Return to Article Details From Establishing the Palestine Students’ Union to Resisting Forced Resettlement Fathi Balawi memoirs

بين تأسيس رابطة طلاب فلسطين ومقاومة الإسكان والتوطين من أوراق فتحي البلعاوي

From Establishing the Palestine Students’ Union to Resisting Forced Resettlement

معين الطاهر

Moueen Al-Taher

الملخّص

تتناول هذه الوثيقة أوراق الأستاذ فتحي البلعاوي المحفوظة لدى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن مشروع بحث القضية الفلسطينية وتوثيقها. وهي أوراق أعدّها البلعاوي من أجل محاضرة ألقاها في الدوحة العاصمة القطرية خلال عمله فيها نهاية السبعينيات من القرن العشرين، تناولت وضع الطلاب الفلسطينيين في القاهرة في المدة الواقعة بين السنوات 1945 و1955، وهي الفترة التي شهدت وقوع نكبة 1948، كما شهدت تأسيس أوّل رابطة للطلاب الفلسطينيين في القاهرة، حيث يروي فتحي البلعاوي القصة الكاملة لأوّل تجمع طلابي فلسطيني أسفر لاحقًا عن قيام الاتحاد العام لطلاب فلسطين، خرج من نواته الأولى أغلب قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة. كما يروي البلعاوي قصة مناهضة محاولات التوطين في غزة 1955.

Abstract

This paper forms the nucleus of a lecture which the author intends to deliver in Doha, Qatar It is based entirely on the unpublished personal diaries of Fathi Balawi, which are archived in Doha by the Arab Center for Research and Policy Studies. The diaries cover Balawi’s recollections of Palestinian student life in Cairo between 1945 and 1955 , intersecting with both the Palestinian Nakba in 1948 and the establishment of the earliest Palestinian student association. This Cairo-based institution would itself give rise to the General Union of Palestine Students, an institution that later proved to be the springboard for a Palestinian national leadership which survives to this day. Balawi’s papers also cover the 1955 popular uprising in the Gaza Strip, which had prevented attempts at the forced resettlement of Palestinian refugees, as well as his own involvement in the formation of the Gaza Teachers’ Union. The Balawi memoirs presented here offer a rare glimpse of the Palestinian political life during a crucial period, offering an alternative narrative to the official version of Palestinian history which ignores the history of GUPS prior to the 1954 onset of the leadership of Yasser Arafat, (or which present the late President Arafat as the founder of the group).

الكلمات المفتاحية:
  • رابطة طلاب فلسطين
  • الأزهر
  • ياسر عرفات
  • التوطين
  • الإخوان المسلمون​
Keywords:
  • Palestinian Students Association
  • The Azhar
  • Yasser Arafat
  • Naturalization
  • The Muslim Brotherhood

من أوراق فتحي البلعاوي

Fathi Balawi memoirs

تمهيد

يواجه الباحثون المهتمون بتوثيق القضية الفلسطينية وحركتها الوطنية المعاصرة، معضلاتٍ كبرى نجمت عن أوضاع الشتات والمنافي والملاحقات الأمنية والحروب التي عصفت بالمنطقة، وأدّت إلى فقدان أرشيف متعدد لأفرادٍ ومؤسسات وفصائل. كما أنّ عددًا كبيرًا من القادة والمناضلين لم يدوّن يومياته في حينه، وبعضهم استشهد قبل أن يتفرغ لمثل هذه المهمة. أدى ذلك إلى انتشار الرواية الرسمية ذات الطابع الفصائلي وطغيان الإعلام على التأريخ. في الفترة الأخيرة ثمّة محاولات جادة لتلافي هذا النقص الفادح وجهد حثيث لإعادة الاعتبار إلى التاريخ الشفوي، وتسجيل روايات وكتابة مذكرات وإن كان تدوينها في سنوات متأخرة، والبحث عن أرشيف وأوراق تركت لدى عائلات بعض القادة والمناضلين. من هنا تأتي أهمية هذه الورقة التي تسجّل بعضًا من تجربة مناضل في مراحل حياته الأولى، وتلخص الفترة التي تلت نكبة 1948 وتأثيرها في الطلاب الفلسطينيين الدارسين في مصر، ومحاولات مقاومة مشاريع التوطين والإسكان المبكرة للاجئين الفلسطينيين في سيناء.

