Return to Article Details The Ottomans and Emergence of Modernity:

العثمانيون وإرهاصات الحداثة: قراءة في كتاب جنّة الكفار: سفير عثماني في باريس سنة 1721

The Ottomans and Emergence of Modernity:

عبد الحي الخيلي

الملخّص

المؤلف: عبد الرحيم بنحادة عنوان الكتاب: جنّة الكفار: سفير عثماني في باريس سنة 1721 الناشر: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، المغرب سنة النشر: 2017 عدد الصفحات: 174صفحة

الكلمات المفتاحية:
  • الحداثة
  • جنّة الكفار
  • سفير عثماني
Keywords:
  • Modernity
  • The Paradise of Infidels
  • Ottoman Ambassador
عبد الحي الخيلي| khili El *Abdelhay
عبد الحي الخيلي | khili El Abdelhayالمؤلف: عبد الرحيم بنحادة.
عنوان الكتاب: جنّة الكفار: سفر عثمني في باريس سنة 1721.
الناشر: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، المغرب.
سنة النر: 2017.
عدد الصفحات: 174 صفحة.
العثمنيون وإرهاصات الحداثة
قراءة في كتاب جنّة الكفار: سفير عثمني في باريس سنة 1721
The Ottomans and Emergence of Modernity: "The Paradise
of Infidels: An Ottoman Ambassador in Paris in 1721 " by
Abderrahim Benhadda
عبد الحي الخيلي | khili El Abdelhay
العثمنيون وإرهاصات الحداثة
قراءة في كتاب جنّة الكفار: سفير عثمني في باريس سنة 1721
The Ottomans and Emergence of Modernity: "The Paradise
of Infidels: An Ottoman Ambassador in Paris in 1721 " by
Abderrahim Benhadda

تقديم

تعزَّز حقل الدراسات العثمانية بإصدار جديد لعبد الرحيم بنحادة، اختار له عنوانجنّة الكفار: سفير عثماني في باريس سنة 1721. وأصل هذا الكتاب تقرير دبلوماسي للسفير العثماني يكرمي سكز جلبي محمد أفندي Efendi Mehmed Çelebi Sekiz Yirmi الذي زار باريس وأعدّ تقريرًا عن زيارته. ويعدّ هذا العمل إضافة نوعية مهمة في التاريخ الدبلوماسي للدولة العثمانية خلال الحقبة المعاصرة، يضاف إلى أعمال جادة اهتمت بموضوع السفراء والسفارتنامه العثمانية1.

كتاب جنّة الكفار: الأهمية والمضمون

أهمية الدراسة والتحقيق

تبرز أهمية الدراسة والتحقيق اللذَين قام بهما عبد الرحيم بنحادة لنص سفارتنامه فرنسا للسفير محمد أفندي في عدة مستويات، أهمّها: اعتماد الدارس في تحقيق النص على نسخة مخطوطة فريدة باللغة العربية لم تتوافر للباحثين الذين قاموا بدراسته من قبل. وإذا كان الفضل لخالد زيادة في تعريب هذا النص من اللغة الفرنسية والعثمانية قبل بضع سنوات، وصدر بعنوان جنّة النساء والكافرين2، ولجيل فانشتين Veinstein Gilles السبق في إخراجه بالصيغة الفرنسية قبل ذلك3، فإنّ الفضل يعود أيضًا إلى عبد الرحيم بنحادة الذي وفّق في مقارنة النسخ المختلفة العثمانية التركية والفرنسية والصيغة العربية المخطوطة، وهو ما جعل هذا النص المحقق يتميز بالدقة العلمية والبحث الأكاديمي الرصين الذي ينمّ عن التخصص العميق في مجال التاريخ العثماني وموضوع العلاقات الدبلوماسية العثمانية. على الرغم من الملاحظات والمثالب التي سجّلها المحقق على هذا المتن في المقدمة، فإنّ تمرّسه الكبير في دراسة النصوص العربية والعثمانية وتحقيقها نظرًا لخبرته الطويلة في التحقيق، والعمل في الأرشيف العثماني واحتكاكه بمختلف الوثائق والمصادر المخطوطة4، مكّنه من تجاوز تلك الصعاب. ومما لا شك فيه أنّ هذه الدراسة ستسهم في تقديم صورة دقيقة وماتعة عن علاقة العثمانيين بأوروبا، ليس للباحثين المتخصصين في التاريخ العثماني فحسب، بل لعموم القراء والمهتمين بأدب الرحلة والسفر في العالم الإسلامي وانفتاحه على أوروبا.

