Return to Article Details “The Paradise of the Infidels” the Travel Account of Mohammed Effendi to Paris in 1721 Revised and edited: Abderrahim Benhadda

مراجعة كتاب جنة الكفار سفارتنامه محمد أفندي إلى باريس سنة 1721

“The Paradise of the Infidels” the Travel Account of Mohammed Effendi to Paris in 1721 Revised and edited: Abderrahim Benhadda

مصطفى الغاشي

Mustapha el Ghachi

الملخّص

في الآداب والعلوم الإنسانية والترجمة، المغرب.

Abstract

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان/ مارتيل، جامعة عبد المالك السعدي، مدير مركز الدكتوراه Professor of Modern and Contemporary History at the Faculty of Arts and Humanities, Abdelmalek Essaadi University in Martil, Tetouan and Director of the Doctoral Center of Arts, Humanities and Translation, Morocco.

الكلمات المفتاحية:
  • جنة الكفار
  • باريس
  • سفير عثماني
  • التاريخ
Keywords:
  • The Paradise of the Infidels
  • the Travel Account of Mohammed Effendi
  • Paris
  • Abderrahim Benhadda

سفارتنامه محمد أفندي إىل باريس سنة 1721

the Travel Account of Mohammed Effendi to Paris in 1721

مقدمة

صدر مطلع عام 2017 كتاب جديد لعبد الرحيم بنحادة، عنوانه مثير للجدل؛ جنة الكفار، سفير عثماني في باريس سنة 1721. وتزين واجهة الكتاب صورة من صميم موضوع الكتاب، تمثل خروج السفير العثماني محمد أفندي من حدائق Gobelins Tuileries بباريس. وقدّم الكتاب الباحث اللبناني خالد زيادة الذي عدَّ نشر عبد الرحيم بنحادة للصيغة العربية لسفارة محمد أفندي إضافة جديدة إلى فهم نص الرحلة، من حيث كونها تعكس "اهتمامًا عربيًا مبكرًا بالمعطيات التي انطوى عليها التقرير لجهة تعريفه بالحياة الفرنسية وجوانب التقدم الذي أحرزه الفرنسيون في المج لات العسكرية والصناعات والفنون والعمران، فضلً عن وصف العادات الفرنسية وحضور المرأة في المجال العام" (ص. 12) إن موضوع الكتاب تحقيق لنص رحلي لسفارة العثماني محمد أفندي إلى باريس، في سياق التطور التدريجي الذي عرفته الدبلوماسية العثمانية خلال القرن الثامن عشر، باعتماد "سفراء من النخبة، لهم من التكوين ما يساعدهم على التوجه بوصف ما يرونه سببًا في تقدم الغرب، وإطلاع ذوي القرار من بيروقراطيي الدولة عليه من خلال كتابة ما عرف منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر بالسفارتنامه." فالسفارتنامه، من حيث التعريف، "نوع من الكتابات يجمع بين الوصف الجغرافي والإثنوغرافي والتقرير الدبلوماسي السري، وتتجلى وظيفتها أساسًا، في تزويد دائرة ضيقة من العاملين في حقل السلطة والنخبة السياسية بمعلومات حول المج لات الموصوفة"(ص. 25) فهي، إذًا، "مفيدة للغاية في رسم معالم لاختلاف الثقافي بين الشرق والغرب، بين أوروبا والعالم الإسلامي"، كما أنها "تسجل وفق منهجية محكمة وبإعجاب كبير التحديث الإداري والتكنولوجي في أوروبا" (ص. 26). وهو ما يعني أنها تُعنى بالجوانب المادية والبنيات التحتية في أوروبا أكثر من أي شيء آخر، فهي وسيلة مهمة سخرتها الدولة العثمانية لمعرفة التحولات والتطورات التحديثية التي عرفتها الدول الأوربية. وتعدّ سفارتنامه محمد أفندي إلى باريس، أهم هذه النصوص، وعملً تأسيسيًا، بحسب بنحادة، يتفوّق على السابق من تلك النصوص واللاحق، في الشكل والمضمون. فقد دشن سلوكًا دبلوماسيًا جديدًا للدولة العثمانية، بوصفه سفيرًا، وليس، فقط، مبعوثًا، كما جرت العادة في السابق. فالسفارتنامه "لعبت بعد تداولها على مستوى النخب دورًا كبيرًا في تأجيج الرغبة لدى [...] النخب للتعرف على الغرب وفهم سر التقدم الأوروبي، وتحول بعض هذه السفارتنامه إلى خارطة طريق بالنسبة للسلطنة العثمانية في اتجاه تحديث مؤسساتها، خاصة مؤسسة الجيش والمؤسسة المالية" (ص. 27) لقد جاءت سفارة محمد أفندي إلى فرنسا في سياق توثيق العلاقات بين السلطنة وفرنسا، خصوصًا أن الباب العالي كان تحت تأثير انهزاماته المتتالية أمام النمسا وروسيا، وفشله في محاصرة فيينا، وتوقيعه معاهدة كارلوفيتس (1699) التي أبانت، على نحو ملموس، مدى الضعف الذي أضحت عليه الدولة العثمانية. سعى الباب العالي، من خلال تداعيات هذه الهزائم العسكرية والدبلوماسية، للبحث عن تحالفات من داخل أوروبا؛ فكانت فرنسا الوجهة المفضلة بالنظر إلى العلاقات التاريخية التي جمعت بينهما منذ النصف الأول من القرن السادس عشر (1536)، و لامتيازات التي كانت قد حصلت عليها فرنسا داخل الأراضي العثمانية التجارية والبحرية.

وإذا كان ما يمكن تحقيقه في السلم أكثر مما يمكن تحقيقه في الحرب، فإن الدولة العثمانية مع مطلع القرن الثامن عشر ستسعى للدخول في لعبة التحالفات الأوروبيّة، بغرض تطويق هزائمها المتكررة مع النمسا وروسيا من جهة، والحفاظ على السلام للاستفادة من التجارب الغربية في بناء جيش حديث من جهة أخرى. لذلك سعى العثمانيون (الصدر الأعظم إبراهيم باشا) لإعادة ربط العلاقات بفرنسا الحليفة؛ "لأنه كان شديد لاهتمام بما يجري في العديد من البلدان الأوروبيّة" (ص. 19)، فبعث بسفارات إلى إيطاليا وهولندا وفرنسا (1720  -  1721). فشهدت الدبلوماسية العثمانية في عهده تطورًا كبيرًا، فقد صارت "مهام السفير تتجاوز الشكليات وأصبح له دور في التفاوض، وأضحى من واجبه تقديم تقرير مكتوب عقب عودته، يصف فيه البلد الذي توجّه إليه" (ص 23  -  24.) لا غرو أن سفارة محمد أفندي مثَّلت تحولً كبيرًا في مفهوم السفارة والدبلوماسية العثمانية خلال القرن الثامن عشر؛ فقد فرضت الظروف السياسية السيئة للسلطنة لاهتمام بما يجري في أوروبا، فأصبحت مسألة تعيين السفراء المقيمين في أوروبا من الأولويات "وغدت السفارة لا تقتصر على العدد المحدود بل أصبحت تضم موظفين كبارًا عهدت إليهم بمهام محددة سلفًا" (ص 23  -  24). كما أنهم مطالبون بتقديم تقارير عن مشاهداتهم أماكن زيارتهم في أوروبا. لقد اقتنعت الدولة العثمانية أن أوروبا (دار الكفر) أصبحت قوة كبرى تتجاوز السلطنة في مج لات عدة: سياسية وعسكرية واقتصادية. ولذلك، سعت للاستفادة مما يجري في أوروبا؛ بحيث اجتهدت النخبة العثمانية المثقفة في كتابة تقارير تتضمن انطباعاتها حول أوروبا، أمثال قوجي بك، وحاجي خليفة، ومحمد أفندي وآخرين. واستطاع هؤلاء أن يلامسوا، إلى حد ما، أسباب تقدم أوروبا، ومن ثم إطلاع الحكام العثمانيين على ذلك. إن محمد أفندي صاحب السفارتنامه رجل دولة بامتياز؛ فوالده من صفوة السلطة العثمانية، وكان يتميز بوضع اجتماعي خاص، فهيأ لولده الظروف الملائمة للتكوين والعمل في المناصب العليا، "والتحق بمدارس البلاط حيث يذكر السلطان في رسالة اعتماده أنه" ربي في بيتنا العامر "ثم التحق بصفوف لانكشارية، وتسلق المناصب العسكرية حتى بلغ رتبة بيك باشي (قائد الألف)، وتقلد وظائف سامية مثل وظيفة ناظر الطوبخانه" (28  -  29.) إن هذه الشخصية المولودة في أدرنة التركية عام 1670، بحسب تقدير بنحادة، اكتسبت هذه المكانة بفضل التكوين الرفيع في العلوم الشرعية والمالية، "وفضلً عن كونه موظفًا عسكريًا كانت له خبرة دبلوماسية عندما عين وزيرًا مفوضًا ثانيًا في البعثة التي قادت مفاوضات باساروفيتس" (ص 28  -  29)، وهي المناسبة التي مكنته من نسج علاقات مع بعض الشخصيات السياسية الأوروبيّة؛ يشهد له بذلك انسجامه الكبير مع البروتوكول الفرنسي على أثر تعيينه سفيرًا في فرنسا، وتمكنه، وبطريقة سلسلة، من تجاوز كل المشكلات الدبلوماسية السابقة بين فرنسا والدولة العثمانية؛ فعُدّ، بحق، دبلوماسيًا محنكًا راكم تجربة وخبرة كبيرتين. كما تمكن من نيل تقدير رجال الدولة العثمانية واحترامهم، كالصدر الأعظم إبراهيم باشا وأمير البحر وأمراء بعض الولايات العثمانية حول البحر المتوسط. وكان، كما يقول بنحادة، "متمكنًا من خبايا السياسة الأوروبيّة للدولة العثمانية [...] وملمًّا بجزئيات العمل البيروقراطي العثماني" (ص 28  -  29.) وعلى الرغم من غياب ظروف سفارة محمد أفندي إلى فرنسا في السفارتنامه أو غيرها من المصادر العثمانية، وملابساتها، فإن الملاحظ أن الترتيب للسفارة خضع لترتيبات سرية دقيقة "بسبب حساسية توجيه سفير مسلم إلى بلاد الكفر" (ص. 30). لكن قناعة محمد أفندي بالسفارة كانت كبيرة، فاختار لرفقته ابنه محمد سعيد الذي كان يتميّز باطلاع واسع وانفتاح كبير على الثقافة والحضارة الأوروبيتين. تكونت السفارة من خمسين فردًا، كان منهم ابن السفير "موظفًا في السفارة برتبة ديوان أفندي."

وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي كانت تجتازها فرنسا، والمتمثلة في مشكل الوصاية على وارث حكم لويس الرابع عشر، والأزمة المالية الصعبة، ومعارضة بعض المسؤولين الفرنسيين استقبال السفارة العثمانية؛ فقد وصل السفير العثماني أحمد أفندي إلى فرنسا في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1720، بحيث سارعت الدولة الفرنسية إلى استقبال سفارته وتوفير ظروف إنجاحها، حفاظًا على مصالحها التجارية والدينية في الشرق العثماني. استغرقت الرحلة سنة كاملة (1720  -  1721)، ومكث السفير في باريس نحو ستة أشهر (148 يومًا)، استغرقها في المشاهدة والزيارات وحضور المناسبات الرسمية. وعند انتهاء المهمة، والعودة إلى إسطنبول، دوَّن رحلته السفارية غير المعتادة، ف "كان لها تأثير على الفاعلين السياسيين، بل [...] إن التقرير السفاري فتح الباب أمام المدنية الأوروبيّة. غير أن التيار التغريبي الذي فتحته الرحلة، وكان محمد أفندي أحد رموزه لقي مقاومة عنيفة في الأوساط العثمانية" (ص. 33)؛ مقاومة سعت بكل ما أوتيت من قوة للتخلص من الصدر الأعظم إبراهيم باشا ونفي السفير محمد أفندي إلى قبرص، حيث مات عام 1732. تتوزع رحلة السفير محمد أفندي على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى، السفر من إسطنبول إلى باريس: وتتضمن ظروف السفر في البحر الأبيض المتوسط والأحوال الجوية المضطربة به، ومشكل الوباء الذي صادفه في جنوب فرنسا، وإجبارية الحجر الصحي. واضطراره إلى استعمال قناة لانغدوك التي عدّها إنجازًا كبيرًا لتسهيل التنقل والحركة التجارية في البلاد. المرحلة الثانية، الإقامة في باريس (النسخة العربية لا تتضمن إلا الجزء الثاني المخصص لوصف باريس)، فقد ركز خلالها في وصف المدينة ومعالمها ووسائل التنقل فيها. المرحلة الثالثة، العودة من باريس إلى إسطنبول، وتناول فيها السفير ظروف العودة في خمسة وخمسين يومًا، زار خلالها مدينتَي ليون وسيت، ومنهما إلى تونس ومالطة. أما مضامين الرحلة فتقوم على ثلاثة عناصر أساسية، يلخصها الكاتب في لانبهار و لافتتان بالمنجزات العصرية بفرنسا، والتحسر على الأوضاع التي آلت إليها الدولة العثمانية، والدعوة غير المباشرة إلى اعتماد النموذج الفرنسي.

أولً: في السياسة والنظام السيايس

صادفت رحلة السفير محمد أفندي إلى باريس وضعية سياسية استثنائية، تتلخص في انتقال الملك من المتوفى لويس الرابع عشر إلى لويس الخامس عشر الذي لم تكن سنه تتجاوز أحد عشر عامًا. وبحسب نظام الحكم الفرنسي، فإن الوضعية تفرض تسليم الحكم للوصي؛ ما أثار انتباه السفير لكون الموضوع موضوعًا جديدًا وليس له مثيل في الدولة العثمانية. وهي المقارنة التي تنتقد ضمنيًا عسر انتقال الحكم الذي تصاحبه لاضطرابات والأزمات في الدولة العثمانية. كما أولى السفير الملك اهتمامًا خاصًا، فقدم إليه وصفًا دقيقًا؛ "لقد كان عمره أحد عشر عامًا [...] ولكنْ قدره مناسب وأعضاؤه متساوية وخصوصًا شعر رأسه كان في الغاية والنهاية" (ص 35  -  36). وقد جاء هذا الوصف بعد سلسلة من اللقاءات التي أتيحت للسفير محمد أفندي (الصيد و لاستعراض وحفل الغداء). وفي كل مناسبة من هذه المناسبات تكون فرصة للحديث عن بروتوكول استقبال السفراء، وقاعة لاستقبال، وجمال الملك ولباسه الرفيع.

وأثناء الحديث عن نظام الحكم الفرنسي، أولى السفير علاقات القرابة التي تجمع النخبة السياسية في فرنسا اهتمامًا خاصًّا. كما لاحظ العدد الكبير للوزراء والمهمات الموكلة إليهم، وهو ما أثار إعجاب السفير الذي يستحضر في هذا المجال تمركز السلطات بين يدي الصدر الأعظم والسلطان. كما اهتمّ اهتمامًا خاصًّا بوزير الخارجية والمهمات التي تقوم على "فحص إمكانيات توقيع اتفاقيات السلم، والسهر على شؤون التجارة والتفاوض مع السفراء والأمراء الأجانب، وتسمية السفراء الذين يمثلون فرنسا في الدولة العثمانية" (ص 37  -  38). ويترجم هذا لاهتمام رغبة السفير في اعتماد النموذج الأوربي في تدبير الشأن العام، وفي تجاوز المركزية المطلقة التي كانت تقوم عليها السلطنة. ومن الملاحظ أن السفير العثماني أولى الهدايا اهتمامًا خاصًّا بوصفها بروتوكولً ضروريًّا يعكس مكانة الدول؛ فإذا كانت الهدايا العثمانية تهدف إلى إبراز عظمة السلطان العثماني، فإن الهدايا الأوروبيّة لم "تكن تكتسي معنى ماديًا بقدر ما كانت تترجم الثقافة الأوروبيّة ومستوى الإبداع العلمي والتكنولوجي الذي بلغته أوروبا" (ص. 39)

ثانيًا: يف المجتمع والبنيات التحتية

تزامن وجود السفير العثماني في فرنسا مع انتشار وباء الطاعون، وهو ما خلق لديه اهتمامًا خاصًّا، بدءًا من مدينة مرسيليا، حيث أكبر الخسائر الديموغرافية (سبعة آلاف ضحية). وبالنظر إلى خطورة المرض، يستعرض السفير احتياطات الوقاية منه من خلال اعتماد الحجْر الصحي القائم على منع دخول الأجنبي الآتي من الأرض الموبوءة إلا بعد مرور 30 يومًا أو 40. والمثير للانتباه أن تجاوب السفير محمد أفندي مع هذا النظام كان تلقائيًا، خلافًا للسفراء السابقين الذين تعاملوا معه بحساسية قائمة على التمييز ونوع من الإهانة للدولة العثمانية. ويمكن عدُّ هذا التفهّم من السفير محمد أفندي وعيًا متقدمًا، نظرًا إلى إحاطته بالثقافة الأوروبيّة في هذا المجال. وفي فرنسا (تولون)، استرعت الحشود الغفيرة من الفرنسيين والفرنسيات الذين يحتشدون في الشوارع بغرض لاستقبال واكتشاف الضيف الغريب القادم من دولة لانكشارية انتباه السفير العثماني؛ ذلك أن شكل الأتراك شغل حيزًا كبيرًا في تمثلّات الفرنسيين (اللباس والعادات)، وهو ما دفعهم إلى إنتاج صورة نمطية stéréotype عن الأتراك. وتعرف المرأة الفرنسية حضورًا قويًّا عند السفير؛ فقد لفت انتباهَه الحضور المكثف للنساء في المجتمع الفرنسي، خصوصًا في حفلات لاستقبال؛ ف "إكرام النساء سابق على إكرام الرجال"، فضلً عن الحرية التي تتميّز بها الفرنسيات، فعدَّ "الولاية والحكم في هذا البلد هو للنساء" (ص 41  -  42). كما أن المرأة حاضرة بقوة في الحياة العامة، ويرجع السفير لاكتظاظ الذي تعرفه شوارع باريس إلى "الحضور القوي للمرأة التي لا تمكث في بيتها وتقضي اليوم كله في التنقل من بيت إلى بيت" (ص 41  -  42). إن هذه الملاحظات لم تمنع السفير من المجاهرة بإعجابه بالنساء الفرنسيات، بل بالتصريح بإعجاب النسوة الفرنسيات بالسفير ذاته، والحرص على زيارته "فأكثر من كان يفد عليه للزيارة النساء." لم يخف السفير محمد أفندي انبهاره بدينامية المجتمع الفرنسي؛ فقد أشاد بالبنى التحتية من طرق وقنوات تمكن "من الربط بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي دون السفر لا برًا ولا بحرًا" (ص. 43). إن هذا لاهتمام المكثف لا ينتهي عند الإعجاب، بل يتجاوزه إلى التطلع إلى اتباع النهج نفسه داخل الدولة العثمانية من خلال لاهتمام بالبنى، كالطرق والقناطر والجسور العالية، بغرض تطوير التجارة. وعلى الرغم من انتماء السفير إلى مدينة عالمية كإسطنبول، فإنه أعجب بالعمران الفرنسي فأولى البنى في باريس اهتمامًا خاصًّا، وأجرى مقارنات بين المدينتين، "وحاصل الأمر أنني رأيت مدينة باريس في السعة والبناء أكبر من مدينة القسطنطينية [...] لأنني عاينت

أكثر البيوت [...] وفيها من الأمم والخلق ما قد شرحناه. وما رأيت مكانًا خاليًا من الناس ولا من السكنى في الدور والخانات والدكاكين والأسواق مع أني شاهدت في لازدحام في أسواقهم مع رجالهم وصبيانهم وغلمانهم شيئًا مبالغًا فيه" (ص. 44). والملاحظ أن مقارنات السفير تتجاوز الجوانب الديموغرافية إلى الجوانب الطبيعية كتشبيه نهر السين بمضيق البوسفور في إسطنبول. إلا أن باريس تتميز بارتباط أجزائها بالجسور والقناطر؛ ما يسهل عملية التحرك داخل المدينة بيسر. ومن جهة أخرى، يسجل السفير اختلاف طرق البناء بين المدينتين؛ ففي الوقت الذي تبنى الدور في فرنسا بالحجارة المنحوتة، فإنها تبنى في إسطنبول بالخشب وهو ما يعرضها للحرائق.

ثالثًا: يف الثقافة والعلوم والتقنيات

احتل الحديث عن الثقافة في فرنسا مساحة كبيرة في رحلة السفير، وعكس من خلال ذلك، لانبهار و لافتتان بالحياة الثقافية في فرنسا مع لانتباه إلى تعارض هذه الثقافة مع ثقافة السلطنة العثمانية. وعلى الرغم من ذلك، فإن السفير حرص على نقل ما عدّه جديدًا وعجيبًا ولخّصه في مستويين، الأول: القصور والمتاحف. والثاني: المنشآت الثقافية (الأوبرا.) المستوى الأول: تمكن محمد أفندي من زيارة أهم قصور باريس، خصوصًا سان كلو وفرساي؛ فبالنسبة إلى الأول، انبهر بهندسته وجمال جدرانه وغرفه المكسوة "بأنواع الثياب المقصبة الخالصة ومزينة بالأوان المتحفة والتفاريق والغرايب والعجايب". كما توقف طويلً عند حدائق القصر المزينة بنافورات عجيبة. أما الثاني، وهو قصر فرساي، فقد عدّه من أعاجيب الدنيا، كما اعتذر عن عدم تمكنه من وصفه لأنه يفوق الخيال، "وإني لقصير اللسان ومتعذر البيان في أوصافها الجميلة وأنواعها البديعة ولا القيل عنها لأنها أعجب شيء يوجد في العالم وكل إنسان يصفها بأي نوع كان فهو كاذب لأن شرح وصفها لا يمكن إطلاقًا" (ص. 46). والأمر نفسه يتكرر مع باقي القصور الأخرى، كقصر مدون، وقصر تريانون الذي بناه لويس الرابع عشر. المستوى الثاني: ويتعلق بدار الأوبرا غير المألوفة في السلطنة، كاحتف لات عمومية مختلطة. فالأوبرا بالنسبة إلى السفير تعدّ "منتجًا ثقافيًا فرنسيًا صرفًا ولا صلة له بالتجربة الثقافية العثمانية"، وما يعرض فيها غريبٌ تصعب حكايته، بل تصديقه. وفضلً عن ذلك، اهتم السفير بالبناية وشكلها الخاص وجمالها الذي يمتنع عن الوصف وطريقة تدبير أمورها. وهي، أي الأوبرا، مفتوحة في وجه العموم ولكل الفئات لاجتماعية. كما تحضرها النساء بكثافة. ولم تكن حفلات الأوبرا الوحيدة التي حضرها السفير، بل دُعي إلى حفلات عدّة في قصر الملك، فأفاض في الحديث عن تلك لاحتف لات، وما فيها من الرقص الجماعي لخاصة القوم من الأمراء والنبلاء وكبار العسكريين، فضلً عن الآلات الموسيقية الكثيرة والمختلفة التي عبر عن رغبته في إدخالها إلى إسطنبول. كان الهدف من سفارة محمد أفندي إلى باريس الوقوف على التطورات العلمية والتقنية التي يمكن الدولةَ العثمانية اعتمادها للخروج من التخلف وتحقيق لازدهار والتقدم اللذين حققتهما الدول الأوروبيّة. ولهذا الغرض ركز السفير العثماني في جانبين: الأول عسكري، والثاني تقني. أما الأول فهو حيوي للدولة العثمانية، وهو مستوى من مستويات التفاوت بينها وبين الدولة الفرنسية، فكان لدى الدولة العثمانية اقتناع بأن تراجع السلطنة يعود إلى تدني مستواها العسكري، وخصوصًا أنها عجزت طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر عن تحقيق أي انتصار. وفي الحصيلة، اعتنى السفير بالجوانب العسكرية كالتدريبات والمستشفى العسكري و لاستعراض... إلخ. لقد مثّل حضور السفير لاستعراض العسكري في باريس مناسبة للإشادة بالنظام وبانضباط الجيش، "حتى كنت أنظر إليهم متعجبًا لأن حركتهم مع كثرتهم كأنها حركة شخص واحد" (ص. 50)، مدعمين بالأجهزة الحربية والمعدات المختلفة. كما أثنى على لاعتناء