من هو فتحي البلعاوي

هو فتحي محمد قاسم البلعاوي الملقب ب "أبو الوطنية". ولد في قرية بلعا بالقرب من مدينة طولكرم عام 1926، وإليها انتسب. أنهى دراسته الثانوية في يافا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وفي عام 1945 التحق بكلية اللغة العربية في الأزهر الشريف، وانتسب في حينها لجماعة الإخوان المسلمين، وأصبح موجّهًا لجناح الطلاب الفلسطينيين الدارسين في مصر. أبعدته السلطات المصرية بعد اعتقاله عام 1953 إلى قطاع غزة حيث عمل مدرسًا، وأسّس مع مجموعة من زملائه نقابة المعلمين الفلسطينيين، فكان أول نقيب لها. كما كان له دورٌ بارز في قيادة التظاهرات الشعبية التي اجتاحت القطاع ضدّ التوطين والإسكان عام 1955، حيث اعتُقل للمرة الثالثة لمدة عامين وشهرين، بعدها سُمح له بالعودة إلى القاهرة لتقديم امتحانات السنة النهائية في الأزهر، ليغادر بعدها إلى قَطر ويعمل مدرسًا، فموجّهًا تربويًا، فمديرًا لدائرة المناهج في وزارة التعليم القطرية. يعدّ من الرعيل الأول في حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" ضمن خلية قَطر التي ضمّته مع رفيق النتشة1، ومحمود عباس2، والشهيد أحمد كمال عدوان3، وسعيد المسحال4، وآخرين. عاد إلى الأرض المحتلة بعد توقيع اتفاق أوسلو حيث عمِل وكيلً مساعدًا لوزارة التربية والتعليم، وتوفي عام 1996 في مدينة غزة. يقسّم البلعاوي الطلاب الفلسطينيين الدارسين في الجامعات المصرية إلى قسمين: الأول أبناء الأثرياء الذين يدرسون في جامعة فؤاد الأوّل5 والجامعة الأميركية، والثاني طلاب الأزهر الذين يقيمون في رواق الشام في الجامعة، وهو رواق يضمّ كل الطلاب القادمين من برّ الشام منهم الفلسطيني والأردني والسوري واللبناني، وكان الطلاب الذين يعيشون فيه - ومنهم فتحي البلعاوي - يعانون ضيق

  1. (1934  -) من مؤسسي حركة فتح، رئيس هيئة مكافحة الفساد في السلطة الفلسطينية منذ 2010.
  2. (1935  -) أبو مازن، من مؤسسي حركة فتح، ورئيس السلطة الفلسطينية منذ 2005.
  3. (1935  -  1973) أحد مؤسسي حركة فتح. استشهد في بيروت على يد وحدة كوماندوس صهيونية.
  4. (1933  -) من مؤسسي حركة فتح.
  5. أصبح اسمها جامعة القاهرة.

ذات اليدّ وفقر الحال، فالمحظوظ منهم من يصله من ذويه جنيهان أو ثلاثة جنيهات ينفقها على الأكل والشرب والمواصلات والسكن والكتب، ويعانون قسوة شيخ رواق الشام وهو فضيلة الأستاذ عيسى فنون الذي كان عميدًا لكلية أصول الدين في الأزهر، وأحد أعضاء هيئة كبار العلماء، وتعود أصوله إلى بلدة عين كارم الفلسطينية قبل أن ينال الجنسية المصرية. ويسجّل البلعاوي أنّ أوّل اجتماع للطلاب الفلسطينيين في القاهرة كان عام 19466، "حين اجتمع نحو خمسة وعشرين طالبًا من جامعة فؤاد الأول، والجامعة الأميركية في فندق شبرد، واختاروا وفدًا لمقابلة الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا" الذي كان قد عاد من منفاه في ألمانيا إلى القاهرة، واقتصر اجتماعهم على "من يتكلم؟ وكيف يتكلمون؟". أمّا في رواق الشام الذي تعجّ فيه النقاشات والخلافات، ومراكز القوى، وحالات الاستقطاب فقد أسفر الأمر مع حلول كارثة 1948 عن تأليف لجنة سُمّيت ب "اتحاد الطلبة الفلسطينيين الأزهريين"، ويبدو من السياق أنّ جلّ اهتمام هذه اللجنة كان السعي لتأمين وسائل مساعدة للطلاب الفقراء أصلً، والذين انقطعت السبل بينهم وبين أهلهم، وفقدوا بذلك القروش القليلة التي كانت تصلهم من ذويهم. أُلِّفت في مصر بعد النكسة جمعية "إغاثة اللاجئين الفلسطينيين" برئاسة محمد علي علوبة باشا7، وكان سكرتير اللجنة "الشاب الطالب مصطفى مؤمن المهندس المعروف الذي قاد تظاهرة كبيرة في مجلس الأمن عام 1947 لدى عرض قضية مصر". ويروي البلعاوي قصصًا عن تلك الفترة؛ منها أنّ اجتماعًا عُقد في المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين، وقف المتحدّثون فيه يحثّون الشبان على الذهاب إلى معسكرات التدريب في قطنة، بالقرب من دمشق ليُزجّوا في جبهات القتال تحت قيادة "البطل الشهيد أحمد عبد العزيز8، أو الشاب المجاهد الأستاذ كامل الشريف9". وفي أحد الاجتماعات تكلّم "الشاب سعيد رمضان10، المعروف اليوم باسم الدكتور سعيد رمضان، وتكلّم شاب فلسطيني من كلية الهندسة من بلدة عكا، مسيحي ماركسي، اسمه عفيف كركرد" ولمّا طال الكلام تقدّم شاب أسمر نحيف اسمه حامد أبو ستة11 – وهو يحمل بيديه كتبه - من المنصة، ووقف بالقرب من عريف الحفل "وأظنه كامل أو كمال شندي، وهو أحد ناشطي الإخوان الذين حُكموا لاحقًا بالسجن المؤبد، وبكل هدوء أخرج عود ثقاب من جيبه وحرق الكتب، وقال: أنا طالب في السنة النهائية في كلية الهندسة، لا قيمة للهندسة، ولا قيمة للتعليم، ولا قيمة للجامعة إذا ضاعت فلسطين"، معلنًا عزمه على الالتحاق بجبهة القتال، وقد ذهب وعاد في أيار/ مايو، وأتيح له الالتحاق بالدور الثاني، ونجح ليصبح مهندسًا. كما يذكر قصة عن شاب آخر لم يذكر اسمه كان قد اشترى بدلة جديدة "من خياط كنّا نخيط عنده بالتقسيط. ثمن البدلة أربعة جنيهات، ندفع نصف جنيه، وكل شهر من عشرين إلى خمسة وعشرين قرشًا، وبعض الأشهر نتحايل عليه ليؤجلها إلى فترة أخرى". باع هذا الشاب بدلته بجنيهين. وانطلق إلى المعركة واستشهد. على أنّ البلعاوي يخلط في هذه الفترة ما بين معسكرات التدريب التي أقيمت في هاكستب عام 1947 لتدريب المتطوعين الراغبين في الذهاب إلى فلسطين، ومعسكر آخر أقيم في جامعة فؤاد الأول عام 195112، ودُعيَ كل الطلاب العرب والمسلمين للانضمام إليه،

