Return to Article Details Sharia Court Records - A New Historiographical Method for the Arabs in the Ottoman Period

السجلات الشرعية: منهج تأريخي جديد للعرب في الحقبة العثمانية

Sharia Court Records - A New Historiographical Method for the Arabs in the Ottoman Period

غاندي المهتار

Ghandi Mohtar

الملخّص

نشر خالد زيادة، مدير فرع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في بيروت، كتابًا عنوانه سجلات المحكمة الشرعية "الحقبة العثمانية" – المنهج والمصطلح، مرسيًا منهجًا تأريخيًا خاصًا بتناوله وثائق المحاكم الشرعية التي وسعت موضوعاتها جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية كلها، وحفظت ما ورد من مقام الدولة العثمانية من فرمانات ومراسلات، لتمثّل مصدرًا أساسًا من مصادر التأريخ السوسيو-اقتصادي للحقبة العثمانية في المنطقة العربية. كان الكتاب موضوع حلقتين نقاشيتين، يرد تفصيلهما في هذا التقرير.

Abstract

Records of the Sharia Courts in the Ottoman Period - Methodology and Terminology is the latest book by Khaled Ziadeh, Director of the Beirut Office of the Arab Center for Research and Policy Studies. The book offers a historiographical approach to the full remit of court records available which cover all aspects of social and economic life and preserve the Firmans (or "Sultanic orders") and correspondence of the Ottoman state. These documents constitute a key source for the socio-economic history of the Ottoman period in the Arab region. This review also includes a report on two separate panels, discussions covering its contents.

الكلمات المفتاحية:
  • السجلات الشرعية
  • المحكمة
  • الحقبة العثمانية
  • التاريخ
  • الدولة
Keywords:
  • Sharia Court, Records
  • Methodology
  • Ottoman Period

مقدمة

في كتابه سجلات المحكمة الشرعية "الحقبة العثمانية" – المنهج والمصطلح1 الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يجمع خالد زيادة، مدير فرع المركز في بيروت، أعمالً أعدّها خلال اشتغاله على وثائق محكمة طرابلس الشرعية، يبتدئ تاريخها في عام 1077 ه/ 1666 م، مؤلفًا كتابه هذا من ثلاثة أقسام، سبق أن أصدرها منفصلة؛ فالقسم الأول هو كتاب الصورة التقليدية للمجتمع المديني - قراءة منهجية في سجلات محكمة طرابلس الشرعية الذي صدرت طبعته الأولى عن معهد العلوم لاجتماعية في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث) في عام 1983، وطبعته الثانية عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة في عام 2008. والقسم الثاني هو كتاب دراسات في الوثائق الشرعية الذي يتألف من مجموعة بحوث نشُرت في دوريات عدة، جمعتها دار رؤية في القاهرة ونشرتها في عام 2012. أما القسم الثالث فهو كتاب المصطلح الوثائقيالذي صدرت طبعته الأولى عن معهد العلوم لاجتماعية في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث) في عام 1986، وطبعته الثانية عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة في عام 2008.

فهم مختلف للتاريخ

انطلق زيادة في بحثه المستفيض في وثائق المحاكم الشرعية من أنها تحتل موقعًا مميزًا بين مجموعات الوثائق التي يمكن أن يستند إليها المشتغلون بالتاريخ في الحقبة العثمانية، كالوثائق القنصلية والتجارية والكنسية وغيرها، مع تميز وثائق المحاكم الشرعية باتساع موضوعاتها لتشمل جوانب الحياة لاجتماعية و لاقتصادية كلها، فضلً عن حفظها ما كان يرد من عاصمة الدولة العثمانية من فرمانات ومراسلات. أيقظ هذا الكتاب مؤرخين كثيرين؛ إذ أعاد تسليط الضوء على مصدر من أهم مصادر التأريخ للحقبة العثمانية. يقول زيادة في مقدمة كتابه: "هذه الوثائق تُبدل فهم التاريخ وكتابته تبديلً جذريًا، فلا يعود التاريخ مستندًا إلى الخبريات التي دوَّنها الإخباريون أو أصحاب التراجم، وإنما تستند إلى تراكم المعطيات التي تنقل التاريخ من سرد للوقائع والأخبار إلى مواجهة مع صفحات متحركة ومتطورة تتضافر فيها مجموعة من المعطيات لاقتصادية والثقافية و لاجتماعية، فضلً عن دور الدين وحركاته في تفسير علاقات السلطة بالفئات المجتمعية، إلى تطور الأسعار والغلاء وحركات العامة والثورات، ثم لانتقال من المؤسسات التقليدية إلى المؤسسات الحديثة". وهذا ما أيده فيه من قرأوا الكتاب، خصوصًا أن زيادة يردّ قلة عدد المشتغلين بالوثائق إلى "عدم مواكبة المقررات الجامعية للتطورات في مجال الكتابة التاريخية، وضعف تدريس المنهجيات النظرية والمنهجيات التقنية، وصعوبات لاشتغال على الوثائق نظرًا إلى أن أغلبها لم يُحَط بالعناية اللازمة لجهة الترقيم والفهرسة والتوثيق، عدا عن صعوبات قراءة خطوط اليد والتعرف إلى المصطلحات والمفردات." تناول أربعة باحثين الكتاب عرضًا ومراجعةً، هم أحمد مفلح، مدير قسم التحرير في المركز – فرع بيروت، وجوزف أبو نهرا، أمين سر الجمعية اللبنانية للدراسات العثمانية، ومحمود عثمان حداد، المؤرخ وأستاذ التاريخ في جامعة البلمند في لبنان، والأكاديمي والمؤرخ عصام خليفة. وشاركوا في حلقتين نقاشيتين حول الكتاب أقيمتا في طرابلس وبيروت. تثبت أسطور المداخلات الأربع في إحاطة شبه كاملة بما في هذا الكتاب من معلومات قيمة، وبما له من أهمية أكاديمية وتأريخية، فيحظى الكتاب بما يشبه الندوة المكتوبة.

  1. خالد زيادة، سجلات المحكمة الشرعية "الحقبة العثمانية" - المنهج والمصطلح (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.)

أحمد مفلح: منهج تأريخي خاص2

يضُيء كتاب خالد زيادة معنى التأريخ من ناحية جمع المعلومات وقراءتها وتحليلها وأهميتها وقيمتها، التأريخ بالبعد العلمي والتجددي، لا السردي الإنشائي الغني بالتشويق والبعيد أحيانًا عن الموضوعية. ذلك لأنه يظهر لنا بالملموس، ومن خلال اشتغاله على "سجلات المحكمة الشرعية" في مدينة طرابلس، غنى تاريخ هذه المدينة لاجتماعي و لاقتصادي والثقافي والديني والإداري، إلى جانب السياسي الذي هو آخر الصور التاريخية؛ إذ أعطتنا هذه "السجلات" صورة عن المجتمع في أيام الحقبة العثمانية وحراكه ونموّه على مدى عقود وقرون، بمنهج علمي ووقائع مدوّنة غير قابلة للنقد والتضخيم أو التأويل. لكن، هل تكفي الوثيقة في حد ذاتها لتكون تاريخًا؟ أو بمعنى آخر، هل من قيمة للتأريخ من دون وثيقة؟ هذا ما يتبادر إلى الذهن فور الغوص في قراءة كتاب يُعنى بالوثائق و لاشتغال عليها فحسب، مثل الكتاب الذي بين يدينا. برأيي، الوثيقة في حد ذاتها هي صورة جامدة لا تُعطي تاريخًا، والتأريخ ليس في الوثيقة بحالتها الجامدة، ولا تاريخ من دون وثيقة ورقية أو شفوية أو جماد، بل في كيفية استخدامنا هذه الوثيقة. فقيمة الوثيقة في آلية ومعرفة قراءتها وحل رموزها وتحليلها؛ وتتطلّب هذه القراءة منهجًا علميًا لإظهار ما فيها من معلومات تاريخية والتحقق منها ليصار إلى لاستفادة منها عند الباحثين، لكن ليس بالضرورة أن يُسقط المنهج إسقاطًا آليًا وعشوائيًا على الوثيقة لقراءتها، بل منهج هذه القراءة يولد معها، من رحم الوثيقة ولغتها وبيئتها وظروفها ونقدها الباطني والظاهري، وهذا لا يتوافر عند جميع الذين عملوا في الوثائق، على الرغم من أن العمل في الوثائق في التأريخ العربي الحديث والمعاصر جاء متأخرًا.

