Return to Article Details The Historiography of Contemporary Events through Memoires and Personal Testimonies Significance and Research Cautions (The Case of Libya)

التأريخ للأحداث المعاصرة من خلال المذكرات والشهادات الشخصية الأهمية والمحاذير البحثية (الحالة الليبية نموذجًا)

The Historiography of Contemporary Events through Memoires and Personal Testimonies

فاتح رجب قدارة*Fatah

Gdarh

الملخّص

إنّ تسارع الوقائع والأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الساحات العربية في العقدين الأخيرين، يضع الباحث التاريخي المعني بالتاريخ المعاصر والراهن "الآني" أمام كمٍ هائل من المصادر الأولية غير الوثائقية وغير الموثقة: من شهادات، ومذكرات شخصية، وبيانات صحافية للفاعلين في الحدث المعاصر والراهن سواء من الذين غادروا سدة السلطة أم من الذين لا يزالون ينشطون في المشهد السياسي والاجتماعي. انطلاقًا من ذلك، تعتمد هذه الدراسة الحالة الليبية المعاصرة والراهنة نموذجًا للحالة العربية المعاصرة التي تكاثر فيها الساسة والفاعلون السياسيون والاجتماعيون والمناضلون والثوار وغيرهم الذين عمدوا إلى تسطير المذكرات الشخصية، والإدلاء بالشهادات الشخصية الصحافية والإذاعية حول معاصرتهم الأحداث التي أسهموا فيها، أو دورهم في صنع العديد من الوقائع والاحتجاجات والفورات الشعبية التي عرفتها ليبيا منذ الاستقلال عام 1951 ؛ وذلك من خلال التعريف بالمذكرات والشهادات الشخصية وخلفيات تدوين عدد من النماذج المستخدمة في الدراسة، وبروز هذه الظاهرة في المشهد الليبي، وإجراء دراسة نقدية مقارنة لنماذج من كتابات الساسة والفاعلين ورؤاهم في الأحداث الكبرى التي مثّلت منعطفات تاريخية في سيرورة الحدث الليبي المعاصر والراهن.

Abstract

The rapid development of events in the Arab region over the past 20 years has made a treasure chest of vital primary materials available to historians and other scholars. Many of these sources are not official documents, and include personal testimonies, press statements, accounts from those who have left power and others still active on the political and societal scene. Many are memoirs and testimonies, shared for a variety of motivations: personal, political and social. Historians of the "contemporary" must thus develop research methods that can sufficiently evaluate the content of these testimonies in a way that maintains rigor in cataloging the history of the present moment. Using present-day Libya as a case study, the study takes a methodological look at the published and unpublished material from politicians, political and social actors, activists, revolutionaries, and others who have written personal testimonies and submitted them to newspapers or broadcast media. Much of this was recorded while actors participated in events, protests, and popular disturbances witnessed in Libya since its independence in 1951. The paper finishes with a critique of the writings of politicians and political actors, showing the necessity for wide reading and context in the writing of the history of the present.

الكلمات المفتاحية:
  • المذكرات والشهادات
  • التأريخ الليبي المعاصر والراهن
  • آليات البحث
  • الشهادات الليبية
Keywords:
  • Memory
  • Testimony
  • Libyan History Writing
  • Contemporary History
  • Libyan Testimonies

الأهمية والمحاذير البحثية (الحالة الليبية نموذجًا)

Significance and Research Cautions (The Case of Libya)

مقدمة

من الأهداف الرئيسة لأيّ علم من العلوم الإنسانية والتطبيقية فهم الظواهر والتنبؤ بها والتحكم فيها. ويُعدّ الفهم العملية الأساسية التي يستند إليها للوصول إلى إدراك واعٍ للظاهرة وما يرتبط بها من واقع، لأنّه من دون فهم الظواهر والوقائع لا يمكن إصدار حكمٍ أو تعميم حولها، ولا يتحقق الفهم العلمي للظواهر إذا ما اقتصر على الوصف، ذلك لأنّ التفسير مرحلة أساسية لاكتمال عناصر فهم تلك الظواهر، ولا تتم عملية التفسير هذه إلا بعد التعرف إلى عناصر تلك الظاهرة والسمات والخصائص المميزة في نشأتها، وتطورها وعلاقتها بغيرها من الظواهر1، لا سيما الإنسانية منها التي تتناول الإنسان بوصفه اهتمامًا رئيسًا في لغاته وآدابه وتاريخه الذي تتداخل فيه العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية، وغيرها؛ بحيث يصعب ضبط الظاهرة التاريخية وإخضاعها لمعايير دقيقة وصارمة، نظرًا إلى نسبية الحقيقة التاريخية مقارنةً بغيرها من الظواهر الاجتماعية والطبيعية. وضالة الباحث التاريخي الأكاديمي هي الحقيقة التاريخية من خلال الدراسة العلمية المنهجية للوقائع، والحوادث التاريخية في جزئياتها وكلياتها، في ضوء ذهنية علمية تروم الوصول إلى الحقيقة التاريخية النسبية، وبحسب ما تجود به مصادره الموظفة في البحث، وكلما زادت الوقائع الجزئية التفصيلية، زادت نسبة الصدق، واقترب البحث من أن يكون علميًا2. ويتوقف هذا إلى حدٍ كبير على المصادر المتاحة والآليات والتقنيات المنهجية التي يوظفها الباحث في تحليل مصادره وتقييمها. من هنا كانت قضية المصادر التاريخية القضية الأساسية للباحث، لا سيما الباحث في التاريخ المعاصر والراهن، هذه الحقبة التاريخية التي عرفت ديناميكية في مصادرها التي لا تزال في مرحلة الكشف والظهور والإنتاج المستمر، سواء من خلال الكشف عن المصادر الوثائقية الأولية، أو إتاحتها للباحثين، أم من خلال الإنتاج المتزايد للمذكرات والشهادات الشخصية للفاعلين في الأحداث، وغيرهم من الذين ساهموا أو شاركوا في صنعها، وكانوا شهودًا على المراحل والعهود الماضية، الأمر الذي جعل بعض المنظرين في العلوم التاريخية يسعى إلى التأطير النظري للتاريخ الحدثي، بعدّه زمنًا "يتحرك على السطح وبسرعة وبتموجات قصيرة ومتلاحقة"3. تحمّل الباحث التاريخي المتخصص في الحقبة المعاصرة والتاريخ القريب أو الراهن مسؤولية ملاحقة مصادره ومراجعة مؤرخاته في ضوء الحقائق أو المصادر المستجدة. وطرح البعض تساؤلً جوهريًا مفاده: هل يمكن كتابة تاريخ الزمن الراهن؟ ويردّ هذا التساؤل إلى صعوبة التأريخ لما هو جارٍ "لأنّ الحوادث الساخنة ألصق بحياة المؤرخ من أن تصلح موضوعًا للبحث الرصين، فالمسافة الضرورية بين الباحث وموضوعه غائبة، والفاعلون في الأحداث، والمستفيدون المباشرون منها ما زالوا على قيد الحياة، والحدث لم يستكمل كل ملامحه، ولم تتجمع كل عناصره [...] هذا فضلً عن صعوبة الوصول إلى المصادر الأرشيفية"4. وبعيدًا عن هذا الجدل الذي ربما يحيل إلى مزيد من تفريط المؤرخين في مناطق هم الأقدر على التعامل معها بإيجابية، مقارنة بالسياسيين والإعلاميين وأساتذة الاجتماع السياسي، وغيرهم من الذين اقتحموا قسرًا مجال المؤرخين، يقرأون الماضي برؤاهم، ويستدعونه لتفسير الحاضر، واستشراف المستقبل بعدّهم متمكنين من الحقيقة التاريخية، ويعتقدون أنّهم وحدهم على صواب في

  1. ربحي عليان و عثمان غنيم، أساليب البحث العلمي، الأسس النظرية والتطبيق العملي (عمان: دار صفاء للنشر والتوزيع، 2004)، ص 16.
  2. عاصم الدسوقي، البحث في التاريخ، قضايا المنهج والإشكالات (بيروت: دار الجيل، 1991)، ص 180.
  3. وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات، مدارس، مناهج (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 215.
  4. فتحي ليسير، تاريخ الزمن الراهن، عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر (صفاقس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ودار محمد علي الحامي، 2012)، ص 8.

تحليلاتهم، بينما فضّل كثير من المؤرخين الأكاديميين والباحثين العرب الابتعاد قدر الإمكان عن الوقائع القريبة العهد، والتركيز على المراحل التي استقرت مصادرها والآراء حولها. ربما تكون الإشكالية الأكثر إعاقة للمؤرخين العرب مسألة تحقيب التاريخ المعاصر والتاريخ الراهن5. انعكست هذه الإشكالية بالضرورة على اتجاهات البحوث والبرامج الدراسية في الجامعات العربية التي يتوقف التاريخ المعاصر في أغلبها عند إعلان استقلال دولها، ومولد الدولة الوطنية6؛ فدراسة المرحلة اللاحقة زمنيًا أو تدريسها يجب أن يكونا وفقًا للرؤية السياسية للسلطة الحاكمة، وعلى أقل تقدير بما لا يخالف سياساتها، وما تسمح به من مصادر أولية وثائقية، إضافةً إلى الحساسية الاجتماعية العالية من الحقيقة التاريخية التي ألجمت الباحثين، والتاريخ المعاصر في الجامعات العربية، عدا بعض الاستثناءات التي حتمتها المتغيرات السياسية الكبرى في تلك الدول7، فإنّها إشكالية ربما تتطلب المزيد من الوقت والبحث الجماعي لحسمها. لذلك، فإنّنا نعتقد أنّ التاريخ الليبي المعاصر والراهن (1951  -  2011)، نموذج مثالي لحال الدراسات التاريخية الأكاديمية العربية، على الرغم من التوسع الهائل في أعداد أقسام التاريخ في الجامعات، والباحثين والمنخرطين في البحث التاريخي الذين انزووا عن قصد في دراسة حركة المقاومة الليبية والاستقلال الذي مثّل نقطة النهاية للبحث التاريخي الأكاديمي. وتعددت الأسباب والتفسيرات العلمية الموضوعية والسياسية؛ من أبرزها غياب المصادر الوثائقية الأولية عن عهد الاستقلال، وتعمّد كل قادم جديد إلى السلطة طمس وثائق سلفه أو حجبها، الأمر الذي طرح بالضرورة مسألة كتابة التاريخ الليبي المعاصر والراهن، ومحاولة استدعاء مآثره في محاولة تاريخية لمعالجة جراح الأحداث الدامية التي شهدتها ليبيا منذ عام 2011. جاءت هذه المحاولات في سياق البحث عن مصادر بديلة في كتابة التاريخ، وهي: المذكرات، والشهادات الشخصية المنشورة التي تراكم عدد منها في السنين الأخيرة، انطلاقًا من فرضية بحثية مفادها أنّ المذكرات والشهادات الشخصية للفاعلين تُعدّ مصدرًا من مصادر كتابة التاريخ، على الرغم من المحاذير البحثية، الأمر الذي يلزم الباحثين الأكاديميين تطوير تقنياتهم ومنهجياتهم العلمية في تقييم محتويات هذه المصادر الوثائقية وتحليلها، قبل اعتمادها في كتابة التاريخ. تتعدد المفاهيم والمصطلحات التي تقع في دائرة المذكرات والشهادات الشخصية، وحقل السيرة الذاتية تعددًا يفضي إلى تداخل في الدلالات والمحتويات التي تتضمنها: تاريخ الحياة، وسيرة الآخر، وقصة حياة، والكتابة الذاتية، وتاريخ حياتي، والشهادات الحية، والاستجوابات الصحافية، واليوميات الشخصية، والكتابة التسجيلية، وغيرها من التعبيرات التي تنتمي إلى أجناس أدبية مختلفة، الأمر الذي يلزمنا القيام بتحديد واضح لمفهوم المذكرات والشهادات الشخصية. وهما مصطلحان للدلالة على المذكرات الشخصية التي يدوّنها صاحبها غالبًا، والشهادات الشخصية التي يُقصد بها الشهادات المبرمجة من حيث أسئلتها وهدف الاستجواب وموضوعه، ونشُرت للعموم؛ بحيث إنّ الشهادات الشعبية المسجلة تخرج عن دائرة اهتمامنا في هذا البحث8.

