معرفة الحياة اليومية الماركسية بوصفها معرفةً نقديةً بالحياة اليومية
The knowledge of everyday life Marxism as critical knowledge of everyday life
الملخّص
هذه المادة هي الفصلان الثاني والثالث في المجلد الأول من كتاب هنري لوفيفر نقد الحياة اليومية، حيث يعرض لما يعنيه بمعرفة الحياة اليومية، تلك التجربة التي استعمرتها السلع، وغطّى عليها الزيف، لكنها تظل المصدر الوحيد للمقاومة والتغيير، قبل أن يقدّم الماركسية بوصفها معرفةً نقدية بتلك الحياة، وهو أمرٌ يرقى إلى أن يكون منهجيةً من منهجيات كتابة التاريخ. ويُعَدّ كتاب نقد الحياة اليومية بأجزائه الثلاثة أهمّ أعمال هنري لوفيفر التي يقوم فيها باستكشاف ذي أهميةٍ بالغةٍ للمجتمع المعاصر، كما أنّه يُعدّ النص المؤسِّس لِمَ نسمّيه "الدراسات الثقافية".
Abstract
This article provides the Arabic translation of the second and third chapters, Volume I of Henri Lefebvre’s Critique of Everyday Life. This work which regards quotidian life, despite being overwhelmed by commodification and fraud, to be the sole remaining source of change and resistance and goes on to define Marxism as the perfect form of critique of everyday life, offering a wholly new methodology for the writing of history. The three-volume Critique of Everyday Life is Lefebvre’s most important work, a book through which he explores the minutiae of contemporary society and which can be said to be the foundational text of the field now known as Cultural Studies.
- الحياة اليومية
- الماركسية
- مارك بلوخ
- المؤرخ الحديث
- Everyday life
- Marc Bloch
- Marxism
- Modern Historians
الماركسية بوصفها معرفةً نقديةً بالحياة اليومية
The knowledge of everyday life
Marxism as critical knowledge of everyday life
معرفة الحياة اليومية
بات الفنّ والفلسفة، في الفترة المعاصرة، أقرب إلى الحياة اليومية، إنّما لتسفيهها فحسب بذريعة إضفاء نبرة جديدة عليها. يشبه هذا الفعل المناوئ للحياة ما شاع من "نقد يمينيّ" للمؤسسات والأشياء في فترة الحرية السطحية والديمقراطية المجردة التي سبقت انهيار عام 1940. فعلى مدى عقود متعددة، كان بارِس وموراس1 وتلاميذهما – وكثيرون غيرهم أيضًا – يقرضون بنية الديمقراطية وأساسها مثل العثّ من الداخل؛ في الفكر والفعل على السواء. وقد انتقدوا اقتصادها السياسي، وبدا أنّهم يهاجمون الرأسمالية ذاتها والتروستات باسم أيديولوجيات ومؤسسات (نقابات حرفية، وأولوية المجال الروحي... إلخ) سابقة للرأسمالية. لكن النقد الحقيقي الوحيد كان نقد اليسار؛ لأنه وحده كان يقوم على أساسٍ من المعرفة. ويخلص النقد الباطني أو الميتافيزيقي للحياة اليومية، سواء صدر عن شعراء أو فلاسفة، إلى موقف رجعي، حتى لو أبدت حججه ضروبًا من التشابه الشكلي مع حجج "اليسار"، بل خصوصًا حين تبدي مثل تلك الضروب. إنّ الهروب من الحياة أو رفض الحياة، واللجوء إلى طرائق عيشٍ مستنفدة عفّاها الزمن، والحنين إلى الماضي أو الحلم بمستقبل فوق طاقة البشر مواقف متطابقة في الأساس. وهذا هو السبب في أنّ انتقادات "اليسار المتطرف" تشبه الانتقادات الرجعية ذلك الشبه الوثيق. ومن حسن الحظ أنّ رفض الحياة والعالم الواقعي رفضًا تامًا، لا هوادة فيه، لم يكن لديه في فرنسا الوقت ولا الفرصة كي يجني محصوله من ثمار البحر الميت2. كان الرفض التامّ قد أمدّ حركة الشباب الهتلرية بالقوة حتى النهاية، وفقًا لجميع الوثائق المتاحة، وظلّ يتيح لها أن تتخطى انهيار أحلامها "الخارقة" بإضفاء قيمةٍ على ذلك الانهيار تعدل القيمة التي للهولوكوست. اجعلْ رفض الحياة اليومية – رفض العمل، رفض السعادة – ظاهرةً جماهيريةً، واعتلالً لدى الطبقات الوسطى المتفسخة، وعصابًا جماعيًا (في حين لم يكن في فرنسا أكثر من ظاهرة فردية)، وسوف ينتهي بك الأمر إلى "باطنية" هتلرية. في الوقت الذي كان الفن والأدب والفلسفة يشنّون هجومهم على الحياة اليومية بمثل هذه القوة والعناد، من دون تمييز بين وجهيها (البرجوازي والإنساني)، كان عالم المعرفة أيضًا يقترب منها، ولكن من أجل دراستها دراسةً جدّيةً قدر الإمكان. وأفضت دراسة الموضوعات اليومية المتواضعة والخالية من الأهمية (في أوّل وهلة) إلى اكتشافات مهمّة في حقول علمية عديدة. ولنستذكر هذا المقطع الذي يُعَدُّ من أجود ما كتبه مارك بلوخ، وأشدّه أثرًا، ولو لم نوافقه على جميع ما جاء فيه: يمكن أن نميّز في فرنسا ثلاثة أنواع أساسية من الحضارة الزراعية، ترتبط جميعها ذلك الارتباط الوثيق بالشروط الطبيعية وبالتاريخ البشري في آن واحد. ثمّة، أولً، أراضٍ فقيرة لم تُستثمَر إلا بفتور وعلى نحوٍ متقطّع على مدى طويل، وبقي الجزء الأكبر منها – حتى القرن التاسع عشر – من دون تغيير: نظامُ مُسيَّجَات. ثم هناك نوعان من الزراعة المكثفة، يشتمل كلاهما من حيث المبدأ على الإدارة الجماعية للحراثة التي كانت، بالنظر إلى حجم الزراعة، السبيل الوحيدة للحفاظ على التوازن السليم بين الأراضي الصالحة للزراعة والمراعي، ذلك التوازن الضروري كي يبقى الجميع قيد الحياة، فلم تكن أيّ منها مغلقة. أول هذه الأنواع، ويمكن أن نسمّيه "الشمالي"، اخترع المحراث واتّسم بالتلاحم القوي على نحو خاص بين جماعاته؛ ويمكن أن يُميَّز من حقوله المتطاولة التي تجتمع في شرائط متوازية عمومًا. أمّا ثاني هذين النوعين المفتوحين، ويمكن أن نسمّيه "الجنوبي"، من باب التسهيل مع بعض التحفظات، فهو يجمع بين
الاستخدام المستمر للمحراث المترجّح ودورة محاصيل مدتها سنتان – في ميدي، على الأقل – وانخفاض روح الجماعة على نحو ملحوظ في استغلال الأرض والحياة الزراعية ذاتها. وليس هناك ما يمنعنا من التفكير في أنّ هذا التعارض الحادّ بين طرائق التنظيم والتفكير في المجتمعات الريفية القديمة لم تكن له انعكاسات عميقة على تطور البلاد عمومًا3. كم مرّة "طُفنا" جميعًا في الريف الفرنسي من دون أن نعلم كيف نفكّ مغاليق المنظر البشري الذي نراه أمام أعيننا! نحن نتطلع بعيون ذوّاقةٍ إلى أغرار يخلطون الوقائع الطبيعية بالوقائع الإنسانية، ويراقبون نتاج أعمال الإنسان – الوجه الذي أعطته لأرضنا مئات القرون من قلب التربة – كما يراقبون البحر أو السماء، حيث تتلاشى بسرعة آثار مرور الإنسان. لا نعرف كيف نرى هذا الواقع البالغ القرب والشاسع، وهذه الأشكال التي أنتجها العمل الخلّق. ولا نتجول في الريف الفرنسي، نحن أهل المدن الذين نفضنا أيدينا من ذلك كلّه، والمثقفين الضجرين المتبطلين، إلا لشيء نفعله، ننظر لكننا نعجز عن الرؤية. ونقع أسرى تسوية هجينة بين المشهد الجمالي والمعرفة. وحين يلفت انتباهنا تحليق طائر، أو خوار بقرة، أو غناء راعٍ صغير، نحسب أنفسنا بالغي الذكاء والحيوية. لكنّنا عاجزون عن التقاط الوقائع الإنسانية. نخفق في رؤيتها حيث هي، في تلك الموضوعات المتواضعة، المألوفة، اليومية: أشكال الحقول، أشكال المحاريث. بحثنا عن الإنساني يأخذنا بعيدًا جدًا، "عميقًا" جدًا، فننشده في الغيوم أو في الأسرار، في حين أنّه ينتظرنا، يحاصرنا من كلّ جانب. لن نجده في الأساطير، على الرغم من أنَّ الوقائع الإنسانية تحمل معها موكبًا طويلً ورائعًا من القصص البطولية والحكايات والأغاني والقصائد والرقصات. كلّ ما علينا فعله هو أن نفتح أعيننا فحسب، أن نغادر عالم الميتافيزيقيا المظلم وأعماق الحياة "الداخلية" الزائفة، فنكتشف الثروة البشرية المهمّة التي تنطوي عليها وقائع الحياة اليومية المتواضعة؛ ف "ليس المألوف معروفًا بالضرورة"، كما قال هيغل. دعونا نذهب أبعد من ذلك ثمّ لنقلْ إنّ المجهول – وليس الغامض – يكون على أشدّ غناه في الأشياء الأشد ألفة، وإنّ هذا المحتوى الغنيّ للحياة لا يزال بعيدًا عن وعينا المعتم الفارغ، مسكونًا بالمحتالين، ومترعًا بأشكال العقل المحض، والأساطير وشِعرها الوهمي. لقد أصبحنا شديدي الحساسية حيال هذه الخرافات، وهو أمر ينطوي على سذاجة؛ لم نعد نؤمن بالأسرار، لكنّنا نزعم أننا نؤمن بها، وليس هناك ما هو أكثر إملالً من السذاجة الزائفة والغباء الزائف لدى بعض الشعراء الذين يُبدون في النواحي الأخرى جميع أساليب المهنة وحيلها، وتكون دقائق الأدب التقنية طوع بنانهم (كلوديل، وبيير إيمانويل... إلخ)4. لكن حساسيتنا ليست من الشدّة بما يكفي للمضيّ أبعد من العقل فيه الميتافيزيقي، الشكليّ، المجرد في حياتنا وفي وعينا لها. وبذلك نكون أسرى حالة انتقال غير مؤكد بين عقلقديم وجديد، ووعينا لا يزال وعيًا "خاصًا" (فكرٌ فرديّ ومعزول، لا يغدو شاملً إلا في شكله المجرد، المحروم من التماس الواقعي مع الواقعيّ ومن أيّ وعي لطابعه العملي واليوميّ). نحن لا ندرك الحياة اليومية إلا في مظاهرها المألوفة، التافهة، الزائفة. فكيف يمكننا أن نتفادى تجنب إغراء أن ندير ظهورنا إليها؟ مثل الفاكهة الرائعة والمخلوقات الجميلة المغوية التي ما إن نمسّها حتى نتحول إلى رماد، هكذا تنتظرنا الأساطير، والشعر "الخالص"، والأسرار، فاتحةً أذرعها. من الذي كان ليخطر له قبل قرن من الزمان أنّ كلمات الرضّع المترددة الأولى أو حمرة خجل المراهقين – أو أشكال المنازل – يمكن أن تصبح موضوعات دراسة علمية جادة؟ وبقدر ما يوجد علم الإنسان، فإنه يجد مادته في "التافه"، واليومي. وعلم الإنسان – المعرفة – هو الذي مهّد الدرب لوعينا. ذلك أنَّ وعينا لا ينفك يُغرَى، في جميع الأوقات، وفي جميع الظروف، بأن يحسب أنّه مكتفٍ بذاته، واعٍ لذاته، قادر على امتلاك نفسه وموضوعاته. لكنّ المعرفة الواقعية تعلّمه بعض الدروس في التواضع من حين إلى آخر؛ وهي دروس سوف تظل
ضروريةً في المستقبل المنظور، لأنَّ لوعينا دائمًا طرائقه الخاصة في تفسير النتائج التي تنتجها المعرفة ذاتها؛ ولأنّه يشعر دائمًا بالحاجة إلى الاعتقاد أنَّ العلم يجب أن يُعنى بالأمور الجليلة المُلغزة، مع أنَّ الأمر ببساطة تامة هو أمرُ تلك الكلمات الأولى التي يطلقها الطفل أو شكل هذا الحقل (أو حتى لون السماء الأزرق أو التأثير "التافه" الذي يكون لجسمين؛ أحدهما في الآخر، بالنسبة إلى عالم الفيزياء الحديث). لا بدَّ، قبل أن نمضي أبعد من هذا، أن نسلّط الضوء على أحد ضروب الالتباس. فمؤرخو المدرسة القديمة لا ينفكّون يصرّون على أن يُدخِلوا في محاجّاتهم وتأملاتهم توصيفات للحياة اليومية في مرحلة معيّنة مفصّلة أدقّ التفصيل وتفاصيل تافهة على نحو منفّر في أكثر الأحيان؛ مثل الأمراض الملكية وعلاقات الحب، والحياة في القلاع القروسطية أو في "بيوت فلاحي القرن السابع عشر. مثل هذه التفاصيل لا علاقة لها على الإطلاق بالفكرة التي نوشك أن نقدّمها عن معرفة الحياة اليومية. فهي لا تمتلك مثل هذه العلاقة إلا في الظاهر؛ وهي مجرد قناع لتفسيراتٍ للتاريخ غريبة. ومن الممكن تمامًا أن ننتقل من وصف "واقعيّ" لفلاح يعمل، أو من سترة عامل زرقاء مبقّعة بالزيت، إلى نظرية وهمية عن حياة الفلاحين أو مصير الطبقة العاملة. ومثل خفّة اليد هذه هي أسهل شيء في الدنيا؛ وهي الطريقة التي يعمل بها كثير من المحتالين الفلسفيين أو السياسيين، مستبدلين بالملموس (الملموس الظاهري، والزائف تاليًا، والخادع والكاذب) تجريدًا (لا طائل فيه)، معتمدين على عبارات حسنة الصَّوغ لكنّها تفتقر إلى الترابط وبائرةٌ فكريًا. تنتقل المعرفة والفكر الحقيقي منهجيًا من الصعيد الفردي إلى الصعيد الاجتماعي والوطني (من خلال عملية تفكير تمكن مقارنتها بالتكامل الرياضي لعناصر بالغة الصغر). وهما ينجحان بذلك في تأسيس تصوّر علمي للكلّ الاجتماعي، وخصوصًا في تأسيس نظرية علمية للعمل الاجتماعي. وبهذه الطريقة تبدو الأدوات والطريقة التي يتعامل بها مستخدموها معها – سواء كانوا فلاحين أو حرفيين أو عمال مصانع – كأنّها عناصر، أو لحظات في مجمل العمل؛ ونحن نعلم أنَّ مجمل هذا العمل قد عدّل وجه العالم وغيّه. وفي هذا السياق تكفّ الأمّة عن أن تكون تجريدًا، "شخصًا معنويًا" (رينان)، أو أسطورة (قومية أو عنصرية). لقد تعلمنا كيف نتبيّ وجه أمتنا على الأرض، في المشهد، وقد شكّلته ببطء قرون من العمل، من الحركات البسيطة الصبور. ونتيجة هذه الحركات، مجملها، هو ما ينطوي على العظمة. تظل التفاصيل محتفظةً بواقعها الغاشم، بالطبع؛ عربة اليد هذه لا تزال مُرهِقةً وذات صرير، وحياة هذا الفلاح لا تزال قاسيةً، وحياة ذاك العامل لا تزال مملةً خاليةً من البهجة. الأشياء لم تتغيّ، ولم يجرفنا ذلك الحبور الباطني. لكنّ وعينا هذه الأشياء تغيّ وفقَد تفاهته، ابتذاله، لأنّ في كل ما نراه ما يزيد عليه. ثمة شيء آخر موجود في الموضوعات اليومية، ليس بطانةً مجردةً، بل شيء مغلَّف لا نقدر إلى الآن أن نرى داخله. وإذا ما كان يبدو من الصعب احتمال قسوة حياة فلاح أو قذارة فناء أو حزن الحياة في حيّ بروليتاري، فإنَّ ذلك يبدو أصعب ما إن ندرك الطابع الرائع والفخم للأعمال التي أنتجوها بكدّهم. ويزداد إدراكنا لهذا التناقض حدّةً، ونجد أنفسنا بالضرورة إزاء واجب جديد: تغيير الأشياء عمّا هي عليه ذلك التغيير العملي الناجع. هجر المؤرّخ الحديث الذي غالبًا ما يسترشد من دون وعي بهذه المنظورات، تلك العوالم السامقة التي اعتاد الملوك والجنرالات وأمراء الكنيسة أن يتبختروا فيها بحللهم الفاخرة، لا تصدر عنهم سوى الأقوال التاريخية. يعيننا المؤرّخ الآن على دخول الواقع التاريخي بإظهاره لنا، فمثلً، كيف حوّل ملوك فرنسا السابقون أنفسهم إلى ملّك إقطاعيين كبار، ووضعوا الأسس الاجتماعية الصلبة التي بُنيت عليها "سياستهم الكبرى" بشراء الإقطاعات وزيادة ملكيتهم للأرض؟ إنّ مثل هذه الوقائع غير المجيدة هي الوقائع الأهم في الواقع، وهي بالنسبة إلينا نحن المؤرخين أكثر كشفًا من الحوادث المثيرة. هنا يتوافق التحول من الوقائع "المهمّة" إلى إجمالي الحوادث اليومية تمام التوافق مع التحول من المظهر إلى الواقع، وهي عملية لا تقلّ أهميةً بالنسبة إلى العلم عن التحول من العناصر الفردية إلى الكلّ.