  1. حاول عبد القادر الحسيني خلال دراسته في الجامعة الأميركية في القاهرة 1929  -  1932 تأليف رابطة للطلاب الفلسطينيين، لكنّ ذلك لم يستمر بعد طرده من مصر، وكان جلّ نشاطه من خلال رابطة للطلاب الشرقيين، انظر: عيسى خليل محسن، عبد القادر الحسيني (عمان: دار الجليل، 1986.)
  2. (1875  -  1956) سياسي وقانوني مصري، ووكيل لحزب الأحرار الدستوريين.
  3. (1907  -  1948) بكباشي (عقيد) قائد كتيبة المتطوعين في حرب 1948، استشهد في عراق المنشية في فلسطين.
  4. (1926  -  2008) رئيس تحرير جريدة الدستور الأردنية ووزير الأوقاف في الأردن.
  5. (1926  -  1995) مؤسس المركز الإسلامي في جنيف، وأحد أبرز قادة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
  6. (1924  -  2008) أصبح عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير منذ تأسيسها.
  7. قارن مع الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين، انظر: http://bit.ly/ 2 hbyTDA

ذاكرًا "أنّ في الأزهر وحده 35 جنسية". أبرز المشرفين عليه كان "الرئيس العام لاتحاد الطلاب الجامعيين الشاب المعروف حسن دوح." في هذا المعسكر يذكر البلعاوي اسم أحد المدربين، وهو الشهيد عمر شاهين13 الذي كان قائدًا للمجموعة التي كان من بين أفرادها "شاب فلسطيني في السنة الأولى من كلية الهندسة، يُسمى محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني الشهير بياسر عرفات".

شجار يف الكنيسة

جاء موسى أبو سعد15 الطالب في الأزهر الذي يدرس في الوقت ذاته في الجامعة الأميركية إلى رواق الشام، وقال: "إنّ الطلبة الجامعيين لا يعترفون بكم أنتم أيها الأزهريون، وهناك اجتماع لانتخاب رابطة أو اتحاد للطلاب الفلسطينيين، وسيُعقد هذا الاجتماع في تمام الساعة الخامسة في كنيسة دار السلام في جاردن سيتي16، وأنتم الأزهريون عدد كبير، ولا يليق ألّ تُوجّه إليكم الدعوة ومنكم المجاهدون، ومنكم العلماء". في الموعد المحدّد، توجّه نحو سبعين طالبًا أزهريًا إلى الكنيسة، حيث يُعقد الاجتماع التأسيسي، واصطحب هذا الجمهور معهم مُقرئًا للقرآن الكريم، هو محمد فايز أبو شوشة الذي أصبح من كبار مرتلّي القرآن في الأردن. يقول البلعاوي: "دخلنا كنيسة دار السلام، ووجدنا الصفّ الأمامي مليئًا بالأخوات الطالبات من الجامعة الأميركية، وجامعة فؤاد الأول، وعريف الحفل هو عفيف كركرد" ولمّا لم يقولوا شيئًا عن الطلاب الأزهريين فقد وقف البلعاوي على الكرسي الذي يجلس عليه، وقدّم المقرئ أبو شوشة على أساس "أنّ كلّ حديث لا يبدأ باسم الله فهو أبتر، وكل جلسة لا يُتلى فيها القرآن فإنّ الشيطان يسيطر عليها"، وعلى الفور جاء القسيس راعي الكنيسة وهدّد بإخراجهم بالقوة. يعترف فتحي البلعاوي بأنّ الهدف كان إفساد الحفل؛ "إذ لا يجوز أن يكون للفلسطينيين رابطة دون أن يكون ممثلون للأزهر فيها"، لذا وقف خطيبًا ومحذرًا من نسيان العلماء "وصنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، ألا وهما العلماء والأمراء". تحوّلت باحة الكنيسة إلى ساحة للقتال والتراشق بالكراسي، وسط صيحات لتجنيب الطالبات المعركة، وعدم المسّ بهنّ بوصفهنّ "شرفنا وكرامتنا"، وانفضّ المؤتمر دون أن يثمر شيئًا.