هندسة الكتاب

يتألف الكتاب من قسمين؛ خصص المؤلف القسم الأول للدراسة والثاني لتحقيق المتن الموسوم بيان ما ذكره محمد أفندي المرسول من طرف الدولة العلية إلى فرنسا وجميع ما شاهده هناك. وهو من الحجم المتوسط وفيه 174 صفحة. قدّم له خالد زيادة مبرزًا مميزات الكتاب وجهد الدارس من أجل تحقيق النص.

  1. أهمها: Faik R. Unat, Osmanli Sefirleri ve Sefaretnameleri (Ankara: Türk Tarih Kurumu, 1992); Hadiye Tuncer ve Hüner Tuncer, Osmanli Diplomasisi ve Sefaretnameler (Ankara: Ümit Yayιncιlιk, 1997); Virginia H. Aksan , An Ottoman Statesman in War and in Peace: Ahmed Resmi Efendi 1700  -  17 83 (Lieden & New York & Köln: Brill, 1995); Stephane Yerasimos, Deux Ottomans à Paris sous le Directoire et l'empire (Paris: Sindbad Actes Sud, 1988).
  2. محمد جلبي، جنّة النساء والكافرين، ترجمة خالد زيادة (القاهرة: دار رؤية للطباعة والنشر، 2014.)
  3. Mehmed Efendi , Le Paradis Des Infidèles, Un Ambassadeur Ottoman en France sous la Régence , introduction et notes par Gilles Veinstein (Paris: Maspero, 1981).
  4. يرجع الفضل للمحقق في دراسة مجموعة من المصادر التي تناولت تاريخ المغرب الحديث وعلاقاته الخارجية وتحقيقها، ومن أبرزها: تاريخ الدولة السعدية التاكمادرتية (مراكش: دار تينمل للطباعة والنشر، 1994)؛ مجهول برتغالي، وصف المغرب أيام مولاي أحمد المنصور (مراكش: دار تينمل للطباعة والنشر، 1995)؛ محمد بن عبد الوهاب الغساني، رحلة الوزير في افتكاك الأسير (طوكيو: منشورات معهد الأبحاث في لغات وثقافات آسيا وإفريقيا، 2005)؛ محمد بن عبد الكريم المغيلي، رسائل في اليهود (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2005).

درس المحقق في القسم الأول الكتاب دراسة علمية دقيقة ومستفيضة؛ بحيث بيّ السياق والملابسات التي حفّت بإرسال السلطان أحمد الثالث (1703  -  1730) سفارة محمد أفندي إلى العاصمة باريس من أجل توثيق العلاقات بفرنسا والتعرّف إلى ما بلغته هذه الدولة من تقدّم في مختلف الميادين. وتوقّف عند تاريخ إرسال السفارات العثمانية إلى الديار الفرنسية والتحوّل الذي عرفه مفهوم السفارة العثمانية خلال القرن الثامن عشر، والذي تُوّج بتعيين السفراء المقيمين في بعض العواصم الأوروبية منذ سنة 17935. كما بيّ مفهوم السفارتنامه بوصفها نموذجًا من الكتابات التي تزاوج بين الوصف الجغرافي والإثنوغرافي، والتقرير الدبلوماسي السري، والاهتمام بمظاهر الحضارة المادية الأوروبية من أجل دعم سلطة الدولة العثمانية وتجديد هياكلها. بعد تحديد المفاهيم الأساسية المتعلقة بموضوع الدبلوماسية العثمانية، قدّم المحقق تعريفًا وافيًا بالسفير محمد أفندي وأهمّ أقسام الرحلة السفارية. وتناول بالشرح والتحليل أهم مضامين متن السفارة العثمانية إلى باريس، ومنهج اشتغاله بذلك المتن. ولخّص بنحادة مضمون متن السفارة بقوله: "عندما نقرأ الرحلة نجد أنّ الخيط الناظم هو توصيف مشاهدة الغريب بقلم يمزج بين الانبهار بمنجزات فرنسا في مختلف الميادين والحسرة على الواقع الذي آلت إليه الدولة العثمانية، والدعوة المبطّنة إلى اعتماد التجارب الفرنسية في الدولة العثمانية" (ص. 35). كما توقّف عند مختلف الأصداء التي تركتها سفارة محمد أفندي إلى فرنسا سواء في التقارير الصحافية والسياسية أم لدى المثقفين الفرنسيين من رجال الإدارة والسياسة، وكذا عند الفنانين والرسامين الذين أبدعوا في تصوير بعثة السفير العثماني إلى باريس؛ ومن أبرزهم شارل باروسيل Parocel Charles وج. مارتن Martin. J. وأنهى دراسته بالحديث عن امتدادات نص "جنّة الكفار" سواء في الزمن أو بالنسبة إلى المجتمع والسلطة في الدولة العثمانية، وسياق تسمية المتن، وحيثيات اختياره "جنّة الكفار" عنوانًا لسفارتنامه فرنسا؛ إذ أكد أنّ ذلك المتن لا يعدو أن يكون تقريرًا لمشاهدات السفير ثلاثة موضوعات رئيسة: الانطلاق والسفر برًا وبحرًا، وأهم المشاهدات، ثم طريق العودة وما جاء فيها. وقد ذيّل المحقق المتن بثلاثة ملاحق؛ أولها بعنوان "قبل الوصول إلى فرنسا"، وثانيها "رحلة العودة"، أما الملحق الثالث فقد ضمّنه أهم كرونولوجيا السفارة. وختم الكتاب بلائحة ببليوغرافيا وفهرسٍ للأعلام والمصطلحات. ولا يسعني إلا أن أشيد بالجهد الذي قام به بنحادة لإخراج هذا النص في حلة جيدة ومفيدة للقراء.

