Return to Article Details Maghrebi Captives in Europe 1772 - 1775: From the Tunisian National Archives

الأسرى المغاربة في أوروبا في الفترة 1772-1775 من خلال الأرشيف الوطني التونسي

Maghrebi Captives in Europe 1772 - 1775: From the Tunisian National Archives

الأمجد بوزيد

الملخّص

من خلال دراسة عيّنات من أسرى بلدان المغرب في أوروبا خلال الفترة 1772-1775، يطمح هذا العمل إلى توضيح العلاقة بين القرصنة البحرية والأسر، والتعريف بمظهر من مظاهر توتر العلاقات بين أوروبا والإيالات العثمانية الثلاث: تونس والجزائر وطرابلس الغرب. فالبحث لا يهتمّ بتاريخ القرصنة، وإنما يتركز على التعريف بتاريخ مجموعات من المغاربة المنسيين والمضطهدين في أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي. واعتمادًا على الوثائق التاريخية، تناولنا بالتحليل في القسم الأول من العمل الأصول الجغرافية للأسرى، وتوزعهم بحسب الأجناس، والأعمار، والنشاطات الاقتصادية. أمّا القسم الثاني منه، فإنه يهتم بقوى القرصنة الأوروبية والسبل التي كانت متاحة أمام أسرى بلدان المغرب للتحرّر من قيود الأسر. وانطلاقًا من عيّنات الأسرى المغاربة الذين سرحتهم القوى الأوروبية، أمكن لنا معرفة ارتفاع عدد المغاربة الذين عانوا الأسر والرق في أوروبا، وتعدد أجناسهم، واختلاف أعمارهم ووظائفهم. وهذا الأمر يعدّ دليلً مهمً على تبدل موازين القوى في البحر الأبيض المتوسط في أواخر القرن الثامن عشر لمصلحة الأوروبيين، وعلى الدور الهامشي الذي أصبح لبلدان المغرب في الدورة الاقتصادية المتوسطية والعالمية.

Abstract

This paper offers a survey of some of the North African captives who were held in Europe between 1772 and 1775, relying on written sources to highlight the relationship between piracy and captivity. These themes were a main driver of the tensions between Europe and the three Ottoman Eyalets of Tunisia, Algeria and Tripolitania. In this regard, the treatment of Maghrebi captives in Europe acts as a microcosm for a broader set of relations. Relying on historical documents, the paper begins with an analysis of North Africans held captive in Europe, their geographic origins, ethnicity, age, and economic status. It goes on to explore the options these captives faced to regain their freedom. Information from released captives reveals the reason behind a marked increase in the number of people from the Maghreb who endured captivity and enslavement in Europe. The case study concludes with the ascendancy of European powers in the Mediterranean, detailing shifts in global trade patterns and the marginalization of the Maghreb.

الكلمات المفتاحية:
  • الأسر
  • القرصنة
  • الرقيق
  • المغاربة
  • الأوروبيون
Keywords:
  • Captivity
  • Piracy
  • Slavery
  • Maghreb
  • Europeans
الأمجد بوزيد| Bouzid *Lamjed
الأمجد بوزيد | Bouzid Lamjed
j
جأ| بوزي
من خلال دراسة عيّنات من أسرى بلدان المغرب في أوروبا خلال الفترة 1772 - 5177، يطمح هذا العمل إلى توضيح العلاقة بن
القرصنة البحرية والأسر، والتعريف بمظهر من مظاهر توتر العلاقات بن أوروبا والإيالات العثمنية الثلاث: تونس والجزائر
وطرابلس الغرب. فالبحث لا يهتمّ بتاريخ القرصنة، وإنما يتركز عى التعريف بتاريخ مجموعات من المغاربة المنسين
والمضطهدين في أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي.
واعتمدًا عى الوثائق التاريخية، تناولنا بالتحليل في القسم الأول من العمل الأصول الجغرافية للأسرى، وتوزعهم بحسب
الأجناس، والأعمر، والنشاطات الاقتصادية. أمّا القسم الثاني منه، فإنه يهتم بقوى القرصنة الأوروبية والسبل التي
كانت متاحة أمام أسرى بلدان المغرب للتحرّر من قيود الأسر. وانطلاقًا من عيّنات الأسرى المغاربة الذين سرحتهم القوى
الأوروبية، أمكن لنا معرفة ارتفاع عدد المغاربة الذين عانوا الأسر والرق في أوروبا، وتعدد أجناسهم، واختلاف أعمرهم
ووظائفهم. وهذا الأمر يعدّ دليلً مهمً عى تبدل موازين القوى في البحر الأبيض المتوسط في أواخر القرن الثامن عشر
لمصلحة الأوروبين، وعى الدور الهامشي الذي أصبح لبلدان المغرب في الدورة الاقتصادية المتوسطية والعالمية.
الكلمت المفتاحية: الأسر، القرصنة، الرقيق، المغاربة، الأوروبيون.
This paper offers a survey of some of the North African captives who were held in Europe between 1772 and
1775 , relying on written sources to highlight the relationship between piracy and captivity. These themes were a
main driver of the tensions between Europe and the three Ottoman Eyalets of Tunisia, Algeria and Tripolitania.
In this regard, the treatment of Maghrebi captives in Europe acts as a microcosm for a broader set of relations.
Relying on historical documents, the paper begins with an analysis of North Africans held captive in Europe,
their geographic origins, ethnicity, age, and economic status. It goes on to explore the options these captives
faced to regain their freedom. Information from released captives reveals the reason behind a marked increase
in the number of people from the Maghreb who endured captivity and enslavement in Europe. The case study
concludes with the ascendancy of European powers in the Mediterranean, detailing shifts in global trade patterns
and the marginalization of the Maghreb.
Keywords: Captivity, Piracy, Slavery, Maghreb, Europeans.
الأسرى المغاربة في أوروبا في الفترة 1772 - 1775
من خلال الأرشيف الوطني التونسي
Maghrebi Captives in Europe 1772 - 1775:
From the Tunisian National Archives
j
جأ| بوزي

تقديم عام

لا شك في أن دراسة ظاهرة الرق في المتوسّط خلال العهد الحديث تقود الباحث كرهًا أو طوعًا إلى الاهتمام بمؤسّسة القرصنة1 وما واكبها من أسر للأفراد وتعذيب واسترقاق لهم. ففضلً عن تبادل البضائع والوفود والأفكار، كانت الاتصالات بين أوروبا وبلدان المغرب لا تخلو من تصادم، وعنف متبادل. وهذا العمل يمكن تصنيفه ضمن الدراسات التي تعنى بظاهرة الأسر ودورها في تطور العلاقات بين شعوب ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية. وفعلً، يكتسي موضوع الأسرى المغاربة قيمة تاريخية كبيرة نتيجة الصلة الوثيقة بين الأسر والاسترقاق2، والأسر والمتاجرة بالرقيق، والأسر وحق الإنسان في الحريّة. ولئن بدأت الحاجة إلى الأسرى تتزايد في المتوسط بتزايد حاجيات السفن الحربية وخاصة القواديس من القوى العاملة المستعبدة لاستخدامها في أعمال التجديف3، فإن تلك الرغبة أخذت تشتد أكثر فأكثر غداة سقوط غرناطة سنة 1492 وهزيمة العثمانيين في معركة ليبانت سنة 15714. وتواصلت تلك الحاجة إلى الجدّافين في المتوسط إلى حين بدأت السفن البخارية تعوّض شيئًا فشيئًا السفن الشراعية، انطلاقًا من مطلع القرن التاسع عشر الميلادي5. وعلى كل، وسعيًا للحصول على الأسرى، ظل قراصنة بلدان المغرب وأوروبا يتقاتلون بلا هوادة طوال العهد الحديث؛ فبرزت إشكالية الأسر بصفته وضعية مؤقتة من الاسترقاق يظل خلالها الأسير ينتظر حظه للتحرر. والواقع، لا تعدّ مسألة الأسر والأسرى مسألة جديدة في الأعمال التاريخية التي عنيت بتاريخ المتوسط، لكن من الضروري أن نشير إلى أن اهتمام الدارسين تركز على الأسرى الأوروبيين الذين كابدوا الظلم والاضطهاد في بلدان المغرب في الفترة المدروسة. وهذا الصنف من الأعمال يتماشى مع مواقف المستشرقين الذين يريدون تقديم بلدان المغرب تقديمًا سيئًا تمهيدًا لاحتلالها. في المقابل، فإن الأعمال المنجزة حول الأسرى المغاربة بأوروبا الغربية ظلت قليلة جدّا؛ لأسباب عديدة لعل أهمّها قلة اهتمام الباحثين الشبان المغاربة بهذا الموضوع بدعوى ندرة الوثائق. لكن هذا الأمر لا يعني عدم توافر دراسات تتطرق إلى سوء أوضاع المغاربة الذين وقعوا في الأسر بأوروبا6. وهذه البحوث يمكن إدراجها ضمن الأعمال التي تدافع عن الأقليات التي عانت الظلم والنسيان والتهميش في أوروبا. وتكمن قيمتها العلمية في كونها أبانت عن وجود تعارض في الفكر الأوروبي بين