المفاوضات

بعد الشجار تلقّى الطلاب الأزهريون دعوةً للمشاركة في مفاوضات لتأليف رابطة للطلاب الفلسطينيين في الجامعات المصرية، وهنا واجه هؤلاء مشكلة في تلبية الدعوة الموجّهة إليهم تتعلّق بعدم توافر قروش قليلة لديهم يخصّصونها للتنقّل بالترام، والوصول إلى مكان الاجتماع. "تعلّلنا وقلنا إنّ للعلماء هيبةً ووقارًا، فعليكم أن تأتوا لتجتمعوا معهم في عقر دارهم، وكانت عندهم مرونة ولباقة، جاء الدكتور نديم النحوي، وعفيف كركرد، ومعهم الدكتور أمين الآغا". أُزيلت الأسرّة من غرفة كبيرة، وجُمعت الكراسي المتوافرة، وبدأت المفاوضات.

  1. (1931  -  1952) استشهد في معركة مع القوات البريطانية في التل الكبير، وبحسب الموسوعة التاريخية للإخوان المسلمين فقد اختاره قادة معسكر جامعة فؤاد الأول ليكون قائدًا لإحدى المجموعات في المعسكر خلال فترة التدريب، وكان ياسر عرفات ضمن مجموعته. 14  أصبح لاحقًا مفتشًا ماليًا وإداريًا في دولة قطر، ومن ثم مديرًا لمكتب الهيئة العربية العليا في السعودية.
  2. من سياق الأوراق، فإنّ هذا الاجتماع قد عُقد في نهاية عام 1949، أو بداية عام 1950 حيث انتخبت الهيئة الإدارية الأولى للرابطة.

طالب الأزهريون بثلاثة مقاعد، وعرض الطرف الثاني مقعدًا واحدًا لهم، لتسفر المفاوضات عن "مقعدين للأزهريين، وللطلاب الثانويين مقعدين، ولكلية التجارة والحقوق والآداب في جامعة فؤاد الأول مقعد، وللطب البيطري والزراعة مقعد، ولكلية طب القصر العيني واحد"، على أن تختار كل منطقة ممثليها. جرت الانتخابات ونجح الدكتور سليمان أبو ستة17، ومن كلية الهندسة نجح إميل شاكر، ولم ينجح ياسر عرفات، ومن الجامعة الأميركية نجح إبراهيم الدقاق18، ولم ينجح معين بسيسو19، ومن الأزهر نجح فتحي البلعاوي، واختير سكرتيرًا للرابطة، ومن الطلاب الثانويين نجح عمر عادل زعيتر20، وعدنان إبراهيم صنوبر. في الوقت ذاته كان هنالك اتحاد لطلاب الأزهر يترأسه فلسطيني هو "الشيخ سليم شراب من خان يونس"، وأُقيم اتحاد آخر، هو اتحاد طلاب البعوث الإسلامية "ترأسه محمد توفيق الكندي من سوريا، ونائب الرئيس صبغة الله مجددي21 من أفغانستان". وتولى أمانة السر فتحي البلعاوي.

التمويل الأول للرابطة

انتُخبت الهيئة الإدارية للرابطة وبدأت عملها، كان مقرّها في غرفة نوم الدكتور سليمان أبو ستة " 4 شارع فيني بالدقّي"، وهو العنوان المطبوع على مغلفات تحمل اسمها، وتُستخدم لإرسال رسائل، وعرائض لمندوبي الدول العربية والأجنبية تشرح القضية الفلسطينية. لم يكن هنالك مقرّ، ولا أثاث، ولا أي موارد مالية، وجلّ نشاطاتها تكون عبر أعمال تطوعية من أعضائها. ذات يوم نشرت جريدة الأهرامخبرًا مفاده "تقام حفلة أوبريت ساهرة في قاعة أوفري بالجامعة الأميركية لصالح الطلبة الفلسطينيين، الأسعار كذا وكذا." ذهب البلعاوي وأبو ستة إلى بائع التذاكر، وهدّداه باللجوء إلى النيابة؛ لأنّ الطلاب الفلسطينيين لا يتكلّم باسمهم إلّ رابطتهم. بعد البحث تبيّ أنّ الذي يقيم الحفل "لجنة سيدات في الجمعية الإنكليزية في مصر الجديدة، وهدف الحفل تسديد رسوم الطلاب الذين يدرسون في المدارس الإنجيلية"، وعرفوا من السيدات مدام بولوس سعيد والسيدة إيليا السكاكيني أخت المرحوم خليل السكاكيني22، وعند الاتصال بهنّ أفدن بأنّهن أخذن إذنًا من الأفندي، أي من سماحة الحاج أمين الحسيني الذي أفاد بدوره أنّ مجموعة سيدات قد حضرن لزيارته واشترى منهن أربع تذاكر بعشرين جنيهًا. ولم تصل الرابطة إلى نتيجةٍ تُذكر، فكان أن لجأ البلعاوي إلى محامٍ قدير هو فتحي رضوان23.