معالم الحداثة من خلال نص "السفارتنامه فرنسا"

توقّف السفير محمد أفندي من خلال تقريره السفاري عند أهم معالم الحداثة في المجتمع الفرنسي. وظهر ذلك من خلال موضوعات متنوعة، سياسية وعسكرية، معرفية وثقافية، عمرانية واجتماعية. وكان الهدف من وراء بسط تلك المعالم هو تقديم النموذج الفرنسي للسلطة العثمانية قصد إصلاح مؤسسات الدولة وتحديثها. واتضحت معالم الحداثة التي سجّلها السفير العثماني في عدة مجالات:

المجال لاجتمعي

أول ما أثار السفير هو وباء الطاعون الذي ضرب المجتمع الفرنسي، بخاصة سكان مدينة مرسيليا وبروونسا وبلاد الطولون. ما أحدث خسائر ديموغرافية جسيمة، اضطرت السلطات إلى اتخاذ إجراءات وقائية قصد التخفيف من الوباء عن طريق إخضاع المرضى للحجر الصحي.

  1. Kuran E., Avrupa'da Osmanli Ikamet Elçilerinin Kuruluşu Ve Ilk Elçilerin Siyasi Faaliyetleri (1793  -  1821), (Ankara: Türk kültürünü Araştırma Enstitüsü, 1988).

ما شدّ انتباه محمد أفندي أيضًا هو حفاوة الاستقبال والجمع الغفير من الفرنسيين الذين جاؤوا لمشاهدة موكبه، وكذا المكانة التي حظيت بها المرأة في المجتمع الفرنسي سواء في مناسبات الاستقبال أم من خلال مشاركتها في الحياة العامة وتمتعها بالحقوق والحريات كافة. وهو ما سجّله السفير بعناية فائقة في مختلف فصول التقرير. ومن أبلغ ما قاله حول دور النساء: "في مملكة فرنسا إكرام النساء غالب على إكرام الرجال، وكل واحدة منهن تعمل ما تشاء ويختار خاطرها، وتمضي إلى حيث تشتهي وتريد. وعلى هذه الطريقة أكبر شيخ منهم يراعى ويحترم لأدنى حرمه بأكثر ما تستحقه. وفي تلك الولاية الحكم للنساء" (ص 88  -  118).