  1. كانت القرصنة في المتوسط تعدّ نشاطًا اقتصاديًا حربيًا وبحريًا يحظى بدعم كبير من الحكام في بلدان المغرب، وحتى في أوروبا طوال العهد الحديث، بل يمكن القول إن القرصنة البحرية لم تكن تكتسي طابعًا رسميًا فحسب، وإنما كانت أيضًا تقوم على قواعد تجارية وأساسًا على البحث عن الربح.
  2. أفضت القرصنة إلى انتشار ظاهرة الاسترقاق والأسر في المتوسط في العهد الحديث. وإن كان مصطلح الاسترقاق يستخدم عند الحديث عن الأسرى الذين فقدوا حريتهم وتحولوا إلى مجرد أداة أو بضاعة يتصرف فيها المالك أو السيد مثلما يشاء، فإن مصطلح الأسر يستعمل للدلالة على نوع من الوضعية الانتقالية للأسير؛ إذ كان بمقدوره أن يتحرر عن طريق افتدائه بالمال أو مقايضته بأسرى آخرين. وعلى أي حال، فإن المصطلحين كلاهما يدل على انتشار ظاهرة العنف وغياب الحريات في غرب المتوسط.
  3. القواديس هي أنواع من السفن الشراعية التي كانت تستخدم في أغراض تجارية ولكن خاصة عسكرية في المتوسط. وكانت تحتاج إلى أعداد كبيرة من الجدّافين يقع غالبًا اختيارهم من أوساط الأسرى والمساجين والرقيق.
  4. وقعت هذه المعركة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1571 في خليج ليبانت باليونان، وانتهت بهزيمة الأسطول العثماني أمام السفن الحربية الإسبانية وسفن البندقية وجنوة الإيطاليتين.
  5. لا تتوافر أعمال تاريخية كثيرة حول موضوع الأسر في البحر المتوسط خلال العهد الحديث؛ لذا يتركز اهتمام الدارسين على دراسة العلاقات السلمية، ولا سيما المبادلات التجارية والدبلوماسية بين البلدان المتوسطية، انظر مثلً: Lucette Valensi, "Esclaves chrétiens et esclaves noirs à Tunis au XVIIIe siècle," Annales. Économies, Sociétés, Civilisations , vol. 22 , no. 6 (1967), pp. 1267  -  1288. ومن خلال التشديد على ارتفاع عدد الأسرى الأوروبيين في بلدان المغرب وسوء أوضاعهم الاجتماعية، فإن الدارسين الأوروبيين يريدون توضيح أهمية نشاط القرصنة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ببلدان المغرب. ومن وراء هذا الصنف من المقاربات تختفي الخطابات التي تقول إن هذه البلدان لم تهتد في العهد الحديث إلى الطرق المثلى لتحقيق التقدم، وأنها كانت تفضل التصادم العسكري بدلً من التبادل التجاري، وبذلك مثّلت القرصنة المغاربية في رأيهم عائقًا أمام التوسع التجاري الأوروبي. يضاف إلى ذلك أن أصحاب تلك الخطابات كانوا يريدون الترويج للمواقف القائلة إن حكام بلدان المغرب يتصفون بعدم احترام المواثيق والمعاهدات التي كانت تنظم العلاقات بينهم وبين الأمم الأوروبية. وهذه الأحكام وغيرها قامت عليها المدرسة الاستعمارية؛ فلا نستغرب كثرة الأخطاء التي تتضمنها الأعمال التاريخية حول الأسر والقرصنة في المتوسط. انظر مثلً: Henry Laurens, John Tolan & Gilles Veinstein, L'Europe et l'Islam Quinze siècles d'histoire (Paris: Odile Jacob, 2009), pp. 218 , 473.
  6. Maximiliano Barrio Gozalo, "Esclaves musulmans en Espagne au XVIIIème siècle," Cahiers de la Méditerranée , no. 87 (2013), pp. 33  -  48.

الدعوة إلى قيم الحداثة من جهة، ورسوب الأفكار الاستغلالية والعنصرية من جهة أخرى. غير أن النتائج التي تم التوصل إليها في هذا الصنف من الأعمال لا تمكّن من إدراك التناقضات الفكرية والدينية والاقتصادية التي كانت تطبع العلاقات بين العرب والأوروبيين، وحتى إدراك المبررات التي كانت تستخدم لتبرير ظاهرة الرق والمتاجرة بالرقيق. ويتركز هذا العمل على دراسة مجموعة متكونة من 204 أسرى من مختلف بلدان المغرب، وردت أسماؤهم في قوائم الأسرى الذين وصلوا إلى ميناء حلق الوادي (تونس) بين سنتي 1773 و 1775، بعد أن أطلقت سراحهم القوى الأوروبية. ومن خلال هذه العيّنات نطمح إلى التعرف إلى مصير الأسرى المغاربة خاصة والمسلمين عامة في أوروبا في الفترة الحديثة. وهذا الأمر لا يتطلب من الباحث التساؤل عن التركيبة الاجتماعية والمهنية لمختلف فرق الأسرى فحسب، وإنما أيضًا عن القوى الأوروبية التي أسرتهم. فلطالما ظل الأسرى المغاربة في أوروبا يعدّون في عداد المنسيين، ولم يتطور الاهتمام بهم إلا خلال السنوات الأخيرة ببروز أعمال تاريخية جادة تهتمّ بمسألة الاسترقاق والعنف والمتاجرة بالرقيق في المتوسط في العهد الحديث7. وفي هذا الإطار بالذات تتنزل أصناف البحوث العلمية التي لم تقتصر على طرح سوء معاملة الأوروبيين للأسرى المغاربة، بل تجاوزته لتشجب التعصب الديني الذي كان يطبع موقف الكنيسة الكاثوليكية منهم، ومساعي القوى الأوروبية لإدماجهم في المجتمع8. ولا يفوتنا أن نشير إلى اختلاف مواقف الدارسين من دراسة الأسرى المغاربة بتباين مرجعياتهم الفكرية والأيديولوجية. وفعلً فإن قسمًا منهم لا يتردد في وصف أولئك الأسرى بالقراصنة9 من أجل تبرير سوء معاملة القوى الأوروبية لهم. بينما يعتمد قسم آخر من الدارسين على مقاربة اقتصادية واجتماعية تربط بين أسر الأوروبيين للمغاربة من جهة، وحاجة السفن الأوروبية ودور صناعة السفن بأوروبا إلى قوى عاملة مستعبدة من جهة أخرى10. فمنذ القرن السادس عشر أصبح الأسرى المغاربة الأقوياء، فضلً عن الأوروبيين المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، يسخّرون في أوروبا للقيام بأعمال التجديف وبناء السفن11. لكن من الضروري أن نشير إلى أن الأسر ظاهرة تاريخية قديمة سبقت ظهور الرأسمالية؛ ما يعني أن الحديث عنها لا يتطلب الاقتصار على جوانبها الاقتصادية، بل وخاصة إبراز أبعادها الفكرية والحضارية. كما أن نفي الباحثين التونسيين مشاركة الأهالي من تونس وبقية بلدان المغرب بصورة عامة في نشاط القرصنة المتوسطية12، يتعارض تعارضًا تامًا مع المعلومات التي تزخر بها وثائق دار الباي13، والتي يتضح منها أن الأعيان المحليين14 كآل بن عياد وآل الجلولي وغيرهم لم يترددوا في استثمار أموالهم في ذلك النشاط خلال القرن الثامن عشر الميلادي للحصول على مرابيح وافرة. وأكثر من ذلك وسواء بدافع المغامرة أو الإثراء السريع، أو حتى الجهاد، فإن العديد من الأهالي استهواهم نشاط القرصنة، فانخرطوا فيه وعملوا جدّافين وحراسًا في مراكب القرصنة. من هذا المنطلق، فإنه لا فائدة في مساندة المواقف التي تنفي أو حتى تقلل من مشاركة الأهالي أكانوا تونسيين أم جزائريين أم حتى طرابلسية في نشاط القرصنة.

  1. Guillen Fabienne & Trabelsi Salah, Les esclavages en Méditerranée (Madrid: Casa de Velazquez, 2012), p. 246.
  2. Manuel Lomas Cortés, "L'esclave captif sur les galères d'Espagne (XVIe-XVIIIe siècles)," Cahiers de la Méditerranée , no. 87 (2013), pp. 17  -  31.
  3. Valensi, p. 1271.
  4. Gozalo, p. 34.
  5. André Zysberg, "Les galères de France sous le règne de Louis XIV," in: Martine Acerra, Jose Merino & Jean Meyer, Les marines de guerre européennes (XVIIème-XVIIIème siècles) (Paris: L'Université de Paris-Sorbonne, 1998), pp. 415  -  445 , 421. يقدّر هذا الباحث أن عدد الرقيق الذين يتم انتدابهم سنويًا في القواديس (galères les)الفرنسية خلال القرن السابع عشر، كان يراوح بين مئة وخمسين ومئتين يقع شراؤهم من مالطا وغيرها من أسواق الرقيق المتوسطية. 422. p., Ibid.
  6. Taoufik Bachrouch, "Rachat et libération des esclaves chrétiens au XVIIème siècle," Revue Tunisienne des Sciences Sociales , no. 40  -  43 (1975), pp. 121  -  162.
  7. توجد هذه الوثائق في الأرشيف الوطني التونسي، وهي تتكون بالأساس من دفاتر مداخيل البايات ومصاريفهم.
  8. كانت أوساط الأعيان المحليين تشتمل على مجموعات عديدة، لكن الحديث يتركز هنا على مجموعة تعرف برجال الأعمال والمال.

إن الوثائق المتوافرة لدينا حول الأسرى المغاربة تدل على أنهم كانوا لا يتكونون من قراصنة فحسب، وإنما أيضًا من مزارعين وصيادين وحتى من أطفال صغار وحجيج ونسوة. وهذا الأمر يقودنا إلى الأسئلة التالية: كيف توزع الأسرى المغاربة في أوروبا خلال الفترة 1772  -  1775، بحسب نشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية وأصولهم الجغرافية؟ ثمّ ما هي القوى الأوروبية التي أسرتهم؟ وما هي الطرق التي مكنتهم من استرجاع حريتهم؟ ومن المؤسف حقًا أن الوثائق لا تسمح بالتفريق بين الأسرى بحسب وضعياتهم الاجتماعية، ما يعني صعوبة معرفة من كانوا منهم قابعين في السجون الأوروبية، والأسرى المستعبدين. واعتمادًا على الوثائق المتوافرة لدينا، سنحاول أولًالتعرف إلى تركيبة الأسرى المغاربة من حيث أصولهم الجغرافية ونشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية وألقابهم الجغرافية والدينية، بينما سوف نركز الاهتمام بعد ذلك على القوى القرصنيّة الأوروبية، وسبل تحرّر رعايا بلدان المغرب من الأسر. إن محاولة الإجابة عن مختلف الأسئلة المطروحة من شأنها ألا تثري المعرفة التاريخية حول العلاقات بين بلاد المغرب وأوروبا في العهد الحديث فحسب، وإنما أيضًا حول المبرّرات التي كانت تستخدم لتبرير الأسر والاسترقاق.

