قراءة في كتاب الدين والعلمانية في سياق تاريخي لعزمي بشارة
A review of Religion and Secularism in Historical Context , by Azmi Bishara
الملخّص
المؤلف: عزمي بشارة. عنوان الكتاب: الدين والعلمانية في سياق تاريخي. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2013 / 2015 . عدد الصفحات: 1888 صفحة.
- دين
- علمانية
- تدين
- مقدس
- كنيسة
- Sacred
- religion
- secularism
- church
تقديم
إنّ التجربة الدينية بجانبها الحسي وجانبها العقلي بوصفها تجربةً للمقدس هي في بعدها الفردي تجربة عاطفية وجدانية مكوّنة للإنسان، تلك هي رؤية عزمي بشارة للمسألة الدينية. انطلاقًا من المقدمة، بسط عزمي بشارة جملةً من الإشكاليات في علاقة بين الدين والتجربة الدينية، وبين الأخلاق والدين. هذا، إلى جانب عدد من القضايا الأخرى التي لا يسمح الفضاء بالتعرّض إليها كلّها؛ إذ سيقتصر حديثنا على التجربة الغربية في مجال الإصلاح الديني منذ العصر الوسيط حتى انبلاج الفترة الحديثة، وما رافقها من تغيرات مهمة شملت العلاقة بين الديني والسياسي، وبين الروحي والزمني. لقد طرح المؤلف جملةً من المفاهيم المعقدة بطريقة سلسة مع إطنابٍ في الشرح وضرب الأمثلة وسعي لتقديم هذه المفاهيم التي ليست بالضرورة وليدة الحضارة العربية، والتي ليست بالضرورة مألوفةً لدى القارئ العربي؛ سعيًا لرفع السديم الذي يمنع القراء سواء أكانوا أكاديميين أم عاديين، من رؤيتها. وقد اعتمد بشارة على جملة من الآليات والمقاربات لتوضيح الرؤية في هذا المجال المعقد والخلافي في الحين ذاته: من الفلسفة اليونانية القديمة إلى الديكارتية والهيغلية الحديثتين، وعلم الاجتماع والتاريخ وكلّ ما أمكن استعماله لسبر غور المفاهيم وإيضاح ما أمكن منها. لم يعتمد المؤلف علمًا واحدًا وإن حاول أن يتموقع في موقع علم الاجتماع، مع اعتماد شتى العلوم المساعدة للبرهنة على أهمية الدين في حياة الأفراد والجماعات؛ فرأى أنّ الدين يتيح للفرد كما للمجتمع، فرصةً للتنظّم وتعميق الإيمان، علاوةً على الجانب المقدس والروحي. يقول المؤلف "إنّ الانفعال بتجربة المقدس والتأثر بها أساس العاطفة الدينية لكن هذه العاطفة لا تتحول إلى دين بمجرد الانفعال بتلك التجربة بل حين تؤمن النفس بالمقدس وبوجوده الحي والعاقل وبأن من الواجب عبادته" (ج 1، ص 23). ويضيف هناك "فرق بين الشعور بالمقدس والإيمان به". بهذه الصورة، يرى المؤلف أنّ الإيمان عقلاني ومعقلن وواعٍ، ولكن في الحقيقة يمكن النظر إلى مسألة الإيمان من زوايا مختلفة؛ فهناك من آمن لأنّه رأى ضرورة الإيمان لما في ذلك من عبر وحماية وآمال معلّقة على اليوم الآخر في مختلف الديانات السماوية. ولكن، هناك من آمن ليس لأنّه واعٍ وعاقل وإنما لأنّه ربما مرغم أو موعود بشيء ما في الدنيا وفي الآخرة (الفتوحات، وتعميد الشعوب البرابرية أو الجرمانية، أو تعميد الهنود الحمر وأسلمة جزء كبير من شعوب القارة الأفريقية وتعميده). فهل كان الإيمان في كلّ ذلك ناتجًا من وعي وعقلٍ وشعور بالوجوب؟ كما يرى الباحث أنّ الاستدلال العقلي على وجود قوى روحية لا يحسم مسألة الإيمان (ص. 23)؛ فإثبات وجود قوة خفية لا يؤدي حتمًا إلى الإيمان بها وهو أمر منطقي، فالبرهنة على وجود الشيء لا تفيد الانحياز له. وفي أثناء الحديث عن المسألة الدينية، طرح المؤلف سؤالً مهمًا، وهو: هل لدى الأطفال دين؟ (ج 1، ص 23). سؤال مهمّ قد نجد له جوابًا مباشرًا في الحديث النبوي حيث ورد أنّه ما "من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّانه أو يمجّسانه". وهو دليل قاطع على أنّ الإنسان يولد بلا لغة ولا دين، وإنما البيئة والمجتمع ممث لً في النواة الأولى وهي العائلة، هما اللذان
يمكّنانه من هذه الآليات الأساسية التي تؤدي إلى الانصهار في المجتمع والتماهي مع ما له من تقاليد ومعتقدات وقيم، حتى إنّ المؤلف ارتأى "أن المسألة الدينية والتفاعل مع المقدس تبدو لو أنّها مسألة دورية فالديانات السماوية تلغي ما سبقها من المعتقدات فتستغل بعض ما هو فيها لتوظيفه لفائدة مقدس آخر ولكن يحدث أن تصطدم الديانات نفسها بمنافس آخر قد يستوعب بعضها ليحل محلها. وهذه التحولات لا تتم بسهولة وقد لا تتم أصلا نظرا لوقوف وكلاء الدين - دفاعًا عن المقدس وهو ما يؤدي إلى صراع الولاءات والمعتقدات ولم لا أيضا صراع الهويات من خلال المقدس ضد المقدس لأن كل فكرة سواء كانت سماوية أو غير سماوية تكون محل تقديس من أصحابها ومهما كانت هذه الفكرة فإنها تجد لها وكلاء يذبون عنها. وهذا هو جوهر الصراع الذي قد يتمظهر في أشكال لا علاقة لها بالمقدس وإنما تنخرط ببساطة في مجال المعيش اليومي للناس وتتبطن بما لا علاقة له بالمقدس وهي من صلبه نابعة" (ص. 16). لعلّ السؤال المفتاح الذي طرحه المؤلف في الجزء الأول، هو: هل انحسار مجال المقدس الغيبي لمصلحة توسع مجال المقدس الدنيوي هو عملية العلمنة؟ (ص. 27). تطرح عدة مصطلحات ومفاهيم نفسها في هذا العمل؛ مثل المقدس الغيبي، والمقدس الدنيوي، والعلمنة. إنّها الكلمات المفاتيح. بل هي جزء كبير من الإشكالية الرئيسة للبحث، مسألة العلمنة والعقلنة. ويرى الباحث أنّ العقلنة تواجه تحديات أكبر من العلمنة. وهو رأي فيه كثير من السداد؛ لأنّ العلمنة لم تفهم على حقيقتها، ولم يدرك الناس أنّ العلمنة هي كلّ ما هو دنيوي، في حين أنّ العقلنة هي اعتناق الأفكار وربما حتى الديانات، بالعقل. وهو ما ينزع عن كثير من المسائل طابع القداسة الذي يحفّ بها ويعطيها أبعادًا غيبية سماوية. فالعقلنة تسمح بالتفكير وبالنقد، وبالرفض والقبول للأفكار والمعتقدات بعد وضعها على محك العقل، في الحين ذاته، العلمنة هي صيرورة لا تتنافى والدين ولا تتعارض مع المسلّمات والعقائد. ومن المفيد القول بأنّ العلمنة لا تقصي الدين أصلً. بل هي في الأصل من الدين نشأت وترعرعت. ومن هنا، يمكن التدرّج للحديث عن الإصلاح الديني1 الذي شمل المسيحية الغربية. ولكن للحديث عن موضوع العلمانية والإصلاح الديني، لا بد أولً من طرح الفارق بين المسيحيتين الكبيرتين في العصر الوسيط؛ هما الديانة المسيحية المنضوية تحت سلطة البابا، والديانة المسيحية المنضوية تحت سلطة الإمبراطور البيزنطي. وهذا راجع إلى التطور التاريخي المختلف لكلا الديانتين من خلال التطورات التاريخية التي عرفتها الإمبراطوريتان الرومانيتان الشرقية والغربية، انطلاقًا من القرن الرابع للميلاد. وما