وحده هذا التيقّن بأننا نتحرك من المظاهر البراقة إلى الجوهر يخلّصنا من المنظورات الوهمية التي نظر بها الأفراد والجماعات إلى أنفسهم على مدى التاريخ، ويتيح لنا أن نرى بداياتِ علمٍ، بدلً من التكرار النظري لحفلات التنكّر5. لم تكن المشاهد العظيمة على مسرح التاريخ "تمثلّات" بالمعنى النفسي والفلسفي للكلمة، كما لا يزال الساذجون يعتقدون، ولم تكن من عمل الساذجين الذين يعبّون عن أنفسهم "بصدق تامٍّ" ويحرصون على قول الحقيقة. كانت أشبه ب "عروض" مسرحية (ودعونا لا ننسى الرابط العميق الذي لطالما كان موجودًا بين المسرح والتمثيل والحياة ذاتها)؛ ولطالما كان "يؤدّي" المشاهد التاريخية بذكاء ومكر رجالٌ يرومون نتائج بعينها. كانت أفعالً. كلّ كلمة، كلّ لفتة تشكّل فعلً، والأفعال يجب أن تُفهم تبعًا لأغراضها، لنتائجها، وليس من حيث إنّ شخصًا يتحدث ويفعل فحسب، كما لو أنّ في إمكانه أن يعبّ عن واقعه وصدقه أو "يجسدهما" تجسيدًا نسبيًّا. الأدقّ أنّ الكلمات والإيماءات تعبّ عن فعل، لا عن مجرد "واقع داخلي" مُعَدّ سلفًا. عندما يتكلم البشر يمضون قُدمًا على طول خطّ فعلهم في حقل قوة ممتلئ بالاحتمالات. ويكفي أن تراقب طفلً كي تدرك أنّ كل ما يقوله إنما يهدف إلى التأثير فيك، والتوصّل إلى نتيجة محددة منك، ويجب أن يُفهَم تاليًا بالعلاقة معك، ومع اللحظة الزمنية والقصد؛ ذلك هو جوهر الطفولة: كائنٌ ضعيف يسعى للتوصّل إلى نتائج من كائنات أقوى منهم يرى أنها رهيبة، عظيمة، قادرة... ومثيرة للسخرية. سوف يحلّ إدراكٌ للحياة اليومية أكثر حرصًا محلّ أساطير "الفكر" و"الصدق" – و"الأكاذيب" المتعمدة، المُثبَتة – ومعه فكرة الفكر – الفعلالأكثر ثراءً وتعقيدًا. فبما أنَّ للكلمات والإيماءات نتائجها المباشرة، يجب ألّ تكون مسخّرةً لا ل "وعي داخلي" محض، بل لوعي في حركة، نشط، مُوجّه نحو أهداف محددة. ونحن نحصل على نتائج دومًا، سواء تلقائيًا أو على نحوٍ متعمد، بإيجادنا السريع حصيلة الوضع، والشخص الذي نرغب في التأثير فيه. ويكون للمؤثّرات التي نستخدمها حصتها الدائمة من الانتحال والتفنن والإقناع والإغراء والاستعراض الخطابي والترهيب والتصنّع. وليس الأمر أمر خاصية معدَّة مسبقًا تميّز البشر الصادقين، أو "الصدق"، من جهة أولى، و"الكذب" (الذي خطط له وحاكه "كاذبون")، من جهة ثانية. ففي الحياة اليومية أو في مرأى ومسمع تحت أضواء المسرح، يتصرف البشر على الدوام مثلما يتصرف من يمارسون التعمية، أي أولئك الذين يتدبّرون "لعب دور" عن طريق المبالغة في أهميتهم على وجه التحديد. وفي بعض الأحيان يكون التمثيل فجًّا، ويكون في أحيان أخرى بالغ الرهافة، بل يصبح الممثل ملتزمًا، ومكشوفًا؛ فالأمر أمر عملٍ جديّ. والأدوار يجب أن تؤدّى إلى النهاية. فهي ليست أدوارًا محضةً يمكن للممثل أن يتركها حين يكون متعبًا، أو حين يشعر أنه يمثّل على نحو رديء. إنّها توسّع الواقع، وهي واقعية بالمثل؛ إذ إنّ التمثيل يستكشف ما هو ممكن، والانتحال المجرد لا يستبعد الصدق، بل على العكس، ينطوي عليه، في وقت يضيف فيه شيئًا آخر، شيئًا واقعيًا: معرفة الوضع، وفعلً، ونتيجةً يجب التوصّل إليها. على هذا النحو تحديدًا تشبه الحياة اليومية المسرح، ويمكن للمسرح أن يستأنف حياة المشاهدين الواقعيين، ويكثّفها و"يتمثّلها". حين يخفق المؤرّخ في تفحّص التاريخ في ضوء الحياة اليومية، فإنه يقع بسذاجة وبالضرورة في شرك منصوب للمغفلين. ها هو بين المتفرجين، مثقفٌ بسيط، فاغر الفم، أجبن من أن يقارب – حتى على الورق – عظماء الرجال في هذا العالم. ولأنّ المشاهد تؤدّى (بقدر زائد من الصدق) ونصب الأعين المجد والهيبة، فإنّ المؤرّخ الساذج ينخدع، شأنه شأن معاصريه. فما من إدراكٍ لديه، ولا سخرية، ولا براعة. هو متبحرٌ إلى
أبعد حدّ، لكنه بلا قوام، ولا وزن، ولا وعي إنساني. قانعٌ بمخض السيناريوهات التاريخية القديمة حدثًا. والحكايات تتراكم قدّامه، وهو على وشك أن يؤمن بالطبيعة الإلهية للملوك. في الوقت الذي تحرص الدراسة التاريخية العميقة على عدم إنكار أهمية اللاعبين البارزين، فإنها تأخذ الكلّ في الحسبان: المتفرجين، والأوضاع، وسيناريوهات كوميديا دي لارتي الرائعة6. وما إن يدرك المؤرخ ومستكشف الواقع الإنساني أنهما قد خُدعا ويبدآن، عن وعيٍ، ربط التاريخ والمعرفة البشرية بالحياة – الحياة اليومية – في الماضي وفي الحاضر، حتى يغادران سذاجتهما. مثل هؤلاء المؤرخين ينددون بالمظاهر، تلك المظاهر التي تستخدم الواقع بطريقة تمكّن بذكاءٍ "عظماء الرجال في هذا العالم" من أن ينمّوا هيبتهم ويقدموا واقعهم على أفضل وجه ممكن، ويعملون بذلك على إدامته. هكذا يسود اقتناعٌ متنامٍ شيئًا فشيئًا بأنّ المؤسسات الباذخة والأفكار العظيمة كانت بمعنى ما واجهات: أزياء مسرحية. على مياه الحياة اليومية التي تكاد تكون راكدةً، ثمة سراب، تموجات وامضة. وهذه الأوهام ليست من دون نتائج، لأنّ التوصّل إلى نتائج هو سبب وجودها ذاته. ولكن أين نجد الواقع الحقيقي؟ أين تجري التغيرات الحقيقية؟ في أعماق الحياة اليومية غير المُلغِزَة! على التاريخ وعلم النفس وعلم الجنس البشري التحول إلى دراسة للحياة اليومية. تبزغ هذه القناعة هنا وهناك، شيئًا فشيئًا، على نحوٍ متفرق ومجزَّأ، ومن دون إستراتيجية شاملة – للأسف - في عمل بعض المؤرخين (مارك بلوخ)، والجغرافيين (ألبير ديمانجيون)، وعلماء النفس، من دون أن يحاول أحدٌ، إلى الآن، التأليف بين ذلك كلّه.
الماركسية بوصفها معرفةً نقديةً بالحياة اليومية
يقول كانط: "إنّ عصرنا هو، بِقَدْرٍ خاص، عصر النقد الذي يجب أن يخضع له كلُّ شيء. وقد يسعى الدين بقدسيته، والتشريع بجلاله لأن يعفيا نفسيهما منه. لكنهما بذلك يثيران الشبهة، ولا يعود في إمكانهما أن يطالبا بذاك الاحترام الصادق الذي لا يمنحه العقل إلا لمن يقدر على تحمّل تجربة الامتحان الحرّ والعلني "7. لكن كانط يخفق، بعد هذا الإعلان المهيب لحقوق العقل البشري، في التقاط ما هو أساسيّ. اكتفى كانط بنقد "العقل المحض"؛ ولذلك بقيَ عند ذلك المستوى. ولم يَرْقَ نقده إلى مستوى نقد الإنسانإلا في لحظات معيّنة وفي مواضع محدَّدة. وإذ رغب في إزالة ضروب الدوغمائية واللاهوت والمنظومات الميتافيزيقية لمصلحة نظام عقلاني، فإنه أخفق في اكتشاف الأسس البشرية التي تقوم عليها ضروب الضلال التأملية التي يهاجمها. وهذا هو السبب في أنّ التفسيرات الميتافيزيقية حظيت بعد كانط بقسط جديد من الحياة. فعواصفه النقدية تكشّفت عن أنّها مجرد زوبعة في فنجان، عصفةُ ريحٍ لم تجتثّ بعض الأعشاب الضارة إلّ لتأتي بغيرها.
لماذا يواصل بعض البشر تعقّب "عالم خفيّ" بمثل هذا التصميم الواعي والعاطفي؟ هم يصرفون أنفسهم بالصادقين؛ إذ اختزلوا ما لديهم من مَيلٍ فطري إلى اتخاذ موقف معيّ إلى الحدّ الأدنى (لأنّ وظيفة العقل الفلسفي والعلمي أن يفعل ذلك). لكن يمكن القول إنّ تأملاتهم، على الرغم من صدقها كلّه، لا تزال تشتمل على عناصر من التلاعب الفكري؛ وإنّ الفكرة البسيطة التي مفادها أنّ سرّ الكون لا بدّ أن يتكشّف لهم، ولهم وحدهم، إنّما تنطوي على مبالغة في أهميتهم تصل إلى حدود المسخرة، وتقتضي النفاق والانتحال، بل التهريج أيضًا. لكن لنضع الآن جانبًا رؤيتنا الفكر الميتافيزيقيبوصفه ضربًا من الادعاء والنفاق الدراماتيكيين. دعونا نكتفي بالقول إنّهم صادقون. أستطيع أن أسمع على مبعدةٍ مَنْ ينادي ربه؛ لكن لماذا؟ فهو ابن تاجر، ابن محدث نعمة8. ثريّ، يسعه أن يعيش من دخله الخاص9 وينصرف إلى السعادة والحب والإغواء والفنّ. لكنه ضَجِرٌ على نحوٍ لا شفاء له في الحقيقة. وهو، إلى جانب ذلك، شديد الموهبة، ذكيّ، بل ألمعيّ، يحبّ الحياة ويكرهها في الوقت ذاته: "الوجود برمّته يثير قلقي، من أصغر بعوضة إلى أسرار التقمّص؛ ليست الحياة كلّها سوى ضرب من البلاء بالنسبة إليّ، ولاسيما أنا نفسي". إنَّ فكره وذكاؤه لا يَنِيان يقلقانه حيال كلّ شيء. فهو يكره نفسه، لكنّه يفكر في نفسه أكثر ما يفكّر في أيّ شيء آخر في الدنيا: "لا يوجد في الأساس سوى صنفواحد، الفرد، ذلك هو محور كلّ شيء". إنّه سجينٌ داخل نفسه، أسير إطار حياته مثل البرجوازي الذي لديه دخل خاص، هو المثقف، الكاتب الممتهن. لكنه يثمّن عاليًا تلك الأشياء التي تدمّره، لأنه لا يوجد إلا من خلالها. هو يمتلك كل ما يمكن امتلاكه: المال، والعقارات، ووقت الفراغ، والموهبة، والفكر. لكنه لا يملك شيئًا، ويعلم ذلك، ويقوله: "أحسبني أمتلك من الشجاعة ما يكفي لأن أشكّ في كلّ شيء، وأن أقاتل ضد كلّ شيء؛ لكني لست شجاعًا بما يكفي لئلّ أعلم شيئًا، ولا أملك شيئًا". إنّه لا يمتلك حتى جسده، لحمه الحي، رغبته. تنشئته قتلت كلّ شيء في داخله. وعلينا أن ندرك أنّ هذا الرجل لم يكن حانوتيًا عاديًا. في إحدى العشيات، وكان وحيدًا، جائعًا، متألمًا، وكان لا يزال راعيًا فتيًّا يرعى قطعانه في الأرض الجرداء قرب البحر، لعن إلهه، وحكم على نفسه بأنه رجيم وملعون. وقد استطاع لاحقًا، بما لديه من بأس وتعنّت صارم، أن يوفّر المال ويصعد في المراتب الاجتماعية. لكنه حمل في داخله وعي إثمه؛ وعي عدمه. وفي مرحلة تالية من حياته تزوج من خادمته (في ضربٍ من إذلال النفس، والشعور بالخجل... إلخ)، وروّعها. وفي بعض الأحيان كان يأخذ ولده إلى حجرة معتمة ويحدّثه بعبارات ملتهبة عن العالم والسفن والموانئ والبلدان النائية. وقد علّمه في الوقت ذاته أن يخشى الخطيئة، وأن يدرك الخطيئة التي فيه. ويقرّ هذا الولد المنحوس بأنّه "إذا قيل لطفل إنّها لخطيئة أن يكسر ساقه، فكم ستكون حياته قلقة، وسوف يزداد احتمالُ أنْ يكسرها". هكذا يختنق هذا الفتى في الإطار الضيق لحياته ووعيه. إنّه يصرخ من أجل... من أجل ماذا؟ من أجل شيء مختلف، شيء ممكن. ماذا عن أفكاره؟ هي لا تجلب له أيّ خلاص، أو أيّ احتمالات مستقبلية. على العكس تمامًا، إنّها تمكّنه من أن "يقفز فوق الحياة". ومع أنه "يقع" في الحب، فإنّه غير قادرٍ على الحفاظ عليه. إنه يترك خطيبته، ويمضي بقية حياته نادمًا على ذلك، ضارعًا إلى الله أن يعيدها إليه، وأن يعيد حياته الضائعة. كما ضرع فاوست العجوز إلى الشيطان. هو يؤمن بالله، وآماله معلّقة بالله. وإيمانه "يكافح مثل شخص ممسوس" ضد اختناق الحياة اليومية. وحده الجنون والندم وتحويل يأسه إلى أدب يبقيه إنسانًا، ويمضي به أبعد من حدود
حياته الخانقة. هو مؤمن؛ لا، هو ليس بمؤمن. لديه آمال؛ لا ليس لديه آمال. "ما الإيمان؟" حبلٌ نتدلّ منه، ما لم نستخدمه كي نشنق أنفسنا به"، ومن جديد، ها هو يقول: "الإيمان مقولة لا نجدها إلا في حالٍ من العنَت"، ويقول: "شكيّ مرعبٌ". إنّه يكره الخطيئة، لكن جميع مهاراته الأدبية تنجذب إلى الإيروسية، وإلى اشتهاء عنين للخطيئة و"سرّ الإثم". حياته الداخلية المحتدمة تتعفّن، وتُضاء بوميض تفسّخها. هو يزعم أنه يضع الدراما الخاصة به، حالته، في مركز الفلسفة والدين، ليجد أنّ الإيمان، كلَّ إيمان، إنّما يدور حول قلق يشبه قلقه. ويزعم أنّه يسلك في عالمه الصغير الداخلي "على النحو الذي يليق بالعالم الأكبر"، لكنه يكتب: "يا لشناعة أن نحجب التاريخ باجترار حكاياتنا الصغيرة السقيمة". وهو إذ يبتغي أن يقيم الإيمان على القلق، على الصرخة من أجل الخلاص من القلق الذاتي، يعترف بما لِقَلقه من طابع مزدوج، وملتبس، ومُشكِل: "القلق هو الرغبة في ما نخشاه أشدّ الخشية [...] إنه قوة غريبة تمسك بتلابيب الفرد، ذلك الفرد الذي لا يستطيع أن يحرر نفسه ولا يريد ذلك، لأنه خائف، لكن ذلك الخوف ذاته هو رغبة". الصراع بين الحياة اليومية كما هي عليه – مثلما صنعتها البرجوازية – والحياة التي يطالب بها فعليًا كائنٌ بشري، ويرجوها، ويصرخ من أجلها بكلّ ما أوتي من قوة، ذلك هو الصراع الذي اكتسح سورين كيركيجارد10. وقد حلّه على طريقته؛ بطريقة سيّئة جدًا. والتعبير عن الصراع الداخلي الذي حُلَّ بطريقة سيّئة هو "عصاب القلق"، كما يقول علم النفس، مع أنّ علماء النّفس لا يقوون دومًا على تبيّ المصادر التاريخية والاجتماعية والإنسانية العميقة للصراع داخل الفرد. لكنّ فكرة الشرط المَرضَي لا تفسّ تمامًا حالَ واحدٍ مثل كيركيجارد. ويجب أن نفهم أنّ إيمانه ولجوءَه إلى عالم ما ورائيّ يقومان على مقتضيات كينونته الأرضية، وأنّ جنونه قائم على واقعه وعقلانيته. وكلما حاول أن يتوقف عن كونه عبدًا للضرورة، وأن يتمرد على الواقع مثل "بطلٍ جبّار"، فإنّه يحتجّ على الحياة كما هي عليه في المجتمع القائم، في الواقع الذي يرفضه. وإذا ما كانت فلسفة كيركيجارد قد عملت على المستوى الأيديولوجي بوصفها فلسفةً رجعيةً (بلجوئه إلى ما هو عبثيّ، إلى ما هو لا عقلاني، وإلى إيمان من دون معرفة)، فإننا حين نرى عمله كلّه في سياق "الوجود" اليائس الذي عاشه، ندرك أنّه يقدّم على الرغم من ذلك نقدًا لا يهدأ للحياة البرجوازية: حيث يشعر الفرد غير المُشبَع، المخنوق، بأنّه يُحتضر قبل أن يعيش، وأنّه يُجبَ على وضعٍ جنوني من الدفاع عن "تكرارِ" حياةٍ لم يعشها قطّ. ولأنّه واقع في إسار الضرورة – لا يسعه أن يفهم، ويشكّ إلى درجة اليأس بقوة العقل الذي يخفق في أن يجلب له حياةً أخرى (حياة مختلفة) ويبدو عوضًا من ذلك كأنّه يحبّذ تلك الضرورة ويبررها – نجده يلجأ إلى العبث، حتى أنه يكفّ عن توقّع أيّ عالم ماورائي، ليرضى بالمطالبة ب "تكرار" حياته، وبفرصة البدء من جديد. الإيمان اللاهوتي ميت، والعقل الميتافيزيقي ميت أيضًا. لكنّهما حيّان مع ذلك، يعيشان حياةً جديدة – جنونيةً عبثية – لأنّ الأوضاع والصراعات الإنسانية التي ولدا منها لم تُحَلّ. وهذه الصراعات ليست في عالم الفكر وحده، بلفي الحياة اليومية. وأعمال بودلير، مثل أعمال دوستويفسكي أو رامبو، يمكن أن تتخذ معنى ثوريًا، على أن تُفهَم وتوضع موضعها من خلال المعرفة، من خلال النقد الاجتماعي للبشر والأفكار. وهذا يصحّ أيضًا في شأن أعمال كيركيجارد، إذا ما فُهِمَت ووُضِعت موضعها ضمن نقد عام للحياة اليومية. فحين تُؤخذ هذه الأعمال في حدّ ذاتها، وفي عزلة، فإنّها تثير مشاعر عبثيةً ووهميةً. أمّا حين تُوَضع في السياق الإجمالي للمشكلات الإنسانية في زمننا، فإنّ طابعها يتغيّ. وهذه "المراجعة" للمعاني و"القيم"، كما تُحدِثها المعرفة، لن تدهش سوى أولئك الذين تجمّدت أفكارهم في موقف تأمليّ حيال البشر وأعمالهم.