أولً: تركيبة أسرى بلدان المغرب يف أوروبا، وأصولهم الجغرافية و لاقتصادية و لاجتمعية

توزع المساجين بحسب أصولهم الجغرافية

اعتمادًا على قوائم الأسرى الذين وصلوا إلى ميناء حلق الوادي (تونس) خلال الفترة  1772  -  1775، بعد أن سرحتهم القوى الأوروبية، يمكن القول إنهم كانوا ينقسمون من حيث أصولهم الجغرافية كما هو موضح في الجدول (1). تسمح قراءة هذا الجدول بتقديم الملاحظات التالية: إذا استثنينا أسيرين مصريين اثنين، فإننا نلاحظ أن جميع الأسرى المذكورين في الجدول، ومن ضمنهم العساكر الأتراك، قد كانوا ينتمون إلى الإيالات العثمانية الثلاث: تونس، والجزائر، وطرابلس الغرب. ويأتي التونسيون في المرتبة الأولى في الجدول، من حيث عدد الأفراد الذين أسرهم الأوروبيون؛ إذ بلغت نسبتهم 17. 41 في المئة من مجموع الأسرى. والملاحظ أن الأسرى المسرّحين، وسعيًا لعودتهم إلى أوطانهم، كانوا عند وصولهم إلى الموانئ التونسية يعلمون الحراس بمواطنهم الأصلية، لكن ارتفاع نسبة الأسرى التونسيين في الجدول مقارنةً بأسرى باقي بلدان المغرب يقودنا إلى تقديم ثلاث ملاحظات: أن القرصنة التونسية استفادت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي من الظرفية المتوسطية الملائمة. أن عمليات مبادلة الأسرى بين الإيالة التونسية والقوى الأوروبية لم تكن تخلو من أهمية كبرى. أن عمليات التبادل بين الطرفين لم تكن تنحصر في التونسيين، بل كانت تشمل أسرى من مختلف بلدان المغرب. وإذا حاولنا أن ننظر بموضوعية وعمق إلى الأسرى المغاربة الذين سرّحهم الأوروبيون خلال الفترة المدروسة، فإننا نشير إلى أن المعطيات التي وردت في الجدول لا تقدم سوى نظرة منقوصة عن أسرى بلدان المغرب في أوروبا. وفعلً، فإن عدد الأسرى الجزائريين كان في الواقع يفوق التونسيين لسببين رئيسين على الأقل: أولً لارتفاع عدد قراصنة الجزائر مقارنة بعددهم في تونس فحسب، وثانيًا لتواتر الهجمات الأوروبية وخاصة الإسبانية ضد سواحل الجزائر طوال النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي.

الجدول (1) أهمية عدد الأسرى التونسيين والجزائريين

النسبة المئوية ()%عدد الأسرىالأصول الجغرافية
41. 1784تونسيون
11. 7624طرابلسية
05. 8812جزائريون
00. 4901المغرب الأقصى
16. 6634أتراك
00. 9802كراغلة*
22. 0545غير محددين
00. 9802مصريون
100. 00204المجموع

المجموع 204

المصدر: قمنا بتجميع المعطيات الواردة في الجداول من الأرشيف الوطني التونسي، دفتر عدد 180 (1186 ه/  1771 م)، وثيقة عدد 14، 20، 26، 28، 41، 45، 51، 55، 56، 60، 63، 65، 75، 157، 167، 170، 173، 180؛ دفتر عدد 184 (1187 ه/ آذار/ مارس 1773  -  1774 م)، وثيقة عدد 7، 20، 28، 41، 55، 60، 63، 65، 66، 73، 74، 79، 83، 87، 98، 99، 106 و 112، 113، 114، 115، 119، 120، 135، 146، 150، 273، 288، 315، 316، 320، 322؛ دفتر عدد 187 (1188 ه/ آذار/ مارس 1774  -  1775 م)؛ وثيقة عدد 21، 26، 28، 29، 34، 58، 68، 71، 75، 81، 85، 86، 89، 90، 91، 95، 96، 102، 106، 123، 126، 131، 143 و 145، 146، 147، 150، 155. والملاحظ أن بعض هذه الوثائق لا يتعلق بعيّنة واحدة من الأسرى وإنما بعيّنات عديدة. بقي أن نشير إلى أن إجمالي عدد الحالات التي يتعلق بها هذا العمل يبلغ 204 أسرى. * كان الكراغلة يتكونون في الإيالة التونسية من عسكريين ينتسبون إلى آباء أتراك وأمهات من الأهالي.

في المقابل، فان الجدول يوضح أن عدد الأسرى أصيلي المغرب الأقصى يعدّ ضئيلً جدًّا مقارنة بعدد التونسيين والجزائريين. ومردّ ذلك السياسة السلمية التي سلكها السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757  -  1790) تجاه القوى الأوروبية. فسياسته أساسها معاهدات الصداقة والسلم التي تمت بين المغرب وفرنسا وإسبانيا سنة 1767، وتوقفت بموجبها القرصنة المغربية وأمكن للأوروبيين الحصول على امتيازات تجارية كبيرة في المغرب15. أمّا الأسرى الأتراك المذكورون في الجدول، فإنهم يتكونون من كراغلة ومن جنود أتراك تابعين للجيش الإنكشاري، سواء في تونس أو الجزائر أو حتى في طرابلس الغرب. وحتى يكون الحديث عن أسرى بلدان المغرب الذين سرّحهم الأوروبيون حديثًا شاملً ودقيقًا، فإنه من الضروري الإشارة إلى الأسرى من أصول أفريقية الذين كانوا في خدمة القُوّاد الأتراك أو الأعيان المحليين وكانوا في

  1. عبد الله العروي، مجملتاريخالمغرب (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص 259، 390.

الجدول مرتبين ضمن مجموعة الأسرى الملقبين بغير المعروفين16. لكنّ قلة المعلومات المتوافرة حول هذا الفريق من الأسرى لا تسمح لنا بمعرفة عددهم، ولا تأثير القرصنة المتوسطية في إعادة إنتاج علاقات الرق الاستغلالية. كذلك من الصعب القول إن تعدد الأصول العرقية والجغرافية للأسرى المذكورين في الجدول يتوافق مع النظرة التي كانت سائدة لدى الأوروبيين تجاه أهالي بلدان المغرب. فقد كانت المصادر الأوروبية تنظر إلى أولئك الأسرى نظرة شمولية وسلبية؛ مشيرة إليهم في أغلب الأحيان بمصطلح "الأتراك" أو "المغاربة" أو حتى "البرابرة". ونفهم من هذه المصطلحات أن الأوروبيين كانوا لا يولون الفوارق العرقية والجغرافية بين الأسرى المغاربة اهتمامًا كبيرًا. ولكن من خلال هذه النظرة تتراءى طبيعة العلاقات بين الغرب والشرق، والفوارق الدينية والفكرية بين الأوروبيين والمسلمين. في المقابل، فإن الأسرى المغاربة كانوا يرون أن الفوارق العرقية والجغرافية التي كانت تفصل بينهم ليست سوى فوارق شكلية لانتمائهم جميعًا إلى بلدان واقعة في الضفة الجنوبية من المتوسط؛ أي بلدان تنتمي إلى ما يعرف في المصادر التاريخية بدار الإسلام. لكن في ظل هذا الصنف من الصراعات، من الطبيعي أن تنطوي التناقضات والأحكام المسبقة الدينية والعرقية على تضارب في مستوى المصالح الاقتصادية والتجارية بين الأطراف المتنافسة. ولا فائدة من المبالغة في وصف تلك التناقضات وجعلها ترقى للحديث عن تصادم بين الحضارات، وتصادم بين الشرق والغرب، بين مسلمين ومسيحيين. ذلك أن هذا الموقف يتعارض مع ظاهرة عدم انقطاع المبادلات والسفارات والتأثيرات بين بلدان الضفة الشمالية والجنوبية من المتوسط. وعلى كل، ومن أجل تبرير استخدام الأسرى المغاربة في الأعمال الشاقة كأعمال التجديف، وأشغال الصيانة والبناء في دور السفن بالموانئ الأوروبية، فإن الأوروبيين كانوا لا يتردّدون في وصف أولئك الأسرى ب "المتوحشين" و"القساة"17. وليس المجال هنا للحديث عن أصناف العقوبات التي كانت تسلط على أسرى بلدان المغرب في أوروبا، لكن من الضروري أن نشير إلى أنها كانت تتباين بتباين فرق الأسرى، والقوانين التي كانت تعمل بها القوى الأوروبية في مسألة القرصنة.

أهمية عدد أسرى بلدان المغرب يف أوروبا من النسوة والحجيج

إذا حاولنا أن نقوم بتوزيع أسرى بلدان المغرب في أوروبا بحسب الأجناس والأعمار بالاعتماد على الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في دفاتر دار الباي ضمن المسرّحين من القوى الأوروبية خلال الفترة 1772  -  1775، فإننا نلاحظ أن الوثائق تطلعنا على خمس نساء. ويمكن أن نورد منهن امرأة عبد الله بن إدريس السعداوي وابنته اللتين وقعتا في الأسر على يد قراصنة مالطا18. ووردت أيضًا في الوثائق المرأة المسماة سعاد التي سقطت في الأسر سنة 177219. ولسنا في حاجة إلى تعداد الأمثلة، لكن من الضروري أن نشير إلى أن هؤلاء النسوة وغيرهن لسن على علاقة، لا من بعيد ولا من قريب، بنشاط القرصنة التونسية. وفضلً عن النسوة تطلعنا الوثائق على أطفال مغاربة وعرب وقعوا في أسر القراصنة الأوروبيين، ونذكر من بينهم طفلً مصريًّا اسمه علي وقع أسره سنة 177220. ويضاف إليه طفل آخر يدعى محمد

  1. Gozal, p. 36.
  2. Cortés, pp. 49  -  61. وعلى الرغم من أن الأسير المستعبد كان مجبرًا في أغلب الأوقات على القيام بأعمال التجديف، فإنه كان يتعرض لأصناف مختلفة من العقوبات الشديدة. وفي هذا الصدد يكفي أن نشير إلى أن أحد القراصنة الجزائريين ويدعى كار حسين الدغزلي وقع بيد مجموعة من القراصنة الإسبان قريبًا من مدينة تطوان في آب/ أغسطس 1764، فقاموا بحرقه حيًا. انظر: Charles Brochier, Correspondances des consuls de France à Alger (1642  -  1792) , Inventaire Analytique des Articles A.E.B 1 / 115 à 145 , Paris, 2001 , p. 521 , 904.
  3. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 316.
  4. أ. و. ت، دفتر عدد 180، وثيقة عدد 26.
  5. أ. و. ت، دفتر عدد 180، وثيقة عدد 75.

بن رجب السليني الطرابلسي، وقد أطلقت مملكة جنوة سراحه سنة 177321. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن وقوع كل هؤلاء الأطفال والعجّز في الأسر يدل على أن نشاط القرصنة لم يكن يحترم أبسط الأعراف الإنسانية، وأنه لا يعدو أن يكون مجرد أعمال نهب وخطف. وفعلً لم يكن قراصنة مالطا يترددون في اختطاف مغاربة عائدين من الحج. وفي هذا الإطار بالذات تتوافر لدينا معلومات عن واحد وعشرين حاجًّا من بلدان المغرب وقعوا في أسر قراصنة مالطا خلال الفترة 1772  -  1775، ونورد من بينهم: "الحاج إبراهيم كدوسي، وابنه وامرأته فاطمة"22، وأيضًا الحاج محمد الحنفي الجزيري23. فلا نندهش عندما نجد حجيجًا ضمن الأسرى المغاربة في أوروبا، وذلك مع أن أغلبهم يتصفون بعجز بدني يجعلهم يعدّون ضمن أصناف قليلة الجودة من الرقيق. لكن من وراء أسر الأطفال والنساء والحجيج كانت القوى الأوروبية تسعى في الواقع للضغط على حكام المغرب وحملهم على مقايضة أسراهم بأسرى أوروبيين. وفي هذا الصدد، يخبرنا قنصل فرنسا بالجزائر أن الداي أمر سنة 1761 بإطلاق سراح 59 من اليسوعيين؛ خوفًا من قيام قراصنة مالطا ومرسيليا بأعمال انتقامية ضد الحجيج الجزائريين24. لكنّ موقف داي الجزائر يدل على أن الأطراف المتصارعة سواء القراصنة الأوروبيين أو المغاربة كانوا يتحاشون أسر العجّز ورجال الدين. وهذا الكلام يتوافق مع إشارة ابن عثمان المكناسي، مبعوث سلطنة المغرب إلى أوروبا، إلى أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله دعا الإسبان سنة 1776 إلى عدم التعدّي على الحجيج المغاربة25. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن وقوع حجيج مسلمين بيد قراصنة أوروبيين من شأنه أن يثير غضب العامة في بلدان المغرب، ويذكي لديهم مشاعر العداء الديني الموروث عن أحقاد الحروب الصليبية. ولا فائدة في الانخراط في هذه الأصناف من المواقف والنقاشات العقيمة التي لا تشجب العلاقة بين القرصنة وعدم احترام حرية المعتقد، والقرصنة والعنف، والقرصنة والرق، ولا تؤسس التعايش السلمي بين الأفراد والشعوب. من جهة أخرى، نفهم من سقوط حجيج وأطفال ومزارعين مغاربة في الأسر بيد قراصنة أوروبيين أن الأنظمة السائدة في بلاد المغرب كانت عاجزة عن ضمان أمن رعاياها القاطنين بالجزر والمناطق الساحلية، وأيضًا غير قادرة على توفير الحماية اللازمة لهم أثناء سفرهم بحرًا. كل هذا يدل على تبدل موازين القوى في منطقة المتوسط في القرن الثامن عشر الميلادي، وتفوق أوروبا عسكريًا واقتصاديًا على بلدان المغرب. يتضح من خلال الجدول (2) أن حوالى نصف الأسرى المغاربة الذين سرّحهم الأوروبيون خلال الفترة 1772  -  1775، والذين وصلوا إلى ميناء حلق الوادي، كانوا ينتمون إلى طائفة القراصنة. ونستطيع أن نذكر على سبيل المثال مصطفى الجزيري الحنفي الذي كان أسيرًا بمملكة نابولي26 وأيضًا علي بن مصطفى الكرغلي الطرابلسي القادم من المملكة نفسها27. ومن خلال هذين المثالين يمكن القول إن الأسرى المنتمين إلى فريق القراصنة كانوا يتميزون في الوثائق بألقاب دينية ونعوت جغرافية خاصة بهم. وفعلً، فضلً عن أسمائهم العربية، كان الأسرى القراصنة يشتهرون بلقب الحنفي، وبإشارات دالة على أصولهم الجغرافية. وعلى الرغم من شحّ المعلومات التي تتضمنها الوثائق حول هذا الفريق من الأسرى، فإننا نستطيع القول إنه تكوّن من كراغلة، وأفارقة مستعبدين، ورياس وعسكريين ساهرين على المدفعية وغيرهم من العناصر الذين يمارسون نشاط القرصنة. وفي المقابل، تطلعنا الوثائق على فريق آخر من الأسرى الذين

  1. أ. و. ت، دفتر عدد 180، وثيقة عدد 63.
  2. أ. و. ت، دفتر عدد 180، وثيقة عدد 26.
  3. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 99؛ وانظر ملف عدد 184، وثيقة عدد 120.
  4. انظر: Brochier, Correspondances, p. 483 (f°: 203  -  204).
  5. Nabil Al-Andalusi, "Un ambassadeur rédemptoriste au service du sultanat sharifien: Ibn Othman Al-Miknassi en Espagne, à Malte et à Naples," Cahiers de la Méditerranée , no. 87 (2013), pp. 47  -  58.
  6. أ. و. ت، دفتر عدد 180، وثيقة عدد 120.
  7. أ. و. ت، دفتر عدد 187، وثيقة عدد 209.

قراصنة حجيج

المجموعغير معروفينحجيجقراصنة
2047921104
% 100% 38. 72% 10. 29% 50. 98

إلى هؤلاء المغامرين لم تكن القرصنة أداة للإثراء فحسب، وإنما خاصة للارتقاء الاجتماعي والسياسي. الجدول (2) تنوع نشاطات المغاربة المأسورين في أوروبا

غير معروفين المجموع

المصدر: أ. و. ت، دفتر عدد 180، وثيقة عدد 180؛ دفتر عدد 184، وثيقة عدد 79، 176، 179، 123، 288؛ دفتر عدد 187، وثيقة عدد 26، 28،

يتميزون بلقب التركي؛ ما يعني أنهم كانوا ينتمون إلى الطائفة العسكرية التركية. ونكتفي بذكر رمضان بن أحمد التركي الذي أسره قراصنة مالطا28، ومحمد التركي العائد أيضًا من مالطا29. وإذا حاولنا تجميع عناصر هذا الفريق، فإننا نخلص إلى أن 34 أسيرًا من بين القراصنة المأسورين كانوا ينتسبون إلى الطائفة العسكرية التركية التي كانت تتكون بالأساس من إنكشاريين يمارسون نشاط القرصنة. لكن لا بد أن نلاحظ أن الانتساب إلى طائفة القراصنة لا ينبني هنا على أسس عرقية، وإنما يعكس نوعًا من العلاقات التي كانت تقوم على الولاء والمنفعة التي تسود المليشيا التركية، مليشيا محترفة تشتمل على عدد من المغامرين والمنبتين الذين يلهثون وراء الكسب والغنم. فبالنسبة

وفضلً عن الإنكشاريين الأسرى، تتوافر لدينا معلومات عن مشاركة المحليين المغاربة في نشاط القرصنة. ويمكن أن نورد هنا علي القابسي الصفاقسي30، ومحمد البنزرتي31، وأيضًا محمد بن حمودة الجزيري الحنفي32. تؤكد هذه الأمثلة مشاركة التونسيين والمغاربة عامة في القرصنة. وليس من الغرابة في شيء إن قلنا إن المشاركين فيها كانوا ينتمون إلى أوساط اجتماعية فقيرة متشيّعة للمذهب الحنفي، وكانت مهمتهم تنحصر في القيام بأعمال التجديف والحراسة في المراكب القرصنية. وبقدر ما كانت مشاركة أولئك الأفراد في القرصنة وليدة المغامرة الفردية، كانت مرتبطة بالرغبة في الحصول على منافع مادية. لكن يصعب القول إن مشاركة المحليين في القرصنة تطورت إلى حدّ تحولت معه إلى نشاط يحظى بمكانة مهمة في المجتمع والاقتصاد في تونس وفي بلدان المغرب33. ولا نريد هنا أن نقيّم ذلك النشاط، ولا توضيح تطوره والأطراف المستفيدة منه، ولكن نشير فقط إلى أن نمط الإنتاج الجبائي والزراعي ظل سائدًا في بلدان المغرب. ثم إن القرصنة لا تعدو أن تكون نشاطًا حربيًا واقتصاديًا وبحريًا يخضع للقواعد المعمول بها في مجال المعاملات التجارية، ولا سيما قاعدة البحث عن الربح34. ولا فائدة من المبالغة في تقدير النتائج الاقتصادية والاجتماعية المنجرة عن القرصنة المغاربية؛ لأنها محدودة

  1. أ. و. ت، دفتر عدد 187، وثيقة عدد 164.
  2. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 176.
  3. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 179.
  4. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 123.
  5. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 288.
  6. Taoufik Bachrouch, Formation sociale barbaresque et pouvoir à Tunis au XVIIème siècle (Tunis: Publications de l'Université de Tunis, 1977), pp. 129 , 252.
  7. Sadok Boubacar , La régence de Tunis au XVIIème siècle: Ses relations commerciales avec les ports de l'Europe méditerranéenne: Marseille et Livourne (Zaghouan, Tunisie: C.E.R.O.M.A, 1987), pp. 47  -  49 , 248.

ولم تفضِ إلى حدوث تحولات جذرية في العلاقات بين بلاد المغرب وأوروبا، ولا في مستوى علاقات الإنتاج السائدة. وذلك خلافًا لتجارة الرقيق الأطلنطية التي أفضت إلى تكدس المعادن الثمينة والسلع في أوروبا، ومن ثمّ تراكم رؤوس الأموال التي قامت عليها الثورة الصناعية. كل هذا يدفع إلى القول إن القرصنة المغاربية لم تكن تتصف بطابع هامشي وظرفي فحسب، بل إنها كانت ترتهن بتطور موازين القوى بين البلدان المتوسطية أيضًا. فمن وراء تشديد قسم من الدارسين على أهمية مشاركة المحليين في القرصنة المتوسطية، يريدون أن يوضحوا أن القرصنة المغاربية مثّلت عائقًا كبيرًا أمام التوسع التجاري الأوروبي، كما أن ظاهرة استرقاق الأوروبيين كانت منتشرة في بلاد المغرب35. بقي أن نشير إلى أن عدم توافر معلومات حول النشاطات الاقتصادية والاجتماعية لعدد كبير من الأسرى المغاربة جعلنا نقوم بتصنيفهم ضمن فريق من الأسرى، يمكن وصفهم بغير المعروفين أو غير المحققين. وهذا الصنف من الأسرى لا يحمل في الوثائق سوى اسم عربي مقترن بلقب دال على أصوله الجغرافية الساحلية. ويمكن أن نورد على سبيل المثال الأسرى الصفاقسية36، والقراقنة37، والبنزرتية38 والطرابلسية39 غيرهم. وتصعب الإجابة عن أسباب وقوع هؤلاء المغاربة في الأسر وطرقه؛ لعدم ممارستهم، من قريب أو من بعيد، النشاطات البحرية. فمقدار المنحة التي أسندتها إليهم السلطة عند وصولهم إلى ميناء حلق الوادي (تونس) يُعد أقل بكثير من الأموال الممنوحة لبقية الأسرى المسرّحين. وهذا يدفعنا إلى القول إن الأسرى المصنفين في الجدول ضمن قسم "غير معروفين" لا ينتمون إلى طائفة القراصنة. وإذا حاولنا أن نسلط الأضواء عليهم أكثر فإننا نلاحظ أنهم كانوا ينتمون جميعًا إلى عالم المدن والقرى والجزر الساحلية المغاربية وخاصة التونسية؛ ما يحملنا على الاعتقاد أنهم كانوا ضحايا أعمال الخطف التي كان يشنها القراصنة الأوروبيون ضد سواحل بلدان المغرب. وتأكيدًا لصحة هذا الافتراض، تتوافر لدينا معلومات حول حصول "أربعة أنفار أصيلي منطقة الهوارية (الوطن القبلي) على منحة من باي تونس وهو علي باي (1759  -  1782) كمكافأة لهم على قتلهم مهاجمين اثنين من بين المسيحيين المشاركين في عملية إنزال بحري قامت بها سفن أوروبية"40. وحتى نفهم جيّدًا تأثير هجمات القراصنة الأوروبيين على المناطق الساحلية المغاربية نفضل العودة إلى أعمال الباحث جاك قودشو الذي يبين أن قراصنة مالطة كانوا "يقومون بغزو الصيادين المغاربة المساكين، وخطف نسائهم وأطفالهم"41. ونتيجة لوفرة الغنائم البشرية المنجرة عن هذه الهجمات، فقد دفعت قسمًا من الباحثين إلى القول إنها كانت تُعدّ أهم المصادر التي كانت تعتمد عليها إسبانيا ومالطة للحصول على الأسرى42. وقد تواترت أعمال الخطف التي كان يقوم بها القراصنة الأوروبيون في منطقة المتوسط، واشتدت إلى حدّ عمت معه ظاهرة القفر في الجزر والعديد من المناطق الساحلية المغاربية. وأحسن مثال على ذلك جزيرة قرقنة ومنطقة الهوارية بتونس اللتين هاجر منهما أغلب