المجال السياسي والدبلومايس

تزامنت زيارة السفير العثماني باريس مع فترة الوصاية وانتقال الحكم إلى الملك الفتى لويس الخامس عشر (1715  -  1774) بعد وفاة الملك لويس الرابع عشر في 1 أيلول/ سبتمبر 1715. لكنه أُعجب بالنظام السياسي الفرنسي القائم على تعدد المناصب الوزارية، ويسمح بتقلّد مهمات محددة ودقيقة أبرزها منصب وزير الخارجية الذي كان دوره ينحصر في "فحص إمكانيات توقيع السلم والسهر على شؤون التجارة والتفاوض مع سفراء الأمراء الأجانب وتسمية السفراء الذين يمثلون فرنسا في الدولة العثمانية". وهذا النظام غير موجود في الدولة العلية التي تتركز فيها السلطات في يد السلطان وأحيانًا في يد الصدر الأعظم. كما أبدى محمد أفندي تقديرًا واضحًا لنظام الوصاية الذي يعهد بالحكم إلى وصي يشرف على تسيير شؤون البلاد حتى يبلغ الملك سن الرشد. وهو نظام ضمن انتقال السلطة بسلاسة في فرنسا عكس الدولة العثمانية التي عرفت عدة أزمات سياسية ناجمة عن انتقال الحكم. أولى السفير الجانب الدبلوماسي عناية فائقة، بخاصة المراسيم والبروتوكولات التي حضرها أمام رجال الدولة والملك الفرنسي. وظهر ذلك من خلال وصفه بعض المواقف التي شهدها بعد وصوله إلى باريس؛ إذ استقبله عساكر الملك وأعيان المدينة، وخواصها وأكابرها بطريقة منتظمة عند الدخول، ثم استقبله القاصد، أي كبير الحجاب، لتهنئته بالسلامة والعز والإكرام، وترتيب لقائه المرتقب مع الملك قصد السلام عليه والتحية وتقديم الخط الشريف الذي معه، وذلك بعد حضور كبير قواد الجيش (لامبرك). وقد أسهب في وصف تنظيم الاستقبال واللباس والحلي والمجوهرات الفاخرة والفرق العسكرية الاستعراضية، ووضعية كبار رجال الدولة الفرنسية أمام الملك الذي تشرّف السفير بتقديم الرسالة السلطانية ومكتوب الصدر الأعظم له بواسطة الوصي على العرش. ونالت تلك الرسالة المرسلة من السلطان العثماني رضى الملك الفرنسي وقبوله، وأسهمت في تعزيز الروابط السياسية والدبلوماسية بين البلدين.

البنى التحتية والمواصلات

استرعى اهتمام محمد أفندي البنى التحتية والجوانب المادية في فرنسا، من تنظيم الطرق والقناطر والجسور والقنوات، ومنها قناة لونك دوك التي أسهمت في تسهيل المواصلات بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. وهو ما أدى إلى نشاط الأسواق والتجارة عمومًا. كما ساعد تطور المواصلات في تحسين خدمات النقل والتنقل بين البوادي والحواضر، وهو ما جعل الفرنسيين يدركون قيمة الوقت ويهتمون بالزمن.

العمران والتمدين

اهتم محمد أفندي بالجوانب المعمارية والعمرانية للحواضر الفرنسية سواء في رحلة الذهاب أم الإياب. ومن أبرز تلك المعالم العمرانية، القصور والقلاع والكنائس والجسور والقناطر والموانئ والحدائق. كما شدّ انتباهه كيفية انتظام المدن والحواضر وتطورها، وأهمها مدينة باريس التي انبهر بمعالمها المعمارية وما احتوته من بنايات عالية وبيوت ومنازل، وعقد مقارنة بينها وبين القسطنطينية، سواء على المستوى العمراني أم الديموغرافي أم على المستوى الطبيعي (ص 99  -  134).

الثقافة والفنون

انبهر السفير العثماني بالحياة الثقافية والفنية في باريس، وهو ما جعله يسهب في وصف أهم المعالم الثقافية التي تزخر بها العاصمة الفرنسية وأبرزها المتاحف والقصور (سان كلو، وفرساي، ومدون، وتريانون)، بحيث أغرق في وصف حدائقها ونوافيرها وشلالاتها وقنواتها وتماثيلها. ومن جانب آخر تحدّث عن مختلف النشاطات الترفيهية التي أقيمت في دار الأوبرا مثل حفلات الموسيقى والرقص والباليه وألعاب الشهب التي تبرز أنّ السفير العثماني كان يبدو غريبًا عن الثقافة الفرنسية.

العلوم والصنائع والتقنيات

حرص محمد أفندي على التدقيق في وصف التطورات العلمية والمعرفية والتقنية التي عرفتها فرنسا؛ بحيث ركّز على أسس التفوق العسكري من خلال الحديث عن مميزات الجيش الفرنسي والمستشفى العسكري في باريس الذي عدّه من أبرز معالم قوة المؤسسة العسكرية الفرنسية. كما تحدّث عن التطورات التقنية والعلمية التي شاهدها في باريس بانبهار شديد، وأبرزها المرصد الفلكي والأدوات الموجودة فيه، بخاصة المنظار الذي يمكّن من تتبع حركة الفلك والنجوم، والمحترفات الخاصة بصنع النسيج، ومصانع المرايا والآلات الموجودة فيها وكيفية اشتغالها. وكشف أيضًا اهتمام الفرنسيين بعلم الكرطوغرافيا من خلال رسم الخرائط والمجسمات بما في ذلك كرة العالم التي تمكّن من معرفة البلدان والأقاليم والحدود الفاصلة بينها، كما تُستخدم لغايات عسكرية. ولم يفت السفير زيارة خزينة الدولة الفرنسية والوقوف عند مجوهرات القصر الملكي التي أعجب بها كثيرًا، وأعجب أيضًا بمتحف التاريخ الطبيعي، وأبدى اهتمامه بمختلف أجنحة هذا المعلم ومنها قسم علم التشريح والطب والنباتات.

