Return to Article Details “On the National Imaginary and the Birth of Nations: the Case of Lebanon”

في التأريخ للتحولات المتخيَّلة أصولًا للدولة: النموذج اللبناني مثالًا

“On the National Imaginary and the Birth of Nations: the Case of Lebanon”

وجيه كوثرانيWajih

Kawtharani

الملخّص

أنطلق في رؤيتي للتجربة اللبنانية وخبرة دراستها بوصفها "تأريخًا" (أي معطيات) أو خطاب تاريخ، من التذكير بمعطيات لا بُدّ من الانطلاق منها تيسيرًا للتفسير والفهم، ولا سيّما للبعيدين نسبيًا عن معرفة مباشرة لتاريخ المشرق، وخاصة تاريخ لبنان المركب نسبيًا. تتردد في الهيستوريوغرافيات اللبنانية، على اختلاف مواقعها واتجاهاتها، مفردات ومفاتيح ومصطلحات ينبغي تعريفها لنتبيّ كيف تُستخدم في مختلف الخطابات التاريخية اللبنانية، وبأيّ طريقةٍ ومعنًى؟ ومن هذه المفردات: الإمارة اللبنانية بأسرتيها المعنية والشهابية (آل معن وآل شهاب)، ونظام الالتزام، ونظام المقاطعجية، ومتصرفية جبل لبنان، ودولة لبنان الكبير، والميثاق الوطني، وميثاق الطائف، والطائفية السياسية، والديمقراطية التوافقية.

Abstract

“On the National Imaginary and the Birth of Nations: the Case of Lebanon”

الكلمات المفتاحية:
  • لبنان
  • خطاب التاريخ
  • تاريخ المشرق
  • الدولة
Keywords:
  • On the National Imaginary
  • the Birth of Nations
  • the Case of Lebanon

النموذج اللبناين مثال

تصوراتها للبدائل المتوقعة أو المرجوة لما بعد انهيار الهيكل الإمبراطوري للسلطنة العثمانية.

خريطة سايكس – بيكو المرسومة بين الفرنسيين والبريطانيين في عام 1916.

مهاجرًا ينشط في القاهرة أو باريس أو لندن أو في الأميركتيَن.

من العثمانية إلى الدولة البديل؟

حسين"، وبلغة القومية العربية الناشئة ب "الثورة العربية الكبرى"، وحلمها الدولة العربية الواحدة.

قديمة غير محددة المعالم والحدود ومتداخلة في أراضيها وسكانها.

The Case of Lebanon

منذ أخذت عملية تفكُّك بنيان الدولة العثمانية أو تفكيكها مجراها في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، ولا سيما خلال مسار الحرب العالمية الأولى، ثمَّ خلال مسار تداعي نتائجها، كما ظهرت في مؤتمر الصلح في باريس، كانت نخبٌ عربيّة مشرقيّةٌ ذات منشأ مدينيٍّ، وذات مواقع اجتماعية غالبها ينتمي إلى أبناء أعيان وتجّارٍ، ومعهم صحافيون وكتاب ومحامون وأطباء، تُقدِّم

على أن تصورات هذه النخب لم تكن هي المخططات المحددة لما سيُسم من مصائر، وإنْ كانت موضع دراسة أو اطلاعٍ عليها في مطابخ السياسات الدولية الكبرى؛ حيث كانت تُرسم المخططات الفعلية، بصورة خرائط لمناطق نفوذ وترسيم حدود. وكانت تتم معالم الترسيم أو نقاط ارتكازها، على نحو رئيس، وفقًا للمعالم التالية: معلم خريطة سكك الحديد والمرافئ والموانئ، ومعلم كثافة لاستثمارات وتمركز التوظيفات في الأسواق وأماكن المواد الأولية، ومعلم ظهور النفط وآباره. وكما حصل عندما ظهر النفط في الموصل فغيّ ذلك

أُشبِع مثل هذه المخططات درسًا، ومن خلال أرشيفات الدول المُخَطِّطَة. على أنّ ما يعنينا في هذه الورقة، هو البدائل الفكرية التي كانت تدور في أذهان النخب العربية المشرقيّة، والتي كانت تنشط في مدن كبيروت ودمشق وبغداد والبصرة والقدس أو التي كان بعضها وكان اللافت في صياغة هذه البدائل وفي أشكال التعبير عنها أنها تقدم تصوراتٍ لنموذج الدولة البديل. فما أوجه التبدل المتصوّرة

نقرأ في هذا التبدل نموذج دولةٍ ملكيّةٍ عربيةٍ مشرقيّةٍ، من تعبيراتها ما عُرِف آنذاك في لغة الدبلوماسية الغربية ب "مشروع الشريف ونقرأ أيضًا في سياق التبدل نموذجًا لدولٍ قُطرِيةٍ تستقي تسمياتها من قاموس الجغرافيا التاريخية للمنطقة، سواء من الجغرافيا – التاريخية الإسلامية، أو من جغرافيا الأقاليم والأماكن، كلبنان والعراق وسورية وبلاد الشام... إلخ. وكلها تسميات لجغرافيات تاريخية

  1. مؤرخ والمدير العلمي للإصدارات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. Historian and Publication Manager of the Arab Center for Research and Policy Studies.

