Return to Article Details The Transition from the Timar System to the Iltizam System in the Ottoman Sanjak of Tripoli

التحول من النظام التيماري إلى نظام الالتزام في لواء طرابلس العثماني

The Transition from the Timar System to the Iltizam System in the Ottoman Sanjak of Tripoli

محمد جمال باروت

الملخّص

يعالج هذا البحث إشكالية العلاقة بين نشوء شريحة الأعيان النصيرين (العلويين) المحليين، بالمعنى العثماني المحدد، للتوسط بين الدولة والمجتمعات المحلية في جبل النصيرية، وبين التحول من النظام التيماري إلى نظام الالتزام في لواء طرابلس العثماني الذي كانت مناطق الجبل تابعةً له. ويطرح البحث هذا التحول كعملية تاريخية -اجتماعية- اقتصادية حدثت على مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر، تعايَش فيها النظامان معًا، لكنّ النظام التيماري لم يعُد مهيمنًا وصولًا إلى انحلاله الفعلي. وشكّلت عملية التحول الأساس الموضوعي لانزلاق السلطة المحلية من المركز العثماني إلى الأعيان النصيريين المحليين في الجبل، وصولًا إلى اضطلاعهم بموجب حجج (صكوك) الالتزام بوظائف السلطات العامة في مجالهم المحلي، ولا سيما مع إعادة الهيكلة الاقتصادية لإنتاج الجبل على أساس الارتباط بالسوق العالمية عبر التجارة الخارجية.

Abstract

This paper examines how the replacement of the Timar land-holding system with the Iltizam form within the Ottoman Eyalet of Tripoli impacted the Alawi religious community settled in the “Nusayri” (or “Alawite”) Mountain (“Jabal Al Alaouieen”, along the coast of present-day Syria) which fell within that administrative district. In the new Eltizam form of land holding, the tax revenues were divided between the Ottoman state and a Multazim, nurturing the rise of a stratum of local notables from within the Alawite community. The author studies the ensuing transformation as a historical-social-economic process which unravelled over the seventeenth and eighteenth centuries, a period during which the two systems of land holding coexisted side-by-side. When this transformation was complete, local authority was invested in regional Alawite notables, and drawn away from the central authority of the Sublime Porte. Gradually, the authority of these Alawite notables was sanctioned by the religious authorities in Tripoli who officially recognized their responsibility for the maintenance of peace and security and of public works. This process was accelerated by the rise of tobacco as a cash crop harvested in the Jabal Al Alaouieen, and the region’s increased integration into the world economy.

الكلمات المفتاحية:
  • التيمار
  • الالتزام
  • الأعيان
  • حجة شرعية
  • خير بك
Keywords:
  • Timar
  • Iltizam
  • Nobility
  • Sharia Deeds
  • Khair Bey
*Mohammed Jamal Barout محمد جمل باروت|
محمد جمل باروتMohammed Jamal Barout |
لا ب| رو
ج
يعالج هذا البحث إشكالية العلاقة بن نشوء شريحة الأعيان النصرين (انيلعلوي) المحلين بالمعنى العثمني المحدد
للتوسط بن الدولة والمجتمعات المحلية في جبل النصرية، وبن التحول من النظام التيمري إلى نظام الالتزام في لواء
ني الذي كانت مناطق الجبل تابعةً له. ويطرح البحث هذا التحول كعملية تاريخية – اجتمعية - اقتصادية
طرابلس العث
حدثت عى مدى القرنن السابع عر والثامن عر، تعايَش فيها النظامان معًا، لكنّ النظام التيمري لم يعُد مهيمنًا وصولً
إلى انحلاله الفعلي. وشكّلت عملية التحول الأساس الموضوعي لانزلاق السلطة المحلية من المركز العثمني إلى الأعيان
النصرين المحلين في الجبل، وصولً إلى اضطلاعهم بموجب حجج (صكوك) الالتزام بوظائف السلطات العامة في مجالهم
المحلي، ولا سيم مع إعادة الهيكلة الاقتصادية لإنتاج الجبل عى أساس الارتباط بالسوق العالمية عبر التجارة الخارجية.
كلمت مفتاحية: التيمر، الالتزام، الأعيان، حجة شرعية، خر بك.
This paper examines how the replacement of the Timar land-holding system with the Iltizam form within the
Ottoman Eyalet of Tripoli impacted the Alawi religious community settled in the “Nusayri” (or “Alawite”)
Mountain (“Jabal Al Alaouieen”, along the coast of present-day Syria)  which fell within that administrative
district.  In the new Eltizam form of land holding, the tax revenues were divided between the Ottoman state and a
Multazim , nurturing the rise of a stratum of local notables from within the Alawite community. The author studies
the ensuing transformation as a historical-social-economic process which unravelled over the seventeenth and
eighteenth centuries, a period during which the two systems of land holding coexisted side-by-side. When this
transformation was complete, local authority was invested in regional Alawite notables, and drawn away from
the central authority of the Sublime Porte. Gradually, the authority of these Alawite notables was sanctioned by
the religious authorities in Tripoli who officially recognized their responsibility for the maintenance of peace and
security and of public works. This process was accelerated by the rise of tobacco as a cash crop harvested in the
Jabal Al Alaouieen, and the region’s increased integration into the world economy.
Keywords: Timar, Iltizam, Nobility, Sharia Deeds, Khair Bey.
التحول من النظام التيمري إلى نظام الالتزام
في لواء طرابلس العثمني:
تشكّل شريحة الأعيان المحليين العثمنيين في جبل العلويين في القرنين
السابع عشر والثامن عشر
The Transition from the Timar System to the Iltizam System
in the Ottoman Sanjak of Tripoli:
The Formation of a Local Ottoman Nobility in the Alawite Mountains
in the 17 th and 18 th Century
لا ب| رو
ج

مقدمة

برزت منذ القرن السابع عشر ظاهرة تبلور "الأعيان" النصيريين (العلويين) بالمعنى العثماني في جبل النصيرية (جبل العلويين)، ليتطور دورهم، في أواخر القرن الثامن عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر، إلى دور سياسي يضطلع بصلاحيات السلطات العامة في مجتمعاتهم المحلية. ولا نعني غياب "الأعيان" المحلّيين الممثلين تقليديًا بالشيوخ ومقدمي العشائر النصيرية عن المجتمعات المحلية في الجبل قبل القرن السابع عشر، فلقد كان لها دومًا، في ضوء المفهوم النسبي لقيادات الجماعات، هذا النوع من الأعيان في اجتماعها الديني - الاجتماعي العشائري، بل نعني به على وجه التحديد المفهوم العثماني الأساسي ل "الأعيان" الذي تحدده وظيفة التوسط بين المجتمعات المحلية النصيرية وسلطة المركز العثماني للولاية. ركزت الدراسات العثمانية الحديثة في استخدامها لمفهوم الأعيان على هذه الوظيفة التوسطية في الاجتماع السياسي العثماني بين الأعيان ومركز السلطة. وقد حدّد ألبرت حوراني مفهوم الأعيان المدينيين بأنه "من يستطيع أن يلعب دورًا سياسيًا ما كوسيط بين الحكومة والشعب، وزعيمًا - إلى حدّ ما - لسكان مدينيين"1، وهو  ما يمكن تعميمه على الحواضر الريفية، بينما وسّع فيليب خوري مفهوم الأعيان ليشمل الأعيان الريفيين إلى حدود أنهم يعملون كوسطاء أو "سماسرة" لمصلحة الطرفين، أي إنهم الأعيان الريفيون الذين يستبطنون أهداف السلطة المركزية في مجالهم، ويعملون على إعادة إنتاجها ضمن مصالحهم2. يركز خوري على تشابك المصالح بين الأعيان الريفيين وأعيان السلطة الذين كان مسؤولوهم مثل الوالي وأمير السنجق يُعتبرون من شريحة الأعيان العليا. أمّا فاضل بيات، فهو يضع في ضوء استخلاص هذا المفهوم من تواتر هذا اللقب - الوظيفة في الوثائق العثمانية في منظومة الأعيان، منظومةً واسعةً تراتبيةً في علاقاتها، ومتفاوتةً في قدرات السلطة والنفوذ والتأثير. وتشمل منظومة الأعيان كما يرد في الوثائق العثمانية وفق بيات "الوالي، وأمير السنجق، والمتسلم، والويره ده (فويفودا Voyvoda)، والمحصل، والزعامات المحلية، كما عُدَّ من الأعيان منتسبو صنف الفئات العلمية المؤسسة الدينية الإسلامية؛ كالقاضي، والمفتي، والمدرس، والسيد وشيوخ الطريقة، وقائد الإنكشارية، ومتقدمي الأصناف والملتزمين. وكان يُطلق على كل هؤلاء اسم: أعيان الولاية"3. ويلتقي بيات مع خوري في تحديد الوظيفة التوسطية كأبرز محدد لمفهوم "الأعيان". غير أنّ المعالجة الجديدة التي أتى بها بيات لمفهوم الأعيان بالمعنى العثماني هو ربطه بالتحول من النظام التيماري للأراضي التي كانت تُدار بأسلوب التيمارات إلى نظام المقاطعات التي تُدار بواسطة الالتزام، ما رسّخ قوّة الملتزمين في مجتمعاتهم المحلية، بقدر ما جعل الدولة شديدة الاعتماد عليهم في تحصيل مواردها الضريبية، وصولً إلى منح أولئك الأعيان "الملتزمين" "صلاحيات إدارية"، بل اختيار الحكام المحليين و"المتسلمين" من بينهم4. يركز هذا البحث على الدور الإستراتيجي الذي أدّاه التحول من نظام التيمار إلى نظام الالتزام في عملية تشكّل فئة الأعيان الريفيين في جبل النصيرية، وسيرورتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر، المتمثلة في إعادة تشكيل مشايخ المجتمعات المحلية النصيرية ومقدميها في الجبل في شريحة "أعيان" محلية؛ بالمعنى العثماني للتوسط بين تلك المجتمعات وسلطة مركز الولاية بطرابلس. وتتمثل إشكاليته في كيفية فهم بروز ظاهرة الأعيان النصيريين المحليين التاريخية الاقتصادية - الاجتماعية، وتطور وظائفها في غضون نحو قرن ونيّف من الوظيفة الالتزامية الجبائية المحضة إلى الاضطلاع بكثير من وظائف "المتسلم" أو القائمقام، بما في ذلك وظائف

  1. ألبرت حوراني، "الإصلاح العثماني وسياسات الوجهاء"، في: الشرق الأوسط الحديث، طلائع الإصلاح وتبدل العلاقات مع أوروبا 1789  -  1918، إشراف ألبرت حوراني وفيليب خوري وماري ويلسون، ج  1 (دمشق: دار طلاس،  1996)، ص  118.
  2. قارن ذلك ب: فيليب خوري،  أعيان المدن والقومية العربية: سياسة دمشق 1860  -  1920، ترجمة عفيف الرزاز (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،  1993)، ص 27.
  3. فاضل بيات، الدولة العثمانية في المجال العربي: دراسة تاريخية في الأوضاع الإدارية في ضوء الوثائق والمصادر العثمانية حصرًا (مطلع العهد العثماني  - أواسط القرن التاسع عشر)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص 70.
  4. المرجع نفسه، ص 71.

السلطة العامة في مجتمعه المحلي، وآثار ذلك في تحوّل السلطة العثمانية المباشرة على الجبل في ذينك القرنين من سلطةٍ مباشرة إلى سلطةٍ غير مباشرة بواسطة الأعيان، كما هو الشأن بالنسبة إلى آثارها في تثبيت العائلات الأعيانية الالتزامية منذ القرن السابع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين، وربما ما بعده في زعامة عشائرها، والتوارث التقليدي لهذه الزعامة. بصَوغ آخر للسؤال: ما الدور الذي أدّاه التحول العثماني في الإدارة الضريبية للموارد في الأراضي التيمارية السابقة في مقاطعات ولاية طرابلس العثمانية، وفي إطارها مقاطعات جبل النصيرية بقسمَيه الشمالي (وقاعدته جبلة) والجنوبي (وقاعدته صافيتا)، إلى المناطق أو المقاطعات التي تُدار بواسطة نظام الالتزام، في نشوء ظاهرة الأعيان النصيريين المحليين بالمعنى العثماني وتطور أدوارهم؛ من أدوار جبائية محضة إلى أدوار سياسية محليّة آلت ببعضهم في إطار الوظيفة التوسطية إلى التحول إلى متسلمين أو حكام محليين لمقاطعاتهم، يضطلعون فيها بوظائف السلطة العامة، وفي مقدمتها الوظيفتان الجبائية والأمنية، بما رافق ذلك من تحوّل الوجود العسكري العثماني المباشر إلى وجود غير مباشر، وإدارة المجتمعات المحلية النصيرية بواسطة أعيانها، ومنحها قسطًا كبيرًا من الاستقلال المحلي الذاتي؟ وما آثار ذلك في العلاقة بين المقاطعات النصيرية الجبلية (الطرفية) والمركز العثماني بطرابلس؛ سواء كان هذا المركز يمثّل مركزَ ولايةٍ مستقلة، أو جزءًا من ولاية الشام، أو من ولايتي صيدا وطرابلس، وهما الولايتان اللتان ارتبط بهما لواء طرابلس العثماني، في سياق إعادة تشكيلهما من الباب العالي، أو في مجرى الصراع بين والي الشام ووالي صيدا على السلطة؟

أولً: انحلال نظام التيمرات

.من انحلال نظام التيمرات إلى نظام الالتزام 1

قام النظام التيماري على تصرّف الزعماء وأرباب التيمارات، وليس الدولة، في الجزء الأكبر من عائدات تيماراتهم أو زعاماتهم، مقابل إعداد مقاتلين مجهزين للحروب على نفقتهم عند الحاجة إليهم5، في حين أنّ التيمار الذي تبلغ عائداته ما  يزيد على عشرين ألف أقجة عثمانية كان خاصًا. كان أرباب التيمار والزعامات "موظفين"، وكان تعيينهم يصدر بموجب براءات سلطانية مركزية، ويتألف منهم فوج الآلاي الذي كان يقوده أحد الزعماء. وبهذه الوظيفة "انفردت" الزعامة عن أرباب التيمارات بكونها كانت تعني رتبة ضابط في الجيش6، بينما "خصخص" نظام الالتزام، بتعبير بيات، هذه الوظيفة الجبائية المباشرة7 لتكون من مسؤولية الملتزمين "الخاصين"، بموجب عقود مبرمة لدى المحكمة الشرعية المختصة. ويتمثل الفرق بين التيمار والزعامة بدرجة أساسية من ناحية العائد، في أنّ التيمار هو ما يقلّ عائده عن 19999 أقجة، بينما يُطلق عليه اسم "زعامة" حين يزيد عائده على ذلك. وإنْ زاد العائد مئة ألف أقجة فأكثر، فإنّه يُطلق عليه "خاصّ"، وهو من حقّ السلاطين والوزراء وأمراء الأمراء (البكلربكية)، وغيرهم. وإنْ قلّ عائد الزعامة أقجةً واحدةً عن عشرين ألف أقجة، فإنّ "اعتبار الزعامة" يسقط عنها، وفق ما يشير إليه أوغلي، وتسمى "تيمارًا". أمّا التيمارات الصغيرة التي تمنح للسباهي (الخيّال)، فهي ممّا لا يتجاوز عائده بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف أقجة. وهذه هي الأنواع الأربعة الرئيسة للتيمار محددة على أساس العائد المالي - الضريبي، وعلى أساس ما هي مكلّفة به من إعدادٍ وتجهيزٍ لعدد من الفرسان بنسبة العائد بكامل عدّتهم يُدعى الواحد منهم ب  "جبه لو" (ذو عتاد أو تسلح).

  1. المرجع نفسه، ص  78؛ قارن ب:  خليل ساحلي أوغلي، من تاريخ الأقطار العربية في العهد العثماني: بحوث ووثائق وقوانين (إسطنبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، 2000)، ص  503. بالنسبة إلى ولاية طرابلس كانت هناك وظيفة مميزة للزعامات والتيمارات تتمثل في المشاركة في حماية قافلة الحج الشامي من غارات البدو. قارن، مثلً، بوثائق دفتر المهمة التي نشرها أبو حسين عن أمن الحج والالتزامات العسكرية في ولاية طرابلس الشام، وولاية صيدا  –  بيروت. انظر: عبد الرحيم أبو حسين، لبنان والإمارة الدرزية في العهد العثماني، وثائق دفتر المهمة 1546  -  1711 (بيروت: دار النهار، 2005)، ص 220  -  226.
  2. بيات، ص  78. قارن ب: أوغلي، ص 504.
  3. المرجع نفسه، ص 110.