حين يُجرَى النقد العقلاني وصولً إلى خاتمته المنطقية، لن يُعنى ب "العقل المحض" وحده، بل بالحياة أيضًا بكلّ شوائبها. وسوف يهبط الفكر النقدي عندئذٍ من سماءٍ فكرية تتصارع فيها أشباح الآلهة السابقة إلى الحياة اليوميّة. لن يُهْجَر نقدُ الأفكار، بل على العكس: سوف يُؤخَذ على مستوى آخر، فيغدو أعمق، إذ يغدو نقدًا للبشر والأفعال. في الأفكار "المحضة"، كما في المراسم العظيمة للبلاطات الملكية، يمكننا أن نتبيّ قَدرًا معينًا من الرسميّة، واللياقة، والعظمة المتعمّدة المدّعية، قدرًا من الانتحال الذي لم يعُد يخدعنا. لعل هيبة لويس الرابع عشر الإلهية قد اختفت، لكنّ ذلك لا يفعل سوى أنه يرتقي بتقديرنا لأدائها الخبير ومشهديتها العظيمة وتسلياتها المبهجة التي وُضِعَت على نحوٍ مذهل بين الرماح والبنادق والمدافع. وكما هي الحال مع لويس الرابع عشر، كذلك الأمر مع بوسويه ومؤلَّفه خطاب في التاريخ العام11، ولكن لا تخشوا شيئًا، يمكننا الآن أن نقدّر أسلوبه الرفيع وبناءه وتسارعه مزيدًا من التقدير؛ لأننا لم نعُد في حالٍ من الخوف، ويمكننا أن نراه على ما هو عليه حقًا: عَرْضٌ، عمل فنيّ! وليس علينا أن نؤمن بالآلهة والأفكار "المحضة" كي نقدّر "الجدارة" الحقيقية للمشهد الذي تقدّمه هذه الآلهة والأفكار. وعلى العكس تمامًا، فإنّنا حين نتوقف عن الإيمان بها تتخذ دلالة جماليةً "محضةً". وعمومًا، فإنّ الآلهة والأفكار تغدو موضوعًا للفن العظيم حين يبدأ إيماننا بها في الاهتزاز (حين لا يزال من الممكن أن تثيرنا، ولكن ليس على نحوٍ طاغٍ). أمّا الخشية الدينية والأمل الديني و"الحضور" الإلهي والخوف الذي تلهمه الأساطير، حين تُقْبَل هذه الأساطير على أنها جزء من الحياة، فكلّ هذا يحُول دون الاعتبارات الجمالية. هنا يجد قانون إزاحة ما هو غير عقلانيّ12 تطبيقًا جديدًا. للأفكار "المحضة" معنى واقعي، كما فهم ماركس وإنجلز على نحوٍ عميق. وقد رفضا، بوصفهما مؤرّخين، أن يكونا متفرجين كسولين على التاريخ. وكفَّا، بوصفها فيلسوفين، عن كونهما مجرد ذبابتين على حائط حين يتعلق الأمر بالسياسة. وكانَا أوّل من أدرك كيف يرتبط الفكر ب الفعل. كانا قادرين على بلوغ جذور الأفكار إلى الأسئلة الأساسية. ومع ماركس وإنجلز، ينزل الفكر الفلسفي، وقد بلغ أشد تماسكه وأقصى منهجيته، إلى مستوى الحياة فيخترقها، ويكشفها. وإذ يرفض العقل النقدي، عقل ديكارت وكانط النقدي، تركَ العالم الواقعي لمنفى عالمٍ ما ورائيّ – بصيرورته وعيًا ونقدًا للبشرية، للبشر والشروط الإنسانية – فإنّه يغدو ملموسًا، وفاعلً، وبنّاءً. ليس البروليتاري الحديث في المقام الأول إنسانًا بنَفْسٍ أو طبيعةٍ إنسانية مُعدّة سلفًا يمتلكها ذلك الامتلاك "الروحاني" التامّ، ليس إنسانًا يعيش حياةً بروليتاريةً لمجرد ظروف منحوسة صادف أن اجتمعت معًا. وليست آراؤه ومشاعره، بوصفه عاملً، شيئًا ضفرته مخاطر القدر مع جوهرٍ إنساني "عميق"، مُكْتسَب أصلً، ليست شيئًا خارجيًا بالنسبة إليه، نتاج تأثيرات ونظريات محلّ نقاش. لا، هو قبل كل شيء يعيش الحياة اليومية التي يعيشها بروليتاري، وإذا ما تأَنْسنَ، فذلك لأنه أفلح – بالحظ أو بقوة الإرادة – في التعالي على الحياة البروليتارية. لكنّ شيئًا من التعقيد الإضافي يأتي، فالمشكلة هنا؛ ذلك أنَّ "الشرط" البروليتاري له وجه مضاعف، وينطوي، بكلام أدقّ، على حركة ديالكتيكية. فهو ينزع، من جهة أولى، إلى أن يطغى على البروليتاري (الفرد) ويسحقه تحت ثقل الكدّ والمؤسسات والأفكار التي قُصِد منها أن تسحقه بالفعل. لكنّ البروليتاري، من جهة أخرى، وبسبب اتصاله (اليومي) المتواصل بالواقعي وبالطبيعة من خلال العمل، محبوٌّ في الوقت ذاته بصحّة أساسية، وبإحساس بالواقع تفتقده الجماعات الاجتماعية الأخرى بقدر ما تغدو منفصلةً عن النشاط الإبداعي العملي. البرجوازية الصغيرة والبرجوازية، والمثقفون والاختصاصيون – جميعهم – يتدهورون، يتفسخون، ويذوون. وحين ننظر إلى البروليتاريا بصورة جمعية بوصفها طبقةً مضطهَدةً، نجدها "محرومةً" من الوعي والثقافة كما هي محرومة من الصحة
والقدرة والسعادة. لكنّ هذا الحرمان يثبت أنه من نوع مختلف تمامًا عن ذاك الذي يفتك ب "الوعي الخاص" والحياة "الخاصة" للفرد البرجوازي أو البرجوازي الصغير. فهذا لا يدرك، أو لا يدرك إلا جزئيًا، أنه محروم. وهو ينزع إلى الانسحاب وإلى أن يخلط بين "حرمانه" وملكيته، نظرًا إلى ارتباطهما: إذ يحسب أنه يمتلك ذاته وأفكاره وحياته وعائلته وبلده، كما يمتلك "أصوله" المادية. إنّ حرمان الطبقة العاملة أغنى بالإمكانات. وكي يعي البروليتاري الفرد البروليتاريا كطبقة، ويعي واقعها الاجتماعي، ويعي بذلك المجتمع كله، وفعله، ومستقبله السياسي المترتب على هذا الفعل، لا بدّ أن يكون أصلً قد تجاوز الشرط البروليتاري. لا بدّ أن يكون قد أنجز فكرًا عظيمًا وصحيحًا: فكر الكلّية الاجتماعية والإنسانية، فكر العمل الخلّق. أمّا البرجوازي الصغير والبرجوازي اللذان يعيان ذاتيهما، لكنهما يخفقان في رفض هذه الذات (كما كان يمكن أن يفعلا لو وقعا على الماركسية)، فإنّهما يبتعدان عن هذه الحقيقة العظيمة ولا يقويان على رؤية الإنسان والمجتمع والعمل الإنساني في كلّيتهم. وبدلً من تجاوز الحرمان، ينسحبان إلى "وعيٍ خاص"؛ هذا إن لم يكونَا مدركين، على نحوٍ وافٍ، ضرورةَ خلق آلة سياسية مصمَّمة لتوسيع سيطرتهما – وحرمانهما الروحي والإنساني – وصريحين حيال ذلك. لنعبّ عن ذلك بطريقة أخرى. فمن وجهة النظر الإنسانية، يختلف "الشرط البروليتاري" و"الشرط البرجوازي" اختلافًا جوهريًا. يمكن للبروليتاري بصفته بروليتاريًا أن يغدو إنسانًا جديدًا. وإذا ما فعل ذلك، فليس بتدخّل حريّةٍ ما غير متعيّنة تتيح له أن يحرر نفسه من شرطه. إنّ مثل هذه الحرّية الميتافيزيقية ليست أكثر مننجاة من "الطبيعة الإنسانية" السابقة المشتركة بين جميع البشر. يحرر البروليتاري نفسه من خلال المعرفة ويبدأ تجاوز شرطهعلى نحوٍ فعّال. بل إنه في هذا الجهد لنيل المعرفة والإدراك، يضطر إلى استيعاب نظريات معقدة (اقتصادية واجتماعية وسياسية... إلخ)، أي بإدخال أرفع مكتشفات العلم والثقافة إلى وعيه الخاص. أمّا البرجوازي الصغير والبرجوازي، بوصفهما كذلك، فمحظور عليهما النفاذ إلى الإنساني. وكي يصبحا إنسانيين، عليهما أن يجترحَا قطيعةً مع نفسيهما، أن يرفضا نفسيهما، وهذا إجراء كثيرًا ما يكون على المستوى الفرديّ واقعيًا ومثيرًا... وعلينا أن نفهم البشر بطريقة إنسانية، ولو كانوا بعيدين عن الكمال. فالشروط لا تتحدّد ضمن حدود دقيقة محدّدة هندسيًا، بل هي نتيجة جملة وافرة ومتعددة من الأسباب (اليومية) العنيدة والمتكررة أبدًا. ومحاولات الفرار من الشرط البرجوازي ليست بالنادرة على نحوٍ خاص، لكنّ فشل مثل هذه المحاولات هو، من جهة أخرى، محتومٌ عمليًا، وذلك على وجه الدقّة؛ لأنّ المسألة ليست مسألة تجاوزٍ، بل قطيعة كاملة (بين المثقفين، وكثيرًا ما تكون فكرة الإبدال هذه زائفةً ومؤذيةً. فحين يتجاوزون أنفسهم كمثقفين برجوازيين صغار أو برجوازيين، غالبًا ما يكتفون بالمواصلة في الاتجاه نفسه، ويتبعون ميولهم الخاصّة، معتقدين أنهم "يتجاوزون أنفسهم". وبعيدًا عن اكتساب وعيٍ جديد، فإنهم يقتصرون على جعل الوعي القديم أسوأ. وما من شيء ينفّر أكثر من مثقف يحسب أنّه حرّ وإنسانيّ، في حين يبيّ في كلّ فعل ولفتة وكلمة وفكرة أنّه لم يَخْطُ قطّ أبعد من الوعي البرجوازي). وعلى أيّ حال، فإنّ وعي الإنسان لا يتوقف شرطه وإمكاناته على علاقة بعقلٍ سرمديّ أو طبيعة إنسانية دائمة أو جوهر جاهز أو حرية غير متعيّنة، بل إنّه يتوقّف على حياته الواقعية، حياته اليومية. و"معنى" حياةٍ ما لا نجده في أيّ شيء سوى في تلك الحياة ذاتها. فهو ضمنها، وليس ثمّة ما هو أبعد من ذلك. لا يمكن ل "المعنى" أن يفيض عن الكينونة؛ إنه الوجهة، حركة الكينونة، ولا شيء آخر. و"معنى" حياةٍ بروليتارية نجده في تلك الحياة ذاتها: في يأسها، أو بالعكس في حركتها نحو الحرّية، إذا ما كان البروليتاري يشارك في حياة البروليتاريا، وإذا ما كانت تلك الحياة ذاتها تشتمل على فعلٍ يوميّ متوالٍ (نقابي، سياسي... إلخ). يقوم منهج ماركس وإنجلز على البحث عن الصلة التي تربط بين ما يفكر فيه البشر، ويرغبون فيه، ويعتقدونه، حيال أنفسهم، وبين ما هم عليه وما يفعلونه. وهذه الصلة موجودة على الدوام. ويمكن استكشافها في اتجاهين. فمن جهة أولى، يمكن للمؤرّخ أو رجل الفعل
الانطلاق من الأفكار وصولً إلى البشر، من الوعي إلى الكينونة – أي نحو الواقع العملي، اليومي – فيأتيان بالاثنين إلى مواجهةٍ وينجزان بذلك نقد الأفكار بواسطة الفعل والوقائع. ذلك هو الاتجاه الذي اتّبعه ماركس وإنجلز على الدوام تقريبًا في كلِّ ما كتباه؛ وهو الاتجاه الذي يجب أن يتّبعه المنهج النقدي والبنّاء بدايةً إذا ما أراد أن يتّخذ هيئةً قابلةً للإثبات ويحقق نتائج. لكن من الممكن بالمثل أن نتتبّع هذه الصلة في اتجاه آخر؛ بأخذ الحياة الواقعية نقطة انطلاق في استقصاء كيفية بزوغ الأفكار التي تعبّ عن هذه الحياة وأشكال الوعي التي تعكسها. وتثبت الصلة، أو بالأحرى شبكة الصلات بين القطبين، أنّها معقدة. وهي شبكة لا ينبغي أن تُفكَّك، ويجب اتّباع الخيط باحتراس. وبهذه الطريقة يمكن أن نصل إلى نقد الحياة بالأفكار، وهو بمعنى ما إجراء يوسّع الإجراء الأول ويكمله. لنعُدْ إلى مثالنا الأول. فما إن نكفّ عن الانبهار بمشهد بلاط لويس الرابع عشر، حتى يمكن أن نبدأ بالبحث عن الوقائع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يخفيها ذلك المشهد. نتحرك أولً من الأيديولوجيات – المظاهر، إنّما المظاهر الواقعية، والمزاعم، إنما المزاعم المؤثِّرة – إلى الوقائع الأساسية الملموسة أكثر (والإنسانية أكثر، تاليًا). وإذ نتحرك، من ثمَّ، في الاتجاه المعاكس المكمّل، نلتمس أولً فهم الحياة الواقعية لتلك الفترة وإعادة تكوينها، ونعيد اكتشاف كيف تقبّل البشر الذين عاشوا تلك الحياة أشكالً معيّنة من الوعي، وأيديولوجيات مهيبةً معيّنة، ووجدوها صحيحةً على الرغم من نأيها عن حياتهم الواقعية. وعندئذٍ، سوف يقتضي التعارض بين الأفكار والحياة، والعلاقة المعقدة بينهما، لا مجرد نقد الأفكار بالحياة فحسب، بل على نحوٍ أخصّ نقد الحياة بالأفكار (نقد الحياة الواقعية لفلاحي القرن السابع عشر أو حرفيِّيه أو إقطاعيِّي الريف أو البرجوازية بالإشارة إلى ما وجدوه مقبولً من "تمثلّات" العالم وأنفسهم). ما الذي تفضي إلينا به عن حيواتهم الفعلية واقعةٌ مفادها أنّهم قبلوا الحقّ الإلهي للملوك من دون كبير معارضة؟ لماذا أثبتت البهرجة التي كانت جزءًا لا يتجزأ من السلطة أنّها ذات فعالية؟ ما الذي كانت تتماشى هذه الفعالية معه في حيوات البشر؟ كيف قُيّض لهذه الأوهام التي صاغها ناطقون رسميون في أفكار أن تتّخذ هيئةً في أعماق التراصفات و"الشرائح" الاجتماعية في قلب "الجماهير"؟ كيف تقبّلوها؟ ولماذا؟ في هذا المثال، يقوم نقد الحياة على دراسة الهامش الذي يفصل ما هم عليه البشر عمّا يعتقدون أنّهم عليه، ويفصل ما يعيشونه عمّا يفكرون فيه. وهو يعيد تفحّص فكرة التعمية بمزيد من العمق. فمعظم الأيديولوجيات هي عبارة عن تعميات بقدر ما تفلح في مراحل معيّنة في دفع البشر إلى تقبّل أوهام معيّنة، مظاهر معيّنة، وفي إدخال تلك المظاهر إلى الحياة الواقعية وجعلها فاعلةً هناك. علينا أولً أن ننبذ التعميات، ثم نواصل لندرس كيف أمكنها أن تبدأ، وكيف أمكنها أن تفرض ذاتها، وكيف يمكن ل القَلبالأيديولوجي أن يعمل عمله في وعي البشر؛ ذلك أنّ الأيديولوجيات والتعميات تقوم على الحياة الواقعية، لكنها تموّه في الوقت ذاته تلك الحياة الواقعية أو تقلبها. ويقتضي الفهم الكامل للتعمية مسبقًا أن نتتبّع الصلة بين الأفكار والواقع في الاتجاهين، وهو أمرٌ يجمع بين نقد الحياة ونقد وعيها لذاتها13. حين يعتقد بروليتاري أنّه ببساطة "مواطن" يُمكن مقارنته بكلّ مواطن آخر، أو أنّه مُقدَّرٌ له أن يعمل لأنّه مكتوب أبد الدهر لكلّ إنسان: "بعرق وجهك تأكل خبزًا"، فإنّه يكون مُعمًّىعليه. ولكن كيف؟ ولماذا؟ لأنّ عمله، بالنسبة إليه، هو عبء مُجهِد، منهك، بالمعنى الفعلي، وإذا لم يفهم (أو يعرف) – في ظل ضغوط معيّنة – أنّ العمل يمكن أن يصبح شيئًا آخر ويجب أن يصبح شيئًا، فإنّه قد يفسّه على أنه قدَرٌ من أقدار الشرط البشري أو على أنه قسمته الشخصية الخاصة به. لكن الإيمان بالمساواة السياسية والقانونية للفرد، ذلك الإيمان الوهمي بالنسبة إلى أيّ بروليتاري يأخذه في قيمته الظاهرة، يتحول إلى وسائل للفعل تثير الإعجاب ما إن يبدأ هذا البروليتاري بالإلحاح على أن تكفّ الديمقراطية عن كونها تخييلً قانونيًا وسياسيًا. ودراسة التعميات تكشف التباسها: ذلك الالتباس الذي يجعلها
أولً مقبولةً، لكنه يمكّن لاحقًا من تجاوزها. وفي التعمية يختلط المظهر بالواقع، ويرتبطان معًا على نحوٍ معقّد. لكنَّ التعميات من جهة أولى ترتدّ على المُعَميّن أنفسهم، خصوصًا حين يخترقها الوعي بتجاوزها (ويتجاوزها باختراقها). في حين أنّها تعلّمنا، من جهة أخرى، شيئًا عن حيوات البشر الذين يقبلوها. المظهر والواقع هنا لا ينفصلان كما ينفصل الزيت والماء في إناء، بل يمتزجان كما يحصل الامتزاج بين الماء والخمرة. وكي نفصلهما، علينا أننحللهما بالمعنى "الكلاسيكي" للكلمة: بفصل عناصر المزيج. يمكن تعريف الماركسية، مبدئيًا، بأنّها معرفةُ البروليتاريا العلمية: إنها "علم البروليتاريا". وهذا التعبير يجب فهمه بطريقتين: الماركسية تدرس البروليتاريا، حياتها، واقعها، وظيفتها الاجتماعية، وضعها التاريخي. وفي الوقت ذاته، يأتي هذا العلم من البروليتاريا، ويعبّ عن واقعها التاريخي وعن ارتقائها الاجتماعي والسياسي. تقتضي المعرفة العلمية لهذا الواقع الاجتماعي، لهذه الطبقة، معرفةً بالمجتمع وبتاريخ الوعي الإنساني في كليّتهما. وتفضي الواحدة بين هاتين المعرفتين إلى الأخرى؛ وهذه هي نقطة البداية الوحيدة الممكنة منهجيًا. ولا شك في أنّه حين يتطور علم من العلوم، يقطع شوطًا مُهمًّا بعيدًا عن النقطة التي بدأ منها، في وقت يواصل فيه تجسيدها. وينطوي تحليل البروليتاريا، تحليل واقعها العملي والتاريخي والاجتماعي، على استيعاب أعمق المناهج وأدقّها، وهي مناهج أحكمها الفكر البشري على مرّ القرون في سياق استقصاءاته وتجاربه القائمة على المحاولة والخطأ (أشير، بالطبع، إلى المنهج الديالكتيكي). وهكذا تشتمل مشكلة البروليتاريا على جميع مشكلات الفكر والثقافة والإنسان. تعني دراسة البروليتاريا علميًا البدء بتمزيق حجاب الأيديولوجيات التي حاولت البرجوازية أن تفسّ بواسطتها التاريخ لنفسها، وأن تفسّ وضع البروليتاريا للبروليتاريا، وتجعله مقبولً لديها. هذه الأيديولوجيات تنزع إلى أن تجرّد البروليتاريا (كأفراد وكطبقة) من الوعي، من الوعي الجديد الذي يمكن أن تبلغه، والذي هو مأثرة البروليتاريا الخاصة. وهذه الأيديولوجيات تتقاسم خاصيةً مشتركةً. فسواء كانت المسألة مسألة دين، أو نظريةً في "الطبيعة البشرية" والعقل "المحض"، أو موضوعات تاريخية مزعومة تتعلّق بالروح الإنساني والعدالة المحايثة، أو "الأفكار العظيمة التي صاغت العالم"، فجميعها مثالية وميتافيزيقية. إنها أقنعة تحجب عن البشر حيواتهم الواقعية (وهو أمر يطرح السؤال: كيف يقبلها البشر؟ ولماذا؟ وعلام يقوم ما ينطوي عليه هذا القبول من تواطؤ متكرر مع القوى التي تسحقهم؟). تصف الماركسية حياة المجتمع اليوميّة وتحلّلها وتشير إلى وسائل تغييرها. وهي تصف حيوات العمال اليومية أنفسهم وتحللها. إنّهم العمال المنفصلون عن أدواتهم، وغير المرتبطين بالشروط الماديّة لعملهم إلا من خلال "عقد" يربطهم برب عمل، فيباعون مثل السلع في سوق العمل في هيئة عقد العمل "الحرّ" (القانونية والأيديولوجية)... إلخ. حياة العامل الواقعية، اليومية، هي حياة سلعة حُبِيَت، لسوء حظه، بحياة ونشاط وعضلات، وبوعي يتوخّى الضغط الملموس الذي يمارسه أسياده أن يختزله إلى الحدّ الأدنى أو يحرفه في قنوات غير مؤذية (لنقلْ إنّ هذا الضغط كثيرًا ما يكون تلقائيًا، لأنّ علينا أن نتفادى الوقوع في الأسطورة البروليتارية عن البرجوازي السادي، المتعفّن حتى النقيّ، الكذّاب، بوعي وعلى نحو إستراتيجي، وهي أسطورة لم يحققها فعليًا في الواقع سوى الفاشيين). هكذا تكون الماركسية، كلّها، وبالفعل، معرفةً نقديةً بالحياة اليومية. لا تقنع الماركسية بمجرد الكشف عن هذه الحياة الواقعية، العملية في تفاصيل الحياة الاجتماعية ونقدها. وهي قادرةٌ؛ من خلال عملية تكامل عقلاني، أن تمرّ من الفردي إلى الاجتماعي؛ من مستوى الفرد إلى مستوى المجتمع ومستوى الأمّة. والعكس بالعكس.
