Return to Article Details Scenes from the Hejaz at the End of the 19th Century: the Travels of Ahmad ibn al-Hasan al-Sabei 1310AH/1893AD

مشاهد من الحجاز أواخر القرن التاسع عشر من خلال رحلة أحمد بن الحسن السبعي 1310هـ/1893م

Scenes from the Hejaz at the End of the 19 th Century: the Travels of Ahmad ibn al-Hasan al-Sabei 1310 AH/ 1893 AD

الحاج ساسيوي*Elhaj

Sassioui

الملخّص

مثّلت الرحلة قناةً للتلاقح بين المجتمعات الإنسانية، إضافةً إلى أنّها تعدّ مصدرًا تاريخيًا ذا صدقية في النقل والوصف لأحداث كان الرحالة عايشها ودوّنها. وفي هذا الصدد تتنزل رحلة أحمد بن محمد بن الحسن السبعي الحسني الإدريسي الدرقاوي (توفي عام 1336هـ/ 1917-1918م، ودفن في دويرة السبع في إقليم الرشيدية بالجنوب الشرقي للمغرب) خلال أواخر القرن التاسع عشر إلى بلاد الحجاز. وكان سبب القيام بهذه الرحلة أداء فريضة الحج؛ فرصد بعض جوانب الأوضاع العامة لجميع الدول التي مر منها، وصولًا إلى بلاد الحجاز، وهو الجزء الذي تم التطرق إليه في هذه الورقة البحثية. والملاحظ أنّ الرحالة عمل على رصد جوانب عدة من الوضع العام الحجازي، كالمجتمع) الطبائع والعادات، والخريطة العقدية والمذهبية والطرقية، والمرض والأوبئة والموت، وغير ذلك(، والاقتصاد )الفلاحة، ووسائل النقل والطرق، وغيرها(، معتمدًا في ذلك على مصدرَي الملاحظة والرواية الشفهية، ومتبنيًا الأسلوب المقارن بين الشرق والغرب الإسلاميَين.

Abstract

Travel has long been a channel for cross-fertilization between human societies. Travelogues also contribute an important resource for scholarship, offering detailed descriptions of events and places through which the travelers lived. The journey of Ahmad ibn al-Hasan al-Sabei al-Hasani al-Idrisi al-Daraqawi (d. 1336 AH/ 1917  -  18 AD) to the Hijaz at the end of the 19 th century is an example of such a travelogue. Although the reason for his travels was primarily to perform the pilgrimage, Al-Sabei chronicled the general living conditions of all the countries he passed through across North Africa to the Hejaz. Al-Sabei relied on oral accounts as well as his own personal observations to compile his final works. This paper focuses specifically on his description of the Hejaz, exploring his observations on society (such as manners and customs, the map of faiths, creeds, and Sufi orders, diseases and plagues, and death) and the economy (agriculture, transport and roads).

الكلمات المفتاحية:
  • السبعي
  • الحجاز
  • الرحلة
  • القرن التاسع عشر
Keywords:
  • al-Sabei
  • Hijaz
  • Journey
  • 19th century

تقديم

مثّلت الرحلة على مر العصور جسر تواصل واتصال بين الشعوب وتفاعل بين الحضارات الإنسانية، ما نجم عنه تلاقح فكري وحضاري. ومن ثمّ، فالرحلات بين المشرق والمغرب الإسلامييَن كانت أمرًا ضروريًا تستدعيه الروابط والمصالح المشتركة بينهما على جميع الصعد. أشار أحد الباحثين إلى أنّ المغاربة كانوا ميّالين إلى الرحلة مقارنةً بنظرائهم المشارقة، ويعزو ذلك إلى رغبتهم (المغاربة) في أداء مناسك الحج وزيارة الأماكن المقدسة، والأخذ عن شيوخ المشرق، إضافةً إلى جولاتهم السياسية والاستطلاعية1. وفي هذا السياق تأتي الرحلة الحجية للشيخ أحمد السبعي لبلاد الحجاز التي رصد من خلالها جزءًا مهمًا من أوضاعها العامة (بلاد الحجاز) إبان القرن التاسع عشر الميلادي. والمتتبع لرحلة السبعي، يلاحظ أنّ غرضه هو تدوين مشاهداته بدءًا من بلدته (دويرة السبع)2، وصولً إلى بلاد الحجاز ثم الرجوع منها، ذاكرًا المصاعب التي لاقته، وواصفًا مناسك الحج وصفًا مفصلً، ومسجلًالدروس العلمية والحلقات الصوفية، إضافةً إلى ما عرض عليه من نوازل وإجازات. وارتقى الوصف عنده إلى درجة تدوين عادات المجتمع الحجازي وتقاليده (بما فيه الوافدون عليه من مناطق أخرى)، والمناطق التي مر منها، ومقارنتها بعادات موطنه وتقاليده، راسمًا المجال وطرقه ومدنه. وعلى نهج الرحالة الحجيين الذين سبقوه، عمل السبعي على جعل رحلته دليلً لإفادة مَن سيليه من الحجاج. وبذلك لم ينحصر نص رحلته في مستوى "المرشد السياحي"، بل تعدّاه إلى مستوى "المرشد السياحي والاقتصادي والاجتماعي". فمن هو الرحالة الشيخ أحمد السبعي؟ وما مضمون رحلته مجاليًا واجتماعيًا واقتصاديًا؟

المؤلف ورحلته

المؤلف

هو أحمد بن محمد بن الحسن السبعي الحسني الإدريسي3، دفين دويرة السبع في إقليم الرشيدية بالجنوب الشرقي للمغرب. ولد بمدينة صفرو في تاريخ غير محدد، ثم نشأ في فاس، وتلقى العلوم فيها لمدة تزيد عن نصف قرن. ومن بين أساتذته نذكر: أحمد المرنيسي، ومحمد بن عبد الرحمن الحجرتي، وأحمد بناني علا. وفي عام 1281 ه / 1864 م، اتصل بمربيه في الطريقة الدرقاوية الشيخ محمد العربي المدغري5. وانقطع إليه في زاويته بقصر جاوز مدة طويلة، قد تمتد إلى وقت وفاة شيخه. ومما يبين تضلّعه العلمي وتفوّقه في المعارف الصوفية، المؤلفات التي ألفها ودوّنها في شتى الموضوعات6.