ومنذ عهد السلطان سليمان القانوني، خضعت حيازة التيمارات على مختلف أنواعها للسلطان، باستثناء التيمارات الصغيرة التي يراوح عائدها ما بين 3000 و 5000 أقجة، والتي يقع منحها في صلاحيات الوالي. ولم يكن التيمار على مختلف أنواعه منحةً عقاريةً، بل كان "منحةً ضريبية"ً fiscale concession Une، بتعبير بنحادة، يحوزها التيماري مقابل أداء الوظائف العسكرية المطلوبة منه، ولم يكن يملكها قَطُّ ملكيةً قانونيةً، وهو ما يستند فقهيًا إلى أنّ ملكية الأرض أو "الرقبة" هي لله، بينما "الحيازة" و"التصرف" هما للتيماري. ومن هنا، لم يكن التيمار ملكيةً خاصةً قابلةً للتوريث، بل حيازة فقط"8. لا يعني التحول من النظام التيماري إلى نظام الالتزام أنّ النظام التيماري قد صُفّي نهائيًا كأسلوب لاستثمار عائدات الأرض الزراعية، لكنه يعني أنّ هذا النظام لم يعُد مهيمنًا، ليسير في طريق الانحلال الفعلي، ولا سيما في ولاية طرابلس التي طُبِّق فيها نظام الالتزام على نطاق واسع أكبر من نطاقات الولايات الشامية العثمانية الأخرى في النصف الأول من القرن السابع عشر9. ومن هنا استمر التعايش بين النظامين التيماري "القديم" السائر في طريق الانحلال الفعلي والتفكك الوظيفي (وليس القانوني المنظّم لاستثمار عائد الأراضي) وبين النظام الالتزامي الجديد "الصاعد" الذي سيغدو مهيمنًا على استثمار الإقطاعات التيمارية في ولاية طرابلس، وهو ما نفهمه من عقود المحكمة الشرعية بطرابلس لملتزمي صافيتا في القرن الثامن عشر بعدم تكليفهم بجباية أموال التيمارات القائمة في منطقتهم، حيث كان يَرِدُ هذا الاستثناء في العقود في صيغةٍ تستثني "تيمار مستحفظان"، ويُقصد به حراس التيمارات أو حماتها، وبالدرجة الأولى مقاتلو القلاع. وفي استخدام المصطلح دليلٌ على استمرار العمل بنظام التيمار10، وإن لم يعُد هذا النظام مهيمنًا، بل محدودًا ببعض الأماكن، كما أنّ النظام التيماري قد بقيَ يعمل في لواء جبلة، وإنْ بوهنٍ شديد، حتى تسعينيات القرن السابع عشر. يتمثل هنا الأساس الموضوعي في تشكّل شريحة "الأعيان" في الجبل. فلقد كان الأعيان الملتزمون يحوزون حقَّ استثمار الأرض بطريقة الالتزام الضريبي، وليس بملكيتها التي تبقى للدولة. ولم يكن الالتزام منحةً عقاريةً، بل كان منحةً ضريبيةً. فقد كان التيمارجي يحوز ولا يملك، وكانت حيازته لا تُورّث لأولاده؛ لأنها كانت مشروطةً بخدمة الدولة المالية والعسكرية11. ولم يشُذّ نظام "المالكانة" اللاحق الذي طُبّق في المناطق الالتزامية في النصف الثاني من القرن السابع عشر في بلاد الشام عن ذلك، للاستفادة من ضرائبه المسبقة في سدّ عجز موارد الموازنة، لكنه كان منحةً يجري استثمارها كملكية حيازةٍ وتصرّفٍ طوال حياة المالكاني وليس كملكية خاصة، وفي ضوء فرضية أنّ "المالكانة" ستدفعه إلى الإنفاق في استثمارها على نحوٍ أفضل12. لكنّ نظام المالكانة ظلَّ حكرًا على الطبقة العسكرية العثمانية أو طبقة رجال الدولة، وكان نظامًا معقدًا نسبيًا. فالمالكانيون، عمومًا، لم يكونوا يهتمون بالعملية اليومية للمالكانة، بل كان لهم شركاء ماليون، وكان الناتج الصافي للمالكانة يُقسم بين الدولة والمالكاني والمتعاقدين الفرعيين والصيارفة13. كان انحلال النظام التيماري للجبل قد بدأ يظهر بوضوح في الأراضي التي يديرها "أرباب التيمارات والزعامات" في ولاية طرابلس، والولايات الشامية العثمانية عمومًا، منذ أواخر القرن السادس عشر14. والواقع أنّ انحلال هذا النظام قد تساوق، كما تشير دراسات شوكت باموك النقدية والمالية، مع انحلاله في مراكز السلطنة منذ أواخر القرن السادس عشر، حيث بدأ بيع الوحدات الضريبية بالمزاد العلني

  1. أوغلي، ص 504. قارن ب: عبد الرحيم بنحادة، العثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة (الدار البيضاء: دار اتصالات سبو، 2008)، ص 129  -  130؛ بيات، ص 77.
  2. بيات، ص 114 – 115.
  3. من مراسلة إلكترونية بين الباحث والدكتور فاضل بيات حول دلالة بعض المصطلحات العثمانية المتعلقة بالالتزام، في 10  /  9  /  2016، وقد اعتمد الباحث على شرح بيات لها.
  4. بنحادة، ص 129.
  5. كان هذا النظام قد طُبِّق في بعض مناطق بلاد الشام ومصر، ثم عُمِّم بدءًا من عام 1100 ه/ 1687  -  1688 م على الولايات العثمانية لسدّ حاجة الخزانة إلى المال، إذ كانت أراضي المالكانة عبارة عن مقاطعات مالية تُباع مقابل "أجرة مُعجّلة" للمتصرف بها طوال حياته. وحين وفاة المتصرف، كان من المفترض أن تُباع أراضي المالكانة من جديد للحصول على الأجرة المُعجّلة من جديد. أوغلي، ص 279؛ بيات، ص 32.
  6. شوكت باموك، التاريخ المالي للدولة العثمانية، ترجمة عبد اللطيف الحارس (بيروت / طرابلس، ليبيا: المدار الإسلامي، 2005)، ص  361.
  7. بيات، ص 30  -  31.

في إسطنبول15. ونجد تعبيرًا عن مأزق نظام التيمار وانحلال وظائفه الأساسية في رسالة أمين "الدفتر الخاقاني" عين علي أفندي إلى الصدر الأعظم"، وقد حملت عنوان "قوانين آل عثمان در مضامين دفتر ديوان"، أي بالعربية: "قوانين آل عثمان في ما يتضمنه دفتر الديوان"، وهي التي يشير ساطع الحصري (1879  -  1968 م) أول من نشر ما  يتعلق منها بالإيالات العربية في القرن السابع عشر إلى أنه وجهها إلى الصدر الأعظم مراد باشا عام 1018 ه/ 1609 م16. وفي الرسالة الكاملة التي نشرها خليل ساحلي أوغلي في عام 2000 م، يتوقف علي أفندي عند ما يصفه ب "خلل النظام"، أي نظام التيمار في زمنه، ويعيده إلى سببين: "أولهما: انتساب التيماري إلى أحد ذي سلطة، وانتسابه هذا يجعله يمتنع عن المشاركة مع جند سنجقه في الحروب، وثانيهما: عدم الاحتفاظ بدفاتر الكشوف المشتملة على أسماء الذين شاركوا في الحملات" على نحوٍ "يتعسّ فيه معرفة من يخدم السلطان مقابل التيمار". ويكشف علي أفندي في رسالته عن تهرب التيماريين من أداء واجبهم في الخدمة، من ناحية أولى، حيث "إنك لا تجد وقت الخدمة والهمّة تيماريًا واحدًا من كل عشرة تيماريين"، وعن تنازعهم في التيمار "وعند المحصول يتنازع عشرة أشخاص على تيمار واحد"، وقدّر علي أفندي أنّ "ما هو مذكور في دفاتر الكشوف لا يزيد على عشر دفاتر الإجمال، فلا تكاد تعثر على عشرة أنفار أو خمسة عشر نفرًا من السباهية في سنجق يُعتقد أنه كان يوجد فيه مائة نفر منهم"17. برز هذا الانحلال في عجز النظام التيماري في إيالة طرابلس عن أداء وظائفه المطلوبة بالنسبة إلى الدولة في توفير الضرائب والمشاركة بفرسان في الحرب، والتلاعب بنظام استثمار التيمارات نفسه، إلى درجة أنّ السلطان العثماني، كما تشير وثائق "دفتر المهمة" العثماني الذي نشره وحققه عبد الرحيم أبو حسين، في حُكم مُوجّه إلى والي طرابلس وقضاتها في ذي القعدة 1019 ه (كانون الثاني/ يناير - شباط/ فبراير 1611 م)، إلى أنّ متفرقةً وجاوشيةً وكتبةً من عتبتي العليا المعتمدين في الزعامات والتيمارات في الولاية المذكورة، وسائر الزعماء وأرباب التيمار عمومًا، "لم ينضموا إلى الحرب مع الصفويين في هذا العام 1019 ه/ 1611 م"، وأمر الحُكم بعزل أفراد المتفرقة والجاوشية والكتبة والزعماء وأرباب التيمارات الذين يتصرفون في الزعامات والتيمارات في ولاية طرابلس ولم يشاركوا في الحرب، وبعدم تثبيت أيٍّ منهم في تيماره إلا ببراءة جديدة18. كشف قرار السلطان عن جانب واحد يتعلق بانحلال الوظائف المالية العسكرية التيمارية، ولا سيما العسكرية منها، من حيث إنّ الحيازة التيمارية الممنوحة من قبل السلطان للتيماري كانت مشروطةً بخدمة الدولة ماليًا وعسكريًا. غير أنّ التاريخ الاجتماعي - الاقتصادي للتيمار في هذه المرحلة يبيّ ما لم يوضحه حكم السلطان، وهو انحلال الوظيفة الزراعية العسكرية للتيمار. ففي المجال العسكري تَوضّح عجزه عن تزويد الجبهة بالجنود، وهو ما بيّنه حُكم السلطان، لكنّ هذا العجز كان يعبّ عن أزمة بنيوية فيه، تمثلت في أنّ هذا النظام لم يعُد فعليًا مقصورًا على مَن مُنحوا براءات له بوصفهم موظفين، بل إنّها تُفسخ بعمليات "التنازل" أو "التأجير" التي شاعت بعد شرعنة تأجير التيمار للغير، والفتوى بها، لمُدد معلومة مقابل "أجرة معلومة من الدراهم"19، وهو ما  كان له دور كبير في استشراء ما لحظه علي أفندي ممّا يسميه "الحيل"، وبروز ظاهرة التنازع في حيازة التيمارات، نتيجة عدم توثيق عمليات انتقال استثمار التيمارات20. فأدّت الفتاوى دورًا ملحوظًا في هذا الشأن، تمثّل في خصخصة استثمار الأراضي التيمارية من ناحية تكييفها مع بعض جوانب معيّنة لمفهوم السوق. وكانت هذه الظاهرة شاملةً، إذ شملت عمليات التأجير للغير في مقاطعات طرابلس في القرن السابع عشر ما يطلق عليه اسم "الخواص السلطانية"،

  1. باموك، ص 166  -  167.
  2. ساطع الحصري،   البلاد العربية والدولة العثمانية، ط 2  (بيروت: دار العلم للملايين، 1960)، ص 230  -  239.
  3. رسالة علي أفندي في التيمار. انظر: أوغلي، ص 660  -  661.
  4. أبو حسين، ص 209  -  210.
  5. بيات، ص 81. وحول الفتاوى بشرعنة ذلك، انظر ما أورده ابن عابدين من فتوى: "في تيماري آجر أراضي قرية معلومة جارية في تيماره إجارة شرعية لازمة للزراعة الصيفية والشتوية، فهل تكون الإجارة صحيحة؟ الجواب: نعم"، ابن عابدين (محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الشهير بابن عابدين)، العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، اعتنى به محمد عثمان، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2008)، ص  190  -  191.
  6. رسالة علي أفندي في التيمار. انظر: أوغلي، ص 662.

بانزلاق استثمارها بواسطة "التأجير" للغير، وقد كانوا بدرجة أساسية بلوكباشية (أو قادة سرايا) القوة الإنكشارية التي تخلخلت بنيتها، وغدَت ممتزجةً بالمجتمعات المحلية، وتعمل لمصالحها الخاصة، وليست متفرغةً لخدمة السلطان21. لم يعُد التيماري في هذه العلاقات "الإيجارية" ضامنًا مباشرًا على الأقل للالتزام بتجهيزات الخدمة العسكرية من عتادٍ وجنودٍ، بل غدَت قدرته محدودةً في مجال التجهيز العسكري، لتكشف أعظم مواجهة ما  بين السلطان مراد الرابع (تولى السلطنة في الفترة 1032  -  1049 ه/ 1623  -  1640 م) والصفويين، في ثلاثينيات القرن السابع عشر، عن إخفاق الوظائف الضريبية والعسكرية - ولا سيما العسكرية منها - لهذا النظام حين لم يستطع قاسم باشا بن يوسف باشا المشاركة في حملة السلطان على الصفويين لاسترداد بغداد منهم، بسبب عدم استعداد قادته التيماريين لذلك. فلم يستطع أن يشارك في الحملة إلا ب "نفر قليل" على حدّ تعبير الدويهي، ما أدّى إلى غضب الدولة عليه22.

.تحوّل لواء جبلة من خاص سلطاني إلى نظام التيمر 2

كان السلطان سليمان القانوني قد جعل الموارد الضريبية للواء جبلة خاضعةً لنظام "الخاص السلطاني". ويستثمر هذا اللواء "ملتزمو خواص جبلة من أرباب التيمار". وكانت هذه الموارد في لواء جبلة، كما هو الشأن في سائر الخواص السلطانية، تؤول مباشرةً يومئذ إلى الخزانة المركزية، ويجبيها موظفون يُعرفون ب "الأمناء" أو "مباشري الأموال"23، وكان على ملتزم الخواص السلطانية أن يُعِدّ "جبه لو"، أيْ جنديًا خيّالً مجهزًا بعتاده قادرًا على القتال متى استدعى الأمر ذلك، من عوائد الخاص، بمعدل خيّال واحد عن كل خمسة آلاف أقجة من عائد "الخاص"24. وممّا يُستنتج من الوثائق أنّ لواء جبلة كان تابعًا إداريًا، في مرحلة السلطان القانوني، لوالي الشام أو بكلربكي "ولاية العرب" التي شمل مجالها بلاد الشام التاريخية – الجغرافية، في ماعدا المناطق العليا للجزيرة الفراتية التي أُتبعت لولاية جديدة هي ولاية "ديار بكر"25، ثمّ صار لواء جبلة تابعًا لولاية طرابلس بدءًا من عام 1579 م، حين فصل لواء طرابلس عن ولاية العرب (الشام)، كولاية مستقلة إداريًا26، فغدا لواء جبلة أحد ألوية ولاية طرابلس الشام الخمسة، وهي ألوية طرابلس الشام، وحمص، والسلمية، وحماة، إضافةً إلى جبلة27. يبدو أنّ فلاحي جبلة حاولوا أن يعرقلوا عمل "الأمناء" في جباية "الأموال الأميرية" المطلوبة منهم، ما دفع أرباب الخواص السلطانية إلى تفسير تقصيرهم بتسديد ما هو مطلوب منهم لخزانة السلطان بامتناع الفلاحين عن دفع "الأموال الأميرية". ويشير حُكم سلطاني مُوجّه من السلطان القانوني إلى بكلربكي الشام، في الثاني من رجب 959 ه (24 حزيران/ يونيو 1552 م)، إلى شكوى فلاحي جبلة المدينين للمال الميري "ضد ملتزمي خواص جبلة من أرباب التيمار"، بينما نفى التيماريون ذلك، وادعوا أنهم "تعرضوا إلى الخسائر خلافًا للحق، فضلً عن عرقلة تحصيل المال، ما ترتب على ذلك ضرر كبير". ويبدو أنّ التيماريين قد استأنفوا الشكوى لدى السلطان

  1. م. د. 78  /  1562، حكم إلى والي دمشق ودفتردارها مؤرخ في أوائل ربيع الأول - أواخر ذي الحجة (حزيران/ يونيو 1609  - آذار/ مارس 1610 م)، أبو حسين، ص 135  -  136. يشير حُكم من السلطان إلى والي دمشق ودفتردارها مؤرخ في أوائل ربيع الأول - أواخر ذي الحجة (حزيران/ يونيو 1609  - آذار/ مارس 1610 م) إلى الحظر على أيّ بلوكباشي إنكشاري أو فرد من الإنكشارية في دمشق استئجار "القرى والمزارع من الخاص الهمايوني التابعة لمقاطعات طرابلس"، أبو حسين، ص 136. حول دلالة "بلوكباشي". قارن ب: أبو حسين، ص  208.
  2. إسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، تحقيق الأباتي بطرس فهد، ط 3 (بيروت: دار لحد خاطر، د.ت.)، ص 507.
  3. قارن ب: البلاد العربية في الوثائق العثمانية: النصف الأول من القرن 10 ه 16 م، إعداد وترجمة فاضل بيات، تقديم خالد أرن، مج 2  (إسطنبول: إرسيكا، 2011)، ص 190.
  4. بيات، الدولة العثمانية في المجال العربي، ص 77.
  5. المرجع نفسه، ص 152، 159.
  6. المرجع نفسه، ص 291  -  294.
  7. تقرير علي أفندي عن التيمار الموجه إلى الصدر الأعظم"، في: أوغلي، ص 648.