منهج ومصطلح

مجموع هذه الملاحظات عن أهمية الوثائق ودورها في التأريخ العلمي نراه في كتاب زيادة الذي عرف كيف يضع يده على هذه الوثائق في "السجلات" ويحفظها من التلف والضياع، فأنقذ نحو ثمانين مجلدًا، ثم قرأها وترجم بعضها وحلّ رموزها وخطوطها وحلّلها، ورسم تاريخ مدينة طرابلس لاجتماعي و لاقتصادي والثقافي والديني، فأضاء تاريخ العائلات والأملاك والمهن والعلاقات والمكتبات والخانات والمحال... إلخ. وقدّمها بمنهج علمي أسس لقراءة مثل هذه الوثائق، وجمعها في كتابه هذا، وعلى الباحثين والمؤرخين أن يستفيدوا من عمله. باختصار، سلك زيادة مسلك المجتمعات العلمية؛ إذ لم يُسقط منهجًا معينًا وآل على نفسه استخدامه لقراءة هذه الوثائق، كما يُقلّد البعض مناهج الآخرين في بحوثهم، فتخرج ضعيفة في التحليل والقراءة وفك الرموز وبعيدة عن بيئتها، لذا لا يُستفاد منها كما يجب. ما قام به زيادة هو العكس تمامًا؛ إذ رتّب مراحل العمل في هذه الوثائق، بالتزامن تقريبًا مع بداية استخدام الوثائق في الكتابة التاريخية في العصر الحديث والمعاصر، أواخر سبعينيات القرن العشرين، فجمّع وحلل ونشر وخرج بمنهج خاص من رحم هذه السجلات ووثائقها وبيئتها، وضمّن منهجه مصطلحات نحتها واستنبتها من الوثائق نفسها (العربية العثمانية)، أي إن ما قام به زيادة هو إنتاج منهج تأريخي عصري عربي خاص، بأدوات وعناصر ومركبات خاصة. من هنا، أطلقنا على عمله هذا أنه من بين أفضل الكتب العربية التي صدرت مؤخرًا في هذا المجال، وهو لا يشبه كتابًا آخر خرج بمنهج ومصطلح يتعلقان بدور الوثائق وأهميتها وطريقة العمل بها و لاستفادة منها.

  1. مداخلة موسعة لكلمة تقديمية ألقاها أحمد مفلح في ندوة حول الكتاب، أقامها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، في 16 أيار/ مايو 2017.

كتب كثيرة ومؤرخون كثر عملوا على الوثائق العثمانية وصنّفوها واستخدموها، ودرّبوا على لاستعانة بها، من محمد فاضل البيات إلى عدنان البخيت وغيرهما، لكنهم لم يمنهجوا العمل الوثائقي، أي تدوين منهج خاص لكيفية العمل على هذه الوثائق.

جوزف أبو نهرا: دراسة رائدة3

لا يمكن قارئ كتاب خالد زيادة المذكور، إلا أن يقدّر الجهد الكبير والمنهجية العلمية اللذين تطلبتهما دراسته الرائدة لسجلات محكمة طرابلس الشرعية. وما يبرر أهمية هذه الدراسة هو كون زيادة من أوائل الرواد اللبنانيين الذين اعتمدوا هذه السجلات لكتابة تاريخ لبنان لاجتماعي، وكون الوثائق المدروسة تتيح للباحث كمًا هائلً من المعلومات المتنوعة التي لم تستثمر قبلً، فبقيت منذ رحيل العثمانيين في غياهب الإهمال، ولم تحظ بالعناية اللازمة لجهة الترقيم والفهرسة والتوثيق. ولا يدرك صعوبة العمل على هذه الوثائق إلا من كابد عناء البحث فيها لصعوبة قراءة خطوط اليد التي تختلف بين نص وآخر، ولضرورة معرفة المصطلحات والمفردات العديدة الواردة فيها، والتي تشمل مختلف النواحي الإدارية و لاجتماعية والدينية و لاقتصادية والعسكرية، وغيرها. كتاب سجلات المحكمة الشرعية شرعي ومحكّم؛ إذ يُعتبر مرجعًا موثقًا يتميز بإحاطة شاملة ووافية للموضوع المطروح، وبمنهجية علمية صارمة تتصف بالموضوعية والدّقة. سنتطرق أولً إلى محتوى الكتاب من حيث أقسامه الثلاثة والمواضيع والأهمية، وثانيًا من حيث المنهجية المتبعة ودقّة التحليل والإشكاليات المطروحة.

كتاب مهم

في تقديمه الكتاب، يوضح زيادة أنه جمع فيه ثلاثة إصدارات سابقة له موزعة على ثلاثة أقسام: الأول، كتاب الصورة التقليدية للمجتمع المديني، قراءة منهجية في سجلات محكمة طرابلس الشرعية، صدرت طبعة أولى منه في بيروت في عام 1983، وطبعة ثانية في القاهرة في عام 2008، ويتضمن خمسة فصول موزعة في 148 صفحة؛ والثاني، كتاب دراسات في الوثائق الشرعية، يضم مجموعة بحوث نشرت في القاهرة في عام 2012، ويتضمن ستة فصول؛ والثالث، كتاب المصطلح الوثائقي في سجلات المحكمة الشرعية الذي صدر في القاهرة في عام 2008، ويتألف من فصلين. تتكامل هذه الأقسام الثلاثة من حيث مضمونها، وأبرز ما فيها عرض لسجلات المحكمة وأهميتها في دراسة التاريخ لاجتماعي و لاقتصادي والثقافي والإداري في العهد العثماني، والمنهجية الخاصة التي تتطلبها دراستها، والمحاذير التي على الباحث تجنبها. يبدأ القسم الأول بمدخل منهجي يتضمن ثلاثة مواضيع: الوثائق، وطرابلس في التاريخ، وبين الوثائق والتاريخ، يبُرز فيه الباحث أهمية سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس من حيث المرحلة الزمنية الطويلة (1666  -  1883)، ومن حيث تنوع الجوانب والقضايا التي تتطرق إليها وغنى المعلومات التي تتيحها للباحث. يمكن من خلالها معالجة مواضيع عدة؛ منها لاقتصادي (التجارة الداخلية والخارجية، والصناعة، والمهن والحرف، والأسعار، والإيجار، والإفلاس، ومستوى المعيشة)، و لاجتماعي (العائلات، والزواج، والطلاق، والنفقة، والوفاة، وإثبات النسب)، والعمراني (خطط المدينة، والحارات، والأسواق، والسكان، والأسوار، والبوابات)، ومنها ما يتصل بأحوال الريف (لالتزامات، وقضايا الأرض، والمحاصيل، والوضع لاجتماعي، والعلاقة بالمدينة)، وبالإدارة (الهيئة الحاكمة، والوظائف العامة أو الدينية، والفرمانات، والبيورلديات، والخطوط الشريفة، والمراسيم، والفتاوى، والمراسلات الرسمية)، والعسكر (توزعهم، ورتبهم، وأعدادهم)، والطوائف والأديان، والعلم والثقافة، والأوقاف.

  1. كلمة جوزف أبو نهرا في ندوة حول الكتاب أقامها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، في 16 أيار/ مايو 2017.

ازدواج اللغة والمضمون

في تطرّقه إلى تاريخ طرابلس، يعرض الباحث تحوّلها من ولاية قائمة بذاتها حتى القرن الثامن عشر، وإلحاقها بولاية دمشق ثم بولاية عكا في القرن التاسع عشر، وبولاية بيروت المستحدثة في عام 1887، ويشير إلى أثر ذلك في تأخر المدينة وتقلّص دور المحكمة الشرعية فيها. وفي تناوله جدلية العلاقة بين الوثائق والتاريخ التي رافقت تدهور وضع طرابلس لاقتصادي، يلاحظ زيادة ازدواجًا بين لغة نص السجلات والمضمون، إذ يواصل خطاب النص المفهوم التقليدي للسلطة وللقانون بينما يعكس المضمون المعطيات المستجدة اقتصاديًا وديموغرافيًا. ويبقى النص في مختلف الأحوال داخلي الطابع، أي يعكس البنية الداخلية للمدينة ولا يعكس علاقاتها بالخارج، ما خلا بعض إشارات محدودة تعبّ عن وجهة نظر الداخل. في مقاربته المنهجية لتحليل نصوص السجلات، يلفت زيادة إلى أن النزاعات والقضايا التي ينظر فيها القاضي تمثل اختلال القاعدة الشرعية لا القاعدة ذاتها، لكن الباحث يمكنه كشف القاعدة من خلال النص لأن القاضي يُصدر أحكامه ضمن النظام العام ومن منظورٍ تحكمه الشريعة الإسلامية التي كانت تُنظم شؤون الناس في المج لات المختلفة. لغة النص هي العربية في قضايا البيع والشراء والزواج والطلاق، والتركية في الأمور الإدارية العائدة إلى الوالي والعسكر والفرمانات والأوقاف والمراسلات الشريفة. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، طغت العربية على نصوص السجلات ما عدا الفرمانات والبيورلديات. في مقارنته بين مضمون النصوص والواقع لاجتماعي الذي تزامن معها، يستخلص زيادة الحدود التي يتوقف عندها النص. ففي سجلات المحكمة الشرعية لا يرد ذكر لانتفاضات الأهالي؛ إذ يصفها النص ب "أعمال شغب ولصوص". كما بقيت علاقة شيخ الحارة بحارته وشيخ الحرفة بحرفته بعيدة عن رقابة قضاة الشرع الكلية، بسبب انتشار الطرائق الصوفية التي استطاعت أن تغلق شؤونها في وجه كل تدخل خارجي بسبب العلاقات الدقيقة التي كانت تقوم بينها وبين الحرف المهنية وجماعات العسكر. في الكتاب عرضٌ واضح للهيكلية الإدارية العثمانية التي تعمل في إطارها المحكمة الشرعية، فزيادة يتطرق إلى صلاحيات الوالي وعلاقته بقاضي الشرع، وكيفية اختياره، والجهاز الإداري الذي يساعده في الشؤون العسكرية والمالية، وعلى رأسه القائمقام والدفتردار. وزيادةً في الوضوح، نجد جدولً يبين هيكلية الجهاز الإداري للولاية. وفي الكلام عن النظام المالي وأنواع الضرائب، نجد عرضًا لبعض التجاوزات التي كان يقوم بها الولاة والمكلفون بجمع الضرائب في طرابلس، مع ردات فعل الأهالي: أعمال عنف وقتل الجابي، أو طلبات استرحام ورفع دعاوى بالمظالم.