  1. حسن مؤنس، تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس (مدريد: معهد الدراسات الإسلامية، 1386 ه / 1967 م)، ص 11.
  2. منطقة تقع في تافيلالت في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية.
  3. أحمد بن محمد بن الحسن الحسني الإدريسي، أحد شيوخ الطريقة الدرقاوية في المغرب الأقصى، عالم ومقاوم. للاطلاع على ترجمته، انظر على سبيل المثال: أحمد السبعي، الدرر السنية في أصل السلالة العمرانية: السغروشنية والسبعية (فاس: المطبعة العصرية، د.ت.)؛ مولاي علي الشريف الزكي العلوي، نسيم الزهر المرعي في مناقب مولاي أحمد بن محمد بن الحسن السبعي (الرباط: منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2011)؛ القاضي أحمد بن قاسم المنصوري، كباء العنبر من عظماء زيان وأطلس البربر، مخطوط الخزانة العامة بالرباط (ميكروفيلم) رقم 946؛ محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، ط 2 (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 1985)، ص 474  -  478 و 486  -  488؛ محمد المنوني، المصادر العربية لتاريخ المغرب، ج 2، ط  2 (الرباط: كلية الآداب، 2014)، ص 220 و 223؛ الحاج ساسيوي، الطريقة الدرقاوية الشاذلية في القرن 13 ه / 19 م (مكناس – المغرب: مطبعة سجلماسة، 2011)، ص 49  -  52. 4 للاطلاع على تفاصيل ترجمته انظر: أحمد السبعي، الفجر الساطع والسيف القاطع، مخطوط الخزانة الوطنية بالرباط، رقم د 3353؛ الهاشمي الغالبي، تحفة الراغب، مخطوط الخزانة الوطنية، رقم 475، ص 28  -  29 و 235؛ العباس بن إبراهيم، الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، ج 7 (الرباط: المطبعة الملكية، دار المنصور للطباعة، 1971  -  1972)، ص 80؛ ابن سودة، دليل مؤرخ المغرب، ط 2 (الدار البيضاء: دار الكتاب، 1976)، رقمه 219؛ خير الدين الزركلي، الأعلام (بيروت: دار العلم للملايين، د.ت)، م 4، ص 225؛ الكتاني، سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بمدينة فاس (فاس: المطبعة الحجرية، د.ت.)، ج 1، ص 261، وج 2، ص 106  -  107؛ الفضيلي، الدرر البهية والجواهر النبوية في الفروع الحسنية والحسينية، ج 1 (فاس: المطبعة الحجرية، 1314 ه / 1896 م)، ص 274؛ محمد بن مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.)، ص 431؛ القيطوني، معجم المطبوعات المغربية (سلا: مطابع سلا، 1988)، ص 247  -  248؛ بنعبد الله عبد العزيز، الموسوعة المغربية للأعلام البشرية، ج 8 (الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1395 ه/ 1975  -  1976 م)، ص 2788.
  4. ساسيوي، ص 49  -  52.

ويبقى الطابع الجهادي هو البارز في حياة السبعي، وهي ميزة اكتسبها من سيرة شيخه المدغري، وهو الذي دعا كثيرًا إلى الجهاد أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. بدأ التحرش الفرنسي بالحدود المغربية في منطقة تافيلالت أواسط عام 1324 ه / 1906 م. وفي عام 1325 ه / 1907 م احتل الجيش الفرنسي مركز المنكوب7، مما أثار حمية المجاهد الدرقاوي أحمد السبعي، فقام يحثّ الناس على الجهاد بالخطب والمواعظ، خصوصًا أبناء قبيلته آيت سغروشن وآيت يزدك وآيت مرغاد وآيت خباش وآيت يوسي، وكذا بعض قبائل الصحراء مثل أولاد جرير، وأولاد الناصر، وذوي منيع. ووصل عدد جناحه العسكري إلى ما يزيد على خمسين ألف مقاتل، فكان اجتماعهم الأول في مركز "بوذنيب"، ثم تقدموا إلى "عين الشعير". وبعد التسلح وتوزيع المهمات تحركوا نحو "المنكوب" حيث يرابط الجيش الفرنسي الذي هزم وتصدعت صفوفه، إلا أنّ المقاومين اكتفوا بهذا الانتصار والسيطرة على المركز المذكور، ولم يواصلوا مطاردة العدو (الجيش الفرنسي) وهزمه، مما سمح له بتنظيم صفوفه ونصب مدفعيته، وتمكينه من الانتقام منهم وهزمهم. ولمّا بلغ المغاربة نبأ الهزيمة نهضوا للجهاد، فتوافد إلى بوذنيب جموع كثيرة، واجتمع رؤساء القبائل وقوادها والأشراف وغيرهم، وظلت القيادة بيد أحمد السبعي لتكون المعارك المقبلة سجالً بين الطرفين. وتجدر الإشارة إلى أنّ السلطان المغربي عبد الحفيظ، ولعوامل عدة محلية وإقليمية ودولية، دعا إلى وقف المقاومة في هذه المنطقة وغيرها في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات. وفعلًانتظر المقاومون، فكانت الحماية. وعندها عاد السبعي إلى المقاومة المسلحة، خصوصًا أنّ الاحتلال وصل إلى ناحية قبيلته سغروشن بأحواز فاس وآيت يوسي. واستغرقت هذه الحركة الجهادية أزيد من عام ونصف العام، على الرغم من أنّها لم تأت بنتيجة مهمة، مهدت الطريق أمام مقاومين آخرين، مثل موحى أوحمو الزياني، وموحى أوسعيد، وعلي أمهاوش، وكذلك الشيخ ماء العينين في سوس، وغيرهم8. وكانت وفاته عام 1336 ه / 1917  -  1918 م، ودفن في قصر آيت الرامي في آيت حلي من قبيلة آيت يوسي.

رحلته

لا توجد إلا نسخة وحيدة من هذه الرحلة في الخزانة الوطنية في الرباط (المغرب)، تحت رقم: خ.ع.ك 2908، وهي نفسها مصورة على الشريط تحت رقم: خ.ع.ك 2196، وهي بخط المؤلف، وتقع في 47 ورقة9. وهي كاملة ومكتوبة بخط مغربي، تعتريها خروم قليلة جدًا وبعض الطرر (كلمة عربية أصيلة تعني الهامش، إلا أنها خاصة بالمخطوطات). كتبها السبعي عن حجته التي انطلقت من موطنه دويرة السبع، يوم الأربعاء التاسع من شوال عام 1310 ه  إلى بلاد الحجاز، ودامت (الرحلة) عشرة أشهر عدا أحد عشر يومًا10. والملاحظ أنّ المؤلف عمد إلى تدوين مشاهداته وما وقع له - وهو ما نبّه إليه في مقدمة رحلته - انطلاقًا من موطنه مرورًا بكل الدول التي عبرها منها، أو سار بمحاذاتها (الجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر،...)، وصولً إلى بلاد الحجاز التي حظيت بالحيز الأوفر من مؤلفه، موردًا معلومات عنها في غاية الأهمية، سواء على المستوى الاجتماعي أم الاقتصادي أم المذهبي، مستخدمًا في أحيان عدة الأسلوب المقارن.