نفسه بوصفهم يجبون أموال "خواصه السلطانية" ردًا على تجاوز الفلاحين أمير لواء جبلة وقاضيها إلى بكلربكي الشام، وتقديم الشكوى إليه ضدهم، فأتى الحكم السلطاني في صيغة تُلزم والي الشام عدمَ التدخل في "الخواص السلطانية"، وحصر المرجع الذي يبتّ في شكاوى الفلاحين في أمير لواء جبلة وقاضيها الشرعي. ويُستنتج من نص الوثيقة أنّ بكلربكي الشام ربما كان على خلاف مع أمير لواء جبلة، وربما هو الذي حرّض الفلاحين على رفع شكوى إليه متجاوزين أمير اللواء وقاضيه، إذ يشير الحكم السلطاني إلى أنّ بكلربكي الشام يحُول دون تنفيذ أمر السلطان "بعدم إرسال الجنود إلى لواء آخر، وعدم إلحاق قاضٍ بقاضي الأرض"28. تعزز النظام التيماري للواء جبلة بعد فتح القانوني لقبرص عام 1570 م، حيث سجل "الديوان" العثماني توزيع المئات من أوقاف "التيمار" في اللواء على من أبلوا في الحملة. ولم يكن لواء جبلة مستهدفًا استهدافًا خاصًا بهذا التوسع "التيماري"، بل ترافق هذا التسجيل مع تقسيم الأراضي على طول وادي الفرات الأعلى على الجنود العثمانيين والقبائل العربية الموالية29. غير أنّ النزاع بين أمير لواء جبلة والفلاحين استمر، في ما يبدو، وأخذ شكلً عنيفًا حين قام حاجي يوسف كتخدا أمير لواء جبلة، عام 1003 ه/ 1595 م، بمهاجمة بعض القرى، ومصادرة خيولها، وحبس بعض رجالها. لكنّ الباب العالي ما إنْ وصلته الشكوى، حتى أمر قضاة طرابلس وحماة وطرطوس بإعادة "ما أُخذ منهم بطريقة غير مشروعة"30 ويبدو أنّ كتخدا أمير لواء جبلة كان تركمانيًا ينتمي إلى عائلة آل سيفا التركمانية التي حلّت مكان عائلة عساف التركمانية، وتولت بكلربكية ولاية طرابلس في مرحلة تحوّل تبعية لواء جبلة وجبل النصيرية من والي الشام إلى ولاية طرابلس، وهو ما يشير إلى تولّ عائلة آل سيفا التركمانية ولاية طرابلس، وحكم آل سيفا ألوية ولاية طرابلس - بما فيها لواء جبلة ومناطق جبل النصيرية - حُكمًا مباشرًا من خلال أبناء العائلة، إذ أعاد العثمانيون تشكيل ولاية طرابلس في عام 1579 م، وعينوا في سياق تخلصهم من آل عساف التركمان حكام طرابلس، منافسهم يوسف باشا واليًا (بكلربكيًا أو أميرًا للأمراء) على طرابلس في عام 1579 م، وحصل بذلك يوسف آل سيفا الذي تنحدر أصول عائلته من تركمان مرعش شمالي حلب، على رتبة الباشوية من رتبة مير ميران (أمير أمراء أو مير لوا)31. تحوّل هذا "الخاص السلطاني" إلى "التيمار" في عهد السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان [الثالث] بن السلطان مراد خان [الثالث] 998  -  1062 ه/  1590  -  1617 م، وتألّف هذا الإقطاع التيماري من تسع زعامات (وهو ما يزيد ضمانه على عشرين ألف أقجة حتى تسعة وتسعين ألفًا وتسعمئة وتسع وتسعين أقجة) وواحد وتسعين تيمارًا (وهو ما يقلّ ضمانه عن عشرين ألف أقجة ولو بأقجة واحدة)32؛ ويعني ذلك أنّه كان في لواء جبلة نحو تسعة "زعماء"، يقود كل منهم فوجًا من أرباب التيمارات في المهمّات العسكرية حين تطلبها الدولة. فلقد كان أرباب التيمار يؤلفون فوج "الآلاي" الذي كان يقوده أحد الزعماء. وبهذه الوظيفة، انفردت الزعامة عن أرباب التيمارات بأنّها كانت تعني رتبة ضابط33. ويسمح السياق التاريخي بالقول إنّ آل سيفا التركمان ولاة طرابلس قد شكّلوا أصحاب هذه الإقطاعات العسكرية التيمارية على أنواعها المختلفة، إذ حَكم يوسف باشا آل سيفا والي طرابلس مقاطعات الولاية، ومنها مقاطعات جبل النصيرية، حُكمًا عائليًا مباشرًا، بواسطة أرباب التيمارات الذين ينتمون، في أغلب الأحيان، إلى عائلته أو تحالفاتها العائلية. فكان يوسف باشا بكلربكي (أمير أمراء)

  1. البلاد العربية في الوثائق العثمانية، م 2، ص 189  -  190.
  2. قارن ب: ستيفان وينتر، الشيعة في لبنان تحت الحكم العثماني (1516  -  1788)، ترجمة محمد حسين المهاجر (بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2016)، ص 86.
  3. م. د: 73  /  437، 1 رمضان 1003 ه (10 أيار/ مايو  1595 م)، حُكم إلى قاضي طرابلس وقضاة حماة وطرطوس، أبو حسين، ص  134.
  4. رافق، ص 151  -  152.
  5. تقرير علي أفندي"، ص 622، 648، 702.
  6. بيات، الدول العثمانية في المجال العربي، ص 78؛ قارن ب: أوغلي، ص 503  -  504.

الولاية، وكان ابن شقيقه الأمير سليمان حاكمًا لصافيتا قاعدة القسم الجنوبي من جبل العلويين الحالي، والأمير قاسم بن سيفا أميرًا لسنجق جبلة قاعدة القسم الشمالي من الجبل، وابنه الأمير عمر أميرًا لسنجق حمص. وتفاوتت سلطة هؤلاء من فترة إلى أخرى، ولكنْ في أواخر عهد آل سيفا في أوائل عشرينيات القرن السابع عشر، كان الأمير سليمان "حاكمًا" لصافيتا وصاحب نفوذ لدى مقدمي العشائر الكلبية (النصيرية) في جبلة حيث كانوا يُلجئونه في صراعاته مع أقطاب عائلته34.

3 ي. آثار الانحلال في تشكّل شريحة الملتزمين المحليين ف الجبل

.أ الالتزام الثانوي أو الالتزام من الباطن

انعكس انحلال النظام التيماري بالأشكال المختلفة التي أخذها هذا الانحلال، ومنها تأجير استثمار الأراضي التيمارية من "الباطن" لمتعهدين محليين، أو العهدة إليهم بالاستثمار ضمن صيغة بينهم وبين الملتزم الأساسي الرسمي، على بداية تشكّل شريحة الأعيان المحليين في الجبل. وبخصوص الجبل، فإنّ القسم الجنوبي منه، ومركزه صافيتا كان "تيماريًا". وكان يوسف آل سيفا والي طرابلس يستثمر بعض أهمّ مناطقه التيمارية استثمارًا مباشرًا35، بينما كان قسمه الشمالي وقاعدته لواء جبلة  - في ضوء ما وفرته لنا الوثائق العثمانية الجديدة المنشورة - خاضعًا لنظام "الخواص السلطانية" التي يعود عائدها إلى الخزينة المركزية، وهو ما يمكن استنتاجه من وثيقة عثمانية مؤرخة في شعبان 959 ه (آب/ أغسطس 1552 م) بتظلم فلاحي جبلة "ضد ملتزمي خواص جبلة من أرباب التيمار"36، ثمّ تحوّل تنظيمه الإقطاعي الضريبي أو العسكري في عهد السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان [الثالث] بن السلطان مراد خان [الثالث]، في الفترة 998  -  1062 ه/ 1590  -  1617 م، من خاص إلى تيمار، وتألّف هذا الإقطاع من تسع زعامات (وهو ما يزيد ضمانه على عشرين ألف أقجة) وواحد وتسعين تيمارًا (وهو ما يقلّ ضمانه عن عشرين ألف أقجة ولو بأقجة واحدة)37. ويعني ذلك أنّ لواء جبلة قد خضع "لعملية التحرير، أيْ مسح الأراضي وإحصاء السكان، لتقدير موارد الألوية" التي طُبّق فيها نظام التيمار، ومنها لواء جبلة38، لكن بحلول القرن الثامن عشر غدَت المواضع التيمارية محصورةً ومحدودةً لمصلحة شيوع نظام الالتزام. يبدو أنّ التحول إلى نظام الالتزام في لواء جبلة (لواء اللاذقية) الذي يضم القسم الشمالي من جبل النصيرية قد بدأ يبرز في وقت متأخر نسبيًا عن بروزه في الألوية الأخرى الشامية والأناضولية عمومًا، وفي ألوية ولاية طرابلس خصوصًا، وعن التحول منه إلى نظام الالتزام بالنسبة إلى صافيتا قاعدة القسم الجنوبي من جبل النصيرية. وقد عهد به في لواء جبلة إلى الأمراء العثمانيين، وتحديدًا إلى محمد محمد باشا أمير أمراء (بكلربكي) طرابلس، لكنّ ذلك كان وفق الجمع بينه وبين أسلوب الآربالق. وحدث هذا التحول في سياق تحوّل أسلوب إدارة إيالة/ ولاية طرابلس في الفترة 1041  -  1051 ه/ 1631  -  1642 م من خاص إلى التزام39. وقد حافظ الوالي على أسلوب الآربالق

  1. أحمد بن محمد الخالدي الصفدي، لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، تحقيقأسد رستم وفؤاد أفرام البستاني، ط 2 (بيروت: المكتبة البولسية، 1985)، ص 16، 183، 169.
  2. المعلومة مستمدة من: م/ د. 56  /  74، حُكم إلى والي طرابلس، أبو حسين، ص 166.
  3. بيات،   الدولة العثمانية في المجال العربي، ص 77؛ البلاد العربية في الوثائق العثمانية، مج 2، ص 189  -  190. كانت جبلة خاضعةً، في حدود عام 959 ه/ 1552 م، لسلطة "ملتزمي خواص جبلة من أرباب التيمارات"، وقد تخطوا أمير السنجق وقاضيه في الشكوى من ابتزاز "الملتزمين" إلى بكلربكي الولاية في دمشق، لكنّ السلطان أنّب بكلربكي دمشق على تدخله في "خواصه السلطانية"، وعلى السماح للفلاحين بتجاوز قاضيهم وحاكم السنجق.
  4. تقرير علي أفندي"، ص 622، 648، 702.
  5. بيات، الدولة العثمانية في المجال العربي، ص 30.
  6. المرجع نفسه، ص 209  -  211.

في لواء جبلة بسبب الاعتماد عليه في توفير نفقاته أو حاجاته من علفٍ وشعيرٍ، إذ إنّ الآربالق نظامٌ لتوفير نفقات الفرسان المشاركين في الحملات، ثمّ تطور إلى توفير المخصصات العينية والنقدية التي تقدمها الدولة لرجالاتها من العسكريين والمدنيين40.

.ب تحييد الانتمء الديني والمذهبي في عقود الالتزام: حالة النصيريين

لم يؤثر الانتماء المذهبي النصيري خصوصًا، ولا الانتماء المذهبي أو الديني عمومًا، في منْح الالتزام لملتزمين غير مسلمين أو مسلمين غير سنّة، إذ فصلت المحاكم الشرعية التي تبرم عقود الالتزام بين وظيفة الالتزام والانتماء المذهبي أو الديني للملتزم، أو ما بين الوظيفتين المالية والأيديولوجية. وتحفل وثائق المحكمة الشرعية بطرابلس بعقود تلزيم وكفالة تأمين أموال الالتزام لكثير من القرى إلى مسيحيين بصفة ملتزمين أو كافلين، كما كان بعض مشايخ القرى الإسلامية يكفلون بدورهم في العديد من القرى الملتزمين المسيحيين. وكان الاستثناء الوحيد هو أنّ الملتزم إذا كان مسيحيًا لا يصبح حاكمًا، بل يُعيَّ حاكم مسلم للمنطقة إلى جانبه، لكنْ كان يمكنه أن يمثل السلطة الفعلية، بينما يُمثل الحاكم المسلم السلطة الشكلية أو الشرعية. ولم يكن ذلك استثناءً، وإنما كان جزءًا من ظاهرة انتشار منْح عقود الالتزام لأهل الذمة، بل كان منْح عقود الالتزام لأهل الذمة في بقية أنحاء الإمبراطورية أعلى ممّا كان عليه المنْح في بلاد الشام. فوفق باموك مثلً، بلغت حصة اليهود كملتزمين الذروةَ في القرن السادس عشر، بينما بلغت حصة المسيحيين أقلّ من 10 في المئة. وفي هذا السياق برزت ظاهرة الملتزمين كشركاء ينتمون إلى طوائف دينية مختلفة، وكانت هذه الظاهرة أكثر انتشارًا ممّا كان عليه الأمر في بلاد الشام. وقد انطبق ذلك على الملتزمين من الشيعة الإثني عشرية (الإمامية)، وكذلك على النصيرية الذين لم تكترث السلطات العثمانية كثيرًا بانتمائهم إلى فئة دينية إسلامية "هرطقية" حين منحتهم الالتزامات، على الرغم من أنّ النصيريين كانوا خاضعين، منذ الفتح العثماني للشام، لضريبة "القرش"، ويستحق ذلك التوقف عنده بالنظر إلى خصوصية هذا التوقف. كان السلطان سليم الأول قد اكتفى بتطبيق ضريبة القرش التي كانت تُفرض على كل رجل من أهل الذمة على النصيرية في جبل النصيرية، عملً بتقليد مملوكي أسبق41. ويشير أقدم إحصاء للضرائب في المنطقة رصده وينتر، وقد حُرِّر في عام 1519 م، أو تقريبًا بعد الفتح العثماني مباشرةً، إلى المطالبة بدفع تلك القرى التي كانت تُجبى فيها ضريبة القرش "في قديم الأيام" أي في العهد المملوكي، من دون أن يشير إلى النصيريين (العلويين) على وجه الحصر42. ويبدو أنّ "القرش" هو نفسه ما أشار إليه ابن بطوطة (703  -  779 ه/  1304  -  1377 م) بضريبة الرأس بعد إخماد تمرّد المهدي النصيري (17 ذو الحجة 717 ه/ 19 شباط/ فبراير 1318 م) في جبلة على سياسة الروك ومسح الأراضي وتقدير الضرائب المملوكية، رافعًا شعار "المقاسمة بالعشر لا غير ليرغّب الفلاحين فيه"43 من أنه قد عُفِيَ عن النصيريين شرط "دفع دينار عن كل رأس منهم إنْ حاول [أمير اللاذقية] إبقاءهم"44. لكنّ ابنه الذي خلفه السلطان سليمان القانوني، تعدى هذه الحدود الضريبية التي فرضها والده السلطان سليم إلى فرضِ سياسةٍ أكثر تشددًا على النصيريين في جبل النصيرية بوصفهم نصيريين، وقد فرض القانوني هذه الضريبة المعيّنة على جماعة مذهبية بوصفها كذلك، في سياق الاضطرابات الشيعية في شمالي بلاد الشام، ومواجهته لحركات التمرد القزلباشية العنيفة والقوية الموالية للصفويين، فرسم السلطان بأنّ هناك في سنجق طرابلس شعبٌ يُعرف بالنصيرية لا يصومون ولا يصلّون ولا يخضعون للشريعة الإسلامية.

  1. المرجع نفسه، ص 210  -  211. أمّا أوغلي، فيحدده عمومًا بأنه بدل علف، بدل شعير، وخُصص لآغوات الحِرف ورؤسائها، ومنها ما  خُصص للأمراء المرابطين على الحدود، ويمكن أن يُمنح لأيّ شخص يقوم به من خارج الأمراء. قارن ب: أوغلي، ص 693.
  2. Stefan Winter, “The alawis in the ottoman period,” in: Michael Kerr & Craig Larkin (eds.), The Alawis of Syria: War, Faith and Politics in the Levant (London: C. HURST & Co., 2015), p.  51.
  3. Ibid.
  4. الحافظ بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، وثّقه وقابل مخطوطاته علي محمد عوض وآخرون، مج 7، ج 14، ط 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2009)، ص 82.
  5. رحلة ابن بطوطة: المسماة تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، اعتناء درويش الجويدي (بيروت  / صيدا: المكتبة العصرية، 2011)، ص 76  -  77.

وفي سجلّ الحسابات القديم، جزءٌ من هذه الفئة مقدّرٌ عليه ضريبة تُعرف ب "قرش على كلّ رجل"، وكانت تُجبى كلّ عامٍ بحسب الدفتر [السّجل]. وبعضهم لم يكن مسج لً في الدفتر ولم تُفرض عليهم الضريبة. وكان أمر السلطان هو أن تُجمَع منهم جميعًا. وعلى أساس القانون القديم، فإنَّ قرشًا مؤلَّفًا من 12 بارة [نحاسية] من كلّ الرجال المتزوجين، و 6 بارات من الفتيان غير المتزوجين القادرين على العمل وكسب رزقهم، يجب أن تسجّل في الدفتر الجديد45. يبدو أنّالسلطان قد عامل الدروز في مجال "ضريبة القرش" معاملة النصيريين بالنظر إلى أنهم "كانوا حقًا في حالة عصيان أو ثورة مستمرة" منذ القرن السادس عشر ضد العثمانيين46. ويبدو أنّه قد فرض هذه الضريبة الإضافية على الدروز إثر إخماد عصيان الدروز، أو ثورتهم في جبل لبنان عام 1585 م، وقيام القوات العثمانية بغزو الجبل47، بحيث كان دروز جبل لبنان يدفعون في القرن السابع عشر، على حدّ ما أشار إليه ميخائيل مشاقة، ضريبةً إضافيةً تُعرف ب "مال فريضة"، وهي "على رؤوس الرجال". وهذه الضريبة، وفق مشاقة، تشبه "مال جوالي" المفروض على النصارى، وكلاهما ب "منزلة الجزية"48، وربما ارتبط فرض هذه الضريبة على دروز جبل لبنان بتمرّد الدروز المستمر ضد العثمانيين خلال القرن السادس عشر، غير أنه انطوى موضوعيًا على الاعتراف العثماني بالنصيريين والدروز كطوائف مميزة تدفع الضرائب في إطار النظام العثماني. وخلال التحول من النظام التيماري إلى نظام الالتزام توارت "ضريبة القرش" من عقود الالتزام الممنوحة لملتزمين نصيريين، بمعنى أنه لا نصَّ عليها في حجج الالتزام. قد يمكن التقدير، في ضوء المصادر النصيرية للمجتمع المحلي في الجبل، أنّ آل شمسين ومن حولهم ربما أبرزوا في محاولتهم الحصول على التزام مجتمعاتهم المحلية قدرًا كبيرًا من التكيف مع النظام الشرعي السُني العثماني. ومن هنا، ليس مستغربًا ترافق ذلك مع حصولهم على أول حجة شرعية التزامية، إذ بنى الشيخ درويش آل شمسين في عام 1150 ه/ 1737 م جامع صافيتا49، ويشير الشيخ أحمد علي حسن إلى أنّ مفتي صافيتا الشيخ معلّ حمين (نسبة إلى قرية حمين) كان يومئذ من أبناء النصيريين، وعاد من دراسته للعلوم الشرعية في إسطنبول إليها ليكون مفتيًا عليها. وهو ما قد يمكن الاستنتاج منه أنه بارك هذا التوجه ودفع به ضمن دينامية التكيف الشرعي مع دينامية المنْح الالتزامي50.