طوائف وأصناف

كان الحاكم الشرعي (القاضي) يعيّ مباشرة من إسطنبول، وتشمل مهماته قضايا كثيرة. يحكم في الأمور المختلفة العائدة إلى الأحوال الشخصية والتجارة والعسكر والقضايا المستعجلة، استئنافًا وجنايات. وكان تعيين الوالي الموظفين يحتاج إلى تثبيت من القاضي الذي كان صلة وصل بين الوالي والأهالي، سلطته فوق سلطة جهاز العلماء الذي تشكلت أغلبيته من الأهلين. ويظهر أن أغلب المناصب الدينية في طرابلس كان يتم تداولها بالتوارث، وأن تأثير المتصوفين كان أكبر من تأثير الفقهاء، لارتباطهم بأصناف الحرف وبالعسكر. يعالج الفصل الأخير من القسم الأول الحياة لاجتماعية و لاقتصادية في طرابلس. ففي ما يخص الأهالي، كان هناك تمييز بين مسلم وغير مسلم، وبين حرّ وعبد، وكان المسيحيون يمثلون نحو 30 في المئة من السكان. وعلى صعيد المعيشة والتراتبية لاجتماعية، كان التجار هم الأغنى، يتمتعون بنفوذ كبير بسبب صلتهم الوثيقة بالحكام، لكن في مطلق الأحوال، بقي نفوذ السلطة أقوى من نفوذ المال.

عُرفت الطوائف المهنية ب "الأصناف"، وكانت أكثر أنواع التنظيم لاجتماعي دقّةً ودوامًا، على رأس كل منها شيخ يختاره معلمو الحرفة ويعيّنه القاضي، فيتولى رعاية شؤون المهنة والسهر على مصالح أربابها، حتى كان للشحاذين شيخ خاص بهم. كان لكل مهنة عادات وتقاليد خاصة، وفي اعتقاد زيادة أن بعض أسباب هذه الخصوصية عائد إلى العلاقة التي قامت بين الطرائق الصوفية والمهن، وإلى لاختلاف الذي كان قائمًا بين هذه الطرائق. في عام 1666، تألفت طرابلس من 26 حارة. وفي عام 1739، تراجع عدد حاراتها إلى 24 حارة بعد دمج أربع حارات متجاورة في حارتين. كان لكل حارة شيخ لا يعينه القاضي، لكن يتفق عليه أهالي الحارة، ومهمته حل الخلافات وإعداد لوائح الذكور لدفع الضرائب وتأمين تحصيلها. ومثّلت كل حارة وحدة إدارية لجمع الضرائب، يتكافل أبناء الحارة في دفعها. في القرن الثامن عشر، كانت طرابلس تضم زهاء 20000 نسمة، لكنها لم تشهد نموًا عمرانيًا.

الوثائق تحت المجهر

يتضمن هذا القسم دراسات في الوثائق الشرعية، ويبدأ بالتركيز على أهمية سجلات المحاكم بصفتها مصدرًا تاريخيًا تفصيليًا يتمتع بالثبات والتواصل، لا يضاهيه مصدر آخر في تقديم المعطيات التفصيلية الكثيفة. يدعو زيادة إلى النظر إلى وثائق المحاكم الشرعية، لا من وجهة نظر تاريخية فحسب، بل من وجهة نظر الحاضر، إذ يمكنها أن تقدم فهمًا لحاضر المدن التي تقوم فيها المحاكم في حال أقلعنا عن اعتبارها مصدرًا للتعرف إلى حقب الماضي. تُظهر دراسة مقارنة لسجلات المحاكم الشرعية المتوافرة في لبنان في العهد العثماني أنّ سجلات محكمة طرابلس هي الأقدم والأغنى بعدد سجلاتها. ففيها 70 سجلً (تغطي الفترة 1666  -  1883)، وفي محكمة صيدا 7 سجلات (تغطي الفترة 1818  -  1863)، وفي محكمة بيروت 55 سجلً (تغطي الفترة 1843  -  1918)، وفي محكمة صور 5 سجلات (تغطي الفترة 1890  -  1903.) تعددت اتجاهات البحوث التي جرت على وثائق هذه المحاكم، فتناولت جوانب مختلفة من تاريخ لبنان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. أبرز ملامح هذه لاتجاهات ثلاثة: أولها، التاريخ المناطقي، خصوصًا الأرياف كأقضية عكار والضنيّة وبشرّي، انطلاقًا من سجلات محكمة طرابلس لدراسة نظام لالتزام ودور العائلات فيه؛ ثانيها، التاريخ المدني، خصوصًا ما يتعلق بطرابلس وبيروت وصيدا، في ما يخص الأجهزة والمؤسسات مثل الجهاز الديني والوقف، وكذلك قضايا البيع والشراء والإجارة والأسعار، والنواحي الإدارية؛ وثالثها، العلاقات الإسلامية - المسيحية، إذ ساهمت البحوث التي تناولت سجلات المحاكم في اكتشاف عالم من العلاقات المتنوعة بين المسلمين والمسيحيين، وفي إعادة تقويم العلاقات بين السكّان المتنوّعي الأديان. إلى جانب فوائدها في ميادين البحث، تساهم سجلات المحاكم الشرعية في الحفاظ على التراث الحضاري المعماري، من خلال بيان أسماء الشوارع والحارات والأزقة. فهي تعنينا في إعادة تركيب مخططات المدينة كما كانت قائمة في العصور السابقة. وترسم لنا صورة دقيقة للمعالم الحضارية والعمرانية والأثرية ومواقعها، وتحدد حقب زوال بعضها، والمواد المستخدمة في بنائها وأسعارها، وذلك يفيد في الكشف عن هذه المعالم والآثار وإعادة ترميمها. من أبرز المعالم التي يرد ذكرها في السجلات: المساجد والمدارس والزوايا والمزارات والحمامات والأفران والطواحين والمصابن والمعاصر، وغيرها كثير.