وإذ نقرأ تفاصيل هذه المشروعات في أدبيات من اقترحها أو تصوّرها، نرى أنّ مرجعية الأصل فيها هي مرجعية الدولة - الأمة منقولة عن صيغة Nation – État ' L، ومتمثلة بالوعي المحليّ صورةً يتم إسقاطها إمّا على "أمة عربية" - كانت في التصوّر آنذاك هي بلاد الشام والعراق والجزيرة - أو أمة سورية، أو عراقية، أو لبنانية. وهكذا تجري ترجمة كلمة Nation ب "أمة"، ويجري ربطها بقومٍ أو إثنية أو طائفةٍ وبمشروع دولة؛ مشروع يلتقي في حقله بوصفه أرضًا Territoire، ومُطال بين من الداخل (إثنية قومية أو طائفة دينية ذات حراك سياسي)، مع مُخَطِّطين أو مُحَبِّذين أو داعِمين من الخارج (قوى دولية ذات مصالح ونفوذ في هذه المنطقة أو تلك.) عندما أعلن الرئيس الأميركي مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، تدفقت على إثر هذا النداء مطالب الإثنيات والطوائف إلى مؤتمر الصلح، تطالب بكيانات سياسيةٍ لها في مناطقها، كما كان حال مطالب الأرمن والأكراد العرب، والسوريين، واللبنانيين، بل مطالب طوائف وعائلات. لا يسمح الوقت، ولا المطلوب في هذا الحديث والمقام، بأن نتحدث عن آليات هذا التلاقي أو التعارض بين مطالب قوى الداخل ومطالب القوى الخارجية (أي الكولونيالية) الذي حدث في سايكس – بيكو عام 1916، ووعد بلفور عام 1917، ثم سيناريوهات مؤتمر الصلح في باريس بين عامي 1918 و 1920، وصولً إلى معاهدة لوزان عام 1923 التي عُقِدت بين الحلفاء ومصطفى كمال مؤسس الجمهورية التركية ومهندسها. فالذي حدث هو التأسيس لمفهوم جديد للدولة. صحيحٌ أنّه كان بفعل السيطرة لاستعمارية، وبفعل إنهاءٍ قسريٍّ لمفهوم سلطاني - عصباني في لاجتماع السياسي العربي - الإسلامي الذي تغطّى بغلاف الخلافة الإسلامية. لكنه، بوصفه فعل تاريخيًّا مصيريًّا أُسِّس عبر لوزان لمفهومٍ جديدٍ في الهوية السياسية، هو مفهوم nationalité la، وكرّس وجود دول جديدة في المشرق ذات حدود -ٍتتماثل شكلً بالدولة الأمة، وتطمح نُخَبها في أن تقتبس مضمونها أيضًا. دخلت هذه الدول في نظامٍ عالميٍّ جديد، هو نظام عصبة الأمم؛ الأمر الذي يدفع بالمؤرخ إلى أن يُشبِّه لوزان التركية بمعاهدة وستفاليا الأوروبية. عودةً إلى البدائل الفكرية لدى النخب التي انتظمت راضيةً أو مُرغمةً في هذه الدول الجديدة، لنستقرئ الصور المتخَيلة أو المفترضة؛ لإنعاش ذاكرات تاريخية جماعاتية تُسوّغ نشوء هذه الدول أو تتخيّل مشاريع دول يبنى لها في الذاكرة مكانٌ وموقعٌ وحضور وانتماء في صيغة "هوية" وطنية أو قومية. أنتجت النخب التي انتظمت راضيةً أو مرغمةً، وظلت تحلم بدولة - أمة عربيّة، مؤرخين ما لبثوا أن بحثوا عن دولة قومية مفترضة في التاريخ، فوجدوها في مراحل أو أزمنة "ذهبيّة" قرؤوها دولةً – أمة عربية، تآمر عليها "الشعوبيون"، أتراكًا أو فرسًا، ثم جزّأها المستعمرون الأوروبيون لاحقًا. بدأت إرهاصات هذا النمط من التأريخ العربي في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم، ولكنّه تبلور في أعمال تاريخية شاملة، تتبع الأسلوب العلمي في التاريخ، بدءًا من الخمسينيات والستينيات، أيْ مع تبلور المشروع القومي العربي في مرحلة الناصرية والبعث، ويمكن أن نذكر عبد العزيز الدوري وصالح أحمد العلي مثاليَن على هذا النمط من التأريخ. أمّا النخب التي انتظمت راضيةً في دولها الجديدة، فأنتجت مؤرخين أو كتبةً في التاريخ، بحثوا أيضًا عن جذور لها في التاريخ تلائم مفهوم الدولة - الأمة أيضًا، وتُذكِّر بصيغة لاستقلال القومي أو الوطني، وتستجيب لما يُعتقد أنه استمرارية، ومواصفات أصالة وهوية دائمة، وذلك باسم دين أو فرقة أو مذهب أو خصائص لغة وحضارة. إذًا، في الحالين، شكَّل مفهوم الدولة – الأمة، عبر استعارته من المرجعية الغربية وإصباغ الصبغة المحلية عليه، الإطار المرجعي والمعرفي لبناء هيستوريوغرافيا محليّة مبررة لمشروع الدولة، أيْ للكيان السياسي القائم بحكم الأمر الواقع أو للكيان السياسي العربي المرتقب أو الموعود.

حاولت في هذه الورقة أنْ أقرأ هذا التمثُّل، أو هذا التشكُّل، في بعضٍ من صور الكتابة التاريخية اللبنانية التي أ نتِجَت في سياق تكوّن الدولة اللبنانية. ولا شك في أن فرضيات هذه الورقة ومادة معالجتها، سواء على مستوى البحث التجريبي (الوثائقي) أو على مستوى التفكير التاريخي المفاهيمي conceptualisante Histoire، سبق أن استغرقت مني أبحاثًا وكُتبًا نوّعت مقارباتها بين اهتمام بالتاريخ للتكوين التاريخي الحديث للبنان، و لاهتمام بطبيعة السلطة العثمانية عبر مراتب أنصبتها، من وسطاء السلطة المحليين إلى الهيئة السلطانية الحاكمة في بلاد الشام إلى متابعة عملية لانتقال ومأزمه، ومن لاجتماع السلطاني والعصباني إلى لاجتماع الوطني، إلى مباحث متفرقة حول قراءة خطاب الدولة والخلافة في مرحلة الثورة الكمالية التركية، إلى دراسة العلاقة بين الفقيه والسلطان في التجربة الصفوية الشيعية، كما في التجربة العثمانية السنية، ولأستخلص في هذه المسيرة المعرفية، مقاربات نقديّةً للكتابة التاريخية العربية والكتابة التاريخية اللبنانية، والتي انحبست أو حبست نفسها في همّ الأدلجة التاريخية للدولة - الأمة. علمًا أنّ هذه الصيغة مختلفٌ على مضمونها كما على حدودها، أيْ، بتعبيرٍ آخر، على جغرافيتها التاريخية كما على جغرافيتها البشرية والسياسية، وبتعبير لغة الدولة - الأمة، على السيادة الوطنية أو القومية وحدودها. وهذا ما فتح ويفتح باب البحث على أزمات الحدود، والخلاف على تبعية مناطق بعينها بين دولة عربية ودولة عربية أخرى. أنطلق في رؤيتي للتجربة اللبنانية وخبرة دراستها بوصفها "تأريخًا" (أي معطيات) أو خطاب تاريخ، من التذكير بمعطيات لا بُد من لانطلاق منها تيسيرًا للتفسير والفهم، ولا سيّما للبعيدين نسبيًا عن معرفة مباشرة لتاريخ المشرق، وخاصة تاريخ لبنان المركب نسبيًا. تتردد في الهيستوريوغرافيات اللبنانية، على اختلاف مواقعها واتجاهاتها، مفردات ومفاتيح ومصطلحات ينبغي تعريفها لنتبي كيف تُستخدم في مختلف الخطابات التاريخية اللبنانية، وبأيّ طريقة ومعنى؟ ومن هذه المفردات: الإمارة اللبنانية بأسرتيها المعنية والشهابية (آل معن وآل شهاب)، ونظام لالتزام، ونظام المقاطعجية، ومتصرفية جبل لبنان، ودولة لبنان الكبير، والميثاق الوطني، وميثاق الطائف، والطائفية السياسية، والديمقراطية التوافقية.

أولً: الإمارة ونظام المقاطعجية والالتزام

تُعدّ الإمارة نظام سلطة محليًّا يقوم داخليًا على الغلبة العائلية أو التغلّب العائلي، وفقًا للآلية نفسها التي يصفها ابن خلدون: عصبية نافذة تلحق بها عصبيات أخرى، إمّا ب لاستتباع وإمّا بالولاء. وتتم آلية اشتغال لاستتباع والولاء عبر علاقة جدلية مُركبة تنتج من "توليةٍ " أو تكليفٍ من جهة سلطةٍ مركزيةٍ عامةٍ هي "الدولة العامة" أو السلطنة الكبرى. وفي الحالة المشرقية - اللبنانية، الدولة العامة هي الدولة العثمانية. وتتكرّس عن طريق هذه التولية أو التكليف، سلطة محلية، تكتسب "شرعيتها" من مصدرَين: نفوذ عصبانيّ محليّ من جهة، وتكليف "شرعيّ سلطانيّ" من جهة أخرى. إلا أنّ ما يضمن لهذه الآلية استمراريتها وشروط اشتغالها، بوصفها سلطة، قيامها بعدد من الوظائف في النظام العلائقي المعتمد بين المركز والأطراف. يهم المركز أن تقوم السلطة المحلية بوظيفتين أساسيتين مقابل إسباغ الشرعية على "التكليف:" 1) جباية ضرائبية منتظمة لبيت المال، أيْ للخزينة المركزية يقتطع ممّا يجبى. 2) تحقيق أمنٍ محليٍّ، ولا سيما لطرق المواصلات والموانئ، وذلك عن طريق قوى محلية يؤمنها الأمير، رأس العصبية العائلية النافذة والمُكلفة والمُجمَع عليها بين العائلات ولاءً أو استتباعًا.