بالجيش وعلى المستشفى المخصص لهم، وقد انبهر بنظافة الأسرّة والأفرشة والتجهيزات الطبية والطاقم الطبي والأدوية الخاصّة بعلاج المرضى والمعطوبين من العساكر. أما الثاني، فهو تقني، مرتبط بالتطورات العلمية، ويعكس المستوى الحضاري الذي حققته الدولة الفرنسية. وقد فصّل السفير حديثه عن بعض المنشآت التكنولوجية، مثل المرصد الفلكي وآلات رصد حركة الأفلاك وأخرى لرفع الماء من أسفل إلى أعلى، إضافة إلى المرايا والمنظار الكبير لمتابعة حركة النجوم في النهار. لقد كان انبهار السفير شديدًا أثناء زيارته متحف التاريخ الطبيعي كمَعْلَمة علمية ضخمة. فقد زار قسم التشريح والطب والنبات، فوقف عند قسم التشريح المخصص للحيوانات والطيور وغيرها، وقسم تشريح جثة الإنسان "المجردة من لحمها [...] بحيث ترى عيانًا جميع الأعضاء الواحد بعد الآخر، وعملوا من الشمع العسلي لحمًا وعروقًا ومفاصل مفترقة عن بعضها البعض"، وهي موجهة إلى التدريس والتلقين. كما زار الجناح المخصص للطب، فأسهب في الحديث عن الأدوية المخصصة لعلاج العلل والأمراض جميعها وصناعتها، كما أثنى كثيرًا على جهود العلماء في هذا المجال. أما في القسم المخصص للنباتات، فقد اهتم بالأعشاب الموجودة فيه، والمجلوبة من كل بلاد العجم؛ فهي تُغرس ويُعتنى بها في بيوت فلاحية من زجاج بغرض توفير الشروط الطبيعية والبيئية لنموها. وب لاعتماد على الروايات الفرنسية، زار السفير المكتبة الملكية واندهش من العدد الكبير من المخطوطات العربية الموجودة فيها، ومنها نسخ من القرآن الكريم، فضلً عن كتب نادرة أخرى، كتاريخ الكتاب المقدس. كما تلقّى السفير هدية قيمة من الفرنسيين، وهي طبعة قديمة للأعمال الكاملة لأرسطو مترجمة إلى اللغة اللاتينية، وبمناسبة ذلك، صرّح برغبته في العمل على إقناع الصدر الأعظم بإنشاء مؤسسة خاصة بالطباعة ومكتبة (ص. 52) ما من شك أن رحلة السفير محمد أفندي إلى فرنسا تمثِّل حدثًا استثنائيًا بالنسبة إلى العثمانيين والفرنسيين على السواء، وقد رصد بنحادة اهتمامات الفرنسيين بالرحلة؛ وتجلى ذلك بالنسبة إلى الصحافة كمجلة Mercure Nouveau Le الواسعة لانتشار، والتي تتبعت تفاصيل رحلة السفير يوميًا، وفيها تفاصيل لا نجدها في رحلة السفير. كما لفتت الرحلة انتباه المثقفين الفرنسيين الذين أبدوا اهتمامًا بتفاصيل الزيارات و لاستقب لات الرسمية، وبالقضايا ذات لاهتمام المشترك كقرار تدريس اللغتين العربية والتركية بفرنسا. واهتم رجال السياسة والإدارة أيضًا بالرحلة؛ فكتبت حولها تقارير ركزت على السفير من حيث شخصيته وثقافته وتصرفاته وعلاقاته بمكونات المجتمع الفرنسي وخصوصًا النساء. كما ركزت على الأتراك، إذ تعكس في مجملها الصورة التي تألّفت لدى الفرنسيين خلال مراحل تاريخية طويلة، تتميز بالنمطية والنظرة الغرائبية. أبدى بنحادة اهتمامًا كبيرًا بامتدادات السفارة العثمانية إلى فرنسا بعد انتهائها وعودة السفير إلى إسطنبول وتسليم تقريره إلى الصدر الأعظم إبراهيم باشا وتعميمه على النخب السياسية والثقافية للبلاد. ومن خلال هذه العملية يرصد المؤلف ردود الأفعال التي واجهت الرحلة، وخصوصًا المشككين والرافضين والمطالبين بنفي السفير والوفد المرافق له. لقد فتحت الرحلة أعين المسؤولين العثمانيين على ما أصبحت عليه (فرنسا)، وعلى المنتوجات الصناعية المتوافرة فيها كالنظارات الزجاجية، والسجاد، والمجاهر (الميكروسكوب)، والمرايا والساعات واللوحات وغير ذلك.