  1. بحسب أوراق الأستاذ فتحي البلعاوي فإنّ الدكتور سليمان أبو ستة كان أول رئيس للرابطة، في حين أن الأستاذ عبد القادر ياسين يقول إنّ الشيوعي صلاح الناظر كان أول رئيس للرابطة، مع أنّه يعترف بهيمنة الإخوان على الرابطة في الفترة بين 1951 و    1957، انظر: عبد القادر ياسين، "الطلاب والعمل الفدائي"، ملحق فلسطين، جريدة السفير اللبنانية، 15  /  6  /  2013.
  2. (1929  -  2016) سكرتير لجنة التوجيه الوطني في الأرض المحتلة 1978  -  1986، ورئيس مجلس أمناء جامعة بيرزيت 1973، وفي عام 2002 أطلق المبادرة الوطنية الفلسطينية مع الدكتور حيدر عبد الشافي، والدكتور مصطفى البرغوثي.
  3. (1926  -  1984) شاعر فلسطيني كبير، ومن قادة الحزب الشيوعي في قطاع غزة.
  4. أصبح ضابطًا في الجيش الكويتي.
  5. (1926  -  2016) رئيس أفغانستان 1992، ورئيس مجلس النواب اللويا جيرغا 2003.
  6. (1878  -  1953) فلسطيني مقدسي من رواد التربية الحديثة في الوطن العربي.
  7. (1911  -  1988) من مؤسسي حزب مصر الفتاة والحزب الوطني الجديد، اعتقل عدة مرات. بعد الثورة عمُيّ وزيرًا للإرشاد القومي حتى عا 1958. اعتقله الرئيس السادات في أحداث أيلول/ سبتمبر 1981.

سجن الأجانب

تعرّف البلعاوي إلى الأستاذ فتحي رضوان في سجن الأجانب حيث اعتقل نتيجة أحداث جرت في رواق الشام، ويصف السجن في أوراقه بأنّه "شيء ترفيهي رائع، فيه سرير وطاولة وحديقة صغيرة [...] والأبواب تُفتح في الصباح، وتُغلق في المساء، وفيه نور ومكتبة"، عن يمينه في السجن كان الأستاذ فتحي رضوان، وعن يساره الأستاذ أحمد حسين24. ذهب البلعاوي برفقة أبو ستة إلى رفيق المعتقل الذي اكتشف أنّ الرابطة تعمل بلا ترخيص وبلا مقرّ، وكل ما لديهم لا يزيد عن رقاع دعوة وجّهوها لحفل تأبين الشهيد عبد القادر الحسيني باسم الرابطة في جمعية الشبان المسلمين. وبالطبع فقد فسّ لهم الأستاذ فتحي أنّ هذا ليس رسميًا، واقترح عليهم الرجل، "وهو رجل ذكي وداهية، أن يكتب رسالة للسيدة مدام بولس سعيد، ويقول فيها جاءني رئيس الرابطة وسكرتيرها، ليرفعوا قضية، وأنا أرفض أن يُقسّم الفلسطينيون في مصر بين مسلم ومسيحي، ولا نريد هذه التفرقة، وخصوصًا كلّكم لاجئون، نريد أن تُسوّى بالتي هي أحسن". بالفعل أسفرت هذه الرسالة عن تسوية، اتُفق فيها على أن تأخذ الرابطة ثلث الريع، على ألّ يقلّ عن مئة جنيه "في الوقت الذي كنّا لا نملك مئة قرش"، وخرجنا من الحفل الذي قدمته الطالبة جاكلين خوري "ملكة جمال الجامعة، وهي فلسطينية من حيفا، وابنة الأستاذ رشيد الخوري الذي كان سكرتيرًا لبلدية حيفا"، بمئة وأربعة وخمسين جنيهًا.

مقرّ ومجلة ونشاط دائم

أُودع المبلغ في بنك الأمة العربية، "واستأجرنا شقة 126 شارع إسماعيل أباظه باشا لاظوغلى، أرضية من أربع غرف وصالة. أثثناها، ووضعنا يافطة حرصنا أن تكون عريضة جدًا". ينصّ قانون الجمعيات المصري على أنّه إذا قدّمت محضر الجلسة الأولى، ومحضر الانتخابات، وتأليف الهيئة الإدارية، ووضعت عليه ختمًا، وأرسلته برسالة مسجلة، ومرّ شهر كامل، ولم تتلقَ ردًا بالإيجاب أو بالسلب، فيمكنك أن تمارس العمل. وهذا ما حصل. أُصدرت مجلة باسم صوت فلسطين، وكان من محرريها "عبد المحسن أبو ميزر25، والدكتورة نادرة السراج26". أدّت الرابطة دورًا مهمًا في تمثيل القضية الفلسطينية، خصوصًا مع وجود الجامعة العربية في القاهرة، وما يتضمنه برنامجها من اجتماعات ولقاءات عربية متتالية، فما إن يُعقد اجتماع حتى تُطبع العرائض، وتُوزع على الوفود، وتدقّ الأبواب طالبةً لقاء رؤساء الوفود، ومطالبةً بالمعونات للّجئين، و"بفرض التجنيد الإجباري على الفلسطينيين". قال توفيق السويدي باشا27: "نسأل الله أن ييسر لنا من أمرنا، ولكنّي أقول لكم الصراحة، القضية أكبر مني ومنكم". ولم ينسَ البلعاوي استهتار توفيق أبو الهدى28 بعريضتهم، فما إن تولّ رئاسة الوزراء في الأردن حتى أبرق له قائلً: "أهنئكم بكرسي الوزارة، وأعزي الشعب الأردني".

  1. (1911  -  1982) ترأس حزب مصر الفتاة، وأصدر جريدة الاشتراكي، اختلف مع الضباط الأحرار حول الديمقراطية، فاختار سورية منفى اختياريًا قبل أن يعود عام 1956 ويعتزل الحياة السياسية، ويتفرغ للكتابة والمحاماة.
  2. (1930  -  1992) أصبح عضوًا في القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومن ثم عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
  3. (1929  -  1990) أستاذة اللغة العربية في الجامعة الأردنية، وجامعة الكويت، وجامعة وهران.
  4. (1892  -  1968) رئيس وزراء العراق في العهد الملكي لأربع مرات.
  5. (1894  -  1956) رئيس وزراء الأردن 12 مرة.