  1. التاريخ الراهنأو التاريخ الآني: هذا الاصطلاح جديد في الاستخدام، ويعني غالبًا الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية 1945، وعند البعض من نهاية الحرب الباردة، ويستخدم في التحقيب الوطني الليبي بقيام الدولة الوطنية المستقلة 1951، وما تلاها، على الرغم من إدراكنا أنّ تحقيب التاريخ الوطني لأي دولة عملية صعبة وغير نهائية ويخضع لمراجعة متواصلة ونقاش دائم.
  2. الدسوقي، ص 180.
  3. انظر على سبيل المثال: الكتابات التاريخية في المغارب، الهوية، والذاكرة والإسطوغرافيا، سلسلة ندوات ومناظرات 138 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007.)
  4. هذا البحث هو جزء من مشروع طموح أخذت تتوضح معالمه حول أهمية المذكرات والشهادات الشخصية في كتابة التاريخ الليبي المعاصر، نشرنا في سياقه بحثًا بعنوان: "الثورة الجزائرية من خلال مذكرات الساسة الليبيين (مصطفى بن حليم، ومحمد عثمان الصيد نموذجًا)"، المجلة الجامعة، العدد 17 (2015.)

مفهوم المذكرات، والشهادات الشخصية

المذكرات الشخصية

تُعدّ مسألة تداخل الأجناس الأدبية من أهم العقبات التي تواجه الباحث التاريخي المتقصي الوقائع والأحداث، لا سيما بين المذكرات الشخصية وأدب السيرة الذاتية بعدّه شكلً من أشكال الإبداع الأدبي الواقعي والخيالي للأدباء، القائم على الحكي الاستعادي النثري، يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، ويركز من خلاله على حياته الفردية وتاريخ شخصيته. لذلك فإنّ بعض الباحثين يرى أنّ بعض السير الذاتية يتخذ شكل المذكرات الشخصية9، وحتى أدب السيرة الذاتية لا نجزم بعدم أهميته في استجلاء بعض مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية في حقب تاريخية محدودة10، لكننا نروم في هذه الدراسة المذكرات الشخصية بعدّها "وثائق تاريخية" تتنوع تعريفاتها من حيث الإحاطة بجوانب هذا المفهوم. يعرّف المؤرخ عبد العظيم رمضان المذكرات الشخصية بأنّها تشمل كل ما رُوي أو دُوّن من وقائع بهذه الصفة، سواء أسجّل في وقته ويومه أم سجّل بعد أن أصبح ذكرى؛ وبمعنى آخر يقصد بها اليوميات والذكريات المدونة أو المروية، والسيرة الذاتية11. وهو تعريف من الشمولية بحيث يزيد في حالة الغموض والتداخل بين عدد من المدونات التاريخية والأدبية المتباينة في موضوعها، ومرجعيات تدوينها. لذلك انبرى بعض المتخصصين يفرز هذه المدونات؛ منهم جورج قوسدورف الذي يعبّ عن ذلك التداخل بقوله: "يبرز خط الفصل بين المذكرات والسيرة الذاتية، فرجل السياسة، والقائد العسكري، والمسؤول عن الصناعة، والرحالة الكبير، كلهم يستطيعون سرد حياتهم حسب مكانة مؤسساتهم بموضوعية كبيرة تقريبًا [...] إنّ كاتب المذكرات يساهم في تاريخ عصره أكثر من تاريخه الخاص، فتاريخه الشخصي يندمج في التاريخ العام الموضوعي، أما مؤلف السيرة الذاتية فإنه يمنح الأسبقية للمجال الخاص، والتذكر عنده هو بعث معنى ماضٍ ما ينتمي إليه في ذاته وسيختفي باختفائه "12. ويُعرّف آخر المذكرات بكونها جنسًا تاريخيًا يحكي فيه الكاتب وقائع الحياة العامة التي كان شاهدًا عليها، أو كان له فيها دور ما. وغالبًا ما تكون الأهمية التي أعطيت للأحداث والتاريخ في هذه المؤلفات أكثر من الأهمية التي تعطى لشخصية الكاتب. ولهذا فعنوان "مذكرات" يلائمها أفضل من عنوان "سيرة ذاتية"13. بينما يعدّها البعض الآخر شكلً من أشكال السيرة الذاتية في المدونات العربية14. وفي السياق ذاته نجد بعض المعاجم اللغوية يدمج بين المذكرات والسيرة الذاتية، بعدّهما "سرد قصصي يتناول فيه الكاتب ترجمة حالة، وما يعترضه من معضلات وشدائد، ومحاولً تتبع الأحداث زمنيًا من خلال الاستعانة بعدد من العناصر من الأجناس الأدبية الأخرى، كاليوميات والرسائل والمذكرات والذكريات والحوارات الشخصية "15. أمّا معجم المصطلحات في اللغة والأدب فجاء فيه: أن المذكرات شكل من السيرة الذاتية، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل فصله منطقيًا عن السيرة الذاتية، فكاتب المذكرات عادة هو شخص

  1. محمد الباردي، عندما تتكلم الذات، السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث (صفاقس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ومركز الرواية العربية، 2008)، ص 176.
  2. علي عبد اللطيف احميدة، "الهوية والاغتراب في الأدب الليبي بعد الاستقلال: ثلاثية أحمد إبراهيم الفقيه نموذجًا"، في الأصوات المهمشة، الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الاستعمار وبعده (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 101 وما بعدها.
  3. عبد العظيم رمضان، مذكرات السياسيين والزعماء في مصر 1891  -  1981 م، ط 2 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1981)، ص 22.
  4. جورج قوسدورف، "التاريخ مؤسطرًا"، في: الأجناس الأدبية من الضبط إلى العبور، ترجمة الأمين بن مبروك (صفاقس: مكتبة علاء الدين، 2008)، ص 73.
  5. محمد أولحاج، بيداغوجيا تحليل الخطاب، السيرة الذاتية، المكونات، والروافد (الدار البيضاء: مكتبة السلام الجديدة، والدار العالمية للكتاب، 2006)، ص 35.
  6. الباردي، ص 171.
  7. محمد التونجي، المعجم المفصل للأدب، ج 2 (بيروت: دار الكتب العصرية، 1993)، ص 536.

قام بدور مميز في التاريخ، أو أتيحت له الفرصة لكي يشاهد عن كثب التاريخ في صنعه16، وغير ذلك من الاجتهادات الحديثة حول تحديد المفاهيم وفرز الأجناس الأدبية. لكن الباحث التاريخي الذي يروم الحقيقة ويسعى وراء الحدث والواقعة من منطلق أنّ التاريخ يشمل تجربة الإنسان في كل مكان وزمان، وليس بالإمكان تجاهل أيّ جزء من ذلك لأنّه يقع خارج المجال الملائم للمعرفة التاريخية، ولأنّ الكائن البشري يمتاز من بين كل الكائنات بالذاكرة الفردية أو الجماعية، فإنّ حصيلة هذه الذاكرة الفردية والجماعية هي التاريخ17 المدوّن والمروي المتناقل بين الأجيال شفهيًا، لا سيما التجارب الشخصية التي ظلّت حبيسة المرويات المتواترة في ليبيا، والعالم العربي قبل أن يتأثر الساسة والنخب الاجتماعية العربية بالأسلوب الغربي العريق في تدوين المذكرات الشخصية التي للمؤرخين رؤية في توصيفها وتوظيفها في الكتابة التاريخية. يفرّق جون توش Tosh John المنظّر التاريخي، بين السيرة الذاتية والمذكرات Memoirs، المصطلح الذي يدلّ لديه على سرد تاريخي شخصي كتبه شخص ما كان يشغل منصبًا ما في الحياة العامة، وأُعدّ لكي ينشر بعد موته لمدة لا بأس بها من الزمن. أما الغرض من ذلك فهو تدوين الحقائق والمعتقدات الذي من المحتمل أن يكون آنذاك تصرفًا خطيرًا وعلى هذا الأساس تكون أكثر إثارة للقارئ من نشرها بوصفها سيرة ذاتية رقيقة وغامضة18؛ فالمذكرات بهذا المعنى تعبير عن تجربة فردية يتم استحضارها اعتمادًا على الذاكرة، وفي الغالب يشوب ذلك كثير من المبالغة والتمركز حول الذات. لذلك، اتخذت المذكرات شكل السيرة الذاتية، فلا يستعين صاحبها بالخيال الأدبي بقدر ما يعمل على توظيف الأحداث التاريخية. ولا ينفي هذا أنّ المذكرات والشهادات الشخصية تفيد الباحث التاريخي في إثارة مجموعة من التقاطعات التاريخية، وتسليط مزيد من الضوء على بعض الأحداث19. وترجع حالة نسبية تلك المرويات (المذكرات، والشهادات) إلى عامل التذكر واسترجاع الوقائع والأحداث. تحيل المذكرات والشهادات الشخصية المسترجعة بالضرورة إلى الذاكرة Memory الإنسانية التي تعرف بأنّها نشاط العقل البشري بوصفه منظومة عقلية حية، كما تسمى بالحافظة أو القدرة على حفظ الذكريات التي كانت وقائع أو أحداثًا وأخبارًا، واستعمالها بالاستذكار والاسترجاع للمعلومات المخزنة أو المحتفظ بها في الذاكرة الفاكرة20؛ بحيث إنّ الإنسان مفطور على حاستي الذاكرة والتوقُّع، إذ إنّه ينظم حياته داخل شبكة نسيجها الماضي والحاضر والمستقبل21، ووفقًا لنظرية فرويد مؤسس التحليل النفسي الذي وضع نظرية "النسيان" لا التذكر، فهو يقول: إن كل التجارب المهمة تسجلها الذاكرة وتختزنها، ولكن يتم استبعاد بعضها في دائرة الوعي، نتيجة عملية الكبت التي يقوم بها العقل اللاواعي باستمرار للتخلص من القلق22، وغير ذلك من التعريفات للذاكرة بعدّها من الملكات الرئيسة للعقل الإنساني، ومن وظائفها استعادة حدث في ماضي الشخص، واستعادته معاصراته ومشاهداته. لكن هذه الاستعادة نسبية، وليست بالضرورة مطابقة للأحداث والوقائع التي خزنتها الذاكرة؛ بحيث تتحدث الدراسات العلمية عن حالة تعديل الذكريات الشخصية لتكون

  1. مجدي وهبة وكامل المهندس، معجم المصطلحات في اللغة والأدب (بيروت: مكتبة الآداب، د. ت.)، ص 190.
  2. محمد الطالبي، "التاريخ ومشاكل اليوم والغد"، مجلة عالم الفكر (نيسان/ أبريل، أيار/ مايو، حزيران/ يونيو 1974)، ص  12.
  3. جون توش، المنهج في دراسة التاريخ، اتجاهات ومنهجيات وأهداف جديدة في دراسة التاريخ الحديث، ترجمة ميلاد المقرحي (بنغازي: منشورات جامعة قاريونس، 1994)، ص 75.
  4. أحمد مهدرها، "قراءة في كتاب ذاكرة نضال وجهاد لصاحبه الغالي العراقي"، مجلةالبحث التاريخي، العدد 3 (2005)، ص 113.
  5. خليل أحمد خليل، معجم مفاهيم علم الاجتماع (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1996)، ص 123.
  6. روي بورتر، "تاريخ الزمان"، في: فكرة الزمان عبر التاريخ، ترجمة فؤاد كامل، سلسلة عالم المعرفة 159 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992)، ص 7.
  7. سامي خشبة، مصطلحات فكرية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997)، ص 131.