  1. منطقة في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية على الحدود مع الجمهورية الجزائرية احتلتها آنذاك فرنسا.
  2. المنصوري، لوحة 154 / 1؛ المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، ص 474  -  475.
  3. المنوني، المصادر العربية لتاريخ المغرب، ص 223  -  224.
  4. أحمد السبعي، الرحلة، مخطوطة بالخزانة الوطنية بالرباط (المغرب)، رقم: ك 2908، وهي نفسها مصورة على الشريط، رقم: ك 2196.

المجال

نقصد بالمجال الحجازي، النطاق الجغرافي الذي تحرّك فيه الرحالة وتنقّل بقصد أداء فريضة الحج، والذي أولاه عناية خاصة في الوصف والتدقيق، فكان الوصول إلى منطقة رابغ إيذانًا بالإحرام وبداية للمجال المذكور، قائلً بهذا الصدد: "وفي هذه الليلة أحرمنا لإخبار أصحاب المركب بمسامتنا لرابغ [...] – وهو – من أعمال الجحفة"11، لتليه مدينة جدة كمحطة ثانية12، ثم مكة المشرفة ثالثًا13، والينبوع رابعًا14، وصولً إلى المدينة المنورة15. نذكر هنا أنّ أحمد السبعي في تنقّله بين محطات هذا المجال، لم يكن يقتصر على زيارة واحدة لكل محطة، بل في بعض الأحيان قد تصل زيارته واحدة منها ثلاث مرات، كمدينة جدة16. دأب الرحالة في بداية زيارته كل المدن في تحديد مكان الإقامة، كما هي حال فندق بجدة، ليشرع في زيارة الأماكن ذات الأهمية الروحية والتاريخية. وكانت البداية بمقام حواء عليها السلام الذي به "حائط قصير وعند الرأس نخلة وفي الوسط قبة"17. ولمزيد من الدقة في وصف هذه المعلمة يردف السبعي: "وقد وجد بعض أصحابنا في طوله مائتين واثنين وستين خطوة"18. أما دور جدة فهي "حسنة، عالية البناء بحجارة مربعة"19. وفي أحد مساجدها "صومعة مدورة الوسط، ومحل الآذان بالخشب "20. ولم يخل وصف الرحالة من استحضار الأسلوب المقارن، إذ يقول معلقًا على هذا المسجد: "وهو في الطول والعرض أقل بيسير من مسجد طنجة [...] وله منبر ومحرابان"21. ويعلل الرحالة بعد تقصّيه سبب وجود المحراب الثاني بزيادة وقعت في المسجد، وبه بئر و"حصيرة منسوجة بقصب رقيق ومحكم الصنعة"22. وكعادة السبعي، وعند وصوله إلى مكة المشرفة23، اكترى منزلً24، وكانت أول وجهة له هي المسجد الحرام25 الذي به أطراف مسقفة وأخرى غير ذلك، مما جعل الحجاج يتسابقون للمسقوف منها من شدة الحرارة26. وصادف وجود السبعي إلباس "نحو الربع من أسفل الكعبة المشرفة كتانا أبيض فوق غطائها المعهود" كما تم إيقاد مصابيح كثيرة في كل صومعة، وعددها سبعة كسابقتها بجدة27.

  1. المرجع نفسه، ورقة 13.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ورقة 15.
  4. المرجع نفسه، الورقتان 26 و 28.
  5. المرجع نفسه، ورقة 28.
  6. المرجع نفسه، ورقة 35.
  7. المرجع نفسه، ورقة 13.
  8. المرجع نفسه، ورقة 14.
  9. المرجع نفسه.
  10. المرجع نفسه.
  11. المرجع نفسه.
  12. المرجع نفسه.
  13. المرجع نفسه، ورقة 15.
  14. المرجع نفسه، ورقة 16.
  15. المرجع نفسه.
  16. المرجع نفسه، الورقتان 16 و 24.
  17. المرجع نفسه، ورقة 19.

جهة ربع المحراب الحنفي، ففيه زيادة28 كثيرة على أرباع غيره "29. وينبه السبعي القارئ إلى أنّه قبل منى يوجد وادٍ "طويل جدًا بين جبلين، وفي جانبه أبنية كثيرة"30.

ما ذكر له بعض مرافقيه من أنّها (المسافة) تبلغ "خمسمائة خطوة وخمسا وثمانين بالخطى المعتبرة"31.

وكعادته اكترى بها دارًا "متسعة نقية كما حولها، منفردة وحدها"32. أثار انتباهه أنّ الحجارة التي يلفظها البحر هي مصدر مادة البناء بهذه المنطقة33.

مر بجزيرة لم يذكر اسمها34، ليصل أخيرًا إلى مدينة جدة للمرة الثالثة35. ويعود الرحالة إلى وصف سقائف المسجد الحرام بأنّها تحتوي على "ثلاثة صفوف من السواري، في كل صف مئة وعشرون من جهتين مع الأربعة التي في زواياها - أي الصفوف – وإن اتفق نقص شيء من ذلك أو زيادته في جهة من جهاتها كان يسيرًا جدًا، إلا في

ويرجع رحالتنا ليشير إلى أنّه يستغل كل فرصة أتيحت له لزيارة الأماكن المقدسة، قائلً بهذا الصدد: "خرجت أنا وبعض أصحابنا إلى المحل المسمى بالتنعيم، ويسمى الآن مساجد عائشة"36. وأثناء أدائه مناسك العمرة وإشارته للمسافة ما بين الصفا والمروة يشير إلى

وأثناء توجّه الرحالة إلى المدينة المنورة توقف بينبوع البحر التي سجل بخصوصها ملاحظته التالية: "ورأيت بخارج هذه البلدة خشبة قديمة من صواري السفن، طويلة جدًا في استقامة؛ فوجد في طولها بعض أصحابنا تسعة وسبعين قدما"37. ومر ببئر "يعرف بأشهِر (بكسر الهاء)، وصولً إلى الأعشارية"38. ولم يفته (السبعي) الإشارة إلى الأماكن التي صادفها أثناء مسيره، ومنها جبل ينبوع النخل الذي "يظهر عن بعد [...] وهو جبل عال [...] وفي أسفله كثير من [...] القرى"39، وكذا أبيار علي40، وصولً إلى المدينة المنورة التي خصها (الرحالة) بكثير من التقدير والتعظيم، فصلى الجمعة والعصر بالمسجد النبوي، وزار المقام الشريف41. وبعد مغادرته لها (المدينة المنورة) مرّ ركبه ببئر الشهداء ثم قرية الجديدة، فبئر أسعد، وصولً إلى ينبوع البحر التي وصفها ب "الأراضي الكثيرة الرمال والشديدة الحرارة"42. واستغل مقامه بهذه المنطقة للقيام بزيارة "روضة سيدي زارع"43، ومسجد السنوسي، ومسجد آخر يقال له زاوية رفاعة44. ومما