رابطة طلبة الأردن وازدواجية التمثيل

وصلت تعليمات لرابطة طلبة الأردن من القائم بالأعمال الأردني في القاهرة، بعد مقتل الملك عبد الله، بأن يتبع كل طالب من الضفة الفلسطينية لنهر الأردن، ويحمل جوازَ سفرأردنيًا، رابطة الطلبة الأردنيين. كان هذا يُنذر بتحوّل رابطة الطلاب الفلسطينيين إلى رابطة لطلاب قطاع غزة فحسب. عُقد الاجتماع مع قيادة الرابطة الأردنية التي ضمّت سكرتير الرابطة محمد الدباس29، والدكتور حسن خريس30، ومقبل دحابرة، وسليمان دحابرة31، وطالب ماركسي يُدعى صبحي البقاعين، فرفضوا التفاهم بدايةً، إلّ أنّ واسطة من ذوقان الهنداوي32 أسفرت عن اتفاق على عقد جمعية عامة للطلاب، والسماح لسكرتير رابطة الطلاب الفلسطينيين بإلقاء كلمة فيها". قال البلعاوي في كلمته: "نحن لا يهمنا أن نكون أردنيين أو فلسطينيين، نحن من رواق الشام، ورواق الشام قد جمع الكلّ، وفي اليوم الذي ستتحرر فلسطين سنبايعكم بالوحدة". وذكّر الحضور أنّ العدد الأخير من مجلة أكتوبر التي يرأس تحريرها أنيس منصور قد "أصدر خريطةً للعالم العربي وضعت مكان فلسطين ’إسرائيل‘"، مستطردًا: "دعونا نحرّر فلسطين، وبعد ذلك ليشطب هذا الاسم، ولتبقى الأمة العربية الواحدة". ألقى الدكتور حسن خريس كلمةً دعا فيها أعضاء الرابطة أن يعدلوا عن القرار، وأن يُسمح لكل من هو مِن أصل فلسطيني أن ينتسب إلى الرابطة الفلسطينية. وهكذا نجح القرار. وحافظت رابطة طلاب فلسطين على وحدتها.

الانتخابات التالية

حافظت الرابطة على تقليد إجراء انتخابات سنوية، وفي السنة التالية فاز الدكتور موسى أبو غوش برئاسة الرابطة، وحافظ البلعاوي على موقعه فيها سكرتيرًا لها، وفي هذه السنة وعلى الرغم من قدرة الإخوان بقيادة البلعاوي على الفوز بكل مقاعد الرابطة33، قرروا تطعيمها بعناصر أخرى مستقلة مثل ياسر عرفات، كما أصر البلعاوي – على الرغم من وجود معارضة شديدة له - على إدخال طالب بعثي هو جاويد الغصين34، وطالب مسيحي هو سمير الجبجي. لا يذكر البلعاوي شيئًا في أوراقه عن انتخابات 1953  -  1954، وهي السنة التي قرر فيها ياسر عرفات أن يؤلف قائمة برئاسته منفصلةً عن قائمة الإخوان المسلمين معتقدًا أنّ القائمة تفوز بفضله هو، فكان أن ألَّف قائمة مستقلة، بينما ألّف البلعاوي قائمة أخرى فازت بكامل أعضائها، وفشلت قائمة ياسر عرفات35، وأصبح عبد الفتاح عيسى حمود36 زميل ياسر عرفات لاحقًا في تأسيس حركة فتح رئيسًا للقائمة، ليعود ياسر عرفات رئيسًا للرابطة في السنة التي تلتها، وحتى تخرّجه في الجامعة عام 1956، بعد أن قضى في الكلية ثماني سنوات، وكان أول

  1. أصبح وزيرًا للمالية في الأردن.
  2. أصبح رئيسًا لبلدية إربد في الأردن، ونقيبًا لأطباء الأردن، والأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، توفي عام 2003.
  3. مختص جراحة المسالك البولية، ومن أوائل الأطباء في الأردن.
  4. (1927  -  2005) أصبح نائبًا لرئيس الوزراء، ورئيسًا للديوان الملكي في الأردن.
  5. استمرت سيطرة الإخوان على الرابطة حتى عام 1957، وقد خلف صلاح خلف (أبو إياد) البلعاوي في قيادة الإخوان بعد إبعاده إلى القطاع.
  6. اختير لاحقًا عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومسؤولً عن الصندوق القومي، حامت حوله شبهات مالية أدّت إلى عزله، واعتقاله لفترة من جانب ياسر عرفات.
  7. ياسين.
  8. (1933  -  1968) من مؤسسي حركة فتح، وعضو في لجنتها المركزية.

ممثّل لفلسطين في اتحاد الطلاب العالمي37. ولعلّ السبب في عدم ذكر تلك السنة في محاضرته كان تجنّب ذكر ما يحرج ياسر عرفات الذي أصبح زعيمًا للشعب الفلسطيني، وأمسى البلعاوي صانع الهيئات الإدارية المتعاقبة عضوًا في الحركة التي يتزعمها عرفات. بعد ثورة الضباط الأحرار تقدّمت الهيئة التأسيسية للرابطة بكامل أعضائها بوثيقة موقّعة بالدم، تتضمن "مطالب شعب فلسطين للواء محمد نجيب، وطلبت إليه أن يكون رئيس شرف رابطة الطلبة الفلسطينيين، وكان ذلك فعلً".