مرغوبة من وجهة نظر صاحبها، أو أنّه يتذكر معلومات شخصية خاطئة أو غير صحيحة، بسبب عملية التصفية والفرز في الذكريات23. إنّ التذكر مثل الإدراك عرضة للخطأ. وتدل خبرات الحياة اليومية على وهن العمليات العقلية عند الإنسان. وربما تصاب الذاكرة بالضعف أو الوهن أو النسيان، ويمكن أن يكون جزئيًا، أو كليًا مؤقتًا أو دائمًا. وتتعدد النظريات العلمية في ضعف الذاكرة، وقدرتها على الاسترجاع؛ أبرزها نظرية "الترك والضمور" التي ترى أنّ الذكريات والخبرات السابقة تضعف آثارها أو تضمر نتيجة لعدم استخدامها، ونظرية "الكبت" التي تفسر نسيان المواعيد، والتواريخ والأسماء والأحداث، بالرجوع إلى رغبات مكبوتة، لا سيما الأحداث المؤلمة أو التي تجرح خبايا النفس البشرية24. تلك ملامح مختزلة جدًا للتعريف بالذاكرة الإنسانية، وحالة التذكر واسترجاع التجارب والأحداث التي تصبّ جميعها في حالة النسبية وعدم الدقة في التذكر الذي يكون في الغالب انتقائيًا للمعلومات التي سبق تخزينها في زمن معيّ. ونتيجة لذلك، فإنّ مدونّي المذكرات يبذلون محاولات كثيرة ومتكررة من أجل إقناع المتلقي باعتمادهم الموضوعية والصدق في إيراد الأحداث والوقائع والمشاهدات، وقول الحقيقة. وهي محاولات لا تتعارض مع الحقائق العلمية؛ لأنّ صاحب المذكرات أو المدلي بشهادته لا يستطيع قول الحقيقة إلّ من منظوره الخاص، وكما يراها هو، لعوامل عديدة؛ منها ما هو مقصود، ومنها ما هو اضطراري أو عفوي وخارج عن إرادته، نوجز أهمّها في: النسيان: يكتشف الكاتب عند محاولة تدوين المذكرات أنّه نسي قسطًا كبيرًا منها، أو تناسى تلك الذكريات لأسباب تتعلق أساسًا بالوقائع التي تم تناسيها. وهذا الشكل الآخر من النسيان المقصود المتعمد حتى لا تشوّه الصورة البطولية أو النضالية لصاحب المذكرات أو الشاهد، وتجنّبه إلحاق الضرر بالغير، وذلك بعدم كشف الأسرار وفضحها لحمايتهم، لا سيما أنّ الحقبة التاريخية التي يتذكرونها ويشهدون عليها عرفت كثيرًا من العنف والقتل والإضرار بالآخرين خارج إطار القانون، الأمر الذي يجعل الأبواب مفتوحة لحسابات مستقبلية. الرقابة الذاتية: يمارسها الذهن على ما هو غير معقول، وتقوم الذاكرة بعملية الإقصاء والاختيار الواعي للأحداث، الأمر الذي يجعل كاتب المذكرات يتعامل مع الأحداث التي عاصرها وساهم فيها بصورة انتقائية، ولأنّ الذاكرة لا تحتفظ بكل الآثار والأفكار والأحداث وإنما تقوم بعملية فرز واختيار25. هذا ما جعل موضوع الذاكرة الكاذبة أو المزيفة، والذكريات اللاشعورية، والذاكرة التي تعرضت لصدمة نفسية، تشغل أذهان العلماء والمختصين في ميادين التعليم والتربية والقانون والعلاج النفسي، والاستجواب والشهادة26، وكذلك المؤرخين الذين يرون أنّ المذكرات تكتب عن وعي ذاتي مسبق من أجل الأجيال المقبلة في المستقبل، وهي بالضرورة جزء ضئيل من الحقيقة، وبغية تقديم تبرير تصرفاتهم عند استعادتهم الأحداث الماضية والتأمّل فيها، وتقديم الأدلة من أجل الدفاع عن النفس أمام محكمة التاريخ، والذاكرة بوصفها سجلً للأحداث تعدّ في كثير من الحالات غير دقيقة وانتقائية إلى درجة التحريف27، أو كما يقول لانجلوا وسينوبوس: إنّ الباحث التاريخي في حالة اعتماده المذكرات والشهادات الشخصية، يتعامل مع عقل المتذكر والشاهد وما تركته الواقعة فيه28.

  1. محمد قاسم عبد الله، سيكولوجية الذاكرة، قضايا واتجاهات حديثة، سلسلة عالم المعرفة 290 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، شباط/ فبراير 2003)، ص 96.
  2. عبد الرحمن العيسوي، مناهج البحث العلمي في الفكر الإسلامي والفكر الحديث (بيروت: دار الراتب الجامعية، 1997)، ص 56  -  57.
  3. أولحاج، ص 22  -  23.
  4. عبد الله، ص 7.
  5. توش، ص 75.
  6. لانجلوا وسينوبوس، المدخل إلى الدراسات التاريخية، في النقد التاريخي، ترجمة عبد الرحمن بدوي (القاهرة: دار النهضة العربية، 1970)، ص 69.

في حين يرى آخرون أنّ "المذكرات الشخصية ليست نصًا أصليًا يكفي أن ننسخه: الذكريات ليست حقيقة ولكنها إجراء عملي، بحيث لا توجد ذكريات جاهزة، بل نحن نقوم بعملية التذكّر، نتذكر بالتقاط شيء يعطينا حاليًا معنى مغايرًا لم يعطنا إيّاه في الماضي، إنه دلالة الماضي، وليست هذه الدلالة معطاة، ولكنها رغم كل شيء معطاة بواسطة التخيل"29، وغير ذلك من المحاذير (المشككة في صدقية المذكرات المتذكرة) التي جعلت منظري البحث العلمي يوجّهون الباحثين إلى عدم الثقة العمياء بهذا المصدر التاريخي. ومن الضروري طرح عدد من الأسئلة الأساسية عن محتوى المذكرات والشهادات؛ ما مدى مقدرة المؤلف ونزاهته وسمعته واهتمامه بالموضوع؟ وهل كانت له وجهة نظر خاصة متميزة؟30 وغيرها من الأسئلة والنقد الباطني الرصين لمحتواها. وفي الإطار ذاته يحذّرون من "إن الإفراط في الشك والاتهام في هذه الأمور يكاد يكون له نفس النتائج الضارة التي للإفراط في الثقة والاعتقاد"31 في تلك المذكرات والشهادات الشخصية.

الشهادات الشخصية

يتعلق الجزء الآخر من تحديد المفهوم بالشهادات الشخصية. ونقصد بها ذلك الحكي الاستعادي ذا المنحنى الوقائعي التاريخي، يقوم به الشخص المدلي بشهادته حول قضية أو موضوع محدد من الموضوعات التي عاصرها، أو شارك في صنعها، أو كان شاهد عيان عليها. ولا تختلف من حيث مصدرها عن المذكرات الشخصية المؤسسة على الذاكرة الشخصية، وما تخزنه من خبرات وتجارب وانطباعات خضعت لمقتضيات الذاكرة، من معالجة للمعلومات وإقصاء وفرز32، لكن خصوصيتها تكمن في أسلوب استدعائها المبرمج من ذهن المستجيب الذي يتولى تحديد المعلومة التي يريدها، والجزئيات التي تهمه من ذكريات المستجيب الشاهد، وربما تكون حصيلتها أوفر من المذكرات الشخصية، تبعًا لأساليب الاستجواب وعملية النفاذ الذكي إلى معلومات يكون له حق إخفائها في حالة المذكرات. والشهادة في المعاجم اللغوية: مصدر شهد، من الشهود بمعنى الحضور، والشاهد حامل الشهادة ومؤدّيها لأنّه شاهد لما غاب عن غيره، وتسميتها بالشهادة إشارة إلى أنّها مأخوذة من المشاهدة المتيقنة لأنّ الشاهد يخبر عمّا شاهده33، وبهذا المعنى تتداخل مع مفهوم التأريخ الشفهي والرواية الشفهية اللذين يثيران كثيرًا من الجدل بين المؤرخين الأكاديميين حول أهميتها في كتابة التاريخ34، لا سيما الباحثين الوثائقيين الذين يقدسون الوثيقة الورقية، ولا يعتدّون بغيرها في كتابة التاريخ، على الرغم من أنّ أساس الوثيقة رواية أو شهادة شخصية. وبعيدًا عن ذلك الجدل الفكري والبحثي، نشير إلى أنّ "الشهادات الشخصية" التي نقصدها هي شهادات السياسيين والفاعلين في مسرح الأحداث المفصلية. وجُمعت هذه الشهادات منهم بعد مغادرتهم مناصبهم. ونشُرت بعد ذلك للعموم؛ سواء في الصحف والمجلات، أم في الكتب. وخلافًا لطبيعة المذكرات الشخصية التي تعتمد أساسًا على رؤية مؤلفها في ما يصرح به أو يخفيه، فإنّ الشهادات الشخصية تتأسس على محادثة مبرمجة في أسئلتها، والموضوعات التي تتطرق إليها؛ محادثة موجهة تتم بين المستجيب (مؤرخ، سياسي، إعلامي) والشاهد المعاصر للحدث. وتعتمد على التبادل اللفظي والتطرق المستفز أحيانًا من أجل استجلاء الحقائق واستدعاء الذكريات الخفية التي ربما يحاول الشاهد عدم التطرق إليها، إضافةً إلى مشاهدته ومعاصرته الوقائع التي أسهم في صنعها. وتُعدّ الشهادة الشخصية بهذا

  1. قوسدورف، ص 76.
  2. أحمد بدر، أصول البحث العلمي ومناهجه، ط 5 (الكويت: وكالة المطبوعات، 1979)، ص 249.
  3. وسينوبوس، ص 93.
  4. أحمد أوزي، المعجم الموسوعي لعلوم التربية (الرباط: منشورات مجلة علوم التربية، 2006)، ص 143.
  5. ابن منظور، لسان العرب، ج 3، ص 239.
  6. ميلاد المقرحي، "الرواية الشفهية والمصادر المدونة في كتابة التاريخ"، مجلة قاريونس العلمية، السنة الثانية، العدد 4، ج  1 (1989)، ص 105.