سفارة محمد أفندي: النتائج والإشك لات

كتب السفير محمد أفندي نص السفارة بعدما رجع إلى إستانبول وقدّمها إلى الصدر الأعظم إبراهيم باشا والسلطان أحمد الثالث واطلعت عليها النخبة العثمانية. والحقيقة أنّ متن الرحلة السفارية يطرح مجموعة من الأسئلة التي تفرض نفسها على الباحث، ومنها: هل نجحت السفارة في تحقيق أهدافها؟ وما هي أبرز نتائجها بالنسبة إلى السلطة والمجتمع؟ وما المضمر والمعلن في نص السفارتنامه؟ وما هي مآلات جهد النخبة والسلطة العثمانيتين في ترجمة بنودها إلى مشاريع الإصلاح والتحديث؟ لقد كان للسفارة التي قادها السفير العثماني محمد جلبي نتائج مهمة، لعل أبرزها اطلّاع العثمانيين على التحولات العميقة التي شهدها الغرب عمومًا وفرنسا على وجه التحديد، وتمكينهم من التعرّف على أسباب التقدم العلمي والتقني والثقافي والعمراني للمجتمع الفرنسي ومظاهره. غير أنّ الأهم هو محاولة تصحيح تصورات النخبة العثمانية عن العالم الأوروبي، وتجاوز فكرة "المركزية العثمانية" التي ظلت تسيطر على أذهان العثمانيين لقرون، على الرغم من الهزائم العسكرية التي تعرّض لها الجيش العثماني أمام الهابسبورغ وروسيا وما نتج منها من معاهدات قلّصت نفوذ الدولة العسكري والترابي (كارلوفيتسر 1699، وكوجك قينارجة 1774). وبفضل التقرير الدبلوماسي الذي كتبه محمد أفندي تمكّن العثمانيون من تبنّي مشاريع مهمة، أبرزها تأسيس المطبعة بحروف عربية في إستانبول سنة 1727، بمبادرة من سعيد محمد أفندي ابن السفير الذي تأثّر بالغ التأثر بالثقافة الفرنسية بخاصة بدُور الطباعة والنشر، واستطاع أن يستصدر فتوى من شيخ الإسلام وفرمانًا من السلطان أحمد الثالث بهدف تأسيسها، وتكليف إبراهيم متفرقة بالجوانب التقنية للمشروع. وتنوعت المؤلفات التي صدرت عن هذه المطبعة بين ترجمات لكتب فرنسية وقواميس اللغة، إلى جانب