لكن هذه الآلية في اشتغال السلطة لم تكن سهلة أو ممكنة التحقق سلميًّا على الدوام. فقد كان لها شروطها الذاتية والموضوعية؛ فإلى جانب مدى القدرة والمهارة الذاتية لدى الأمير المحليّ، عليه أن يتعامل مع قوى محلية وإقليمية مجاورة من جهة، ومع نظام زراعي، أي طريقة في استثمار الأرض، ونظام إداري – ضرائبيٍّ خاصٍّ بجمع الضرائب، من جهة أخرى. وبالنسبة إلى هذه المسألة: تُعدّ الإمارة المحلية اللبنانية؛ إمارة جبل لبنان في المسمى الأيديولوجي اللاحق. ولكنها تُعدّ عمليًا إمارة متأرجحةً وزئبقيةً في حدودها الوظائفية كما في حدودها الجغرافية، أيْ في "نطاق" ما يمتد إليه نظام لالتزام الضرائبي جغرافيًا. ويُعد لالتزام طريقةً في جمع الضرائب، أيْ أن يلتزم الأمير جمع مبلغٍ معيّ من الضرائب سلفًا للخزينة المركزية، ويجمعه عن طريق مكلفين هم أصحاب المقاطعات، أيْ المُقطَع لهم شيءٌ من الأرض، ويسمون بالعامية اللبنانية "المقاطعجية". وهم غالبًا عائلات محلية ذات نفوذ وشوكة في القرى والأرياف، يشتغل لديها فلاحون وفقًا لعقود "المشاركة" في زراعة الأرض. ولما كانت هذه الوظائفية في مراتب السلطة، بدءًا من المقاطعجي المحليّ إلى الأمير الكبير، ليس لها حدود جغرافية؛ إذ تمتد جغرافيًا وفقًا لمنطق القوة، أيْ، بحسب مصطلحات ابن خلدون، وفقًا لما تملكه عصبية الأمير من قدرة على لاستتباع والإلحاق ل "مناطق" ما بعد جبل لبنان، ولمقاطعجيين جدد؛ قال أحد الأمراء (وهو الأمير فخر الدين المعني): "إن الإمارة والسلطنة ما هي إلا نقل تخوم"، أي إنّه لا معنى لسيادة وطنية أو قومية، أيْ لا حدود لسيادة دولة - أمة بالمعنى الحديث. ولذلك تُعدّ "الإمارة" بهذا المعنى، سلطةً ممتدة.ً ولمّا كانت هذه الإمارة هي في أساسها، وفي طبيعة انتظامها داخل هيكلية أو بنية السلطة المركزية أو الدولة العامة العثمانية هي "سلطة وسيطة"، أو "ولاية طرف" في تصنيف ابن خلدون للدول في التاريخ العربي الإسلامي، فإنها معرّضة، في كل امتداد أو توسّع أو استقواء، للاصطدام أو المغالبة مع سلطات وسيطة محلية أخرى، ومع ولاة معينين من جهة السلطان في مراكز الولايات الكبرى في المشرق العربي، مع والي دمشق ضمن ولاية سورية، أو مع والي طرابلس في ولاية طرابلس، أو مع والي صيدا الذي انتقل مركزه إلى عكا. يدور لاصطدام أو المغالبة التي قد تصل إلى حد التقاتل العسكري، بين الأمير المحلي والباشا العثماني (أي الوالي)، على نحو أساسي، حول حجم السلطة في النطاق الجغرافي، ولكن أيضًا، وأساسًا، حول الحصص في توزيع حصيلة الضرائب بين ثلاثة مراكز: الأمير المحلي، والباشا العثماني في مركز الولاية المجاورة، والخزينة السلطانية في إسطنبول. خلق هذا الإشكال التاريخي، في أزمة العلاقة بين الأطراف الثلاثة، الإشكالَ المعرفي في كتابة الهيستوريوغرافيا اللبنانية اللاحقة، أثناء تَكوُّن الدولة اللبنانية الحديثة بصيغة الدولة – الأمة، وفي سياقه. وهو إشكال معرفي يمكن أن نصوغه بالسؤال التالي: هل هذا الصراع بين الأمير المحلي والباشا العثماني، أو بتعبير تراثي آخر – هل هذه الممانعة – هي وجه من أوجه النضال من أجل استقلال وطني، وتمهيد لتأسيس دولة وطنية لبنانية بالمفهوم الذي شرعنه ميثاق "عصبة الأمم" ومعاهدة لوزان – على قاعدة "مبدأ الناسيوناليته Nationalité "؟ وهو سؤال مثّل، ولا يزال، حقل لاختلاف الواسع بين وجهات نظر من كتبوا التاريخ اللبناني في المرحلة المعاصرة.

ثانيًا: المفردة الثالثة التي تحتاج إىل توضيح وتعريف: نظام المتصرفية يف جبل لبنان

نظام المتصرفية: هو نظام إداري لجبل لبنان اتُّف ق عليه صيغةَ حلٍّ لأزمة السلطة المحلية في جبل لبنان، بين الدولة العثمانية وبين الدول الأوروبية الكبرى في عام 1861. ونعني بحل أزمة السلطة آنذاك، حلًّ أو تسويةً لأبعاد ثلاثة في الأزمة:

تقهقر سلطة الأمير المحلي وعجزه عن الحكم، واستحالة اختيار أمير محلي يوازن ما بين الطائفتين الأساسيتين في الجبل؛ الدروز والموارنة، بعد أن نشبت حرب أهلية ضروس بينهما دامت نحو عشرين سنة (1840  -  1860.) تقهقر نظام لالتزام الضرائبي ونظام العلاقات الإنتاجية و لاجتماعية بين المقاطعجية والفلاحين، بحيث اختلطت لانتفاضات الفلّحية مع الصراع الدرزي الماروني. وذلك في ضوء أنّ معظم المقاطعجيين كانوا دروزًا ومعظم الفلاحين كانوا موارنة. مشروع التحديث الإداري العثماني العام الذي عُرف آنذاك ب "التنظيمات"، والذي كان يقضي بإعادة النظر في تقسيم الولايات إداريًا، وإحداث مجالس إدارة منتخبة فيها، وسنّ قوانين مدنية لتنظيم الملكيات الزراعية وقوانين تجارية، ومحاكم مدنية، وبلديات وغرف صناعة وتجارة... إلخ. فكانت متصرفية جبل لبنان جزءًا من هذا التنظيم الإداري العثماني الجديد، إلا أنّ ثلاث صفات تفردت بها متصرفية جبل لبنان في بروتوكولها المُعلن، والموقع، والمضمون بين الدول الأوروبية الكبرى: بريطانيا، وفرنسا، والنمسا، وبروسيا وروسيا، عن بقية الولايات والسناجق العثمانية، أولها أن يُعيّ متصرف عثماني مسيحي غير لبناني من جهة السلطان حاكمًا على الجبل، وبموافقة الدول الكبرى، بصفتها ضامنةً أو راعيةً للنظام، وثانيها أنْ يكون الأمن الداخلي من صلاحية "جندرمة" محلية، وآخرها أنْ يتبع المتصرف أو الحاكم مباشرةً السلطان، وليس الوالي العثماني المقيم في ولاية مجاورة، وغالبًا ما كانت ولاية سورية. ما عدا هذه الصفات الثلاث التي عُدّت امتيازًا، انطبق على هذه المتصرفية ما انطبق على السناجق والولايات الأخرى في المشرق العربي، ولا سيّما في مجال التشريعات المُستحدثة. ولّد إشكال تاريخي آخر إشكالً معرفيًا آخر: هل يمكن عدّ "متصرفية جبل لبنان"، وهي جزء من لبنان الحالي، نواةً تأسيسية للدولة - الأمة بعد عام 1920، أيْ للدولة اللبنانية، وهي ذات غلبة ديموغرافية مارونية مسيحية؟ إشكال واجهته الهيستوريوغرافيا اللبنانية أيضًا بأجوبةٍ ومقاربات مختلفة أيضًا بين اعتمادٍ وتمجيدٍ وبين رفضٍ وتبخيسٍ.