وتجدر الإشارة إلى أنّ السبعي أقام بهذه المنطقة (ينبوع البحر) "أربعة أشهر عدا ثمانية أيام"45. وعند مغادرته لها والتوجه لرابغ

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ورقة 20.
  3. المرجع نفسه، ورقة 21.
  4. المرجع نفسه، ورقة 24.
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه، ورقة 26.
  7. المرجع نفسه.
  8. المرجع نفسه.
  9. المرجع نفسه، ورقة 28.
  10. المرجع نفسه.
  11. المرجع نفسه، ورقة 29.
  12. المرجع نفسه، ورقة 31.
  13. المرجع نفسه، ورقة 29.
  14. المرجع نفسه، ورقة 30.
  15. المرجع نفسه، ورقة 32.
  16. المرجع نفسه، ورقة 35.
  17. المرجع نفسه.
  18. المرجع نفسه.

المجتمع

الطبائع والعادات

وسجل الرحالة بعض الطباع الحسنة لدى أهل المدن التي زارها؛ فوصف أهل جدة بالهين واللين46، شأنهم شأن سكان ينبوع البحر، مضيفًا أنّ أهل هذه الأخيرة يغلب عليهم القناعة والزهد في الدنيا والمسكنة والعفاف47، بل "لا يسمع عنهم خصام ولا لغط، وما سمعنا - يقول السبعي – أنّ أحدًا آذوه هنالك مدة إقامتنا فيها، ويصبرون مع الحجاج، والمسكين عندهم يرحمونه ويحسنون إليه إذا سأل في الديار"48. وفي مقابل ذلك، يشير السبعي إلى بعض عادات صنف من الوافدين على ينبوع البحر قائلً: "واعلم أنّا سئمنا [...] ما يشاهد من المناكر عند قوم نزلوا هنالك (ينبوع البحر)، من كشف العورات في الملأ عند قضاء الحاجة وغيرها، بلا احتشام وخوف من الله عز وجل، ممن في إيالة الكفر"49. ومن مشاهداته كذلك بها ما تعرض له بعض الحجاج من جانب الأعراب من النهب والضرب والقتل والأذى50. وأشار الرحالة كذلك إلى بعض الأحداث العابرة في مكة كسرقة جمل بعض رفاقه51، أو في منى، ذلك "أن سارقا قطع العقال لجمل [...] ليلا [...] وانتهب أيضا بعض المتاع لبعض رفقتنا [...] فخيب الله فاعل ذلك. وقد تقع السرقة والخيانة في النادر هنالك من فجار تلك النواحي، كقطع الطريق من بعض أعرابها على الحجاج في بعض الأحيان"52. ومن العادات الأخرى التي استنكرها السبعي على أهل الحجاز عامة وسكان مدينة ينبوع البحر خاصة، عادة التدخين التي وصلت أهميتها في هذه الأخيرة (ينبوع البحر) إلى درجة أنها تمثّل جزءًا من الصداق أثناء الزواج، يقول بصددها: "وقد تعودوا [...] عادة قبيحة، وهي شرب دخان عشبة تلف في كاغيد، ذكورا وإناثا، حتى أن الرجل منهم يتزوج المرأة فتشترط عليه عند العقد قدرا معلوما من ثمن الدخان لكل يوم، هذا ما أخبرني به بعض فقهائهم، وتلك مصيبة عظيمة أصابت أهل تلك النواحي كما أصابت مصيبة شرب أتاي (الشاي) أهل نواحي المغرب"53. وختم السبعي مشاهداته بالحديث عن العادات المرتبطة بالتغذية الحجازية التي مثّل الروز أهم عناصرها54، إلى جانب التمر55؛ إضافةً إلى الإقبال والاعتناء الكبير بالقهوى ومحالّها56، والسمن57، والرطب58، وعصائر مختلفة، ذكر منها "شراب ماء نقع فيه ثمر هندي"59 يساعد في مقاومة الحرارة الشديدة في بلاد الحجاز.

  1. المرجع نفسه، ورقة 14.
  2. المرجع نفسه، ورقة 30.
  3. المرجع نفسه، ورقة 31.
  4. المرجع نفسه، الورقتان 29 و 30.
  5. المرجع نفسه، ورقة 29.
  6. المرجع نفسه، ورقة 24.
  7. المرجع نفسه، ورقة 21.
  8. المرجع نفسه، ورقة 35.
  9. المرجع نفسه، رقة 30.
  10. المرجع نفسه، الأوراق 26  -  34.
  11. المرجع نفسه، ورقة 20.
  12. المرجع نفسه، ورقة 26.
  13. المرجع نفسه، ورقة 29.
  14. المرجع نفسه، ورقة 20.

ولم يشر رحالتنا إلى اللباس الحجازي إلا في مناسبة وحيدة خاصة بسكان ينبوع البحر، يقول عنهم "ومن زيهم أن لهم ثوبا أحمر شبيها بالرداء، يجعلونه على كتفهم"60.