كتب التاريخ والجغرافية والعلوم. وعلى الرغم من توقّف هذا المشروع بموت إبراهيم متفرقة سنة 1745، فقد استمر الانفتاح على العالم الخارجي باستدعاء خبراء ومهندسين فرنسيين للعمل في المجال العسكري بخاصة سلاح المدفعية. كان التقرير أيضًا بمنزلة المرشد والمعين للسفراء والدبلوماسيين العثمانيين الذي قصدوا أوروبا سواء على مستوى الكتابة والتأليف، أم من أجل فهم طبيعة المجتمع الأوروبي والتحولات التي عرفها، وأبرزهم: أبو بكر راتب أفندي، وعلي مورالى أفندي، وعبد الرحيم محب أفندي، وسيد محمد أمين وحيد أفندي، وغيرهم6. كما كان لسفارتنامه فرنسا نتائج مهمة على تطور الدولة العليّة على المدى البعيد؛ إذ مكّنت من خلق تراكم معرفي وعلمي جعل السلاطين يتبنون نموذج الحداثة الفرنسية في إصلاح مؤسسات الدولة المختلفة وتحديثها، مثل الجيش والإدارة والتعليم. وظهرت التأثيرات الفرنسية بقوة في عهد السلطان سليم الثالث (1789  -  1807)، وتجلّت في الكتابة والتأليف ونشاط السفارة الفرنسية والصحافة. وتطور ذلك التأثير في عهد التنظيمات الخيرية من خلال نشاط حركة الترجمة، وبروز معرفة جديدة تمتح جوهرها من الثقافة الفرنسية؛ بحيث ظهر تأثّر العثمانيين بكتابات فلاسفة الأنوار أمثال فولتير وجون جاك روسو وديدرو وغيرهم، وتعززت المذاهب العلمية والعقلانية في أوساط النخبة العثمانية، من الخبراء العسكريين والسفراء والمفكرين والمهتمين بالاقتصاد أيضًا. وبذلك فقد تسربت تأثيرات الأنوار بالتدريج إلى أوساط النخبة الحاكمة العثمانية. وتوقّف عدد من الدارسين عند أبرز تلك التأثيرات المهمة؛ منهم خالد زيادة، وبدر الدين تونجل7. ومن جانب آخر، فقد كان لسفارة محمد أفندي دور في ازدياد اهتمام الفرنسيين بالثقافة العثمانية التركية والعربية؛ بحيث أسهمت في تحفيز الساسة الفرنسيين للاهتمام باللغات التركية والفارسية والعربية، ودفعتهم فيما بعد لتأسيس مدرسة اللغات والحضارات الشرقية سنة 1786 (ص. 59). لقد أفلح محمد أفندي في إظهار القيم الإنسانية المبنية على التسامح أثناء زيارته، وأبان عن حنكة سياسية ودبلوماسية مهمة؛ بحيث تفادى إحداث مشاكل وأزمات دبلوماسية ما جعل سفارته تتكلل بالنجاح، عكس بعض السفراء الذين لم تكن لهم المؤهلات الكافية للتعامل بمرونة مع القضايا الدبلوماسية، ومن أبرزهم السفير العثماني واصف أفندي الذي رفض أثناء زيارته مدريد سنة 1779 الخضوع للحجر الصحي، والسفير عزمي أفندي الذي تسبب في أزمة دبلوماسية بين الباب العالي وسلطان المغرب محمد بن عبد الله بسبب قضية أتراك الجزائر. لكن في المقابل تمكّن محمد أفندي من كشف الوجه الآخر لفرنسا وتعامل بعض السياسيين والوزراء بمكر وخديعة. وقد صرّح بذلك في ختام زيارته، بعد استعداداته للعودة إلى وطنه، من خلال محاولة أحد النبلاء المرافقين له تأخير أمتعة السفير العثماني وفصلها عنه أثناء رحلة العودة، وكذا من خلال عدم وفاء الوزير الفرنسي بوعده للسفير بتقديم بعض العبيد هدايا. ما أثار قضية في غاية الحرج السياسي والدبلوماسي بين مثقف عثماني لا يزال يعترف بنظام العبودية وفرنسي يتهرب من تناول هذه القضية (ص 150  -  155). طرحت السفارة مجموعة من الإشكالات بالنسبة إلى السلطة والنخبة والمجتمع العثماني، وكانت لها انعكاسات على مآلها ونتائجها، على الرغم من نجاحها في تحقيق مجموعة من الأهداف.

  1. انظر: عبد الرحيم بنحادة، "بين الرحلة السفارية والتقرير الدبلوماسي: السفارتنامه العثمانية"، في: التاريخ والدبلوماسيةقضايا المصطلح والمنهج، تنسيق عبد المجيد القدوري (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003)، ص 103  -  125.
  2. خالد زيادة، اكتشاف التقدم الأوروبي دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1981)، ص 34  -  72؛ تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1983)، ص 79  -  96؛ Bedreddin Tüngel, "L'influence Des Lumières Sur L'empire Ottoman," in: Turcica, T. 2 (Paris: Klincksieck, 1970), pp. 165  -  177.