.ج تصفية باشا طرابلس للبشعلاني وصعود الأعيان النصيريين المحليين

اعتمد بكلربكي طرابلس في جباية أموال الالتزام على ملتزمها القديم في اللاذقية وصافيتا أبي الرزق البشعلاني، إلا أنه بعد قيام بشير باشا والي دمشق بقتل البشعلاني، في عام 1654 م، بدعوى ولائه للأمير ملحم المعني، وإنهاء دور عائلته في التزام اللاذقية وصافيتا، في سياق الضغط على الأمير ملحم العيني بدعم خصومه اليمانيين بقيادة آل علم الدين51، أخذ الالتزام في الجبل يتحول إلى القادة المحليين، متساوقًا مع تعميم نظام الالتزام في مقاطعات ولاية طرابلس، ومنها مقاطعات جبل النصيرية، بحيث يمكن القول - في ضوء تحليل قاسم الصمد لسجلات المحكمة الشرعية بطرابلس - إنّه ابتداءً من الثلث الأخير من القرن السابع عشر وطوال القرن الثامن عشر، وحتى مجيء المصريين

  1. Winter.
  2. أبو حسين، ص 25.
  3. انظر تفاصيل ذلك كما وردت في وثائق دفتر المهمة، في: أبو حسين، ص 25.
  4. ميخائيل مشاقة، منتخبات من الجواب على اقتراح الأحباب، تحقيق أسد رستم وصبحي أبو شقرا، ط 2 (بيروت: المكتبة البولسية،  1985)، ص 46.
  5. منير عبد الحميد صقر، تاريخ صافيتا في العهد العثماني 922  -  1337 ه/ 1516  -  1918 م (دمشق: دار العرّاب، 2012)، ص  197.
  6. قارن ب: أحمد علي حسن، حمين خلال ثلاثة قرون (طرطوس: دار إياس، 1998)، ص 51.
  7. قتله بشير باشا بدعوى انحيازه إلى الأمير ملحم العيني في واقعة "وادي القرن" التي نشبت بينه وبين والي دمشق بشير باشا، وهزم الوالي فيها، فقام بشير باشا بقتله عام 1654 م؛ وبذلك انتهى دور آل المشعلاني في الالتزام. طنوس الشدياق، أخبار الأعيان في جبل لبنان، وقف عليه وناظر طبعه المعلم بطرس البستاني، إشراف نظير عبود، تحقيق مارون رعد، ج 1 (بيروت: دار نظير عبود، 1993)، ص  294  -  195. ومحمد كرد علي، خطط الشام، ج 2 (دمشق: مؤسسة النوري، د. ت.)، ص 260؛ الدويهي، ص 538.

في حملتهم على بلاد الشام، كان نظام الالتزام هو المعمول به في مقاطعات طرابلس52، ما مكّن الأعيان المحليين التقليديين النصيريين من التحول إلى أعيان عثمانيين والانخراط في منظومتهم. وكي يستقيم فهم ما أورده الصمد، فإنّ نظام الالتزام عمَّ مقاطعات طرابلس، باستثناء المناطق التيمارية التي كانت قائمةً في بعض المقاطعات، ومنها صافيتا. لكنّ ذلك كان في نطاق محدود ومحدّد، وربما بالقلاع، وكانت صكوك المحكمة الشرعية بطرابلس لالتزامات صافيتا أو حججها تشير إليها تحت اسم "تيمار مستحفظان"، مستثنيةً إياها من وظائف الالتزام. كان من أبرز العائلات المحلية الجبلية التي آل إليها الالتزام بعد مقتل البشعلاني آلُ شمسين في صافيتا الذين ينتمون إلى اتحاد عشائر الحدادين53. ويبدو أنّ آل شمسين في صافيتا، على غرار مقدمي  جبلة، كانوا يعملون في الأصل كملتزمين ثانويين للبشعلاني من الباطن قبل مقتله، بوصفه ملتزمًا من والي طرابلس على اللاذقية وصافيتا. وإنّ المؤشر العامّ لطريقة اعتماد الملتزمين على ملتزمين محليين ثانويين، أو ملتزمين محليين من الباطن، يجد أساسه في أنّ الملتزمين الكبار كانوا يمنحون التزام المقاطعات لملتزمين محليين ثانويين ب "بدلات أعلى"، وهو ما يضمن لباشا طرابلس تسديد بدل الالتزام، وتحقيق فائضٍ يتصرف فيه كآربالق لنفقاته. وشكّل ذلك نواةً لبروز ظاهرة ما سيُعرف لاحقًا ب "متسلمي المقاطعات" من طرف الملتزمين المحليين54. وفق صقر، فإنّ فرع زيدان من آل شمسين قد تولوا التزام صافيتا بموجب "حجة شرعية" في عام 1077 ه/ 1667 م55. غير أنّ هذا الالتزام لم يَدُم طويلً، إذ آل التزام صافيتا في عام 1078  -  1079 ه/ 1668  -  1669 م، وفق وثائق المحكمة الشرعية بطرابلس، إلى آل حمادة الشيعة، إلى جانب التزامهم ناحية عكار وناحية جبة بشري. وكانت قيمة التزام صافيتا هي الأعلى، إذ بلغت ثلاثةً وأربعين قرشًا مقابل اثنين وثلاثين ألف قرش لناحية عكار، وثمانية آلاف قرش لناحية بشري56. وكان آل حمادة قد تمكنوا، بدءًا من القرن الخامس عشر مع تشجيع السياسات العثمانية على الإعمار واستصلاح الأراضي، من الحصول على العديد من المقاطعات الممتدة من سفوح صنين الشمالية إلى جبة بشري في الشمال، بما في ذلك بلاد جبيل والكورة والبترون وبعلبك57، وخدموا آل عساف ثمّ آل سيفا ولاة طرابلس، غير أنهم تمكنوا بعد تصفية العثمانيين لآل سيفا من استعادة نفوذهم الالتزامي بالنظر إلى خبرتهم في تحصيل الضرائب58. وعلى الأرجح، عاد آل شمسين خلال تولي آل حمادة مسؤولية الالتزام عن صافيتا ومناطق أخرى واسعة من لبنان إلى دورهم القديم كملتزمين ثانويين، أو ملتزمين من الباطن لملتزم أساسي حصل على حجة شرعية صادرة عن المحكمة الشرعية بالالتزام من قبل والي طرابلس. واستمرت وظائفهم الالتزامية حتى وقوع حركة التمرد الدرزية الشيعية - المعنية في تسعينيات القرن السابع عشر التي قامت على مشايخ آل حمادة الشيعة وعلى الأمير أحمد المعني59، والتي برز فيها تمرّد مقدمي "طائفة النصيرية" في "لواء جبلة" على دفع

  1. قاسم الصمد، " نظام الالتزام في ولاية طرابلس في القرن 18، من خلال وثائق سجلات محكمتها الشرعية"، ورقة مقدمة في "المؤتمر الأول لتاريخ ولاية طرابلس إبان الحقبة العثمانية 1516 – 1918 "، قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية، في  27  -  28  /  1995.
  2. قارن ب:  محمد هواش، عن العلويين ودولتهم المستقلة (الدار البيضاء: دار النشر للتاريخ الحديث، 1997)، ص 83، 91.
  3. بيات، الدولة العثمانية في المجال العربي، ص 111  -  115.
  4. يبدو أنّ آل زيدان المحليين في صافيتا كانوا يعملون في الأصل ملتزمين ثانويين، وتحولوا إلى ملتزمين أساسيين مسؤولين مباشرةً أمام مركز الولاية بطرابلس، وسُجل هنا بعد تسارع التحول إلى نظام الالتزام عقدان لالتزام الشيخ شمسين أوغلو زيدان والشيخ زيدان مع شقيقه محمد شمسين زيدان في شوال 1077 ه (آذار/ مارس 1667 م) بمبلغ قدره خمسة عشر ألف قرش. صقر، ص  116  -  117.
  5. فوض إليه قبض جميع أموالها المعتادة من صيفي وشتوي وخراج أشجار ومقطوع فدادين ورسم معز ونحل ومشاهرة وعيديه وقدوميه ورسم دواليب وقشالق تركمان وعرب ورسم كنايس ورسم جاموس وجرم وخيانة وبعض هويّ وسائر الرسومات والعوايد". قارن ب "قضية: التزام الشيخ أحمد بن حمادة نواحي عكار وصافيتا وجبة بشري" (ص  52  /  2 () 253  -  2: N. E)، سجل المحكمة الشرعية بطرابلس، 1078  -  1079 ه/  1668  -  1669 م
  6. قارن ب: محمد علي مكي، لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني، ط 6 (بيروت: دار النهار، 2006)، ص 266.
  7. وينتر، ص 89.
  8. للتوسع في تعرُّف هذه الحركة، قارن بأحدث الدراسات ذات النتائج الجديدة حول ذلك، انظر: أبو حسين؛ ينتر؛ سعدون حمادة، الثورة الشيعية في لبنان 1685  -  1710 (بيروت: دار النهار،  2012). ودراسة حمادة الأخيرة تنطلق من الناحية الإيستوريوغرافية في كتابة التاريخ من وجهة نظر أو رؤية سردية شيعية إمامية متركزة شيعيًا.

"الضرائب الأميرية". وما يهم من التوقف عند هذا التمرد هو تحديدُ بروز دور المقدمين المحليين النصيريين في التزام الضرائب الأميرية في مجتمعاتهم المحلية من الباطن، أو كملتزمين ثانويين، وتطوُّر هذا الدور في القرن الثامن عشر إلى دور التزامي مباشر، ومن ثمّ إلى دور أعياني يتوسط بين المركز العثماني ومجتمعاتهم.

4 ي. تمرد مقدمي الجبل ف لواء جبلة ونقل مركزه إلى اللاذقية

برز المقدمون النصيريون، ومعهم على الأرجح مقدم صهيون السنيّة، في القسم الشمالي من الجبل المؤلّف من لواء جبلة كملتزمين ثانويين في مجتمعاتهم المحلية. كان لواء جبلة هو نفسه ما سيُطلق عليه لاحقًا اسم "لواء اللاذقية" وهو تابع بدوره لمركز الولاية بطرابلس، إلا أنّ الوثائق العثمانية ظلت حتى في عهودها المتأخرة تُطلق عليه اسم "لواء جبلة" بحسب ما هو مقرر في قيودها إلى حين دخول القوات المصرية في عام 1832 م60. وكان مركزه حتى أواخر القرن السابع عشر في بلدة جبلة التي يتجمع فيها أرباب التيمارات والزعامات، وليس في بلدة اللاذقية التي كان نموها لا  يزال بطيئًا، وكان المركز في بلدة جبلة يجبي الضرائب من جبال جبلة بواسطة جُباةٍ عثمانيين رسميين تابعين ل "دفتر الباش محاسبة". وكان هؤلاء الجُباة يعتمدون في جباية الضرائب على من تصفهم إحدى الوثائق العثمانية في تسعينيات القرن السابع عشر ب "مقدمي طائفة النصيرية" في جبال السنجق، وهم مهنا بن مخلوف، وسليمان بن محفوظ، ومحمد بن سلهب، ومقدم آخر يُعتقد أنه كان سُنيًا، وليس نصيريًا، هو جندب مصطفى مقدم منطقة صهيون61. يتبين، من خلال تاريخ خوندة لأنساب العلويين، أنّ هؤلاء المقدمين كانوا زعماء عشيرة الحدادين في القرداحة والجهنية أو بيت الشلف في المزيرعة، والرشاونة في سهل الغاب وفي سلهب وعين الكروم في منطقة مصياف، وهي كلّها في التصنيف العشائري النصيري عشائر حدادية وكلبية، أي سنجارية في مفهومها عن نسبها، جاءت إلى الجبل - بحسب التاريخ الشفوي المحلي المتوارث - مع المكزون السنجاري (583  -  638 ه/ 1187  -  1240 م) في العقد الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي. يبدو، من خلال التاريخ الشفوي النصيري المحلي، أنّ هؤلاء المقدمين قد اضطلعوا بدور ملتزمين فعليين لمناطقهم من الباطن، أو ملتزمين ثانويين. وتمكنوا بفضل السيطرة على الأموال الالتزامية من تشكيل مراكز قوّة مالية واقتصادية، ومن ثمّ سياسية محلية لهم في مجتمعاتهم. وقد برز منهم أحمد بن مخلوف والد مهنا بن مخلوف زعيم العشيرة الكلبية في جبلة الذي قُتل في عام  1686 م، تقريبًا، على يد أحد الفلاحين النصيريين ممن ينتمون إلى المذهب الحيدري، انتقامًا لما مارسه ضدهم من ضروب الاضطهاد والسخرة والتحويل القسري إلى المذهبية النصيرية (الكلازية)62. وكان أحمد بن مخلوف وفق مصادر التاريخ النصيري المحلي أقواهم، وأكثرهم نفوذًا لما امتلكه من مالٍ ورجالٍ وتحالفٍ مع المشايخ، إذ كان يدفع من ماليته الخاصة مبالغ الالتزامات في أوقات القحط والأزمات63، ووقع قتله في مرحلة الانقسام المذهبي النصيري الكبير بين الكلازية والحيدرية الذي تبلور في القرن السابع عشر64، ما دفع قريبه علي الشلهوم

  1. إلياس صالح اللاذقي، آثار الحقب في لاذقية العرب، تحقيق وتقديم إلياس جريج (بيروت: دار الفارابي، 2013)، ص 209.
  2. أبو حسين، وم. د. 102  /  274، أوائل صفر 1103 (تشرين الأول/ أكتوبر 1691 م)، حُكم إلى أمراء الألوية والقضاة في ولاية دمشق، ص  148  -  149.
  3. خوندة، ص 187  -  191، لا يعرف على وجه الدقة تاريخ مقتل مخلوف، لكن التاريخ المحلي يروي أنه قُتل قبل أن ينهي بناء مقام الشيخ قرفيص الذي انتهى بناؤه في عام 1100 ه -  1688 م، خوندة، ص 65.
  4. المرجع نفسه، ص 187.
  5. الكلازية نسبة إلى الشيخ محمد الكلازي الأنطاكي، وهو يُعرف ب "الكلازي"، نسبةً إلى قريته كلازو، وولد وفق حرفوش في (1011 ه/ 1603 م) وتنتسب إليه وفق الحرفوش "الفرق الكلازية". ويعتبره حرفوش أول شيخ علوي "ألف تأليفًا" بعد أبي سعيد. انظر: حسين حرفوش، خير الصنيعة في مختصر تاريخ غلاة الشيعة (مخطوطة مؤلفة من خمسة أجزاء رُخِّص تداولها من قبل ورثة الكاتب عام 1987 في نطاق محدود)، ج 3، ص  1183. وواجهه من الطرف الآخر الشيخ محمد حيدر وهو من كلازو أيضًا، وعرف أتباعه ب "الحيدريين". انظر: خوندة، ص  53. ويشير خوندة إلى أنّ هذا الانقسام المذهبي النصيري الداخلي بين" الكلازية" و"الحيدرية" يعود إلى الاستقطاب الفقهي بين الشيخ محمد يونس كلازو (ت. بعد 1011  /  1602 م) والشيخ محمد حيدر، وكلاهما من قرية كلازو في ريف أنطاكية، فحمل أتباع الشيخ كلازو اسم الكلازيين. بينما حمل أتباع الشيخ حيدر اسم الحيدريين. ووصل هذا الصراع إلى نهايته بتبلور المذهبين في حدود عام 1053 ه/ 1643 م. خوندة، ص  53. وتشير معلومات أخرى إلى أنّ الشيخ كلازو قد توفي بعد عام 1011 ه/ 1602 م. ومهما يكن الأمر، فإنّ تبلور هاتين المذهبيتين واستقلالهما النسبي قد حدث خلال النصف الأول من القرن السابع عشر. وبهذا المعنى، فإنّ هذا الانقسام حديثٌ نسبيًا.