شخصيات المجتمع العثمني

يتضمن القسم الثاني من الكتاب أربعة فصول عن سكّان طرابلس استنادًا إلى وثائق المحكمة الشرعية، وإلى كتابات رحالة عرب زاروا طرابلس، أبرزهم رمضان بن موسى العطيفي (1634) ويحيى بن أبي الصفاء، المعروف بابن محاسن (1639) والشيخ عبد الغني النابلسي (1700)، أبرز الشخصيات التي يرد ذكرها في كتابات الرحّالة وفي وثائق المحكمة هم العلماء وأصحاب المناصب. وتظهر الوثائق الشرعية أن أصحاب المناصب كانوا يتقاسمون النفوذ والثروة في المدينة، وما كانوا من أبنائها بل كانوا يفدون إليها من خارجها. كما تظهر تسلّط العسكر العثماني على أهل الحرف في المدينة، ما أدى إلى غياب المجتمع الأهلي واضمحلاله بفعل القبضة العسكرية. تعكس وثائق المحكمة بروز ثلاث شخصيات في المجتمع الطرابلسي في القرن السابع عشر من خارج أصحاب المناصب، وهم المفتي ونقيب الأشراف وشيخ التكيّة. كما تعكس إفادة رجال الدين من بعض لامتيازات، وأهمها الإعفاء من الضرائب والتكاليف العرفية، وحصول بعضهم على مكافآت بموجب فرمانات شريفة. إضافةً إلى الشخصيات الدينية، تذكر السجلات غيرهم من المدنيين وتعرّفهم بالألقاب الآتية: فخر التجّار، وفخر الأهالي، وفخر الملّة المسيحية. استطاع رجال الدين تشكيل هيئة وثيقة الصلة بالإدارة، واستغلّوا هذه العلاقة لزيادة ثرواتهم والإفادة من لامتيازات والوظائف. كما شدد نظام الوقف في العلاقات القائمة على النسَب ووفّر للجهاز الديني الأسس الماديّة الثابتة. في ما يتعلق بالتوزّع السكّاني في طرابلس، تُظهر السجلات أن المسيحيين لم يكونوا منغلقين على أنفسهم كاليهود، بل كانوا منتشرين في مناطق مختلفة في المدينة. فمن أصل 24 حارة، سكن المسلمون والمسيحيون 16 منها، وسكن المسيحيون حارتين منها، وسكن اليهود حارة واحدة. وكان ثمة تمييز بين المسيحيين العرب والمسيحيين الأوروبيين، فالمسيحي العربي يُعامل باعتباره ذميًّا بينما يعامل المسيحي الأوروبي بوصفه مستأمنًا؛ أي إنه يتمتع بعهد أمان. وورد في السجلات لقب "خواجة" للإفرنج، وألقاب أخرى مثل "لئام" و"كفرة" و"ملاعين" للقراصنة الأوروبيين الذين كانوا يعتدون على الرعايا العثمانيين.

بين التاريخ والسوسيولوجيا

في هذا القسم من الكتاب، يتطرق زيادة إلى العلاقة بين التاريخ وعلم لاجتماع، فيلحظ أن الدراسات لاجتماعية الحديثة وجّهت البحث التاريخي وجهة جديدة من الناحية المنهجية. فالبحوث لاجتماعية ساهمت في تزايد لاهتمام بالوثائق، واهتمام المؤرخين بالتاريخ لاجتماعي، فتقاطع علم التاريخ في بعض نواحيه مع علم لاجتماع. يعرض زيادة دراسة سجلات المحاكم الشرعية لناحية الترقيم والتبويب والفهرسة، وتصنيف القضايا والموضوعات المستخرجة والتعابير اللغوية، ويقترح أركيولوجيا لغوية تمهيدًا لإرساء أركيولوجيا اجتماعية بعد التنقيب عن الأصول اللغوية والتاريخية للمصطلحات الوثائقية، متجاوزًا إطار قواعد اللغة ليدخل في تركيب البنى لاجتماعية ومدى تأثيرها في وعينا الحاضر. في كلامه عن لغات الإسلام الكبرى، العربية والفارسية والتركية، يشير زيادة إلى تداخلها وتأثرها بلغات أخرى: هندية، ويونانية، ولاتينية. أما عن العطاءات البارزة في الميادين المتنوعة، فالعربية بارزة العطاء في الدين والأدب، والفارسية في الأدب والعلم والإدارة، والتركية في العسكر والإدارة بنوع خاص. في نهاية القسم، يقدم زيادة ثبتًا بأبرز المفردات والمصطلحات الواردة في سجلات المحكمة الشرعية، مع شرح واف يستند إلى استشهادات من نصوص الوثائق.

منهجية علمية وفكر نقدي وموضوعي

في قراءاتي الشيقة للكتاب، حضرني قول المفكر الروماني الكبير شيشرون: إن نزاهة الفكر والجرأة الأدبية صفتان أساسيتان من صفات المؤرخ، تحتّم عليهالأولىتجنّب التعبير عن أي أمر يعرف أنه غير صحيح، وتجعلهالثانية يتمتّع بالجرأة الكافية للتعبير عن كل أمرٍ يدرك أنه صحيح. فنزاهة الفكر تفترض روحًا نقدية موضوعية، وهذا ما يتمتع به زيادة، إضافةً إلى الجرأة الأدبية التي تدفعه إلى قول الحقيقة في استنتاجاته التحليلية، بعيدًا عن الأيديولوجيا والأفكار المسبقة. يظهر بوضوح من المنهجية المتبعة في الكتاب أن المؤلف من أنصار المدرسة التجديدية في التاريخ، فهو يتجاوز الحوادث التي تتمحور حول دور الملوك والحكّام إلى دراسة تاريخ الناس وحياتهم لاجتماعية و لاقتصادية في الزمان والمكان. ويدعو إلى انفتاح التاريخ على علم لاجتماع والعلوم الأخرى، الإنسانية والوضعية، للإفادة من تطورها وتقنياتها الحديثة. ويولي زيادة الأرقام والإحصاءات أهمية كبرى، لكنه لا يدرسها في المطلق مجردةً عن الواقع لاجتماعي والسياسي العام. ولا يدرس الوثائق الشرعية خارج إطارها التاريخي. فهو يعطي لمحة موجزة عن تطور لاهتمام بوثائق المحاكم لكتابة التاريخ لاجتماعي و لاقتصادي في لبنان وخارجه. أشار زيادة إلى دراسات هاملتون جب وهارولد بوون وألبرت حوراني وأندريه ريمون وروبير مونتران وعبد الكريم رافق وعدنان البخيت. كما أشار إلى دور معهد العلوم لاجتماعية في طرابلس التابع للجامعة اللبنانية، في لفت لانتباه إلى أهمية هذه الوثائق من طريق تصوير سجلات محكمة طرابلس ونشرها في عام 1982، وإلى دراسات تناول فيها أساتذة وطلاب من الجامعة اللبنانية سجلات محاكم طرابلس وبيروت وصيدا وصور، والمؤتمرات التي نُظمت بالتعاون مع جامعات خاصة ومؤسسات بحوث علمية ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، بعد إصدارات معهد العلوم لاجتماعية في طرابلس.

غير سردي

في رسمه الإطار العام الذي دونّت فيه سجلّات محكمة طرابلس، يتطرّق الكتاب إلى تطور الإدارة والتنظيمات في الدولة، فيشرح صلاحيات الوالي والعوامل المؤثرة في تعيينه أو عزله، وعلاقته بقاضي الشرع، والجهاز الإداري الذي يعاونه في الشؤون المالية والعسكرية، ونظام لالتزام الذي كان قائمًا بنوع خاص في الأرياف، لكنه يشمل أيضًا بعض المصالح القائمة في المدن، كالجمارك والمسلخ خانة وميزان الحرير والتحميص خانة. كما يعرض للمخالفات القانونية التي كان يقوم بها الوالي وكبار مساعديه طمعًا في جمع الأموال الحرام على حساب الأهالي. قلّما أدت الدعاوى المقامة أمام المحكمة الشرعية حول هذه المخالفات إلى نتيجة؛ إذ يظهر من النتائج التي توصّل إليها الباحث حصول نوع من التوافق بين القاضي والوالي ومعاونيه للحفاظ على هيبة الدولة والسلطة الإدارية في الولاية. في الكتاب أمثلة حسية عديدة عن تعسّف السلطة العثمانية في طرابلس واستغلالها الأهالي، وتعدّيها على حقوقهم، وهي أمثلة مستمدة من نصوص المحكمة الشرعية. يغيب عن هذه الدراسة الطابع السردي، ويغلب عليها بوضوح النهج العلمي التحليلي. انطلاقًا من الوثائق المدروسة، يستخلص الباحث أسس السلطة القائمة في الولاية وعلاقتها داخل المدينة، وعلى رأس هذه السلطة الإقليمية الوالي والحاكم الشرعي (القاضي) الذي كانت صلاحياته المستمدة من الشريعة تسمح له بالإمساك بخيوط المجتمع كلها، وأداء دور كبير في تنظيم حياة المدينة والحفاظ على نظامها التقليدي.

كانت السلطات المحلية كلها مرتبطة ارتباطًا مباشرًا أو غير مباشر بالحاكم الشرعي: رجال دين، ومشايخ الحرف، ومشايخ الحارات، ورؤساء الطوائف. كما أن علاقة هؤلاء بالوالي كانت تمرّ من خلاله أيضًا.

شمولية بلا مزالق

في دراسته المجتمع الطرابلسي، يلفت زيادة إلى دقّة التنظيم والخصوصية التي تميّز بها، ويدعو إلى دراسته من خلال واقعه التاريخي وعاداته وتقاليده، والكفّ عن معاينة هذا المجتمع من وجهة نظر مجتمع آخر. وهو انطلق في دراسته من سجلات المحكمة على أساس أنّها تتضمن معطيات وفيرة وغنية، وهي قادرة على كشف بنية المجتمع المديني بمقدار ما تعبّ عن هذه البنية من الداخل، وتعفينا من لاستمرار في المراقبة الهامشية والخارجية. تدفع الموضوعية زيادة إلى لاقتناع أن السجلات الشرعية ليست مصدرًا مكتفيًا بذاته، فهو يظهر حدود النص الشرعي وطبيعة توجهه التقليدية، لكنه يعتبره نصًا أصليًا أساسًا ويميزه من النصوص الأخرى. وهو يدرك أن النتائج التي توصلت إليها دراسته ليست نهائية وإن سمحت بإعادة النظر في بعض الثوابت أو نقضها، وتثبيت البعض الآخر، لذلك فهي في نظره "خاضعة للتعميق والتعديل." ينبّه الباحث إلى عدّة مزالق يمكن أن يقع فيها العاملون في البحوث التاريخية انطلاقًا من أرشيف المحاكم الشرعية: أولها، مزلق جعل الوثائق الشرعية قاعدة لرسم سيرورة الدولة كما نشهدها في الشرق الأوسط منذ نحو القرن بحيث تطغى الأيديولوجيا على علم التاريخ، فنكتب تاريخًا سابقًا القوميات ونحصر تاريخ الدول في مدنها الكبرى دون سائر المناطق الريفية أو المدينية؛ و ثانيها، مزلق التعويل على الوثائق الشرعية لدرس علاقة المدينة بالخارج، ذلك أنها نصوص مدينية، وهي داخلية وتعكس البنية الذاتية للمدينة فقط وليس علاقتها بالخارج؛ و ثالثها مزلق دراسة سجلات المحكمة الشرعية خارج إطارها التاريخي في الزمان والمكان، لأنها وليدة بنية اجتماعية وتاريخية، ومن الضروري معرفة هذه البنية من نواحيها الإدارية والدينية و لاقتصادية و لاجتماعية المختلفة، لنتمكن من العمل عليها بطريقة علمية ودقيقة. تجنّب زيادة في الكتاب هذه المزالق فتميزت دراسته بالشمولية وشملت النواحي لاقتصادية و لاجتماعية والدينية والإدارية وحتى الثقافية.

دليل انفتاح

في تطرّقه إلى الوضع الثقافي، أقام المؤلف مقارنة بين تركة الشيخ مصطفى البعلبكي (ت. 1748)، والشيخ علي كرامة (ت. 1780)، ونشر لائحة الكتب التي جمعتها مكتبة كليهما، ولاحظ أن لاهتمامات الثقافية آنذاك كانت تنصبّ على علوم القرآن والحديث والتصوّف، وبصورة أقل على الأدب وعلوم اللغة، مع إهمال المؤلفات العلمية والتاريخية. كما لاحظ أن لغة الثقافة كانت العربية لا التركية، وكانت هذه الأخيرة سائدة في الأقاليم ذات الأغلبية التركية. وما لفت انتباهنا في لائحة كتب الشيخ مصطفى البعلبكي المتوفى في طرابلس وجود كتاب مجمع البحرين وهو دليل انفتاح على الفقه الشيعي؛ فالكتاب من تأليف فخر الدين الطريحي، وهو شيعي من مواليد النجف (974  -  1085 ه/ 1567  -  1674 م)، وعنوان الكتاب الكامل هو مجمع البحرين ومطلع النيّين، وهو موسوعة لغوية تشرح المفردات الواردة في القرآن والأحاديث المنسوبة للمعصومين الأربعة عشر، بحسب اعتقاد الشيعة. يظهر الباحث بالأرقام حقيقة التعددية بين المسلمين والمسيحيين واليهود في طرابلس وأهميتها التاريخية. في عام 1545، كان عدد المسيحيين يوازي ثلث عدد المسلمين. ومنذ القرن السابع عشر، تزايد عدد المسيحيين حتى أصبح نصف عدد المسلمين في عام 1915. هذه التحولات مردودة إلى أسباب اقتصادية وأمنية. وفي اعتقادنا أن للحروب دورها أيضًا؛ إذ كان القتال في المواجهات الحربية حكرًا على

المسلمين، حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويظهر من الدراسة أيضًا توزع المسيحيين، ولو بنسب مختلفة، على الحارات المختلفة وفي أصناف الحرف المتنوعة. في عام 1677، كان شيخ الدباغين مسيحيًا، وكان صنف الصبّاغين يضم مسلمين ويهودًا ومسيحيين. وعلى الرغم من أن المجتمع كان قائمًا على أساس التمايز الديني، كان ممكنًا عقد مجلس الشرع الشريف في بيت أحد المسيحيين، إذا كان من الأعيان وطرفًا في دعوى.

خطوط كبرى

يقول شارل سامران في مقدمة كتاب التاريخ وطرائقه: "التاريخ علم صعب محكوم عليه ألا يتمكن من الوصول عبر طرائق شاقة ومتشعّبة إلا إلى حقيقة تبقى نسبيّة دائمًا". عبّ زيادة في كتابه عن هذه القناعة فدعا إلى منهجية متجددة في البحث التاريخي، وإلى القيام بدراسات مقارنة بين سجلات المحاكم الشرعية في طرابلس وغيرها من المدن اللبنانية، أو من المدن الأخرى التي كانت مركزًا لمحاكم شرعية في العهد العثماني أو العهد المملوكي وغيرهما، وهذا ما يساعد الباحثين على وضع تحليلاتهم واستنتاجاتهم في إطارها العام، والتوصل إلى نتائج أدقّ وأكثر موضوعية. كما أنه من الضروري لاهتمام بأنواع الوثائق الأخرى العائدة إلى العهد العثماني، كدفاتر الطابو التي عمل عليها عصام خليفة، وهي تساعد في فهم أدقّ للأوضاع لاقتصادية و لاجتماعية والإدارية. ويظهر من الدراسات المقارنة التي قام بها خليفة أن الجزية التي كان يدفعها المسيحيون في ولاية طرابلس كانت أعلى نسبيًا من تلك المفروضة في الولايات الأخرى. في عام 1570، كانت الجزية الدنيا في طرابلس 89 أقجة، وفي دمشق وحلب 80 أقجة، وفي الرومللي بين 50 و 80 أقجة، وفي شرقي الأناضول بين 25 و 55 أقجة. لا شك في أن سجلات المحاكم الشرعية هي من أهم المصادر الأساسية لكتابة التاريخ لاجتماعي و لاقتصادي في العهد العثماني، ولم تستثمرها إلا قلّة من الباحثين، وتتطلب اهتمامًا أكبر ومنهجية جديدة، وضع زيادة في كتابه خطوطها الكبرى. في المناطق ذات الأغلبية المسيحية، تمكن الإفادة من أرشيف الأديار والأبرشيات الذي يضم عددًا من الوثائق التي تنتظر من ينفض عنها غبار الإهمال. ووجدنا في بعضها أحكامًا صادرة عن محاكم شرعية تعود إلى عقود بيع وشراء أو قضايا أخرى تجارية. نحن مع زيادة في دعوته إلى تجديد منهجيات البحث بعيدًا عن الأيديولوجيا والإسقاطات التاريخية، فدراسة الحدث التاريخي ليست في حدّ ذاتها من أجل إعادة اكتشاف قيم الماضي، بل في علاقته بالحوادث الأخرى المعاصرة والسابقة، ورصد الأسباب والنتائج لفهم الحاضر واستشراف آفاق مستقبل أفضل.

عصام خليفة: تأريخ جديد4

منذ ثمانينيات القرن الماضي، عرفت الدراسات التاريخية للفترة العثمانية، في لبنان، نهضة واضحة. فمن جهة، بدأت تظهر أهمية مصادر الأرشيف العثماني بالنسبة إلى تاريخنا لاقتصادي والديموغرافي والثقافي والإداري، إضافةً إلى الجوانب السياسية والعسكرية. ومن جهة أخرى، تزايد لاهتمام بوثائق المحاكم الشرعية، خصوصًا في مدينة طرابلس. وإذا كان عبد الرحيم أبو حسين، الأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، قد اهتم بوثائق أوامر المهمة الموجودة في أرشيف رئاسة الوزراء في إسطنبول، فقد ركزت شخصيًا في بحوثي على دفاتر التحرير لنواحي لبنان في القرن السادس عشر.

  1. كلمة عصام خليفة في ندوة أقيمت حول الكتاب في مركز الصفدي بمدينة طرابلس اللبنانية، في 9 أيار/ مايو 2017.

