موقف بيزنطة الرّسمي من الإسلام كما تخيّله أبو سفيان تأثير المخيال في النّظر إلى الذات وإلى الآخر
Byzantium’s Official Attitude towards Islam as imagined by Abu Sufyan: The Impact of the Imaginary on Self-Perception and Perception of the Other
الملخّص
يبدو أنّ أبا سفيان استفاد من موضوع السّفارة التي بعث بها محمّد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى هرقل عظيم الرّوم ليبثّ رواية مفادها أنّه التقى هذا الإمبراطور البيزنطي، ودار بينهما حديث حول محمّد والدّين الإسلامي. خلافًا لما هو سائد، فإن الراجح لدينا أنّ أبا سفيان لم يلتق هرقل، وإنّما اختلق القصة ضمن سياق تاريخي مخصوص؛ فقد كان يفكر في مكانته في المجتمع الجديد وفي صورته لدى المسلمين أكثر مما كان يفكر في صورة الإسلام. لكنّ روايته ساهمت، بوعي منه أو من دون وعي، في تشكيل جانب من الذّهنية العربية الإسلامية المبكرة التي كانت تبحث لذاتها عن صورة لدى الآخر البيزنطي، تتّخذها مبرّرًا للقبول به من ناحية، وتحقّق لها الرضى عن النّفس من ناحية أخرى.
Abstract
Abstract
This study explores the official attitude towards Islam as imagined by Abu Sufyan leader of the Quraysh tribe of Mecca. Abu Sufyan reportedly took advantage of being the envoy sent by Muhammad, Messenger of God, to Heraclius, leader of the Romans, to spread an account that he met this Byzantine Emperor and that they spoke about Islam and the Muslim prophet. Contrary to prevalent belief, this study asserts it is likely Abu Sufyan did not actually meet with Heraclius. Rather, he fabricated the story within a specific historical context, seeking to enhance his own image within the Muslim community rather than promote the religion of Islam. His account, however, contributed, whether he intended it to do so or otherwise, to the formation of early Arab-Islamic conceptions of the Byzantine world which could serve both to justify coexistence with the Byzantines as well as to enhance the self-image of the rising Arab-Islamic civilization.
- محمّد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
- الإسلام
- أبو سفيان
- هرقل
- بيزنطة
- Muhammad
- Islam
- Abu Sufyan
- Heraclius
- Byzantium
موقف بيزنطة الرّسمي من الإسلام كم تخيّله أبو سفيان
تأثير المخيال يف النّظر إلى الذات وإلى الآخر
The Impact of the Imaginary on Self-Perception and Perception of the Other
ألم يكن حريًا بقيصر أن يجمع بين الرجلين وهو يحاور أحدهما ليقيم الحجة على الآخر إن أمكنه ذلك، خاصة أنّه بدا كمن يسعى لتنويع مصادر معلوماته عن الرسول محمّد (ﷺ) وعن الإسلام والتدقيق فيها بحسب ما أراد أن يوحي به أبو سفيان؟ إن ذلك يلقي بظلال من الشك على موضوع "لقاء" سيّد قريش بعظيم الروم، فما وصلنا عن دحية بن خليفة الكلبي هو قوله أنّ الرسول (ﷺ) بعث معه بكتاب إلى هرقل فاستُقبل في مجلسه وتسلّم منه الكتاب وقُرئ عليه وأنّه اعترف بنبوّة محمّد24. ولم تصلنا عنه أيّ رواية تتحدّث عن حضور أبي سفيان إلى مجلس الإمبراطور. ذكر صاحب الرواية أنّه كان خلال سفره إلى الشّام بصحبة رجالٍ من قريش، هم أنفسهم الذين حضروا معه مجلس قيصر، غير أنّه لم يسمّ أحدًا منهم على الرغم من أنّهم من قبيلته، ولا شكّ في أنّه يعرف أسماءهم، ولربّما يعرف بعضًا منهم معرفة دقيقة، فقد قال: "ليس في الرّكب يومئذٍ أحد من بني عبد مناف غيري "25. لا يبدو مقبولً سكوته عن ذكر أسماء شهوده في هذا المجلس لاستثنائي أو حتّى ذكر أسماء بعض منهم – وهو الذي أراد أن ينسب إلى نفسه شرف تقديم صورة حقيقية لا تزييف فيها عن الرّسول (ﷺ) وعن الإسلام26- إلّ من زاوية وعيه التّام بأنّه نسج رواية من محض خياله، وجعل لها شهودًا كالأشباح إذ إنّه لم يكن يريد لها من شاهدٍ واقعي، يدحض صحّتها من الأساس. وفق ما ذُكر في صحيح البخاري، فإنّ الإمبراطور طرح على أبي سفيان في مجلسه جملة من الأسئلة، واستمع بواسطة ترجمانه إلى الأجوبة، وكان لاستجواب يتمحور حول سلوك النبي (ﷺ) وحول الديانة الجديدة27. وتتميّز هذه الأسئلة بالعمومية غير أنّها تنمّ عن درجة من الإلمام بالموضوع، كالعقيدة وخلُق محمّد وسيرته في أصحابه والصراع الدائر بينه وبين قريش؛ ولسائل أن يسأل: كيف توافر للإمبراطور هذا القدر من المعرفة بالشأن الإسلامي والحال أنّه لم يتوافر له قدر كافٍ من التواصل مع محمّد؟28 يبدو أنّ سيّد قريش الذي رتّب هذا "اللقاء" في ذهنه هو الذي صاغ بنفسه هذه الأسئلة، وأنطق عظيم الروم بما لم ينطق به أصلً؛ فمن الجليّ أنّ الأسئلة صِيغت بذهنية عربية إسلامية وليست بعقلية بيزنطية مسيحية، مع أنّ صاحب الرواية أراد أن يوحيَ بأنّ مُحدّثه مسيحي الديانة، وعلى معرفة بذكر بعث النبي محمّد (ﷺ) في الإنجيل29. روى أبو سفيان أنّ الإمبراطور بعد أن كفّ عن طرح الأسئلة، استرسل في التعليق على الأجوبة التي استمع إليها وأثبت له صحّتها مستندًا في ذلك إلى حجج تاريخية تتعلّق بتجارب الأنبياء السابقين وحجج أخرى أخلاقية أو ذات طابع عقدي30. ولعلّ اعتراف هرقل بصحّة ما يقوله الرجل هو شهادة اختلقها الأخير، ليثبت من خلالها أنّه قَبْل إسلامه قال في الإسلام وفي محمّد ما من شأنه أن يُعلي راية هذا الدين، وما من شأنه أن يُكسبه هو بعد فتح مكّة مكانة معتبرة في المجتمع الجديد. ولا يفوتنا أيضًا أن نشير إلى أنّ تعليق الإمبراطور
على الأجوبة التي استمع إليها ورد وفق ذهنية العربي المسلم31. فلا شكّ لدينا في أنّ الراوي صاغه بنفسه بعد أن أسلم بسنوات قليلة ونسبه إلى قيصر. إن سلّمنا بقصة "اللقاء"، فإنّ ما يحمل على الظن القوي هو أنّه لمّح لهرقل بأنّ محمّدًا قد يصبح عدوًّا لبيزنطة، فقد زعم أنّه عب صراحةً للإمبراطور عن تخوّفِه من غدر النبي32. ثمّ إنّنا نفترض أنّه إن التقاه فعلً فقد كان سيحاول لاستفادة من هذه الفرصة للتقرّب منه، بوصفه الطرف القويّ، ضدّ محمّد وضدّ دعوته؛ فأبو سفيان كان أحد أبرز زعماء قريش الذين قادوا منذ وقت غير بعيد القتال ضدّ النبي (ﷺ) وضدّ من تبعه من المسلمين في غزوة أحد ثم في غزوة