الحجز عىل مقر الرابطة

لم يكن دفع الاشتراكات السنوية منتظمًا، لذا تأخرت الرابطة عن دفع إيجار مقرها، فقام صاحب العقار بالحجز على موجوداتها، وإغلاق المقرّ بالشمع الأحمر، تصادف أن كان رئيس الرابطة ياسر عرفات "يتدرب كضابط احتياط في المعمورة، وكان نائب الرئيس الدكتور هاني بسيسو يحضر مؤتمرًا للإخوان المسلمين في حلوان"، أمّا البلعاوي فكان معتقلً في سجن الأجانب. استغلت الأمر قائمة منافسة كانت قد فشلت في الانتخابات فألّفوا لجنة سمّوها "لجنة إنقاذ الرابطة"، ويرأسها الدكتور جمال الخياط38. وبدأت في جمع النقود والتبرعات والتوقيعات لاستعادة المقرّ وإسقاط الهيئة المنتخبة. أنقذ الموقف خروج البلعاوي من السجن بعد وساطات، فلجأ إلى الشيخ هاشم الخزندار39 الذي كان يزور القاهرة. فدفع خمسين جنيهًا كانت كافية لفك الحجز وإنقاذ الرابطة. هنا تكشف أوراق فتحي البلعاوي عن مرحلة مهمة لم تُدوّن بعد، أو دُونت بما يتلاءم مع المرحلة السياسية السائدة، إذ إنّ أي حديث عن رابطة الطلاب الفلسطينيين كان مقرونًا دومًا بأنّ الرئيس ياسر عرفات هو الذي أسسها، وهو الذي ترأسها، وهو ما تنفيه هذه الأوراق، بحيث أنّ ياسر عرفات كان الرئيس الرابع للرابطة، وإن كان عضوًا في هيئتها الإدارية الثانية، بعد أن لم يحالفه الحظ في الانتخابات الأولى والثالثة، قبل أن يعود على قائمة الإخوان في الهيئة الإدارية الرابعة ويترأس الرابطة حتى تخرّجه عام 1956. كما تكشف هذه الأوراق أنّ قيادات العمل الطلابي في ذلك الوقت هم من أصبحوا لاحقًا جزءًا رئيسًا من قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية.

نداء فلسطين

إضافةً إلى مجلة صوت فلسطينالتي كانت تصدرها الرابطة فقد أصدر البلعاوي مجلةً أخرى باسم نداء فلسطين، صدر العدد الأول40 منها في تشرين الثاني/ نوفمبر 1952، وغلافه بريشة الفنان إسماعيل شموط الذي كان يدرس الفنون الجميلة في القاهرة في ذلك الوقت، وكتب على الصفحة الثالثة أنّها نشرة غير دورية، يُصدرها لفيف من الشباب الفلسطيني بمصر وأنّ محرّرها المسؤول فتحي البلعاوي وجميع المراسلات تُرسل إلى المحرّر في رواق الشام. تضمنت المجلة قصائد شعر عديدة، ومقالات، ومقابلة مع المجاهد محمد علي الطاهر، وبابًا سُمي "في دنيا الطلاب" تضمّن مناشدة من حكومة عموم فلسطين، إلى الحكومة المصرية للسماح للطلاب الفلسطينيين الذين أُخرجوا من مصر بتهمة الانتماء إلى الحزب

  1. ملحق فلسطين، جريدة السفير.
  2. أول طبيب تخدير في الأردن وفلسطين توفي عام 2005.
  3. (1915  -  1979) من مؤسسي حركة الإخوان المسلمين في فلسطين، اغتيل في غزة على خلفية تنظيمه وفدًا زار القاهرة تأييدًا لزيارة الرئيس السادات إلى القدس.
  4. العدد محفوظ في أرشيف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

القومي السوري بالعودة لتقديم امتحاناتهم، وخصوصًا أنّ معظمهم في السنوات النهائية، كما تضمّن خبرًا عن حفل تكريم أقامته رابطة الطلاب للخريجين، واقتراحات بآلية جديدة لانتخابات الرابطة التي من المتوقع أن تجري في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر، كما تضمّن عددًا من الأسئلة التي وصفت بالحائرة، مثل: ӵ لماذا لا يُسمح للطلاب الفلسطينيين بالانضمام إلى الكليات الحربية؟ ӵ ولماذا تضع حكومة عمان (الأردن) العراقيل أمام قدوم الطلاب إلى القاهرة؟ ӵ ولماذا لا تتولى جامعة الدول العربية مسؤولية تعليم أبناء اللاجئين؟ ومن الأخبار اللافتة خبرٌ يقول أقام الطلاب الفلسطينيون برواق الشوام حفلة سمر كبرى في صالة الاحتفالات، قدّم فيها فريق التمثيل الرواية الخالدة "إسلام عمر". واللافت في الخبر أنّ مخرج الرواية هو صلاح خلف (أبو إياد)41 الذي وعد الحضور بتقديم مسرحية "صلاح الدين منقذ القدس"، "حتى نُذكّر الناس، وعسى الله أن يبعث لفلسطين (صلاحها) الجديد". لا نعرف على وجه الدقة كم عدد صدر من هذه المجلة؛ ففي أوراق الأستاذ فتحي لم نجد سوى هذه النسخة، لكن من المؤكد أنّها قد توقفت بعد اعتقاله وإبعاده من القاهرة إلى قطاع غزة في نهاية 1953، إثر إلقائه خطبة نارية في احتفال حضره اللواء محمد نجيب، حيث خاطبه بنبرة حادة، أدّت إلى تدّخل الحاج أمين الحسينى، وأن يمسك ياسر عرفات بيد حارس اللواء لمنعه من إطلاق النار على البلعاوي.