المفهوم مصدرًا تاريخيًا أوليًا يسهم في إلقاء الضوء على جزئيات تاريخية مهمة تعوزها الوثيقة الورقية، بما في ذلك الروايات الفردية أو شهادات الآحاد. إنّ محاولتنا تأطير الشهادات الشخصية وتوصيفها ترجع إلى أنّ عديد الأدبيات المنهجية في البحث العلمي عمومًا والبحث التاريخي على وجه الخصوص لم يتطرق إلى توصيف الشهادات الشخصية للسياسيين والفاعلين توصيفًا علميًا بوصفها حالة من حالات الإفادة المصدرية التي تختلف كليًا عن الرواية الشفهية أو المقابلة البحثية المعتادة في العلوم الاجتماعية35، في الوقت ذاته تختلف اختلافًا كليًا عن الرواية الشفهية القائمة على التقاليد الثقافية المنقولة من جيل إلى آخر عن طريق الكلمة المنطوقة يتناقلها الخلف عن السلف36 وتختلف جزئيًا وأحيانًا كليًا عن الرواية التاريخية التي تجمع من شهود عفويين شاركوا وانتهت إليهم بعض تفاصيل الأحداث، مثل تجربة جمع روايات تاريخ الجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي37. ومردّ هذا الاختلاف أنّ الشهود في حالة الشهادات الشخصية من السياسيين ورجال الدولة الذين يسألون عن وقائع وأحداث محددة كانوا جزءًا منها، أو من الشهود الفاعلين فيها، وعلى قدر كبير من الإدراك والوعي. وبطبيعة الحال، فإنّ هذه الشهادات لها ما لها، وحولها كثير من التساؤلات التي يطرحها الباحث الأكاديمي ويخضعها للنقد الباطني العميق. يضع المؤرخ الإنكليزي ديفيد هينج، وهو من أشد المتحمسين للتأريخ الشفهي، تعريفًا علميًا يفرّق فيه بدقة بين الرواية الشفهية والتأريخ الشفهي، ويتعلق التأريخ الشفهي لديه بدراسة التاريخالقريب أو المعاصر والراهن، وذلك عن طريق استخدام التواريخ المدونة والمذكرات والشهادات الشخصية، بأن يتكلم الرواة الفاعلون عن تجاربهم الشخصية38. والتأريخ الشفهي هو القائم على حوارات استقصائية تسعى إلى التطرق إلى كثير من التفاصيل والجزئيات والأسرار مع الشاهد. ويتعدد أنصار الشهادات الشخصية الذين يعدّونها مصادر وثائقية أولية لكتابة التاريخ لها خصوصيتها التأسيسية الإيجابية تجاه المعلومات التي يمكن جمعها من خلالها، لا سيما الأبعاد الإنسانية والنفسية للشاهد التي لا يمكن الوصول إليها من خلال النصوص المكتوبة39. وهي بذلك وثائق تاريخية لا جدال فيها. ويرى المؤرخ يونان لبيب رزق أنّ الشهادات الشخصية تمثّل جانبًا مهمًا في الدراسات التاريخية، ولها وظيفة محددة تتمثّل بسدّ ثغرات يستشعرها الباحث ويرى معها ضرورة، وتخضع الأسئلة التي توجَّه إلى صاحب الشهادة لدراسة دقيقة، تتناول الدور الذي قام به في العمل العام، وما عرف عن هذا الدور. لذلك، يُعدّ الاعتماد على الشهادات الشخصية للشخصيات التاريخية نهجًا جديدًا في الكتابة التاريخية40، لأنّ هذه الشهادات كثيرًا ما تتجاوز النصوص الوثائقية في الكشف عن سيكولوجية الأفراد تجاه مواقف معينة شاركوا في صنعها، فأصبحت ملكًا للتأريخ، وهي محاولة علمية جادة للكشف عن وثائق أو وقائع مباشرة لم يكن صاحبها يرغب في كتابتها أو في إيصالها إلى الناس، أو لم تكن الأوضاع ملائمة لنشرها، فتبقى سرية حتى تأتي الشهادة الشخصية المباشرة لتنقلها إلى الآخرين41 الذين يمطرونها بنقدهم وتساؤلاتهم وملاحظاتهم، وتحوّل نصًا مدوّنًا يصبح في متناول الباحثين.

  1. عمر التومي الشيباني، مناهج البحث الاجتماعي، ط 2 (طرابلس: جامعة طرابلس، 2001)، ص 245.
  2. ديفيد هينج، دراسة التاريخ من خلال الروايات الشفهية، ترجمة ميلاد المقرحي (بنغازي: منشورات جامعة قاريونس، 2003)، ص 21.
  3. عمرو سعيد بغني، الرواية الشفهية، وتجربة الاستخدام في كتابة تاريخ الجهاد الليبي، أعمال المؤتمر الأول للوثائق والمخطوطات في ليبيا، تحرير عمار جحيدر، ج 2 (طرابلس: مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 1992)، ص 921.
  4. هينج، ص 21.
  5. المقرحي، الرواية الشفهية والمصادر المدونة، ص 118.
  6. طارق حبيب، ملفات ثورة يوليو، شهادات 122 من صناعها ومعاصريها، تحقيق يونان لبيب رزق (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة، 1997)، ص 5.
  7. ميلاد المقرحي، مداخلات ضمن مناقشات الجلسة العلمية السادسة في أعمال المؤتمر الأول للوثائق والمخطوطات، ج 2، ص  875  -  876.

وأخيرًا ربما يتساءل البعض: لماذا يسعى الباحثون الأكاديميون وراء المذكرات والشهادات الشخصية؟ يرجع ذلك لأسباب موضوعية في دول العالم الثالث وبعض الدول العربية على وجه التحديد؛ فعلى الرغم من الرؤية المتفائلة للمؤرخين الغربيين حول ما سمي ب "الانفجار الوثائقي" الهائل منذ الحرب العالمية الثانية بتأثير الطبيعة البيروقراطية للحكومات والإدارة الحديثة التي أنتجت وثائق ليس لمقدارها مثيل42 فهي رؤية غربية لا نشاركهم فيها، نظرًا إلى تعدد الأسباب التاريخية؛ من تخلّف الموارد الاقتصادية المخصصة للأرشفة، والجهل بأهمية الوثائق وحفظها، وغيرها من الأسباب التقليدية، إضافةً إلى بروز ما يمكن أن نسمّيه ب "الوعي التاريخي المدمر" بخطورة الوثيقة التاريخية الشاهدة على الحدث. وجعلت هذه الظاهرة المدمرة والخشية من التاريخ كثيرًا من النظم السياسية والسياسيين والمنظمات السياسية العلنية والسرية العربية، وحتى الأفراد، يخشون شهادة التاريخ حول أعمالهم، والحساسية المفرطة من الوثيقة التاريخية، والاقتناع بضرورة إخفائها؛ بالتدمير الواعي للرصيد الوثائقي أو عدم التدوين أساسًا للوقائع والأحداث المفصلية، أو من خلال قيام كلّ قادم جديد إلى السلطة بتدمير وثائق الذين سبقوه لطمس تاريخهم وأعمالهم. وتتعدد الشواهد العربية في هذا الشأن؛ وكان آخرها ما صاحب الحراك والانتفاضات العربية عام 2011، من تدمير عفوي ومبرمج، وأحيانًا مدبّر للأرشيف الوثائقي الحكومي. وهي عملية تعددت أطرافها الداخلية والخارجية، لكلٍ منهم هدفه ومأربه، والنتيجة طمس جزء غير يسير من الوثائق (المفصلية)، الأمر الذي جعل الباحث التاريخي يسعى وراء البدائل المتاحة للمصادر الأولية الضرورية في كتابة التاريخ. ومن أبرزها المذكرات والشهادات الشخصية.

المذكرات والشهادات الليبية: الأهمية والمحاذير

ظل الباحثون التاريخيون ردحًا من الزمن يعتقدون أنّ من المشاكل الرئيسة التي تعوق كتابة التاريخ العربي ندرة المذكرات الخاصة للزعماء العرب، مقارنةً بالزعامات الأوروبية والأميركية التي أسست لتقاليد عريقة في تدوين المذكرات واليوميات، أو الإدلاء بشهاداتهم الشخصية؛ وهو اعتقاد يرجعونه إلى غياب الوعي الذاتي بأهمية المذكرات والشهادات الشخصية في الكتابة التاريخية، وحتى القليلة التي كتبت كانت في فترات متأخرة، لوقائع وأحداث أصبحت كالذكريات. وهي في الغالب ترصد تبريرات لبعض المواقف، ودفاعًا عن الذات أكثر من كونها مذكرات للعبرة أو الفائدة للأجيال المقبلة43. ولعل تفضيل كثيرين الابتعاد عن الأضواء وخشية الأحداث الملتهبة التي يسميها أحد المؤرخين ب "الاقتراب من حقول الألغام التاريخية"44 السبب الرئيس وراء قلة المذكرات والشهادات الشخصية العربية، قبل أن تعرف في العقدين الأخيرين إنتاجًا متزايدًا منها. وربما تكون الحالة الليبية نموذجًا مثاليًا للحالة العربية، على الرغم من الاستثناءات التي عرفت منذ أواخر التسعينيات من القرن المنصرم وما صاحبها من نتائج الثورة المعلوماتية في وسائل التواصل والاتصالات المختلفة وارتفاع سقف الحريات التي دفعت كثيرًا من الساسة والفاعلين وحتى الأفراد إلى نشر مذكراتهم والإدلاء بشهاداتهم الشخصية في مختلف صور النشر التقليدية والحديثة والمستحدثة. وعلى الرغم من القاسم المشترك الذي يجمع بين كل تلك الشهادات الشخصية، فإنّ لكلّ مذكرة أو شهادة قصة أو تحدٍّ جعل صاحبها يخرج عن صمته الطويل، ويدبج مذكراته، أو يدلي بشهادته وينشرها. وكثيرًا ما يصاحب هذا النشر ردود أفعال مثيرة في الاتجاه ذاته من معاصريه الذين يبادرون بدورهم إلى البوح بشهاداتهم الشخصية. وهذا ما راكَم لنا رصيدًا وطنيًا من المذكرات والشهادات الليبية، إلى جانب المذكرات والشهادات العربية التي انصبت على وقائع التاريخ الليبي المعاصر والراهن وأحداثه45، وقادتنا عملية الفرز المنظم إلى الخروج بالحصيلة الأولية من أهم المذكرات والشهادات الشخصية المنشورة التي صُنفت وفقًا لتاريخ نشرها على النحو التالي:

  1. جفري باركلو، الاتجاهات العامة في الأبحاث التاريخية، ترجمة صالح العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984)، ص  313.
  2. مشكلات في كتابة التاريخ العربي المعاصر (أبو ظبي: مركز زايد للتنسيق والمتابعة، د. ت.)، ص 59  -  60.
  3. رزق، ص 7.
  4. دوّن كثير من الساسة والمهنيين العرب الذين حلّوا بليبيا في فترات محددة، مذكراتهم وشهاداتهم الشخصية، نذكر منهم على سبيل المثال: جميل عارف، صفحات من المذكرات السرية لأول أمين عام للجامعة العربية: عبد الرحمن عزام (القاهرة: المكتب المصري الحديث، د. ت.)؛ فتحي الديب، عبد الناصر وثورة ليبيا (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1986)؛ الإدريسي الخيري خالد، معمر القذافي: العقيد ورفاقه وأنا، أسرار وحقائق لن يذكرها التاريخ (سلا: فضاء الطباعة، 2012).

