Return to Article Details Iraqi Specificities and the Refutation of the “Artificialness” of Iraq

العراق ليس مصطنَعًا: النزعات العراقوية ودحض فرضية الدولة المصطنَعة

Iraqi Specificities and the Refutation of the “Artificialness” of Iraq

نهار نوري

الملخّص

تبرز فرضية الدراسة من خلال معالجة ملابسات الهويَّات التي كانت سائدة خلال أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ومظاهرها، وخصوصًا الإقرار بوحدة الإدارة المركزية للولايات العراقية الثلاث: بغداد، والبصرة، والموصل، تحت قيادة ولاية بغداد. وبرز ذلك في كثير من المخاطبات المحلية والتقارير الخاصة مع الجهات الرسمية التي اشتملت على مفهوم "العراق" باعتباره بديلًا اجتماعيًّا من "العشيرة"، أو بديلًا جغرافيًّا من "الديرة". تؤكد فرضية الدولة المصطنَعة، ولا سيَّما في السردية البريطانية، الأنموذج الأوروبي في تكوين الدول الحديثة؛ ذلك الأنموذج الذي يُقدِّم مفهوم "الدولة-الأمّة" على ما سواه من تفسيرات تكوين الدول الحديثة، ويقصرها عليه، معتبرًا إياه الأنموذج الأكمل في قياس درجة تطور الدول الحديثة النشأة واندماج سكانها وتجانسهم داخل إطار الحدود الإدارية. وبمعنى آخر، إن عدم التماهي مع أنموذج "الدولة-الأمّة" من شأنه أن يفرز إخفاقًا في تجانس المكونات الشعبية، وإقحامًا للإدماج القسري المختلَق في تكوين الدولة وبُناها، سياسيًّا وإداريًّا؛ وهذا بالضبط ما أرادت أن تروِّجه السردية البريطانية ونظيراتها.

Abstract

The main premise of this paper emerges from a treatment of the identities dominant throughout the nineteenth century and at the turn of the twentieth. Specifically, and significantly, this paper asserts that the three formerly Ottoman provinces or vilayet which would compose present day Iraq Mosul, Basra and Baghdad were in fact led and centrally administered from Baghdad. This reality emerges through records of local correspondence and private reports with official bodies that contained the concept of "Iraq": in place of a common tribal or clan structure, there were Iraqis who shared a "homeland" analogous to the previous tribal concept of a dira. Alternative narratives particularly those adopted by British commentators emphasize the "artificial" nature of Iraq, but these are overly reliant on a Eurocentric model for the formation of the nation state. Such Eurocentric approaches are overly restrictive and fail to take into account diverging and alternative patterns for the emergence of modern states. Additionally, the inability of the Iraqi and other models to meet European standards of national homogeneity and territorial contiguity have been used to explain and justify political violence within the boundaries of Iraq.

الكلمات المفتاحية:
  • النزعات العراقويَّة
  • الدولة المصطنَعة
  • مفهوم العراق
Keywords:
  • Iraqi Tendencies
  • Artificial State
  • Iraq
  • Identities
نهار محمد نوري| Nuri Muhammed *Nahar
نهار محمد نوري | Nuri Muhammed Nahar
العراق ليس مصطنَعًا:
النزعات العراقوية ودحض فرضية الدولة المصطنَعة
Iraqi Specificities and the Refutation of the
“Artificialness” of Iraq