ليس اختراقُ هذا المنهج الديالكتيكي للحياة الفردية، اليومية بالمألوف، إلى درجة أنه من الضروري مطلقًا عند هذا الحدّ أن نقدّم خلاصةً للماركسية منظورًا إليها، بوصفها نقدًا للحياة اليومية.
1. نقد الفردية14
الأشياء كلُّها التي تجعل الإنسان كائنًا اجتماعيًا وإنسانيًا، لا مجرد مخلوق بيولوجي يولد وينمو ويموت غارقًا في الحياة الطبيعية – أعني عمله ونشاطه الاجتماعي مكانه وموقعه في الكلّ الاجتماعي – هي أيضًا الأشياء التي تحدّه وتقيّده، تبعًا للطريقة التي يُنظَّم بها العمل في حينه. يشير دوركهايم إلى أنّ تقسيم العمل هو أساس التَّفَرْدُن. ويردّ الماركسيون إنَّ تشظي العمل لا يُتيح إلّ أساسًا سلبيًّا للفردية. ففي هذا العالم الإنتاجي، يمتلك الأفراد وعيًا ذاتيًا فاعلً، لكنه من النوع الذي يجعلهم يعيشون حيوات تنظر إلى الداخل، وتتركز في مهاراتهم وتخصصاتهم المحدّدة. أمّا بقية الحياة الاجتماعية والإنسانية، فهُم لا يعونها إلا بقدر ما يرفضونها أو يمقتونها أو يحملونها على محمل الزيف. وهم ينزعون إلى الفردانية. لكن الفردية الإنسانية يجب أن تقوم على علاقة مميّزة بين كائنات مفردة وما هو كليّ – العقل، المجتمع، الثقافة، العالم – وعندئذ لا مجال للكلام هنا عن فردية واقعية، بل عن شكلمن الفردانية مجرد وفارغ وسلبي، لا غير. وهذا الشكل، بمحتواه الضئيل إلى الحدّ الأدنى، هو ما يمكن أن نسمّيه "الوعي الخاص". وهو وعي ذاتي، لكنه محدود وضيّق، سلبيّ وشكليّ. ولأنّه مفصول عن الشروط التي يمكن أن يزدهر فيها، أو حتى يوجد، فإنه يحسب نفسه مكتفيًا بذاته ويطمح إلى أن يكون كذلك. لكنّه في سيرورةٍ من التدهور. والتعبير المستخدم حاليًا لتوصيف الحياة اليومية للأفراد في هذه البنية الاجتماعية – الحياة الخاصة – يلخّص هذا تلخيصًا تامًّا15. وعندما تُشكّل الميولُ الفردانيّة حياةً فردية، فإنها تكون حرفيًا حياة "عوز"، حياة "حرمان": حرمان من الواقع، حرمان من الصلات مع العالم؛ إنّها حياةٌ كلّ ما هو إنساني غريبٌ عنها، حياة منفصمة إلى أقطاب متناقضة أو منفصلة: العمل والراحة، الحياة العامة والحياة الشخصية، المناسبات العامة والأوضاع الحميمة، المصادفة والأسرار الداخلية، الحظ والقدر، المثال والواقع، الخارق واليومي. وبدلً من التوسّع، وفتح العالم، ينكمش هذا الوعي وينطوي على نفسه. وكلما انكمش، بدا "خاصًا". وهكذا يقبع الفرد وسط محيطه المألوف بليدًا وراضيًا. ينظر إلى الوعي والفكر والأفكار والمشاعر على أنها جميعًا "أملاك"، شأنها شأن أثاث"ه"، وزوجت"ه"، وأطفال"ه"، وأصول"ه"، وأموال"ه". وبهذه الطريقة تُؤخَذ أضيق أوجه الحياة، وأشدها جدبًا، وأكثرها عزلةً على أنّها الأكثر إنسانية (بتلك الصراحة الفجّة). هكذا "يكون" كلُّ واحدٍ ما هو عليه بلا زيادة. ونجد في الكوميديا الإنسانية لبلزاك توصيفاتٍ لأجناس المجتمع البرجوازي، لا تتضمن المرابين وأفراد العصابات والمتسلقين الاجتماعيين فحسب، بل أيضًا جميع تلك "الكائنات" الثابتة التي لا تتعيّ إلا بوظيفتها وتقبع في حيواتها الخاصة16. ففي ذلك العمل، يقدم بلزاك توصيفات تسبر هذه الطبيعة المزدوجة للحياة البرجوازية التي كانت تتشكّل وتترسخ في أيامه لكنها لا تحمل، بالنسبة إلينا، أيّ إدهاش: من جهة أولى، تفردن شكلي (أو ذاتيّة أضخم، كما تسمّيه الفلسفة الكلاسيكية)، أي وعي مترقٍّ في عزلة متزايدة، ومن جهة أخرى، "تشيؤٌ"، كائنات أكثر "انخراطًا" في جسديّتها، أثقل، أسمك، أكْمَد. هذا الطابع المزدوج منعكس انعكاسًا جميلً في عمل بلزاك، وفي أسلوبه ذاته: ذلك الأسلوب بالغ الثقل، مقارنةً بخفّة القرن الثامن عشر، وبالغ الصفاء. وهذا الطابع المزدوج يتماشى أيضًا مع الطابع المزدوج للمجتمع البرجوازي: التقدمي في ما يتعلق بالتكنولوجيا والفكر والوعي، إنّما المنكفئ في غير ذلك. وهو يتماشى أخيرًا مع الطابع المزدوج لرأس المال: واقع موضوعي غاشم يروغ من الإرادة الإنسانية
ويجرّها إلى قدَرٍ مُقرَّر مسبقًا، ما دام الفكر والفعل البشريان لا يستطيعان عَكْسه، إذ يجهدان في اتجاه نظام آخر، لكنه في الوقت ذاته تجريد، لاواقع، مجمع علامات ومفاهيم. قبل بلزاك، قدّم هيغل، في ملحمة الوعي الإنساني الصاعد الذي يحمل اسم فينومينولوجيا الروح، وصفًا ساخرًا لتلك "الحيوانات المجردة"، الاختصاصيين، الخبراء، أسرى حقلٍ ضيّق من الممارسة أو الفكر. وفي هذه الأيام، لا نزال نقارع هذا التناقض العميق، واليوميبعبارة أخرى: ما يجعل كلًّ منا كائنًا إنسانيًا هو أيضًا ما يحوّل ذلك الكائن الإنساني إلى شيء غير إنساني. وهذه العضوية، البيولوجية أكثر منها إنسانيةً حقًّا، تخنق الفرد، تقسمه وتعرقل نموه في اللحظة ذاتها التي تكافح فيها لتخلقه بوصفه فردًا إنسانيًا. إنّه واحدٌ من التناقضات المؤلمة الكثيرة التي تعيشها حقبتنا، والتي يجب أن نحلّها إذا ما كنا سنسير قدُمًا. وهذه التناقضات هي، في الوقت ذاته، مقياس لعظمة العصر الذي نعيش فيه وغناه وألمه. ونحن جميعًا على ألفة بدراما الشباب الذي دمرته هذه الحالة للكائن الإنساني الموقوفة، مثلما نحن على ألفة بدراما تلك السنوات الأكثر نضجًا، الأكثر وعيًا، وقد جرت ضمن القيود الخانقة للنشاطات المتشظية. كيف يمكن تجاوز هذا التنظيم؟ بالمشاركة العملية والنظرية في العمل وفي معرفة العمل، في الكليّة الاجتماعية والإنسانية. إذا ما أُريد للعالم أن يتغيّ، فهذه واحدة من المشكلات الأساسية.يجب أن نتجاوز "الوعي الخاص".
2. نقد التعمية17
يجب أن نلاحظ أنّ البروليتاري لا ينجو من أخطار "الوعي الخاص" تمامًا. صحيحٌ أنّ عمله جمعيّ على الدوام، وهذا ينزع إلى تعزيز إدراكه النشاط الاجتماعي والمجتمع كلّه، لكن مهمات العمال في الورشات أو حتى في المصانع هي مهمّات متشظية عمومًا. والعمل الجمعي الأشدّ ملموسيةً – العمل على خطوط التجميع – هو أيضًا العمل الأشدّ إنهاكًا. وتنزع الصلات الإنسانية إلى أن تقوم بعد العمل، خارج المصنع، في المقاهي وفرق الرياضة... إلخ. هكذا تكون الأشكال التي تترسخ فيها هذه الصلات هي، على وجه الدقّة، تلك الأشكال البرجوازية الفردانية (العائلة، والصحافة، والسينما... إلخ). وعلى الرغم من أنّ الشروط المادية للإنتاج الحديث تنزع إلى أن تشكّل وعيًا اجتماعيًا وإنسانيًا مرحلته الأولى هي الوعي الطبقي، فإنّه – بشأن هذا التشكيل – لا شيء حتميّ، وهو ليس عفويًا (نظرية العفوية البروليتارية أتَت من مثقفين "درسوا" البروليتاريا!) الوعي يجب أن يُكْتسَب مرّةً بعد مرّة من خلال الفعل والنضال، ومن خلال التنظيمات التي يكون دورها اختراق الحياة اليومية وإدخال عنصر جديد، أرفع (من النقابات إلى الرياضات والتنظيمات "الثقافية"... إلخ). في الحياة ليس ثمة حدود مطلقة. وليس للبروليتاريا جوهر، أو نَفْس، أو وعي مُعدَّ سلفًا (منفصل بوضوح عن الوقائع "البرجوازية") إلا بقدر ما للبشرية مأخوذة كلّها. ومن هنا يأتي دور المعرفة كفعل وكنظرية. لذلك يمكن للبرجوازية أن تمارس ضغوطًا دائمةً، وإلى حدّ معيّ ناجحةً، على البروليتاريا، وهذا تأثيرٌ ينزع إلى أن يشقّها إلى أفراد18. والفردانية ليست مجرد نظرية، بل أيضًا واقعة وسلاح طبقي. والبرجوازية لا تمارس تأثيرها بالأفكار وحدها وبتصورها للعالم
وحده. ومن المعترف به أنّ فردانيتها النظرية، "ذرّيتها الاجتماعية"، عاجزة، وأنّ الطريقة التي تنظّم بها الحياة اليومية ووقت الفراغ والحياة الأسرية... إلخ، أكثر أهميةً إلى ما لا نهاية. المفارقة – أو ما يبدو كذلك – أنّ البرجوازية هي طبقة من الفردانيين. وتميل نظريتها الذريّة الاجتماعية إلى تمثّل المجتمع بوصفه جمعًا من الذرّات المتجاورة، محطمةً الجسد الاجتماعي إلى عناصر منفصلة؛ عناصر متخيلة، ميتة، خاملة: "محض" أفراد. وهذا التمثّل ليس سوى أيديولوجيا، أي وسيلة فعلٍ، وهم فاعل، يتملّك وعيَ البرجوازي العادي، ووعي البرجوازي الصغير قبل أيّ أحد آخر. وهذا لا ينطبق على أسلحة البرجوازية الحكومية والسياسية والبوليسية؛ على المستوى السياسي، تفهم البرجوازية تمامًا أمور الجماهير والطبقات. وأولئك الذين "يمثّلون" البرجوازية على نحو فاعل يبقون على أحسن الاطلاع، بفضل الممارسة السياسية لتلك الطبقة وميكافيليتها، وبعبارة أخرى، بفضل الشرطة، في غياب التوجيه الذي تمارسه فلسفةٌ عامة. علاوةً على ذلك، لا يمنع هذا "التمثيل" بأيّ حال الجماعات الاجتماعية الأشد فردانيةً عن أن تكون طبقات أو جماهير فعليةً، موضوعيًا وتاريخيًا واجتماعيًا. وثمّة صورة لافتة للنظر لدى نيتشه تعبّ عن هذا الوضع المنطوي على مفارقة أحسن تعبير. عادةً ما تكون الطبقات الوسطى جماعات اجتماعيةً فردانيةً مؤلَّفةً من "رمل بشري". كلّ حبّة مميزة ومنفصلة. وإذْ تُؤخذ معًا فإنَّها تشكّل جمهورًا؛ الجمهور الأثقل والأشدّه كتامةً في الحقيقة. يمكن لكيس من الرمل أن يوقف الرصاص! المضحك في شأن هذا هو أنّ كل حبَّة من الرمل البشري لا تحسب نفسها مميّزةً فحسب، بل أصيلةً بلا حدود. لكن شيئًا لا يشبه حبّة رملٍ بقدر ما تشبهها حبّة رمل أخرى. والفردانية البرجوازية تنطوي على التكرار الموحش، والهزلي لأفراد متشابهين على نحوٍ لافت للنظر بطريقتهم في أن يكونوا أنفسهم وفي المواظبة على ذلك، في كلامهم، وإيماءاتهم، وعاداتهم اليومية (أوقات الوجبات، أوقات الراحة، ضروب التسلية، الأزياء، الأفكار، التعابير). لا بدّ لأيّ أنثروبولوجيا موضوعية، أو لأيّ توصيف علمي للإنسان المعاصر، من الانطلاق من هذه المفارقة الواضحة التي تشكّل اللغز الكوميدي للحياة البرجوازية. في العالم الحديث، تفترض أيديولوجيات التعمية الوعي الخاصمسبقًا وتنطوي عليه. الفرد المحروم من الواقع الإنساني محروم أيضًا من الحقيقة. هو مفصول عن واقعه الإنساني والاجتماعي الملموس، محروم من وعيٍ للكلّ العملي والتاريخي والاجتماعي (مع أنّ مثل هذا الوعي ممكن وضروري، هذه الأيام، نظرًا إلى البنية الاجتماعية الحديثة، والعلم والتقنيات). وهذا الفرد، المرتد على نفسه، والآمن ضمن حصن داخلي مُتخيَّل، هو ألعوبة كلِّ هلوسة، كلّ وهم أيديولوجي عفوي أو مُتعمَّد. "المفكّر" سواء علّم ذاته أو لم يفعل، يصطنع فلسفته الشخصية. الصغير؛ "غير المفكّر" يؤوّل ما يقرؤه في الكتب (أو الأحرى في الصحف) بأفضل ما يسعه، ومن ثمّ تبدأ الفردانية في يومٍ ما في الانهيار (لا نتيجة أزمة في الأفكار أو في "رؤى العالم"، بل بسبب أزمة مادية، اقتصادية وسياسية على حدّ سواء)، فيندفع هؤلاء الفردانيون السابقون ليشكّلوا حشدًا، قطيعًا، تحدوه "الأفكار" الأشد جنونًا، والأشد شناعةً، والأشدّ عتيًّا، تاركين خلفهم آخر أثرٍ من آثار العقل البشري، وواقعين أسرى حمّى ذهنية جمعية: ولدينا الفاشية، و"الجماهير" الفاشية، و"التنظيم" الفاشي. يسير الوعي الذاتي والوعي المُعمَّى عليه جنبًا إلى جنب، معززًا أحدهما الآخر ومتحصنًا باطراد نتيجة ضروب الزعزعة التي لها أصولها في الحياة الواقعية، لا في الأفكار "المحضة".