  1. Giovanna Fiume, "Lettres de Barbarie: Esclaves et rachat de captifs siciliens (XVIème-XVIIIème siècles)," Cahiers de la Méditerranée , no. 87 (2013), pp. 229  -  253.
  2. أ. و. ت، دفتر عدد 187، وثيقة عدد 26، 28، 34، 68، 71، 87، 96، 102، 106. نسبة إلى مدينة صفاقس الساحلية في جنوب شرق البلاد التونسية.
  3. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 79؛ وانظر: دفتر عدد 187، وثيقة عدد 14. نسبة إلى جزيرة قرقنة قبالة صفاقس.
  4. أ. و. ت، دفتر عدد 180، وثيقة عدد 170؛ وانظر: دفتر عدد 184، وثيقة عدد 87، 133. نسبة إلى مدينة بنزرت الساحلية بأقصى شمال البلاد التونسية.
  5. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 84، 117. نسبة إلى مدينة طرابلس في ليبيا.
  6. أ. و. ت، دفتر عدد 187 و وثيقة عدد 81 مؤرخة في سنة 1188 ه/ 1774 م.
  7. Jaques Godechot, Histoire de Malte (Paris: P.U.F, 1963), pp. 55  -  56 , 128. وكانت الهجمات تستهدف بحسب الكاتب خليجَيْ تونس والحمامات.
  8. Manuel Lomas Cortés, "L'esclave captif sur les galères d'Espagne (XVI-XVIIIème siècles)," Cahiers de la Méditerranée , no. 87 (2013), pp. 17  -  31.

السكان إلى دواخل البلاد؛ خوفًا من هجمات القراصنة الأجانب. ولسنا في حاجة إلى الإطالة هنا، لكن يمكن القول إن الوثائق المتوافرة لدينا تحمل على الاعتقاد أن الأسرى المغاربة الذين ينعتون في الجدول بغير المعروفين كانوا ضحايا أعمال الخطف. وحتى تكتمل الصورة في أذهاننا حول توزع الأسرى بحسب نشاطاتهم الاقتصادية، نشير إلى وجود فريق من الأسرى متكوّن من أشخاص لا يعرفون إلا بأسمائهم وأصولهم الجغرافية. وفي هذا الإطار، نكتفي بذكر محمد بن مبروك الصفاقسي، وأحمد بن عائشة الصفاقسي43. فإن كانت الألقاب الجغرافية التي كان يحملها هذا الفريق من الأسرى لا تحتاج إلى تأكيد انتمائهم إلى مدينة صفاقس، فإن ألقابهم العائلية تدل على انتسابهم إلى كبار عائلات التجار في المدينة. ولا ننسى أن هذه العائلات كانت تربطها علاقات تجارية مهمة ببلدان المشرق العربي، وخاصة بتجار من مدينة الإسكندرية خلال القرن الثامن عشر الميلادي44. ولا ننسى أيضًا أن كبار تجار صفاقس، وعلى غرار أعيان التجار المحليين، كانوا يسافرون في أغلب الأحيان على مراكب أوروبية، وخاصة فرنسية حفاظًا على سلامتهم. لكن هذه الاحتياطات لا تنفي وقوع العديد من التجار الصفاقسية في أسر الأوروبيين لأسباب عديدة. وفضلً عن القراصنة والصيادين والمزارعين والتجار الذين أسرهم القراصنة الأوروبيون، يطلعنا الجدول (2) على فريق من الحجيج الأسرى. وهذا الفريق من الأسرى كان يمثل 29. 10 في المئة من مجموع الأسرى المغاربة المسرّحين الذين وصلوا إلى ميناء حلق الوادي خلال الفترة  1773  -  1777. وسبق أن أشرنا إلى الحجيج الأسرى عند الحديث عن توزع الأسرى بحسب الأعمار، لكن لا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن تلقبهم بالحاج يدل على أنهم وقعوا في الأسر، وهم في طريق العودة من الحج إلى ديارهم ببلدان المغرب. إنه من الصعب جدًّا تقدير التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة من أعمال الخطف والأسر التي كان يزاولها القراصنة الأوروبيين ضدّ بلدان المغرب، لكن لا بدّ أن نلاحظ أن تلك الأعمال مثّلت أداة ضغط تستخدمها القوى الأوروبية للتسرب الاقتصادي ووضع حدّ للقرصنة المغاربية وأيضًا لضرب التجارة المحلية. وبصفة عامة، فإن الانخراط في نشاط القرصنة لم يكن السبب الرئيس لسقوط عدد كبير من المغاربة في أسر الأوروبيين؛ إذ لم تكن توجد صلة بين النشاطات الاقتصادية والاجتماعية للعديد منهم والقرصنة البحرية. وإذا استثنينا عددًا قليلً من التجار والحجيج، فإن أغلب المغاربة الذين وقعوا في أسر الأوروبيين كانوا ينتمون إلى الأوساط الاجتماعية الفقيرة؛ ما يعني صعوبة تحرّرهم من الأسر والرق.

ثانيًا: القوى القرصنية الأوروبية وسبل تحرر رعايا بلدان المغرب من الأسر يف أوروبا

القوى القرصنية الأوروبية

تتوزع عيّنات الأسرى المغاربة الذين قمنا بتجميعهم بين البلدان الأوروبية كما هو موضح في الجدول (3). يتضمن الجدول (3) البلدان التي كان الأسرى المغاربة مسجونين فيها. ويتوضح من توزعهم أن عددهم كان يختلف من مملكة أوروبية إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى باختلاف العلاقات بينها وبين بلدان المغرب. ويتضح أيضًا من الجدول أن ثلثي الأسرى المغاربة المسرّحين قد عادوا من مالطا؛ ما يدل على أنها كانت تمثّل أشد القوى الأوروبية عداوة لقراصنة بلدان المغرب، بل إنها كانت تعدّ من

  1. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 20، 41.
  2. كانت 9. 63 في المئة من السفن التي جهزها التجار الصفاقسية، بين سنتي 1766 و 1777، تحمل الراية الفرنسية. للتوسع انظر: Ali Zouari, Les relations commerciales entre Sfax et le Levant au XVIIIème siècle (Tunis: institut national d'archéologie, 1990), pp. 193 , 390. بينما يذهببلانتي قنصل فرنسا بتونس في مذكراته إلى أن الجنرال بونابرت قد حرر ألفي أسير مغاربي بعد سيطرته على الجزيرة سنة 1798 انظر:.

الجدول (3) تعدد القوى القرصنية الأوروبية

القوى القرصنية عدد الأسرى المغاربة

النسبة المئوية ()%عدد الأسرى المغاربةالقوى القرصنية
0. 4901قرطاجنة
65. 19133مالطا
5. 3911جينوة
12. 7426نابولي
0. 4901جزر البليار
0. 9402لشبونة
0. 4901ليفرنة
6. 3713إرسبانيا
1. 9604سردينيا
1. 9604رنروسيا
3. 9208غير محققين

غير محققين 08

المصدر: أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 113، 177، 207، 209.

أعظم القوى القرصنية في المتوسط خلال القرن الثامن عشر الميلادي. وحتى نفهم هذا الدور الذي كانت تقوم به جزيرة مالطا في غرب المتوسط نشير إلى أنها كانت تمثّل قاعدة عسكرية أوروبية متقدمة في المتوسط مهمّتها الدفاع عن العالم المسيحي من خطر قراصنة بلدان المغرب. وهذه الوظيفة جعلتها تحظى بدعم عسكري ومالي واسع من الدول الكاثوليكية، وخاصة فرنسا45. وبفضل هذا الدعم، كانت هجمات قراصنة مالطا على السفن والمناطق الساحلية المغاربية لا تتصف بحدتها فحسب، وإنما أيضًا بتواترها46. إن الوثائق المتوافرة لدينا في الوقت الحاضر لا تسمح بالتعرف إلى الغنائم البشرية التي كان قراصنة مالطا يجمعونها من بلدان المغرب، لكن يذهب بعض الدارسين إلى تقدير عدد الأسرى المغاربة في مالطا بعشرة آلاف أسير في مطلع القرن الثامن عشر47. بينما يذكر ابن عثمان المكناسي، السفير الفكاك الذي أرسله سلطان المغرب إلى مالطا أن عددهم كان يبلغ ألفًا وخمسمئة أسير سنة 178248. ولا ننسى عدد المغاربة الذين لقوا حتفهم، سواء أثناء عمليات الأسر أو من بعد ذلك عند إجبارهم على القيام بالأشغال الشاقة. وعلى كل، سواء من خلال قيامهم

النسبة المئوية ()%

  1. Godechot , Histoire , pp. 56  -  57.
  2. Mongi Smida, Aux origines du commerce français en Tunisie (Tunis: Sud éditions, 2001), pp. 66 , 221.
  3. Godechot, Histoire , p. 63. Eugène Plantet, Correspondances des beys de Tunis et des consuls de France avec la Cour , vol. 3 (Paris: F. Alcan, 1899), p. 350. 87 (2013), pp. 221  -  228.
  4. Malika Ezzahi, "Le rachat des captifs musulmans à Malte d'après le voyage d'Ibn Othman al-Minassi," Cahiers de la Méditerranée , no.