مسرد نماذج من المذكرات والشهادات الشخصية الليبية خلال نصف قرن 1969  -  2015 (مرتبة بحسب تاريخ النشر)

ر. م عنوان المذكرات أو الشهادة تاريخ نشرها

ر. معنوان المذكرات أو الشهادةتاريخ نشرهاموضوعهامؤلفها / الشاهدصفته
مرذكرات أحمد زارم1979شهادته على عصره في عهد
ايرىلإدارة الإنكليزية
أحمد زارممناضل وصحافي
صراع الشعب الليبي مع
ايلأطماع الاستعمارية
1988شهادته على عصره ونضاله في
العهد الملكي
أحمد زارممناضل وصحافي
ذكريات في نصف
قرن من الأحداث
ايلاجتماعية والسياسية
1988شهادته على عهد الإدارة
ايلإنكليزية والاستقلال
الهادي المشيرقيمناضل سياسي
دور يوسف مادي في حركات
التحرر العربية
1991دور الشاهد في حركات
ايرىلتحرر العربية
يوسف ماديمناضل
صفحات مطوية من تاريخ ليبيا
السياسي،
1992شهادته على عصره وأعماله في
اىلعهد الملكي
مصطفى بن حليمسياسي ورئيس وزراء
اىلقذافي والمعارضة شهادات1996شهادتان على نظام
سبتمبر 1969
منصور الكيخيا
محمد المقريف
وزير سابق ومعارض
وزير سابق ومعارض
مؤامرة بن حليم على
الديمقراطية في ليبيا 1954
1996شيرىهادته على العهد الملكيعلي الديبحقوقي وسياسي
محطات من تاريخ ليبيا،
مذكرات محمد عثمان الصيد
1996شهادته على عصره وأعماله في
اىلعهد الملكي
محمد
عثمان الصيد
سياسي ورئيس وزراء
الثورة الليبية1997مذكرات على ثورة
سإىبتمبر 1969
عبد
الكبير الشريف
عضو قيادة مجلس الثورة
رحلة 4000 يوم من
العمل السري
1999مذكرات على الإعداد لثورة
سيرىبتمبر 1969
معمر القذافيرئيس الدولة
ليبيا انبعاث أمة.. وسقوط دولة2003شهادته على عصره في العهد
ايرىلملكي، و 1969
مصطفى بن حليمسياسي ورئيس وزراء
ذمكريات وخواطر2005شهادته على عصره ونضاله في
ارىلعهد الملكي
مصطفى السراجمناضل ووزير سابق
السعداوي والمؤتمر، وضع
النقاط على بعض الحروف
2006شهادته على عصره ونضاله
عاىشية الاستقلال
مصطفى السراجمناضل ووزير سابق
مذكرات عامل، نقطة من
محيط الظلم الإيطالي
2008شهادته على الاستعمار
الإيطالي في ليبيا
فتح الله المقصبيمجاهد
نهاية القذافي، ثورة 17 فبراير
يوميات، وأسرار، وشهادات
2012شهادته على أحداث 17
شىباط/ فبراير 2011
عبد الرحمن شلقمكاتب ودبلوماسي ووزير
مذكرات مدعٍ عام، شهادات
على عصر الظلام
2012شهادته على نظام
سبتمبر 1969
علي الفيتوريمستشار ومدّعٍ عام
ما
لىيى صر
بى بر 9 9
شاهد على انحرافات القذافي،
الملفات السرية لنظام حكم ليبيا
2012شهادته على نظام
سبتمبر 1969
عبد المنعم الهونيعضو قيادة ثورة 1969

الملفات السرية لنظام حكم ليبيا 2012 موضوعها مؤلفها / الشاهد صفته

سبتمبر 1969

ر. م عنوان المذكرات أو الشهادة تاريخ نشرها موضوعها مؤلفها / الشاهد صفته

ر. مى عنوان المذكرات أو الشهادةتاريخ نشرهاموضوعهامؤلفها / الشاهدصفته
مذكرات شاهد على العهد
الملكي الليبي
2012شهادته على عصره في
اىلعهد الملكي
بشير المنتصروزير سابق
المحنة الملحمة، 15 عامًا في
سجون القذافي
2013شهادته على نظام
سبتمبر 1969
عابد الفتاح البشتيكاتب ومعتقل
سياسي سابق
في خيمة القذافي: رفاق العقيد
يكشفون خبايا عهده
2013خمس شهادات على نظام
سبتمبر 1969
وأحداث 17 شباط/ فبراير 2011
عبد السلام جلود
عبد المنعم الهوني
عبد الرحمن شلقم
علي التريكي
نوري المسماري
عضو قيادة مجلس الثورة
عضو قيادة مجلس الثورة
وزير سابق
وزير سابق
مدير المراسم الليبية

نوري المسماري مدير المراسم الليبية

استبعدنا من هذا المسرد الأعمال التي تختلط فيها المذكرات والشهادات بالسيرة الذاتية الروائية، وكذلك الشهادات الإذاعية والمرئية والإلكترونية التي تحتاج إلى بحثٍ خاص بها. ومن خلال المسرد التوضيحي يمكننا رصد بعض الملامح الأساسية لهذه المذكرات والشهادات: تغلب الطبيعة السياسية على أغلب المذكرات والشهادات بما يتلاءم مع خلفياتٍ مَنشؤُها من الساسة ورجال السلطة الحاكمة خلال عهدين من الحكم الوطني المستقل منذ 1951 حتى عام 2011؛ عرف هذان العهدان السياسيان المختلفان كثيرًا من التغيرات والتحولات الجذرية في حياة المجتمع والدولة الليبييَن، وأشكالً مختلفة من إساءة استخدام السلطة، والتعسف في استخدام المسؤوليات الموكلة لجلّ هؤلاء السياسيين، وكثيرًا من الدماء البريئة التي سفكت خارج نطاق القانون، والممارسات التي لم يعترف بها هؤلاء الشهود، بل يغلب على بعضها حالة من حالات الحقد الأعمى على عهود أو ساسة بعينهم. الأمر الذي يقلل من قيمة تلك المذكرات والشهادات الشخصية للباحث التاريخي. صياغة عناوين المذكرات والشهادات الشخصية صياغةً مثيرة الدلالة والإحالات لمحتواها، وأخذت في حين آخر صياغة شخصية، أو تحمل قدرًا كبيرًا من التجريم الاستباقي، وإعلان الحرب على الآخر. ونرى أنّ هذه الصياغات كانت بناءً على استشارات محترفين في نشر مذكرات وشهادات لم يصرّحوا بها، عدا نماذج قليلة أشرف على صياغتها إعلاميون محترفون في النشر، ووُضعت عناوينها المثيرة لخدمة صاحب المذكرات والشهادات، أو الناشر لدواعٍ تجارية، لا سيما تلك التي نشُرت في اللحظات الليبية المتأزمة، مستغلةً تلهّف الرأي العام الليبي والعربي لإيجاد تفسيرات لما يحدث في ليبيا. يمكننا فرز عدد من المذكرات والشهادات الشخصية التي أدلى بها أصحابها عقب "ثورة فبراير 2011 "، بأنّها من الشهادات المضطربة التي أعدّت في ظل تأثيرات الأحداث الليبية والمطالب السياسية والإعلامية تجاه "نظام سبتمبر 1969 "، فكانت شهادات رجالات ذلك النظام الأسرع للإدلاء بمذكراتهم وشهاداتهم التي يقع أغلبها في دائرة "التنصل من المسؤولية، وإعلان البراءة من ذلك النظام"، سواء أكانت هذه الشهادات لحسابات سياسية آنية أم انتقالية أم محاولة ذكية لركوب الموجة السياسية الجديدة، من خلال تقديم أنفسهم للرأي العام كونهم وطنيين ومناضلين ضد الاستبداد. أما مذكرات المناضلين السياسيين والمعتقلين السابقين وشهاداتهم فإنّها بدورها لم تخرج عن دائرة الاضطراب السابق؛ وذلك لتعمّد مدونيها التنصل من انتماءاتهم الأيديولوجية (الجهوية، الماركسية، الإسلام السياسي)، واستبدالها بالحديث عن نضالهم الوطني. وانحط القاموس اللفظي والاتهامات الشخصية في كثير من تلك

المدونات، وتمّ نشر أغلبها بعد شباط/ فبراير 2011، مستغلةً تلاشي السلطة الحاكمة ومؤسسات الدولة القضائية والرقابية، وعدم وجود سقف للحريات وللكتابة، الأمر الذي يعيق الاقتراب منها بحثيًا. اعتراف جلّ مدوني المذكرات وأصحاب الشهادات باختفاء الوثائق التاريخية الشاهدة. ولم يقدّم أيّ منهم أيّ وثيقة داعمة لشهادته، بل عكف بعضهم بصورة موسعة على الأرشيف البريطاني والأميركي للاستشهاد بالتقارير الدبلوماسية التي ألحقت نماذج منها بكثافة لتأكيد شهادتهم وتدعيمها. وهي ميزة للباحث التاريخي، وتؤكد ما ذهبنا إليه حول المصير المجهول للوثائق الرسمية المحلية.

مدى إمكانية استخدام المذكرات والشهادات الليبية يف كتابة التاريخ

يعود بناء هذه الجزئية إلى نقطة البداية والسؤال الرئيس لفرضية الدراسة، حول مدى صدقية تلك المذكرات والشهادات في استجلاء الحقائق وكتابة التاريخ المعاصر. يفرض هذا السؤال على الباحث خياراتٍ لا مفر منها؛ فهذه المصادر الأولية دوّنها وأدلى بها شهود عيان وفاعلون وصناع للأحداث التاريخية لمرحلةٍ وعهود نجهل مصادرها الوثائقية الورقية. جعلت هذه الحقيقة بعض الباحثين ينغمس في النهل من معين المذكرات والشهادات من دون تمحيص46، وأحيانًا يعتمد كليًا على الشهادات الشخصية في كتابة التاريخ47؛ بحيث لم تراع أسس الكتابة العلمية في التعامل مع هذه المصادر، والحجة غالبًا غياب الوثائق التاريخية، لا سيما الموضوعات الواقعة في دائرة التاريخ الليبي المعاصر المتداخل مع سيرورة الآني المعيش. يشير منظّرو التحقيب التاريخي إلى أنّ التاريخ الراهن يمارسه أشخاص منغمسون في الحدث أو مشاركون في صنعه وعاكسون له. ويتكوّن خط هذا التحقيب بصورة أساسية من القرب الزمني لعملية التحرير من الموضوع المتطرق إليه، ومن القرب الميداني بين الباحث والأزمة أو الحدث موضوع الدراسة48. ويرى البعض الآخر في هذا القرب والبعد أنّ العامل الزمني مهم في المذكرات والشهادات الشخصية. بل يفضل نشر تلك الشهادات الشخصية بعد موت صاحبها ب "مدة لا بأس بها من الزمن"49، وغير ذلك من التنظيرات التي لا تتفق بالضرورة مع خصوصية كتابة التاريخ الليبي المعاصر الذي يتشابك فيه المعاصر بالحاضر المعيش، ويعود الساسة والفاعلون الذين غادروا السلطة منذ ما يقارب الأربعة عقود إلى المشهد السياسي مجددًا بغية تصحيح تاريخهم الذي شوّه من خلال المذكرات والشهادات الشخصية. ولعلّنا هنا نسترجع رؤية المؤرخة آمال السبكي في التاريخ الليبي المعاصر القائلة بأنّ الباحث يظل يرزح تحت هاجس شكل المصادر التاريخية التي تلبّي طموحاته في كتابة التاريخ الليبي، ومواجهة الإشكاليات الجديدة التي لا تلبي المصادر التقليدية والوثائق متطلبات معالجتها. لذلك، يتطلع الباحث إلى مصادر جديدة عن الحقبة التاريخية محل الاهتمام، لا سيما أنّ جل الكتابات التي كُتبت حول التاريخ الليبي المعاصر منذ الاستقلال كانت "جافة" تفتقر إلى الحيوية التاريخية المعبّة عن الواقع السياسي والاجتماعي الليبي في العهد الملكي، بل إنّ جل الكتابات التي كتبت عن هذه الحقبة اعتمدت على نصوص الاتفاقيات والوثائق الدبلوماسية والقنصلية التي تعطي

  1. اعتمد كثير من الدراسات الجامعية في مرحلة الماجستير في الجامعات الليبية المذكرات والشهادات الشخصية بوصفها حقائق دامغة، على سبيل المثال: حنان منصور، فزان في عهد الإدارة الفرنسية 1943  -  1957، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة الزاوية، 2003.
  2. الأمين الماعزي، ثورة فزان على الفرنسيين (1368 ه / 1949 م)، (القاهرة: المكتبة الحديثة، 2003).
  3. جان لاكوتور، "التاريخ الآني"، في: التاريخ الجديد، ترجمة محمد المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 369.
  4. توش، ص 750.