3. نقد المال19
ثمة بلاغة عاطفية، متماشية مع "الحالة الروحية" للبرجوازي الصغير الذي يكره من هُم أغنى منه ويحسدهم، تبدي انفعالات شديدةحيال الفقراء المحتاجين وأصحاب المليارات التعساء على حدّ سواء، وتحمل على المال. أفضل الأشياء في الحياة مجانية! هي فقيرة، لكنها مخلصة! (النساء على نحو خاص في الذهن...) إلخ. هذه الموضوعات الميلودرامية والأخلاقية هي جزء من الحيوات اليومية للفقراء. وهي تشكّل الجزء الأكبر من المتاع الأيديولوجي للشخص العادي، بوصفها دعايةً شفهيةً يمارسها الغنيّ. وهي إذ تتنكّر بإهاب إدانة المال، تبرّر الثروة بردّها إلى مجرد عارض من عوارض الشرط الإنساني (هو، في حدّ ذاته، أخلاقي أو ميتافيزيقي). وهي تقدم العزاء للفقراء والرضا الكامل للذين يتهدّدهم الفقر لكنهم، على الرغم من ذلك، يأملون بكل "جوارحهم" أن يصبحوا أغنياء. هذه الموضوعات رُفِعَت إلى مصافّ الموضوعات الفلسفية والغنائية في أعمال ذلك البرجوازي الصغير المخبول بيغي20. واخترقت، علاوةً على ذلك، وعي الناس كما اخترقته الأقوال المأثورة التي تبدو كأنها تحتوي حقائق أبدية، وراحت تعمل مثل اللازمة للمسلّمة الرأسمالية "ثمّة أغنياء وفقراء على الدوام". وهدفها هو أن تعزّز المفهومين السخيفين "الثروة" و"الفقر"، وتبلورهما وتقدمهما كضدين، وتجسّدهما في أفراد، وتغلفهما باقتدار ضمن هذه المقولات العاطفية والأخلاقية، ومن ثمّ لا تمضي أشد الأقوال عنفًا ضد "الأغنياء" أبعد من ثوابت الأيديولوجيا الرأسمالية. النتيجة لافتة للانتباه. باتت مهمة الماركسي الأولى في هذه الحقبة هي إعادة تأهيل الثروة. فالثروة ليست شرًّا ولا لعنةً. الثروة، مثل القوة، جزء من عظمة الإنسان وجمال الحياة. وما من حلّ لمشكلات الإنسان بتقاسم الضعف والفقر والضحالة، بل بالتماس القوة والثروة؛ فهما وحدهما ما أتاحا واشترطا كل ما هو رائع وباهر وُجِدَ يومًا في الثقافة، في الحضارة، في الحياة؛ من القصور والبيوت الفخمة والكاتدرائيات إلى تلك الأعمال الفنية التي تنامت ببطء وظلّ إبداعها محتاجًا إلى فترات طويلة من الفراغ، والصمت، وسلام العقل والأمن المادي. لكنّ حدود القوة والثروة (وهذه نقطة أساسية) هي في سيرورةٍ من التغيّ. فمن المستحيل أن نمضي أبعد ممّا بلغناه في طريق الثروة الفردية. اليوم، تغدو الثروة اجتماعية؛ والحقيقة أنّها كانت اجتماعيةً على الدوام، وفي إطار الاقتصاد الرأسمالي، في إهاب اكتساب الثروة الفردي، كان المجتمع كلّه هو الذي يتطور وإلى حدٍّ ما يتقدّم. وهذه الثروة الاجتماعية لا يمكنها اليوم أن تتطور إلى ما هو أبعد في إطار التملك الفردي (إطار الملكية الخاصة الرأسمالية)، وهي تحتاج بوضوح إلى إعادة تنظيمٍ. لكنّ الهدف ليس مقارعة الثروة بتطلّعٍ إلى تحقيق ضحالةٍ عامة؛ "مساواة" الضحالة. الهدف لا يزال الثروة: الثروة التي تغدو باطّراد ثروةً عامةً، اجتماعية. هذا التوسّع المطرد لا يمكن تحقيقه إلا بالتدريج، على مراحل، بسلسلة من الإجراءات تلائم ظروف الحياة الاقتصادية والسياسية المعقدة، والملموسة، العسيرة على التنبؤ. هكذا يجد الماركسي نفسه مجبرًا على انتقاد أساطير الديمقراطية الرأسمالية التي لا تزال واسعة الانتشار (وإن تكن أقلّ فعاليةً، وهو ما قد يشير إليه انتشارها): أسطورة أنّ الثروة معنوية أو أنها سيئة في جوهرها، وأسطورة المساواتية (كلتاهما مرتبطة ارتباطًا واضحًا بأسطورة الفرد "الخاص"، المطابق لذاته على الدوام مهما كانت الشروط أو الظروف... إلخ).
ما إن يتحقق هذا، حتى يغدو واضحًا أنّ النقد الماركسي للمال هو أكثر جذريةً بما لا يقاس ممّا تقدر عليه أيّ بلاغة أخلاقية. وهنا، من جديد، يمضي إلى لبّ الموضوع. في ظل الأنظمة الرأسمالية، يتطابق "الوجود" و"التملّك". "من لا يملك شيئًا ليس شيئًا"21. وهذا الوضع ليس وضعًا نظريًا، أو "مقولة" مجردة في فلسفةٍ للوجود؛ إنه واقع "موئس على نحوٍ مطلق"؛ فمن لا يملك شيئًا يجد نفسه "منفصلً عن الوجود عمومًا"، منفصلً عن الوجود الإنساني؛ فهو مفصول عن "عالم الأشياء"، أي عن العالم الواقعي الذي من دونه لا مجال لعالم إنساني. ترى الروحانية والمثالية أنّ الوضع الأسمى للإنسان هو وضعُ روحٍ أو نفسٍ مستقلة عن "عالم الأشياء". وهذا الوضع يختبره – ويا للمفارقة – الإنسان الذي لا يملك شيئًا: "عدم التملك هو الروحانية الموئسة إلى أبعد حد، لاواقع كامل بالنسبة إلى الكائن الإنساني، واقع كامل للكائن المنزوعة إنسانيته، تملّكٌ مؤكّد تمامًا، تملّك للجوع، للبرد، للرضا، للجريمة، للاتضاع، للبلادة، لكلّ وحشيّة وتشوّه"22. لا شكّ في أنّ هذا هو السبب "العميق" وراء دعوة الروحانية أولئك الذين لا يملكون شيئًا إلى "امتلاك" أنفسهم على الأقل. وهذا التجريد يعبّ عن حالة عدم التملك التي هم فيها تعبيرًا تامًا. وعلاوةً على ذلك، يبدو أنّ الأشياء ليست مهمةً بوصفها سلعًا فحسب، بل أيضًا بوصفها درعًا لكينونة الإنسان الموضوعية، " وجود الإنسان من أجل الناس الآخرين، علاقته الإنسانية بالناس الآخرين، سلوك الإنسان الاجتماعي تجاه الإنسان "23. بهذه الطريقة، أي جدالها بأنّ عدم التملك متفوّق على التملّك، تضع المثالية الواقع الإنساني "العميق" – الأعمق من الثروة – ضمن غياب العلاقات الإنسانية الواقعية، أي بعبارة أخرى ضمن عزلة التجريد وفراغه. ما يعارض هذا الجدال المناصر لعدم التملّك هو الجدال الذي يعدّ التملّك أساسيًا. فحين نقبل المبدأ الذي مفاده أنَّ تملك الأشياء يشكّل أساس الواقع الإنساني، يقودنا ذلك مباشرةً إلى المطالبة بتملك متساوٍ للجميع. وهذا بالضبط مبدأ المساواة عند برودون والاشتراكية البرجوازية الصغيرة. ويكشف التفحّص الخاطف لهذا المبدأ أنّه لا يمضي قطّ أبعد من الأيديولوجيا البرجوازية أو مقولات الاقتصاد السياسي البرجوازي؛ وعلى العكس فإنه يضع المقولة، مفهوم "التملّك"، على أعلى مستوى. وبهذا، يغدو متورطًا في اتهامات مضادة، وفي مواقف مناهضة للرأسمالية أخلاقية، وهي عقيمة لا فاعلية لها. ما أسهل للمفكّرين البرجوازيين أن يبيّنوا أنّ هذا الدفاع عن المساواة المعدَّة مسبقًا بالدعوة إلى تملّك جميع الأفراد ليس سوى دفاع عن السأم، والتماثل، والرتابة، والرمادية اليومية! إنها في الواقع ضحالة برجوازية صغيرة مرفوعة إلى مستوى الحقيقة العليا و"المثال" الاشتراكي! ولكن أليست هذه، على وجه الدقة، هي المثالية ذاتها التي يطرح بعض الناس اليوم استعادتها من أجل "إكمال" الماركسية وتولّ الدفاع عن "الكائن الإنساني" ضد كلّ من الرأسمالية والمادية الماركسية24؟ أليست المبدأ الخفي ل "الاشتراكية الإنسانوية" التي يحاولون بها تحدي الإنسانوية الماركسية؛ الإنسانوية التي هي ماركسية ليس لأنّ الماركسيين لديهم تعريفهم للإنسان بل لأنّ المنهج (المادي الديالكتيكي) الماركسي وحده يتيح دراسة الواقع الإنساني وخلق إنسان جديد بات اليومممكنًا وتنطوي عليه حركة الواقع الإنساني؟
تبعًا للماركسية، فإنّ العلاقة بين الإنسان والموضوع ليست ذاتها علاقة التملك. فهي أوسع من أن تُقَاس. وما هو مهمّ ليس أنني أمتلك (سواء على نحو رأسمالي أو مساواتي) موضوعًا ما، بل أنّ في وسعي أن أتمتع به بالمعنى الإنساني، الكامل للكلمة؛ وأنّ في وسعي أن أقيم مع هذا الموضوع علاقات المتعة والسعادة الأكثر تعقيدًا، و"الأغنى"، سواء كان شيئًا أو كائنًا بشريًا أو واقعًا اجتماعيًا. والأكثر من ذلك أن أدخل بواسطة هذا الموضوع، ضمنه وفيه وبواسطته، شبكةً معقدةً من العلاقات الإنسانية. بخصوص الحبّ، فإنّ كلمة "يمتلك" (يمتلك امرأةً، مثلً) تجلب معها موكبًا طويلً من المشاعر والطموحات والتحيّزات والأساطير و"لحظات البَُحاء". ويبقى أنّه كثيرًا ما تُواجَه أسطورة التملّك بأسطورة عدم التملّك التي ترى الحبّ مجرد وظيفة، ونشاطًا غير أساسيّ لا يشتمل على الكائن الإنساني بكليته؛ ومن ثمّ يغدو اختلاط العلاقات وعدم الإخلاص وغياب الغيرة علامات على الحرّية، وعلى الحب الجديد، و"الشخصية الأنثوية" المنعتقة. وتبقى أسطورة عدم التملك بقوة ضمن مقولة الفرد "الخاص" المجردة التي يُزعَم أنّها مَحبُوَّة ب "كينونة داخلية" لا نفاذ إليها ولا تبالي بالأنشطة (الخارجية). ويمكن صوغ الحقيقة الديالكتيكية بصورة تقريبية على النحو: علاقة الرجل (أو المرأة) بطرف آخر حرٍّ سوف تكون أغنى وأكثر إنسانيةً وتعقيدًا وبهجةً (ولكن ربما أعمق ألمًا أيضًا) من العلاقة بطرف آخر يُتيح لنفسه أن "يُمْتلَك" أو تتيح لنفسها أن "تُمْتلَك". وأخيرًا، فإنَّ العلاقة ستكون مُؤَنْسنَةً، وسوف تأتي في سياق ذلك على تلك المناطق من اللامبالاة التي كرّستها أساطير التملّك بقدر ما كرّستها أساطير عدم التملّك (أساطير التملك المُنجَز والتامّ، أو أساطير رفض التملك). وبجمع اثنين من الكائنات الحرة المعقدة معًا، فإنّ هذه العلاقات الفيزيولوجية والسيكولوجية و"الروحية" سوف تمضي أبعد إلى ما لا نهاية مما هو جنسي فحسب، على الرغم من أنّ الجنسي لن يُهمَّش بأيّ حال من الأحوال. ولذلكسوف يكون ميلها نحو دخول الحياة اليومية؛ حيث يُتاح لحضورها أن يُخصِب العلاقات الإنسانية الأخرى (النشاطات الاجتماعية، الفكر... إلخ) التي سوف تنجز من الآن فصاعدًا من خلالها، وليس من دونها. الموضوع (المؤنسَن) بالنسبة إليّ يجعلني موضوعًا (مؤنسَنًا) بالنسبة إليه؛ وبذلك أدخل العالم الذي تتحقق فيه إمكاناتي الإنسانية كليًا، وموضوعيًا. وعندها سوف يحقق الموضوع كليّة وظائفه بوصفه موضوعًا. أمّا برودون، فهو يعلن أنّ "التملّك وظيفة اجتماعية"25، تتجاوز النظرية الماركسية حول الموضوع هذا النوع من "الاشتراكية" تجاوزًا صريحًا، وتتحرك صوب إنسانويةٍ ملموسة، كليّة، تؤكّد مع ماركس أنّ "ما هو "لافتٌ" للانتباه في وظيفةٍ ما، على أيّ حال، ليس "إقصاء" الشخص الآخر، بل تأكيد قوى كينونتي وتحقيقها"26، وهو أمر لا يكون ممكنًا إلا بواسطة الشخص الآخر، ومع الشخص الآخر، وفي الشخص الآخر. في الميدان الاجتماعي، تخلص النظرية والممارسة الرأسماليتين إلى إنتاج جمهور من الأفراد مجرّدين من أيّ حقوق في ما يتعلّق بالموضوعات ذات الأهمية الاجتماعية، مثل المصانع الكبيرة، والأعمال الكبيرة، والأعمال الفنية، والأمكنة التي تأخذ فيها الراحة والفراغ قيمةً ومعنى فائقين (الجبال، والبحر، والهواء... إلخ). من جهة أخرى، يخلق الدفاع "الاشتراكي" عن التملّك بوصفه "وظيفةً اجتماعيةً" بعض أغرب الأوهام. فقد يسوق المرءَ، مثلً، إلى مقارنة المباني الاجتماعية الضخمة – المصانع العملاقة، والصروح العامة العظيمة – بأهرامات مصر التي ضحّى من أجلها الفراعنة بأعداد لا تُحصى من العبيد. كما يُظهِرُ البروليتاريا على أنها تخطو خطوةً حاسمةً نحو الحرّية كلما "شاركت في أرباح" عملٍ ما، أو صارت مالِكَ أسهمٍ، أو حظيت بصوت في تسمية لجنة إدارية... إلخ. ويصوّر تملك إنش مربّع صغير في عقار على أنه تحرير للفرد، ولمجموع الأفراد، للبروليتاريا، للشعب.