بتعطيل النشاطات البحرية لبلدان المغرب، أو من خلال تزويدهم السفن الأوروبية بما تحتاجه من عمال مستعبدين، فان قراصنة مالطا قد قاموا بتقديم خدمات كبيرة للقوى الأوروبية. وفضلً عن مالطا يتضح من الوثائق أن الممالك الإيطالية، ولا سيما جنوة ونابولي وسردينيا، كانت تشن باستمرار حملات قرصنية ضد سفن بلدان المغرب وسواحلها. ويذهب قسم من الدارسين إلى أن هذه الحملات لا تكتسي طابعًا عدوانيًا لأنها مثّلت ردات فعل ضد رفض بلدان المغرب إرساء علاقات سلمية مع الممالك الإيطالية49. ومن وراء هذه المواقف يريد هؤلاء الدارسون تبرير أعمال القرصنة الأوروبية وتأكيد جشع حكام بلدان المغرب، وخاصة رغبتهم الشديدة في الحصول على مكاسب مادية عن طريق مقايضة الأسرى الأوروبيين المحتجزين لديهم بالمال. ومهما يكن من أمر، فان الجدول (3) يبين أن 13. 18 في المئة من مجموع الأسرى المغاربة قد سقطوا في يد قراصنة جنوة ونابولي. ويمكن أن نذكر من بينهم رحومة الطرابلسي الذي قبع في الأسر في جنوة50، وأحمد بن مصطفى، أسير نابولي51. كل هذه الأمثلة وغيرها تدل على أن أغلب المغاربة الذين سقطوا في يد قراصنة الممالك الإيطالية كانوا ينتمون إلى ولاية طرابلس الغرب. بينما يؤكد بعض الباحثين أن الممالك الإيطالية كانت أشد القوى الأوروبية عداوة لبلدان المغرب، حتى أنها كانت تحتجز 56 في المئة من مجموع الأسرى المغاربة في أوروبا52. وتأكيدًا للقدرات العسكرية الكبيرة التي كانت تمتلكها تلك الممالك، يشير بعض الدارسين إلى أن أساطيلها البحرية بلغت درجة كبيرة من القوة إلى حدّ أنها كانت تشن الحملات بمفردها ضد بلدان المغرب، ومن دون الحاجة إلى دعم من القوى الأوروبية الأخرى53. ولا ننسى أن مملكتي جنوة ونابولي كانتا تحظيان بمساندة واسعة من فرنسا وإسبانيا. وعلاوة على مالطا والممالك الإيطالية يتضح من توزع الأسرى المغاربة بين البلدان الأوروبية أن 37. 6 في المئة منهم كانوا مسجونين في إسبانيا. ومن بين هؤلاء الأسرى يمكن أن نذكر مصطفى بن علي الجزيري ومحمد الجزيري. وانطلاقًا من لقبي هذين الأسيرين يمكن القول إن أغلب المغاربة الذين كانوا يقبعون في السجون الإسبانية كانوا ينتمون إلى إيالة الجزائر. وفعلً، يجمع الإخباريون على أن الأطماع الإسبانية في الجزائر اشتدت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، إلى أن أصبح الأسرى الجزائريون لدى الإسبان يعدونّ بالآلاف خلال الفترة  1765  -  176854. أمّا الأسرى المذكورون في الجدول، فقد وقع تسريحهم سنة 1775، تاريخ الحملة الإسبانية الكبرى على الجزائر. ولا نندهش من ارتفاع أعداد أولئك الأسرى؛ إذ لم تسلم سواحل الجزائر ولا مدنها ولا أيضًا سهولها الساحلية طوال القرن الثامن عشر الميلادي من غزوات الجنود الإسبان وحلفائهم قراصنة جزر البليار.

  1. انظر على سبيل المثال: Jacques Boyer de Saint-Gervais, Mémoires historiques qui concernent le gouvernement de l'ancien et du nouveau royaume de Tunis (Paris: Henry, 1737), pp. 212 , 344 ; Louis Frank, Tunis: description de cette régence (Tunis: Firmin-Didot, 1985), pp. 125 , 145. وللاطلاع على المعاهدات السلمية بين إيالة طرابلس الغرب والممالك الإيطالية انظر: شارل فيرو، الحوليات الليبية، تعريب محمد عبد الكريم الوافي (طرابلس، ليبيا: المنشأة العامة للنشر والتوزيع، 1983)، ص 437  -  438، 834.
  2. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 177.
  3. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 209.
  4. Alain Blondy, "Le discours sur l'esclavage en Méditerranée: une réalité occultée," Cahiers de la Méditerranée , no. 65 (2002), pp. 169  -  185.
  5. Maria Ghazali, "La régence de Tunis et l'esclavage en Méditerranée à la fin du XVIIIème siècle," Cahiers de la Méditerranée , no. 65 (2002), pp. 77  -  98.
  6. أحمد توفيق المدني، حرب الثلاثمائة بين الجزائر وإسبانيا (1492  -  1792)، ط 3 (الجزائر: المؤسسة الوطنية للطباعة، 1984)، ص 509، 533. ويشير الكاتب إلى أن معاهدة السلم التي تمت بين الجزائر وإسبانيا سنة 1768 مكنت 1700 جزائري محكوم عليهم بالأشغال الشاقة من التحرر. وانظر أيضًا: Gozalo, pp. 33  -  48.

وإجمالً نستطيع القول إن بلدان المغرب كانت في صدام مباشر ومستمر مع ثلاث قوى أوروبية: مالطا، والممالك الإيطالية، وإسبانيا. وهذا فضلً عن أعمال المراقبة التي كانت تفرضها السفن الحربية الفرنسية والبريطانية على السواحل المغاربية. إن وجود أعداد كبيرة من الأسرى المغاربة ومن مختلف الأعمار والأوساط في السجون الأوروبية ليس دليلً على توتر العلاقات بين أوروبا وبلدان المغرب فحسب، وإنما أيضًا على أن موازين القوى في المتوسّط أخذت تتبدل لمصلحة أوروبا الرأسمالية.

سبل تحرر رعايا بلدان المغرب من الأسر يف أوروبا

بقي أن نتساءل عن طرق تحرّر المغاربة المأسورين والمستعبدين في أوروبا، وهذه القضية تشمل العلاقة بين السلطة والمجتمع، والسلطة والقرصنة المتوسطية، والأسر والمتاجرة بالبشر. إن الأعمال التاريخية التي أنجزت حول الأسرى الأوروبيين في بلدان المغرب تشدّد على سوء أوضاعهم الاجتماعية والمادية، وتطلعنا على الجمعيّات الخيريّة المسيحية التي كانت ساهرة على افتدائهم بالمال وأيضًا على مواقف البلدان الأوروبية المدافعة عنهم. في المقابل، فإن المعلومات التي بحوزتنا حول طرق تحرّر المغاربة الأسرى في أوروبا قليلة جدًّا، فلا حديث في الوثائق عن مساعدات عائلية تقدم إليهم، ولا عن مؤسسات خيرية تعمل على تحريرهم، ولا حتى عن تدخل أصحاب النفوذ لدى الأوروبيين لفائدتهم. وبقدر ما كان الأسير المغاربي يخاف من عذاب السجون، كان يخشى السقوط في الرق وإجباره على القيام بالتجديف في السفن الأوروبية أو القيام بالأشغال الشاقة في الورشات الأوروبية. ولعلّ هذا الأمر لا يفسّ الشعور بالإحباط الذي كان يسيطر على نفسيّة الأسير المغاربي فحسب، بل وحالة اليأس التي كانت تتملكه أيضًا. اليأس والإحباط يجعلانه يتعلق بالأولياء الصالحين، أصحاب الخوارق، راجيًا منهم تفريج كربه ومساعدته على تجاوز محنته55. لكن هذا الكلام لا ينفي قيام عدد صغير من الأسرى المغاربة بمراسلة الحكام بصفتهم أولياء الأمر، والتوسّل إليهم سعيًا لاستعادة الحرّية. وعلى الرغم من أن الأسرى المغاربة كانوا يباعون بأسعار أقل من نظرائهم الأوروبيين، فإنهم في أوروبا كانوا عرضة للابتزاز وخاضعين للمزايدات نتيجة الصلة الوثيقة بين عمليات المتاجرة بالبشر ومبادلتهم من جهة، وقانون العرض والطلب من جهة أخرى. وتطلعنا الوثائق على أن الأسرى كان بمقدورهم استعادة حريتهم بالاعتماد على ثلاث طرق: الافتداء بالمال، والمبادلة، والهروب من الأسر. والواقع لا تتوافر لدينا سوى عيّنات قليلة عن الطريقة الأولى يمكن أن نشير إلى "ثلاثة أسرى عادوا من مالطا وافتداهم المعظم (علي باي")56، وأيضًا إلى أسير يدعى محمد حنفي قدم من قرطاجنة بعد أن افتداه مولاي محمد سلطان المغرب57. وانطلاقًا من هذه العيّنات، يمكن القول إن حكام بلاد المغرب كانوا يرتضون أحيانًا كرهًا أو طوعًا افتداء عدد من أسراهم في أوروبا بالمال، وفي هذا الصدد يتوضح من الوثائق التي بحوزتنا أن 6 فقط من أصل 204 أسرى افتداهم الحكام. ولا شك في أن الحديث هنا عن تدخل مولاي محمد بن عبد الله (1757  -  1790) سلطان المغرب يكتسي قيمة ثانوية؛ نتيجة العلاقات السلمية التي كانت تربطه بالقوى الأوروبية بموجب معاهدة سنة 1776. أمّا مسألة عدم توسّع عمليات افتداء الأسرى المحتجزين في أوروبا واقتصارها على عدد قليل منهم، فانه يمكن تفسيرها بأسباب عديدة، ولكن خاصة بعاملين متعارضين: أولً جشع حكام بلدان المغرب ورغبتهم في الحصول على مكاسب مادية من وراء

  1. Nabil Mtar, "Maghrebi captives in the 17 th century England,"  La Grande Bretagne et le Maghreb , no. 8 (2002), pp. 141  -  149 , 283.
  2. أ. و. ت، دفتر عدد 187، وثيقة عدد 157.
  3. أ. و. ت، دفتر عدد 184 ووثيقة عدد 162. راجع أيضًا: دفتر عدد 180، وثيقة عدد 157. لسنا في حاجة إلى تأكيد الجهد الكبير الذي بذله محمد بن عبد الله سلطان المغرب في تحرير عدد كبير من الأسرى المغاربة بأوروبا، ويقدر أنه قام بافتداء قرابة 1400 أسير بين سنتي 1767 و 1779.