نقابة المعلمين وتظاهرات ضدّ التوطين والإسكان

عمل البلعاوي مدرسًا في قطاع غزة بعد إبعاده، وأصدر فيه مجلة صوت اللاجئين، وساهم في تأسيس أول نقابة للمعلمين الفلسطينيين وكان أول نقيب لها. ومن الواضح أنّ علاقته بحركة الإخوان المسلمين قد استمرت، بل هو يؤكد في أوراقه أنّ "الاتحاد العام لطلاب الإخوان المسلمين هو الذي كان يُحرّك القطاع في ذلك الوقت"، ويُعدّد عددًا من الأسماء التي لمعت فيما بعد في صفوف الثورة الفلسطينية ومنها "رياض أديب الزعنون، أمين سرّ طلاب الإخوان ونائبه خليل إبراهيم الوزير42". ويستطرد في تعداد أسماء الناشطين فيذكر كمال عدوان، وخليل زعرب، ومحمد يوسف النجار44، وغالب الوزير45، وسعيد المزين، وسيف الدين زعرب، وحمد العايدي الذي كان "مع زميله خليل الوزير أول من نسفوا أنابيب المياه (في المستوطنات)، أُلقي القبض على خليل الوزير"، لكنّ حمد استطاع الفرار عبر بئر السبع إلى الخليل. في عام 1955، وعلى إثر اعتداء صهيوني جديد على قطاع غزة، استشهد فيه عدد كبير من قوات حرس الحدود المصريين، خرجت تظاهرات في قطاع غزه تستنكر هذا الاعتداء، كما تستنكر مشروع التوطين الذي كانت لجنة من الحكومة المصرية ووكالة الغوث قد أنهت تقريرها بخصوصه، ويقضي بتوطين اثنَي عشر ألف عائلة فلسطينية في سيناء.

  1. (1933  -  1991) من مؤسسي حركة فتح ومسؤول الأمن فيها، اغتيل في تونس.
  2. (1935  -  1988) أبو جهاد من مؤسسي حركة فتح، ونائب القائد العام، استشهد في تونس على يد وحدة كوماندوس صهيونية.
  3. (1927  -  1973) أبو يوسف، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، استشهد في بيروت على يد وحدة كوماندوس صهيونية مع زميليه كمال عدوان وكمال ناصر. 43  شقيق خليل الوزير، ومن الكوادر الأولى في حركة فتح.
  4. (1935  -  1991) أبو هشام، ولُقّب بفتى الثورة، عمل ممثةّلً لمنظمة التحرير في الرياض، واشتهر بتأليفه العشرات من أناشيد الثورة الفلسطيني.
  5. أصبح عضوًا في المجلس الثوري لحركة فتح.

يُقدّم لنا فتحي البلعاوي روايةً جديدة تتعلّق بالدور الذي قام به الإخوان والشيوعيون في هذه الأحداث؛ فهو يقلّل من أهمية دور الشيوعيين بقيادة الشاعر معين بسيسو، الأمين العام للحزب في ذلك الوقت، فيقول "خرجت تظاهرة عادية خطب فيها الشاعر معين بسيسو"، أمّا التظاهرة الحقيقية فهي "تلك التظاهرة التي قادها مدرّس بطل اسمه عز الدين طه"، ولم يوضّح البلعاوي انتماء هذا المدرّس لكنّه يذكر أنّه قاد تلاميذ المدارس الابتدائية خمسة عشر كيلومترًا عن طريق البحر، حتى وصل إلى مقرّ الحاكم الإداري للقطاع، متجنبًا السير على الطريق الأسفلتي الذي عليه "مصفّحات، وعليه الجنود، وعليه العساكر". اعتُقل البلعاوي إثر هذه التظاهرات عامين وشهرين، وبعد أن أُفرج عنه سُمح له بالعودة إلى القاهرة لتقديم امتحانات السنة النهائية، والالتحاق ببرنامج الدبلوم، قبل أن يغادرها في عام 1961 إلى دولة قطر.

خاتمة

على الرغم من محدودية حجم الأوراق التي عثرنا عليها لدى عائلة الأستاذ فتحي البلعاوي فهي تكتسب أهميةً خاصة بالنظر إلى المرحلة التي تتحدث عنها، وهي مرحلة لم تحظ كثيرًا باهتمام الباحثين، وجاءت هذه الأوراق لتلقي ضوءًا كافيًا عليها ولتحسم بعض الجدل الذي رافقها.

الملاحق

ملحق (1) من أوراق فتحي بلعاوي المحفوظة لدى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

ملحق (2) صفحات من مجلة نداء فلسطين، العدد 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1952، المحفوظة لدى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات