Return to Article Details The Islamic Minority in Sicily between Integration, Confrontation and Identity Conflict (484-591AH / 1091-1194AD): Contribution to the Study of the History of Minorities.

مراجعة كتاب الأقلية الإسلامية في صقلية بين الاندماج والصدام وصراع الهوية (484-591ه/1091-1194م): مساهمة في دراسة تاريخ الأقليات

The Islamic Minority in Sicily between Integration, Confrontation and Identity Conflict (484-591AH / 1091-1194AD): Contribution to the Study of the History of Minorities.

محمد عمراني زريفي

Mohammed Amrani Zerrifi

الملخّص

يتكوّن الكتاب من ستة مباحث تميزت بالتناسق في البناء، والتوازن في حجم المساحة، مع مدخل تمهيدي نظري خصصه المؤلف لتفكيك مفهوم الأقلية، واستعراض الدراسات السوسيوسياسية التي صيغت حوله، ليستنبط منها معيارًا دقيقًا لمفهوم الأقلية، بنى على أساسه فكرة مشروع بحثه. على المستوى الببليوغرافي، وعلى الرغم من قلة النصوص التي تلقي الضوء على هذه الفئة الاجتماعية المهمّشة في التاريخ، فإن الباحث قام بالتقاطات ذكية من النصوص الجغرافية، وأدب الرحلات، والنوازل الفقهية. كما استند إلى الرصيد المتوافر في مكتبة ميشيل أماري، إضافة إلى الأرشيف الوثائقي الصقلي، وخاصة المكتبة المركزية لجهة صقلية التي حررت وثائقها باللغتين العربية واللاتينية. كما اعتمد على مجموعة من الدراسات الحديثة عربيةً وأجنبيةً. وبهذا الرصيد الببليوغرافي المهم الذي ناهز مئة مصدر ومرجع، تمكّن المؤلف من إلقاء أضواء كاشفة على أوضاع الأقلية الإسلامية في مدينة صقلية خلال الحقبة مدار الدراسة.

Abstract

The Islamic Minority in Sicily between Integration, Confrontation and Identity Conflict (484-591AH / 1091-1194AD): Contribution to the Study of the History of Minorities.Ibrahim Al-Qadri Boutchich

الكلمات المفتاحية:
  • الأقلية الإسلامية
  • صقلية
  • صراع الهوية
  • تاريخ الأقليات
  • الإندماج
Keywords:
  • The Islamic Minority
  • Integration
  • Confrontation
  • Identity Conflict
  • Ibrahim Al-Qadri Boutchich