ثالثًا: دولة لبنان الكبير والجمهورية اللبنانية الدستورية

أعلن الجنرال غورو "دولة لبنان الكبير" في عام 1920، في سياق تاريخيٍّ ملتبسٍ ومعقدٍ ودراميٍّ عنيفٍ، تفارقت فيه وتناقضت الحركات المطلبية ومشروعات الدول المعبرة عن تطلعات الهويات الإثنية والطائفية في المشرق العربي، وبالتحديد في ما سُمِّي بلاد الشام أو "سورية الطبيعية." إنها مفارقة أو مفارقات كان لها، ولا يزال، وقع درامي في الذاكرات التاريخية الجماعية لدى الجماعات الإثنية والطائفية في المنطقة؛ ومن أوجه هذه المفارقات: أن أُعلِنت دولة لبنان الكبير بعد القضاء على المقاومة العربية المشرقية ذات المشروع الوحدوي السوري- العربي المتمثل بالمملكة العربية السورية في معركة ميسلون، حيث استُشهد فيها متطوعون كان على رأسهم يوسف العظمة وزير الحربية في المملكة العربية السورية، رمزًا وطنيًا وقوميًا للعروبيين والسوريين، بينما هي ممهد، في ذاكرة البعض وفي تبرير الجنرال غورو، لدولة لبنان 1920. أن تشكلت دولة لبنان الكبير من متصرفية الجبل بعد أن ضمّت إليها مناطق كانت تابعة إداريًا لولايات عثمانية: غربًا؛ الساحل من شمالي طرابلس إلى الناقورة مرورًا ببيروت وصيدا وصور، وشرقًا؛ البقاع، وجبل عامل، جنوب لبنان الحالي. علمًا أن هذه المناطق الملحقة بالمتصرفية كانت تتبع، في أحيان كثيرة وقبل نشوء المتصرفية وإعلان النظام الإداري الجديد للولايات العثمانية، نطاقَ ولاية الأمير؛ أمير جبل لبنان، ومجال التزامه الضرائب. وهو نطاق – كما سبقت الإشارة - زئبقي وغير محدّد المعالم.

أقول إنّه كان للحدث أثرٌ دراميٌّ في الذاكرات الجماعية؛ لأنّ الحدث لم تُجمع عليه الجماعات التي شكّلت الجغرافية – الديموغرافية للدولة الجديدة. على الأقل لم تُجم ع عليه نخب الطوائف المنتظمة في الكيان السياسي الجديد. كان المطلب مطلبًا مسيحيًّا – مارونيًا بامتياز، في حين كان متأرجحًا بين مؤيد ورافض لدى النخب المسلمة، والراجح أن مطلب الوحدة السورية كان هو السائد آنذاك لدى النخب المسلمة وجمهورها. وهذا أيضًا إشكالٌ تاريخيٌّ، أدخل الكتابة التاريخية اللبنانية في إشكال معرفيٍّ حرجٍ انضم إلى الإشك لات الأخرى: إشكال موقف الطوائف عبر هوياتها الثقافية والدينية والمذهبية من تأسيس دولة - أمة تستدعي هوية حقوقية، إذ إن "الناسيوناليته" تُرجمت جنسية. على أنّ هذا الإشكال المتمثل بتناقض المواقف من الكيان الجديد الذي شهدته السنوات الأولى من التأسيس للدولة، لم يلبث، بفعل ما يقدمه بناء الدولة من إغراءات وجاذبيات في مجال السلطة (برلمان تمثيلي وسلطة تنفيذية، وقضاء وإدارة، وتنظيم سوق واقتصاد، ومدارس وخدمات... إلخ)، أن انحلَّ هذا الإشكال ليولّد إشكالً آخر: لاختلاف بين نخب الطوائف داخل الكيان، أي داخل الدولة. ساعد على ذلك، بل مهّد له وأسس، الدستورُ اللبنانيُّ المُعلن في عام 1926، والذي لا يزال معمولً بموّاده الرئيسة حتى اليوم مع تعديلات أُدخِلت عليه مع لاستقلال في عام 1943، ومع إقرار وثيقة الطائف في عام 1990. يقدّم الدستور اللبناني معطيات فائقة الأهمية لناحية الإقرار بالحريات المدنية والسياسية للمواطن اللبناني الفرد، منها؛ حرية التعبير والرأي والمعتقد و لاجتماع وحقوق المساواة، وضمان هذه الحريات. فهو يؤسس في هذا الجانب لمواطنية سليمة. غير أنه في الوقت نفسه، يضمن الدستور للطوائف اللبنانية، حقوق تأليف الجمعيات، وحق تشكيل مجالس ملية للإشراف على أوضاع الطائفة، ومحاكم شرعية يعود إليها الحكم في الأحوال الشخصية من زواج، وإرث... إلخ. وإضافة إلى كل ذلك، نصّت إحدى مواد الدستور (المادة 95) "وبصورة موقتة" على أن يُراعَى التوازن بين الطوائف في البرلمان، وفي تشكيل الحكومات، وفي وظائف الإدارة. وهذا ما سيُعرف لاحقًا بالطائفية السياسية. إذًا، تكمن ثنائيةٌ واضحةٌ في الدستور بين حقوق المواطن وحقوق الطائفة. وهي ثنائية تُر ك أمر لانحياز إلى أحد طرفيها للثقافةِ السياسية والممارسة السياسية معًا. وهذا إشكال – على الرغم من أن وثيقة الطائف دعت مبدئيًا إلى إلغاء الطائفية السياسية من مجال الوظيفة ومجال التمثيل البرلماني - لا يزال يثير خلافات بين نخب الطوائف وأحزابها وسياسييها، ولا سيما بعد أن تراجع دور الأحزاب العلمانية في سياق الحرب الداخلية، وسياق تداعياتها بعد الطائف، وبعد حادثة اغتيال الرئيس الحريري. وهو إشكال أضحى يدخل معرفيًا اليوم في نطاق إشكالية الدراسة في مجال علم لاجتماع السياسي، بل في مجال الأنثروبولوجيا السياسية، من دون أن يعني ذلك إغفال دور البحث التاريخي، عبر الجهد المبذول الهادف، من أجل معرفة وتفسيرٍ لتلك الجدلية القائمة بين الثابت والمتحوّل في مسار العلاقة بين الدولة والمجتمع في لبنان.