مدرسة تاريخية عربية جديدة

كان خالد زيادة من الزملاء الذين قادوا حركة لاهتمام بسجلات المحاكم الشرعية في طرابلس، بإشرافه على رسائل جامعية ارتكزت على تلك السجلات. وقام مع زملاء آخرين بتصوير تلك السجلات ووضع أكثر من نسخة منها في الجامعة اللبنانية، لتكون مادة درس وتحليل بين أيادي أساتذة الجامعة وطلابها. كما أصدر كتابًا في عام 1983 تضمن وقائع عشر السجلات (1666  -  1749)، فتوالت أطروحات الدبلوم والدكتوراه التي اتخذت من السجلات مصدرًا أساسًا، وهي تعد بالعشرات. كتاب سجلات المحكمة الشرعية "الحقبة العثمانية" – المنهج والمصطلح هو خلاصة الجهد الذي بذله أمين عام الجمعية اللبنانية للدراسات العثمانية، يتألف من ثلاثة أقسام تتوزع على 13 فصلً. في القسم الأول، يتناول زيادة الصورة التقليدية للمجتمع المديني في القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر. وفي الثاني، يقوم بدراسات في الوثائق الشرعية. وفي الثالث، يتوقف عند المصطلح الوثائقي في سجلات المحكمة الشرعية. سأتوقف عند بعض الملاحظات التي أعتبرها جوهرية حول مضمون الكتاب: الملاحظة الأولى، يعتبر المؤلف أن وثائق المحاكم الشرعية في طرابلس تبدل فهم تاريخنا وكتابته تبديلً جذريًا، ويستشهد بالمؤرخ ألبرت حوراني الذي قال عن الإدارة العثمانية إنها إدارة أكثر دقّة ونزاهة من أي إدارة أخرى في عصرها، تحكم على أساس المعرفة الإحصائية الكاملة والدقيقة، وبحسب القوانين التي أخذت في الحسبان حقوق كل جماعة والأعراف القديمة لكل إقليم. في ضوء ذلك، يعتبر زيادة أن كتابة التاريخ، مع التمكن من العلوم الإنسانية المساعدة، يساعدان في تأسيس مدرسة تاريخية عربية جديدة. ملاحظتي الثانية مفادها أن أهم الموضوعات التي تتضمنها الوثائق بالنسبة إلى تاريخ ولاية طرابلس بين عامي 1666 و 1883، هي: الجوانب لاقتصادية، والجوانب لاجتماعية، والجوانب العمرانية، وأحوال الريف والإدارة والعسكر والأوقاف والطوائف والعلم والثقافة.

الدفتردار والوالي

ملاحظتي الثالثة هي أن المناطق الجغرافية التي تغطيها الوثائق هي نواحي ولاية طرابلس. فإضافةً إلى المدينة، مركز الولاية، هناك 11 ناحية أخرى: طرابلس وعكار والكورة والضنية والهرمل والش عرا والزاوية وحافيثا وبشرّي والبترون وجبيل. والرابعة، كانت كل ناحية تلزم، مبدئيًا، لملتزم واحد. وكان في الإمكان أن يلتزم أكثر من ناحية واحدة في الوقت نفسه، ومدة لالتزام سنة واحدة قابلة للتجديد. وكان النظام المالي الضرائبي دقيقًا إلى درجة بعيدة؛ إذ كانت عند الإدارة لوائح وإحصاءات تضم أسماء السكان كلهم في المدينة والريف مع تحديد الضرائب المترتبة عليهم. لهذا، كان عمل الدفتردار وجهازه دقيقًا ومهمًا في الوقت نفسه. ولم يكن التهرب من دفع الضرائب سهلً، وما يزيد من صعوبته أن هذه الضرائب لا تُجبى من الأفراد مباشرة، بل تُحصّل جماعيًا من خلال المسؤولين في القرى والمحلات وطوائف الحرف. والحقيقة أن بعض الأهالي كان يُعفى كليًّا أو جزئيًا من دفع التكاليف، ومن هؤلاء: العسكر ورجال الدين والأشراف، إلى جانب من يملك إعفاء خاصًا من إسطنبول بموجب فرمانات سلطانية. ملاحظتي الخامسة، كان الوالي نفسه، كما تبين الوثائق، ملتزمًا كبيرًا مثل الملتزمين الذين يعملون في خدمته. وكان عليه أن يدفع ما عليه لعاصمة الدولة، بغض النظر عن الأوضاع التي قد يواجهها، وإذا كانت إسطنبول تتفهم الأوضاع الصعبة أحيانًا، كالقحط والمجاعات والأوبئة والكوارث، كان الولاة يسعون إلى تنمية ثرواتهم الخاصة بأسرع ما يمكن (كالتهديد والضغط على التجار،

و لاستيلاء على شركات، وتلفيق التهم الباطلة والتهديد والسرقة، وغير ذلك). كان فرض الغرامات مشروعًا وحقًا من الحقوق، وكان الوالي وأعوانه يظلمون أهل الأرياف أكثر مما كانوا يظلمون أهل المدينة. ففي المدينة، كانت سلطة القاضي قوة موازية لسلطة الوالي.

بنية اجتمعية

الملاحظةالسادسة، كان القاضي، أو الحاكم الشرعي، يضطلع بمهمات قاضي الأحوال الشخصية والقضايا المستعجلة ومحكمة التجارة و لاستئناف والجزاء والجنايات، إضافةً إلى أن محكمته كانت ديوانًا للمظالم، أي المحكمة التي تنظر في الدعاوى على الحكام، وهو من كان يوجه الوظائف الدينية، ويثبت مشايخ الحرف ويفض نزاعاتهم، ويشرف على الأوقاف ويعين المتولين عليها. وكان يعاون القاضي في عمله عدد من الموظفين يمثّلون جهاز المحكمة. وألاحظ سابعًا أن الباحث يعرض، انطلاقًا من الوثائق، أوضاع جهاز العلماء ورجال الدين ورجال التصوف ومضمون الثقافة السائدة، بحيث انصب لاهتمام على علوم القرآن والحديث ثم على التصوف، وبصورة أقل على الأدب من شعر ولغة وعلوم لغة، وكانت العربية هي اللغة السائدة. ثامنًا، يتناول المؤلف البنية لاجتماعية لمدينة طرابلس؛ إذ تبرز السجلات وجود أحرار وأرقاء بين الأهالي، ويستعرض وضع المرأة، ووضع المسلمين وأهل الملل الأخرى، من مسيحيين ويهود، كانوا يمثّلون ديموغرافيًا، ثلث المدينة تقريبًا، مع ذكر التمركز في الأحياء وأنواع الحرف التي يعمل فيها الرعايا؛ إذ كان التجار في مقدمة الأغنياء. في المقابل، كان عموم أصحاب المهن من محدودي الدخل، وكان بمقدور الذين يعتلون المناصب الإدارية أن يجمعوا لحسابهم الخاص ثروات كبيرة خلال مدة قصيرة. وكانت كل حارة من حارات المدينة وحدة سكنية وإدارية تضم فقراء وأغنياء على السواء (في عام 1666، كان هناك 26 محلة، وفي عام 1739 تراجع العدد إلى 24 محلة). وعلى رأس كل محلة شيخ يقوم على تدبير شؤونها، وثمة روح تكافل وتضامن بين أبناء المحلة من أجل دفع الضرائب. وفي المحلة خانات وأسواق تعرف باسم الحرفة الغالبة عليها، ومساجد وكنائس ومدارس وزوايا ومزارات ومكاتب وحمامات ومصابن ومعاصر وطواحين وأفران وأبراج عسكرية، وغيرها.

فهرسة وتبويب

تاسعًا، من خلال عمله مع الطلاب في السجلات، يعتبر زيادة أن فهرسة السجلات وتبويبها يسهلان عمل الباحثين والدارسين، فيقترح ترقيم السجلات وترقيم قضايا كل سجل على حدة، ووضع فهرس خاص بالقضايا والوثائق المتعلقة بقضايا العمران والآثار، وتصنيف المعلومات كلها المتعلقة بقضايا العمران، وتسجيل كل قضية يمر فيها ذكر أي أثر من الآثار، وتحديد هذا الأثر، ووضع جداول خاصة بأسماء المساجد والحمامات والمدارس وأنواع الآثار والمعالم الحضارية العمرانية كافة. عاشرًا، تعمق زيادة في السجلات فلاحظ استئثار أصحاب المناصب والرتب العسكرية بالثروات والملكيات وإحكام قبضتهم على اقتصاد طرابلس والولاية. وثمة معلومات عن التسلط العسكري وأعمال النهب ووضع اليد التي قاموا بها في أواسط القرن السابع عشر. من هنا، يسجل الباحث انفصال المجتمع الأهلي عن حكامه العسكريين الغرباء والعابرين في القرن السابع عشر، ويفترض أن هذا لانفصال هو الذي يمهد لانبثاق نظام الأعيان باعتبارهم طبقة متوسطة بين سلطة خارجية من جهة والمجتمع الأهلي من جهة أخرى. الجدير ذكره أن مرفأ طرابلس كان المرفأ العثماني الأهم في شرقي المتوسط، ويذكر بعض المصادر أن القوافل التي كانت تأتي إلى هذا المرفأ لا تقل عن ثلاثة آلاف جمل. وكانت مروحة السلع المصدّرة والمستوردة واسعة جدًا. أما ملاحظتي الحادية عشرة، ففي الفصل

الثالث عشر، يورد المؤلف تحديدات علمية لأكثر من 300 مصطلح أساس في التاريخ السياسي و لاقتصادي و لاجتماعي والديني العثماني. وتتطلب هذه التحديدات جهدًا تقميشيًا مضنيًا، وهي تسد ثغرة يعانيها معظم الدراسات التي تناولت تاريخنا في الفترة العثمانية.

