كآلهة. كما تُظهر الدراسة أنّ الأديان أنهت ذلك البحث الطويل بكيفيّة خلق الله الواحد الأحد للكون.

قصة آدم وحواء

في هذه الدراسة شرحٌ لقصة آدم وحواء من خلال الحضارات القديمة وتلاقيها في فرضياتها مع الأديان السماوية، مع إظهار الانتقال إلى الحالة الفلسفية، ليجريَ النظر في كيفية تزاوج الإنسان، إضافةً إلى التحليلات الافتراضية للمتقدّمين التي رأت أنّ الإنسان وليد السماوات، وليس وليد الأرض كبقية الكائنات الحية، بالقول إنّه أرفع منزلةً منها، على الرغم من غرائزه؛ وذلك استنادًا إلى امتلاكه العقل والمنطق، كما حدّد ذلك بعض فلاسفة اليونان. لذا، جاءت قصة آدم وحواء بتسميات أخرى عند الحضارات القديمة، وجاء مبدأ الخطيئة بمخالفة "آدم وحواء" عند الأديان السماوية الثلاثة للقوانين والشرائع السماوية؛ وذلك من خلال الأكل من شجره الحياة الخاصة بالآلهة والمحرّمة على الإنسان. وهكذا، تأتي معاقبة الآلهة له بإسقاطه إلى الأرض. وتُظهر الدراسة استمرارية هذه الأسطورة مع الأديان، ولكنّ ذلك يكون من منظور ديني مختلف، وعلى نحوٍ أبلغ، بحسب ما جاء في الرسائل السماوية.

طقسية التطهير

يمثّل التطهير، من حيث آليّته، مبدأً مشتركًا عند الحضارات القديمة المذكورة سابقًا. ومع الأديان السماوية، كانت المياه من أهمّ عمليات التطهير من الأوساخ المادية للجسد؛ كمرحلة أولى للوصول إلى مرحلة تطهير الروح من أدرانها عبر الصلاة وعبادة الله جلّ جلاله. ونلاحظ استخدام المياه كمبدأ للثواب عبر التطهير والتعميد، واستخدامها للعقاب عبر الطوفان عند الحضارات القديمة والأديان. كما نلاحظ آليات مشتركةً كثيرةً للتطهير بين الحضارات القديمة والأديان؛ كالنار التي استُخدمت مبدأً للعقاب (نار جهنم)، وقد جرى ذِكر ذلك في الدراسة باستعراض ميثولوجيات الأساطير عند الحضارات القديمة والأديان.

التطواف

نظرت الدراسة في كيفية تناول الحضارات القديمة لطقسية التطواف، أو الطواف، واستمراريتها مع الأديان، وأظهرت عملية التطواف كتقليد طقسي ديني قديم (كان ذلك عند الإغريق بالتمثال المقدس للآلهة أثينا)، وكيفية انتقاله إلى المسيحية في تطواف تمثال السيدة العذراء، وكذلك تطواف العرب في الجاهلية حول الحجر الأسود، وانتقال آلية هذه الطقوس مع الإسلام عبر شرائع مفروضة (الحج إلى بيت الله الحرام) بالتطواف حول الكعبة الشريفة، وقد أمر النبي محمد بتحطيم الأصنام التي بداخلها، وتحويلها إلى مركز ديني للحج، في إثر تطهيرها من الأفكار الوثنية.

طقسية القرابين والنذور

نلاحظ أنّ الطقسية المذكورة قد استمرت. فبعد أن كانت بعض الحضارات القديمة تُقدّم أطفالها كتضحية ونذور بشرية للآلهة عند الفينيقيين، استبدلت ذلك بالدواجن والخرفان، بفرضها من قبل ملوك وأباطرة المنطقة. وفي هذا السياق تأتي قصة النبي إبراهيم عند اليهود والإيحاء الرباني له بالتضحية بكبشٍ لمنع التضحيات البشرية التي كانت سائدةً عند بني إسرائيل قبل إيمانهم بالله. واستمرت هذه التقديمات والأضاحي والنذور سائدةً في الأديان إلى يومنا هذا، إذ إنّ كثيرًا من الناس يُقدّم للأنبياء والقديسين والأولياء الصالحين؛ ليلبُّوا أمنياتهم، ولكي يرضوا عنهم ويشفعوا لهم عند رب العالمين بالتوبة والخلاص، ونحوهما. كما جاء في معتقدات الحضارات القديمة مبدأ الخلود أو البعث بعد الموت؛ لعدم اقتناعهم بانتهاء حياتهم القصيرة من دون أن يكملوها برؤية كل نِعَم الكون الأزلية، أو لفقدانهم أحبتهم من آباء وأبناء وأمهات وزوجات. لذا، جرى افتراض الحياة الثانية في معظم الحضارات القديمة، وكانت تُجمع الولائم والهدايا والتقديمات وتُرفق مع الميت تحسّبًا لعودته إلى الحياة. وفي بعض الحضارات نجد اعتقادًا قائمًا على تقمص الروح (كالصينين والهندوس بشأن السمسارا)؛ لمعرفة حقيقة مبدأ العقاب والثواب، وهو ما يجعلنا ندرس كيفية تلاقي هذه الحضارات - عبر علومها الفلسفية والفكرية - مع الأديان السماوية التي صنّفت هذه العلوم وتخصص فيها مفكرون وعلماء دين وفلاسفة، وغيرهم، لإثبات فناء الجسد وخلود الروح الصالحة بانتقالها إلى السماء. أمّا الروح الخاطئة، فتذهب إلى جهنم حيث يكون عقابها بالنار. ولإلقاء الأديان السماوية مسألة همّ التفكير في هذه المعضلات عن كاهل البشر، تُلقى همومهم ومسيرة عناء حياتهم على الرسل والأنبياء وخالقهم الواحد الله جلّ جلاله الذي خلقهم وتكفّل بوجودهم ومماتهم وإحيائهم وبَعْثهم من جديد إن أراد ذلك. في ضوء هذه الدراسة، يمكن أنْ نُظهر النقطتين الآتيتين: أولً، لقد أعطتنا الأساطير والطقوس القديمة توثيقًا تاريخيًّا لوجود مدن وحضارات قديمة عديدة زالت عبر الزمن بسبب الحروب وتقلبات الطبيعة، ولم يتبقَّ منها سوى بعض الأطلال التي تتطلّب منّا الحفاظ عليها والبحث عن أسرارها، كما أنها أرّخت لملوك عظماء