عمليات افتداء الأسرى الأوروبيين، وثانيًا ارتفاع ثمن فدية الأسير الواحد حتى أنها تتجاوز 400 ريال تونسي؛ ما يجعلها مكلفة بالنسبة إلى خزينة الدولة58. وإذا حاولنا أن نتعرف إلى المكانة الاجتماعية للأسرى الذين وقع افتداؤهم بالمال، فإن الوثائق تشير إلى أنهم كانوا يتلقبون ب "الحنفي"، وهذا يدل على أنهم كانوا ينتمون إلى طائفة القراصنة. وفعلً، فإن القاعدة الأساسية التي يعمل بها حكام بلدان المغرب وكبار رجال الدولة في كيفية التعامل مع مسألة افتداء الأسرى كانت تقوم على تقديم كبار الضباط القراصنة على حساب الأسرى الآخرين. إذ لا ننسى أن القراصنة المغاربة المأسورين كانت تسلط عليهم أشد العقوبات في أوروبا، وكانوا يعاملون كالعبيد. فارتفاع ثمن الفدية يرتبط بالمكانة العسكرية للأسير من جهة، ووضعيته الدونيّة من جهة أخرى. وعلى كلّ، فان قيام الحكام بافتداء بعض الأسرى المحظوظين يدل على وقوف السلطة إلى جانب طائفة القراصنة الذين كان لهم دور أساسي في توفير حاجيات الدولة من المال. ومن هنا لا فائدة من المبالغة في تمجيد تصرّفات الحكام، والقول إنهم كانوا يمنحون الأولويّة للأطفال، والعجّز، والحجيج في عمليات افتداء الأسرى المغاربة بأوروبا59. وفضلً عن الفدية، تتطرق الوثائق إلى مبادلة أسرى المغاربة بأسرى أوروبيين. ويمكن أن نستدل ب "أربعة وستين مغاربيًا تمت مبادلتهم بستة أسرى من جزيرة سردينيا"60. كما نستطيع أن نذكر عيّنة أخرى تتعلق ب "ثمانية عشر أنفار من بينهم ثلاثة أتراك أسرى بنابولي، وتولى استجلابهم إلى تونس قنصل بريطانيا" سنة 177461. ويمكن أن نضيف مثالً ثالثًا يهمّ أسيرًا مسيحيًّا بتونس يدعى نيكول كامنجي الذي وقعت مبادلته بستة أسرى مغاربة تحت إشراف قنصل الفلامون (بلجيكا حاليًا)62. مقارنة بافتداء الأسرى بالمال، فإن طريقة مبادلة أسرى مغاربة بأسرى أوروبيين تتيح لأعداد كبيرة من الأسرى، ومن الجانبين المغاربي والأوروبي، باستعادة حريتهم. لكن لم تكن شروط المبادلة تحظى بقبول المستشرقين ولا برضاء أوساط عريضة من الأوروبيين؛ فعلى سبيل المثال كان فرانك وهو طبيب الباي حمودة باشا (1782  -  1814) يرى أنه ليس من العدل ولا من الإنصاف أن "يقايض كل أسيرين أوروبيين بخمسة من الأسرى المسلمين". كما لا يخفي طبيب الباي نفسه تنديده بعدم تساوي نوعيات الأسرى الذين تتم مبادلتهم مشيرًا إلى أن باي تونس كان لا يقوم إلا "بتقديم أرقاء من الطبقة الدنيا، ومن صنف الذكور للأوروبيين"63. ولا شك في أن هذا الكلام ينطوي على مواقف عنصرية وأحكام مسبقة تفرق بين الأسرى الأوروبيين وغير الأوروبيين، بين الأسرى المسلمين والمسيحيين. فالملاحظون الأجانب المقيمون في تونس كانوا يرون أن الأسرى الأوروبيين يعدّون أكثر تحضرًا من الأسرى المغاربة، ومن ثمّ يجب تمييزهم في عمليات المبادلة. وهذا الصنف من الخطابات يقوم على مزاعم تفوّق الرجل الأوروبي على الشعوب الأخرى، فمن ورائه تتوارى المواقف العنصرية والاستعمارية. ولسنا في حاجة إلى القول إن جميع البلدان المتوسطية ومن بينها الإيالات العثمانية كانت غالبًا لا تقوم إلا بمبادلة الأصناف العليلة والقبيحة من الأسرى والأرقاء بعضهم ببعض. وتأكيدًا لصحة هذا الكلام يمكن أن نشير إلى عيّنة مشتملة على مئة أسير مغاربي قامت إسبانيا بتسليمهم لسلطان المغرب سنة 1773، ولو قبلنا بصحة المعلومات الواردة في الوثائق حولهم فإن "ثمانية منهم كانوا يتكونون من أسرى مقعدين، ومجانين، يضاف إليهم أربعة

  1. أ. و. ت، دفتر عدد 317، وثيقة عدد 70  -  71. وتضمنت هذه الوثيقة إشارة إلى "فدوة أسير على يد مالطي رومي."
  2. Ezzahidi, pp. 33  -  48.
  3. أ. و. ت، دفتر عدد 123، وثيقة عدد 24. وهذه العملية تمت سنة 1205 ه/ 1792  -  1791 م.
  4. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 315.
  5. أ. و. ت، دفتر عدد 123، وثيقة عدد 23.
  6. Frank, p. 125.

أسرى عجّز، وثلاثون آخرون يعانون في أبدانهم من فتوق وكسور. وهذا فضلً عن ستة عشر أسيرًا هزيلً، وأربعة آخرين يعانون فقدان البصر، بينما يشتكي الباقون من أمراض قلبية ومصاعب في التنفس وداء البرص"64. والواضح أن جميع هؤلاء الأسرى المسرّحين كانوا في حالة صحية سيئة جراء إجبارهم على القيام بأعمال شاقة في أوروبا، ولشدة معاناتهم الأسر، وتعرّضهم لأبشع أنواع التعذيب. فهناك صلة وثيقة بين الأسر والموت، والأسر والاستغلال، والأسر والإعاقة البدنية والذهنية. من هذا المنطلق نفهم ارتفاع عدد الأسرى المغاربة المستبدلين مقابل الأوروبيين. ونتيجة وفرة عدد الأسرى المغاربة المعاقين والمرضى فإنه يصعب على الدارس أن يقوم بتقدير أعداد الذين لقوا حتفهم منهم في الأسر. وعلى كل، فإن عمليات مبادلة الأسرى والعبيد بين البلدان المغاربية والأوروبية تندرج في إطار العلاقات السلمية التي كانت قائمة بينها. وكانت تلك المهمات موكولة في بلدان المغرب إلى موظف أو سفير يسمّى "الفكاك"65. وهذا السفير هو عبارة عن وسيط يتعامل مع قناصل البلدان الأجنبية وكبار التجار الأوروبيين الذين كانوا وحدهم قادرين على توفير رؤوس الأموال اللازمة للقيام بعمليات مبادلة الأسرى. وفي هذا الصدد، تفيدنا الوثائق أن قناصل فرنسا وبريطانيا تمكنوا من الحصول على مكاسب كبيرة من وراء تلك العمليات66. وإن كان قنصل بريطانيا بتونس يتولى الإشراف على عمليات مبادلة الأسرى التونسيين والمغاربة بصورة عامة بأسرى مملكة نابولي، فإن قنصل فرنسا كان يدير العمليات نفسها بين تونس ومالطا. فالقناصل الأجانب في تونس كانوا يتقاسمون الأدوار، ويتحكمون في عمليات مبادلة الأسرى. وهذا الدور الذي كان يؤديه القناصل والتجار الأجانب يدل على قلة رجال الأعمال والتجار المحليين، ومن بين هذه الفئة القليلة من التجار التونسيين الذين زاولوا عمليات المبادلة يمكن أن نذكر التاجر يونس بن يونس الجربي. فقد تولّ هذا التاجر على سبيل المثال جلب "أربعة وستين من الأسرى المسلمين المسجونين في سردينيا"67 إلى تونس، سنة 1205 ه/ 1791 م. لكن مهما تكثفت ظاهرة مبادلة الأسرى المغاربة بالأوروبيين أو تعدّدت عمليات افتدائهم بالمال، فإن آلاف الأسرى المغاربة ظلّوا قابعين في السجون الأوروبية وخاضعين لمشيئة أسيادهم في المزارع والديار. وهذه الوضعية التي تنطوي على تعارض صارخ بين الأسر والاسترقاق من جهة، والأسر والتحرّر من جهة أخرى، تقود الباحث إلى الحديث عن الهرب بصفته وسيلة أخرى من الوسائل التي كان يستخدمها الأسرى للتخلص من الأسر والرق. وفي هذا الصدد، تزخر مراسلات قناصل فرنسا بالجزائر بمعلومات بالغة الأهمية حول جزائريين فرّوا من الأسر في إسبانيا، ونابولي، ومرسيليا، وحتى من مدينة طولون الفرنسية. ونستطيع هنا أن نورد المثال التالي: "ثمانية جزائريين حكم عليهم بالأشغال الشاقة لكنهم هربوا من مدينة طولون، ثم وقع اعتقالهم في مدينة ليفرنة في 06 جانفي [كانون الثاني/ يناير] سنة 1761 وإرسالهم إلى المعتقل الذي فروا منه"68. بينما تفيدنا وثيقة أخرى أن "خمسة جزائريين هربوا من نابولي ولجأوا إلى سفينة جرساي" في نيسان/ أبريل 176869. وفضلً عن هذه الحالات من الهرب الجماعي لأسرى جزائريين، تطلعنا المصادر على مساجين آخرين

  1. Maximiliano Barrio Gozalo, "Esclaves musulmans en Espagne (Fin XVIIIème-début XIXème siècles)," Cahiers de la Méditerranée , no. 65 (2002), pp. 99  -  118.
  2. Al-Andalusi, pp. 47  -  58.
  3. أ. و. ت، دفتر عدد 184، وثيقة عدد 315.
  4. أ. و. ت، دفتر عدد 123، وثيقة عدد 24.
  5. Charles Brochier, Correspondances, p. 472 (F°: 167  -  168).
  6. Ibid., p. 532.

هربوا من الأسر بصفة فردية70. فخلافًا للأسير الذي تحرر عن طريق الافتداء بالمال أو المبادلة بأسرى أوروبيين، فإن الأسير الهارب أو الفارّ يجسد الأسير المقاوم للرق والأسر والرافض لكل القوانين والأعراف التي تتبعها البلدان المتوسطية في نشاط القرصنة وفي التعامل مع الأسرى.