ولكن في المقام الأول، يغفل هذا النوع من "الاشتراكية" تمييزًا أساسيًا، هو التمييز بين السلع الاستهلاكية ووسائل الإنتاج (الاجتماعية). السلع الاستهلاكية، الأشياء المرتبطة بحياتي اليومية – هذا القلم، هذه الكأس، هذه الملابس... إلخ – هي "لي"، على نحوٍ واضح، ويجب أن تبقى كذلك. المسألة ليست مسألة أخذ "أشيائي" منّي، بل على العكس إعطائي مزيدًا منها. وقلّة من المهووسين فحسب؛ الذين تُلهمهم شيوعيةٌ تنسّكية رهبانية وليس اشتراكية علمية، هم الذين سيمضون إلى حدّ انتقاد مبدأ التملّك الفرديللسلع الاستهلاكية. ومن الواضح، علاوةً على ذلك، أنّ شعار شيوعية فورييه، "ما هو لي هو لك"، لا يستأصل ال "لك" أو ال "لي" ولا يتجاوزهما، بل على العكس؛ يعممهما بوصفهما المقولتين الأساسيين للحياة اليومية. أكثر من ذلك، إنّ علاقتي بالأشياء التي هي "لي" مباشرةً ليست علاقةَ ملكيةٍ "خاصة" قانونية. إذ يمكنني أن أكسرها، أن أتخلى عنها، أن أبيعها، من دون أن أنظّم عقدًا قانونيًا. علاقة ذلك هي علاقة مباشرة، جزء من الحياة اليومية، ولا حاجة بها إلى أن تتغيّ عندما تُعدَّل الحدود الاقتصادية والاجتماعية والقانونية للبنية الاجتماعية القائمة على الملكية "الخاصة". لكن هذه العلاقة على وجه الدقّة هي التي تميل الاشتراكية المساواتية إلى تعميمها لتغدو مقولةً قانونيةً، وهذا لا يفعل سوى أنه يكشف مدى تخلّفها عن الطريقة التي نُظِّمت بها أمور الحياة العملية حتى في المجتمع البرجوازي؛ وهي تأخذنا إلى الوراء إلى أيام لم يكن يسع العبيد فيها سوى أن يحلموا بالقدرة على القول عن أكثر الأشياء عادية: "إنّه لي". ليس الشيء المهمّ أن أصبح مالكًا قطعة أرضٍ صغيرة في الجبال، بل أنْ تكون الجبال مفتوحةً لي، للتسلّق أو لرياضات الشتاء. الشيء ذاته ينطبق على البحر والهواء، تلك المناطق من العالم حيث تغدو فكرة التملك "الخاص" بلا معنى إلى هذا الحدّ أو ذاك، لكن جاذبيتها وشدّها للفرد "الحرّ" يكونان أقوى لهذا السبب. بهذه الطريقة، وبهذه الطريقة وحدها، يغدو العالم عالمي، ملكي، لأنّني إنسان. بهذه الطريقة، وبهذه الطريقة وحدها، يكون العالم مستقبل الإنسان (الاجتماعي). بهذه الطريقة وحدها يمكن تجاوز الفرد "الخاص"، النموذج الفرداني للإنسان، وبلوغ الإنسان الملموس والحرّ حقًّا. تتقدّم حركة التحقق الذاتي للإنسان من الذات (الرغبات، الطموحات، الأفكار) إلى الموضوعات، إلى العالم، وكذلك من الموضوع إلى الذات (التحرر من أيّ حتمّية خارجيّة، من أيّ قدَر غير مفهوم أو غير مُسَيْطَر عليه). ويمكن وصف هذا التحقّق، بعبارات فلسفية، بأنّه تذويتعميق – إدراكٌ صافٍ مزيدًا من الصفاء – وبأنّه تمَوْضُعٌ، عالم من الموضوعات المادية المسيطَر عليها. التذويت والتموضع يسيران جنبًا إلى جنب، على نحوٍ لا يقبل الانفصال. النقيصة الكبيرة في المصطلحات التقليدية هي أنّ هنالك جانبًا رئيسًا لمشكلة الإنسان تفشل في الإلحاح عليه. فما من مقدار من التنظير سوف يتيح لنا أن نبلغ الإنسان الكلّ، أو حتى أن نعرّفه. وإذ يتأنسن أخيرًا "جوهر" الإنسان، الجوهر الذي لم يوجد إلى الآن ولا يسعه أن يوجد مُقدَّمًا، فإنه يغدو واقعيًا من خلال الفعل وفي الممارسة، أي فيالحياة اليومية. ليس التنظير بلا دور يؤدّيه. وكي نعرّف الاتجاه الذي يجب أن يمضي فيه الفعل وليس الإنسان، فإننا نحتاج إلى أن نستدعي المعرفة والعلم. ليس علمًا واحدًا فحسب، بل جميع العلوم. فليس الإنسان اقتصاديًا فحسب، أو بيولوجيًا، أو فيزيا – كيميائيًا... إلخ. هو ذلك كلّه. وهذا ما يجعله الإنسان الكليّ. ومن كلّ علم، من كل منهج بحث جزئي، تستعير الإنسانوية الكلية عناصر للتحليل والتوجّه (بنسب متنوعة تبعًا للحظات والمشكلات... إلخ). والمنهج الأشمل بين المناهج، المنهج الديالكتيكي، هو الوحيد القادر على تنظيم "توليفة"
هذه العناصر كلّها واستخلاصفكرة الإنسان منها، تلك الفكرة التي بدلً من أن تعمل كبديل من الإنجاز الواقعي، كما تفعل المثالية، تستثير فعل التحقق عمليًا، وتعززه وتهدي خطاه قُدمًا. لا يكون الكائن الإنساني (لا يوجد) إلا من خلال ما يملكه؛ لكن الشكل الحاضر ل "التملك"، تملّك المال، هو مجرد شكلٍ متدنّ وضيّق ومحدود.ٍ في المقابل، لا يملك الكائن الإنساني ما هوعليهإلا على نحوٍ كامل. وهذا ما يجعل "أن تكون" كائنًا اجتماعيًا أو مفكّرًا أو شاعرًا... إلخ، وأن تساهم في الواقع الإنساني، وأن تكون جزئيةً واسعةً قدر الإمكان من ذلك الواقع، بدلً من أن تتأمّله، أو تتصوّره، أو تسيطر عليه من الخارج، ذلك الأمر الإشكالي. في هذا الصدد، يبدو المال على نحو خاص ذاك السيد غير الجدير بالثقة. دعونا نتخيّل إنسانًا على قدر من الإمكان، "شخصيّة" كما يقولون، يكرّس أنشطته ومواهبه لأن يصبح غنيًا ويُفلح على هذا الأساس (مع شيء من "الحظّ" وقبل كلّ شيء معفكرة واحدة مطلقة تستولي عليه، مفادها أنّ أيّ أحدٍ، حتى المعتوه، يمكنه أن يتدبّر أمر كسب المال) في شراء بعض لوحات بيكاسو أو ماتيس، أو بعض الطبعات الفاخرة لأعمال فاليري والأعمال الكاملة للمونسنيور أندريه جيد. وكما نعلم جميعًا، فإنّ المال يمكن أن يشتري كلّ شيء في مجتمع كلّ شيء فيه للبيع، وحيث الوعي مجرد سلعة أرخص من أيّ سلعة أخرى، لأنّ عرضها وفير. هكذا يكون كلّ شيء طوعَ بنانِ مُحدَثِ نعمتنا: الجمال، والفن، والمعرفة [...] ويقدر أن يكون شاعرًا أو رسامًا أو عالمًا، أحدًا يخلق الجمال والمعرفة. "كلّ ما لا يمكنك أن تفعله، يمكن لمالك أن يفعله لك"27. يرمز المال، في حياة المجتمع البرجوازي الذي لا يزال منزوع الأنسنة، إلى هذا الاقتلاع للإنسان بعيدًا عن نفسه؛ بل إنه ليس مجرد رمز ل الاغتراب، فهو اغتراب الإنسان ذاته، "جوهره المغترب". وهو يمثّل في الكائن الإنساني الرأسمالي كلّ الوقت غير المكرّس للعيش (من خلال العمل الخلاق، أو من خلال أوقات الفراغ)، بل للادخار أو "التأمّل" (بالمعنى الماليّ لهذه الكلمة28. في العصر الجميل belle La époque الخلّق للرأسمالية الصاعدة، "حرم" البرجوازي نفسه من أجل أن يراكم رأس المال، وينشئ أعماله. في هذه المرحلة، كان للمال أخلاقه، ديانته: الزهد، والاقتصاد. وكان يعلّم "نكران الذات"؛ هكذا تكلّم إلى برجوازي القرن السابع عشر، وهكذا يتكلّم إلى البرجوازي الصغير اليوم: "كلما قلّ ما تأكله أو تشربه أو تشتريه من كُتب، وقلّ ترددك على المسرح والرقص والشراب، وقلّت ممارستك التفكير والحبّ والتنظير والغناء والرسم والمبارزة... إلخ، زاد ما تدّخره وعظُم ذلك الكنز الذي لا يستطيع أن يأكله العثّ ولا الدود: رأسمالك. كلّما قلَلْت [...] زاد ما تملك "29. ويتكلّم الرأسمالي المالي لفترة التدهور – الابن المنتكس لعائلة كانت غنية لأجيال أو مُحدث النعمة الذي صار غنيًا من خلال المضاربة – على النحو: "كلما اشتدت قوة نقودي زادت قوتي. صفات النقود هي صفاتي، صفات المالك وقواه الجوهرية... أنا قبيح، لكن في إمكاني أن أشتري أجملالنساء. وأنا، كفرد، أعرج، لكن المال يتحصّل لي على أربع وعشرين ساقًا... يسعني أن أحصل بالمال على كل ما يصبو إليه القلب البشري"30.
ويتكلم المال إلى البروليتاري بلغة مختلفة. فهو يهمس إليه، بلا توقف، في كل لحظة من حياته اليومية، بهذه التهديدات: "أنت تحتاج إليّ، وعليك أن تقايض بنفسك كي تنالني. عليك أن تبيع نفسك. أنا حياتك ومعنى حياتك. لستَ سوى شيء، شيء طبيعيّ فجّ كأيّ شيء آخر، سلعة بين السلع. وما تقايضه بهذه الأشياء التي تسمّيها نقودًا هو زمن نشاطك وعيشك. لكن من الأفضل في جميع الأحوال أن تتخيّل أنك تكفّر عن خطيئة أصلية أو تشاطر الشرط الإنساني نحوسه ". وعلى الرغم من أنّ الحرمان والاغتراب مختلفان بالنسبة إلى البروليتاري وغير البروليتاري، فإنّ هنالك شيئًا يوحّدهما: المال، جوهر الكائن الإنساني المغترب. وهذا الاغتراب باقٍ، أي إنّه عمليّ ويوميّ.
4. نقد الحاجات31
كلما ازدادت حاجات الكائن الإنساني، تعزز وجوده. وكلما كان قادرًا على ممارسة مزيد من المقدرات والمؤهلّات زادت حريته. في هذا المجال، يخلق الاقتصاد السياسي (البرجوازي) حاجةً وحيدةً هي الحاجة إلى المال. والمال، في يد الفرد، هو القدرة الوحيدة التي تضعه على تماسٍّ مع عالم الموضوعات الغريب، المناوئ. وكلما اتّسع عالم الموضوعات، تعاظمت الحاجة إلى المال. هكذا "تغدو كمية المال أكثر فأكثر خاصيته المهمّة الوحيدة "32. يغدو كلّ كائن مختزلً في هذا التجريد: قيمة السوق؛ يغدو الإنسان ذاته مختزلً في هذا التجريد. والمال، جوهر الإنسان المغترب، وإسقاطُ أنشطته وحاجاته أبعد من ذاته، ليس سوى جوهر كمّي. وما من شيء يعيّنه أو يحدّده نوعيًا. لهذا السبب، فإنَّ المال، هذا "الصنم الذاتي الحركة" الذي يعمل عمله خارج البشر مع أنهم هُم الذين ينتجونه، يتضخم بلا حدود، كما تفعل الحاجة الأساسية (في الأنظمة الرأسمالية) التي تشهد بحضوره في قلوب البشر. وكلُّ حاجة أخرى إنما تُعَدّل وتُنقَّح تبعًا للحاجة إلى المال. فلا يتطور الكائن الإنساني، بوصفه مجموعةً من الرغبات، ولا يتثقف من أجل نفسه، بل من أجل أن يلبّي مطالب هذا الوحش اللاهوتي. الحاجة إلى المال هي تعبيرٌ عن حاجات المال. لذلك، يُبْذَل كلّ جهد لخلق حاجات زائفة، مصطنعة، متخيَّلة. وبدلً من التعبير عن الرغبات الواقعية وإشباعها، وتحويل "الحاجة الفجّة إلى حاجة إنسانية"33، فإنّ المنتج الرأسمالي يعكس مسار الأمور. فهو يبدأ بالموضوع الذي يرى أنّ إنتاجه هو الأبسط أو الأشد ربحًا، ويتدبّر – من خلال الدعاية أساسًا – خلْق حاجة إليه. كان ماركس قد أوضح، على نحوٍ هجائي، الطابع "المثالي" لهذه العملية التي تبدأ بالمفهوم الخارجي، المجرد للموضوع كي تثير رغبةً فيه. هذه المثالية تبلغ ذروتها في الفانتازيا، والنزوات، وما هو شاذ وغريب (في الجماليات المنحطة على سبيل المثال). وعلى غرار الخصيّ الذي يُقَوِّد لسيده الغنيّ ويحقق له كلَّ رغبة، أو الكاهن الذي يستغل كلّ نقيصة وكل نقطة ضعف في القلب والعقل البشريين ليبشّ بالسماء، فإنَّ المُنْتِجَ يصبح قوّاد الفرد وذاته الخاصة: "يضع نفسه تحت تصرف أشدّ خيالات جاره فُسوقًا، ويُقَوِّد لحاجاته، ويثير فيه شهوات مريضةً، وينقضّ على كل ضعف لديه، ومن ثمّ يمكنه عندئذٍ أن يطالب بالمال لقاء هذه الخدمات الودّية"34. لكن الحاجات تموت، في الوقت ذاته، وتتدهور وتغدو أبسط بالنسبة إلى جميع أولئك العاجزين عن الشراء. والنتيجة أنَّ العامل يكفّ عن الشعور بأبسط الحاجات التي هي أيضًا الحاجات الأصعب تلبيةً بالنسبة إلى العمال: الحاجة إلى المكان، إلى الهواء النقي والحرّية، الحاجة إلى العزلة أو التأمّل.
"يعود [الإنسان البروليتاري] ثانيةً إلى العيش في كهف، لكنّ الكهف بات الآن ملوَّثًا بنفَس الحضارة النتن والموبوء. وعلاوةً على ذلك، فإنّ العامل ليس له سوى حقّ مزعزع في أن يشغله، لأنّه بالنسبة إليه قوة غريبة يمكن أن تُسْحَب في أيّ يومٍ، ويمكن أن يُطرَد منها في أيّ وقت، إذا لم يدفع. عليه أن يدفع فعليًا لقاء هذا القبر "35. هكذا يغرق الإنسان إلى أدنى ممّا تغرق البهيمة. لم تعُد الحاجات والمشاعر توجد في شكل إنساني؛ بل إنها لم تعُد توجد حتى في شكل منزوع الأنسنة، وتاليًا "حتى في شكل حيواني". ولا يكف الإنسان عن أن تكون له حاجات إنسانية فحسب، بل يفقد حاجاته الحيوانية: حاجته إلى أن يتجوّل، إلى أنْ يتماسّ مع كائنات من النوع نفسه. هذه حالةٌ يجدها الاقتصاديّ البرجوازي مرضيّة كثيرًا؛ فهي تعني أنّ كلَّ شيء في الاقتصاد الرأسمالي على ما يرام. المال يحكم؛ وكلّ واحد يخدمه بطريقته الخاصة، تبعًا للموقع الذي يشغله في "الطبيعة البشرية": البرجوازي يعبده بطريقة راقية، بل فنيّة، في حين أنّ طاعة العامل متواضعة ومتقشّفة. لحاجات الكائن البشري ورغباته الكثيرة أساسها في الحياة البيولوجية، في الغرائز، والحياة الاجتماعية تغيّ هذه الحاجات والرغبات، وتعطي هذا المحتوى البيولوجي شكلً جديدًا. فالحاجات، تُشبَع من خلال المجتمعمن جهة. ويبيّ التاريخ أنّ المجتمع يعدّلهذه الحاجات في الشكل والمحتوى على السواء من جهة أخرى. هكذا؛ ما إن تكفّ الموضوعات التي يدركها عن كونها موضوعات فجّةً غارقةً في الطبيعة وتغدو موضوعات اجتماعيةً، حتى "تغدو العين عينًا إنسانيةً"36. ما يسمّيه علماء النفس "الإدراك" أو "العالم المُدرَك" هو في الواقع نتاج العمل الإنساني على المستوى التاريخي والاجتماعي. والنشاط الذي يعطي العالم الخارجي و"ظواهره" هيئتها ليس نشاطًا "ذهنيًا"، نظريًا وشكليًا، بل هو نشاط عملي، ملموس. والأدوات العملية، لا المفاهيم البسيطة، هي الوسائل التي شكّل الإنسان الاجتماعي بواسطتها العالم المُدرَك. وعمليات المعرفة التي نفهم من خلالها هذا "العالم"، المنتزع على هذا النحو من الطبيعة الهائلة والمُضفى عليه طابع التماسك والطابع الإنساني، ليست "مقولات قَبْليّة"، أو "نيّات" ذاتية؛ بل هي حواسنا. لكنّ حواسنا غيّها الفعل. وباتت العين الإنسانية القادرة على فهم كلّيات معيّنة وأشكال معيّنة وتنظيمها، أكثر من مجرد جهاز طبيعي للرؤية لدى واحد من الفقاريات العليا، لدى شخص وحيد ضائع في العالم الطبيعي، لدى إنسان بدائي أو طفل. هكذا يكون "العالم" مرآة الإنسان لأنّ الإنسان يصنعه: مهمة حياته العملية اليومية هي أن يفعل ذلك. لكنّه ليس "مرآته" على نحوٍ سلبي. ففي عمله يدرك الإنسان ذاتَه ويعيها. وإذا كان ما يصنعه يصدر عنه، فإنّه بدوره يصدر عمّا يصنعه؛ ذلك من صُنْعِه، لكنه بهذه الأعمال ومن خلالها يصنع نفسه. هكذا تخلل الوعي والعقل البشري حواسنا وأعضاءنا وحاجاتنا الحيوية وغرائزنا ومشاعرنا، فهي أيضًا شكلتها الحياة الاجتماعية. خَلْقُ هذه المشاعر الإنسانية، إلى جانب تملّك الواقع الموضوعي (قوام "العالم" الإنساني)، يعني تحقق الواقع الإنساني. وفي الحياة اليومية، ومن خلال الحياة اليومية، تُنجز الأنسنة. وكلّ لحظة من الإلهام أو العبقرية أو البطولة يجب أن تخدم – بل هي تخدم على الرغم منها – الإنسانَ اليوميّ. فإذا ما خدمت هذه اللحظات أيّ مطالب أخرى، وقعت في عالم "الاغتراب"، حيث يكون الإنسان ممزّقًا. وثمّة أشياء عظيمة جرت محاولتها باسم "الاغتراب"؛ وفشلت أو جرى احتواؤها، لكنّ الإنسان اليومي
والعالم اليومي أفادَا منها بطرائق لا يمكن التنبؤ بها. وعلينا أن نرى في هذه الواقعة كيف تتشكل العظمة الحقيقيّة، عظمة الحياة الإنسانية، بخلاف المثالية التي تستخدم الواقعة ذاتها لإثبات الفشل الحتمي لكلّ "عظمَة".