"تحت الضرب"

من موقع التقدير لهذا العمل الرصين وبالغ الأهمية الذي أداه زيادة، وجدت من واجبي أن ألفت النظر إلى ثلاث ملاحظات أخرى حول وقائع تناولها الباحث: الأولى، يقول زيادة (في الصفحة 210): "لا يظهر أن المسيحيين تعرضوا لضغط أشد مما تعرض له المسلمون من الإدارة العثمانية وعسكرها". في واقع الأمر، كانت السلطات العثمانية في أوقات متفرقة تمارس شتى صنوف لاضطهاد على بعض المسيحيين، بمن فيهم البطريرك الماروني، من دون مسوّغ إلا طمعًا في المال. ففي رسالة من الأب اليسوعي يوحنا كورتي إلى رئيس المجمع المقدس في روما (بتاريخ 27 حزيران/ يونيو 1637) ورد ما يأتي: "في 24 من شهر حزيران هذا كنت شاهدًا لعذاباته (البطريك جرجس عميرة)، أتى الأمباشي مع 35 جنديًا وقادوا البطريرك مكبل الأيدي وتحت الضرب قادوه إلى الجبال الوعرة وهنالك ربطوه بالسلاسل مع رفاقه وأكثرهم لقي 35 أو 40 ضربة عصا على أيديهم لاثنين وبعدها أطلقوهم شرط أن يدفعوا كمية من المال. وبحيث أن ليس لهم ما يدفعون، التجأوا إلى الأطرش والمغاور."... وحول إعدام أبو كرم الحدي، القائد العسكري لفخر الدين، ذكر الأب الكبوشي اليسيو دي ريين: "في سنة 1640، ألقى والي طرابلس القبض على زعيم الموارنة في جبل لبنان وهو رجل باسل مقدام، وحكم عليه بالموت على الكلّ ب. لقد أسعفته في موته ورافقته إلى موضع اعدامه... وزرته مرارًا هو على الكلّ ب... دام في العذابات 24 ساعة"5.

توازيها أهمية

الملاحظة الثانية، يذكر زيادة (في الصفحة 160): "بشكل عام، يمكننا الجزم بغياب أي مصدر يضاهي السجلات الشرعية في تقديم المعطيات التفصيلية الكثيفة". لا شك في أن سجلات المحاكم الشرعية، بالنسبة إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر من أبرز المصادر للدراسة، لكن دفاتر الماليدين مدوّر6 العثمانية لا تقلّ عنها أهمية، فهي تحتوي على تفاصيل اقتصادية واجتماعية وسياسية تتعلق بهذه الفترة أيضًا. وبالنسبة إلى القرن السادس عشر، أعتقد أن دفاتر الإحصاء (الطابو دفتري) تفوقها أهمية أيضًا، خصوصًا بالنسبة إلى الديموغرافية التاريخية والتاريخ لاقتصادي والتقسيمات الإدارية للولايات والألوية والنواحي. أما الملاحظة الثالثة، فيذكر زيادة (في الصفحة 36) "أن البحث الجدي في تاريخ طرابلس العثمانية لم يبدأ حتى الآن". ويُضيف في الصفحة 37 "وبسبب النقص شبه التام في المصادر عن المناطق المحيطة بطرابلس، تكاد هذه السجلات تكون في كثير من الأحيان المصدر شبه الوحيد بالنسبة إلى هذه المناطق". أود أن ألفت النظر إلى دراسات كثيرة عن طرابلس ومحيطها في الفترة العثمانية ارتكز معظمها على الأرشيف العثماني، منها للمؤرخين خليل ساحلي أوغلي وهاثوكس وعدنان البخيت وعبد الرحيم أبو حسين وغيرهم. كما أود أن ألفت النظر إلى أهمية الأرشيف العثماني الموجود في إسطنبول، بالنسبة إلى تاريخ طرابلس، ولا سيما دفاتر التحرير والماليدين مدوّر وأوامر المهمة ودفاتر الأوقاف، وغيرها.

  1. تُراجع مجموعة الوثائق المهمة التي نشرها الأب الدكتور سركيس الطبر في بحث قدمه في مؤتمر "حدث الجبة في التاريخ"، تنظيم عصام خليفة، بشري، حدث الجبة، 31 تموز/ يوليو 2010، طُبع في: حدث الجبة في التاريخ: أعمال مؤتمر الذكرى المئوية التاسعة لبناء كنيسة مار دانيال (1110  -  2010)، جمع الخوري حبيب صعب، تحقيق جورج عرب، سلسلة تاريخ وتراث حدث الجبة (بيروت: منشورات مشروع المسح الثقافي الشامل لتراث الوادي المقدس، 2015)، ص 115  -  165.
  2. دفاتر مالية موجودة في أرشيف رئاسة الوزراء في إسطنبول.

وأذكّر بأنني درست الديموغرافية التاريخية والضرائب، بما فيها الجزية و لاقتصاد والأوقاف والمدارس والحضارة المادية والتقسيمات الإدارية وغيرها لمدينة طرابلس ومحيطها في القرن السادس عشر، وارتكزت أساسًا على الطابو دفتري وأوامر المهمة والماليدين مدوّر. لكن الأكيد أن هناك عشرات آلاف الوثائق باللغة العثمانية تنتظر من يفك رموزها. ولأن سجلات المحاكم الشرعية والأرشيف العثماني تفترض التخصص المتعمق باللغة العثمانية وبأنواع الكتابات المختلفة لهذه اللغة في الأرشيف، فإن المطلوب لاستكمال نهضة الدراسات العثمانية أن نسعى إلى زيادة عدد المتخصصين بعمق بهذه اللغة، وهذا دور الجامعة اللبنانية والمنح التي يجب أن تخصصها في هذا المجال. ولا بدّ من أن أنوّه بدور سوسن قصاب، ابنة هذه المدينة المباركة، التي كانت تلميذتي وساعدتها في الذهاب إلى إسطنبول والتخصص في اللغة العثمانية. وهي تدرّس هذه اللغة اليوم في أقسام التاريخ في فروع الجامعة اللبنانية المختلفة.

تصوير الوثائق التركية

يدل الجهد المشكور الذي قدّمه زيادة في مجال إبراز أهمية سجلات المحاكم الشرعية، وسهره مع بعض الزملاء على عملية الحفاظ والصيانة لسجلات طرابلس، وتصويرها ووضعها بتصرف أساتذة الجامعة اللبنانية وطلابها، بوضوح على أنه استمرار لتراث العلم والعلماء في هذه المدينة العريقة. وإصداره كتابه الذي نتناوله اليوم، بشكل أنيق وجذاب، هو استمرار لهذا الجهد. ما نطمح إليه هو أن يتزايد عدد الباحثين في أرشيف المحاكم الشرعية، وفي كل الأرشيفات العثمانية، وأن تبادر مؤسسة المحفوظات الوطنية إلى تنفيذ لاتفاقات الثقافية المعقودة بين لبنان وتركيا، والتي تنص صراحة على إمكانية تصوير الوثائق المتبادلة. كما نأمل أن تبادر إدارة في الجامعة اللبنانية مسؤولة حقًا، هاجسها تقديم العلم عمومًا والعلم التاريخي خصوصًا، إلى إرسال بعثات سنوية إلى إسطنبول، ضمن خطة مدروسة ومرحلية، لتصوير ممنهج للوثائق المتعلقة بتاريخ المناطق اللبنانية على امتداد 400 عام.