كما ساهمت الرحلة في الدفع بالمسؤولين العثمانيين إلى تبني مشاريع مشابهة لما هو موجود في فرنسا، مثل: اقتراح إنشاء قناة لتسهيل حركة المرور والتجارة، وإدخال النمط الفرنسي في البنايات واعتماد النافورات في بعض الساحات العمومية في إسطنبول. ومن خلال النظر إلى سرعة اندماج ابن السفير العثماني محمد سعيد أفندي في المجتمع الفرنسي واستيعابه السريع للّغة والثقافة الفرنسيتين، نجد أن ذلك ساهم في اهتمام العثمانيين باللغة الفرنسية وفي اتخاذ قرار تعليمها في مدارس البلاد، خصوصًا بعد إقناعهم أن تعليم اللغة الفرنسية "يعتبر بمثابة المفتاح للاطلاع على المنجزات العلمية الفرنسية" (ص. 52) وفضلً عن اللغة، ساهمت الرحلة في إدخال وسائل تكنولوجية جديدة، مثل الطباعة؛ فقد عمل ابن السفير على إقناع السلطات العثمانية بأهميتها، وهو ما تحقق له، فطبعت كتب عدّة، كالقواميس وكتب الجغرافيا والخطط العسكرية. أما بخصوص الجانب العسكري، فقد جرى عدّ الجيش الفرنسي أحد أقوى الجيوش الأوروبيّة، ومن ثم كانت المطالبة بتبني السياسة الفرنسية في هذا المجال. فقد استغلت السلطات العثمانية وجود أحد النبلاء الفرنسيين، ويُدعى الكونت دو بونفال، في أراضيها لإصلاح سلاح المدفعية وإنشاء مدرسة عسكرية في إسطنبول. أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد تحولت سفارة محمد أفندي إلى ما يشبه خريطة طريق للسفراء الذين جاؤوا من بعده؛ إذ انصب لاهتمام على وصف التقدم العلمي والتكنولوجي والحضاري الأوروبي، بل تطورت الكتابة بعد ذلك إلى اهتمام أشدّ بالظواهر المميزة للمجتمعات الأوروبيّة وتحليل معطياتها، مثل حالة أحمد رسمي أفندي، وحالة عزمي أفندي الذي زار برلين، إذ اهتم بالإدارة في بروسيا، والمناصب العليا في الدولة، وكيفية "تخزين المؤن، والنظم العسكرية، ومخازن الذخيرة، وترسانات المدفعية". والأمر نفسه بالنسبة إلى أبي بكر راتب أفندي الذي زار فيينا على عهد السلطان سليم الثالث، وتحدث في رحلته عن "أسس وخطاطة النظام الجديد والإيراد الجديد اللذين اعتمدتهما الدولة العثمانية في الإصلاحات العسكرية والمالية التي أقدمت عليها" (ص. 64)1. وقد توالت السفارات بعد ذلك للهدف نفسه، وهو لانفتاح أكثر على الدول الأوروبيّة، والأخذ بتجاربها، خصوصًا بعد أن اعتمدت الدولة العثمانية سياسة السفير المقيم، مثل علي مورالي غداة الثورة الفرنسية (1789)، وعبد الرحيم محب أفندي (1806  -  1811)، الذي كتب تقاريره على منوال محمد أفندي.

خاتمة

لقد أولى المحقق الرحلة اهتمامًا وعناية خاصين، فتتبع الملابسات كلّها المحيطة بالنص المحقق في علاقته بالنصوص الأخرى للرحلة الفرنسية والعثمانية و لاختلافات بينهما، وهي الملابسات التي تلقي أضواءً كاشفةً، وبتدقيق كبير، على السياق العام والخاص لرحلة السفير محمد أفندي ومضامينه، خصوصًا ما تعلق بوصف معالم باريس المختلفة، وعلاقة السفير بالمجتمع والثقافة الفرنسيين، فضل عن امتدادات النص، سواءٌ بالنسبة إلى الفرنسيين أو العثمانيين؛ ما يجعل من العمل دراسة وافية عالجت بطريقة أكاديمية قضايا الرحلة كلّها، فلم تكن تحقيقًا وحسب. حظي نص رحلة محمد أفندي باهتمام بالغ لدى الفرنسيين. ومما يعكس ذلك؛ قيام السفير الفرنسي في إسطنبول بترجمة متن الرحلة إلى الفرنسية في صيغتها المختصرة والمطولة (ترجمها: Galland. C. J). ويلاحظ بنحادة أن الترجمة الفرنسية، على الرغم من جودتها، خضعت لتعديلات أدخلها السفير الفرنسي دو بوناك، خصوصًا في المقاطع التي عدّها مسيئة لفرنسا.