يُعدّ في نظر مؤرّخي العصور القديمة، فترة الإمبراطورية الرومانية المتأخّرة، هو في الواقع فترة الإمبراطورية البيزنطية المتقدمة؛ إذ إنّ بيزنطة في هذه الفترة ليست في عهدها القديم ولا عصرها الوسيط؛ فهي تتأرجح بين العصر القديم المتلاشي والعصر الوسيط المنبلج. وفي كلّ الحالات، لا تزال الإمبراطورية الرومانية إمبراطوريةً موحّدةً، يحكمها إمبراطور مقيم في القسطنطينية على الرغم من وجود توجّهٍعامّ نحو التقسيم الجغرافي والسياسي والثقافي. ففي سنة 395، وعندما توفّ الإمبراطور تيودوز الأول، ترك كتلتين سياسيتين منفصلتين في الواقع، وهما الإمبراطورية الرومانية الغربية ويحكمها هنوريوس وهي إمبراطورية تمتد على أوروبا الغربية وإيطاليا وبعض أجزاء من بلاد البلقان وما بقي رومانيا من أفريقيا الشمالية. وتتكوّن الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي يحكمها أركاديوس، من مصر والشام وآسيا الصغرى، وإليّريا وتراقيا وبلاد البلقان جنوب نهر الدانوب. ولئن كان هذا التقسيم طبيعيًا في عصر يضطلع فيه الإرث بدور مهمّ، فقد ساهم في التطوّر المختلف للإمبراطوريتين، وفي الحين ذاته الديانتين؛ فقد سقط الجزء الغربي تحت سيطرة الشعوب الجرمانية التي استطاعت اقتحام روما وتخريبها سنة 410 م. في حين
صمدت الإمبراطورية الشرقية، بحسب الأوضاع والإمكانيات، أمام الشعوب الجرمانية نفسها، بل عملت على توجيهها نحو الجزء الغربي من دون تفكير في النتائج والعواقب. ولعلّ هذا التطوّر التاريخي المختلف هو الذي سيساهم في خلق الخصوصيات الجهوية على المستويات السياسية والفكرية، وبخاصة منها العقائدية التي ستميّز القرون اللاحقة من تاريخ المسيحية عمومًا2. وستكون هذه الوضعية مبعثًا لوعي الشرق الروماني/ المسيحي بخصوصيته وتميّز شخصيته وربّما "نقاوة" تاريخه. فلم تقتحمه الشعوب الجرمانية ولم يتعرّض لمثل ما تعرّض له الجزء الغربي من سيطرة الشعوب "البرابرية". فقد بقي رومانيًا أو على الأقل ظلّ الشرق يشعر بذلك، وهو ما جعل الرومان الشرقيين/ البيزنطيين يعدّون أنفسهم الورثاء الشرعيين لروما القديمة مجسّمةً في عاصمة بيزنطة، القسطنطينية وهي روما الجديدة. وقد كانت الجهتان تنظران إلى علاقة الدين بالدولة نظرةً معكوسة. فقد كان الباباوات يدعون إلى سلطة القديس فوق سلطة الملك، فهو صاحب الحل والعقد délier et lier؛ أي بإمكانه أن يطلب من المؤمنين الذين يخضعون لسلطانه الروحي أن يخضعوا للملك أو الإمبراطور الذي تتوّجه الكنيسة أي بمعنى الملك أو الإمبراطور الذي يكون خاضعًا لسلطة البابا كما بإمكان البابا أن يحلّ الناس من طاعة الملك إذا كان "مارقًا" عن السلطة البابوية (هذا كان مثلًالسبب الرئيس لعقد مجمع كلارمون فران Ferrand Clermont سنة 1095 وهو لمعاقبة ملك فرنسا أو إخضاعه لسلطة الكنيسة). في حين كان البيزنطيون يمارسون سلوكًا مختلفًا، وهو سيطرة الإمبراطور على السلطتين الدينية والسياسية، وهو القيصر البابا Césaroppisme فقد جمع السلطتين الروحية والدنيوية بين يديه. وأصبح يعرّف بأنّه ظل الله على الأرض حتى إنّ التعريف الذي تقدّمه النصوص القانونية في نهاية القرن التاسع يعدّه بمنزلة الإله على سطح