رابعًا: من الميثاق الوطني 9431 ى إل وثيقة الوفاق الوطني 1989

أشرنا في معرض حديثنا عن مسار هذه العلاقة بين الثابت والمتحول، إلى تغيُّ تدريجيٍّ حصل في موقف نخب مسلمة من مشروع الدولة اللبنانية. إذ بدأت هذه الأخيرة تنتظم فيه بفعل الممارسة الدستورية، أيْ بفعل الرغبة في لانتظام في أجهزة الدولة وسلطاتها، وبفعل نموٍّ اقتصاديٍّ أصاب على نحو رئيسٍ مدن الساحل ومرافئها؛ طرابلس، وبيروت، وصيدا، وكانت، أساسًا، ذات سكن مسلم سنيٍّ غالب.

ومذهبيٌّ معي. المشاركة عند الطائفة السنية (الشعور ب "الغبن")، وعند الطائفة الشيعية (الشعور ب "الحرمان.)"

وامتد بعد أن ألهبته ألسنة نيران إقليمية: إسرائيلية وفلسطينية وعربية ودولية.

أدخلت بعض بنودها في الدستور: ӵ ӵ حُسِمت هوية لبنان من حيث تأكيد الهوية العربية. تمَّ نقل جزء من صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا. كانت ستة أشهر فقط.) اعتُمِدت المناصفة في المجلس بين المسيحيين والمسلمين.

الروحية.)

خلاصة القول

أوصل مسار تاريخي قصير في الجمهورية اللبنانية الناشئة تحت لانتداب الفرنسي من 1926 حتى 1943، إلى استقلال وطني في ظلّ التقاءٍ بين نخبٍ سياسيةٍ مسيحيةٍ ونخب سياسيةٍ مسلمةٍ، التقاء عُرِف بالميثاق الوطني الذي عُبِّ عنه مؤسسيًا باللقاء، في أول حكومةٍ استقلاليةٍ، بين بشارة الخوري الزعيم الماروني رئيسًا للجمهورية ورياض الصلح الزعيم السني رئيسًا للحكومة، علمًا أن نخبًا أوسع سبقت ومهّدت لهذا اللقاء من جميع الطوائف، وكان ذلك في سياق نضالها من أجل لاستقلال الوطني اللبناني، ومن خلال لاتفاق على تسوية مصيرية وتأسيسية: تخلي المسيحيين عن المطالبة بالحماية الأجنبية مقابل تخلي المسلمين عن الوحدة السورية أو العربية، و لارتضاء بلبنان وطنًا للجميع. كان هذا على مستوى الخطاب الأيديولوجي السياسي والعرفي. ولكن على مستوى المشاركة الفعلية في سلطات الدولة وأجهزتها، تُرجم الميثاق، ولأسباب تاريخية تعود إلى التفاوت في المواقع والأدوار والأهليات لاقتصادية و لاجتماعية والثقافية والعلمية، عمليًا بصيغة مشاركة تراتبية: سيادة مسيحية، كُرِّست عُرفيًا في رئاسة الجمهورية ذات الصلاحيات الواسعة، تليها رئاسة حكومة، خصصت للطائفة السنية، وذات صلاحيات محدودة وتابعة للرئاسة، وتلي هذه الرئاسة – على الرغم من تسميتها رئاسة ثانية - رئاسة مجلس النواب، وكانت ذات صلاحيات ضعيفة جدًا، بل معدومة، خُصِّصت للطائفة الشيعية. هذا إلى جانب تراتبيات أخرى في توزيع الوظائف – المفاتيح، وأيضًا في توزيع حصص الإنماء على المناطق، وهي ذات ديموغرافيات يغلب في كلّ منطقة منها لونٌ طائفي وبذلك، تراكمت تفاوتات اجتماعية وتراتبيات طائفية ومذهبية في المجتمع والدولة، فكان من تعبيراتها المطلبية: النقص في

وكانت هذه التفاوتات من جملة الأسباب التي أدت إلى الأزمات لاجتماعية التي مهدت بدورها للانفجار الذي بدأ في عام 1975،

على أنّ الوجه اللبناني لاجتماعي – السياسي للأزمة وللحرب اللبنانية المركبة في أبعادها وعواملها، انحلَّ في وثيقة الطائف، إذ

أعطيت رئاسة المجلس النيابي صلاحية أوسع، من بينها: استمرارية رئاسة المجلس طوال دورة المجلس (أربع سنوات بعد أن

تمَّ وعدٌ بإلغاء التمثيل الطائفي (من قانون لانتخاب)، والسعي لإيجاد مجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف (الجماعات

من صيغة الإمارة في العهد العثماني الكلاسيكي؛ صيغة لاجتماع السلطاني - العصباني، إلى صيغة "المتصرفية" في عهد الإصلاح والتنظيمات العثمانية والمتقاطع زمنيًا مع سياسات الإلحاق و لاقتسام من طرف السياسات الكولونيالية والإمبريالية الغربية، إلى صيغة اعتماد مبدأ الدولة - الأمة ومبدأ الناسيوناليته، ومن ضمن عملية تلازم هذا لاعتماد مع اعتماد توزيع مناطق النفوذ بين الحلفاء

المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، إلى صيغة تشكل إدارات الدولة في عهد لانتداب الفرنسي، إلى صيغة الميثاق الوطني و لاستقلال، إلى صيغة وثيقة الوفاق الوطني في لبنان (الطائف)؛ نكاد نقرأ ثابتًا أنثروبولوجيًا يتمثل بتشكيلات الطوائف، وقيام أحزاب سياسية من داخلها تحرص على تحويلها إلى "كتلٍ تاريخيّةٍ" جماهيريّةٍ فاعلةٍ في العمل السياسي اللبناني، أيْ في عملية الصراع على السلطة. ويبقى السؤال: هل استقل البحث التاريخي اللبناني في دراسته ماضيَه اللبناني عن وطأة الأيديولوجيا السياسية؟ هذه الأيديولوجيا التي لم تفتأ، حتى اليوم، تعيد إنتاج تشكيلات الطوائف على قاعدة ثوابتها الإثنية، ولكن أيضًا بمنظور وظائفي جديد: أيْ أن يكون للطائفة الموحّدة وظيفة أشبه برافعة في العمل السياسي اللبناني؟ يمكن تمييز مسار الكتابة التاريخية اللبنانية على صعيدين: الأول بين مراحل زمنية، والثاني بين اتجاهات منهجية وأيديولوجية. ثمة كتابة تاريخية تعود إلى المراحل الأولى التأسيسية للدولة، وهذه استمرت منذ العشرينيات حتى الستينيات من القرن العشرين، تؤسس لخطاب تاريخي ما يزال صداه ورجعه حتى اليوم، بحيث تتكرّر مقولاته وفرضياته في كتابات تاريخية عديدة، يصر بعضها على القول: إن للإمارة ونظامها خصوصية لبنانية وسمة استقلالية تميزها من بقية أنظمة السلطات المحلية في الجوار العربي، وإن الصراع بين الأمير المحلي والباشا العثماني هو صراع من أجل لاستقلال الوطني، بل يذهب بعضها إلى أن ثمة صراعًا حصل بين العربية والسريانية على امتداد التاريخ العربي الكلاسيكي، بل أيضًا، إن الدولة اللبنانية تتطابق مع فينيقيا القديمة، "وهي دولة موجودة منذ الأبد": مقولات عبّت عنها الهيستوريوغرافيا المارونية في مرحلة التأسيس، وأوضح من كتب فيها المؤرخ جواد بولس، وكان قد أخذ عديدًا من فرضياته ونظرياته عن المستشرق الأب لامنس، ولا سيما الفرضيتين التاليتين: فرضية "الجبل – الملجأ" حيث لجأ الموارنة إليه هربًا من لاضطهاد، مع طوائف أخرى. وفرضية "الأمير – البطل" العامل من أجل استقلال لبنان، ويتمثل، أساسًا، بالأمير فخر الدين المعني الثاني الذي أحيط في الهيستوريوغرافيا المارونية بهالة الأسطورة، وبتأكيد انتمائه إلى المسيحية، بعد أن تنصّ، كما تقول الرواية المارونية في كنف بيتٍ مارونيٍّ. بعضها الآخر، يصدر عن الرؤية المعيارية والقيمية نفسها للإمارة، ولا سيما للإمارة المعنية؛ آل معن، وبصورة خاصة لصورة الأمير فخر الدين المعني، ولكن يُنظر إليه أميرًا عربيًا مسلمًا، وحّد منطقة عربية تتجاوز جبل لبنان وتمتد من اللاذقية في سورية إلى صفد في فلسطين وتتغلغل داخليًا في برّ الشام، والتي ترد تسميتها بصيغة عربستان في كتاب الخالدي وفي كتابات محمد جميل بيهم. فرضيات يُعبّ عنها المؤرخ البيروتي السنّي محمد جميل بيهم وتلامذة له، لا يزالون يكتبون تاريخًا على هذا المنوال، لتأكيد البعد العربي في أصل الإمارة، وأصل لبنان الكبير. تلتقي مع هذه النظرة نظرة الهيستوريوغرافيا الدرزية، والتي ترى أن الإمارة في المنطقة، كانت في أساسها درزية تعود إلى إمارة التنوخيين الموجودين منذ الخلافة العباسية وسلطنة المماليك، وكان الأمير يسمى في الوثائق "أميرًا للدروز". إلا أنّ المسار التاريخي للديموغرافيا ونظام الأرض وملكياتها وأشكال لاستثمار، والتدخل الأجنبي، أدت إلى تقليص النفوذ الدرزي، ولا سيما بعد تنصّ الأمراء الشهابيين؛ ما أحدث أزمة إمارة أدخلت الجبل في حرب طائفية (1840  -  1860). تنحصر صورة الإمارة البهية في صورة فخر الدين المعني، إذ يُعدّ مؤسسًا للبنان العربي الحديث: "دولة ووطن تضاهي في تقدمها ما وصلت إليه البلدان المتقدمة في زمانه".تؤسس هذه الصورة وترسمها الرواية الكلاسيكية الدرزية، ويُعيد إنتاجها بتوثيق أكاديمي شكلاني حديث المؤرخ الدرزي المعاصر1. على أن الرواية الشيعية في مرحلة التأسيس، تذهب مذهبًا آخر غير المارونية وغير السنية وغير الدرزية. فالإمارة التي يدافع عنها ويتمثلها المؤرخ الماروني على أنها مارونية، ويدافع عنها المؤرخ السني على أنها إمارة عربية سنية، كما يدافع عنها الدرزي ويتماهى معها

  1. انظر: عباس أبو صالح وسامي مكارم، تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي (بيروت: منشورات المجلس الدرزي للبحوث والإنماء، 1980.)