الذي كان يُلقب لقوّته ب "بيضات البغل" إلى الانتقام من الفلاحين الحيدريين المتمركزين في قرية سيانو، فأعمل القتل بهم، وفرض عليهم إمّا التعلون على الطريقة المذهبية الكلازية أو الرحيل من سيانو65. تمثّل دور ابن مخلوف في التدخل الفاعل في الاستقطاب الكلازي - الحيدري لمصلحة الكلازيين، واستحق بفضل هذا التدخل الذي عبّ عن تحكّمه في مقاليد القوة، أو الأمر والنهي، مدْحَ المشايخ الكلازيين لآل مخلوف "المقدمين الأماجد الفخام، والليوث الصناديد"، بحيث غدَوا ملحقين بسلطته66. ويرى خوندة أنّ آل مخلوف كانوا كلبيين مُميزًا إياهم من آل مخلوف (المعاصرين) في بستان الباشا الذين يرى أنهم من فرع العتيرية في عشيرة الحدادين67، بينما يشير الشيخ حسين حرفوش (ت. 1959) في مؤلَّفهخير الصنيعة في مختصر تاريخ غلاة الشيعة، إضافةً إلى تعليقات الشيخ عبد اللطيف سعود في حواشيه على الكتاب، إلى أنهم كلبيون، وإلى هجرتهم من مركزهم في قرية سنبول (وهي الآن خربة يطلق عليها اسم سنيبلة) إلى القرداحة، أو من "الملزق الشرقي من اللقبة وجهاتها وعين الكروم إلى البلاد الشمالية"68. وقد توقف صموئيل ليد عند آل مخلوف، وأشار إلى أنّ مهنا بن مخلوف كان له ثمانية إخوة، شكّل أربعة منهم أكبر أربعة "حكام" لعشائر الكلبية69. يبدو أنّ أحمد بن مخلوف ومقدمي لواء جبلة الآخرين إمّا أنهم كانوا ملتزمين ثانويين، أو من الباطن للملتزم الأساسي رزق الله البشعلاني لصافيتا واللاذقية، أو أنهم حلّوا مكانه في التزام جبلة من الباطن تجاه سلطات المركز العثماني باللاذقية بعد قيام بشير باشا والي دمشق بقتل البشعلاني في عام 1654 م، وإنهاء دور عائلته في التزام اللاذقية وصافيتا، إذ يشير قرار السلطان إلى أنهم "يحُولون دون تحصيل الضرائب، ويتسببون في الضرر للبلاد والعباد. وقد سُجّلت أسماؤهم في دفتر الباش محاسبة لكي يُعدَموا جميعًا بموجب الشرع أو يتمّ نفيهم إلى إقليم آخر"70. ويمكن الاستنتاج من ذلك أنّ أراضي جبلة كانت لا  تزال تيماريةً من الناحية الرسمية، تُجبى أموالها الأميرية من قبل أمينٍأو مباشرٍ ماليٍّ، أي جَابٍ عثماني يكون موظفًا لدى الدولة، بينما كانت التيمارات في صافيتا قد صُفيت تقريبًا، ماعدا في بعض المواقع مثل القلاع. ووفق بيات، كان نظام التحصيل التيماري يقوم على "نظام أمانت" (الأمانة) كتحصيل مباشر من جهة جُباة تابعين للدولة، مقابل وصف نظام الجباية غير المباشر عبر وجهاء محليين يتعهدون بتسديد الضرائب ب "نظام الالتزام"71. وبالفعل، تشير إحدى وثائق "دفتر المهمة" العثمانية إلى أنّ السلطان وجّه، في ربيع الأول 1100 ه (أوائل كانون الثاني/ يناير 1689 م)، أمراءَ الألوية "التيمارية" المؤلفة من أرباب التيمارات في كل من طرابلس وحمص وجبلة وحماة وسلمية ودير رحبة إلى تجهيز "جميع لوازم الحرب"، وحشد "عموم الزعماء وأرباب التيمار" في ولاية طرابلس للتوجه إلى الجبهة في أدرنة، في ضوء فتوى استصدرها من شيخ الإسلام تقول إنّ "الغزو" (الجهاد) "فرض عين" و"إنّ قتل المتخلفين واجب شرعًا"72. ويبدو، وفق نصّ أمر السلطان، أنه قد كان هناك حين صدر حكمه بالتعبئة خمسة آلايات في كل من طرابلس وحمص وجبلة وحماة وسلمية، يقود كل منها أحد الزعماء. ويُفترض أن يكون هؤلاء الزعماء أو قادة الآلاي قد عبؤوا في أفواجهم من ريع تيماراتهم كل الرجال المطلوب منهم تعبئتهم للمشاركة

  1. خوندة، ص 190.
  2. كان من أبرز المشايخ الذين مدحوا آل مخلوف وتغنوا بهم الشيخ كامل بن الشيخ يوسف أبو تاج الكناني والشيخ الطوسي، وغيرهم. قارن ب: حرفوش، وتعليقات عبد اللطيف سعود، خير الصنيعة، ج 3، ص 1128  -  1129.
  3. خوندة، ص 92.
  4. حرفوش، ج 3، ص 1129، 1150.
  5. Samauel Lyde, The Asian Mystery: Illustrated in the History, Religion, and Present State of the Ansaireeh or Nusairis of Syria (London: Longman, Green, Longman & Roberts, 1860), p.  52.
  6. أبو حسين، ص 148  -  149.
  7. بيات، الدولة العثمانية في المجال العربي، ص 110.
  8. حُكم إلى آلاي بك طرابلس، أواسط ربيع الأول 1100 ه (أوائل كانون الثاني/ يناير 1689 م)، أبو حسين، ص 211.

في الحرب العثمانية - الهابسبورغية النمساوية (1683  -  1699 م)، باعتبار استصدار السلطان من شيخ الإسلام تلك الفتوى التي تقول إن "الغزو" "فرض عين" و"إنّ قتل المتخلفين واجب شرعًا". كانت هذه الحرب ضاريةً واستنزفت موارد الدولة73، إذ خسر العثمانيون المعارك في ممتلكات كثيرةً كالمجر وترانسلفانية، وكانوا مضطرين إلى جباية أموال ألوية طرابلس الضريبية لتغطية بعض نفقاتها، ولا سيما "لدفع رواتب الجند"74، فاضطر الباب العالي إلى فرض ضرائب مباشرة جديدة، ومصادرة أموال الأغنياء، وفرض الاقتراض الإجباري على رعايا الدولة. وتفاقمت هذه الاحتياجات مع إعلان الدولة النفير العامّ وفرض التجنيد، ما زاد، على حدّ تعبير أورهونلو، حدّة الضغط على الأهالي "بشكل لا يطاق"75. غير أنّ المشايخ الحماديين (الشيعة) الملتزمين تقليديًا لمناطق عكار وجبة بشراي وصافيتا امتنعوا عن تسديد الضرائب للباب العالي، ودخلوا بذلك في حالة عصيان للدولة بدعم مباشر من الأمير أحمد المعني (1667 – 1697 م) "ملتزم مقاطعات جبل الشوف وكسروان". كان يتعيّ على الأمير المعني بموجب أوامر السلطان أن يلبي فريضة "الجهاد" بتجهيز 500  جندي من المشاة المجهزين بالبنادق76، وأن يسدد الأموال التي التزم بها، غير أنه لم يمتنع عن ذلك فحسب، بل شجع الملتزمين الآخرين على التمرد، ودعم تمرد آل حمادة الشيعة، وظل المعني في حالة التمرد حتى موت ه موتًا طبيعيًا في عام 1697، إلا أنّ هذا الامتناع ارتبط باستغلال المعني انشغال الدولة العثمانية بالحرب كي ينشّط في سياق نشوء "الحلف المقدس" الاتصالات مع التوسكانيين ضد العثمانيين، كما كانت في زمن عمِّ أبيه فخر الدين77. دفع هذا الامتناع عن تسديد الضرائب الباب العالي إلى استصدار عدة فتاوى باستئصال "الروافض القزلباش" من مناطق ولايتي طرابلس وبيروت، ويقصد بهم مشايخ آل حمادة الشيعة، وضرب أتباع المعني وتنفيذ حكم الشرع فيهم. لكنه خَصّ قادة الأشقياء بالقصاص دون أتباعهم في حال انقيادهم وخضوعهم، إذ نص الحكم على عدم "التعرض لأموالهم ونفوسهم وأولادهم وعيالهم"، بل نص "على حمايتهم بجميع الطرق"78. وقع تمرّد مقدمي "الطائفة النصيرية" بلواء جبلة، في أوائل صفر 1103 ه/ تشرين الأول/ أكتوبر  1691 م، على دفع الأموال الأميرية في هذا السياق. من هنا، وجّه السلطان مصطفى الثاني (1695  -  1703)، في أوائل صفر 1103 ه/ تشرين الأول/ أكتوبر 1691، لوالي طرابلس وقاضيها وأمراء الألوية وقضاتها في ولاية دمشق أمرًا بالقضاء على "الأشقياء القزلباش" في جبال طرابلس، ثمّ أمرًا آخر إلى والي طرابلس وقاضيها بالقضاء على "الأشقياء من مقدمي طائفة النصيرية" في جبال سنجق جبلة، أي سنجق اللاذقية كما هو المقصود بالفعل، بسبب منعهم الجُباة من تحصيل الضرائب. وأصدر السلطان فرمانًا بإعدام هؤلاء "الأشقياء" جميعًا "بموجب الشرع، أو يتمّ نفيهم إلى إقليم آخر"79.

  1. لتكوين فكرة عن أزمة موارد الباب العالي، فإنّ التاريخ العثماني يشير إلى أنّ هذه الحرب استنزفت خزانة الدولة التي كانت تُؤمَّن بصعوبة حتى في الأحوال العادية، وقدّر خليل ساحلي أغولي أنّ ثلث إجمالي موارد الخزانة العثمانية غير الصافية ما بعد حصار فيينا، في عام  1683 م، كان ممتنعًا عن التحصيل لأسباب عديدة، يأتي في مقدمتها اضطراب الوضع الأمني الداخلي بتجدد حركات الجلالية بقوة كبيرة، ولا سيما في الأعوام 1687  -  1688 م، وقد فرضت هذه الحركات شروطها على الباب العالي، وبعد قتل زعيمها يكن عثمان باشا انتشرت عصابات الجلالية تُروّع الأناضول. قارن ب: رافق، ص  192  -  193.
  2. حُكم إلى والي طرابلس الشام وناظر وقابض أموال مقاطعات الولاية المذكورة أرسلان، أواخر رمضان 1106 ه (أيار/ مايو  1695 م)، وحكم إلى والي صيدا - بيروت أواخر رمضان 1106 ه (أيار/ مايو  1695 م)، أبو حسين، ص 213  -  215.
  3. جنكيز أورهونلو، إسكان العشائر في عهد الامبراطورية العثمانية، ترجمة فاروق مصطفى (دمشق: دار الطليعة الجديدة، 2001)، ص  21  -  23.
  4. حُكم إلى والي صيدا أواسط ربيع الأول 1100 ه (أوائل كانون الثاني/ يناير 1689)، [يبدو أنه وُجِّه في وقت متزامن مع الأمر إلى آلاب بك طرابلس وبيكوات الآلايات الأخرى]، أبو حسين، ص 212.
  5. أبو حسين، ص 38  -  39. قارن ب: بنحادة، ص 56  -  57. وقارن ب: خليل ساحلي أوغلي، ص 231، 272  -  273.
  6. م. د: 105  /  10، أوائل شوال 1105 (أيار/ مايو - حزيران/ يونيو 1694 م)، المرجع نفسه، ص 63.
  7. م. د. 102  /  275، أوائل صفر 1103 ه (تشرين الأول/ أكتوبر 1691 م)، حُكم إلى والي طرابلس مصطفى باشا وقاضيها، وم. د.  102  /  274، أوائل صفر 1103 (تشرين الأول/ أكتوبر 1691 م)، حُكم إلى أمراء الألوية والقضاة في ولاية دمشق، المرجع نفسه، ص  148  -  150.

لا يعني ذلك أنّ التمرد اقتصر على الشيعة والدروز والنصيريين، بل تشير وثائق دفتر المهمة إلى تمرد العديد من الملتزمين السُنة على دفع الضرائب، فهو كان تمرُّدَ ملتزمين، وإنْ كانت بعض الدراسات التاريخية الشيعية اللبنانية المعاصرة تحاول إعادة بنائها في صيغة الثورة الشيعية في لبنان80. ويلاحَظ هنا أنّ الباب العالي قد نعت المشايخ الحمادية ب  "الروافض القزلباشية" و"الملاحدة" وفق المعجم الذي كان يستخدمه في محاربة القزلباش، من دون أن تكون هناك أيّ علاقة مزعومة بين تمرد الحماديين وبين العلاقات العثمانية - الصفوية التي كانت تمرّ بمرحلة هدوء وسلام81، أو أن تكون لهم علاقة بأصولهم الفارسية (العجمية) المزعومة التي ترتدّ إلى التاريخ الماروني للبنان، والتي صاغها إسطفان الدويهي (ت. 1704 م)82، بينما ميّز النصيرية من القزلباش ونعتهم ب  "الطائفة النصيرية"، ووصفهم بال "أشقياء"، أي بالمتمردين، ولم يصفهم بال "كفّار". كان التمرد الحمادي - المعني كبيرًا وشاملً من كسروان وعلى امتداد جبال صيدا - بيروت، وصولً إلى مرجعيون83. وامتدّ إلى لواء جبلة، واستنفر السلطان لإخماده ولاة طرابلس وصيدا ومتسلمي دمشق وحلب وفويفودات (أمراء ألوية) كلّس في شمالي حلب وحماة وحمص التركمانية، وكل عساكر ولايتي طرابلس الشام وحلب، ل "تطهير جبال صيدا - بيروت من شر وفساد ابن معن، وأتباعه الأشقياء"84، بينما اكتفى بأمر والي طرابلس وقاضيها بالقصاص من مقدمي "الطائفة النصيرية". ولا يرد في هذه التعبئة ذكر لآلاي جبلة الذي يبدو أنّه قد غادر جبلة، إبّان استنفار الباب العالي له، مع آلايات ولاية طرابلس الأخرى في ربيع الأول 1100 ه (أوائل كانون الثاني/ يناير 1689 م)، ما مكّن ابن مخلوف والمقدمين الآخرين من السيطرة على مناطقهم من دون أيّ خطر عثماني مباشر. وقد يكون حدث، خلال فراغ لواء جبلة من قوات الآلاي العثمانية المؤلفة من الجنود الذين كان على التيماريين تجهيزهم، أن أحكمت عشيرة المهالبة المطلة على قرى سهل جبلة - وفق بعض مصادر التاريخ المحلي النصيري المدون على أساس شفهي - سيطرتها على قلعة بلاطنس، من دون أن تلقى

  1. انظر نموذجًا لذلك حمادة، الثورة الشيعية في لبنان.
  2. استمر السلام العثماني - الصفوي الطويل حقًا. فقد دام نحو ثمانين عامًا ونيف، منذ توقيع اتفاقية قصر شيرين أو اتفاقية زهاب من عام  1638 م حتى أواخر عهد الشاه/ السلطان حسين (1694  -  1722 م)، في ما عدا بعض الحوادث الصغيرة - حتى في مناطق الاحتكاك الحساسة بين الطرفين. قارن ب: بيات، الدولة العثمانية في في المجال العربي، ص 354؛ وعباس صباغ، تاريخ العلاقات العثمانية الإيرانية: الحرب والسلام بين العثمانيين والصفويين (بيروت: دار النفائس، 2011)، ص  166؛ وروبرت دبليو أولسن، حصار الموصل والعلاقات العثمانية - الفارسية (1718  -  1743)، ترجمة عبد الرحمن الجليلي (الرياض: دار العلوم للطبعة والنشر، 1983)، ص 41.
  3. يشير أبو حسين مرتين في المتن وفي الهوامش الإيضاحية، إلى أنّ المقصود ب "القزلباش" في الوثيقة العثمانية التي تذكر اسم القزلباش هم الشيعة (الإمامية)، وإلى أنّ زعماؤهم هم آل حمادة في منطقة جبيل الذين يشير الدويهي في تاريخ الأزمنة إلى أنهم عشيرة فارسية، ويتبنى رأي الدويهي بأنهم قدموا من منطقة تبريز في "بلاد العجم "، بعد أن فتح السلطان سليمان القانوني تبريز في عام 1534 م، وينطلق أبو حسين من سردية الدويهي إلى الجزم بأنّ إشارة الوثائق العثمانية ذات الصلة بالحركة المعنية - الحمادية لآل حمادة كقزلباش بشكل "قاطع" بحسب تعبيره، يعني "أنهم قزلباش، وهو اسم يطلق على طائفة من هراطقة المسلمين في شرق الأناضول وأذربيجان، والذين أصبح قادتهم في ما بعد مؤسسي الإمبراطورية الصفويّة"، مثبّتًا في ذلك أسطورة الدويهي عن الأصل التبريزي للحماديين من دون أيّ قرينة. انظر: أبو حسين، ص 21، 151. وعلى المستوى الإيستوريوغرافي المتعلق بنقد كتابة التاريخ، يعزز أبو حسين هذا الجزم ثمّ التعليق الموجز على مصطلحات الوثيقة، من دون تمعّن في مصطلحات الوثيقة، وفهم دلالة هذه المصطلحات في سياقها المحدد الذي يعطيها مضمونها وليس على أساس مفهومها الشائع والبسيط، تسليمه الضمني بالمردافة الفعلية بين القزلباش وبين مَن هُم من أصول فارسية استقروا في لبنان أو نقلوا إليه، سردية المدونات التاريخية المارونية المرجعية للتاريخ الماروني ممثلةً بالدويهي للشيعة الإماميين اللبنانيين بتصويرهم على ما لاحظه وينتر وما أشار إليه من نقد عبد الرحيم أبو حسين، من أنهم دخلاء "طارئون"، على لبنان، و"كغرباء عدوانيين دومًا"، قدموا من تبريز. وعلى هذا، فهُم "عشيرة تدين بالولاء للصفويين الإيرانيين". وبدلً من أن يقول أبو حسين بغموض الأصول المنحدرين منها لتجنب الوقوع في فخ الرواية الشيعية عن الأصول العربية السحيقة للحماديين، فإنه يتبنى رواية الدويهي، من دون أيّ نقد داخلي وخارجي لها. قارن ب: وينتر، ص 121، 139  -  140، 202. ولا يكترث أبو حسين بدلالة مصطلحات النصيرية والقزلباشية التاريخية السياقية والوظيفية المحددة في زمن الوثائق التي نشرها. وضعف استيعابه للتاريخ الاجتماعي - السياسي لهذا السياق، جعله لا يتساءل عن سبب وصف الوثائق العثمانية إبّان الحركة المعنية - الحمادية "النصيريين" ب الأشقياء" فقط، مع أنه يتوقف عند تاريخ النصيريين، بينما وصفت الشيعة الإمامية (الحماديين وأتباعهم) ب "القزلباش". والواضح أنه وصفٌ وظيفي مقيّد بأهداف الحملة العثمانية، ومجرد استخدام تبريري مشرعن لها لتحقيق أهداف محددة.
  4. م. د أوائل شوال 1106 ه (أيار/ مايو 1695 م)، حُكم إلى ولاة صيدا – بيروت، ودمشق وطرابلس وإلى متسلم حلب وإلى القضاة والفويفودات بالمقاطعات في الولايات المذكورة، ص 90  -  91.
  5. م. د. 105  /  18، أواسط شوال 1105 (حزيران/ يونيو 1694 م)، حُكم إلى جميع القضاة والأعيان والرجال ذوي الشأن (من يهمه الأمر) في ولاية صيدا - بيروت، أبو حسين، ص 66  -  68. كانت رتبة فويفودا حماة وحمص، وفق نمط فويفودات البغدان والأفلاق بدرجة مير ميران أو "أمير لواء" وما دون ذلك، وكانوا يتمتعون بصلاحيات أمير سنجق. انظر "ملحق المصطلحات العثمانية"، أبو حسين، ص  282  -  283. لمعلومات موسعة عن وظائف الفويفودا (يكتبه بيات باللفظ العثماني وليس باللفظ اللاتيني، هكذا: "ويره ده")،  قارن ب: بيات، الدولة العثمانية في المجال العربي، ص 68  -  69.