الأرض: "فهو لا يثب ولا يعاقب بانحياز وإنما يوزع الجزاءات بكل عدل"3. انطلاقًا من هذه الاختلافات الجوهرية، كان التمشّ السياسي الديني مختلفًا. فبقدر ما كان تأثير رجال الدين قويًا في الغرب المسيحي كانت السلطة السياسية هي المتمكنة من دواليب المجتمع في الشرق المسيحي. وهو ما يجعل تصوّر عملية الإصلاح والفصل بين الديني والسياسي عمليةً مختلفةً بين المسيحيتين. ولئن كان التباين بين المجتمع الديني والمجتمع المدني واضحًا في الغرب المسيحي سواء في فترة اشتداد قبضة الكنيسة أو في فترات تراجعها، فإنّ الأمر يبدو صعبًا إن لم نقل مستحيلً في العالم الإسلامي؛ فترى كلّ الذين لهم قدرة على الكلام إلّ وأصبحوا علماء حين كان لهم الإفتاء وإصدار الأحكام، والتكفير، والمباركة. وقد أدّت هذه الوضعية إلى نوعٍ من الانكماش لدى المثقفين، فانطووا على ذواتهم في كثير من الأحيان خوفًا من تطرّف الطرفين الموجودين؛ فقد قال بشارة في ختام محاضرة هشام جعيط في الدوحة في كانون الأول/ ديسمبر 2015 "فإذا كنت تعيش في بلدٍ مثل تونس قد تهاجمك سلفية دينية متشددة جدًا وتهاجمك أيضًا سلفية لائكية متشددة جدًا. وعلينا أن نصارع في هذه المرحلة سلفياتٍ عديدةً كما يبدو"4. ولعلّ هذا الكلام قد لا يقتصر على تونس بل يمكن أن يصحّ على أوضاع مختلفة في بلدان عديدة من العالم الإسلامي، حيث يسهل التكفير والرجم والإخراج من الملّة كما يقال.
وربما في هذا الإطار تصدّى عزمي بشارة إلى مسألةٍ معقدة في الغرب وحاول تقريبها من ذهن القارئ العربي، بل لنقُل من ذهن المواطن العربي، وهي مسألة العلمانية والإصلاح الديني في أوروبا. وقد تناول الموضوع في مسارٍ تاريخي. وهو موضوع الجزء الثاني من الكتاب بمجلّديه. لقد طرح المؤلف قضايا متشعبةً منها مسألة الإصلاح الديني في أوروبا ما بين العصر الوسيط والفترة الحديثة. وهو الجانب الذي سنحاول أن نتحدّث فيه. طرح المؤلف مسألة العِلمانية بالكسر أو العَلمانية بالفتح، وإن اختلف سياق الكلمتين فإنّ المقصد هو العَلمانية بالفتح. ولكن كثيرًا ما ينطقها الناس علمانية والواقع هي أن تنطق بالعين المفتوحة واللام المجزومة وليس العين المجرورة واللام المجزومة. وهي تعريب لعبارة لائكي اللاتينية، وكان الأفضل أن تعرّب بدنيوي. وكلمة لائكي هي مشتقة من عبارة لاييك laïc اللاتينية وهي تعني ما هو عادي ودنيوي في حياة الناس. وتطلق في الديانة المسيحية على كلّ من لم تكن له وظيفة دينية. وبهذه الصورة انقسم المجتمع الأوروبي في العصر الوسيط إلى مجموعتين؛ مجموعة تمتهن السدانة والكهانة، ومجموعة تمارس الحياة الدنيوية. حتى إنّه يمكن استعمال عبارة دنيوي مقابل ديني بمعنى أنّ الدنيوي هو الذي ينصرف للحياة الدنيوية ويعمل وينتج ولكنّه في نهاية الأمر مسيحي كغيره، وهو يؤدي فرائضه الدينية ولكنّه لا يشغل وظيفةً دينيةً مهما كان نوعها. وقد استعملت الكنيسة عبارةً قريبةً من لائكي لتعني الرهبان الذين انخرطوا في خدمة الكنيسة بالعمل اليدوي في الحقول والبناء، وكلّ ما له صلةٌ بالإنتاج، وهي فئة من الرهبان الذين ليست لهم ثقافة دينية وإنما وهبوا أبدانهم للعمل لفائدة الكنيسة. ولكي تفرّق الكنيسة بينهم وبين