الخندق33. كما أنّ هذه القبيلة التي استنزفها الصراع34 كانت بقدر استعدادها لمهادنة النبي35، مستعدة في الوقت نفسه على ما يبدو للتقرّب من بعض القوى غير البعيدة عن بلاد العرب، وقد يكون صلحُ الحديبية المناسبة الملائمة لذلك. لذا قد لا تتقدّم عندئذ علاقة القرابة الدموية على حساب المصالح السياسية. لربّما أيضًا، أنّ أبا سفيان كان سيفكّر في أن يستفيد من هذا "اللقاء" لتحقيق بعض المآرب الشخصية كأن تُقدَّم له تسهيلات ما، تتعلّق بممارسته النشاط التجاري في الشام الواقعة تحت السيطرة البيزنطية، وذلك بعد عقد الصلح المذكور الذي أقرّ "وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ النّاس، ويكفّ بعضهم عن بعض"36(. أوَ لم تكن قريش في حاجة إلى سلم للحفاظ على تجارتها؟37زعم أبو سفيان أنّ الإمبراطور اختتم حديثه عن الرسول بالقول: "ولو أرجو أن أخْلُص إليه، لتجشّمتُ لُقِيَّهُ، ولو كنتُ عندهُ لغسلتُ قدميه"38. إنّ ذلك يوحي باستعداد هرقل للخضوع للنّبي وتقديم ولاء الطاعة له. لكن إن كان هذا الزعم حقيقة، فكيف نفسّ أنّ هذا الإمبراطور حبس عامله على عمّان فروة بن عمرو الجذامي ثمّ قتله، لأنّه أسلم ورفض العدول عن دينه الجديد حينما طلب منه ذلك؟39ثمّ كيف نفسّ الحرب التي دارت بين الطرفين من أجل السيطرة على الشّام بعد أن حصل هذا القبول المبدئي بالنبي وبالديانة الجديدة بسنوات قليلة؟ يمكننا أيضًا أن نستدلّ على أنّه نسب إلى الإمبراطور كلامًا لم يقله، وذلك بالعودة إلى الأحداث اللاحقة التي تتعلّق بالفتح الإسلامي وبالصراع مع بيزنطة؛ فأثناء لاستعدادات لمعركة اليرموك في السنة الخامسة عشرة للهجرة، تروي المصادر قصة لقاء وفد من المسلمين على رأسه أبو عبيدة مع وفد من الروم للتفاوض، وكان على رأس الوفد الرومي أخو الملك وفي عسكره يومئذ "ثلاثون رواقًا وثلاثون سرادقًا كلّها من ديباج فلمّا انتهوا [أبو عبيدة وأصحابه] إليها أبوا أن يدخلوا فيها وقالوا لا نستحلّ الحرير فأنزلنا فنزل إلى فرش له ممهّدة وبلغ ذلك هرقل فقال ألم أقل لكم هذا أوّل الذّل أمّا الشّام فلا شام وويل للروم من المولود المشؤوم ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح فرجع أبو عبيدة وأصحابه وأبعدوا فكان القتال حتّى جاء الفتح"40. يقصد الإمبراطور "بالمولود المشؤوم" الدين الجديد ومن ورائه النبي (ﷺ) الذي جاء بالدعوة التي أدّت إلى نشأة دولة تهدّد بيزنطة. إنْ صحّت هذه الرواية التي تواترت في مصادر كثيرة،
فهي تثبت أنّه كان متخوّفًا من سقوط أراضٍ شاسعة من إمبراطوريته تحت سيطرة الإسلام والمسلمين، وهو خوف له ما يبرّره ويعطيه معقوليّة تتّفق وواقع الحال، ولكنّها تتناقض في الوقت نفسه مع ما زعمه أبو سفيان. لا يُعرف على وجه الدقة متى روى أبو سفيان أوّل مرّة قصّة هذا "اللقاء"، وأين، ولكن يبدو أنّه تحدّث عنه بعد أن اعتنق الإسلام. ولسائلٍ أن يسأل: لماذا انتظر مدّةً من الزّمن قبل أن يخبر بهذا "الحدث" المهم؟ ألم يكن حريًّا به أن يفصح عمّا "وقع" عند عودته من رحلته بمحضر بعض أصحابه الذين كانوا برفقته ويُثبت لأشراف قريش أنّ له شأنًا في بلاد الشّام لا يقلّ عن ذاك الذي له في مكّة؟ لا شكّ في أنّنا كنّا سنجد في مصادرنا روايةً تختلف، ولو جزئيًّا، عن التي بين أيدينا الآن، لو أنّه ذكر هذا الخبر لمّا كان على كفره، ولا شكّ في أنّ الرواية أصابها ما أصابها في ذهنه بعدما أخذت الأحداث مجرى ربّما لم يكن هو نفسه يتوقّعه. مهما يكن من أمر، فإنّ المصادر كلّها متّفقة على أنّ سيّد قريش ألقى على مسامع عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف من دون سواه "ما حدث". لكن لمّا اعتنق الراوي الإسلام كان ابن عباس حدثًا في سنّ الحادية عشرة؛ إذ إنّه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين41. فلا يبدو أنّه انتظر سنينَ عددًا حتى كبر ابن عبّاس وحدّثه بما حدّثه، بل الراجح لدينا، أنّه أخبره بعد فتح مكّة بزمن قصير، مستفيدًا من حداثة سنّ مستمعه ومن قلّة تجربته، ومن علاقة القرابة الدموية المتينة التي تربطه بالرسول (ابن عمّه). ولا ندري إن كان ذلك في حياة النبي (ﷺ) أو بعد وفاته، غير أنّ ما نسبه إلى هرقل حينما قال عن محمّد "فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين"42 يمكن أن يشير إلى أنّه روى هذه القصة خلال مدة زمنية لا يصل حدّها الأعلى إلى تاريخ معركة اليرموك التي وقعت في السنة الخامسة عشرة للهجرة؛ فالعبارة السالفة الذكر توحي أنّ جيش المسلمين لم يفتح بعدُ بلاد الشام. ومهما يكن من أمر، فإنّنا نعتقد أنّه تخيّ مُسْتَمِعَه تخيًّا لينشر الخبر كما شاء هو أن يرويه؛ لذلك لم يكن من المستغرب أن تتخطّى الرواية نفسها السنين قبل أن تُدَوّن ثمّ تتكرّر في مصادر كثيرة ومختلفة، ومن دون فروق جوهرية تستحقّ الذكر. نحن لا نعتقد أنّ أبا سفيان التقى إمبراطور الرّوم، وفي الحصيلة، لا يمكن أن نقبل أنّه دار بينهما هذا الحديث الذي ندرسه. وإن سلّمنا جدلً بأنّ هذا "اللقاء" حصل فعلً، فلا نعتقد أن ما قيل فيه نقله صاحبه من دون تغيير أو تحريف، ولا سيما أنّه لم يحدّث به إلّ بعد أن اعتنق الإسلام. إذًا، فمن الصعب أن نصدّق أنّه لمّا كان على كفره قال، بين يدي الإمبراطور، كلامًا في الرسول محمّد (ﷺ) فيه ثناء، حتّى وإن كان ما يُزْعَم أنّه قيل في هذا الأخير يتطابق مع الوقائع التاريخية، وحتّى إن أكّد الراوي أنّه التزم قول الحقيقة43. لذلك ليس من المستبعد أن يكون قد حاول تقديم صورة مغايرة عن الديانة الجديدة وعن النبي (ﷺ). فقد أورد الطبري وأبو الفرج الإصفهاني فيما رُوي عنه أنّه حاول في بداية الأمر التقليل من شأن محمّد، غير أنّ الإمبراطور لم يلتفت إلى هذا القول44. وأورد ابن كثير رواية قال إنّها أثارت استغرابه وهي لابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، وتذكر أنّه قال لهرقل: إنّ محمّدًا "ساحر كذّاب"45. لئن بدت هاتان الروايتان متماشيتين مع السياق الذي قيلتا فيه، فإنّنا لا نميل إلى القبول بهما؛ لأنّنا نشكّك أصلً في حدوث اللقاء مدار بحثنا. فتبدوان كأنّهما دُسّتا لاحقًا بين روايات عدّة في هذا الموضوع نفسه، ولعل من دسّ الرواية التي ذكرها ابن كثير كان يظنّ أنّ أبا سفيان لم يقل الحقيقة فجاء القول ردًّا على ما اخْتُلق.
إنّ الأخبار المبثوثة في المصادر، حول اعتناق سيّد قريش الإسلام، لها من الأهميّة ما يستدعي الوقوف عندها لإلقاء مزيد من الضّوء على الموضوع الذي ندرسه. فالنصوص توضح أنّه أسلم يوم فتح مكّة، وتوحي أنّه لم يبادر طوع إرادته إلى ذلك، بل كأنّ الديانة الجديدة قد فُرِضت عليه فرضًا في سياق الأمر الواقع؛ إذ لم يُتح له غير خيارين اثنين: أوّلهما أن يُسْلِمَ وينجو بنفسه، والثاني أن يرفض فيُستباح دمه46. اختار ألّ يقتفي آثار آبائه فأعلن إسلامه بعد أن تيقّن أنّ ميزان القوى الدينية والسياسية قد أصبح لمصلحة الرسول، وأنّ هزيمة سياسية قد لحقت بأشراف قريش47. لعلّه بدأ منذ ذلك الحين يفكر في التعويض عن تلك الخسارة بصياغة مضمون الرواية التي ندرسها. لقد ذكرت المصادر أنّه طلب من محمّد (ﷺ) يوم فتح مكّة أن يجعل له شيئًا، وفي رواية أخرى أنّ العبّاس بن عبد المطّلب قد قال للرسول: "إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الشّ ف والذّكر فأعطه شيئًا يتشرّف به فقال رسول الله صلّ الله عليه وسلّم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"48. لا شكّ في أنّ محمّدًا كان مدركًا غاية الإدراك أبعاد هذا القرار الذي اتّخذه، فهو على بيّنة بالذهنية القرشيّة وبالشرف الذي يسعى وجهاء هذه القبيلة لنيله، فلم يفته أن يمنح الرجل شرفًا ما، ليس تحت مظلّة الأعراف القبلية السائدة آنذاك، بل في ثوب الدين الإسلامي؛ لكسب ولائه وولاء من تبعه. يبدو أنّ سيّد قريش قد رأى في هذا الموقف ما يمكن أن يحفظ له بعض الوجاهة التي كان يحظى بها بين قومه قبل هذا الحدث. لذلك، نعتقد أنّه منذ تلك اللحظة بدأت قصّة "لقائه" الإمبراطور وفحوى الحديث المزعوم الذي دار بينهما تنضج في ذهنه؛ إذ يبدو أنّه بدأ يفكّر في نسج خيوط رواية يُشْعِر من خلالها النبي الذي أصبحت له منه صحبة49، كما يُشع ر من تبعه بأنّه كان سبّاقًا في "فضله" عليه وعلى دينه حتّى لمّا كان على الكفر؛ فقد زعم أنّه قال الحقيقة في مجلس هرقل فأنصف الإسلام والرسول (ﷺ) أمام من ما زال إلى ذلك اليوم، أي بعد فتح مكّة، غير مسلم وقد يكون عدوًّا وشيكًا للمسلمين. وهذا ما يدفعنا مرّة أخرى إلى التساؤل عن صدقيّة ما رواه عن "لقائه" بهرقل، وحول صدقيّة الكلام الذي قاله وسمعه في ذلك المجلس المزعوم عن محمّد وعن الإسلام وهو لا يزال على الكفر. يبدو أنّ مساحة المتخيَّل في روايته أكبر بكثير من مساحة الواقع، وذلك ما كان له تأثير في النظر إلى الآخر. فالمرجّح أنّه لم يكن يقصد أن يبيّ للمسلمين طبيعة الموقف الرسمي والأوّل الذي تبنّاه الإمبراطور تجاه محمّد وتجاه دينه، بل كان يفكّر في صورته هو عند معتنقي الدين الإسلامي وبالمكانة التي يمكن أن يحوزها في المجتمع الجديد. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ مزاعمه حول اعتراف هرقل بنبوّة محمّد وحول ما أبداه من استعداد لاعتناق هذه الديانة الجديدة50 ساهمت في تشكيل جانب من صورة الروم لدى المسلمين الذين عَدّوا الرواية بمنزلة الموقف البيزنطي الإيجابي إزاء الإسلام، واتّخذوها حجّة من الحجج ليثبتوا، بفضلها لغير المسلمين، صحّة النبوّة، ووجدوا فيها مشروعية وظّفوها، خاصّة لخدمة فتح بلاد الشّام51. الظاهر أنّ عدة روايات لاحقة، وحتى بعض الأحاديث، استمدّت من هذا الموقف الذي نسب إلى هرقل بعضًا من صدقيتها في الذهنية العربية الإسلامية المبكرة التي كانت تبحث لذاتها عن صورة لدى الآخر البيزنطي، تتّخذها مبرّرًا للقبول به من ناحية، وتحقّق
لها الرضى عن النفس من ناحية أخرى. لقد ساهمت رواية أبي سفيان، بصرف النظر عن درجة صدقيتها، في تغذية شهية بعض رواة الأخبار والأحاديث خلال القرون الأولى من تاريخ الإسلام (حتى منتصف القرن الثامن الهجري) فقيل كثير عن موقف هرقل من محمّد ومن الإسلام52. كما روى اليعقوبي أن النبي (ﷺ) قال حين عودة مبعوثه: "يبقى ملكهم ما بقي كتابي عندهم"53. ولربّما أنّه قُوّلَ ما لم يقله حقيقة. والظاهر أنّ ما نُسب إلى دحية بن خليفة الكلبي بشأن موقف هرقل من محمّد ومن الإسلام حينما قال: "والله إن لأعلم أنّ صاحبك نبيّ مرسل، وأنّه الذي كنّا ننتظره ونجده في كتابنا ولكنّي أخاف الرّوم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته"54، لا يختلف كثيرًا في معناه عمّا زعمه سيّد قريش. بل تذهب إحدى الروايات المنسوبة إلى السفير نفسه التي تمّ الزّجُّ باسم أبي بكر في سلسلة رواتها إلى القول بأنّ هرقل أطلعه على نحو سرّي على صور للأنبياء من بينها صورة محمّد وعن يمينه أبو بكر وعن يساره عمر55. ختامًا، الراجح لدينا أنّ ما رُوي حول موقف قيصر من الرسول محمّد (ﷺ) ومن الإسلام ليس في نهاية المطاف إلّ ما تخيّله أبو سفيان. علاوة على ذلك يبدو أن هذه الرواية ساهمت، بوعي من صاحبها أو من دون وعيه، في تشكيل جانب من الذهنية العربيّة الإسلاميّة التي تهيّأت للقبول بهذا الآخر البيزنطي؛ فهو الذي ذُكر في القرآن (الرّوم: 1 - 4)56، وهو الذي يُعتقد أنّه اعترف بالرسول وبالإسلام، وهو العدوّ الجار الذي دحرته الجيوش الفاتحة، ولكنّها لم تستطع القضاء عليه، بل تمكّن من الصمود. ثم تطوّرت العلاقات بين العرب والروم خلال القرون اللاحقة، وتغيّت نظرة بعضهم إلى بعض تدريجيًّا، ولم تمنع ح لات الصدام المتكرّرة الطرفين من إرساء علاقات التبادل المثمر؛ ما أدّى بالسلطة السياسية العليا هنا وهناك إلى الإقرار بضرورة التعايش و لاحترام المتبادل، على الرغم من مظاهر لاختلاف القائمة57. لعلّ من بين الأسباب التي هيّأت لهذا التّطور في العلاقات ذلك الموقف الإيجابي الذي نُسب إلى هرقل إزاء الرسول محمّد، ثم موقف محمّد المترتّب عنه بحسب ما تزعمه بعض المصادر58.