سيطرتها أيّ ردة فعل من سلطات مركز اللواء، وأرغم المهالبة تركمانها على التعلون، وتحول اسم القلعة منذ ذلك الوقت وحتى الآن إلى اسم قلعة المهالبة85. يبدو أنّ لواء جبلة كان خاليًا من قوات عثمانية قادرة على احتواء تمرد المقدمين، أو سيطرة المهالبة على القلعة. وليس معروفًا بالنسبة إلينا كيف هدأ تمرد لواء جبلة، لكن يمكن الاستنتاج من بعض المصادر أنّ التمرد كان كبيرًا إلى درجة انهيار مركز اللواء في بلدة جبلة التي كانت مقر "أرباب" التيمارات، أو مركز حكم اللواء. وإزاء تمرد المقدمين، لم يفقد التيماريون سلطتهم على تيماراتهم التي كانوا لا يتولون فيها مهمة "إعداد وتجهيز الخيالة المحاربين" - بحسب درجة التيمار - فحسب، بل إنّهم فقدوا "حفظ الأمن والنظام" فيها أيضًا86. ومن هنا، اضطر رسلان باشا المطرجي الذي تولى ولاية طرابلس، في عام 1693، إلى نقله من بلدة جبلة إلى بلدة اللاذقية87، ولكنه ظل يُعرف حتى الحملة المصرية (1831 م) في الوثائق العثمانية باسم "لواء جبلة"88.

ثانيًا: من ملتزمين ثانويين إىل ملتزمين مباشرين

.تشكّل شريحة "خير بك" الالتزامية ونظائرها ي 1 ف الجبل

تُعتبر العقود الثلاثة الأولى من القرن الثامن عشر المرحلة الأساسية لتحوّل أعيان الجبل من ملتزمين ثانويين، أو من الباطن، أو من نوع المستأجرين، إلى ملتزمين مباشرين يرتبطون بالمركز العثماني في بلدة اللاذقية، أو بمركز الولاية بطرابلس، بعلاقة التزامية "تعاقدية" مباشرة، بموجب حجة قانونية صادرة عن المحكمة الشرعية بطرابلس. ولا نملك معلومات وافيةً عن لواء جبلة خلال تلك الفترة الانتقالية، لكننا نملك معلومات وافيةً عن صافيتا بسبب توافر الوثائق. خلال فترة التحول من الالتزام الثانوي إلى الالتزام الثانوي المباشر، تبلورت ظاهرة الأعيان النصيريين العثمانيين في الجبل. ونشأ في سياقها لقب "خير بك" ونظائره كلقب أعياني عثماني محلي ينطوي على الاعتراف بنوع من بيكوية محلية. ويبدو أنّ هذا التمييز بين "بك" و"خير بك" يهدف إلى إضفاء الطابع المحلي على اللقب، من دون خلطه بدلالة المنصب الرسمية الأساسية، إذ يعود لقب ال "بك" إلى منصب رفيع كحاكم اللواء أو الحاكم العسكري أو أبناء الموظفين الرفيعي المستوى89. وقد حمل مقدمو أربع عشائر نصيرية في لواء جبلة لقب "خير بك"، واستمر النسب في عائلاتهم حتى اليوم، وهو ما يُعبّ عن تثبيت عملية الالتزام للمقدمين الذين حازوه في زعامة عشائرهم من جهة، وتحويلهم رؤساء العشائر الأصغر إلى تابعين لهم في إطار الاتحادات العشائرية، على أساس قانون "كتابة الدم"، أي التكافل التضامني المبني على توهّم "وحدة الأصل" أو "الانتماء" في الاجتماع العشائري من جهة أخرى. وهذه العائلات هي عائلة خير بك التي ترأّست عشيرة المتاورة المنتشرة في جبلة وصافيتا، وكان مقر مقدمها الأساسي في اللقبة بمصياف، وعائلة خير بك التي ترأست عشيرة المهالبة ومقرها في ناحية المهالبة، وعائلة خير بك رسبون في عشيرة الكلبية، وعائلة خير بك في عين شقاق في عشيرة الحدادين بجبلة90. يبدو وفق تاريخ الشجرة العائلية المتْوارية (عشيرة المتاورة) أنّ خير بك قد حمله المتاورة خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، طردًا مع تحوّل الالتزام إلى أعيان الجبل المحليين. وهذا ما يفيده تسلسلُ نسب إسماعيل خير بك قائمقام صافيتا

  1. بحسب خوندة، تعود سيطرة المهالبة على القلعة إلى نحو عام 1053 ه/ 1643 م، من خلال سيطرتهم مع حلفائهم على القلعة وطرد التركمان منها. خوندة، ص 216  -  217.
  2. عبد العزيز محمد عوض، الإدارة العثمانية في ولاية سورية (القاهرة: دار المعارف، 1969)، ص 223.
  3. قارن ب: اللاذقي، ص 33.
  4. المرجع نفسه، ص  209.
  5. أبو حسين، ص  269.
  6. خوندة، ص  154.

خلال الفترة (1238  -  1275 ه/ 1825  -  1858 م)، فهو ابن الأمير عثمان خير بك، وهذا هو ابن الأمير خير بك، بينما لم يحمل أيّ من سلالته السابقة لقب خير بك91، وكانت هذه هي المرة الأولى التي حمل فيها أعيان تقليديون في الجبل هذا اللقب الذي يشتمل على البيكوية. بينما يشير أحد عقود الالتزام المبرمة بين آل شمسين بصافيتا ووالي طرابلس، إلى أنهم حملوا هذا اللقب في وقت مبكر في خمسينيات القرن الثاني عشر الهجري/ أربعينيات القرن الثامن عشر، وإن كانت ألقابهم ستَد في عقود الالتزام اللاحقة تحت لقب "الشيخ"، حيث يَرِدُ لقب الشيخ ملحم بن الشيخ حسين شمسين في عقد الالتزام تحت اسم "خير بك"92، وليس معروفًا متى حصل مقدم عشيرة المهالبة على لقب "خير بك". وقد اشتهرت العشيرة، تبعًا لذلك، باسم "آل خير بك المهالبة"، لكن يُعتقد أنّ السلطات العثمانية في اللاذقية قد اعترفت بمقدم المهالبة ك "خير بك" في منطقته الجبلية، إثر تمكّنه من السيطرة على قلعة بلاطنس التي سيُطلق عليها اسم قلعة المهالبة93. ومن هنا، سادت النظرة المحلية لشرائح خير بك، بوصفها مواليةً للسلطات العثمانية، وانطبق ذلك بشكل خاص على عائلة آل خير بك عشيرة الحدادين الذين تُشير بعض مصادر التاريخ النصيري المحلي إلى أنها "صافَت الدولة العثمانية"، وعُرفت بين العامة باسم "آل الشلحة" لانتزاعها الضرائب من الفلاحين أو "تشليحهم" من أموالهم94. كانت رتبة "البيك" محصورةً حتى منتصف القرن السادس عشر، على الأقل، في أفراد الطبقة العسكرية العثمانية، بموجب فرمان سلطاني. وكان من يحملها يصبح تابعًا ل "بيك البكوات" الذي هو حاكم السنجق، وكان حكام السناجق بالضرورة موظفين تيمارجيين يخضعون للمالية المركزية، إذ كان يُمنع منعًا مطلقًا توزيع التيمارات على أفراد الرعية، ولكنّ العثمانيين أدخلوا في عداد هذه الطبقة وجهاء المناطق المحلية المماثلة في البلدان التي فتحوها95. ويبدو أنّ مرتبة "خير بك" كانت مرتبةً محليةً، في محاولة لتمييزها من مرتبة "البيك" التقليدية الرسمية الراسخة في ألقاب السلطنة العثمانية منذ ما قبل سيطرتها على البلدان العربية. وربما كان ذلك اللقب خاصًا بقادة العشائر النصيرية المتحولين إلى ملتزمين، فلم يحمله أيّ وجيه ملتزم غير نصيري في الجبل. اشتغلت هذه الدينامية في جبل النصيرية، طردًا مع تطور نظام الالتزام، بعد بروز أهمية مصادر إنتاجه الزراعي للتبغ في مرحلة ربطه بالسوق العالمية، ومن ثمّ بروزه كمكان ضريبي مُغرٍ للسلطات العثمانية في إغداقه على القادة المحليين، وإضفاء وظيفة أعيانية أساسية على أدوارهم الاجتماعية - السياسية المحلية لم تتمثل في تلبية متطلبات الالتزام المالي الضرائبي فحسب، بل إنّها تطورت إلى وظيفة التوسط بين مجتمعاتهم المحلية وسلطات الولاية في المركز، ثمّ في مرحلة لاحقة في القرن الثامن عشر إلى إناطة بعض وظائف السلطات العامة بهم. قد يكون ممكنًا في ضوء ما جاء في تلك الوثيقة أنّ آل شمسين لم يتمسكوا بلقب "الشيخ" لمكانته في المجتمع النصيري فحسب، بل ربما لكونهم شيوخًا، أو لمحاولتهم محاكاة الشيوخ في جبل لبنان. في حين تصف عقود الالتزام الأعيان الآخرين من آل رسلان منافسي آل شمسين الذين حازوا عقدًا التزاميًا لبعض مناطق صافيتا ب "المقدمين"، كما تصف شركاءهم من مشايخ الرسالنة باسم "الشيخ". ويشير ذلك إلى أنّ عقود الالتزام قد قبلت وصف الملتزمين بما يلقبون به أنفسهم عرفيًا، على غرار استخدام "المير" بالنسبة إلى الأمراء الإسماعيليين، واسم "المير" لوصف أحد المقدمين النصيريين الرسالنة، مثل المير ملحم رسلان، وهو نصيري وليس إسماعيليًا96،

  1. انظر هذه الشجرة في: هواش، ص 50  -  51.
  2. قضية: التزام كل من الشيخ درويش بن الشيخ شبلي شمسين وابن اخيه الشيخ ملحم بن الشيخ حسين شمسين مقاطعة ناحية صافيتا (ص  325  /  1 () 1594: N. E)، سجل 1150  -  1154 ه، أرشيف محكمة طرابلس الشرعية.
  3. خوندة، ص 721.
  4. محمد أمين غالب الطويل،   تاريخ العلويين (بيروت: دار الأندلس، د. ت)، ص 420، وخوندة، ص  173.
  5. خليل إينالجك، تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار، ترجمة محمد الأرناؤوط، ط 2 (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2014)، ص  180.
  6. قضية: التزام المقدم سلمان بن المير ملحم رسلان حلة بيت رسلان وتوابعها من ناحية صافيتا، التزام حلة بيت رسلان من صافيتا (ص  21  /  2 () 5426: N. E)، سجل  1192  -  1194، أرشيف محكمة طرابلس الشرعية.

وكذلك "الشيخ" بالنسبة إلى آل شمسين وبعض مشايخ آل رسلان، بينما انفرد لقب "خير بك" عن هذه الألقاب بكونه رتبةً تحاكي محليًا رتبة البيكوية. وفي الأخير كان المضمون الوظيفي واحدًا لدى الملتزمين المحليين جميعًا في الجبل سواء من حملوا لقب "خير بك"، أو "الشيخ"، أو "المقدم"، أو "المير"... إلخ. وربما كانت السلطات العثمانية تعطي لقبَ "الشيخ" (وهو لقب محلي ديني عرفي في جبل النصيرية)، كما يشير صقر، مرتبةَ "آغا". وعلى كل حال، حمل بعض أبناء شمسين لقب  "آغا" لاحقًا في منتصف القرن التاسع عشر. وفي تحليل بعض عقود الالتزام، يَرِدُ فيها لقب الملتزم من آل شمسين باسم "الشيخ". فقوالب التشريف البلاغية للقب كانت واحدةً بالنسبة إلى من يُطلق عليه "الشيخ" و"الأغا" معًا، فهو قالب "فخر الأقران" أو "فخر الأقران والأماثل"، وهو نفسه ما كان يُنعت به أحيانًا موظفون (مثل الكتخدا)، والبيروقراطيون في دار الولاية، وكان يُنعت به من يحمل رتبة "آغا" في ألقاب التشريف والاعتبار، كما كان هو نفسه ما يُنعت به في وثائق التزام صافيتا من يوصفون بالاسم بوصفهم أمراء، أي يُنعتون بلقب التشريف العثماني قبل صفة المير باسم "فخر الأقران" مثل حالة العديد من الأمراء من الشهود في مجلس طرابلس الشرعي97. لقد حمل الأعيان الإسماعيليون في عقود الالتزام في الجبل لقب "الأمراء" المعبَّ عنه ب  "المير"، وأُطلق على مقدم نصيري واحد في تلك العقود لقب "المير" هو المير آل رسلان في صافيتا، وكان رؤساء عشيرة المتاورة يتوارثون لقب الإمارة، نسبةً إلى انحدارهم من صُلب الأمير المكوّن السنجاري، بينما أطلق عليهم العثمانيون لقب "البيكوية" تحت رتبة "خير بك". أمّا الملتزمون النصيريون من آل شمسين في صافيتا، فقد حملوا لقب "الشيخ" في القسم الجنوبي من الجبل. وأمّا الملتزمون السُنة، ولا سيما التركمان والأكراد منهم في الجبل، فحملوا تقليديًا لقب "الآغا"، ويبدو أنّ الشيخ كان لقبًا دينيًا لِمَا كان يوصف به آل شمسين، وليس بمعنى لقب "الشيوخ" الذي أُطلق على بعض مقاطعجية جبل لبنان. وبخصوص الألقاب المحلية، فإنّ العثمانيين قد احترموها، بما فيها الألقاب المحلية ل "الأمير". وليس صحيحًا ما هو سائد في الثقافة الإسماعيلية الشعبية من أنّ كل من يحمل اسم "المير" هو أمير إسماعيلي، إذ كانت كلمة "المير" تُطلق على كل من يزعم أنه أمير، أو يدعي ذلك، أو يشار إليه بذلك، وهو التعبير اللفظي التصحيفي للعربية المحكيّة والعثمانية عن كلمة "الأمير". وفي هذا الإطار، كرّست وثائق المحكمة الشرعية حَمْل بعض المقدمين النصيريين من آل رسلان، لقب "المير"؛ مثل المير ملحم رسلان99، وثبّت العثمانيون في هذا السياق لقب "المير" بالنسبة إلى الإسماعيليين، كما ثبتوه بالنسبة إلى الأمراء الأيوبيين ملتزمي الكورة وأنفه، وحمل مضمون اللقب التشريفي صيغة "فخر أقرانه"100.

.تتجير التبغ وتصديره وتطور دور شريحة خيري بك 2 ف الجبل

لن يمكن فهم بروز دور الأعيان النصيريين في الجبل في منظور التاريخ الاقتصادي – الاجتماعي، من دون ربطه بالتغيرات البنيوية في اقتصاده، من اقتصاديات محلية منتجة للشعير والقمح والمنتجات الزراعية الأخرى لكن المحدودة، وتلبية متطلبات نفقات بيروقراطية مركز الولاية في طرابلس عبر نظام الآربالق، إلى محاصيل تجارية تصديرية قابلة للاتجار في السوق، ومع هذا التحول يبدأ تاريخ الجبل الحديث. كما أنه لن يمكن فهْم ذلك بمعزل عن التغير البنيوي في سياسات الدولة العثمانية تجاه التبغ، إذ ارتبط التغير البنيوي في

  1. هم الأمير يوسف بن الأمير موسى الكردي، والأمير حسين الكردي، والأمير سليمان الكردي، والأمير قاسم بن الأمير كنعان الكردي، وشكلوا أربعةً من أصل خمسة عشر شاهدًا في محكمة طرابلس الشرعية حين إبرام الالتزامات. قارن بأسماء الشهود في: "التزام حسن بركات حلة من ناحية صافيتا" (ص 147  /  1)، سجل 1164  -  1165 ه، أرشيف محكمة طرابلس الشرعية. 98  قضية: التزام المقدم سلمان بن المير ملحم رسلان.
  2. هم الأمير يوسف ابن الأمير موسى الكردي، والأمير حسين الكردي، والأمير سليمان الكردي، والأمير قاسم ابن الأمير كنعان الكردي، وشكلوا أربعةً من أصل خمسة عشر شاهدًا في محكمة طرابلس الشرعية حين إبرام الالتزامات. قارن بأسماء الشهود في: "التزام حسن بركات."