فإذا كانت السفارة قد لاقت قبول رجال النخبة المثقفة العثمانية واستحسانهم، فإنّها من جانب آخر أحدثت بلبلة في أوساط التيار المحافظ والعامة؛ بحيث لم تتعامل شريحة من رجال الدولة العثمانية مع السفارة والسفير بما يستحق، بل ظلت تنظر إليهما نظرة ريبة وشكّ، وعلى الرغم من الاحتياطات التي اتخذها السفير في تحرير نص التقرير من جهة، وسعي السلطة بخاصة الصدر الأعظم، إلى ترجمته إلى مشاريع إصلاحية من خلال استقدام تقنيات الحداثة الفرنسية من جهة أخرى، فإنّ مضامين النص السفاري ظل يحكمها هاجس الخوف والاحتراس من ضغط المجتمع والفئة المحافظة. وهو ما جعل بعض الموضوعات لم تنل حقها بما يكفي في التقرير؛ بحيث تفادى مناقشة قضايا الجدل الديني (الإسلامي/ المسيحي) والهوية العثمانية (الأنا، والآخر). وهو عكس ما لاحظناه في نصوص سفارية أخرى لسفراء مسلمين زاروا فرنسا واستطاعوا إفحام رجال الدين الفرنسيين في مناظرات شهيرة، وأبرزهم السفير المغربي أبو القاسم الحجري8. كما تجنّب السفير الإشادة بالفكر الفرنسي، ولم يتحدث عن استقدام كتب أرسطو من باريس، ولم يرو تفاصيل زيارته المكتبة الوطنية وأكاديمية باريس، وتصفّحه الكتب والمخطوطات، نظرًا لما كانت تمثّله مسألة الانفتاح الثقافي من حرج في أوساط بعض العلماء ومؤسسة شيخ الإسلام التقليدية. لم يُول محمد أفندي مسألة التباينات العميقة التي لاحظها بين العالم الأوروبي المتمثل بفرنسا والدولة العثمانية اهتمامًا كبيرًا؛ فأغلب المقارنات التي قام بها كانت عفوية على الرغم من اقتناعه بأنّه أمام عالمين مختلفين (جنة الكفار، وجحيم المسلمين). بالنسبة إلى الجانب العسكري، على الرغم من إعطاء السفير التطورات العلمية والتقنية التي شهدتها فرنسا أهمية كبيرة، فإنّه لم يتحدث عن العلوم المرتبطة بتطوير المؤسسة العسكرية مثل الهندسة العسكرية، والصنائع الحربية وأنواع الأسلحة والمعطيات المتعلقة بالعدة والعتاد والذخائر والخطط العسكرية، بل اكتفى بالحديث عن جوانب الاستعراض العسكري للحرس الملكي الفرنسي، وبعض التدريبات الخاصة بالجند ثم الإشارة إلى المستشفى العسكري ودوره في التطبيب وتقديم الأدوية للجرحى. مع العلم أنّ الدولة العليّة كانت في حاجة ماسة إلى معرفة مكامن قوة الجيوش الأوروبية، وهو ما تنبّه له غيره من السفراء في تقاريرهم أمثال أبي بكر راتب أفندي ودرويش محمد أفندي وأحمد رسمي أفندي، وبعض رجال النخبة في رسائلهم أمثال إبراهيم متفرقة، وسيد مصطفى، ومحمود رئيف أفندي. يمكن أن نفسر تجاهل السفير المسألة العسكرية وتفاصيلها الدقيقة بعاملين: الأول مرتبط بتأمين الفرنسيين المواقع الحساسة، والمعدات العسكرية في الدولة حفاظًا على أمنهم الوطني، والثاني وهو الأرجح في نظري، يتمثل بموقف السفير وغيره من رجال النخبة من "إشكالية الحرب والسلم" في الدولة العثمانية. فموقفه تجلى في تبنّي خيار السلم سياسة إستراتيجية للدولة. وبناءً عليه، فإنّ غض الطرف وعدم الحديث عن المؤسسة العسكرية في بعدها الحربي، كان القصد منه هو عدم إثارة الجناح العسكري وأنصار الحرب في البلاط الهمايوني، وتجنّب تبنّي الدولة سياسة حربية ليست في مصلحتها. لم يلق التقرير اهتمامًا ملحوظًا إلّ عند النخبة الحاكمة والأعيان والتجار المشاركين في التجارة الدولية وأصحاب النفوذ. وبرز ذلك أساسًا في السعي لتقليد العمارة الفرنسية في بناء القصور والمنازل الفخمة على ضفاف البوسفور وغيرها، مثل قصر "سعد آباد" على القرن الذهبي و"الياليات" وهي الدور المقامة على ضفاف البوسفور، واستقدام عدد من الفنانين الأجانب إلى العاصمة. كما لوحظ تشييد عدد من المساجد والمدارس والمنشآت العامة والخاصة التي تبرز التطور والبذخ في مستوى العمارة. هذا في وقت كانت الدولة في حاجة ماسة إلى المال لإنفاقه على مشاريع كبرى. وهو ما أدى إلى الزيادة في الرسوم والضرائب، وانتهى بحدوث نهاية مأساوية لفترة مؤقتة من السلم والاستقرار تميز بها عهد السلطان أحمد، وهو الذي عُرف ب "عصر التوليب". وبذلك يمكن القول إنّ محاولات الإصلاح والتحديث لم تنضج ولم تكتمل، على الرغم من أنّ الدولة العثمانية شهدت هذه المحاولات منذ مطلع القرن الثامن عشر التي أسهمت في بلورتها سفارة محمد أفندي إلى باريس، لأنّ "ضريبة الحداثة" في الدولة

  1. أحمد الحجري، ناصر الدين على القوم الكافرين، تحقيق محمد رزوق (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1987)، ص 49  -  56.