5. نقد العمل37
لا يمكن مقارنة العلاقة التي تربط كلّ لفتة متواضعة يومية بالمركّب الاجتماعي، مثل علاقة الفرد الواحد بالكلّ، بعلاقة الجزء بالمجموع أو علاقة العنصر ب "التركيب"، مستخدمين المفردة بمعناها المبهم المعتاد. ولعلّ التكامل الرياضي هو أفضل طريقة لشرح الانتقال من مقياس للعظمة إلى آخر، بما ينطوي عليه من نقلة نوعية، من دون الإحساس بأنّ العنصر "التفاضلي" (اللفتة، الفرد) والكلّ متغايران على نحوٍ جذري. تكون علاقة العنصر "التفاضلي" بالكلّ مموّهةً ومشوّهةً على حدٍّ سواء ضمن حدود الملكية الخاصة. والحال، أنّ العامل يعمل من أجل الكلّ الاجتماعي؛ فنشاطه هو جزء من "العمل الاجتماعي"، ويساهم في الإرث التاريخي للمجتمع (الأمّة) الذي ينتمي إليه. لكنه لا يعلم ذلك. فهو يحسب أنه يعمل "من أجل ربّ العمل". وهو يعمل بالفعل "من أجل رب العمل": إذ يوفّر له الربح. وبهذه الطريقة يحتفظ رب العمل بذلك الجزء من القيمة الاجتماعية لعمله الذي لم يَعُد عليه في هيئة أجور (القيمة الزائدة). والعلاقات المباشرة الوحيدة التي يقيمها العامل هي مع رب العمل. وهو يجهل الظواهر العمومية أو الكلية المعنيّة. وهو لا يعلم أنّ إجمالي القيمة الزائدة يذهب إلى أرباب العمل كجماعة أو ك "طبقة" رأسمالية. ولا يعلم (بطريقة غير عفوية، على الأقل) أنّ مجموع الأجور يذهب إلى "الطبقة" البروليتارية؛ وهو بعد أكثر جهلً بحقيقة أنّ توزيع الإجمالي – القيمة الزائدة والأجور، والمنتجات ومعدلات الربح والقوة الشرائية... إلخ – إنّما يتمّ تبعًا لقوانين معيّنة. يحدث التكامل أبعد من إرادة الأفراد، وخارج وعيهم "الخاص". والرأسمالي الفرد جاهل بقوانين الرأسمالية بقدر جهل البروليتاري الفرد. والرأسمالي، بوصفه فردًا، قد يكون ذكيًا أو غبيًا، صالحًا أو طالحًا، نشطًا أو كسولً. وهو لا يعلم أنّ واقعه الأساسي يتمثّل بكونه عضوًا في طبقة. هنا، مرة أخرى، يكون جوهره خارجه. ويمكن للفرد – سواء كان برجوازيًا أو بروليتاريًا – أن ينكر، صادقًا، وجود الطبقات الاجتماعية لأنّ الواقع الاجتماعي الموضوعي يعمل عمله أبعد من "ذاتيته"، أبعد من وعيه "الخاص". لذلك تُعَدُّ العلاقة الفورية، المباشرة بين الأجير وربّ العمل علاقةً مزيفةً، غامضةً، شكليةً تحجب محتوى خبيئًا. تمرّ علاقة الأجير بالمجتمع كلّه من طريق صاحب العمل، بتوسّط المال والأجور. لكن العلاقة العميقة الموضوعية تُموَّه في الحياة اليومية من خلال علاقات مباشرة وفورية، واقعية في الظاهر، إلى أن تبدأ المعرفة باختراق الواقعيّ. هكذا تعمل الحياة اليومية هنا ضمن مظاهر معيّنة ليست نتاج أيديولوجيات التعمية بقدر ما هي مساهمات في الشروط اللازمة لعمل أيّ أيديولوجية من أيديولوجيات التعمية. يتشكل الكلّ الاجتماعي أساسيًا من خلال النشاط الكلي للمجتمع: من خلال العمل وأنشطة المجتمع المختلفة مأخوذةً في مجملها. لكن العمل، ضمن حدود الملكية "الخاصة"، هو عمل "مغترب". واغتراب العمل متعدد الجوانب. يعمل الأجير لصاحب العمل وتعمل الطبقة البروليتارية للطبقة الرأسمالية؛ لكن هذا هو واحد فقط من جوانب الاغتراب، الجانب الأيسر على الفهم – ولا سيما بالنسبة إلى أولئك الذين يكسبون منه! – والجانب الذي يساعد في إلقاء الضوء على الجوانب الأخرى.
العمل المغترب هو عمل فقَد جوهره الاجتماعي. فعلى الرغم من أنّ جوهر العمل اجتماعي بالفعل، نجده يتّخذ مظهر مهمة فردية وواقعها. وعلاوةً على ذلك، ولأنّه عمل اجتماعي، فإنه يأخذ شكلَ شراءٍ لقوة العمل وبيعٍ لها. يكفّ الفرد عن الشعور بأنّه على وفاق مع الشروط الاجتماعية لنشاطه. ولا يقتصر الأمر على أنّ أدوات مهنته تلوح أمامه مثل واقعٍ غريب، مهدِّد – لأنها لا تنتمي إليه (لا كفرد، كما هي الحال في الحرفة، ولا كعضو في جماعة كما هي الحال في الاشتراكية) – بل يغدو أيضًا منفصلً عن ذاته ومتحللً منها، في حياته الواقعية، اليومية. فهو، من جهة، فردٌ إنساني. وهو، من جهة أخرى، "قوة عمل"، زمنُ عملٍ مُعَدُّ للبيع مثل سلعة، شيء. وبالنسبة إلى العامل، تأخذ المشاركة في النشاط الإبداعي للكلّ الاجتماعي شكل ضرورةٍ خارجية: ضرورة "كسب لقمة العيش"؛ ولذلك يتّخذ العمل الاجتماعي، بالنسبة إلى الفرد، مظهر قصاصٍ، عقاب غامض. وتقع على العامل ضرورةُ الحاجة إلى العمل من الخارج كما لو أنّه شيء. وتحوّله إلى شيء، جارّةً إيّاه إلى آليّة لا يعلم من أمرها شيئًا. ويبيع الأجير قوة عمله كأنّها شيء، ويصبح شيئًا، موضوعًا وضيعًا. "الإنسان ذاته، منظورًا إليه بوصفه الوجود المادي لقوة العمل لا غير، هو موضوع طبيعي، شيء، وإن يكن شيئًا حيًّا، واعيًا، والعمل هو التجلي المادي aüsserung Dingliche لتلك القوة"38. يتحوّل الكائن الإنساني – وقد توقّف عن كونه إنسانًا – إلى أداة تستخدمها أدوات أخرى (وسائل الإنتاج)، يتحوّل إلى شيء يستخدمه شيء آخر (المال)، وإلى موضوع تستخدمه طبقة، جمهرة أفرادها "محرومون" هم أنفسهم من الواقع والحقيقة (الرأسماليون). ويغدو عمله الذي يُفترض أن يؤنسنه، شيئًا يُفْعَل بالإكراه، بدلً من كونه حاجةً حيويةً وإنسانيةً، لأنه هو ذاته ليس أكثر من وسيلة (ل "كسب لقمة العيش") لا مساهمة تضاف إلى جوهر الإنسان، تُمنَح بحريّة. يُواجَه الأجير باستخدام قوة عمله "بوصفها شيئًا غريبًا"39. فالأمر لا يقتصر على شراء قوة عمله منه، بل يتعدّى ذلك إلى استخدامها متضافرةً مع عمل آخرين (التقسيم التقني للعمل) لا معرفة له بهم، وما من واحد منهم يفهم حقًّا هذا التقسيم للعمل. وإذا كان من الممكن للخبراء والمختصين في مجال العمل المعنيّ أن يعرفوا عن ذلك على مستوى شركاتهم (من المعروف أنّ مستوى التصميم والتخطيط في فرنسا أقلّ كفاءةً وإنتاجيةً مما هو ممكن)، فإنَّ هؤلاء الخبراء لا يعرفون شيئًا عن تقسيم العمل على مستوى المجتمع؛ وحدها خطةٌ للعمل الاجتماعي يمكن أن تبيّ كيفية عمله وتسيطر عليه؛ ولذلك يكون تقسيم العمل مفروضًا على كل فرد، سواء كان عاملً أو خبيرًا، من الخارج، مثل عملية موضوعية، وهو أمر يردّ نشاط كلّ إنسان ضدّه مثل قوة معادية تخضعه بدلً من أن يخضعها. بهذه الطريقة، تتسلط قوة موضوعية غاشمة منزوعة الإنسانية على الحياة الاجتماعية برمّتها؛ وهي قوة نطلق عليها، تبعًا لاختلاف جوانبها، أسماءً مثل: المال، وتقسيم العمل المجزَّأ، والسوق، ورأس المال، والتعمية، والحرمان... إلخ. "إنَّ هذا التثبيت للنشاط الاجتماعي، وتكريس ما أنتجناه نحن أنفسنا، وتحويله إلى قوة موضوعية فوقنا تتنامى خارج سيطرتنا، وتحبط توقعاتنا، وتقلب حساباتنا، هو واحد من العوامل الرئيسة في التطور التاريخي إلى الآن"40. لا تَنِي هذه القوة تغيّ هيأتها، فتظهر آنًا بوصفها القوانين الموضوعية للاقتصاد السياسي، وحينًا بوصفها مصير السياسيين، وتارةً بوصفها الدولة، أو بوصفها السوق، وبوصفها المصير التاريخي، وبوصفها الأيديولوجيات.
لا وجود إلا للإنسان ونشاطه. ومع ذلك يحدث كلّ شيء كما لو أنّ البشر يتعاملون مع قوى خارجية تقمعهم من الخارج وتسحقهم. والواقع الإنساني – وهو واقع صنعه البشر أنفسهم – لا يتملص من إرادتهم فحسب، بل من وعيهم أيضًا. فهم لا يعلمون أنّه ما من أحد سواهم، وأنّ "العالم" هو صنيعهم. (نستخدم هنا كلمة "العالم" للدلالة على العالم المتماسك، المنظم، المؤنسَن، وليس على الطبيعة المحضة، الغاشمة). ثمّة اسم لهذا التثبيت للنشاط الإنساني ضمن واقع غريب هو في الوقت ذاته ماديّ فجّ ومجرّد. وهذا الاسم هو "الاغتراب". وكما أنّ النشاط الإبداعي للعالم البشري ليس نظريًا بل عملي، وكما أنّه نشاط يومي مستمر لا استثنائي، فكذلك هو الاغتراب مستمر ويوميّأيضًا. ليس الاغتراب نظريةً أو فكرةً أو تجريدًا، بل إنّ النظريات أو الأفكار أو التجريدات "المحضة" هي التي تحفز الإنسان كي يطمس وجوده المعيش لمصلحة حقيقة مطلقة، وكي يعرّف نفسه من خلال نظرية أو يختزل نفسه في تجريد، هي كلّها جزء من الاغتراب الإنساني. يبدو الاغتراب في الحياة اليومية، في حياة البروليتاري، بل في حياة البرجوازي الصغير والرأسمالي أيضًا (يقتصر الفارق على تواطؤ الرأسماليين مع قوى الاغتراب النازعة للإنسانية). في كلّ موقف ينتزع الإنسان بعيدًا عمّا هو عليه وبعيدًا عمّا يمكنه القيام به – في الفن وفي المجال الأخلاقي، وفي الدين – لا بدّ أن يكشف النقد عن الاغتراب. يبدو أنّ إيماءات معيّنةً، وكلمات معيّنةً، وأفعالً معيّنةً، تصدر عن "كائن غريب"، بالمعنى الإنساني العامّ للعبارة: ليس "أنا"، الإنسان، من يتكلّم، بل "هو"، الكائن الاصطناعي، المتعجرف، الملاك أو الشيطان، السوبرمان أو المجرم، المخلوق فيَّ كي يوقفني عن أن أكون نفسي وعن اتّباع خطوط القوة التي يحقق الفعل بواسطتها مزيدًا من الواقع. المظهر والواقع متشابكان. المظاهر تزدرع ذاتها في الواقع مثل طُعم، وتكتنفه، وتحلّ محلّه. وهي تبدو لأولئك الذين لا يسعهم التغلّب على الاغتراب والعالم "المغترب" – المظاهر الاجتماعية والنظريات والتجريدات التي تعبّ عن تلك المظاهر – كأنها الواقع الوحيد. ولذلك فإنّ أيّ نقد للحياة يخفق في اتّخاذ تصور واضح ومميز للاغتراب الإنساني كنقطة انطلاق لن يكون نقدًا للحياة، بل لهذا الواقع الزائف. ومثل هذا النقد الذي ضيّق الاغتراب أُفقه، وانحبس داخل منظوره، سوف يتّخذ موضوعًا له "واقع" البنية الاجتماعية القائمة، رافضًا إيّاها برمّتها وتائقًا إلى "شيء آخر": حياة روحية، عالم سريالي، وفوق إنسانيّ، عالم مثالي أو ميتافيزيقي. ولذلك سوف يغذّي هذا النوع من النقد السيّر أكثر فأكثر صوب الاغتراب، معززًا إيّاه في هذا السياق. النقد الحقيقي، على النقيض من ذلك، سوف يكشف ضربًا من اللاواقعفي "واقع" البرجوازية، وهو نظام ظواهر سبق أن دحضته الحياة ودحضه الفكر، ومجموعة من المظاهر التي تبدو واقعيةً، لكن الوعي غلبها أو في طريقه ليغلبها. ومن ثمّ، سوف يكشف النقد الحقيقي الواقع الإنساني تحت هذا اللاواقع العامّ، يكشف "العالم" الإنساني الذي يتخذ هيئته فينا ومن حولنا: في ما نراه، ما نفعله، في الموضوعات الدنيا المتواضعة وفي المشاعر المتواضعة (ظاهريًا) والعميقة. عالمٌ إنساني انتُزع منّا، وافترق عنّا وشتته الاغتراب، لكنه لا يزال يشكّل لبّ المظاهر الذي لا مجال لاختزاله. قُدِّرَ لمفهوم الاغتراب أن يصبح الفكرة المركزية في الفلسفة (منظورًا إليها على أنّها نقد للحياة وأساس إنسانوية ملموسة) وكذلك في الأدب (منظورًا إليه على أنه تعبير عن حياة في حركة).
الاغتراب فكرة رئيسة. وهو يستبدل ب "محطّ الاهتمام" الأيديولوجي البالي اهتمامًا جديدًا بإنسان فردي واجتماعي. وهو يمكّننا من اكتشاف كيفيّة استسلام الإنسان (كلّ إنسان) للأوهام التي تدفعه إلى الاعتقاد أنّ في وسعه اكتشاف ذاته وامتلاكها، واكتشاف الكرب الذي ينجم عن ذلك؛ أو كيف يكافح كي يبُرز إلى النور "صميم" الواقع الإنساني. وهو يمكننا من تتبّع هذا الكفاح عبر التاريخ: لنرى كيف تخبو المظاهر أو تتقوى، وكيف يسعى الواقع الإنساني الحقّ إلى المضُيّ أبعد من المظاهر لاكتشاف واقع "غير" الذي نعيش فيه لكنه يظل ذلك الواقع، وقد برز إلى النور أخيرًا بكامل حقيقته، وأُعيد وضعه بوصفه حجر الزاوية في ذلك الصرح الذي كان مدفونًا تحته. تفوق دراما الاغتراب الإنساني في عمقها وقوتها الآسرة أيَّ دراما كونية زائفة، وأيّ سيناريو إلهي يُفترَض أن يؤدّيه الإنسان في هذا العالم. دراما الاغتراب ديالكتيكية. والإنسان يجعل نفسه واقعيًا ويتحقق، من خلال أشكال عمله المتعددة، بتحقيق عالم إنساني. وهو لا ينفصل عن هذه الذات "الأخرى"، خلقه، مرآته، تمثاله، وأكثر من ذلك جسده. ومجمل الموضوعات والمنتجات الإنسانية مأخوذة معًا تشكّل جزءًا لا يتجزأ من الواقع الإنساني. وعلى هذا المستوى، ليست الموضوعات مجرد وسائل أو أدوات، ذلك أنّ البشر، إذ ينتجونها، يعملون على خلق الإنسان؛ يعتقدون أنهم يصوغون موضوعًا، سلسلةً من الموضوعات، لكن الإنسان نفسه هو الذي يخلقونه. لكنّ عنصرًا جديدًا يبرز في هذه العلاقة الديالكتيكية للإنسان مع نفسه (العلاقة بين العالم البشري والوعي البشري) ليربك الوضع ويوقف تطوره. يستحضر الإنسان لنفسه طبيعةً جديدةً، بينما هو يسعى للسيطرة على الطبيعة وخلق عالمه. وتعمل بعض منتجات الإنسان بالعلاقة مع الواقع البشري كما تعمل طبيعةٌ مستغلقة، منفلتة، فتقمع وعيه وإرادته من الخارج. ولا يمكن لهذا أن يتعدّى المظهر، بالطبع؛ فمنتجات النشاط البشري لا يمكن أن تكون لها خصائص الأشياء المادية، الغاشمة ذاتها. لكن هذا المظهر أيضًا هو واقع: سلع، مال، رأسمال، الدولة، المؤسسات القانونية والاقتصادية والسياسية، الأيديولوجيات، وجميعها تعمل كما لو كانت وقائع خارج الإنسان. وهي، بمعنى من المعاني، وقائع، لها قوانينها الخاصة. لكنها منتجات إنسانية محضة. هكذا يتطور الكائن البشري من خلال ذاته "الأخرى" هذه، نصف الواقعية، نصف الخيالية التي تنخرط في "العالم الإنساني" في عملية تشكّله ذلك الانخراط الوثيق. لذلك يجب أن يميّز التحليل بين "العالم البشري" الواقعي، أي مجمل الأعمال الإنسانية وأثرها الراجع في الإنسان من جهة، وبين لاواقع الاغترابمن جهة أخرى. لكن هذا اللاواقع يظهر على أنّه أكثر واقعيةً إلى ما لا نهاية من أيّ شيء إنساني قحّ. وهذا المظهر يساهم في الاغتراب؛ فهو يصبح واقعيًا، ويغدو تاليًا "فكرةً" مجردةً عظيمةً أو شكلً معينًا من أشكال الدولة يبدو أشدّ أهميةً إلى ما لا نهاية من شعور يومي، متواضع أو من عمل وُلِد من يدي الإنسان. هكذا يُخلط الواقعيّ باللاواقعيّ، والعكس بالعكس. وعلاوةً على ذلك، فإنّ لهذا الوهم أساسًا واقعيًا، متينًا، ذلك أنه ليس وهمًا نظريًا؛ بل وهمٌ عمليّ، أساسه في الحياة اليومية وفي الطريقة التي تُنظَّم بها الحياة اليومية. وهذا الواقعي وهذا اللاواقعي ليسَا مقولتين تأمليتين، بل هما مقولتان من مقولات الحياة، مقولات النشاط العملي؛ مقولتان تاريخيتان، بل تراجيديتان أيضًا. فحين يكون الإنسان هو واقع التاريخ الأساسي، يُختَزل اللاإنساني في مظهر، في تجلٍّ من تجليات صيرورة الإنسان. لكنّنا نعلم مدى رهبة الواقع اللاإنساني! لا يمكن أن يدرك معنى "الإنساني" و"اللاإنساني" في التاريخ سوى ديالكتيك ملموس يبيّ وحدة الجوهر والمظهر، الواقعي واللاواقعي، تلك الوحدة التي هي في سياق صيرورة، ويندمج فيها القطبان ويعمل أحدهما في الآخر.