محمود حداد: الوثائق تأريخ من أسفل7

أعترف في البداية بأنني لست من المعجبين بالوثائق إعجابًا مطلقًا، إذ اكتشفت من خلال عملي مؤرخًا لتاريخ العرب الحديث أن كثيرًا من الوثائق يتجاوز الحقائق وينحرف عن الوقائع ويمثل رأي الجهة التي كتبته بدلً من عرضه الحقائق الموضوعية. ففي الوثائق البريطانية والفرنسية عن بلادنا، على سبيل المثال، يترادف مصطلحا "المسلم" و"المتعصب" ومصطلحا "الوطني" المطالب ب لاستقلال عن لاستعمار و"المخرّب" المتحالف مع جهة مشبوهة ما. فلكل سردية وثائقية سردية وثائقية تقابلها، بحسب الجهة التي أصدرتها. وهذا موضوع شائك ومركب يثير كثيرًا من الشكوك.

التاريخ الضيق

لكن مهلً. ما الذي أفعله لأعبر عن إعجابي بكتاب خالد زيادةسجلات المحكمة الشرعية "الحقبة العثمانية" – المنهج والمصطلح حول وثائق سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس في القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر؟ يكمن الجواب في أننا أمام نوع مختلف من الوثائق، ولا بد من التمييز بين معظم الوثائق والتقارير التي كان يكتبها قناصل الدول الأجنبية في القرن التاسع عشر وبداية

  1. كلمة محمود حداد في ندوة أقيمت حول الكتاب في مركز الصفدي بمدينة طرابلس اللبنانية، في 9 أيار/ مايو 2017.

القرن العشرين لهدف سياسي في أغلب الأوقات، وبين الوثائق لاجتماعية التي كتبت من دون هدف سياسي أو أيديولوجي، وعبرت عن تاريخ حقبة بذاتها. تتميز هذه الوثائق لاجتماعية بما اصطلحنا على تسميته "التاريخ من أسفل" الذي تكتبه مؤسسات المجتمع بتعاملاته اليومية بدلً من "التاريخ من أعلى" الذي يسطره كتبة السلطان والموظفون الرسميون، سواءً أكانوا يتبعون السلطة الحاكمة أم السلطة الأجنبية التي تفتش عن موطئ قدم لها في الشرق. على الرغم من أن زيادة استخدم هذه الوثائق للكتابة التاريخية المعتمدة على "التاريخ الصغير" أو "التاريخ الضيق" Micro History، فإنه خطا ثلاث خطوات منهجية مهمة ليجعل هذا العمل مساهمًا في "التاريخ الواسع" History Macro: الأولى، كتب مقدمة تاريخية للمرحلة التي كُتبت فيها الوثائق، فأصبح سهلً نسبيًا علينا أن نضع التاريخ الصغير ضمن نطاق التاريخ الكبير ونفهم خطوطه؛ الثانية، بوّب هذه الوثائق بصورة ممتازة فجعلها تنطق بالتاريخ لاجتماعي لولاية طرابلس على أكثر من صعيد؛ والثالثة، زودنا بقاموس "المصطلح الوثائقي" في نهاية الكتاب، ليفهم غير المتخصص النص الوثائقي ويفسر معانيه.

أجهزة عدة

لا يمكنني الإحاطة بكل ما جاء في الكتاب وبتفصيلاته الغنية. لذا أقدم أربع ملاحظات أولية وجزئية: أول، لانطباع الأول الذي تكوّن عندي حين قرأت كتاب زيادة أنه ذكرني بدروس علم الحياة أو البيولوجيا التي درسناها في المرحلة ما قبل الجامعية، حيث كنا ندرس عددًا من الأجهزة ذات الوظيفة الطبيعية في تسيير جسم الإنسان؛ من الجهاز الهضمي إلى الجهاز التنفسي إلى الجهاز العصبي، وتنظيم كل جهاز منها والعلاقة بينها. فإذا نظرنا إلى الوثائق وطريقة معالجة زيادة لها، يتبين لنا وجود عدد من الأجهزة الواضحة في إطار الموضوع. فهناك الجهاز الحكومي المدني برئاسة الوالي (يسيطر على فرع عسكري وفرع مالي وعلى ملتزمي النواحي والمقاطعات)، وهؤلاء كانوا في الأغلب من أصول تركية وغير محلية. وهناك الجهاز القضائي برئاسة القاضي أو الحاكم الشرعي، يتبعه رجال الدين والمحكمة والأوقاف والطوائف والأصناف الحرفية. كما نلاحظ وجود جهاز إداري برئاسة الدفتردار. يقوم كل جهاز بعمله، فينتظم عمل المدينة وأهلها في أصناف المهن المختلفة. ثانيًا، وهذه الملاحظة تتبع الأولى، فالحقبة التقليدية كانت جيدة التنظيم إلى حدٍ بعيد، وكان تنظيمها متوازنًا أكثر من الذي قام في بداية الفترة الحديثة مع لانفتاح على أوروبا الحديثة والتفاعل والتصارع معها. فالحقبة ما بعد التقليدية هي حقبة اختلاط القديم بالحديث وما رافق ذلك من فوضى إدارية وفكرية لا نزال نشهد آثارها حتى اليوم. ومجتمعاتنا اليوم، كما نرى ونشهد، هي مجتمعات عدة مُتساكنة، حافظ أولها على تقليديته، وبالغ ثانيها في تقليد الغرب، واكتفى ثالثها بأن يكون نصف تقليدي ونصف حديث. ولا يرجع الأمر بالضرورة إلى البنى الفكرية المتعددة فحسب، بل إلى البنى المادية التي يختلط فيها التقليدي بالحديث، والتي نخبر العيش ضمنها في الحاضر أيضًا.

تنوع فريد

ثالثًا، على الرغم مما ذكرنا، فإن الحقبة المدروسة لم تكن بالضرورة حقبة ركود وتقسيم عمل كامل، إذ لم يغب التفاعل ولا الصراعات الداخلية، فالعلاقة بين الوالي والولاية مثلً كانت محكومةً في النهاية بالعلاقة بين الوالي ومركز السلطنة في إسطنبول. ولم ينف تمتع المجتمع الأهلي، برئاسة القاضي، باستقلالية إجمالية عن المركز السياسي أن القاضي نفسه كان خاضعًا بدوره لسلطة الوالي. رابعًا، من الخطوط العامة التي يقدمها زيادة أن ولاية طرابلس كانت تضم تنوعًا مذهبيًا ودينيًا فريدًا، فكان هناك علويون وموارنة مع أقلية أرثوذكسية مدينية، إضافة إلى كون طرابلس موقعًا تجاريًا، شكلت مع حماه وحمص مثلثًا مدينيًا ناشطًا على المستويين التجاري

والصناعي، ويتحكم المسلمون فيها في تجارة دمشق وحلب الخارجية. اللافت أن هذه الحقبة العثمانية شهدت زيادة واضحة في أعداد المسيحيين نسبة إلى المسلمين في ولاية طرابلس. وربما يعود ذلك، منذ القرن السادس عشر، إلى انتهاء الحقبة المملوكية التي تميزت بانتهاج سياسة سلبية تجاه غير المسلمين في أثناء الحروب الصليبية.

أبواب جديدة

كانت علاقات المسلمين بغير المسلمين، خصوصًا في مجال التعامل التجاري المحلي، علاقات عادية لا يسودها التشنج. ولا يظهر أن المسيحيين "تعرضوا لضغط أشد مما تعرض له المسلمون من الإدارة العثمانية وعسكرها" بحسب الوثائق. وربما يكون ملائمًا أن نشير إلى أن هذا الوضع بقي على هذا النحو بعد قرنين من الزمن، فلم تشهد طرابلس، المدينة والولاية، حوادث شبيهة بحوادث جبل لبنان ومدينة دمشق في عام 1860. وهذه نقطة يجدر البحث فيها، ولو أنها تقع خارج المدى الزمني للكتاب الذي بين أيدينا. من النقاط المرشحة للبحث الإضافي أن السجلات تظهر تملك بعض الفرنسيين الأراضي في ريف طرابلس. وإذا أثبت التدقيق اللاحق أن هذه الملاحظة صحيحة، فهذا دليل على أن التطبيق مختلف عما هو نظري، لأن قانون السماح بتملك الأجانب في الدولة العثمانية لم يصدر قبل منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدًا في عام 1858. فثمة قرن كامل أو أكثر على سبق الممارسة، ولو كانت محدودة في تقديرنا، للقانون الرسمي. أختم بالقول إن النتائج التي أمكن التوصل إليها من قراءة وثائق المحاكم الشرعية لولاية طرابلس تخصها وحدها إلى حدٍ بعيد، ولو أنها تفتح العيون على ضرورة توسيع تطبيق هذه المنهجية على ولايات أخرى في الفترة نفسها، لنتمكن من إقامة المقارنة التاريخية العلمية. وبناءً عليه، فإنّ عمل زيادة يُنهي عملً ليفتح أبواب أعمال أخرى تتصل بوثائق المرحلة العثمانية في غير منطقة في حاجة إلى التنقيب في سجلاتها.