ملحق حول كتاب محمد رسول الله (ﷺ) إلى هرقل يدعوه إى ل الإسلام وقصة لقاء أيب سفيان بهرقل59
حدّثنا إبراهيم بن حمزة: حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما أنّه أخبره: أنّ رسول الله صلّ الله عليه وسلّم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي، وأمره رسول الله صلّ الله عليه وسلّم أن يدفعه إلى عظيم بصُرى ليدفعه إلى قيصر، وكان قيصر، لمّا كشف الله عنه جنود فارس، مشى من حمص إلى إيلياء شكرًا لما أبلاه الله، فلما جاء قيصرَ كتاب رسول الله صلّ الله عليه وسلّم، قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدًا من قومه، لأسألهم عن رسول الله صلّ الله عليه وسلّم. قال ابن عبّاس: فأخبرني أبو سفيان: أنّه كان بالشّام في رجال من قريش قدموا تجارًا، في المدّة التي كانت بين رسول الله صلّ الله عليه وسلّم وبين كفّار قريش، قال أبو سفيان: فوجدَنا رسول قيصر ببعض الشّام، فانطلق بي وبأصحابي، حتّى قدمنا إيلياء فأُدخِلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، وعليه التّاج، وإذا حوله عظماء الرّوم، فقال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبًا إلى هذا الرّجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم إليه نسبًا، قال: ما قرابة ما بينك وبينه؟ فقلت: هو ابن عمّي، وليس في الرّكب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري، فقال قيصر: أدنوه، وأمر بأصحابي فجُعلوا خلف ظهري عند كتفي، ثمّ قال لترجمانه: قل لأصحابه: إنّ سائل هذا الرّجل عن الذي يزعم أنّه نبيٌّ، فإن كذ ب فكذبوه، قال أبو سفيان: والله لولا الحياء يومئذٍ، من أن يُؤْثِر أصحابي عنّي الكذب لكذبته حين سألني عنه، ولكنّي استحييت أن يُؤْث روا الكذب عنّي فصدقته، ثمّ قال لترجمانه: قل له كيف نسب هذا الرّجل فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قلت: لا، فقال: كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف النّاس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: فيزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل يغدرُ؟ قلت: لا، ونحن الآن منه في مدّة نحن نخاف أن يغدر - قال أبو سفيان: ولم يمْكِنّي كلمة أدخل فيها شيئًا أنتقصه به لا أخاف أن تؤثرَ عنّي غيرها - قال: فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قلت: نعم، قال: فكيف كانت حربه وحربكم؟ قلت: كانت دولً وسجالً، يُدال علينا المرّة ونُدال عليه الأخرى، قال: فماذا يأمركم به؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلّاة والصّدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة. فقال لترجمانه حين قلت ذلك له: قل له: إنّ سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنّه ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعثُ في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فزعمت أن لا، فقلتُ: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله، قلتُ: رجل يأتمّ بقول قد قيل قبله، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفتُ أنّه لم يكن ليدع الكذب على النّاس ويكذب على الله، وسألتك: هل كان من آبائه من ملك فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلتُ: يطلب مُلك آبائه، وسألتك: أشراف النّاس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنّهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتّى يتمّ، وسألتك: هل يرتدّ أحد سَخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فزعمت أن لا، فكذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوب لا يسخَطُه أحد، وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون، وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم، فزعمت أن قد فعل، وأنّ حربكم وحربه تكون دولً، ويُدال عليكم المرّة وتُدالون عليه الأخرى، وكذلك الرّسل تُبتلى وتكون لها العاقبة، وسألتك: بماذا يأمركم؟ فزعمت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عمّا كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصلّاة والصّدقة، والعفاف،
والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي، قد كنت أعلم أنّه خارج، ولكن لم أظنّ أنّه منكم، وإن يكُ ما قلت حقًّا، فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، ولو أرجو أن أخلُصَ إليه لتجشّمت لُقيّه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقُرئ فإذا فيه: من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد فإنّ أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتِك الله أجرك مرّتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تعَالَوْا إِلَ كَلِمَةٍ سوَاءٍ بَيْننَا وبَيْنَكُمْ ألَّ نَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ ولَ نُشِْكَ بهِشَيْئًا ولَ يتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِفَإنْ تولَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64.) قال أبو سفيان: فلمّا أن قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الرّوم، وكثُ لغَطُهم، فلا أدري ماذا قالوا، وأم ر بنا فأُخرجْنَا، فلمّا أن خرجتُ مع أصحابي وخلوتُ بهم، قلت لهم: لقد أمَِرَ أمرُ ابن أبي كبشة، هذا ملك بني الأصفر يخافه، قال أبو سفيان: والله ما زلتُ ذليلً مستيقنًا بأنّ أمره سيظهرُ، حتّى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره.
المراجع
العربية
ابن الأثير، عز الدّين أبو الحسن علي. الكامل في التّاريخ. تحقيق أبو الفداء عبد الله القاضي. بيروت: دار الكتب العلمية، 1987.
إسماعيل، ليلى عبد الجوّاد. الدولة البيزنطية في عصر الإمبراطور هرقل وعلاقتها بالمسلمين. القاهرة: دار النهضة العربية، 1985. الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين. الأغاني. بيروت: دار الفكر، د. ت.
البخاري، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل. صحيح البخاري. تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2005.
البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر. كتاب جُمل من أنساب الأشراف. تحقيق سهيل زكار ورياض زركلي. بيروت: دار الفكر، 1996. ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد. زاد المسير في علم التّفسير. بيروت: دار ابن حزم، 2002.
جعيط، هشام. في السيرة النبويّة - 3 - مسيرة محمّد في المدينة وانتصار الإسلام. بيروت: دار الطليعة، 2015.
الزّهري، محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب. المغازي النّبويّة. تحقيق وتقديم سهيل زكار. دمشق: دار الفكر، 1981.
ابن سعد، محمّد. الطّبقات الكبرى في البصريين والبغداديين والمصريين وآخرين. بيروت: دار صادر، 1958.
سالم، عبد الرحمن أحمد. المسلمون والروم في عصر النّبوّة: دراسة في جذور الصراع وتطوره بين المسلمين والبيزنطيين حتى وفاة الرسول (ﷺ.) القاهرة: دار الفكر العربي، 1997.
الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. مصر: دار المعارف، 1967.
ابن الفرّاء، أبو علي الحسين بن محمد. كتاب رسل الملوك ومن يصلح للرّسالة والسّفارة. تحقيق صلاح الدّين المنجد. القاهرة: د. ن، 1947.
القلقشندي، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي. صبح الأعشى في صناعة الإنشاء. تحقيق محمّد حسين شمس الدّين. بيروت: د. ن، 1987.
ابن كثير، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر. البداية والنّهاية. تحقيق إبراهيم الطرابلسي ويوسف أحمد الضّاوي. بيروت: د. ن، 2006.
الكعبي، عبد الحكيم. عصر النّبوّة. عمّان: د. ن، 2009.
عبد الحكم، أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد الله بن أعين. فتوح مصر وأخبارها. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991.
عبد الكريم، خليل. قريش من القبيلة إلى الدّولة المركزية. القاهرة/ بيروت: د. ن، 1997.
ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله. تاريخ دمشق. طبعة رقمية من إعداد الخطيب للإنتاج والتسويق ومركز التّاث لأبحاث الحاسب الآلي، د. ت.
مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. جمع وتحقيق محمد حميد الله. بيروت: دار النفائس، 1987.
اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح. تاريخ. تحقيق خليل منصور. بيروت: دار الكتب العلمية، 1999.
References
الأجنبية
• El-Cheikh, Nadia Maria. Byzantium viewed by the Arabs. Harvard Middle Eastern Monographs, XXXVI.
Cambridge: Harvard University Press, 2004.
• ".Muhammad and Heraclius: A study in legitimacy." Studia Islamica. no. 89 (1999).
• Hamidullah, Mohamed. Six originaux des lettres diplomatiques du Prophète de l'Islam. Paris: Editions Tougui,
• ".La lettre du Prophète à Héraclius et le sort de l'original." Arabica. vol. 2 (1955).
• Labidi, Béchir. " Les frontières entre Byzance et l'Orient musulman (VIIIe – XIe siècles)." Thèse de doctorat.
Faculté des Sciences Humaines et Sociales. Tunis, 2012.
• Mansouri, Mohamed Tahar. Etudes médiévales 1. De Byzance et de l'Islam. Tunis: publication de la Faculté des
Lettres des Arts et des Humanités – Mannouba, 2009.
• Miquel, André. La géographie humaine du monde musulman jusqu'au milieu du XIe siècle. t. II. Géographie
arabe et représentation du monde: la terre et l'étranger. Paris/ La Haye: mouton, 1975.
• Mystichos, Nicholas I patriarch of Contantinople. Letters. greek text and english translation. by R. J. H. Jenkins
& L. G. Westerink. Corpus Fontium Historiae Byzantinae. vol. VI. Washington D. C.: Dumbarton Oaks Center
for Byzantine Studies. Trustees for Harvard University, 1973.
• Serjeant, R. B. "Early Arabic Prose." The Cambridge History of Arabic Literature: Arabic Literature to the End
of the Umayyad Period. A. F. L. Beeston et al. (eds.). Cambridge: 1983.
• Arab-byzantine relations in early islamic times. Michael Bonner (ed.). Great Britain and USA: Ashgate/ Variorum, 2004.