مقدمة

إذا كانت الكتابة بصفة عامة تعتبر إبداعًا، فإن الشعور بقيمة هذا الإبداع لا يتمّ إلا بعد قراءته وتحليل مضامينه؛ وبعبارة أخرى، فإن الوصول إلى لذّة النص، بمفهوم رولان بارت Barthes Roland، لا يحصل إلا بعد أن يصبح ملكًا مشتركًا بين جميع القرّاء، ومن ثم يتفاعلون معه من خلال فتح نقاش علمي مع أفكاره، خاصّةً إذا كان هذا الصّنف من الكتابة يدخل ضمن حقل العلوم الإنسانية عامة، والتاريخ منه خاصة. كما يمكن القول إن ظرفية القراءة ومنهجيّتها تمليهما شروط موضوعية مرتبطة أساسًا بنوعية الكتابة وسياقاتها؛ ما يضفي صفة الخصوصيّة على أي قراءةٍ انطلاقًا من أهمية المضامين والأفكار التي يأتي بها النص. وتلك هي حالة كتاب الأستاذ المؤرخ الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، وقد اختار لكتابه ذلك العنوان1. فهذا الكتاب الذي يُعدّ تجربة رائدة في دراسة الأقليات الإسلامية بأوروبا خلال العصر الوسيط، ويطرح مسألة "الأنا" الخاضع لسلطة "الآخر" الغالب، يحتّم علينا بالضرورة القيام بعدّة قراءات وليس قراءةً واحدة نظرًا إلى قيمته العلمية، وقوّته التنظيرية، وبعده المنهجي؛ لذلك لا يمكن أن تكون هذه المراجعة في حقيقة الأمر سوى شذرات مما يمكن للقارئ أن يستنتجه من تحليل خطاب هذا الكتاب الذي يعتبر إضافةً نوعية جديدة إلى الحقل الأكاديمي في مجال الدراسات التاريخية عامة، وتاريخ الأقليات المهمّشة خاصة. يتكوّن الكتاب من ستة مباحث تميزت بالتناسق في البناء، والتوازن في حجم المساحة، مع مدخل تمهيدي نظري خصصه المؤلف لتفكيك مفهوم الأقلية، واستعراض الدراسات السوسيوسياسية التي صيغت حوله، ليستنبط منها معيارًا دقيقًا لمفهوم الأقلية، بنى على أساسه فكرة مشروع بحثه. على المستوى الببليوغرافي، وعلى الرغم من قلة النصوص التي تلقي الضوء على هذه الفئة لاجتماعية المهمّشة في التاريخ، فإن الباحث قام بالتقاطات ذكية من النصوص الجغرافية، وأدب الرحلات، والنوازل الفقهية. كما استند إلى الرصيد المتوافر في مكتبة ميشيل أماري، إضافة إلى الأرشيف الوثائقي الصقلي، وخاصة المكتبة المركزية لجهة صقلية التي حررت وثائقها باللغتين العربية واللاتينية. كما اعتمد على مجموعة من الدراسات الحديثة عربيةً وأجنبيةً. وبهذا الرصيد الببليوغرافي المهم الذي ناهز مئة مصدر ومرجع، تمكّن المؤلف من إلقاء أضواء كاشفة على أوضاع الأقلية الإسلامية في مدينة صقلية خلال الحقبة مدار الدراسة.

ماذا أضاف الكتاب إىل المعرفة التاريخية؟

يصعب حصر كل القضايا الجديدة التي أثارها الكتاب، وحفر فيها حفرًا عميقًا، لذلك سنقتصر على سرد بعض القضايا التي نعتبرها إسهامًا جديدًا في الدراسات التاريخية العربية:

الخريطة الإثنية والبشرية لصقلية

اعتمادًا على مادة مصدرية متنوعة شكلتها نصوص الجغرافيين والرحالة المسلمين الوسيطيين، كابن حوقل وابن جبير، وكذا نصوص الحوليات التاريخية الوسيطية المغربية منها والمشرقية على السّواء، إضافة إلى النوازل الفقهية، استطاع المؤلّف أن يتتبع تشكيل الخريطة الإثنية والبشرية لصقلية في سياقها التاريخي خلال الحقبة موضوع الدراسة.

  1. إبراهيم القادري بوتشيش، الأقليةالإسلاميةفيصقليةبينالاندماجوالصداموصراعالهوية (484  -  591 ه/ 1091  -  1194 م:) مساهمةفيدراسةتاريخالأقليات (مكناس: المجموعة المغاربية للدراسات التاريخية، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، 2016.)

ولم يكن المتن المصدري المتنوع بمفرده كافيًا للقيام بتحليل قضايا مرتبطة بوضع تصوّر حول الخريطة الإثنية والبشرية لمدينة صقلية، بل إنّ المؤلف وظّف كذلك بعض أدوات المنهج الإحصائي، كما استطاع أن ينهل من معجم العلوم الإنسانية الأخرى، خاصة منها الجغرافيا البشرية والديموغرافية. وهذا ما ظهر على نحو واضح من خلال المصطلحات التي استعملها الباحث، سواء من أجل تكميم الظاهرة البشرية التي يعالجها، أو على مستوى تحليل المعطيات المرتبطة بظاهرة الهجرة، أو الكثافة السكانية، أو توزيع السكان المسلمين على المجال الجغرافي لصقلية عبر الفترات التاريخية، وهو ما جعل الدكتور بوتشيش يدخلنا لاكتشاف تاريخ التركيبة البشرية والإثنية لصقلية الوسيطية من خلال مدرسة التاريخ الجديد عبر مناقشته قضايا ترتبط بالديموغرافيا التاريخية، فضلً عن توظيفه مصطلحات تنهل من الحقل الإبستيمولوجي الجغرافي والديموغرافي على السواء؛ ما يساعد القارئ للمبحث الثالث: "الوضعية لاجتماعية للأقلية الإسلامية بصقلية"، على أن يكون على دراية بالخريطة الإثنية والبشرية لهذه المدينة، ليس ابتداء من فترة لاحتلال النورماندي لهذه الجزيرة في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي فحسب، ولكن كذلك انطلاقًا من فترة خضوعها للسيطرة الإسلامية عند مطلع القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي.

تشخيص دقيق للوضعية الاجتمعية للأقلية الإسلامية بصقلية

أوقفنا الباحث على البنية القبلية لمسلمي هذه الجزيرة، والمتمثلة في القبائل العربية والأمازيغية، مشيرًا في ظل سرد الأحداث التاريخية إلى تحرّكات هذه الجماعات البشرية في سياق موضوع الهجرة وتوزيع السكان على جغرافية صقلية، وكذا الفترات الزمنية لهذه الهجرة وأنواعها سواء كانت اختيارية، أو اضطرارية، أو قهرية؛ وذلك من الجزيرة وإليها في ارتباط بما تعرّضت له صقلية من اعتداءات، أو ما خاضه حكّامها الجدد من النورمان من معارك، خاصة في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط. وقد ترتّب على ذلك خلخلة في البنية الإثنية لمسلمي صقلية على مستوى تزايد عدد ساكنتها أو تناقصه. وقد رصد الباحث نوعية المهاجرين من هذه الجزيرة وإليها، سواء على مستوى وضعهم لاجتماعي مثل النخبة العلمية من فقهاء وأدباء وشعراء، أو على مستوى مقاربة النوع من خلال تهجير نساء أسرى الحروب والمعارك من شمال المغرب الكبير، وخاصة من إفريقية في اتجاه صقلية. ولم يقتصر المؤلف على رصد المحطات التاريخية المرتبطة بمسلمي صقلية، بل قام كذلك بتوسيع دائرة اهتمام تحليله لمعطيات تتعلق بباقي الإثنيات و لاتجاهات الدينية التي كانت تتعايش في هذه الجزيرة من أهل الذمة كاليهود والنصارى، وكذا الإثنيات التي حلّت في الحقبة ما بعد السيطرة الإسلامية، وهي التي تمثّلت في المحتلين الجدد من النورمانديين، وكذا الوافدين من بعض مناطق إيطاليا كاللمبارديين من شمال فرنسا، إضافة إلى بعض ساكنة البحر المتوسط والبلقان مثل اليونانيين والبلغار فضلً عن السلافيين. ولم يكن الحديث عن هذه الإثنيات عرضًا ضمن هذا المبحث، ولكنه في سياق البحث عن العوامل التي أدّت إلى تحوّل المسلمين من قوّة عددية إلى أقلية في إطار إعادة تعمير الحكّام الجدد من النورمانيين لجزيرة صقلية من أجل السيطرة على مختلف مدنها وقراها؛ ما أدّى بمسلمي الجزيرة إلى التفكير في الهجرة ومغادرة البلاد، بحثًا عن أفق آمن وجدوه في بلدان الغرب الإسلامي، في الأندلس أو المغرب الأقصى وإفريقية، في حين وجد آخرون منهم ضالّتهم في بلاد المشرق مثل مصر. وفي الجزء الثاني من المبحث الثالث، واعتمادًا على نصوص معظمها من مصادر الجغرافيا والرحلات، خاصة منها شهادات ابن جبير، وبأدوات منهجية نهلت كثيرًا من القاموس السوسيولوجي، استطاع المؤلّف أن يعيد بناء التشكيلة لاجتماعية للأقلية الإسلامية في صقلية في ظل الحكم النورماندي. فقد أشار إلى مكانتهم في هرم السلطة المركزية، وأهميتهم في البلاط النورماندي، وكذا دورهم في بعض المهمات لاستشارية؛ إذ كانوا بمنزلة وزراء، وقد تمّت الإشارة إلى بعض النخب العلمية مثل الشريف الإدريسي، وكذا أهمية فئات

من العبيد الذين على الرغم من دورهم الأساسي في تدبير المهمات الصعبة بالبلاط، لم يحظوا باعتراف السلطة النورماندية بخدماتهم؛ فقد كانوا محرومين من أبسط حقوقهم في ممارسة شعائرهم الدينية، بل لم يُسمح لهم حتى ب لاحتفاظ بأسمائهم الإسلامية. واكتسى العنصر الثالث والأخير من المبحث الثالث أهمية كبيرة على مستوى ما جاء به المؤلّف من معلومات مستقاة في معظمها من شهادة ابن جبير؛ إذ وقف على بعض العادات والتقاليد التي حافظت عليها الأقلية الإسلامية في ظل سلطة النورمان، وكذا القيم التي تعرّضت للطمس لتحلّ محلّها قيم أخرى تحت تأثير التحولات لاجتماعية الجديدة في ظل المشهد الديني والإثني الذي عرفته صقلية إثر إعادة تعميرها في ظل الحكم النورماندي منذ نهاية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. ولعلّ ما يلاحظ في هذا الصدد هو استمرار الطقوس الدينية الإسلامية من خلال المحافظة على أداء الصلوات الخمس، وصيام رمضان، هذا إلى جانب ممارسة الطقوس لاحتفالية التي ترتبط بالموروث الثقافي الإسلامي لعهود سابقة، مع احتفاظ سلوك الناس بقيم الكرم والسخاء. ويوضح المؤلف أن هذه الطقوس لاحتفالية - الدينية منها على الخصوص - لم تبقَ حبيسة الأقلية الإسلامية، بل امتدّ تأثيرها ليعم باقي فئات المجتمع غير المسلم، إلى درجة أنّها شملت عادات الأكل وطريقة اللباس والزينة عند النساء، بل وصل هذا التأثير إلى أقصى مداه عندما لجأت بعض جواري القصر من المسيحيات إلى اعتناق الديانة الإسلامية (ص. 99) غير أن المؤلّف، وهو يتحدّث عن استمرارية عادات المسلمين وقيمهم بصقلية، لم يفته أن يقدّم لنا اعتمادًا على شهادات عاصرت المرحلة، صورة أخرى كشف من خلالها عن وجود هزّة خلخلت بنية الأسرة المسلمة وهدّدت بتفكيك عناصرها من خلال تراجع السلطة الأبوية، وفقدان لاحترام الذي كانت تنعم به الأسرة في ظل الحكم الإسلامي، إلى درجة بدأ فيها الأبناء يهدّدون الأب بالتنصر والذهاب إلى الكنيسة في حالة رفضه تلبيةَ طلباتهم (ص. 99) لا يفوتني وأنا أختم قراءتي لهذا المبحث أن أنوّه بأن هذا التحليل الذي أمدنا به الدكتور القادري بوتشيش، من خلال تبنيه آلية تحليل الخطاب اعتمادًا على مناهج العلوم الإنسانية الأخرى، قد أحيا بذلك نصوصًا وسيطية، وقدّمها بلغة جديدة ومعاصرة أزاحت الغموض عن الوضع لاجتماعي للأقلية الإسلامية. فكان تحليله يجمع بين متعة القراءة والكشف عن الحقيقة التي كان يستخرجها من نصوص وسيطية ووثائق عربية وأخرى لاتينية.

الأقلية الإسلامية يف ظل بنية اقتصادية فيودالية: صعوبات الاندماج

لقد أتاح المؤلف، من خلال تحليله ومناقشته مجموعة من الوثائق في المبحث الرابع من الكتاب، فهم تطور النظام الإقطاعي بجزيرة صقلية في ظل السلطة النورماندية؛ فمن خلال معطيات تضمنتها وثائق لاتينية وأخرى إسلامية، حاول المؤلّف رصد انعكاسات النظام الفيودالي بهذا الجزء من العالم الأوروبي المتوسطي خلال العصر الوسيط على الأقلية الإسلامية بصقلية. فاعتمادًا على عقود البيع والشراء للأراضي، أو قضية المصادرات التي تعرّضت لها الأقلية الإسلامية ببادية صقلية وأريافها، تحوّل المسلمون إلى أقنان في ظل سيطرة الأسياد الإقطاعيين؛ إذ أصبحوا مطالبين بأداء ضرائب سنوية عينيّة من مداخيل الأرض الزراعية، كما تمّ إجبارهم على الخدمة العسكرية، في حين تعرّض بعض المسلمين الآخرين، خاصة منهم من وقع تحت الأسر، إلى لاسترقاق عند ملّك الأراضي أو في خدمة الكنائس.

وقد حاول الباحث أن يبرز الدور الذي قامت به الملكيّة النورماندية في صقلية على مستوى تقوية النظام الفيودالي، من خلال إضفاء الشرعية على تفويت أراضي الأقلية الإسلامية للملاك الجدد من النورمانديين أو الكنيسة؛ ما ساهم في ظهور فئات جديدة في المجتمع الصقلي، كالعبيد، والأقنان، والأسياد، والمؤسسة الكنسية. وبعبارة أخرى، فإن الأستاذ القادري بوتشيش قدّم لنا مؤشرات دالة على كيفية بناء اقتصاد فيودالي، في جزء من الفضاء الأورومتوسطي، تجاذبته قوى إسلامية وأخرى مسيحية خلال العصر الوسيط. وجدير بالذكر أن المؤلف حاول في هذا المبحث أن يساهم في تطوير معجم الدراسات التاريخية بالغرب الإسلامي، من خلال توظيفه بعض المصطلحات والمفاهيم التي أضفت جمالية على اللغة التاريخية، نذكر من بينها ما ورد في الصفحات 112، و 120، و 125.

تحليل متوازن للسياسة الدينية بصقلية تجاه الأقلية الإسلامية

مثّل المبحث الخامس من الكتاب، "المسألة الدينية بين مسار التسامح ومشاهد لاضطهاد"، محطّة مهمة ليس من زاوية المعطيات التاريخية التي قام المؤلف بمناقشتها وتحليلها فحسب، وإنما من زاوية الطرح المنهجي الذي تناول به محاور هذا المبحث وعناصره. ذلك أن الباحث الدكتور بوتشيش تناول بالدراسة والتحليل المسألة الدينية عند الأقليات الإسلامية بصقلية تحت السيطرة النورماندية من منظور المؤرخ المحقّق، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ وذلك بهدف الكشف عن حقيقة السياسة الدينية للملوك النورمان تجاه الأقليات الإسلامية بجزيرة صقلية على مدار قرن من الزمن. ويبدو في اعتقادنا أن حساسية الموضوع من جهة، لارتباطه بقضايا الآخر المخالف لنا في لاعتقاد والدّين، ثم وعي المؤلّف بضرورة التزام الموضوعية العلمية التي يتطلبها البحث التاريخي، قد دفعاه إلى هذا لاختيار المنهجي. وقد تجلّ ذلك في اعتماده أسلوب التحقيق في المعطيات التاريخية من خلال سرد نماذج متعددة، وكذا عرض شهادات دالّة تعبّ عن تجلّيات السياسة الدينية الرسمية التي ينتهجها النورمان تجاه الأقلية الإسلامية بصقلية، سواء تعلق الأمر بالجوانب التي تعكس ظاهرة التسامح الديني، أو بالقضايا التي تعبّ عن وجود اضطهاد بشتى أنواعه ومختلف مستوياته. لم يكن المؤلف ليسلّم بسهولة بما تجود به النصوص المصدرية الوسيطية - الإسلامية منها أو المسيحية - في موضوع يكتسي حساسية دينية. فالكتابات التاريخية لم تقدم لنا بشأن هذا الموضوع رأيًا موحّدًا، بل إن المصدر الواحد يتضمّن في الوقت نفسه الرأي المؤيد والرأي المضاد له. ولعل ذلك ما جعل المؤلّف يقف على تناقضات أصحاب هذه النصوص حول تقييمهم للسياسة الدينية التي يعتمدها ملوك صقلية تجاه الأقلية الإسلامية بهذه الجزيرة، وكانت "رحلة ابن جبير" نموذجًا لهذا النوع من المتون المصدرية. إن المؤلّف، وهو يعرض هذه اللوحات المتباينة، كان يقدّمها في سياق تحليلي محايد، معتمدًا في الآن نفسه المنهج المقارن. وقد مكّنه هذا المنهج، من استحضار مواقف الحكام النورمانديين المتناقضة أحيانًا في تعاملهم مع الشأن الديني المرتبط بالأقلية الإسلامية. وفي هذا السياق تمكّن من الكشف عن الإكراهات التي كانت تؤطّر هذه السياسة الدينية لصقلية النورماندية، سواء منها ما كان يرتبط بضغط المؤسسة الكنسية (البابوية) ومحاولة عدم الرضوخ لتعليماتها، أو ما تعلّق منها بمحاولة تجنّب التهديدات المسيحية المرتبطة بالدولة البيزنطية. هذا إضافة إلى تلك الرغبة في لاستفادة من تجارة البحر الأبيض المتوسط، والتي كانت تفرض على الدولة النورماندية بالضرورة ربط علاقات ودية بالدول الإسلامية في الضفة الجنوبية من هذا البحر، ممثلة في بلدان المغرب الكبير. كان هذا المبحث فرصة للمؤلف كذلك ليقدّم لنا نموذجًا لبناء دولة وسيطية في الضفة الشمالية للبحر المتوسط، حاولت ما أمكن تدبير لاختلاف الديني والإثني واللغوي في فترة زمنية تميّزت بالصراع الأيديولوجي وانتشار الحروب الصليبية، وبظهور سياسة خارجية يطبعها الترقب والحذر، سواء بين القوى الإسلامية والدول المسيحية، أو بين الدول المسيحية (البيزنطيون والنورمان نموذجًا.)

وظّف المؤلف أيضًا أدوات منهجية معاصرة، تساعدنا على كشف حقائق المتون المصدرية من خلال تلك التأويلات التي تفرضها بياضات النص من ناحية، وشحّ أخباره من ناحية أخرى. وهذا ما جعله يمدّنا أحيانًا بمعطيات تنقلنا بالمنظور الفقهي إلى قياس الغائب على الشاهد، كما هو الشأن مثلً في مناقشته وتحليله لقضية منع خطبة الجمعة (ص. 142)، وكذا تحليله قضية تنصير الأسر المسلمة بصقلية (ص. 148). كما أنّ المسألة تتكرر عند الكاتب في مناقشته مسألة الإبادة الجماعية لمسلمي مدينة باليرمو Palermo، سنة 585 ه/  1189 م (ص 149  -  150.) إنّ ذلك يقودنا في الأخير إلى القول إنّنا فعلً أمام اختيار آخر على مستوى الكتابة التاريخية، يكون فيها المؤرخ متفاعلً من خلال أدواته المنهجية مع الأحداث الراهنة بالقدر نفسه الذي يكون فيه مخلصًا وملتزمًا المادةَ المصدرية، من دون أن يجعل من اللغة المتداولة حاليًا أو في اختياره القضايا الراهنة حاجزًا لفهم وقائع العصر الوسيط وأحداثه، خاصة منها ما لا تمدّنا بشأنه المصادر التاريخية بمعلومات دقيقة، أو ترد بخصوصها مواقف متناقضة، كما هي حال موضوع المسألة الدينية في صقلية النورماندية.