صورة سطحية لتطورات التاريخ الليبي وغير عميقة50. ويضاف إلى هذا التحليل المنطقي في كثير من جزئياته، استمرارية الأوضاع ذاتها في عهد أيلول/ سبتمبر 1969  -  2011، من الغياب شبه التام للوثائق التاريخية الرسمية، عدا تداعي المذكرات والشهادات الشخصية التي بعثت الحياة في أجزاء من هذا التاريخ وأعطته حيوية وطرحته للجدل، على الرغم من أنّ ذلك لم يخرج من دائرة التاريخ الشعبي إلى دائرة التاريخ الأكاديمي الخاضع لعملية تمحيصٍ وتفكيك ونفي وتجميع لجزئياته المتناثرة. ومن دائرة التنظير إلى دائرة التطبيق، فإنّ أغلب المذكرات الأساسية للساسة والفاعلين الليبيين ينطلق من فرضية أنّ تاريخهم وإنجازاتهم طُمست، وجاء تسطير المذكرات والإدلاء بالشهادات لإعادة كتابة هذا التاريخ؛ ومن أولئك السيد مصطفى بن حليم الوزير ورئيس الوزارة الثالثة بعد الاستقلال (1954  -  1957) الذي يُعدّ من الناحية العملية من أوائل الساسة الليبيين الذين أقدموا على نشر مذكراتهم عام 1992؛ إذ يقول: "لقد حاولت أجهزة إعلام نظام انقلاب أيلول/ سبتمبر 1969 بكل الوسائل هدم التاريخ الليبي قبل الانقلاب وإلصاق أسوأ التهم برجال العهد السابق عليه وكان نصيبي من تلك الاتهامات نصيب الأسد"51. بينما يذيّل مذكراته بخاتمة عنوانها "شهادتي للتاريخ"، حاول فيها تأكيد موضوعية شهادته والدفاع عن تاريخه السياسي وأعماله. ومما جاء في هذه الخاتمة قوله: "فهذه مذكراتي وضعت لها أهدافًا أسمى من الرد على الاتهامات، لعل من أهمها المساهمة في صياغة تاريخ ليبيا الحقيقي"52. وفي تقديرنا كانت المساهمة الأهم لهذه المذكرات، هي الدفع بغيره من ساسة العهد الملكي ورجالاته إلى الرد على ما كتبه بن حليم، وكتابة مذكراتهم التي مثّلت ما يمكن تسميته بمذكرات السياسيين الكبار في الدولة الليبية المعاصرة. توالى صدور المذكرات والشهادات التي انشغلت بالأساس بهاجس التاريخ الشخصي والتاريخ الليبي المعاصر والراهنكما يعتقدون؛ فهذا محمد عثمان الصيد الوزير، ثم رئيس الوزراء للحكومة الخامسة في العهد الملكي (1960  -  1963)، يتقدم لينشر مذكراته الشخصية، شهادةً عن الفترة التي تبوّأ فيها موقع المسؤولية في الدولة الليبية، وللرد على المبطلين والأدعياء كما يقول، ويرجو "أن تكون مع غيرها من الشهادات عنصرًا من عناصر كتابة تاريخ ليبيا الحديث، أو على نحوٍ أصحّ مادة من مواد كتابته، ليعلم من معطياتها الخطأ من الصواب، ويعلم المصلح من المفسد ولتظهر شمس الحقيقة"53. وهي من أكثر المذكرات إثارةً للجدل، وحِدَّة تجاه عدد من سياسيي تلك المرحلة، لا سيما تجاه مذكرات مصطفى بن حليم التي كانت بدورها وراء نشر السياسي والحقوقي علي الديب مذكراته بعنوان مؤامرة بن حليم على الديمقراطية في ليبيا 1954 التي تأسست بدورها على سابقاتها، لذلك اتخذت الطابع اللفظي العنيف، من قبيل وسم شهادة بن حليم ب "المزاج والهوى، والمصلحة الذاتية، والخبث المقنع"54. وعلى هذا المنوال الصدامي والمثير جاءت مذكرات ساسة العهد الملكي في ليبيا (1951  -  1969) وشهاداتهم. هذا العهد الذي نفتقد حتى الآن وثائقه التاريخية المحلية، حتى في أيدي صانعي أحداثه ووقائعه، لأنّها بحسب قولهم ضاعت؛ فلكل شاهد من هؤلاء رواية يبرر بها الغياب الكلي لوثائق عصره، من خلال مصادرة القادمين الجدد إلى السلطة أو إتلافها؛ مثل وثائق العهد الملكي التي يفيد الوزير بشير المنتصر بأنّها كانت محفوظة في خزانة رئيس الوزراء، وفُقدت في الفاتح من أيلول/ سبتمبر 196955، أو ضاعت في أوضاع غامضة كحالة وثائق رئيس الوزراء محمد عثمان الصيد الذي يقول: "قبل خروجي من ليبيا (آب/ أغسطس 1969) كانت لديّ حقيبة تحتوي

  1. آمال السبكي، استقلال ليبيا من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية 1943  -  1952 م (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991)، ص 8.
  2. مصطفى بن حليم، صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي، مذكرات رئيس وزراء ليبيا الأسبق، ط 5 (د. م.: منشورات الجبهة الشعبية، د. ت.)، ص 13.
  3. المرجع نفسه، ص 563.
  4. محمد عثمان الصيد، محطات من تاريخ ليبيا، مذكرات محمد عثمان الصيد رئيس الحكومة الليبية الأسبق، أعدّها للنشر طلحة جبريل (الرباط: منشورات طوب للاستثمار والخدمات، 1996)، ص 12.
  5. علي الديب، مؤامرة بن حليم على الديمقراطية في ليبيا 1954 (القاهرة: مطابع المنار العربي، 1996)، ص 10.
  6. بشير السني المنتصر، مذكرات شاهد على العهد الملكي الليبي، ط 2 (بنغازي: مكتبة 17 فبراير، 2012)، ص 12  -  13.

على مذكرات ووثائق، وكنت أعتزم حملها معي إلى الخارج لاستكمال كتابتها، ولكنني نسيتها في المنزل يوم سفري"56 وفُقدت بدورها. وبالنتيجة ارتهان الباحث التاريخي للمذكرات والشهادات في كتابة التاريخ. أمّا محتوى المذكرات والشهادات الشخصية، فإنّه دون شك متنوع وحيوي للدارس التاريخي لدولة الاستقلال الليبية على مدى ستين عامًا. وهي مرحلة تاريخية حبلى بالأحداث والوقائع والإشكاليات والآراء التي قال بها هؤلاء الشهود الذين عمد بعضهم إلى محاولة قيادة المهتمين والقراء نحو استنتاجات مستقبلية محددة في ما يرونه يتلاءم مع رؤيتهم، وتأسيسًا على قاعدة "أن الأصل في التأريخ: الاتهام لإبراء الذمة، وشك المؤرخ رائد حكمته"57. فربما لا يحتاج الباحث إلى كثير من الحكمة في إعطاء ملامح أولية عن هذه المذكرات والشهادات. ونحن نقصد بالطبيعة المحتوى التأريخي المنشور على العموم، لا الشخصيات المدونة لها، لأنّ للذاكرة أحكامها النفسية التي يصعب التحكّم فيها أو ضبطها. ربما تكون مذكرات العهد الملكي وشهاداته عرفت حالةً من الاستقرار النسبي للباحث التاريخي، بفعل الحالة الجدلية التي واكبت نشرها، والردود التي جاءت من مختلف الشهود المشاركين في أحداث تلك المرحلة، ويمكن السعي وراء الحقيقة في جزئياتها الدقيقة من خلال الرجوع إلى نصوص النشر الأولية، والتعليقات والردود الأولية عليها؛ من ذلك مذكرات محمد الصيد التي نشرتها جريدة الشرق الأوسط اللندنية عام 1993، وهناك جزئيات خفيّة أخرى لم تتضمنها المذكرات، بل صرّح بها معدّها للنشر الصحفي (طلحة جبريل)؛ ومنها ظروف النشر والتدخلات السياسية التي دعت إلى إيقاف النشر في بعض المراحل58. وفوق ذلك، فإنّ بن حليم بادر بدوره إلى نشر كتاب لاحق للمذكرات يجمع بين المؤرخات والشهادات للرد على مذكرات محمد الصيد وعلي الديب59، يمكن من خلاله بلورة صورة تقريبية عن ملامح العهد الملكي وصراع الأقطاب السياسية والصراعات الحزبية المصاحبة لمولد دولة الاستقلال عام 195160. ولن يغيب عن الباحث الفطن ظاهرة التجاذبات المناطقية بين ساسة تلك المرحلة والولاءات والأساليب التبريرية لبعض تلك المذكرات والشهادات التي نعتقد بضرورتها لإعادة النظر في تاريخ العهد الملكي في ليبيا؛ العهد الذي رسمت حوله تلك المذكرات والشهادات صورًا نمطية سلبية وإيجابية تبعًا لمرجعيات المدون الجهوية والوظيفية، إضافةً إلى التوجهات السياسية لنظام سبتمبر 1969 التي رسمت بدورها صورة قاتمة ومنفرة للباحثين التاريخيين من العهد الملكي، مع تعالي الدعوات للتصالح مع ذلك العهد "تاريخيًا"، في سياق سيرورة التاريخ الليبي المعاصر، بعيدًا عن التمجيد، أو الاتهام61؛ بل الاحتكام إلى الحقيقة التاريخية وعزلها عن التجاذبات السياسية القائمة التي لا تزال تتفاعل إيجابيًا وسلبيًا مع تلك الحقبة. أمّا المرحلة الممتدة من عام 1969 إلى عام 2011، فإنّها فترة ملتهبة في مذكراتها وشهاداتها وأحداثها ومصطلحاتها: ما بين ثورة سبتمبر، أو انقلاب 1969، أو عهد القذافي، إلى آخره من المصطلحات التي تزخر بها الشهادات الشخصية، ومن غير المرجّح استقرارها في المدى المنظور. رصدنا كثيرًا من المذكرات والشهادات والإفادات والاعترافات التي كانت مادة مثيرة وجذابة حول ممارسات نظام سبتمبر 1969، واستبعدناها من موضوع الدراسة، وركزنا فقط على المذكرات والشهادات التي أدلى بها رجالات النظام نفسه؛ من كبار الضباط أعضاء قيادة ثورة 1969، والسياسيين من الوزراء، أو شهادات رجال القضاء والإدارة والمعارضة السياسية والعسكرية لهذا النظام.

  1. الصيد، ص 292  -  293.
  2. أسد رستم، مصطلح التاريخ (صيدا -بيروت: المكتبة العصرية، 2002)، ص 72.
  3. انظر: "شهادات طلحة جبريل"، جريدة المساء المغربية (كانون الأول/ ديسمبر 2011، وكانون الثاني/ يناير 2012). خصص بعض شهاداته لعلاقته بمذكرات محمد الصيد.
  4. مصطفى بن حليم، ليبيا انبعاث أمة وسقوط دولة (كولونيا/ ألمانيا: منشورات الجمل، 2003).
  5. مصطفى السراج، السعداوي والمؤتمر، وضع النقاط على بعض الحروف (طرابلس: القبس للأعمال الفنية، 2006.)
  6. أحمد الماقني يروي شيئًا من سيرته"، جريدة ميادين، العدد 50 (نيسان/ أبريل 2012)، ص 19.