بقية المسيحيين تطلق عليهم عبارة lais frère. وهم مختلفون عن بقية الرهبان الذين كرّسوا حياتهم للعمل الربّاني Dei Opus. وبهذه الصورة نجد المجتمع الأوروبي في العصر الوسيط مقسّمًا إلى مجموعتين؛ مجموعة الإكليروس أو رجال الدين على اختلافهم وكلّ من لم يكن منتظمًا دينيًا ويهتم بشؤون الحياة الدنيوية. ومن هنا استعملت عبارة لائكي التي كانت في البداية تنحصر في الإخوة اللائكيين لتشمل كلّ من لم تكن له وظيفة دينية. وهكذا ظل المجتمع الغربي محكومًا بسلطة الكنيسة وبقوانينها إلى أن بدأت الشعوب تتحرك ضد هيمنة رجال الدين وليس ضد المعتقد المسيحي. وأدّى ذلك في منتصف القرن الحادي عشر إلى صراع بين منظومتين: المنظومة الدينية بقيادة البابا، والمنظومة اللائكية بقيادة الملوك والأباطرة من أجل تسمية رجال الدين. وقد انتهى الصراع بفرض الكنيسة سلطتها على المجتمع واختصت بشؤون الدولة والمجتمع. وأصبح الناس يعيشون بحسب تقسيمٍ وظيفي للمجتمع، كما يلي: مجتمع اللائكيين الذين يؤدون طقوسهم الدينية ولكنّهم منشغلون بالحياة الدنيا، من عملٍ وحربٍ وغيرها من الأمور المرتبطة بالعالم الدنيوي Mondain. وهم الذين تطلق عليهم عبارة اللائكيين. ورجال الدين الذين اعتنوا بحياة الدين، وهم منهمكون في العبادات والفقه وغيرها من شؤون الدين. وهم مجموعتان: مجموعة رجال الدين الذين يعيشون بحسب نظامٍ معيّ وفي عزلة عن الحياة الدنيوية، وهم الرهبان بأصنافهم ويسمّون بالنظاميين clergé régulier ورجال الدين العلمانيين أو الزمنيين؛ أي الذين يشرفون على طقوس الكنيسة ويختلطون بالناس وليست لهم قطيعة مع أهل الدنيا ويسمّون بالزمنيين séculier clergé؛ فهم يختلطون بالناس ويتقبلون اعترافاتهم ويغفرون ذنوبهم ويسهّلون عبورهم إلى العالم الآخر ويباركون مواليدهم وزيجاتهم، ولذلك سمّوا بالزمنيين لأنّهم يعيشون زمنهم وليسوا في قطيعة معه. والمتابع لأصل علمانيين (بفتح العين) يلاحظ أنّهم من المسيحيين الذين يؤدون طقوسهم ويعيشون حياتهم من دون الانخراط في العمل الديني الوظيفي. ولم تطلق الكنيسة على هؤلاء أيّ صفة تكفيرية لأنّهم هم المؤمنون الذين وجدت الكنيسة بحسب ما هو مذكور أعلاه لفائدتهم.
ومع تطور المجتمعات الغربية، بدا هناك تحوّل مجتمعي سعى إلى ملاءمة تشريعاته مع واقعه؛ فقد بدأت هذه التغييرات منذ القرن الثالث عشر مع انتشار التعليم الذي لم يكن منفصلً عن الكنيسة، وآلت في نهاية الأمر إلى فصل الدين عن تسيير الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ولم يكن في هذا الفصل دعوة إلى رفض الكنيسة أو التخلّ عن المسيحية أو الكفر بعيسى. بل ظلّت الشعوب المسيحية مسيحيةً والكنيسة في موقعها الروحي بالنسبة إلى المتعبدين. ولم يكن ذلك علامةً من علامات كفر المسيحيين بدينهم. وبالتوازي مع ذلك، ظهرت في العالم الإسلامي أصواتٌ تنادي بضرورة فصل الدين عن تسيير الشأن العام وعدّه شأنًا خاصًا؛ فالعَلمانية (بفتح العين) في العالم المسيحي أو في العالم الإسلامي ليس فيها ما يمسّ جوهر الدين، من عباداتٍ ومعاملات بين الناس، وإنما هي دعوة إلى المدنية وإلى ملاءمة القوانين والتشريعات مع حياة الناس من دون اللجوء إلى القياس