رصد شامل لمشاهد الاندماج الحضاري للأقلية الإسلامية بصقلية

كان المبحث السادس، وهو المبحث الأخير من هذا الكتاب، فرصة للكاتب لإبراز تجليات اندماج الأقلية الإسلامية في نسيج المجتمع الصقلي، من خلال رصد حضورها في عدّة محطات، تتجلّ من خلالها إسهاماتها الوازنة في تنميته. وقبل أن يطلعنا المؤلف على ذلك، أوقفنا على السياق التاريخي وظرفية الإبداع الإسلامي في صقلية، من خلال الدور الذي اضطلع به الملوك النورمان الذين تميّزوا بثقافتهم وحبّهم للعلم والمعرفة، خاصة روجر الثاني II Ruggero الذي جمع في اهتماماته بين الرياضيات والجغرافيا، هذا إلى جانب مناخ الحرية والتعدّدية اللغوية التي ميّزت صقلية في ظل الحكم النورماندي (ص 153  -  154). ذلك هو ما يفسّ، بحسب الدكتور بوتشيش، المشاركة المتميزة لمسلمي صقلية في النهضة الثقافية بهذه الجزيرة، والتي هيمن على مشهدها غلبة العلوم الطبيعية (ص. 154). وقد مثّل الإنتاج الجغرافي، والنباتي، والكارتوغرافي للشريف الإدريسي محطة مهمة في هذا التراكم المعرفي للأقلية الإسلامية في صقلية في ظل السلطة النورماندية. ولم يتوقف الباحث عند إبراز هذا النموذج، بل حاول تقديم معلومات أخرى بشأن الدور الذي أدّته هذه الأقلية في مجال الصناعات التقنية والهندسية، وذلك على الرغم من قلة الإشارات المصدرية الدالة على ذلك. ولم يقتصر دور الأقلية الإسلامية في هذه الجزيرة على مجال العلوم والهندسة، بل تعدّى هذا التأثير ليصل إلى المساهمة في المؤسسات الإدارية والعسكرية، سواء على المستوى المركزي أو المحلي؛ إذ احتلت هذه الأقلية مكانة مهمة في الدولة، وهذا ما يعكس في نظر الكاتب مدى انخراط الأقلية الإسلامية واندماجها في المجتمع الصقلي النورماندي (ص. 164) ويفرض علينا الموقف كذلك أن نتساءل مع المؤلّف بخصوص بعض القضايا، وكذا بعض الأحكام والتأويلات. ونشير في هذا السياق إلى قوله: "بيد أن هذه الثقافة تميّزت بغلبة العلوم الطبيعية مع تراجع كبير للمعارف الدينية الإسلامية وبروز شعر مدح الملوك النورمان، مقابل اختفاء شعر الجهاد" (ص. 154) فمن الطبيعي في نظرنا أن يتم التوقف عن نظم شعر الجهاد، والذي يبقى ارتباطه رهين وجود سلطة سياسية إسلامية حاكمة تقرّر في شأنه. وما دامت هذه السلطة قد اختفت عن مسرح الأحداث السياسية بصقلية أمام صعود قوّة جديدة تبنّت الديانة المسيحية، فمن المنطقي أن يختفي هذا الغرض الشعري، كما أن العلوم الدينية بدورها ستتراجع إن لم تنقرض تمامًا ما دام المسلمون سينتقلون من قوّة عددية ورمزية حاكمة إلى أقلية محكومة.

وهناك إشارة أخرى عند الكاتب يتحدث من خلالها عن الشعر الذي كان سائدًا في صقلية وفي بلاط ملكها، خاصة أنه "في مجمله شعرٌ بعيدٌ عن هموم ومشاكل المسلمين آنذاك، ويقتصر على وصف مباني ومنتزهات الملوك، كما خصّص أحيانًا لرثاء أبنائهم وأقربائهم" (ص. 155) ألا يمكن أن نعتبر الأمر طبيعيًّا، ما دام الشعراء كانوا يعيشون في كنف ملوك هذه الجزيرة فشاركوهم بالضرورة أفراحهم كما شاطروهم أحزانهم.

مظاهر الاضطهاد السيايس وانعكاساته على الأقلية الإسلامية بصقلية

ناقش المؤلف في المحور الثاني من المبحث السادس تجلّيات لاضطهاد على المستوى السياسي وأثره النفسي في الأقلية الإسلامية بجزيرة صقلية. وتميّز بجرأة علمية قوية عندما اعترف بأنه سيلجأ إلى بناء فرضيات وتأويلات، وذلك أمام سيادة نصوص تتميز بقلة ضبط معلوماتها؛ ما دفعه إلى تقديم مشاهد دالّة على لاضطهاد الذي عانته الأقلية الإسلامية بصقلية، انطلاقًا من مؤشرات محدودة على مستوى التوثيق المصدري، لكنها في المقابل غنيّة من حيث استنتاجاتها؛ ما أضفى على هذا المحور الثاني بعدًا تنظيريًا، وهو ما جعل الباحث يتحرّر من سلطة النص وقداسته وفق ما سطّره في مدخله النظري. وبناء على ذلك، فقد جاء المحور الأخير من المبحث السادس، والذي أنهى به الباحث دراسته، خلاصة لأفكاره، وفي الوقت نفسه كان إجابة عن الإشكاليات الرئيسة التي طرحها في المقدمة (ص. 8) لا يفوتنا، ونحن نحاول رصد ما جاء به هذا المبحث السادس، أن نشير إلى أن المؤلّف على عادته في كل مباحث هذا الكتاب قد وظّف كذلك مصطلحات ومفاهيم حداثية، حاول من خلالها إغناء لغة البحث التاريخي بداللت ترقى به إلى مستويات من التنظير، في سياق توظيف لغوي يجعل قارئ الكتاب يتفاعل مع الوقائع التاريخية ليصل بها إلى حدود تكوين متخيّل عن الأقلية الإسلامية في صقلية النورماندية، تمكّنه من استحضار هذه اللحظة التاريخية عبر أزمنة متباينة من موروثنا الثقافي، خاصة من خلال مقارنة أوضاع صقلية بمثيلتها الأندلسية في مراحل متأخرة من العصر الوسيط. إن قراءة في كتاب "تاريخ الأقلية الإسلامية بصقلية" للدكتور بوتشيش تكشف أنه لم يقدم لنا تاريخًا سرديًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا فحسب، بل إبداعًا تاريخيًّا تجلّ في نبشه في تاريخ المشاعر (الخوف - لاضطراب النفسي، وازدواجية الشخصية المتناقضة)، ومحاولة ترميم الهوية المكسورة في فضاء الغربة. انبثق كل ذلك عبر سياق منهجي مكّن القارئ من اكتساب أدوات بيداغوجية للتعامل مع المعطيات التاريخية، فضلً عن أدوات تحليلية نجح الباحث في توظيفها لفهم ظاهرة مماثلة في تاريخ منطقة أخرى، وهو ما يمكن أن نعبّ عنه بالمنهج المقارن؛ ذلك أن هذا الكتاب يرسم خريطة طريق منهجية لتحليل موضوع الأقليات عبر الزمن والمجال. وبذلك يعتبر إضافة نوعية إلى المكتبة التاريخية العربية، كما يعتبر في الوقت نفسه عملً علميًّا رائدًا، لما تضمّنه من أدوات منهجية ومعطيات تنظيرية ساهمت في تحليل بعض قضايا تاريخ ضفتَي البحر المتوسط خلال العصر الوسيط وفهمها، وخاصة تاريخ الأقليات الذي وضعته هذه الدراسة تحت مجهر البحث والتنقيب.