على أن أصلها درزي، لا تعني المؤرخ الشيعي في مرحلة التأسيس إلا من زاويتين وصورتين تحتفظ بهما الذاكرة الشيعية الجمعية عبر رواياتها ونصوصها: من زاوية أولى: أن الإمارة المعنية وكذلك الشهابية، هي سلطة إلحاق واستتباع لمناطقها (مناطق جبل عامل) في إطار نظام لالتزام الضرائبي ونظام العلاقات الإنتاجية و لاجتماعية المتناحرة بين مقاطعجيي المنطقة؛ الأمر الذي يجعل من الذاكرة الجمعية حافظة لمعارك استتباع واستلحاق بين الأمير المعني أو الشهابي من جهة، ومشايخ جبل عامل (أصحاب المقاطعات فيه) من جهة أخرى. ونقرأ هذا المضمون في كتابين: كتاب محمد جابر آل صفا تاريخ جبل عامل، وكتاب الشيخ علي الزينبحثًا عن تاريخنا. ومن زاوية ثانية، تخلو الأدبيات الشيعية الكلاسيكية من صورة بطل وطني أو قومي محلي، إلا لاحقًا حين تم استذكار مقاومين للاحتلال الفرنسي في عام 1920، من بينهم صادق حمزة وأدهم خنجر؛ إذ اندمجت سيرة هذين المقاومين في تأصيل ثقافة مقاومة معاصرة لإسرائيل بدءًا من السبعينيات والثمانينيات إلى اليوم. غير أنه، بوصفه بديلً من البحث عن "بطل محليٍّ" استقلاليٍّ، تمتلئ الأدبيات الشيعية التاريخية بسِيَ علماء الشيعة وإعادة طباعة إنتاجهم، ولا سيّما كتب الفقه، ككتاباللمعة الدمشقية لمحمد بن مكي الجزيني، الذي استشهد على يد المماليك فلُقِّب الشهيد الأول، إلى شرح اللمعة الدمشقية لزين الدين بن علي الذي استشهد أيضًا في عصر السلطان سليمان القانوني، فلُقِّب بالشهيد الثاني، إلى كتب الشيخ الحر العاملي إلى بهاء الدين العاملي، وصولً إلى مجلدات أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين. قد يعود سبب ذلك إلى هامشية الطائفة الشيعية في مشروع بناء الدولة اللبنانية في مرحلة تأسيسها الأول في العقود الأولى، وإلى انصراف نخبها التقليدية إلى مجالين ارتضتهما: مجال المشاركة الضعيفة والهامشية في مؤسسات الدولة، وكان هذا شأن أبناء العائلات الشيعية النافذة في البرلمان والإدارة، ومجال الثقافة الدينية التقليدية، وكان هذا شأن الدارسين للعلوم الدينية، ولا سيّما في النجف، من أبناء العائلات الدينية وأبناء الطبقات الفقيرة أيضًا. غير أن هذا الحال لم يستمر في كتابة التاريخ اللبناني على هذا المنوال؛ إذ بدأت إرهاصات التغيير والتحوّل تظهر بدءًا من سبعينيات القرن العشرين، فنلاحظ: توسّعًا مدنيًا للمجال العام خارج الطوائف (أحزاب مدنية وحركة وطنية ببرامج علمانية.) وتوسّعًا في مجال التعليم الرسمي في كل مراحله، وخصوصًا بعد تأسيس الجامعة اللبنانية الحكومية التي أمنت تعليمًا جامعيًا مجانيًا واسعًا لفئات واسعة من كل الطوائف اللبنانية. بعثات إلى جامعات أوروبية وأميركية حكومية وغير حكومية، لتهيئة كوادر أساتذة للجامعة اللبنانية وجامعات أخرى في لبنان. كل هذا كان لا بد من أن ينتج جيلً جديدًا من الباحثين اللبنانيين؛ مؤرخين وباحثين اجتماعيين... إلخ. وفي حقل البحث التاريخي و لاجتماعي، صدرت كتابات عديدة ومهمة، حاولت فهم ظاهرة الهويات الطائفية في لبنان: نشأتها وتكونها وعلاقتها بالنظام السياسي الطائفي للدولة. على أن هذه الكتابات تتفاوت في أهميتها العلمية، كما تتفاوت وتختلف في طريقة مقاربتها للموضوع، وفي المنهج المتّبع. فثمة كتابات تسترشد بالنظرية الماركسية في فهمها للطائفية، بوصفها أيديولوجيا طبقات مسيطرة، ومنها كتابات مهدي عامل، وكتابات مسعود ضاهر الأولى. وثمة كتابات تسترشد بمنهج الأنثروبولوجيا البنيوية لتأسر نفسها في موقف "أنكرونيكي" Anachronique، فترى في الطوائف بنى اجتماعية ثقافية وسياسية ودينية ثابتة على امتداد كل الأزمنة، ومنها بعض الدراسات الإثنولوجية عن الطوائف.

ومن هذا الباب نقرأ كتابات تاريخية تنقسم بين نزعة تاريخانوية ترى التاريخ في الحاضر، وترى في مسلكيات الطوائف حيال السلطة نوعًا من الحتميات التاريخية الثقافية المستعصية على أيّ علمنة، شأن دراسة جان شرف في كتابه الأيديولوجيا المجتمعية اللبنانية، وبين نزعة سياسوية – اجتماعية واقعية، ترى في "الديمقراطية التوافقية" حلًّ سياسيًّا واقعيًّا للتعدد الطوائفي في لبنان، شأن كتابات أنطوان مسرّة. وثمة كتابات تاريخية واجتماعية تستنجد بمفاهيم إثنولوجية وإبستيمولوجية وبمنهج تعددي في لاختصاصات، بما فيها التاريخ وعلم لاجتماعي الديني والإثنولوجية والتاريخ المقارن؛ لتقدّم معرفة تاريخية قد تكون أقرب في رأي أصحابها إلى فهم الظواهر المعيشة اليوم في تاريخنا المعاصر. وربما تندرج دراساتي في هذا الهم المعرفي، على أنّ ذلك يبقى أمنيةً ومقصدًا ومسعى، وليس تقريرًا نافذ الفعل.