من الواضح أنّ نظام سبتمبر خلال الأربعة عقود اكتسب كثيرًا من العداء من رجال النظام نفسه، وربما تكون حالة متفردة في النظم السياسية العربية المعاصرة، وهو النظام الذي كان واعيًا بحكم التاريخ وأحكامه وهواجسه وأهميته في تكوّن الشخصية السياسية للمواطن الليبي، لذلك تعمّد منذ قيامه "مسخ" العهد الملكي وقتله تاريخيًا62، والبدء في التأسيس لتاريخ متفرد ل "ثورة سبتمبر 1969 "، من خلال الشهادات والمذكرات الشخصية وغيرها. ولكن طول عمر النظام، ومغادرة رجالاته أو تصفيتهم، وتغيّ رؤيته السياسية، حتّم ذلك بالضرورة التراجع عن كثير من الشهادات حول الوقائع والأحداث التي أعطته شرعية الانقلاب على النظام الملكي، في انقلابأبيض من دون إراقة دماء في الفاتح من أيلول/ سبتمبر 196963. بدأ نظام سبتمبر في تقديم نفسه لليبيين عبر جلسات استماع إذاعية حوارية بين أعضائه منذ عام 1971، للحديث عن قصة الإعداد للثورة، وسبب اتخاذ المدخل العسكري الانقلابي لإحداث التغيير في النظام القائم، وأدوار الضباط الأحرار الإثنَي عشر في هذا التغيير؛ ومنها شهادات الضباط الأحرار التي نشُرت عام 197264، قبل أن ينفرط عقد المجلس بالصراعات والخلافات، ويدبّ بينهم صراعات عنيفة لعدم وجود مركزية مسيطرة. وهي الوضعية التي رصدها المستشار العسكري المصري المكلّف من الرئيس جمال عبد الناصر (فتحي الديب) لمساعدة الثورة الليبية في شهادته عبد الناصر وثورة ليبيا65. وأنتجت هذه الصراعات محاولات اغتيال، ثم محاولة انقلاب عسكري جديد من داخل التنظيم نفسه عام 1976، وترتّب على ذلك إعادة صياغة شهادات جديدة للتاريخ، تسقط وتستبعد دور المغادرين لمجلس قيادة الثورة66. ثم جاءت أحداث شباط/ فبراير 2011، لتظهر معها شهادات جديدة لأعضاء ذلك المجلس، وفي مقدمتهم شهادة الرجل الثاني في التنظيم والدولة عبد السلام جلود حتى عام 199067، وشهادات مدير المخابرات العامة، ثم وزير الخارجية في مطلع السبعينيات عبد المنعم الهوني الذي نشُرت له ثلاث شهادات متباينة، لكلٍ منها أحكامها الزمنية؛ لذلك نعدّها نموذجًا جيدًا للدراسة. غادر عبد المنعم الهوني ليبيا، وسقطت عضويته في مجلس قيادة الثورة عام 1975 بعد اتهامه بالمحاولة الانقلابية عام 1975، ولم يرجع إليها إلا عام 2000، بعد المصالحة مع القذافي، ونصّب ممثلً دائمًا لليبيا في الجامعة العربية في القاهرة حتى عام 201168، وخلال هذه الفترة الطويلة المضطربة، من عدّه ركيزة أساسية لنظام سبتمبر، إلى معارض قوي، ثم ممثل دائم للنظام مجددًا، أدلى بثلاث شهادات متباينة؛ كانت الأولى عام 1999 أحاط فيها القذافي بهالة من الإنجازات، ونسب إليه الفضل في ثورة سبتمبر 196969، ومن الواضح أنّ تلك الشهادة جاءت في سياق التصالح وإعادة المياه إلى مجاريها مع النظام، وأثمرت إعادة توظيفه من جديد. ثم كانت الشهادة الثانية في كانون الثاني/ يناير 2011، كما يقول ناشرها، قبل اندلاع ثورة فبراير 2011، بأسابيع قليلة. وهي شهادة نسف فيها ما قاله في شهادته السابقة، على الرغم من أنّها كانت مع الصحافي الذي أخذ الشهادة الأولى70. ثم جاءت الشهادة الثالثة بعنوان مشحون عبد المنعم الهوني شاهد على انحرافات القذافي، الملفات السرية لنظام حكم ليبيا71، في حين كانت الشهادة الأولى بعنوان

  1. حقيقة الملك إدريس: وثائق وصور وأسرار، ط 2 (طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، 1983.)
  2. المولدي الأحمر، الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا، الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 420.
  3. ثورة الشعب الليبي، ج 1 (طرابلس: وزارة الإعلام والثقافة، 1972).
  4. الديب.
  5. معمر القذافي، رحلة 4000 يوم من العمل السري (طرابلس: شعبة التثقيف بملتقى رفاق القائد، 1999.)
  6. غسان شربل، في خيمة القذافي، رفاق العقيد يكشفون خبايا عهده (بيروت: رياض الريس للكتاب والنشر، 2013)، ص  18  -  89.
  7. المرجع نفسه، ص 98  -  99.
  8. غسان شربل، "الرائد عبد المنعم الهوني يفتح دفاتره من منفاه"، مجلة الوسط (بيروت: 1999.)
  9. شربل، في خيمة القذافي، ص 99.
  10. فوزي ربيع، عبد المنعم الهوني شاهد على انحرافات القذافي، الملفات السرية لنظام حكم ليبيا (القاهرة: منشورات أخبار التعليم للنشر والتوزيع، 2012.)

كان معمر شخصًا مثاليًا شديد التأدب ويكره البهرجة، القذافي صاحب المبادرة الأولى في تشكيل تنظيم الضباط الأحرار72. وفي تقديرنا أنّ شهادات الهوني من أكثر الشهادات اضطرابًا وضعفًا من الناحية التوثيقية، على الرغم من تعدد الأدوار التي أنيطت به في ظل نظام سبتمبر. أمّا سياسيو النظام من كبار الوزراء (رجال الصف الأول) الذين تناوبوا على جل الوزارات السيادية، فكان لهم بدورهم شهادات ومذكرات مشابهة من حيث الاضطراب والتباين والتبرير والإيحاء بحالة نضالية داخل النظام ذاته، وأحيانًا انحدار شديد نحو المسائل الشخصية والأخلاقية في إدارة الدولة والحكم أثناء هذا العهد. ولعلّ الأمر في الأساس يرجع إلى معطيات النشر واهتمامات الرأي العام الليبي والعربي بتلك الجزئيات الشخصية، وأحيانًا الفضائحية، ولا يعتقد أنّها تضيف شيئًا في سياق التأريخ لذلك العهد بسلبياته وإيجابياته، بل أقرب إلى حالة من حالات الانتقام الشخصي من قيادة النظام السابق من الذين قفزوا من مركبه عشية اندلاع ثورة فبراير 2011. ونعتقد أنّ أغلب تلك الشهادات التي صدرت خلال 2011، أو في أعقابها، جاءت في سياق البحث عن دور جديد في المشهد الليبي المستجد من السياسيين وكبار الإداريين، والضباط في الأجهزة الأمنية لنظام سبتمبر الذين أطلق عليهم الرأي العام والصحافة الليبيان تسمية "المتسلقون" للدلالة على محاولتهم المستميتة لتصدّر المشهد السياسي من جديد، وجواز المرور لهذا المشهد المذكرات والشهادات الشخصية الفضائحية التي تعتمد الإثارة وتمجيد الذات وتعميدها. ومن الضروري هنا الإشارة إلى حالة من الهوس ب "الأصول الاجتماعية، والجنس، والنساء، والتأريخ"، في شهادات أولئك الساسة؛ ومن أقدمها شهادة الوزير والسفير ثم رئيس المعارضة الليبية في الخارج محمد المقريف (جبهة إنقاذ ليبيا) منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي الذي ركّز في إحدى شهاداته على جوانب نفسية للقذافي يصعب التحقق منها، وأخذت شهادته طابعًا تصوريًا لا يحيل إلى وقائع وأحداث معينة يمكن التأسيس عليها. ولعل موقفه التنظيمي في قيادة المعارضة حتّم عليه هذه الشهادة73، على الرغم من أنّ رفيقه في المعارضة وزير خارجية القذافي حتى عام 1981، منصور الكيخيا، يحيل في شهادته إلى تورط المعارضة الليبية الخارجية في دواليب المخابرات الغربية والإقليمية. لذلك تعدّ شهادته من الشهادات الأكثر توازنًا وعمقًا في توصيف الخلاف السياسي القائم مع نظام القذافي في سياقه السياسي، ومسألة تداول السلطة والممارسات الديمقراطية. ويعبّ عن تحفّظه ومعارضة "مبدأ التجريح الشخصي في السياسة، ونحن ننتقد القذافي لسياسته، لا لشخصيته"74. ويمكن عدّ هذه الشهادات من شهادات "الألم" لأشخاص قضوا ردحًا من الزمن مطاردين في المعارضة والنفي القسري قد يمنحهم مخرجًا مقبولً لأطروحاتهم المعادية والدعائية ضد النظام السابق. في ضوء هذا العدد الكبير من الشهادات تبرز الإشكالية الكبرى أمام الباحثين المتمثلة بكيفية التعامل معها، بخاصة أنّ أصحابها لم يغادروا مناصبهم إلّ في لحظات الانهيار الأخيرة؛ مثل شهادات عبد الرحمن شلقم الذي تولّ أغلب المناصب القيادية في دولة القذافي من مؤسسة الصحافة حتى الخارجية، والذي أصدر شهادتين: الأولى بعنوان أشخاص حول القذافي75، والثانية نهاية القذافي76. وتُعدّ هاتان الشهادتان من أكثر الشهادات إثارةً للجدل، واستكملهما بشهادة ثالثة مرئية77، وشهادة رابعة صحافية78. وكان من

  1. ثورة الشعب الليبي، ج 1.
  2. تمام البرازي، القذافي والمعارضة من منظور منصور الكيخيا ومحمد المقريف (د. م.: دار عكاظ، 1996)، ص 222  -  224. ويلاحظ أنّ أغلب الشهادات التي نشرت قبل عام 2011 لا يحمل مكان النشر أو دار النشر خشية المتابعات الأمنية والاستخباراتية، أو الإجراءات الانتقامية من النظام السابق.
  3. المرجع نفسه، ص 42.
  4. عبد الرحمن شلقم، أشخاص حول القذافي (طرابلس: دار الفرجاني للنشر والتوزيع، ودار مدارك للنشر، 2012.)
  5. عبد الرحمن شلقم، نهاية القذافي، ثورة 17 فبراير، يوميات، وأسرار، وشهادات (طرابلس: دار الفرجاني، 2012.)
  6. شهادة عبد الرحمن شلقم"، برنامج الذاكرة السياسية، قناة العربية (2013.)
  7. شربل، في خيمة القذافي، ص 161، وما بعدها.

أكثر الشهود وضوحًا في بلاغة التعبير والرؤية، وكشفًا للفضائح الشخصية. ولكن من الناحية التوثيقية تُعدّ مذكراته وشهاداته الشخصية الأضعف في حقائقها وأسرارها، واعتمادها كليًا على أقاصيص الشارع السياسي الليبي زمن القذافي ونوادره التي تعامل معها بحرفية الكاتب المحترف مهنة الصحافة التي تخصص فيها. كان أغلب تلك المذكرات والشهادات ينضوي تحت دائرة تمجيد الذات وتوزيع الاتهامات بين رفاق الأمس وشركائه، وادعاء معرفة كل شيء، ولكن سرعان ما تفقد تلك الشهادات قيمتها، عقب إدلاء الآخرين بشهاداتهم؛ من ذلك على سبيل المثال شهادة علي التريكي، الوزير عند القذافي لعقود طويلة. وتكمن أهمية شهادته في علاقته الوثيقة الصلة بملف علاقة القذافي بالقارة الأفريقية79. إلا أنّ شهادته جاءت خاوية على عروشها من أيّ أسرار أو حقائق. وهذا ما جعل الكاتب الليبي أحمد إبراهيم الفقيه يستهجن هذه الشهادة ويعلق عليها قائلً: "إنني أعرف أشكاله ممن يسعون لتبييض صفحة النظام الإجرامي الانقلابي وسيده، باعتبار ما يراه تبييضًا لصفحته، وأكاد أشعر بخيبة أمل من أجرى الحديث، حين ظن أنه سيفتح واحدة من خزائن الحكم الإجرامي في ليبيا، فلم يجد في هذه الخزانة ما يزيد عن قصاصات مما كانت تنشره الصحف عن الأحداث زمن وقوعها"80، الأمر الذي يقلل من أهميتها وأهمية شهادات ليبية أخرى، وتظل فرضية نشر هؤلاء الساسة وغيرهم شهادات جديدة تنسف التي نشرت، قائمة لا سيما مع تعدد الشهادات والشهادات المضادة التي تنسف محتوى بعضها البعض من الأساس81، أو حتى الطعن في نسبة المذكرة لصاحبها82.