اقتصاد الجبل ونمط معاشه بتتجير التبغ، واتساع مساحات زراعته، وارتفاع إنتاجه. فقد توسع الاتجار بالتبغ بعد بحث الباب العالي فيه عن مصدر من مصادر تمويله في مرحلة احتقان أزمته المالية، وهو ما ترجمته المؤسسة الفقهية فتويًا بتراجع قوّة الفتاوى التي تُحرّم التبغ، وإصدار المُفتين العثمانيين حكمًا شرعيًا، في عام 1132 ه/ 1720 م تقريبًا، بإباحته101. ارتبط ذلك على مستوى التاريخ الموضوعي بتطور زراعة التبغ في الجبل إلى زراعة تصديرية، ربطت الجبل بالسوق الإقليمية فالدولية. وفي الآن الذي اعترفت فيه سلطات الولاية بالسلطات الأهلية في ألوية ولاية طرابلس، جريًا على عادتها في الاعتراف بمن يفرض السيطرة ويدفع الضرائب، فإنّ مركزها زاد ضغوطاته على الجبل في مرحلة بروز إنتاجه التصديري للحصول على مزيد من الضرائب، ما دفع أعيان جبلة واللاذقية إلى الشكوى من مظالم باشا طرابلس ل "فعله القبيح وأخذ أموالهم"، ورفعوا الشكوى إلى إسطنبول102. ومن المفهوم أنّ أعيان اللاذقية كانوا مؤلفين من تجارها وإنكشارييها وبيروقراطييها وعلمائها، بينما يبدو أنّ أعيان جبال جبلة كانوا مؤلفين من مقدميها ومشايخها المحليين الملتزمين بدفع الضرائب، والذين يبدو أنّ عددهم قد وصل في ذلك الوقت إلى نحو عشرين شيخًا يدفع كل منهم الضرائب للباشا في طرابلس عن منطقته103. وبحلول ثلاثينيات القرن الثامن عشر كان التبغ قد أخذ يشكّل أهمّ المحاصيل التصديرية الأساسية المحلية التي تصدّرها بلدة اللاذقية، وترتبط بهذه المحاصيل فئات اجتماعية مدينية واسعة في تأمين مصادر دخلها المحلي. فلقد تضمّن كشف حساب أحد تجار دمشق، في الفترة 1728 – 1729 م، شحنةً مِنَ التبغ الساحلي مِنْ منطقة جبال النصيرية104. وخلال هذا الاندماج في السوق، اندلعت- وفق بعض المصادر النصيرية - حرب ضارية بين الاتحادين العشائريين الحدادي والكلبي في منطقة جبلة حول الموارد الجديدة، واستمرت نحو سبع سنوات (1140  -  1147 ه/ 1728  -  1734 م)، ولم تتوقف إلا حين أخمدتها القوات العثمانية105. نَمت في إطار هذا التحول أدوار المقدمين النصيريين الذين تحوّلوا إلى ملتزمين لإنتاج التبغ في مناطقهم، وحاز عدد من أقوى زعمائهم لقب "خير بك". وقد برز في هذا السياق دور آل الشلف الذين ينتمون إلى اتحاد العشائر الكلبية، والذين يقطنون في المنطقة التي ينتسبون إليها، وهي منطقة بيت الشلف. وتشير دراسات وينتر إلى أنّ آل الشلف قد سيطروا على موارد مالية كبيرة بفضل توظيفهم المالي، بدعمٍتمويلي من شركائهم الممولين تجار اللاذقية في استثمار نوع تبغ "أبو ريحة" التصديري، وتوسعهم في زراعته وإنتاجه إلى درجة أنّ شمال صهيون بأكمله بات في نهاية القرن التاسع عشر شرق اللاذقية يُسمّى "بيت الشلف"106. وقد حدث تنافس بين أقطاب شريحة خير  بك في الاستثمار في زراعة التبغ، وتوسيع مساحاته، ورفع وتائر زراعته وإنتاجه، وبرز في هذا التنافس آل خير بك المهالبة الذين اتخذوا من قلعة الدلبة (إلى الشمال من القرداحة مباشرةً) مركزًا لهم، وغدَت القلعة بسبب سيطرتهم وامتداد نفوذهم تُعرف باسم "قلعة المهالبة". ويبدو أنّ التنافس في إنتاج التبغ قد زادَ التنافسَ بين جماعات آل خير بك في الجبل، وكان بنو علي الذين حاز زعماؤهم لقب "خير بك"، وعُرف فخذهم الذي حصل على ذلك باسم "أبو شلحة" نسبةً، على الأرجح، إلى قيامه ب "تشليح" الفلاحين ما هو مفروض عليهم من ضرائب107، ينتسبون إلى اتحاد العشائر الحدادية في القسم الشمالي من الجبل، وكانوا متنافسين أشدّ التنافس مع العشائر الكلبية. فعزز التنافس الاقتصادي التنافس العشائري.

  1. ولا  سيما بعد أن أصدر المفتون العثمانيون في نحو عام 1132 ه/ 1720 م فتاوى بتحليل الدخان، وتُعتبر فتوى مفتي دمشق وكبير متصوفيها الشيخ عبد الغني النابلسي (1050  -  1143 ه/ 1641  -  1731 م) أشهر الفتاوى في هذا المجال، وعنوانها "الصلح بين الإخوان في حكم إباحة الدخان"، عبد الكريم رافق، "القوى المحلية وعلاقتها بالمركز"، في: الكتاب المرجع في تاريخ الأمة العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، مج 5 (تونس: مطبعة جامعة الدول العربية بالمعادي، 2008)، ص 239.
  2. محمد مكي بن عبد الباقي الخانقاه، حوادث حمص اليومية (1100  -  1136 ه/  1688  -  1723 م)، تحقيق منذر الحايك (دمشق: صفحات للنشر والتوزيع، 2012)، ص 305.
  3. جبرائيل سعادة، محافظة اللاذقية (دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، د. ت)، ص 28.
  4. أورده ليون غولد سميث، دائرة الخوف: العلويون السوريون في الحرب والسلم، ترجمة عامر شيخوني (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،  2016)، ص 120.
  5. كرد علي، مج 1، ج 2، ص 275.
  6. Winter, p.  58.
  7. خوندة، ص 173  -  174.

3. العلاقات الخلفية والأمامية بين بلدة - مرفأ اللاذقية والجبل: كرخانة اللاذقية للتبغ

كان عمران بلدة اللاذقية بسيطًا ومحدودًا يومئذ منذ الفترة الأيوبية حتى الفترة العثمانية108، غير أنّ أوليا جلبي سيلاحظ، في عام 1649 م، أنها أخذت تتميز بمينائها الفعال، وباحتوائها على نحو خمسين مخزنًا تجاريًا مليئًا بالمواد التجارية، ومئتي دكان، وباشتمالها على نحو 900 دار وقصر، تخدمها ثلاثة جوامع وستّة مساجد وحمّامان109. وقد ارتبط هذا النمو، بعد قرون طويلة من الخمود، بتتجير التبغ، وتفعيل الميناء في تصديره، ولا سيما بعد نقل أرسلان باشا المطرجي الذي تولى ولاية طرابلس، في عام 1693، مركز لواء جبلة من بلدة جبلة إلى بلدة اللاذقية، في عام 1693، إثر تمرد مقدمي الجبل على دفع الضرائب110، وتحولت اللاذقية مع اطّراد ازدهارها التجاري، ومن ثمّ العمراني - البشري من مركز مؤقت للواء إلى مركز دائم، وإنْ ظل اللواء يُعرف في القيود الرسمية العثمانية حتى دخول القوات المصرية، في عام 1832، باسم "لواء جبلة"111. سيبدأ تطور بلدة/ مدينة اللاذقية العمراني - التجاري الحديث من لحظة تحوّلها إلى مركز للواء بفعل تطور فعالية مرفئها وخدماته، وليس ذلك في تصدير تبغ الجبل إلى مصر فحسب، بل في تحوّله، أيضًا، إلى مستودع لتجارة حلب، أو "أسكلة" Echelle لتجارها كبديل من مرفأ الإسكندرونة بسبب وباء هوائها112 لتتسارع وتيرة النمو العمراني- التجاري للبلدة – المرفأ، بعد إصدار المفتين العثمانيين تحت ضغط الجند وموظفي جهاز الدولة عليهم الحكم الشرعي، في عام 1132 ه/ 1720 م تقريبًا، فتاوى بإباحة التبغ113. وقد جعل ذلك اللاذقية أغنى من مركز الولاية بطرابلس114، إذ شهد نموّ مدينة طرابلس انحدارًا كبيرًا بسبب تراجع مكانة مرفئها وعوائده، ما سيفسر تشديد مركز الولاية بطرابلس على مقاطعاته، ولا سيما المقاطعات الجبلية التابعة له لتحصيل الضرائب منه، وهو ما سيدشن ما يمكن تسميته بدء تاريخ حملات المركز على الجبل في العقدين الأولين من القرن التاسع عشر، وهي حملات شكّلت الأساس الاقتصادي - الاجتماعي - السياسي الموضوعي لانهيار السلام العثماني - النصيري في الجبل طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وإعادة تشكّل مظلومية الجبل، وتقديم الوعي النصيري لها في صيغة مظلومية تاريخية. أدّى نموّ زراعة التبغ الهادفة إلى التصدير إلى تطوير العلاقات الخلفية والأمامية بين زراعة الجبل التصديرية والمدينة - المرفأ. وارتفعت وتيرة التتجير مع اكتشاف نوع جديد من التبغ الجبلي هو التبغ الجبلي المدخّن الذي أُطلق عليه محليًا الاسم "أبو ريحة"، والذي لقي إقبالً كبيرًا عليه في السوق المصرية، بينما كانت نوعيته التقليدية السابقة مقتصرةً على نوع "جدار" أو "شك البنت".

  1. كان قد ألحق بها صلاح الدين الأيوبي دمارًا ماحقًا، ثم انتعشت في القرن الرابع عشر، وكانت كما يشير إليها ابن فضل الله العمري (ت. 749 ه) "مدينة صغيرة عامرة، آهلة، حسنة". انظر كتابه: مسالك الأبصار في مسالك الأمصار، تحقيق كامل سليمان الجبوري، مج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2010)، ص 20. ثم غدت البلدة شبه خربة ومهجورة بعد حملة تيمورلنك في عام 1400 م، وانتعشت قليلً في الحقبة المملوكية، حيث كانت فيها الدكاكين والحمامات العامرة في زمن رحلة الأشرف قايتباي إلى الشام في سبعينيات القرن الخامس عشر (882 ه) التي دوّنها ابن الجيعان تتجاور مع الدكاكين والحمامات الخربة، كما كانت قلاعها الثلاث المتلاصقة والواسعة الفناء خربةً، وهو ما يشير إلى تدني كثافتها السكانية. انظر: ابن  الجيعان (القاضي بدر الدين أبو البقاء محمد بن يحيى)، القول المستظرف في سفر مولانا الملك الاشرف أو (رحلة قايتباي إلى بلاد الشام)، تحقيق عمر عبد السلام تدمري (طرابلس: جروس برس، 1984)، ص  58. وبحلول الفتح العثماني للشام رصد جبرائيل سعادة الوضع المتأخر جدًا لمدينة اللاذقية إلى حدّ قوله إنها كانت "مهجورة تقريبًا"، سعادة، ص 27.
  2. أورده يلماز أوزتونا، موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري، ترجمة عدنان محمود سلمان ومراجعة محمود الأنصاري، مج 4، ج 4 (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010)، ص 802.
  3. قارن ب: اللاذقي، ص 33.
  4. المرجع نفسه، ص  209.
  5. Adel Ismail, Documents diplomatique et consulaires , tome.  4 , Consulat de France a Tripoly 1769  -  1815 (Beyrouth: Dar Gandourm, 1976), p.  378.
  6. وخصوصًا بعد أن أصدر المفتون العثمانيون فتاوى بتحليل الدخان. قارن ب: محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية، ص 275.
  7. Ismail, p. 377.

وفي سياق هذا الاكتشاف، تطورت صادرات التبغ في القرن الثامن عشر115، وقد ارتبط الجبل بالسوق العالمية عن طريق هذا الإنتاج الذي كان يتوسط الاتجار به تجار بلدة - مدينة اللاذقية. وأنشأت هذه العلاقات التجارية بين البلدة - المرفأ والجبل شراكةً تجاريةً بين تجار اللاذقية وشيوخ الجبل. وقدّرت مذكرة فرنسية لأوغيست أندريا Andrea Auguste، في أواخر أيار/ مايو  1812، حول الأوضاع الإدارية والاقتصادية لمقاطعات لواء طرابلس عدد مزارع اللاذقية بنحو ثلاث عشرة مزرعةً، تضم نحو أربعين قريةً، يلتزم "شيوخها" بدفع "ضرائبها" للمتسلم، وتصفهم المذكرة ب "كبار المزارعين". ولا شك في أنّ "الشيوخ" الذين تشير إليهم المذكرة لم يكونوا "المشايخ" بالمعنى السياقي المحلي للشيخ الديني في الجبل، بقدر ما كانوا "المقدمين" المحليين الذين تصفهم المذكرة بأنهم كان لهم في مناطقهم الجبلية من القوة ما يمكّنهم من الامتناع عن أن يَفُوا بتسديد التزاماتهم المالية للمتسلّم. ويُفهم من سياق المذكرة أنّ هذه المزارع والقرى كانت في الجبل، وليس في سهلي جبلة واللاذقيّة القابليْ، بالنظر إلى طبيعتهما الجغرافية السهلية، ومتاخمتهما للمركز في اللاذقية للخضوع لتسديد التزاماته المالية الأميرية116. نمَا في سياق هذه العلاقة دور المقدمين في مجتمعاتهم المحلية، كما نمَا النشاط التجاري لمرفأ اللاذقية بفعل نموّ القوى التجارية المرتبطة بالاتجار بالتبغ وتمويل زراعته، إذ أدّت زراعة التبغ القابل للتصدير إلى تأليف تجار اللاذقية وأعيانها تحت إشراف الدولة "كرخانة الدخانة" باللاذقية، كشركة تحتكر عمليات شراء التبغ والاتجار به وتصديره117، مقابل تعهّد تجارها بتوفير أموال "الجردة" بشكل مقطوع، أيْ تقديم لوازم الحجاج إلى آخر حدود أرض الشام118. وارتبط تطور دور الكرخانة بتطور صادرات التبغ، ولا  سيما إلى مصر التي كانت تستورد سنويًا منه كميات كبيرةً لتلبية الطلب الداخلي الكثيف نظرًا إلى جودته مقارنةً بالتبغ البلدي، وانتشار التدخين في المدن المصرية حتى في أوساط النساء. فقد صدّرت اللاذقية، في عام 1799 م، نحو أربعة آلاف بالة زنة كل منها أربعمئة رطل، بينما راوحت صادرات صور إلى السوق المصرية في ذلك العام نفسه بين 400  -  500 بالة119. شكّل ذلك الأساس الموضوعي الاقتصادي لتحوّل الكرخانة إلى لاعب اقتصادي - سياسي أساسي في العلاقة الجديدة بين تجار اللاذقية وسلطات الولاية. ووصل هذا الدور إلى ذروته بتمكّن أحد أبرز أقطاب الكرخانة، وهو المسيحي الأرثوذكسي حنا كبة، من

  1. كان محصول التبغ على نوعين "الجبلي" وهو المدخّن و"جدار" أو "شك البنت"، وبرز القسم الشمالي الوعر من الجبل، وتحديدًا مناطق التركمان والصهاونة وبيت الشلف، أو ما سيشكل لاحقًا قضاء صهيون، بوصفه أكبر منتج له بنوعيه، ولا سيما النوع الأول. اللاذقي، ص  178. وكان نوع "شك البنت" يُسوّق بحالته الطبيعية من دون أيّ قيمة مضافة إليه. لكن منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر، برز نوع جديد منه، مصادفةً، يتسم بقيمته المضافة التي جعلته قابلً للتصدير هو التبغ المدخن، أو ما أُطلق عليه "أبو ريحة". وبرز القسم الشمالي من الجبل بوصفه أكبر منتج له بنوعيه، ولا  سيما بعد اكتشاف التبغ المدخّن فيه. اللاذقي، ص 178. ويشير اللاذقي إلى أنّ الجبل أظهر العصيان في عام 1744 م، ما تسبب بعدم بيع محصول التبغ في أسواق اللاذقية، فعلّقه الفلاحون على سقوف بيوتهم، وفي الشتاء تأثر المحصول المعلّق بدخان التدفئة، فغدا لونه أسود، فبيع بأسعار متهاودة، لكنه وافق إقبالً عليه في مصر، ما دفع إلى إقبال التجار والمستثمرين على تشجيع إنتاجه بهدف التصدير. اللاذقي، ص 214. قارن ب: محمد رفيق بك ومحمد بهجت بك، ولاية بيروت، القسم الشمالي 2، ألوية طرابلس واللاذقية، ج 2، ط 3 (بيروت: دار لحد خاطر، 1987)، ص 452. والمشترك في رواية اللاذقي ورواية مؤلفي ولاية بيروت هو انقطاع تجارة التبغ، واكتسابه اللون الأسود نتيجة التبخير مصادفةً، ما جعله محصولً قابلً للتصدير بسبب ارتفاع الطلب عليه.
  2. Ismail, p. 377.
  3. كانت الشركة تحت مراقبة الحكومة مختصةً بتمويل إنتاجه وتسويقه، وقد عُرفت باسم "كرخانة الدخان". وكانت الكرخانة "مؤسسة كاملة تحت إدارة نظّار ووكلاء وكتاب وخانات تخزين من قبلها"، "فلا يمكن لأحد أن يبتاع شيئًا منه من زرّاعه خارجًا عن الكرخانة"، وكان المساهمون في هذه الشركة مسجلين لدى الحكومة المركزية في الأستانة، ويتلقى كل منهم سنويًا "جبةً مزركشةً على طوقها اسمه بقصب الفضة". وقد حصلوا على عوائد وفيرة بسبب مزايا الاحتكار ومحدودية نفقات "مصاريف الإنتاج". اللاذقي، ص 178  -  179. مقابل تعهدهم بتوفير أموال "الجردة" بشكل مقطوع، أي تقديم لوازم الحجاج إلى آخر حدود أرض الشام. المرجع نفسه، ص 217.
  4. المرجع نفسه، ص 217. كانت تكلفتها تبلغ نحو 750 كيسًا أو 3750 جنيهًا، هاشم عثمان، تاريخ اللاذقية (637 ه -  1946 م)، (دمشق: وزارة الثقافة،  1996)، ص 62. و"الكيس" مصطلح عثماني يشير إلى وحدة حسابية في الخزينة الأميرية تساوي 500 قرش. حول معادلة الكيس للنقد قارن ب: كامل البالي (الشهير بالغزي)، نهر الذهب في تاريخ حلب، ج 3 (حلب: المطبعة المارونية، د. ت)، ص 320.
  5. نوفل نوفل الطرابلسي، بلاد الشام في عصر محمد علي باشا 1831  -  1841، تحقيق أسد رستم، جمع وتقديم وفهرسة لمياء رستم شحادة (بيروت: المكتبة البولسية،  1995)، ص 242.