تركوا لنا آثارًا لعلومهم ومعارفهم عن نشأة الكون، وأساس خلق الإنسان، وكيفية مواجهة قوى الطبيعة، من خلال التوثيق على الرُّقم والصخور وجدران المعابد؛ بدءًا من أسطورة التكوين البابلية، وما خلّفه علماء هذه الحضارة وفلاسفتها من علوم هندسية وطبية وفلكية، مُثبتة بالحقائق والبراهين العلمية التي كانت أساسًا لتطوير علومنا عبر التاريخ، وكذلك ما دوّنه ملوكهم وأدباؤهم من تشريعات للقوانين الإنسانية كشرائع حمورابي، لتتحول هذه الأساطير إلى مادة تاريخية تستحق أن تُدرس بعمق كبير؛ بالنظر إلى ما تحتويه من مضامين فكرية راقية وإمكانات الاستزادة من العلوم التي تخدم تطور أجيالنا المقبلة. ثانيًا، ضرورة المحافظة على آثار الحضارات القديمة وكل اللّقى الأثرية المكتشفة التي سطّرت لنا تاريخ نشوئنا وتطورنا البشري كحضارات راقية؛ عبر تداول أساطيرها، واتباع طقوسها إلى يومنا هذا. فهي شاهدة على أوّل سجلّ تاريخي أنتجه العصر القديم ووثّقه ودوّنه، عبر أساطير استمدت مادتها وأمكنتها وأزمنتها منذ ولادته، ومن ثمّ فهي تضطلع بدور أساسي في البناء المعرفي والعلمي للتطور الحضاري بالنسبة إلى الإنسانية، وهي مصدر تاريخي مهمّ جدير بالدراسة والاهتمام. بناءً على ما تقدّم، من الأهمية، بالنسبة إلى الباحثين، الاستفادة من جوهر هذه الأساطير وطقوسها ودلالاتها، وهي التي أصبحت مصدرًا إيمانيًّا من خلال الصلاة والإيمان بالله الواحد الأحد على مرّ التاريخ. ولا شكّ في أنّ ذلك يكون بعدم عَدّها مصدرًا للتناحر والصراعات في ما بين الأديان السماوية استنادًا إلى مبدأ التفاضل، بل يكون باتخاذها كآليات متنوعة المعتقد؛ لتُعبِّد السبيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولتنظيم البشرية حتى لا تعمّها الفوضى.

المراجع

العربية

أبو عساف، علي. الآراميون: تاريخًا ولغةً وفنًا. طرطوس: دار أماني للطباعة والنشر، 1988.

إيمار، أندريه وآخرون. تاريخ الحضارات العام. بيروت، لبنان: عويدات للنشر والطباعة، 2003.

بابلون، أرنست. الآثار الشرقية. ترجمة مارون عيسى الخوري. طرابلس - لبنان: دار جروس برس/ دار حكمت شريف، 1987.

باقر، طه. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. بغداد: دار الوراق للنشر، 2006.

برستد، جيمس هنري. صفحات من تاريخ مصر. ترجمة حسن كمال. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1990.

حسين، عبد الله. تاريخ ما قبل التاريخ. مصر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014.

داوود، يوسف أحمد. الميراث العظيم. دمشق: دار المستقبل، 1991.

الدملوجي، فاروق. تاريخ الأديان. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 2004.

دوران، جيلبير. الأنثروبولوجيا: رموزها، أساطيرها، أنساقها. ترجمة مصباح العمد. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1993. ديب، سهيل. التوراة بين الوثنية والتوحيد. بيروت، لبنان: دار النفائس، 1985.