دومًا. وهو ما يعطي حياديةً للدولة وللمؤسسات العمومية في التعامل مع منظوريها بوصف المعتقد أمرًا شخصيًا لا دخل للدولة فيه، وهو المفهوم الحقيقي للدولة المدنية. وهي من المسائل التي تعرّض لها عزمي بشارة بإسهاب وببيداغوجية بالغة، حتى إنّ القارئ يمكنه أن يفهم هذه المصطلحات مهما كان مستوى تكوينه. تطرّق المؤلف في القسم الأول من الجزء الثاني إلى موضوع الكنيسة في العصر الوسيط. ولعلّ هذا العصر هو المهد المولّد للفكر المعاصر وربما حتى البنية الشخصية للإنسان المعاصر؛ ففي العصر الوسيط انهارت المؤسسة الرومانية في الغرب الأوروبي، ولم يجد المجتمع والسلطة ملاذًا إلّ في الكنيسة. فقد أصبحت بالتدرج المؤسسة الرئيسة في تأطير المجتمع واحتواء أفراده على اختلاف أوضاعهم من خلال جملةٍ من الآليات القانونية والنفسية التي جعلت الفرد ينصاع لأوامر السلطة الدينية، خوفًا أو اقتناعًا أو نفاقًا. لقد جعل موقف الكنيسة عزمي بشارة يقول: "إن العصر الوسيط لا ينظر إلى المستقبل بل إلى الخلاص وفي توقع نهاية العالم" (ج 2، مج 1، ص 103). فعلً، إنّ المجتمعات المتدينة تفكّر في الخلاص أكثر من تفكيرها في الحياة اليومية؛ فالإنسان لا يصلّ ويتعبد ويتهجد ويتزهد بحثًا عن حياة دنيوية أفضل إنّما سعيًا إلى حياةٍ في الآخرة يكون مقرّها الجنة وما تحمله من صور في المتخيل الإنساني. لئن كانت الإصلاحات الدينية في العصر الوسيط تهدف إلى تمكين الكنيسة من السيطرة على المجتمع فإنّها أصبحت تتحكّم فعلً في أرواح الناس. لقد بدأت حركة الإصلاح الديني في العصر الوسيط منذ منتصف القرن الحادي عشر؛ فبرزت الكنيسة في موقع الحامي للمجتمع من خلال سنّ جملة من التشريعات تتعلق بتنظيم الحياة، مثل: السلم الربانية: وهي عملية تسعى إلى تقليص الحروب السيادية التي كانت متفشيةً في النظام الفيودالي. حماية الأرملة واليتيم والمسافر والتاجر. توظيف القوة العسكرية للأسياد لحماية الكنيسة وخدمة الربّ. إنّها من الأمور التي أذعن الناس لها، وبذلك أصبحت الكنيسة فوق السلطة السياسية لأنّها عوّضتها في جملة من المهمات الأساسية؛ مثل فرض نوع من السلم الاجتماعية وتقديم الحماية لمن لا حماية له. ومن هذا المنطلق، أصبحت الكنيسة تتحكّم في المجتمع تدريجيًا. ثم أصبحت بعد ذلك تتحكّم في دواليب السياسة. ومن هنا جاءت سلطتها في الحلّ والعقد de et lier de pouvoir délier. يعدّ القرن الحادي عشر القرن المفصلي في سيطرة الكنيسة على حياة الناس. فقد امّحت فكرة "ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وأصبحت السلطة تمرّ عبر تسلسل عمودي: الرب – البابا - رجال الكنيسة - المؤمنون بشقّيهم العلماني والديني. أصبحت هذه الوضعية كابوسًا اجتماعيًا وسياسيًا؛ إذ تدعّمت سلطة الكنيسة من خ الل محاكم التفتيش التي انتصبت في كلّ مكان وأصبح الإنسان مهددًا بالاتهام في دينه في أيّ لحظة. ولعلّ من أبرز مظاهر ذلك التخوّف من الكنيسة هو ما