العثمانية كانت دموية؛ ذلك أنّ التيار المحافظ المساند الحرب في البلاط تمكّن من السيطرة على الوضع بعد اندلاع الحرب الإيرانية العثمانية في تموز/ يوليو سنة 1730، حيث تمكّن أحد قادة الانكشارية وهو باترونا خليل باشا من القيام بثورة في العاصمة، انتهت بإعدام الصدر الأعظم المصلح الداماد إبراهيم باشا في 29 أيلول/ سبتمبر 1730، ونفي السفير محمد أفندي إلى جزيرة قبرص حيث توفّ سنة 1732، وخلع السلطان أحمد الثالث وتعيين محمود الأول (1730  -  1754) سلطانًا بدلً منه في الفاتح من تشرين الأول/ أكتوبر 1730، حيث انتشر الرعب في إستانبول ودمرت القصور والدور والحدائق التي أقيمت على ضفاف البوسفور، وتم تدمير المطبعة التي توقفت عن الإصدار، وبذلك تم إجهاض التجربة التحديثية9. سينبعث تيار التحديث من جديد أواخر القرن الثامن عشر، على الرغم من ذلك، ويعود التبنّي القوي للنموذج الفرنسي في الإصلاح من خلال نشاط حركة التجديد مع السلطان المصلح والمجدد سليم الثالث الذي تبنّى نظامي "الإيراد الجديد" و"النظام الجديد"، وانتعشت في عهده الثقافة الفرنسية من خلال تأليف عدد من رجال النخبة رسائلهم الإصلاحية باللغة الفرنسية، واستقدام الأطر والخبراء العسكريين وتأسيس المدارس والمعاهد. لكن، استمرت معركة الحداثة والتقليد في الدولة العلية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وانتهت باستئصال شأفة التيار المحافظ وحلّ جيش الإنكشارية سنة 1826، وحدوث تغيير جذري في مؤسسات الدولة وبناها التقليدية وقوانينها، من خلال مشروع التنظيمات الخيرية (1839)، ثم إلغاء الخلافة العثمانية وتحويلها إلى جمهورية علمانية مع مصطفى كمال أتاتورك سنة 1924.

خاتمة

تعرّف السفير العثماني محمد أفندي عند زيارته باريس سنة 1721 على فرنسا في بداية عصر الأنوار. وهو ما جعل مشاهداته تراوح بين النظرة الغرائبية والاستكشافية لمجتمع جديد والنظرة التي تهدف إلى التعرف والتدقيق في أسرار العلوم والمعارف والصنائع وسبر أغوار النهضة والحضارة الفرنسيتين ومرتكزاتهما. وكانت نظرة الاستغراب والإعجاب متبادلة بين السفير وأعضاء البعثة العثمانية من جهة، ومختلف شرائح المجتمع الفرنسي (العامة، والنساء، ورجال السلطة) من جهة ثانية، أثناء مراسيم الاستقبال والبروتوكولات، وأثناء الحفلات والمناسبات الرسمية. وكانت العادات المرتبطة بالأكل والشرب والطقوس الدينية واللباس والزي المدني والعسكري قضايا أدهشت السفير العثماني في العديد من المناسبات. كما كانت الحياة الثقافية والفنية، من حفلات الرقص وعروض الأوبرا وأدوار المرأة وحيويتها في المجتمع، ومختلف النشاطات الفنية، من الجوانب التي أثارت اهتمام محمد جلبي أفندي وسجّلها في تقريره. وعلى الرغم من التفهّم الذي أبداه بخصوص الحضور والتمتع بالفرجة والفرح، فإنّ هذه المظاهر تعكس التباين العميق بين فلسفة الفن والجمال والثقافة في عالمين مختلفين؛ العالم الفرنسي الحداثي المنفتح والعالم العثماني المحافظ. لكن، على الرغم من ذلك، مثّل هذا التقرير الدبلوماسي المرشد والمعين للنخبة والسلطة العثمانيتين من أجل تصحيح تصوراتهما حول الحداثة الأوروبية، وعمّا كان يجري في الغرب بوجه عام وفرنسا بوجه خاص من تطورات وتحولات عميقة في مختلف الميادين، ومثّل المرتكز والأساس الذي اعتمده الباب العالي لتبنّي مشاريع الإصلاح والتحديث في مختلف المجالات العسكرية والإدارية والمعرفية من أجل تجاوز الأزمات والإخفاقات التي عرفتها الدولة العثمانية.