  1. أجرى بنحادة مقارنة بين رحلة محمد أفندي وعبد الرحيم محب أفندي وقف خلالها على أوجه التشابه و لاختلاف بين النصين.

وبخصوص النصوص العثمانية للرحلة، فإنها تصل إلى اثنتي عشرة نسخة، تتوزع بين المكتبات العثمانية والأوروبيّة، ونشرت ثلاث مرات (تاريخ راشد 1865 و 1866 والأخيرة 1889). أما في الفترة المعاصرة فقد اهتم المؤرخون العثمانيون بالرحلة وترجموها إلى اللغة التركية. أما على المستوى العربي، فيرجع الفضل في إظهار النسخة العربية إلى الأستاذ بنحادة الذي اكتشف الترجمة العربية للرحلة وهي محفوظة بمكتبة هوغتون بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأميركية، وتحمل عنوانًا بالعربية، هكذا: في بيان ما ذكره محمد أفندي الإيلجي المرسول من طرف الدولة العلية إلى فرنسا وما شاهده هناك. إلا أن ما يؤخذ على هذا النص، بحسب بنحادة، غياب تاريخ الترجمة، والناسخ واسمه، واقتصارها على القسم الأول والأخير من الرحلة، أي التركيز في وصف معالم باريس. كما أنها مبتورة النهاية، فضلً عن تعرضها للقطع والحذف، إلا أن معالجة بنحادة للنص من خلال المقارنة وإعادة بنائه باعتماد النصين العثماني والفرنسي مكنتنا من نسخة عربية محققة مدعومة بملحقين، يسهلان قراءة النص، الأول بعنوان: "قبل الوصول إلى فرنسا "، والثاني بعنوان: "طريق العودة"، وذلك ب لاعتماد على النص العثماني الذي نشره أوجمان، والنص الفرنسي الذي نشره جيل فانستين. كما أن المحقق لم يفوت الفرصة للوقوف على العنوان الذي تحمله الرحلةجنة الكفار، وما يثيره من تساؤلات؛ ما دفع به إلى إثارة لانتباه إلى أن العنوان الأصلي للرحلة هو فرانجه سيفارتنامه (سفارتنامه إلى فرنسا). وأن العنوان جنة الكفار هو من وضع الباحث الفرنسي جيل فانشتين الذي يبرر اختياره بما "تردد في النص السفاري نفسه من عبارات تفيد أن باريس ومعالمها تعتبر جنة فوق الأرض من جهة، وعلى ما كان سائدًا داخل الأوساط العثمانية من أن عالم القرن الثامن عشر هو جنة للكفار وجحيم للمسلمين"(ص  76  -  77)2. والقصد من ذلك إبراز الأزمة التي كانت تعانيها الدولة العثمانية بدءًا من القرن الثامن عشر (جحيم المسلمين). كما يبرز رغبة العثمانيين في تحويلها إلى التقدم الذي حققته أوروبا خلال الفترة نفسها، معلنة بذلك عن التجاوز والتفاوت الحضاريين بين الجانبين، إنها بالفعل الرغبة في الدخول إلى "جنة الكفار." لا شك في أن الكتاب له قيمة كبيرة تتجلى في نوعية النص المحقق، وسياقه التاريخي، وفي التطور الذي عرفته الرحلة السفارية العثمانية خلال القرن الثامن عشر، وفي المضامين التي يقدمها. لكن النسخة العربية للرحلة تعكس أيضًا، كما قال خالد زيادة، "اهتمامًا عربيًا مبكرًا بالمعطيات التي انطوى عليها التقرير لجهة تعريفه بالحياة الفرنسية وجوانب التقدم الذي أحرزه الفرنسيون في المج لات العسكرية والصناعات والفنون والعمران، فضلً عن وصف العادات الفرنسية وحضور المرأة في المجال العام." لقد وفر لنا بنحادة نصًا محققًا ودراسة متكاملة؛ ما يسمح بإجراء مقارنات بين نصوص مثيلة ليست بالضرورة عثمانية، وإنما تنتمي إلى مج لات عربية، كالمغرب مثلً، كانت معنية بالتحولات التي عرفها المجال المتوسطي مطلع القرن الثامن عشر، بهدف الوقوف على نقاط التشابه و لاختلاف، وفهمٍ أرحب للأزمة الحضارية التي يتخبط فيها العالم العربي منذ تلك الفترة.