الحصول على متسلمية اللاذقية، وتولي حكمها بالفعل بين أواخر القرن السابع عشر حتى عام 1803120. وفي مرحلة كبة، كانت اللاذقية قد تحوّلت بفضل عائدات جمركها إلى "محاسبة" مرتبطة بها مباشرةً، وليس عبر مركز الولاية في طرابلس121. وحدث ذلك أثناء تطوير الباب العالي لوظيفة الدفتردار العثماني المركزي إلى مؤسسة، في سياق مرحلة إصلاحات السلطان سليم الثالث (1789  -  1807) التي توّجها إحداثه لما سُمي "نظامي جديد" عسكريًا و"إيراد جديد خزينه سي" (خزانة الإيراد الجديد) ماليًا122، وكانت كرخانة اللاذقية من أوضح موارد مؤسسة "إيراد جديد خزين"، بالنظر إلى كونها مؤسسةً تخضع لرقابة الدولة المالية واهتمامها المباشر. وفي الحصيلة، انتهت مغامرة كبة بقتله في عام 1803 من قبل أحد القادة الإنكشاريين.

ثالثًا: محاولة تركيب

مثّل التحول الاستثماري العثماني لجبل العلويين؛ من النظام التيماري إلى نظام الالتزام في القرن السابع عشر الأساسَ الموضوعي التاريخي لإعادة تشكيل مقدمي الجبل وقادته المحليين في نوع من أعيان عثمانيين ريفيين محليين يحظون بالوظيفة الأساسية للأعيانية العثمانية، بغضّ النظر عن انتمائهم المذهبي الديني الإسلامي "الهرطقي" في المنظور الفقهي العثماني المؤسسي للجماعات الإسلامية غير السُنيّة. وتتمثّل هذه الوظيفة في التوسط بين المركز العثماني للولاية أو اللواء (السنجق) والمجتمعات المحلية للجبل. وقد تشكّلت في سياق عملية التحول الاقتصادية - الاجتماعية شريحة "خير بك" التي حمل لقبها عدة مقدمين عشائريين نصيريين في الجبل بقسميه الشمالي (وقاعدته جبلة) والجنوبي (وقاعدته صافيتا)، يعرف بعض مَن ينتمون إليها ب "الأمراء" و"المقدمين" و"الشيوخ". وترافق تطور مضمون هذا اللقب على مختلف أشكاله، بوصفه يدل على المكانة الاجتماعية والوظيفية الأعيانية العثمانية الجديدة، مع تحوّل هؤلاء المقدمين من ملتزمين ثانويين أو من الباطن إلى ملتزمين مباشرين بموجب "حجة شرعية"، أو عقد نظامي مسجل وموثق في المحكمة الشرعية بطرابلس. لم يكن التحول من النظام التيماري إلى نظام الالتزام مجرد تحوّل اقتصادي في أسلوب تحصيل المركز العثماني للضرائب الأميرية ينحصر في حدود نوع من "خصخصة" محلية للاستثمار والجباية بدلً من الموظفين العثمانيين أو الجباة "المباشرين"، بل كان تحولً اقتصاديًا – اجتماعيًا – سياسيًا مركّبًا، تحوّلت فيه السلطة المحلية من أرباب التيمارات الذين كانوا يُعتبرون موظفين عثمانيين إلى أعيان الجبل المحليين الذين غَدوا ملتزمين، ومن ثمّ متعاقدين مع المركز العثماني مباشرةً، من دون المرور بحلقة وسيطة من الملتزمين، وهو ما برز بوضوح خلال القرن الثامن عشر الذي يمكن القول إنه قرن "عصر" الأعيان النصيريين العثمانيين المحليين الريفيين في الجبل. كانت وتيرة هذا التحول في القسم الجنوبي من الجبل (مقاطعة صافيتا) أسرع منها في قسمه الشمالي (لواء جبلة). فلقد بدأ هذا التحول بالتدريج في صافيتا بدايةً من ثلاثينيات القرن السابع عشر، طردًا مع تصفية الملتزمين القدامى من آل سيفا ولاة طرابلس، وبرزت فيه عائلة آل شمسين التي حمل ملتزموها لقبَي "خير بك" و"الشيخ"، غير أنهم فضلوا حمل لقب "الشيوخ"، بينما لم يبرز تشكّل شريحة أعيان "خير بك" في القسم الشمالي من الجبل إلا في وقت متأخر من القرن السابع عشر مع تغير إنتاجه الزراعي بنيويًا أو هيكليًا إلى زراعة التبغ القابل للتصدير.

  1. اللاذقي، ص 217  -  218.
  2. Ismail, p. 379. قارن ب: سعادة، ص  24.
  3. بنحادة، ص 115، 132.
  4. اللاذقي، ص 217  -  218.

وبحلول أواخر القرن السابع عشر، كان مقدمو الجبل قد تحوّلوا إلى ملتزمين متعاقدين مباشرةً مع المركز العثماني، ما ترتب عليه اعتراف المركز العثماني بسلطاتهم المحلية من جهة، وبتكوينهم فصائل عسكريةً داعمةً لتحصيل الأموال وفرض الأمن وبتثبيت قيادتهم لعشائرهم من جهة ثانية. ونتج من ذلك، بحلول الربع الأخير من القرن السابع عشر، تطور وظائف هؤلاء الملتزمين إلى الاضطلاع بوظائف السلطة العامة في المجال الاستثماري الإعماري والأمني، ولا سيما الوظيفة الأمنية، ما حوّلهم إلى حكام محليين لمجتمعاتهم المحلية نيابةً عن القائمقام العثماني. وخلال عملية التحول المذكورة، توارت ضريبة القرش "شبه الذميّة"، على الأقل ظاهريًا، من العقود أو الحجج الالتزامية الممنوحة لملتزمين نصيريين في مناطق خاضعة لهذه الضريبة منذ العهد المملوكي، وبرزت نتائج التحول من النظام التيماري "المباشر" إلى نظام الالتزام بواسطة ملتزمين محليين تحوّلوا إلى أعيان عثمانيين محليين ريفيين في حلول ما يمكن تسميته السلام العثماني في جبل العلويين طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، بحيث إنّ الذي خلخل هذا السلام في بعض الفترات هو الصراع التقليدي على الموارد والهيمنة بين العشائر النصيرية، وليس السلطات العثمانية. ولن يتخلخل هذا السلام بنيويًا إلا مع العقد الأول في القرن التاسع عشر، طردًا مع مزيج مركب من إخضاع ملتزمي الجبل لدفع الضرائب وتوسّع سلطة أولئك في مجتمعاتهم المحلية، واضطلاعهم بأدوار سياسية وعسكرية في منظومة ولاية الشام العثمانية، ليكون هذا القرن الأخير قرن الحملات العثمانية التدميرية مجهزًا على السلام العثماني في الجبل، والقرن الذي نشأت فيه أصول المظلومية "الحديثة" للجبل. وهو ما سنبحثه في دراسة تالية.

المراجع

العربية

تدمري. طرابلس: جروس برس، 1984.

العلمية،  2008.

محمود الأنصاري. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010.

والفنون والثقافة الإسلامية، 2000.

العلوم للطبعة والنشر، 1983.

البالي، كامل. نهر الذهب في تاريخ حلب. حلب: المطبعة المارونية، د. ت.

بنحادة، عبد الرحيم. العثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة. الدار البيضاء: دار اتصالات سبو، 2008.

(مطلع العهد العثماني- أواسط القرن التاسع عشر). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.

حرفوش، حسين. خير الصنيعة في مختصرتاريخ غلاة الشيعة (مخطوطة.)

الحصري، ساطع.   البلاد العربية والدولة العثمانية. ط 2. بيروت: دار العلم للملايين، 1960.

حمادة، سعدون. الثورة الشيعية في لبنان 1685  -  1710. بيروت: دار النهار،  2012.

1789  -  1918. إشراف ألبرت حوراني، وفيليب خورين، وماري ويلسون. دمشق: دار طلاس،  1996.

ابن الجيعان، بدر الدين. القول المستظرف في سفر مولانا الملك الاشرف أو (رحلة قايتباوي إلى بلاد الشام). تحقيق عمر عبد  السلام ابن عابدين، محمد أمين بن عمر. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، اعتنى به محمد عثمان، ج 2. بيروت: دار الكتب أبو حسين، عبد الرحيم. لبنان والإمارة الدرزية في العهد العثماني، وثائق دفتر المهمة 1546  -  1711. بيروت: دار النهار، 2005.

أورهونلو، جنكيز. إسكان العشائر في عهد الامبراطورية العثمانية. ترجمة فاروق مصطفى. دمشق: دار الطليعة الجديدة، 2001. أوزتونا، يلماز. موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري. ترجمة عدنان محمود سلمان ومراجعة أوغلي، خليل ساحلي. من تاريخ الأقطار العربية في العهد العثماني: بحوث ووثائق وقوانين. إسطنبول: مركز الأبحاث للتاريخ أولسن، روبرت دبليو. حصار الموصل والعلاقات العثمانية - الفارسية (1718  -  1743). ترجمة عبد الرحمن الجليلي. الرياض: دار إينالجك، خليل. تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار. ترجمة محمد الأرناؤوط. ط 2. بيروت: دار المدار الإسلامي، 2014. باموك، شوكت. التاريخ المالي للدولة العثمانية. ترجمة عبد اللطيف الحارس. بيروت / طرابلس، ليبيا: المدار الإسلامي، 2005.

البلاد العربية في الوثائق العثمانية: النصف الأول من القرن 10 ه 16 م. إعداد وترجمة فاضل بيات. تقديم خالد أرن. إسطنبول: إرسيكا،  2011. بيات، فاضل. الدولة العثمانية في المجال العربي: دراسة تاريخية في الأوضاع الإدارية في ضوء الوثائق والمصادر العثمانية حصرًا حوراني، ألبرت. "الإصلاح العثماني وسياسات الوجهاء". في: الشرق الأوسط الحديث، طلائع الإصلاح وتبدل العلاقات مع أوروبا الخانقاه، محمد مكي بن عبد الباقي. حوادث حمص اليومية (1100  -  1136 ه/  1688  -  1723 م). تحقيق منذر الحايك. دمشق: صفحات للنشر والتوزيع، 2012.

خوري، فيليب. أعيان المدن والقومية العربية: سياسة دمشق 1860  -  1920. ترجمة عفيف الرزاز. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،  1993.

خوندة، محمد. تاريخ العلويين وأنسابهم. بيروت: دار المحجة البيضاء، 2004.

الدمشقي، الحافظ بن كثير. البداية والنهاية. وثّقه وقابل مخطوطاته علي محمد عوض وآخرون. ط 3. بيروت: دار الكتب العلمية، 2009.

الدويهي، إسطفان. تاريخ الأزمنة، تحقيق الأباتي بطرس فهد. ط 3. بيروت: دار لحد خاطر، د. ت.

رافق، عبد  الكريم. "القوى المحلية وعلاقتها بالمركز". في الكتاب المرجع في تاريخ الأمة العربية. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. تونس: مطبعة جامعة الدول العربية بالمعادي، 2008.

رافق، عبد  الكريم. العرب والعثمانيون 1516  -  1926. دمشق: د. ن، 1974.

رحلة ابن بطوطة: المسماة تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. اعتناء درويش الجويدي. بيروت / صيدا: المكتبة العصرية، 2011.

رفيق بك، محمد. ومحمد بهجت بك، ولاية بيروت، القسم الشمالي 2، ألوية طرابلس واللاذقية. بيروت: دار لحد خاطر، 1987. سعادة، جبرائيل. محافظة اللاذقية. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، د. ت.

سميث، غولد. دائرة الخوف: العلويون السوريون في الحرب والسلم. ترجمة عامر شيخوني. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،  2016.

الشدياق، طنوس. أخبار الأعيان في جبل لبنان. وقف عليه وناظر طبعه المعلم بطرس البستاني. إشراف نظير عبود. تحقيق مارون رعد. بيروت: دار نظير عبود، 1993.

صباغ، عباس. تاريخ العلاقات العثمانية الإيرانية: الحرب والسلام بين العثمانيين والصفويين. بيروت: دار النفائس، 2011.

الصفدي، أحمد بن محمد الخالدي. لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني. تحقيق أسد رستم وفؤاد أفرام البستاني. ط 2. بيروت: المكتبة البولسية، 1985.

صقر، منير عبد الحميد. تاريخ صافيتا في العهد العثماني 922  -  1337 ه/ 1516  -  1918 م. دمشق: دار العرّاب، 2012.

الصمد، قاسم. " نظام الالتزام في ولاية طرابلس في القرن 18، من خلال وثائق سجلات محكمتها الشرعية". ورقة مقدمة في "المؤتمر الأول لتاريخ ولاية طرابلس إبان الحقبة العثمانية 1516 – 1918 ". قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية. في  27  -  28  /  1995.

شحادة. بيروت: المكتبة البولسية،  1995.

الطويل، محمد أمين غالب. تاريخ العلويين. بيروت: دار الأندلس، د.ت.

عثمان، هاشم. تاريخ اللاذقية (637 ه -  1946 م). دمشق: وزارة الثقافة،  1996.

علي حسن، أحمد. حمين خلال ثلاثة قرون. طرطوس: دار إياس، 1998.

عوض، عبد العزيز محمد. الإدارة العثمانية في ولاية سورية. القاهرة: دار المعارف، 1969.

كرد علي، محمد. خطط الشام. دمشق: مؤسسة النوري، د. ت.

اللاذقي، إلياس صالح. آثار الحقب في لاذقية العرب. تحقيق وتقديم إلياس جريج. بيروت: دار الفارابي، 2013.

البولسية،  1985.

مكي، محمد علي. لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني. ط 6. بيروت: دار النهار، 2006.

هواش، محمد. عن العلويين ودولتهم المستقلة. الدار البيضاء: دار النشر للتاريخ الحديث، 1997.

الفكر الإسلامي، 2016.

الأجنبية

الطرابلسي، نوفل نوفل. بلاد الشام في عصر محمد علي باشا 1831  -  1841. تحقيق أسد رستم، جمع وتقديم وفهرسة لمياء رستم العمري، ابن فضل الله. مسالك الأبصار في مسالك الأمصار. تحقيق كامل سليمان الجبوري. بيروت: دار الكتب العلمية، 2010. مشاقة، ميخائيل. منتخبات من الجواب على اقتراح الأحباب. تحقيق أسد رستم وصبحي أبو شقرا. ط 2. بيروت: المكتبة وينتر، ستيفان. الشيعة في لبنان تحت الحكم العثماني (1516  -  1788). ترجمة محمد حسين المهاجر. بيروت: مركز الحضارة لتنمية

• Ismail, Adel. Documents Diplomatiques Et Consulaires Relatifs À L' Histoire Du Liban. Tome 4. Consulat De

France À Tripoly 1769  -  1815. Beyrouth: Éditions Des Oeuvres Politiques et Historiques,  1976.

• Lyde, Samauel. The Asian mystery. London: Longman and Roberts, 1860.

• Winter, Stefan. “The alawis in the ottoman period,” in: Michael Kerr & Craig Larkin (eds.). The Alawis of Syria:

War, Faith and Politics in the Levant. London: C. HURST & Co., 2015.