خاتمة

لا نحتاج إلى عرض العديد من الشواهد والمجادلات المخيبة في مجملها للباحث التاريخي في مدى إمكانية الاستفادة من هذه المصادر الأولية في كتابة التاريخ المعاصر والراهن، والتاريخ الليبي نموذجًا، فإنّ محاولة الاستفادة من هذه المصادر تتطلب على أقل تقدير سلسلة طويلة ومعقدة من المطالعات المصاحبة، والسير الذاتية والمهنية للشهود ومعاصريهم، ومعرفة مكثفة بطبيعة العلاقة القائمة بين الشاهد والمرحلة التي يدلي بشهادته فيها، قبل الانخراط في دراسة منهجية لمحتواها، تخضع خلالها المذكرات والشهادات للنقد الداخلي بوصفه نقطةً لبداية تقييم المحتوى والكشف عن مدى التطابق بينها83، وهل للشاهد أكثر من شهادة أو مواقف سياسية أو أيديولوجية مسبقة أثّرت في شهادته ورؤيته للأحداث التي عاصرها أو شارك فيها؟ والفارق الزمني لتلك المشاركة، وزمن الإدلاء بالمذكرات أو الشهادات. وأخيرًا فإنّ إمكانية توظيف المذكرات والشهادات الليبية في التأريخ لدولة الاستقلال الليبية منذ عام 1951، أمر لا يبعث كثيرًا من الأمل بالنسبة إلى الباحثين عن الحقيقة التاريخية، ولا يرجى منه كثير من النتائج، بل ربما تجرّ تلك الشهادات الباحث إلى التأريخ لأشخاص ومواقف لا للوطن الليبي. ويرجع ذلك إلى تعدد مرجعيات الكتابة والآراء في الشهادة التي اتسمت في عمومها بالحدة اللفظية والاتهامية، ونشر الفضائح الشخصية والتصورات الذهنية، وخلت من الحقائق والأسرار التي ينشدها الباحثون، إلى جانب ترجيحنا أنّ جزءًا من هذه الشهادات صدر تحت ضغوط سياسية أو مواقف محددة زمنيًا، ومن المرجح إعادة تعديلها مجددًا، والإدلاء بشهادة جديدة بحسب الموقف السياسي والمهني للشاهد.

  1. المرجع نفسه، ص 223 وما بعدها.
  2. أحمد إبراهيم الفقيه، "توضيح حقائق ليبية وعربية مأسوية غابت عن ذاكرة علي التركي"، جريدة الحياة، العدد 17996 (12 تموز/ يوليو 2012)، ص 9.
  3. صلاح الدين عوض السويحلي، "علاقتنا مع محمد زيان"، جريدة ميادين، السنة الثانية، العدد 57 (12  -  18 حزيران/ يونيو 2012)، ص 16  -  17.
  4. مختار الهادي بن يونس، "ملاحظات نقدية حول المذكرات المنسوبة لعون سوف المحمودي"، مجلة الشهيد، العدد 5 (1984)، ص 251  -  276.
  5. أحمد محمود صبحي، "بين أصول التحديث وأصول التأريخ"، مجلة كلية الآداب، العدد 2 (1968)، ص 25.

المراجع

الأجناس الأدبية من الضبط إلى العبور، مقالات وفصول. ترجمة الأمين بن مبروك. صفاقس: مكتبة علاء الدين، 2008.

الأحمر، المولدي. الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا، الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.

احميدة، علي عبد اللطيف. الأصوات المهمشة، الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الاستعمار وبعده. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.

الإدريسي، الخيري خالد. معمر القذافي، العقيد ورفاقه وأنا، أسرار وحقائق لن يذكرها التاريخ. سلا: فضاء الطباعة، 2012.

أوزي، أحمد. المعجم الموسوعي لعلوم التربية. الرباط: منشورات مجلة علوم التربية، 2006.

أولحاج، محمد. بيداغوجيا تحليل الخطاب، السيرة الذاتية، المكونات، والروافد. الدار البيضاء: مكتبة السلام الجديدة، والدار العالمية للكتاب، 2006.

الباردي، محمد. عندما تتكلم الذات، السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث. صفاقس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ومركز الرواية العربية، 2008.

باركلوب، جفري. الاتجاهات العامة في الأبحاث التاريخية. ترجمة صالح العلي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984.

بدر، أحمد. أصول البحث العلمي ومناهجه. ط 5. الكويت: وكالة المطبوعات، 1979.

البرازي، تمام. القذافي والمعارضة من منظور منصور الكيخيا ومحمد المقريف. د. م.: دار عكاظ، 1996.

بغني، عمرو سعيد. الرواية الشفهية، وتجربة الاستخدام في كتابة تاريخ الجهاد الليبي. ضمن أعمال المؤتمر الأول للوثائق والمخطوطات في ليبيا. تحرير عمار جحيدر. طرابلس: مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 1992.

بن حليم، مصطفى. صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي، مذكرات رئيس وزراء ليبيا الأسبق. ط 5. د. م: منشورات الجبهة الشعبية، د.ت.

________. ليبيا انبعاث أمة وسقوط دولة. كولونيا/ ألمانيا: منشورات الجمل، 2003.

بن يونس، مختار الهادي. "ملاحظات نقدية حول المذكرات المنسوبة لعون سوف المحمودي". مجلة الشهيد. العدد 5 (1984).

بورتر، روي. فكرة الزمان عبر التاريخ. ترجمة فؤاد كامل. سلسلة عالم المعرفة 159. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992.

توش، جون. المنهج في دراسة التاريخ، اتجاهات ومنهجيات وأهداف جديدة في دراسة التاريخ الحديث. ترجمة ميلاد المقرحي. بنغازي: منشورات جامعة قاريونس، 1994.

التونجي، محمد. المعجم المفصل للأدب. بيروت: دار الكتب العصرية، 1993.

ثورة الشعب الليبي. طرابلس: وزارة الإعلام والثقافة، 1972.

خشبة، سامي. مصطلحات فكرية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997.

خليل، خليل أحمد. معجم مفاهيم علم الاجتماع. بيروت: معهد الإنماء العربي، 1996.

الدسوقي، عاصم. البحث في التاريخ، قضايا المنهج والإشكالات. بيروت: دار الجيل، 1991.

الديب، علي. مؤامرة بن حليم على الديمقراطية في ليبيا 1954. القاهرة: مطابع المنار العربي، 1996.

الديب، فتحي. عبد الناصر وثورة ليبيا. القاهرة: دار المستقبل العربي، 1986.

للنشر والتوزيع، 2012.

رستم، أسد. مصطلح التاريخ. جدة/ بيروت: المكتبة العصرية، 2002.

رمضان، عبد العظيم. مذكرات السياسيين والزعماء في مصر 1891  -  1981 م. ط 2. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1981.

السبكي، آمال. استقلال ليبيا من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية 1943  -  1952 م. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991.

السراج، مصطفى. السعداوي والمؤتمر، وضع النقاط على بعض الحروف. طرابلس: القبس للأعمال الفنية، 2006.

شربل، غسان. "الرائد عبد المنعم الهوني يفتح دفاتره من منفاه". مجلة الوسط (بيروت: 1999).

________. في خيمة القذافي، رفاق العقيد يكشفون خبايا عهده. بيروت: رياض الريس للكتاب والنشر، 2013.

شلقم، عبد الرحمن. أشخاص حول القذافي. طرابلس: دار الفرجاني للنشر والتوزيع، ودار مدارك للنشر، 2012.

________. نهاية القذافي، ثورة 17 فبراير، يوميات، وأسرار، وشهادات. طرابلس: دار الفرجاني، 2012.

الشيباني، عمر التومي. مناهج البحث الاجتماعي. ط 2. طرابلس: جامعة طرابلس، 2001.

طلحة جبريل. الرباط: منشورات طوب للاستثمار والخدمات، 1996.

الطالبي، محمد. "التاريخ ومشاكل اليوم والغد". عالم الفكر (نيسان/ أبريل، أيار/ مايو، حزيران/ يونيو 1974).

الحديث، د.ت.

والفنون والآداب، 2003.

حبيب، طارق. ملفات ثورة يوليو، شهادات 122 من صناعها ومعاصريها. تحقيق يونان لبيب رزق. القاهرة: مركز الأهرام للترجمة، 1997. ربيع، فوزي. عبد المنعم الهوني شاهد على انحرافات القذافي، الملفات السرية لنظام حكم ليبيا. القاهرة: منشورات أخبار التعليم صبحي، أحمد محمود. "بين أصول التحديث وأصول التأريخ". مجلة كلية الآداب. الجامعة الليبية، بنغازي، العدد 2 (1968).

الصيد، محمد عثمان. محطات من تاريخ ليبيا، مذكرات محمد عثمان الصيد رئيس الحكومة الليبية الأسبق. أعدها للنشر عارف، جميل. صفحات من المذكرات السرية لأول أمين عام للجامعة العربية عبد الرحمن عزام. القاهرة: المكتب المصري عبد الله، محمد قاسم. سيكولوجية الذاكرة، قضايا واتجاهات حديثة. سلسلة عالم المعرفة 290. الكويت: المجلس الوطني للثقافة عليان ربحي وغنيم، عثمان. أساليب البحث العلمي، الأسس النظرية والتطبيق العملي. عمان: دار صفاء للنشر والتوزيع، 2004. العيسوي، عبد الرحمن. مناهج البحث العلمي في الفكر الإسلامي والفكر الحديث. بيروت: دار الراتب الجامعية، 1997.

قدارة، فاتح رجب. الثورة الجزائرية من خلال مذكرات الساسة الليبيين (مصطفى بن حليم، ومحمد عثمان الصيد نموذجًا). ليبيا: مجلة الجامعة/ منشورات جامعة الزاوية، 2015.

القذافي، معمر. رحلة 4000 يوم من العمل السري. طرابلس: شعبة التثقيف بملتقى رفاق القائد، 1999.

الكتابات التاريخية في المغارب، الهوية، والذاكرة والإسطوغرافيا. سلسلة ندوات ومناظرات 138. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007.

كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ، اتجاهات مدارس مناهج. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.

لاكوتور، جان. التاريخ الجديد. ترجمة محمد المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الراهن، عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر. صفاقس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ودار محمد علي الحامي، 2012.

الماعزي، الأمين. ثورة فزان على الفرنسيين (1368 ه / 1949 م). القاهرة: المطبعة الحديثة، 2003.

مشكلات في كتابة التاريخ العربي المعاصر. أبو ظبي: مركز زايد للتنسيق والمتابعة، د. ت.

المقرحي، ميلاد. "الرواية الشخصية والمصادر المدونة في كتابة التاريخ". مجلة قاريونس العلمية. السنة الثانية. العدد 4. ج 1 (1989). المنتصر، بشير السني. مذكرات شاهد على العهد الملكي الليبي. ط 2. بنغازي: مكتبة 17 فبراير، 2012.

منصور، حنان. "فزان في عهد الإدارة الفرنسية 1943  -  1957 م". رسالة ماجستير. كلية الآداب، جامعة الزاوية، 2003.

مهدرها، أحمد. "قراءة في كتاب ذاكرة نضال وجهاد لصاحبه الغالي العراقي". مجلةالبحث التاريخي. العدد 3 (2005).

هينج، ديفيد. دراسة التاريخ من خلال الروايات الشفهية. ترجمة ميلاد المقرحي. بنغازي: منشورات جامعة قاريونس، 2003.

وسينوبوس، لانجلوا. النقد التاريخي. ترجمة عبد الرحمن بدوي. القاهرة: دار النهضة العربية، 1970.

وهبة، مجدي والمهندس كامل. معجم المصطلحات في اللغة والأدب. بيروت: مكتبة الآداب، د.ت.