الخريطة العقدية والمذهبية والطرقية

حاول الرحالة تقصّ هذه الخريطة، بل إنّ المتتبع لمحطات رحلته يلاحظ أنّ هاجسه كان تحديد مذاهب المدن التي زارها. ويستطرد في نقاشاته مسألة معينة ويبسطها على المذاهب المختلفة، مستعرضًا آراء الفقهاء، وموظفًا أدلة كل فريق منهم، مبديًا آراءه، خصوصًا وهو العالم الفقيه61. وحين حديثه عن مدينة جدة، أشار إلى أنّ غالبية سكانها "على المذهب الشافعي، والقليل على مذهب أبي حنيفة ومالك "62. ونظرًا إلى تعدد المناطق التي وفد منها الحجاج وتنوعها، فإنّ المسجد الحرام بالنسبة إلى الرحالة، عدّ بمنزلة ملتقى تتنوع فيه المذاهب والآراء الفقهية. ولتبيان ذلك، نورد هذه المشاهدة للسبعي، إذ يقول: "رأيت [...] بعض الطلبة اجتمعوا على فقيه، وبيد كل واحد منهم كتاب، وهو يتذاكر معهم في مناسك الحج فيه، ونسبة الأقوال فيه لكتب وأئمة لم تعهد عندنا إلا نقلا واحدا [...] وأظن أن أولئك حنفية [...] وصليت [...] خلف الإمام المالكي، فقرأ ميم ملك الدين بإثبات الألف على ما قرأ به الكسائي وعاصم وغيرهما، وجعل يحقق الهمز المتحرك قبل الساكن، كما قرأ بذلك غير ورش، ولا يقف على الوقف المعهود عندنا. ولعله يفصل بالوقف بين الآيات، فكان يقف في (يا أيها المزمل) على لامات الألف المبدلة من التنوين كترتيلا مثلً وكنا قبل ذلك نصليها خلف إمام شافعي، وإن كنا لا نسمع قراءته، وإنما نتبع المسمعين، لأنه هو الذي يصلي أول الوقت ويصلي معه الكل، ويجعل القنوت بعد الرفع من الركوع فنتبعه فيه، أي في المحل لا في اللفظ، فإن لفظ اللهم إنا نستعينك إلى آخره، عندنا مستحب، ولا في الكيفية فإنهم يرفعون أيديهم عنده رفع الرغبة، ويرفعونها بعد الركوع رفع الرهبة، ويؤمر الجميع جهرا بعد استكمال الإمام الفاتحة، وفي الحديث ما يدل للتأمين، ورفع اليدين في الموضعين، والقبض بهما على الصدر كما يفعلونه حالة القيام. وأشهر الأقوال فيه عندنا الكراهة في الفرض، وفي ما عللت به أقوال النظر في ذلك والمعول عليه في النقل الجواز كالبسملة الواجبة عند الشافعي"63. ويضيف: "ولأهل تلك النواحي مخالفات غير ما ذكر بحسب اختلاف المذاهب المتعددة هنالك"64. ويورد السبعي رأيه قائلً: "وأما اقتداء مثل المالكي بمثل الشافعي فجائز كما قال خليل "65. ولم يقتصر السبعي على تتبع ملاحظاته بخصوص الآراء/ الخلافات الفقهية وتسجيلها، بل إنّه يبدي ملاحظاته، ومن ذلك قوله: "لرجل يجهر بالإعلام للصلاة بالمسجد الحرام بصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مشتملة على قوله: ترجمان لسان القدم. أبدل لسان بكلام لما في اللسان من الإيهام، وهناك بحث آخر لفظي، وهو جمع الحكمة والحكم، ثم صليت هنالك صبح الثلاثاء فوجدته باقيا على حاله، والأمر في ذلك سهل لكثرة التجوز في مثل ذلك"66. ولم يفت السبعي تسجيل الاستثناء المذهبي لدى سكان ينبوع البحر، إذ إنّهم "لا يتقيدون بمذهب واحد كأهل جدة ومكة... وكذا أهل المدينة"67.

  1. المرجع نفسه، ورقة 31.
  2. المرجع نفسه، الأوراق 14 و 16  -  18.
  3. المرجع نفسه، ورقة 14.
  4. المرجع نفسه، الأوراق 16  -  17.
  5. المرجع نفسه، ورقة 18.
  6. المرجع نفسه.
  7. المرجع نفسه.
  8. المرجع نفسه، ورقة 31.

وسجّل رحالتنا – وهو الطرقي الدرقاوي – أخبار بعض الحجاج ذوي التوجه الطرقي قائلً: "رأيت بعض الفقراء مجتمعين على حلقة الذكر في طرف من المسجد الحرام، فأخبرني بعض أهل البلد بأنهم من البدويين"68، إضافةً إلى لقائه ببعض الفقراء الطرقيين من أهل بلده ممّن استأذنوه في الورد، فأذن لهم69، كما قام بزيارة روضة سيدي زارع بينبوع البحر70؛ والتقى بالعالم الطرقي محمد بن علي السخري الغماري الذي يعود أصله إلى "شرفاء غرناطة الأندلس، وهو مقدم فقراء سيدي السنوسي بالمدينة المنورة ونواحيها"71، دون أن ينسى المساعدة التي قدمها بعض فقراء جدة له ولرفقائه72.

المرض والأوبئة والموت

خصص السبعي حيزًا مهمًا من رحلته لوصف ما اعترضه ورفاقه من مرض وضعف، مثل ما حصل له في مكة قائلً: "ووقع لي.... ضعف في القلب ووهن في الجسد، وكثرة شرب الماء لفرط الحرارة، فثقل علي الخروج لخارج محلنا"73؛ بل ساءت حالته، وبرع في وصفها بقوله: "فعجزت عن الصلاة خارج السقائف لما مرّ، مع زيادة ضعف ظاهرا وباطنا. وقد مضى علي أيام فلا أتناول، في غير النادر فيها، إلا الماء مع ما انضاف إلى ذلك من السعال، فرجعت وصليت الظهر وحدي، وأما يوم السبت فكدت أستغرقه نومًا واضطجاعًا، كما هو جل أوقاتي هذه الأيام"74. وأما في ينبوع البحر، فقد حصل لرحالتنا ورفاقه انتفاخ الرجلين75، و"إطلاق للبطن [...] وتقرح جهة الفرج "76. ويرجح الرحالة أن يكون سبب ذلك خاصية ماء هذه المنطقة77. وأما في مكة فقد أصيب أحد رفاقه برمد البصر78، وثانٍ بالضعف والسقم79، وثالث بوجع الرأس والحمى80. ولم يفت السبعي الإشارة إلى آفة الجراد في مكة الذي صادف دخوله إليها81، وكذا ما تعرّض له وفد كبير من قبائل أولاد سيدي علي السغروشني الوافدين من المغرب، إذ هلك نصفه بسبب مرض الجذري الذي سبق أن أصيبوا به في بلادهم82، إضافةً إلى تسجيله بعض الأمراض الجلدية لدى الحجاج، وهو ما عبّ عنه ب "ما ينبت من الحبوب المختلفة الأنماط في أبدان الحجاج"83.

  1. المرجع نفسه، ورقة 16.
  2. المرجع نفسه، ورقة 18.
  3. المرجع نفسه، ورقة 29.
  4. المرجع نفسه، الورقتان 33 و 34.
  5. المرجع نفسه، ورقة 35.
  6. المرجع نفسه، ورقة 18.
  7. المرجع نفسه، ورقة 24.
  8. المرجع نفسه، الورقتان 32 و 33.
  9. المرجع نفسه، الورقتان 30 و 34.
  10. المرجع نفسه، ورقة 30.
  11. المرجع نفسه ورقة 16.
  12. المرجع نفسه، ورقة 24.
  13. المرجع نفسه، ورقة 27.
  14. المرجع نفسه، ورقة 16.
  15. المرجع نفسه ورقة 18.
  16. المرجع نفسه، ورقة 30.

رجلين ميتين في منحدر من الطريق، وعليهما خلق من الثياب"84.

وهلك خلق كثير من أهلها وغيرهم"85.