يقوم به رجالاتها ضد التيارات المناوئة لسلطة الكنيسة أو ع ىل الأقل المعارضة لفهمها للدين؛ مثل حركة الكتاري ني Cathares les والفودي ني Vaudois les وغيرهما ممّا تطلق عليه الكنيسة الهرطقات hérésies les. فقد اشتهرت عن أحد رجال الدين وهو الم رشف ع ىل دير سيتو القولة المشهورة التي صرّح بها أثناء محاصرة مدينة بايزياي Béziers في جنوب فرنسا سنة 1209 "اقتلوهم جميعًا فإنّ الرب سيعرف مؤمنيه" siens les reconnaîtra Dieu , tous les - Tuez. ولعلّ الضغط الذي مارسته الكنيسة هو الذي سيؤدي إلى حركة إصلاح جديدة لا تهدف هذه المرة إلى تمكين الكنيسة من النفوذ الزائد وإنما تهدف إلى تقليص نفوذها أو حتى التخلّص منه. ولكن، لم يكن ممكنًا أن يحدث ذلك خارج المنظومة الدينية نفسها لأنّ المجتمعات المتدينة لا يمكنها أن تقبل شيئًا من خارج المنظومة الدينية. لذلك قاد الإص الح الجديد في ف رتة النهضة رجالٌ من رجال الدين: مثل مارتان لوثر (1483 - 1546) الذي وقف في وجه البابوية وعدّ الإنجيل المصدر الوحيد للتشريع، وكان يقول إنّ الرحمة تأتي من الرب للأفراد بصورة اختيارية من دون توسّط الكنيسة. وهي من المسائل التي تقوّض سلطة الكنيسة وتقلّص مجالات نفوذها وتحرمها من موقع الوسيط ب ني الإنسان وربّه. لذا فالإصلاح من داخل المؤسسة الدينية وليس من خارجها؛ إذ ساهمت أفكار لوثر في نشر فكرٍ مخالف لما هو سائد في المجتمع الغربي ولكنّه فكر ديني يسعى إلى فكّ قبضة الكنيسة التقليدية عن المجتمع. وممّا لا شك فيه أنّ لوثر لم يكن علمانيًا وإنما ساهم في فتح الطريق أمام فكرة فصل الدين عن الدولة. لقد انتشرت أفكار عديدة ضمن تيار الأنسنة أو الإنسانوية التي يسمّيها الباحث الأنسنية. فقد بدأ منذ القرن الثالث ع رش يبرز بعض الأفكار من داخل الكنيسة يرى أنّ الله خلق الكون من أجل الإنسان وأنّ الإنسان هو محور الكون. وهذه الأفكار أو "النزعة الأنسنية هي التي أدّت بالفنانين إلى تمجيد الإنسان... هي نزعة لم تتوقف عند هذا الحدّ بل اخترقت الكنيسة ذاتها حيث أصبحت تزيّن المعالم الدينية بلوحات يبدو فيها الإنسان مرسومًا في تجليات مختلفة" (ج 2، مج 1، ص 193). وربما يؤدي هذا التصور الجديد للإنسان إلى اعتبارات عديدة منها أنّ الإنسان هو محور الكون، وهو في صورة الله، إلى غير ذلك. وهي من المسائل التي تساهم في الحدّ من سطوة الكنيسة، وتؤسس لمجتمعٍ مختلف عن مجتمع الع رص الوسيط، مجتمع يكون فيه "ما لله لله وما لقي رص لقي رص". تلك هي روح العلمانية.
خلاصة
لعلّ كتاب عزمي بشارة يجيب عن عدد من الأسئلة التي تتعلق بالعلاقة بين الدين والعلمانية انطلاقًا من التجربة المسيحية. وليس من باب المبالغة لو قلنا إنّ هذا الكتاب يسدّ ثغرةً كبيرةً في الفكر العربي المعاصر المنفتح على الحضارات الأخرى؛ فقد أوضح المؤلف جملة التطورات التي عرفها الفكر الديني المسيحي الغربي وارتباط الديني بالدنيوي، وانتهى بالقول إنّ العلمنة لا تقصي الدين أصلً.
المراجع
العربية
جعيط، هشام. "التاريخ الإسلامي: بين النظرة الاستشراقية والنظرة من الداخل". أسطور. العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016.) المنصوري، محمد الطاهر. الحياة الدينية في بيزنطة من الانبعاث إلى القطيعة مع روما. تونس- صفاقس: دار أمل، 2003.
الأجنبية
• Kazhdan, Alexander P. Oxford Dictionary of Byzantium. New York - Oxford: Oxford university Press, 1991.