ديورانت، ويل. قصة الحضارة: السومريون. ترجمة زكي نجيب محمود. بيروت: دار الجيل، 1998.

زكار، سهيل. المحذوف من التوراة كاملً. بيروت: دار قتيبة للطباعة والنشر، 2006.

. التوراة، النصوص اليهودية المسيحية المقدسة. بيروت: قتيبة للطباعة والنشر، 2007.

زكري، أنطوان. تاريخ مصر القديمة: الأدب والدين عند قدماء المصريين. القاهرة: مطبعة المعارف،  1923.

سركيس، سلامة. الأرخيولوجيا: منهجيات – مراحل - إشكاليات. بيروت: دائرة منشورات الجامعة اللبنانية، 2003.

السواح، فراس. مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة، سوريا، أرض الرافدين. ط 13. دمشق: علاء الدين للنشر والتوزيع، 2002. سيرنج، فيليب. الرموز، في: الفن - الأديان – الحياة. ترجمة عبد الهادي عباس. ط 2. دمشق: دار دمشق للنشر، 2009.

الشوفي، نزيه. كشف الحقائق التاريخية. دمشق: دار اتحاد الكتاب العرب، 2003.

عبد الرحمن، خليل. أفستا: الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية. دمشق: دار روافد للثقافة والفنون، 2008.

العقاد، عباس محمود. الله: نشأة العقيدة الإلهية. ط 4. القاهرة: دار المعارف المصرية، 1964.

عكاشة، ثروت. موسوعة تاريخ الفن: العين تسمع والأذن ترى، الفن الهندي. القاهرة: دار الشروق، 2005.

كريمر، صموئيل. من ألواح سومر. ترجمة طه باقر. بغداد/ القاهرة: مكتبة المثنى / مؤسسة الخانجي المصرية،  1970.

لويد، سيتون. آثار بلاد الرافدين في العصر الحجري القديم حتى الاحتلال الفارسي. ترجمة سامي سعيد الأحمد. بغداد: مطابع دار الحرية، 1980.

يوغي، مهاريشي ماهش. ترجمة علي مولى. البهاغافاد غيتا. ويلتسشاير: د. ن، 1965.

هيرقليطس، جدلالحب والحرب. ترجمة عبد المنعم مجاهد. بيروت: دار التنوير للنشر، 1983.

الأجنبية

• Untracht, Oppi. Tradition Jewelry in India. London: Thames & Hudson, 2008.

• Kramer, Samuel Noah. In the World of Sumer. Wayne State: Wayne University Press, 1988.

• Egyptian Treasures from the Egyptian Museum in Cairo. Cairo: Egyptian Museum Publisher, 1999.

• Filliozat, Jean. L'Inde Classique, Manuel des Etudes Indienne. vol.  11. 2 ème edn. Paris: FEO, 1985.

• Lemaire, André. Les écoles et la formation de la Bible dans l'ancien Israë l. Paris: Fribourg/ Göttingen, 1981.

• Fox, Peter. Text and Script.  2 nd edn. Dublin: Library Dublin, 1990.

• Anderson, George. The Insular Gospel. London: Thames & Hudson, 1987.

• Lewis, Susan. Sacred Calligraphy: The Chi Rho Page in the Book of Kells. New York: Fordham University Press,

• Otto, Karl. Werckmeister. Berlin: Tats, 1967.

• Caillet, Jean-Pierre et al. L'Art du Moyen Âge: Occident, Byzance, Islam. Paris: Gallimard, 1995.

• Cathie, Spiser. Les Noms Du Pharaon: Comme Etres Autonomes Au Nouvel Empire. Switzerland: Academic

press Fribourg, 2000.

• Trnek, Helmut & Nuno Vassallo e Silva et al. (eds.). Exotica: The Portuguese Discoveries and the Renaissance

Kunstkammer. Lisbon: Calouste Gulbenkian,  2001.

• A Selection of Early Chinese Bronzes-Eskenazi. Eskenazi: London, 2006.

• Szablowski, Jerzy. Arrasy wawelskie. Warszawa: Arcady, 1994. O'Kane, Bernard. The Iconography of Islamic

Art: Studies in Honour of Robert Hillenbrand. Scotland: Edinburgh University Press, 2007.

• Cline, Eric H. & Mark W. Graham, Ancient Empires: From Mesopotamia to the Rise of Islam. London: Cambridge

University press, 2011.

• Christin, Anne-Marie. L'image écrite ou la déraison graphique. Paris: Flammarion, 2001.

• Keigthley, David N. Sources of Shang History: The Oracle-Bone Inscription of Bronze Age China. Berkeley:

University of California Press, 1978.

• Ishigami-Iagolniser, Michiko. Les Hyakumanto dharani et les débuts de la Xylographie au Japon, VIII-XIII

Siècles. Bordeaux: Société des bibliophiles de Guyenne, 1996.