خاتمة

تسمح دراسة موضوع الأسرى المغاربة بأوروبا خلال الفترة 1772  -  1775 باستخلاص النتائج التالية: أولً: من الناحية المنهجية يمكن القول إن الوثائق التي تتعلق بالأسرى المغاربة الذين أمكن التعرف إليهم في هذا العمل، تكتسي قيمة تاريخية كبيرة لأنها تُعنى بالعلاقة بين القرصنة المتوسطية والأسر، والقرصنة والرق، والعلاقة بين أوروبا وبلدان المغرب. فعلى النقيض من مواقف المستشرقين وأنصار المدرسة الاستعمارية الذين يشدّدون على معاناة الأسرى الأوروبيين في بلدان المغرب، فإن العيّنات التي تركز عليها هذا العمل تدل على أن بلدان المغرب عانت بدورها تأثير القرصنة الأوروبية في مختلف المجالات، وخاصة البشرية والاقتصادية. فلم يكن القراصنة الأوروبيون أقل قسوة، ولا رعبًا من قراصنة بلدان المغرب، بل إنهم كانوا ينتمون إلى بلدان عديدة تحدوها كلها رغبة جامحة في تحويل القرصنة إلى أداة للتوسّع التجاري والاستعماري في جنوب المتوسط. فانتشرت ظاهرة العنف والعنف المضاد بين بلدان ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية، ومن وراء انتشار تلك الظاهرة كانت تختفي التناقضات الاقتصادية والدينية بين الساحتين. من خلال تقديم الوثائق التي أمكن الاطلاع عليها صورة مصغرة عن ظاهرة الأسر والاسترقاق في أوروبا في العهد الحديث، بل وخاصة عن أسر المغاربة وخطفهم واسترقاق الأوروبيين لهم، فإنه يمكن إدراجها ضمن الأصناف الجديدة من الوثائق التي تثري المعرفة التاريخية حول تاريخ القرصنة والعنف في غرب المتوسط. وعلى الرغم من أن الوثائق حول الأسرى المغاربة تقدم صورة سلبية عن تاريخ العلاقات بين أوروبا وبلدان المغرب، فإنه يمكن الاستفادة منها لتأسيس نمط جديد من العلاقات في غرب المتوسّط أساسه نبذ العنف واحترام كرامة الإنسان. لكنّ الاستفادة من تلك الأصناف من الوثائق تظل محدودة؛ فانطلاقًا من عيّنات الأسرى الذين وصلوا إلى ميناء حلق الوادي (تونس) خلال الفترة 1772  -  1775، يصعب التعرف بدقة إلى عدد المغاربة الذين أُسروا في أوروبا خلال القرن الثامن عشر لأسباب عديدة. فلا بدّ من مضاعفة العيّنات وجعلها لا تمتدّ على فترات طويلة فقط، بل وأيضًا تشمل نشاطات جميع الموانئ التونسية والمغاربيّة وحتى الأوروبيّة. لكن يمكن أن نجزم أن عدد الأسرى الجزائريين بأوروبا في القرن الثامن عشر يفوق كثيرًا عدد التونسيين والطرابلسيّة؛ لارتفاع عدد قراصنة الجزائر وشدة التحديات التي كانت تتعرض لها تلك الإيالة العثمانية. وتزداد مسألة تقدير عدد الأسرى المغاربة في أوروبا صعوبة، إذا علمنا ضرورة الأخذ في الحسبان عدد الذين هلكوا أثناء أسرهم، وعند قيامهم بالأشغال الشاقة، أو أثناء الهرب من الأسر، من دون أن ننسى عدد الذين ماتوا غيضًا وغمًّا. ويضاف إليهم الأسرى المغاربة الذين صاروا "مسيحيين صالحين"، واندمجوا طوعًا أو كرهًا في المجتمعات الأوروبية. ثانيًا: من حيث القيمة التاريخية، فإن هذا البحث يساعد إلى حدّ ما على فهم المسار التاريخي لبلدان المغرب وعلاقاتها بالعالم الخارجي. فمن خلال ارتفاع عدد الأسرى المغاربة في أوروبا وتنوع شرائحهم، واختلاف نشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية، يبرز

  1. Ibid., p. 510. ويتضح من مراسلات قناصل فرنسا بالجزائر أن خمسة وخمسين أسيرًا جزائريًا مستعبدين في أوروبا فروا من الأسر خلال الفترة 1761  -  1776.

انقلاب موازين القوى في المتوسط لمصلحة الأوروبيين. في المقابل، وانطلاقًا من القرن السادس عشر الميلادي، فإن النشاطات البحرية في البلدان المغاربية أخذت تتقهقر، والعلاقات التجارية بينها وبين بلدان المشرق العربي الإسلامي تتراجع بالتدريج، بينما أفلس عدد كبير من التجار المحليين جراء المنافسة الأجنبية. ولا نبالغ في شيء، إن قلنا إن هذا العمل لا يكشف عن التفوق العلمي والعسكري والاقتصادي الأوروبي فحسب، وإنما خاصة عن الدور الهامشي الذي أصبحت تؤديه بلدان المغرب في المبادلات المتوسطية. ومن هنا، فإن القرصنة ليست مجرد مؤسسة اقتصادية وعسكرية، بل إنها أيضًا مؤشر مهم على طبيعة العلاقات السياسية بين البلدان المتوسطية. ويمكن أيضًا القول إن القرصنة أداة ضغط سياسي وعسكري كانت تستخدمها البلدان المتوسطية في التعامل، أداة تجسّد على أحسن وجه ظاهرة العنف والعنف المضاد التي كانت منتشرة انتشارًا واسعًا في المتوسط. من هذا المنطلق، فإن حدّة التأثيرات المتولدة من القرصنة الأوروبيّة في بلدان المغرب تندرج في إطار تشكل نظام الاقتصاد في العالم – الرأسمالي الأوروبي، بل وضمن المساعي الأوروبية لإعادة تشكيل علاقاتها مع بلدان ما وراء البحار. لكن نتيجة التحولات التي حصلت في المتوسط في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، فإن القرصنة عفا عليها الزمان، بل إنها تحوّلت إلى نشاط غير مقبول بعد قيام بونابرت بإزالة نظام قراصنة مالطا سنة 1798 وإطلاق سراح الأسرى المغاربة والأتراك الذين كانوا موجودين في تلك الجزيرة. ودفاعًا عن "التجارة الشرعية"، وحريّة الملاحة في المتوسّط، عملت القوى الرأسمالية على القضاء على القرصنة المغاربية بشتى الطرق. وهذا النظام الجديد أرسيت قواعده في مؤتمر فيينا الذي عُقد سنة 1815، ووقع فيه الاتفاق على منع المتاجرة بالرقيق، وخاصة الأوروبيين، ووضع حدّ وبصورة نهائيّة للقرصنة في المتوسّط.

المراجع

العربية

المدني، أحمد توفيق. حرب الثلاثمائة بين الجزائر وإسبانيا. ط 3. الجزائر: المؤسسة الوطنية للطباعة، 1984. ابن أبي دينار (محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني). المؤنس في أخبار إفريقية وتونس. بيروت: دار المسيرة، 1993. فيرو، شارل. الحوليات الليبية. تعريب محمد عبد الكريم الوافي. طرابلس، ليبيا: المنشأة العامة للنشر والتوزيع، 1983.

الأجنبية

• Acerra, Martine, José Merino & Jean Meyer. Les marines de guerres européennes (XVI è-XVIIIème siècles).

Paris: L'Université de Paris-Sorbonne, 1998.

• Al-Andalusi, Nabil. "Un ambassadeur rédemptoriste au service du sultanat sharifien: Ibn Othman Al-Miknassi en

Espagne, à Malte et à Naples." Cahiers de la Méditerranée. no. 87 (2013)

• Bachrouch, Tawfiq. "Rachat et libération des esclaves chrétiens à Tunis au XVIIème Siècle." Revue Tunisienne

des Sciences Sociales. no. 40  -  43 (1975).

• Blondy, Alain. "Le discours sur l'esclavage en Méditerranée: une réalité occultée." Cahiers de la Méditerranée.

no. 65 (décembre 2002).

• Boubacar, Sadok. La régence de Tunis au XVIIème siècle, ses relations avec les ports de l'Europe méditerranéenne:

Marseille et Livourne. Zaghouan, Tunisie: C.E.R.O.M.A, 1987.

• Ezzahidi, Malika. "Le rachat des captifs musulmans à Malte en 1782 , d'après le récit de voyage d'Ibn Uthmân

Al-Meknassî." Cahiers de la Méditerranée. no. 87 (2013).

• Fiume, Giovanna. "Lettres de Barbarie: Esclaves et rachat des captifs siciliens (XVIème-XVIIIème siècles)."

Cahiers de la Méditerranée. no. 87 (2013).

• Ghazali, Maria. "La régence de Tunis et l'esclavage en Méditerranée à la fin du xviiie siècle d'après les sources

consulaires espagnoles." Cahiers de la Méditerranée. no. 65 (2002).

• Ghazali, Maria, Sadok Boubaker & Leila Maziane. "Captifs et captivités en Méditerranée à l'époque moderne."

Cahiers de la Méditerranée. no. 87 (2013).

• Godechot, Jaques. Histoire de Malte. Paris: P. U. F. 1967.

• Laroui, Abdallah. L'Histoire du Maghreb: un essai de synthèse. Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1995.

• Cortés, Manuel Lomas. "L'esclave captif sur les galères d'Espagne (XVIème-XVIIIème siècles)." Cahiers de la

Méditerranée. no. 87 (2013).

• Gozolo, Maximiliano Barrio. "Esclaves musulmans en Espagne (Fin XVIIIème-début XIXème siècles)." Cahiers

de la Méditerranée. no. 65 (2002).

• ________. "Esclaves musulmans en Espagne au XVIIIème siècle." Cahiers de la Méditerranée. no. 87 (2013).

• Louis, Frank. Tunis, description de cette régence. Tunis: Firmin-Didot, 1985.

• Mtar, Nabil. "Maghrebi captives in the 17 th century in England." La Grande Bretagne et le Maghreb. no. 8

• Zouari, Ali. Les relations commerciales entre Sfax et le Levant au XVIIIème siècle. Tunis: institut national

• Valensi, Lucette. "Esclaves chrétiens et esclaves noirs à Tunis au XVIIIème siècle." Annales. Économies, Sociétés,

• Tolon, John et autres. L'Europe et l'islam. Paris: Odile Jacob, 2009.

d'archéologie, 1980.

Civilisations. vol. 22. no. 6 (1967).