يبلغ الإنسان واقعه، يخلق نفسه من خلاله، داخل نقيضه الذي هو اغترابه، وبواسطته، أي داخل اللاإنساني وبواسطته. فمن خلال اللإنساني يبني الإنسان ببطءٍ العالم الإنساني. اتُّخِذَ هذا العالم الإنساني المتواضع، اليومي واجهةً فجّةً لبعض الوقائع الجليلة. ونعلم اليوم أنّ هذه "الوقائع الأرفع" لم تكن سوى تجلٍّ، مظهرٍ، لمحاولة الإنسان خلق واقعه في الحياة اليومية، لكنها تمتلك القوة الوحشية، الخاصة بالاغتراب، القادرة على امتصاص الواقع الإنساني، وعلى سحقه وإلقائه بعيدًا عن المركز، إن جاز التعبير. بلغ الأمر الآن لحظة شدّته القصوى، الصراع بين ما هو ظاهريٌّ وما هو واقعيٌّ على وشك أن يُحَلّ من خلال تقدمٍ في الوعي والنشاط. والاغتراب الذي بات الآن واعيًا، ومرفوضًا ومُتجَاوزًا تاليًا بوصفه مجرد مظهرٍ، سوف يفسح المجال لواقعٍ إنساني قحّ، مجرّد من واجهته، ومُحرَّر.
6. نقد الحرية41
فيمَ تكمن الحرّية؟ وفقًا للمادة السادسة من دستور 1793: "الحرّية هي قدرة المرء على القيام بكلّ ما لا يلحق الضرر بحقوق الآخرين". ويذكر إعلان حقوق الإنسان عام 1791 أنَّ " الحرّية هي قدرة المرء على القيام بكلّ ما لا يلحق ضررًا بالآخرين". كان اقتباس هذه النصوص42 قد أعطى ماركس فرصةً لصبّ سخريته على أصنام البرجوازية. "الحدود التي يستطيع كلّ فرد أن يتحرك فيها من دونأن يلحق الضرر بالآخرين يحددها القانون، كما يحدد وتدٌ الحدود بين حقلين. الحرّية التي نتناولها هنا هي حرية الإنسان بوصفه جوهرًا فردًا معزولً منطويًا على ذاته... لكن حقّ الإنسان في الحرّية لا يقوم على ارتباط الإنسان بالإنسان بل الأحرى على انفصال الإنسان عن الإنسان. إنه حقّهذا الانفصال، حقّ الفرد المقيَّد، المقيَّد إلى ذاته "43. هكذا يكون هذا الحقّ هو حقّ الفرد الخاص، ويتمثّل في تطبيقه العملي بالحقّ في الملكية "الخاصة" على نحوٍ أساسي (المادة 16 من دستور 1793). وهكذا ينطوي هذا التعريف البرجوازي للحرّية على ما هو ضيّق وشحيح. لكنّ أنصاره يرونه نبيلً وعميقًا؛ فهو يحمي حقوق "الضمير الفردي"، و"الحرّية الداخلية"، و"الشخصية". وهو ليس بالكاذب تمامًا، بقدر ما أتاحت الطريقة التي نُظِّمَت بها حيوات الأفراد لبعض البشر ذوي الامتياز أن يطوروا "ضميرًا" صارمًا فكريًا أو صادقًا أخلاقيًا. لكنّنا حين ننظر في حصيلة النتائج، حصيلة "الحيوات الخاصة" التي تشكلت وترسخت ضمن حدود هذه الحرّية البرجوازية، يسهل أن نرى أنّ نُبلها وعمقها بمنزلة جزء لا يتجزأ من عملية التعمية. الحرّية المُعرَّفة بهذه الطريقة هي حرّية سلبية تمامًا، في أحسن الأحوال. فالمرء ينبغي ألّ يفعل أيّ شيء خشية أن يكون في ذلك تعدٍّ على جاره، ولو كان هذا الجار في حاجة إلى المساعدة! وحين تحاول هذه الحرّية أن تكون فاعلةً و"إيجابيةً"، تغدو فنَّ التفافٍ على القانون (الأخلاقي أو التشريعي)، فنَّ تدخلٍ ماكرٍ في حيوات الآخرين وممتلكاتهم. ولكن لمّا كانت العلاقات بين الجواهر المفردة متعذرة التنظيم بالتعريف، وتعمل على نحو عشوائي حيال جميع المقاصد والأغراض، فإنّ أيّ محاولة إيجابية تبتغي الحرّية لن تكون أكثر من الاستغلال الماهر للفرص في علاقات مبنيّة على المال (الأسواق، والمبيعات، والمواريث، وما إلى ذلك) والاستخدام الماهر للمال وفقًا لأهواء الفرد "الحرّ".
التعريف الماركسي للحرية ملموس وديالكتيكي. يقوم عالم الحرّية بالتدريج مع " تطور قدرات الإنسان بوصفه غايةً في حدّ ذاته "44. هكذا يبدأ تعريف الحرّية بالقدرة المتزايدة التي يحوزها الإنسان حيال الطبيعة (وحيال طبيعته الخاصة، حيال ذاته ومنتجات نشاطه). وهي ليست بالحرّية الجاهزة؛ فلا يمكن تعريفها ميتافيزيقيًا بأنّها "كلّ شيء أو لا شيء": ليست حرّية مطلقةً أو ضرورةً مطلقةً. هي حرّية يحرزها الإنسان الاجتماعي بالتدريج؛ ذلك أنّ القدرة – أو بكلام أدقّ، حصيلة القدراتالتي تشكّل الحرّية – تنتمي إلى البشر المتجمعين معًا في مجتمع، لا إلى الفرد المعزول. في المقام الأول، إذن، يجب أن تُحْرَز الحرّية، وأن يتمّ الوصول إليها من خلال عملية صيرورة: لذلك ثمّة درجات من الحرّية. (بالمثل، كي نجري مقارنةً بمشكلة سياسية ليست منبتّة الصلة عن المشكلة العامة للحرية، ثمّة درجاتمن الديمقراطية، مزيد من الديمقراطية، قليل من الديمقراطية، تطور في الديمقراطية... إلخ). في المقام الثاني، تقوم حرّية الفرد على حرّية جماعته الاجتماعية (أمّته، طبقته). فلا حرّية لفرد في أمّة خانعة أو طبقة خانعة. وحده المجتمع الحرّ يتيح للفرد أن يكون حرًّا في تحقيق إمكاناته كاملةً. في المقام الثالث، هناك حرّيات (سياسية وإنسانية، على المستويين الاجتماعي والفردي) وليس "حرّية" بوجه عامّ. وتنطوي جميع الحرّيات على ممارسة قدرة فاعلة. فحرّية التعبير، والمشاركة الفعّالة في إدارة الكلّ الاجتماعي، هما من الحرّيات السياسية. وتساهم الحقوق (المكمّلة) في العمل وأوقات الفراغ – إمكانية إحراز أرفع الوعي وتطوير الذات من خلال الثقافة – في تعزيز الحرّية الفردية الملموسة. وكلّ قدرة هي قدرة محرِّرة؛ ولذلك فإنّ من يقدر أن يسبح أو يركض، إذا ما ضربنا مثالً بسيطًا جدًا، يحرز مستوى أعلى من الحرّية؛ فهو حرّ حيال بيئة مادية يسيطر عليها بدلً من أن تسيطر عليه. والفرد الحرّ، "روحيًا" وماديًا، هو جملة من القدرات، أي من الإمكانات الملموسة. والحرّية المختزلة في ما يسمى حرّية "الرأي"، أو في الاحتمالات المفتوحة للمغامرة أو شطحات الخيال، هي واحدة من أوهام الوعي "الخاص"، تعميات تقبلها "الذات" المنفصلة عن "الموضوع" الطبيعيّ والإنساني. لكن هذا لا يحُول دون احتفاظ مفهوم الحرّية العامّ بمعنى. بل إنّه يتّخذ على نحو ديالكتيكي معنى جديدًا، أرفع وأعمق. وهو معنى يشير إلى وحدة أوجه الحرّية المختلفة، وحدة الحريات المتعددة. فما من حرّية ملموسة للفرد من دون حرّيات اجتماعية واقتصادية وسياسية. والقدرة التي تحرّر ليست القدرة التي يسيطر بها بعض الكائنات البشرية على بعضها الآخر، بل هي القدرة التي يسيطر بها الإنسان، منظورًا إليه ككلٍّ، على الطبيعة. ليس ثمة معضلة ميتافيزيقية من النوع: "إمّا حتمية مطلقة أو حرية مطلقة. كلّ شيء أو لا شيء!" ليس الكون بالكتلة الخاملة الثابتة، ولا ب "العالم" المتاح مباشرةً الذي يتكشّف وفقًا ل "قوانين" لا هوادة فيها. مثل هذه الرؤية التي تحرم العالم من الإنسان، لها اسم يضعها في موضعها من تاريخ الفكر، ويوضح مدى تجاوزنا إيّاها ووسائل ذلك، وهذا الاسم هو "الميكانيكية". وهي رؤية خدمت غرضًا معيّنًا بدعمها العلم، كمرحلة انتقالية، في اللحظة ذاتها التي كان الفعل القائم على العلم يوضح مقدار خطئها كتأويل؛ ذلك أنّ "قوانين الطبيعة" لا تحُول دون الفعل المؤثّر، فهي أساس له. وحين نتخلص من الميكانيكية، فإننا نتخلص من حتمية القدر. والطريق تُفتح لغزو العالم. العالم مستقبل الإنسان. طالما أنّ الإنسان لا يفهم قوانين الطبيعة والتاريخ، فإنهما سينيخان بثقلهما فوقه؛ ولأنه لا يفهمهما، فإنهما سيبدوان حتمًا محكومين بضرورة "غامضة"، قاهرة، عمياء.
وسّعت المعرفة والفعل ذلك "القطاع المسيطَر عليه" من الطبيعة والإنسان، بأخذ هذه الضرورة وتحويلها إلى قدرات، أي إلى حرّيات؛ ذلك أنّ الإنسان يسيطر على الطبيعة، وعلى طبيعته الاجتماعية ب "فهمهما". فالضرورة ليست عمياء إلا بقدر ما تكون غير مفهومة. في عالم الضرورة، تدهورت الحاجات الإنسانية. وباتت تمثّل "الضرورات الحزينة للحياة اليومية". كان على الناس أن يأكلوا، ويشربوا، ويجدوا الملبس... إلخ، ما اضطرهم إلى العمل. لكنّ الناس الذين تقتصر دوافع العمل لديهم على البقاء لا يكون لديهم الوقت، ولا الرغبة في أيّ شيء آخر. ولذلك يكتفون بمواصلة العمل، مُنفقين حياتهم على البقاء وحده. هذا، باختصار، ما كانت عليه فلسفة الحياة اليومية، ولا تزال. من ثم، يمكن لكلّ حاجة إنسانية، إذ نتصورها بوصفها علاقة بين الكائن البشري و"العالم"، أن تصبح قدرةً، وبعبارة أخرى حرّيةً، مصدرًا للبهجة أو السعادة. لكنّ الحاجات يجب أن تُنقَذ من عالم الضرورة العمياء، أو يجب أن يُحدَّ من صعود هذا العالم بالتدريج على الأقل. "يتملّك الإنسان جوهره المتكامل بطريقة متكاملة، كإنسان كلّ"45. وهذا "الجوهر" ليس جوهرًا ميتافيزيقيًا، بل هو مجموعة من الحاجات والأعضاء التي أصبحت اجتماعيةً وإنسانيةً وعقلانيةً نتيجةً لسلطة الإنسان الاجتماعي على الطبيعة (وعلى طبيعته الخاصة). وكلُّ ما نُعنى به بأعيننا أو بأعضائنا التناسلية، بوعينا العقلاني أو نشاطنا البدني، إنما هو على الدوام مسألة "تملّك للواقع الإنساني "، وهي "تقرّب من الموضوع"46، وهذا ما يمثّله " تأكيد الواقع الإنساني "47. ذلك أنّ جوهر الإنسان هو من الوقائع، من جهة أولى: جسده، واقعه البيولوجي. لكنّ "جوهر" الإنسان، من جهة أخرى، وحين يُنظَر إليه بوصفه نشاطًا عمليًا يتملّك الوقائع البيولوجية ويحوّلها إلى حريات وقدرات، لا يمكن تعريفه بأنه طبيعة جاهزة؛ فهو يخلق نفسه، من خلال الفعل، من خلال المعرفة، ومن خلال الصيرورة الاجتماعية. يلقي جانبٌ معيّ من جوانب الفنّ ضوءًا ساطعًا على هذا التحول. ففي لوحة، تجد العين البشرية "الموضوع المناسب" الخاص بها؛ ذلك أنّ العين البشرية كانت قد شكّلت نفسها وتحولّت من خلال النشاط العملي أولً، ثمّ من خلال النشاط الجمالي، وبواسطة المعرفة، فباتت أكثر من مجرد عضو؛ إذ تساهم – لدى الرسام على الأقل، من خلال هذا العمل الذي تحرر من جميع القيود الخارجية ويمثّل على نحو مسبق عالم الحرّية وينتج العمل الفني – في تلك "البهجة التي يمنحها الإنسان لنفسه"48 (طبيعيٌ أنَّ مثل هذا التحليل السريع نادرًا ما يتعدّى سطح مشكلة الفنّ). من الواضح تمامًا أنَّ عالم الملكية "الخاصة" يُشكّل جزءًا من عالم الضرورة العمياء. وكلّ نشاط بشري يسيطر عليه هذا الكيان الضيق والمحدود سوف يكرّس نفسه لإدامته. وهو يبدو، في الأيديولوجيا البرجوازية، جزءًا جوهريًا من الفرد، وواحدًا من "حقوقه" الأساسية، وأمرًا تقوم عليه حريته. لكنّ التحليل يكشف، في الحقيقة، تمشّيًا مع المبدأ الديالكتيكي الذي مفاده أنّ ما يبدو الأكثر داخليةً هو في الواقع الأكثر خارجيةً، أنّ هذا الكيان هو فعليًا كيان خارجي، باغٍ. وعندما ترتبط مشاعر "الفرد" وحاجاته بهذه المؤسسة لا يعود في إمكانها أن تبلغ مستوى مؤنسَنًا. "لا يكون موضوعٌ موضوعًا لنا إلا حين نمتلكه... لذلك حلّ محلّ جميعالحواس المادية والفكرية ذلك الطلاق مع جميعهذه الحواس: حاسّة التملك "49. بل إنّ ماركس يُحوّل هذه الملاحظة المتعلقة بالفقر الإنساني إلى شيء مؤمِّل، إذ يضيف: "هكذا كان لا بدّ من ردّ الطبيعة الإنسانية إلى هذا الفقر المطلق حتى تتمخّض عن ثروتها الداخلية"50.
يتقهقر عالم الضرورة العمياء أمام الهجوم المتضافر لكلٍّ من المعرفة والفعل. وإذ تتحرر الحاجات من الضرورة الدنيئة، تغدو هي ذاتها مشبعةً بالعقل والحياة الاجتماعية والبهجة والسعادة. بل إنّه يكون على البشر أن يعملوا وقتًا أقلّ من أجل تلبية هذه الحاجات. وفي الماضي، فإنّ إخضاع الجماهير هو الذي أتاح وحده للطبقات العليا تلك الحرّية التي نجدها أبعد من عالم الإنتاج المادي. وفي عصرنا، في عصرنا الراهن على وجه الخصوص، زال الشرط الذي يقصر أوقات الفراغ الخلاقة والنشاطات "الروحية" على المضطهِدين. وهذا ديالكتيك معقد: تغدو الحاجات أوسع، وأكثر عددًا، لكن هذا التوسّع في الحاجات قد ينطوي على أنسنتها، وعلى انخفاضٍ في عدد ساعات العمل لتلبية الحاجات العاجلة، وعلى الحدّ من وقت العمل عمومًا، وعلى تعميم كلّ من الثروة وأوقات الفراغ؛ لأنّ القوى المنتجة تتوسّع أيضًا. وإذا ما كان عالم الضرورة الطبيعية يغدو أشد اتساعًا، بمعنى من المعاني، نظرًا إلى ميل حاجات الإنسان المعاصر نحو مزيد من التعقيد، مقارنةً بحاجات الإنسان البدائي، فإنّ عالم الحرّية سوف يغدو أكبر وسوف يضرب بجذوره أعمق في الطبيعة. لكن، أولً وقبل كلّ شيء: "على المنتجين المتشاركين أن يتحكموا في الأيْض البشري مع الطبيعة بطريقة عقلانية، وأن يضعوه تحت سيطرتهم الجمعيّة بدلَ من أن يسيطر عليهم هو كقوة عمياء"51. يجب تغيير الحدود المادية والأخلاقية التي تقررها الملكية الخاصة للحياة اليومية. من خلال الأنشطة المكرسة لتلبية الضرورات المباشرة والسيطرة عليها، لا بدّ أن يكون هناك تنامٍ في عالم " مملكة الحرّية الحق، مملكة تطور القدرات البشرية، بوصفها غايةً في حدّ ذاتها. وتبدأ تلك المملكة التي ما وراء مملكة الضرورة، مع أنها لا يمكن أن تزدهر إلا معها بوصفها أساسًا لها "52. وهذا العالم، هذا المجال "الروحي" للإنسان، يكمن أولً في التنظيم الاجتماعي والعقلاني لوقت الفراغ الحرّ. وكما يؤكّد ماركس في رأس المال، فإنَّ "تقليص يوم العمل هو الشرط الأساسي "53.
المراجع
• Bloch, Marc. Les Caractères originaux de l´histoire rurale française. Paris: Armand Colin, 1956.
• Guterman, Norbert & Henri Lefebvre. “Individu et classe.” Avant–Paste , no. 1 (1933).
•. La Conscience mystifiée. Coll. Les Essais. Paris: Gallimard, 1936.
• Kant, Immanuel. “Preface to First Edition.” in Critique of Pure Reason , N. K. Smith (trans.) London: Macmillan,
• “.Economic and Philosophical Manuscripts.” in Karl Marx, Early Writings. London: Penguin, 1975.
• Marx, Karl. Capital , vol. 1. London: Penguin, 1976.
• “.On the Jewish Question.” in Marx, Early Writings. London: Penguin, 1975.
• “.The Holy Family, or Critique of Critical Criticism.” in Karl Marx & Frederick Engels, Collected
Works , vol. 4. London: Lawrence and Wishart, 1975.
•. The German Ideology. Moscow: Progress Publishers, 1968.