لاقتصاد

الفلاحة

الغطاء النباتي

الدنيا والمسكنة والعفاف"86. وأشار رحالتنا إلى وفاة بعض رفاقه87. وأثناء توجهه إلى ينبوع البحر، لفت انتباهه وجود قبور حديثة الإنشاء، يقول بهذا الصدد: "فوجدنا قبرا جديدا [...] بعدما جاوزنا قبل ذلك بقريب شخصا آخر موارا وقد تعرت منه بعض أطرافه، وقد جزنا أيضا في هذا اليوم على

وإذا كان السبعي لم يشر إلى سبب كثرة الوفاة الدالة عليه هذه القبور الحديثة، فإنه في موقع آخر (منى) حدد سبب الموت، ذلك أنّه خلال أيام عيد الأضحى "ظهرت الرائحة من الأنعام المهداة من إبل وغيرها مما لا يحصيه إلا الله عز وجل، وأجزائها ورؤوسها وأحشائها وجلودها، ولشدة الحرارة أسرع تغيرها ورائحتها، وكثر مع ذلك المرض والموت، فهرب الناس لمكة بمرضاهم في حر شديد [...]

رصد السبعي بعض مكونات الغطاء النباتي الحجازي وتنوعه؛ فمن شجر الطلح88، وكثرة النخيل89، والأشجار90، كما هو معهود في موطنه إلى تسجيل بعض الاستثناء في إطار مقارن، موردًا: "ورأيت فيها (جدة) شجرة يقال لها الأحمر، تثمر في الخريف فيعصر من ثمرها شراب لإسهال البطن، وهي في المدينة وفي مكة أيضا، ولم نعرفها في المغرب"91. وفي بئر العباس لم ير السبعي "نباتا ولا شجرا يعرفه سوى الحنظل والسدر"92. وأما ينبوع البحر ف "لا يظهر فيها بقل ولا خضر ولا غلة ولا شجر، وإنما هي محل للقناعة والزهد في

ويشير الرحالة إلى أنّ الماء إذا كان متوافرًا بكثرة في أغلب المناطق الحجازية93، فإنه في ينبوع البحر "لا يدرك [...] إلا بالثمن المعتبر "94.

  1. المرجع نفسه، الورقتان 20 و 28.
  2. المرجع نفسه، ورقة 29.
  3. المرجع نفسه، الورقتان 23 و 24.
  4. المرجع نفسه، الورقتان 14 و 27.
  5. المرجع نفسه، الورقتان 15 و 29.
  6. المرجع نفسه، ورقة 26.
  7. المرجع نفسه، ورقة 35.
  8. المرجع نفسه، ورقة 27.
  9. المرجع نفسه، ورقة 30.
  10. المرجع نفسه، ورقة 14.
  11. المرجع نفسه، ورقة 30.

الثروة الحيوانية

تنوعت مكونات هذه الثروة الحجازية بحسب مشاهدات السبعي، واختلف توزيعها، ذلك أنّه رأى في جدة شاة وبعض البقر المسنم95، والمعز96، وكثيرًا من الإبل التي وصفها ب "المؤدبة، ولا تصوت إلا نادرًا "97. ولم يستطع رحالتنا تحديد اسم الطيور التي شاهدها أو نوعيتها، بل اكتفى بقوله: "ورأيت طيورًا كبارًا مختلفة ملازمة لمحل اتسع فيه الماء، لا تكاد تفارقه"98. إضافةً إلى معاينته كثيرًا "من الحمر الفارهة، البالغة الغاية في السرعة بالراكب"99. وما أثار انتباه الرحالة هو أن هذه "الحمر خضراء اللون"100. وأما مكة، وعلى عكس سابقتها (جدة)، فإنّ فيها كثيرًا من البقر المسنم101، والإبل102، والضأن103، والحمير104، والغنم السمين الذي زاد شحمه عن لحمه105. ولم يُخف السبعي إعجابه واستغرابه عندما لاحظ حيوانًا غير معتاد على رؤيته، يقول في هذا الصدد: ومن عجيب الأمر، أني رأيت معزتين مع جدي [...] للكل أذنان كبيران، تقرب كل أذن من ذراع كالمنديل تحت الرأس، فسبحان الله العليم الحكيم"106. ويضيف "رأيت [...] طيرا، وفي ظني أنه الخفاش "107، "ومن أعجب الأشياء أن أزقة مكة فيها من الكلاب كثير، ولا يظهر فيها نجاستها، ولا يرى هنالك من يطعمها"108. ويختم السبعي ملاحظاته بهذه المدينة (مكة) بالإشارة إلى مصادفته للجراد109، ورؤيته لقرد وحية110، إلا أنّه لم يشاهد "بمكة بعوضا، والذباب بها قليل "111.

  1. المرجع نفسه، ورقة 14.
  2. المرجع نفسه، ورقة 15.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه.
  7. المرجع نفسه، ورقة 21.
  8. المرجع نفسه، الأوراق 20 و 22 و 23 و 25.
  9. المرجع نفسه، ورقة 20.
  10. المرجع نفسه، ورقة 24.
  11. المرجع نفسه، الورقتان 23 و 24.
  12. المرجع نفسه، ورقة 25.
  13. المرجع نفسه، ورقة 20.
  14. المرجع نفسه، ورقة 25.
  15. المرجع نفسه، ورقة 16.
  16. المرجع نفسه، ورقة 22.
  17. المرجع نفسه، ورقة 20.

لمحلهن في أوقات الدخول، ولا يخشى عليهن إلا من التام هنالك"112. وأما السمك (الحوت) فإن اصطياده قليل جدا113.

الضربوب، وله شوك أصغر من شوكه، فقيل لي: هو ضربوب البحر؛ كما رأيت [...] اثنين من طير البغات"114.

في البعوض والذباب115.

وسائل النقل والطرق

الداخلية

الإبل والحمير.

إليه لمنى مع ركوبه"116، أو الإعارة في النادر117. ويشير الرحالة إلى كثرة هذا الصنف وشيوع استغلاله118 وتأدبه119.

فارتحلنا تلك العشية راجعين بجدة"120. وأما في ينبوع البحر – كغيره من بلاد الحجاز – فقد أثار انتباه السبعي نوع من المعز، يقول بشأنه: "ومن عجيب الأمر عندهم [...] أن لهم بعض المعزات يدرن في الأزقة نهارا وفي السوق ومحل طرح الكنس خارج البلد، ويتقوتن من الفضلات المطروحة هنالك، ويدخلن

ولم يغفل السبعي عن وصف بعض الحيوانات التي صعب عليه تحديد نوعها واسمها؛ إذ أورد: "وقد رأيت في المركب ما صورته شبه

ويختم السبعي ملاحظته بالإشارة إلى بعض الحشرات التي توجد بكثرة، وتسبب ضيقًا للسكان وللزائرين على حد سواء والمتمثلة

يلاحظ المتتبع لوسائل النقل الداخلية التي استخدمت في بلاد الحجاز آنذاك من خلال الرحلة، أنّها انحصرت في صنفين رئيسين:

وتجدر الإشارة إلى أنّ الحجاج، ومن ضمنهم السبعي، كانوا يعتمدون على الصنف الأول (الإبل) اعتمادًا كليًا في تنقلاتهم، إما عن طريق الكراء، يقول بهذا الصدد: "اكترينا نحو أربعة من الإبل لركوبنا وحمل متاعنا [...] فركب كل اثنين منا على جمل، والرابع لحمل الزاد"121، أو الشراء، وهو ما يوضحه النص التالي: "اشترى بعض أصحابنا جملا بنيف وثلاثين ريالا، وحملنا عليه بعض المحتاج

وينبه السبعي إلى الصعوبات التي يلاقيها الحجاج مع بعض أصحاب هذا الصنف من وسائل النقل "حتى أن بعضهم عقد الكراء مع بعض فانفسخ، ولما لم يكن ما يعوّل عليه في ذلك صار كثير يكتري من الجمالين من يحمله إلى جدة، وبقي الباقي يراجعهم في الأعشارية. وكنا نبحث على أهلها من صبح الاثنين فلم نعثر عليهم، إلا بعدما عقدنا الكراء مع أصحاب جدة عشية الأربعاء، ودفعنا لهم شيئا من الكراء. وكان لنا خير كثير في العقد مع هؤلاء دون من عثرنا عليهم من أهل الأعشارية، فإن أولئك غدروا الذين اكتروهم بالمدينة المنورة، وهربوا لهم بنحو مائة ريال، سلفوها لهم زيادة على ما دفعوه لهم من الكراء المجعول معهم إلى ينبوع البحر فاستأنفوا الكراء إليه،

  1. المرجع نفسه، ورقة 31.
  2. المرجع نفسه، ورقة 30.
  3. المرجع نفسه، ورقة 36.
  4. المرجع نفسه، ورقة 30.
  5. المرجع نفسه، ورقة 14.
  6. المرجع نفسه، ورقة 20.
  7. المرجع نفسه، ورقة 25.
  8. المرجع نفسه، الأوراق 14 و 22 و 24.
  9. المرجع نفسه، ورقة 15.
  10. المرجع نفسه، ورقة 25.

ولم يكن الجمالون ليسمحوا للحجاج بالتوقف للراحة إلا نادرًا، وبعد "مشقة عظيمة"122 حتى وإن تعلق الأمر بالصلاة، ذلك أنّ رحالتنا كان يصلي الظهر والعصر "قاعدا على الجمل"123. وقد يتخاصم الفريقان (الكاري والمكتري)124، أو يضل الفريق الأول (الجمالون) الطريق، ولا يجده إلا "بعد بعض مشقة المشي في الظلام"125. وأما الصنف الثاني (الحمير)، فتم اعتماده بالكراء فقط، وفي إطار تكميلي لسابقه. وخص الرحالة هذه الحمير بوصفها ب "الفارهة البالغة الغاية في السرعة بالراكب، فتصبح بمكة مع ما في الطريق من كثرة الرمال الذي يصعب فيه المشي"126؛ وهي "خضراء اللون، وفي عنقها ناقوس يسمع بقربها"127. وأخيرًا، فإنّ الصنف الثالث (البابور) يستعمل حصرًا بين جدة وينبوع البحر، وهو في ملكية فرنسيين؛ ويصف السبعي هذا المركب وهذا السفر، قائلً: "عقدنا الكراء مع صاحب مركب [...] إلى الينبوع [...] وركبنا الفلك إليه، فوقف بنا في محل قريب من الأرض، فلم يجاوزه بدفع الحجاج وغيرهم في البحر إلا بكلفة عظيمة، فلما وصلنا المركب ودخلناه وجدناه أضيق ما يكون لملئه جدا، وذلك لانفراده وكثرة الحجاج"128.

الخارجية

وهي التي ربطت بلاد الحجاز بأقطار أخرى. والملاحظ أنّ رحالتنا يصفها جميعًا بالمراكب تارةً، ويحدد أسماءها ويفرق بينها تارةً أخرى: البابور، والأفلاك، والسنبوك، فبالقرب – يقول السبعي – وقعت "بعض مصادمة من الموج للمركب (البابور)، ثم أرسى بها؛ وجاءتنا الأفلاك، فحملنا واحد مع متاعنا بربع ريال لكل واحد، فلما توسطنا، تعرض لنا فلك آخر، فحملنا وأبقى المتاع في الأول"129. ويكشف لنا الرحالة عن اختلاف الأثمنة التي كلفها كل "بابور" لنقل الحجاج من بلادهم إلى الحجاز، إذ يقول: "ومن جملة من لقيناه [...] حاجا من بسكرة، فأخبرنا أنهم ركبوا في المركب بألفين وسبع مائة. وأخبرنا آخر من الجزائر أنهم ركبوا فيه بما يزيد على ألف وست مائة، وآخرون من زوارة أخبروا أنهم ركبوا بألفين وثلاثمائة؛ وآخرون من تلك الإيالة أخبروا بعدد كثير"130. ويبقى الفرنسيون هم الجهة المالكة لهذا النوع من المواصلات (البابور)131. وعمومًا، فإنّ "البابور" مثّل وسيلة النقل الأساسية للحجاج من أوطانهم إلى الحجاز أو العكس132، كما أنّه استخدم في نقل البضائع إذ "ورد مركب من ناحية السويس حاملا أوعية القمح بقصد أن يصل المدينة المنورة، ووضعوا منه في جانب البحر ما ملأ نحو مائة

  1. المرجع نفسه، الأوراق 15  -  29.
  2. المرجع نفسه، ورقة 27.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه، ورقة 28.
  5. المرجع نفسه، ورقة 15.
  6. المرجع نفسه.
  7. المرجع نفسه، ورقة 25.
  8. المرجع نفسه، ورقة 13.
  9. المرجع نفسه، ورقة 15.
  10. المرجع نفسه، الأوراق 25 و 26.
  11. المرجع نفسه، الأوراق 31 و 34 و 35.

كبرها أربعا أربعا، بعضها فوق بعض متواصلة، ولولا معاينة ذلك لاستبعد العقل في العادة أن يحمله بابور واحد"133.

وغيره، واكتراه بعضهم لجدة"134.

كل جمل"135.

والسنبوك بعملة الريال136، وكذا الإشارة للتعامل بالدرهم137. وعشرين خطوة طولا، وثمانية عشر عرضا، كما اختبره بعض أصحابنا - يقول السبعي – قبل استكمال وضعه. وقد جعلت تلك الأوعية مع

ويورد الرحالة وسيلة أخرى، وهي التي نعتها ب "مركب الريح" أو "السنبوك" (سفينة شراعية)، استخدمها الحجاج، سواء المغاربة أم غيرهم بين القصير وجدة والسويس138؛ وغالبًا ما يكون سبب لجوء الحجاج إلى هذا النوع من المراكب غلاء "البابور"، ذلك أنّه "ورد بابور آخر [...] أغلى كراء حمل الحجاج إلى سويس أكثر مما قبله، فتركوه وصاروا يكترون [...] مراكب الريح المسماة بالسنبوك للقصير

وإجمالً، فإنّ وسائل النقل بشقيها الداخلي والخارجي، كانت تخضع لضوابط ينفذها الأمناء؛ إذ عند وصول الحجاج إلى رابغ بحرًا يقول السبعي: "أخذوا من كل واحد منا نصف ريال، - ثم - أدخلنا لآخرين فأخذوا ربع ريال من كل واحد أيضا، ولا أدري سبب تلك التفرقة في محل واحد"139. وينطبق الأمر نفسه على الرحلات الداخلية إذ لا ينطلق الجمالون إلا بعد منح أمناء "الباب نصف ريال عن

وفي الأخير، نشير إلى أنّ القارئ والدارس لرحلة السبعي، يلاحظ أنّ المعلومات التي تهم الجانب التجاري والصناعي نادرة جدًا إلى درجة الانعدام والغياب، فباستثناء إشارات عابرة وثانوية من قبيل "وأسواق جدة وحوانيتها عامرة بما يحتاج إليه [...] ورأيت – يورد السبعي - في بعض حوانيتها الإبرة التي تخيط بحركات"140. إضافةً إلى الإشارة لبعض العملات المتداولة، وكذا بعض المستلزمات التي اشتراها، كالشقذف والشبرية141؛ والكتب والقيطون142 الذي حدد ثمنه في ستة ريالات، وكراء المنزل بأربعة عشر ريالً، والبابور

وأما المعلومات الخاصة بالجانب الصناعي فلم تتعد الإشارة إلى رحى البهائم143، واستخراج الودع بينبوع البحر.

  1. المرجع نفسه، ورقة 33.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ورقة 34.
  4. المرجع نفسه، ورقة 13.
  5. المرجع نفسه، ورقة 15.
  6. المرجع نفسه، ورقة 14.
  7. المرجع نفسه.
  8. المرجع نفسه، ورقة 20.
  9. المرجع نفسه، الأوراق 16 و 28 و 31.
  10. المرجع نفسه، ورقة 29.
  11. المرجع نفسه، ورقة 20.
  12. المرجع نفسه، ورقة 31.

خلاصات واستنتاجات

تجدر الإشارة إلى أنّه تم الاقتصار على الجزء الخاص ببلاد الحجاز من خلال رحلة أحمد السبعي، في انتظار تحقيق هذه المخطوطة وتدقيقها ودراستها لما تكتسيه من أهمية بالغة، فهي بحق إضافة نوعية إلى المكتبة العربية والإسلامية. وسنكتفي بتسجيل بعض الملاحظات حولها: تجاوز محتوى الرحلة مستوى المذكرات، إذ يمكن عدّها مصدرًا من مصادر التاريخ الحجازي خلال القرن التاسع عشر، هذه الفترة التي عدّت بامتياز مرحلة ضغط وهجوم على العالم الإسلامي عامة والعربي بخاصة. اعتمد الرحالة في تجميع معلوماته على مصدري الملاحظة والرواية الشفهية، وهذان المصدران هما ركيزة الكتابة الإثنوغرافيّة Ethnography. عدّ الرحلة ضمن المجال الأنثروبولوجي Anthropology ذلك أنّها كشفت عن جوانب عدة من الحياة الاجتماعية (العادات، والتقاليد، واللباس، وغير ذلك) الحجازية. تبنّى الرحالة الوصف الدقيق، دون إهمال الأسلوب المقارن بين ما يلاحظه وما ترسخ في ذهنه (بناء المساجد، وشكل الحيوانات ولونها،...)، وبذلك لم يكن ناقلً فقط، بل كان مقارنًا وناقدًا أيضًا، بحيث لم يغفل انتقاد كثير من الممارسات الغريبة (عادة شرب الدخان بكثرة، وغيرها).

المراجع

ابن سودة، عبد السلام بن عبد القادر. دليل مؤرخ المغرب. ط 2. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1976.

ابن مخلوف، محمد. شجرة النور الزكية في طبقات المالكية. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.

الزركلي، خير الدين. الأعلام. بيروت: دار العلم للملايين، د.ت.

المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2011.

ساسيوي، الحاج. الطريقة الدرقاوية الشاذلية في القرن 13 ه / 19 م. مكناس – المغرب: مطبعة سجلماسة، 2011.

المطبعة العصرية، د.ت.

________. الفجر الساطع والسيف القاطع. مخطوط الخزانة الوطنية بالرباط، رقم: د 3353.

الغالبي، الهاشمي. تحفة الراغب. مخطوط الخزانة الوطنية بالرباط (المغرب). رقم: 475.

والحسينية. فاس: المطبعة الحجرية، 1314 ه / 1896 م.

د.ت.

المنوني، محمد. المصادر العربية لتاريخ المغرب. ط 2. الرباط: كلية الآداب، 2014.

________. مظاهر يقظة المغرب الحديث. ط 2. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 1985.

مؤنس، حسن. تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس. مدريد: معهد الدراسات الإسلامية، 1386 ه / 1967 م.

بنعبد الله، عبد العزيز. الموسوعة المغربية للأعلام البشرية. الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1395 ه/ 1975  -  1976 م.

الزكي العلوي، مولاي علي الشريف. نسيم الزهر المرعي في مناقب مولاي أحمد بن محمد بن الحسن السبعي. الرباط: منشورات السبعي، أحمد بن محمد بن الحسن الحسني الإدريسي. الدرر السنية في أصل السلالة العمرانية: السغروشنية والسبعية. فاس: ________. الرحلة. مخطوطة بالخزانة الوطنية بالرباط (المغرب)، رقم: ك 2908، وهي نفسها مصورة على الشريط رقم: ك 2196.

الفضيلي، إدريس. تحقيق أحمد بن المهدي العلوي ومصطفى بن أحمد العلوي. الدرر البهية والجواهر النبوية في الفروع الحسنية القيطوني، إدريس بن الماحي الادريسي. معجم المطبوعات المغربية. تقديم عبد الله كنون. سلا: منشورات مطابع سلا، 1988.

الكتاني، محمد بن جعفر. سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بمدينة فاس. فاس: المطبعة الحجرية، المراكشي، العباس بن إبراهيم. الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام. الرباط: المطبعة الملكية، دار المنصور للطباعة، المنصوري، القاضي أحمد بن قاسم. كباء العنبر من عظماء زيان وأطلس البربر. مخطوط الخزانة العامة بالرباط، (ميكروفيلم) رقم 946.