مقدمة

تتتبَّع هذه الدراسة النزعات والميول العراقويَّة في ولايات العراق الثلاث: بغداد، والبصرة، والموصل، خلال العهد العثماني المتأخر ومطلع القرن العشرين. وتبَرز فرضية الدراسة من خلال معالجة ملابسات الهويَّات السائدة ومظاهرها خلال هذه الحقبة؛ سواء أكانت تلك الهويات مفروضة من فوق عبر المنظومة السياسية العثمانية أم مشتقة من الواقع المجتمعي والثقافي العراقي. ولهذا، يشكّل تتبُّع تلك الهويات وتجلياتها المتمازجة مع سلسلة كبيرة من التحولات البنيوية في المجتمع العراقي أحد أبرز إشكاليات هذه الحقبة الزمنية. وأهم تلك الاعتبارات في البنى الهوياتية هو تقارب المزاج العام الرسمي، سواء مصادفةً، أو إقرارًا بواقع حال موجود، مع البنى المجتمعية المحلية في الولايات العراقية على نحو وثَّق عُرى الرؤية العامة للعراق الموحد. كثيرة هي الدراسات التي عرَّجت على مسألة الهوية العراقية، على اختلاف مآلاتها الأيديولوجية، إلا أن الباحث يرى أن ثمة تجليات لهوية جامعة لمّا تزلْ في حاجة إلى عملية تتبُّع لسيرتها التأريخية العميقة، وإعادة قراءة وفحص معمَّقَيْ لكشفها وتوظيفها بحثيًّا. ولهذا، تحاول هذه الدراسة استجلاء الفضاءات الجديدة للنزعة العراقوية المتعددة، ويعوِّل الباحث على التركيز على البزوغ الهوياتي الجنيني للمفهوم العراقوي الذي رافق حقبة الإدارة العثمانية لولايات العراق تأريخيًّا؛ تلك الإدارة التي أشاعت دراساتٌ بحثية أنها فصلت العراق إلى ثلاث ولايات إدارية غير متجانسة. وطبقًا لما تقدَّم، يحاول الباحث إثبات وجهة نظر تتعلق بتعددية تمظهرات الهوية العراقية وتنوع استخداماتها. ويرى أن ثمة نزعة عراقوية راسخة، كرستها الإدارة العثمانية في مراحل عدة من حكم الولايات العراقية، كان من أبرز ملامحها الالتجاء إلى وحدة الإدارة المركزية، أو الإقرار بهذه الوحدة للولايات العراقية الثلاث، لتعقبها في مراحل أخرى محاولات جدية لتقديم اسم "العراق" في الخرائط العامة المتعلقة بهذه الولايات، ولا سيَّما في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بالتزامن مع مصطلحات سبق تداولها في الخرائط القديمة بدلالات جغرافية؛ على غرار مصطلح "العراق العربي" وامتداداته واندماجه مع ما وقع في شماله (إقليم الجزيرة) أو إقليم الجبال (عراق العجم)1. فضلً عن ذلك، يرى الباحث أن التكوُّن التأريخي لهذه الهوية العراقية قد مرَّ بمراحل زمنية عدة قبل تشكُّل الدولة العراقية الحديثة في عام 1921؛ فعلى الرغم من الجدل الواسع بشأن فرضية "الدولة المصطنَعة" التي سيحاول الباحث تفنيدها، نجد أن ثمة هويات عراقية دبجتها الفئات المجتمعية العامة والنخبوية المثقفة (الإنتلجنسيا) العراقية في كتاباتها، وكان على رأسها تناوُل اسم "العراق" وتداوله على نحو موثَّق، ليعكس حالة التناغم مع الموروث الثقافي للمنطقة العراقية، بوصفها وحدة جغرافية واحدة تجمع تلك الولايات الثلاث وتَسِمها بميسم عراقوي صريح. ولهذا، تتمحور التساؤلات البحثية المهمة التي سيجيب عنها الباحث، حول ثلاثة محاور: هل هناك نزعة عراقوية خلال العهد العثماني تتجاوز أطر التوصيفات المناطقية الخاصة بولايات بغداد والموصل والبصرة؟ وما مدلولها؟ وهل أسهم الإداريون العثمانيون في رسم محددات هذه النزعة العراقوية؟ ومتى؟ هل أسهمت الفئات المجتمعية العامة والنخبوية المحلية في توظيف رؤاها الخاصة، ودفعت مصطلح "العراق" إلى الأمام بصفته هوية جامعة، قبل الاحتلال البريطاني في عام 1914 وفي أثنائه وبعده؟

  1. من أجل متابعة جغرافية -  تاريخية بشأن مصطلحات "العراق" و"إقليم الجزيرة" و"عراق العجم"، انظر: كي لسترنج، بُلدان الخلافة الشرقية، ترجمة وتعليق بشير فرنسيس وكوركيس عواد (]د.م.[: مؤسسة الرسالة،]د.ت.[)، ص 40، 114  -  117، 220  -  221؛ وانظر أيضًا: B. Lewis et al. (eds.), The Encyclopaedia of Islam , vol. II, 4 th ed. (Leiden: E. J. Brill, 1991), p. 534 ; J. W. Redhouse, Redhouse’s Turkish Dictionary , 2 nd ed. (London: Bernard Quaritch, 1880), Part II: Turkish and English , p. 654.

هل أسهم الجدل المحلي، بعد انقضاء السيطرة العثمانية، في تأجيج حدة تأكيد الهوية العراقوية والركون إليها خلال السنوات الأولى من الاحتلال البريطاني للعراق بعد عام 1914؟ يرى الباحث أن ثمة أهمية قصوى للإجابات عن تلك الأسئلة، وتوظيفها منهجيًّا؛ وذلك أن الإجابة عن تلك التساؤلات ستُسهم، بطريقة أو بأخرى، في معرفة وجه آخر من قضية الهوية العراقية، ألا وهو وجه النزعة الانفصالية، وعن قدرة هذه النزعة وانكفائها حيال هوية العراق الجامعة. لقد امتزج المفهوم السياسي بالمفهوم الإداري في الحقبة العثمانية، وتحقق من خلال نظرة مسؤولي الولايات العثمانية إزاء العراق بصفته كيانًا وإقليمًا عراقيًّا موحدًا في مراحل متفاوتة من الحكم العثماني. ويرى الباحث أن ذلك الأمر هيأ الأجواء للسلطات البريطانية المحتلة لطرح أفكارها الخاصة بادعاء "خلق" دولة العراق الموحَّدة بعد إتمام عملية احتلاله بالسيطرة على ولاية الموصل في عام 1918. وبناءً على ذلك، يؤكد الباحث أنه لا فضل عمليًّا لادعاء الأدبيات البريطانية تحديدًا، ومن سار على نهجها، في أطروحة جمع العراق من ولايات شتى بُعَيد انقضاء مؤتمر سان ريمو في عام 1920 وتشكيل الدولة العراقية في عام 1921؛ بل إن أسبقيات الطرح العراقي والتعامل في الكثير من الكتابات (العثمانية، والمحلية/ المناطقية) بمصطلح "العراق" قبل الوجود البريطاني هي التي دفعت الجانب البريطاني لإقرار أمر كان موجودًا بالفعل؛ ومن ثم لم يكن الادعاء البريطاني أكثر من الجانب الفني للأمر. يرى الباحث أن شخصيات عراقية كثيرة ساعدت في إضفاء الهوية العراقية في لحظة تحوُّل تأريخية فارقة من عمر الدولة العراقية الحديثة (مثل ثورة عام 1908، ومجيء حكم الاتحاد والترقِّي، وما رافقه من ردة فعل إزاء سياسة التتريك، ومن ثم هزة الاحتلال البريطاني ونتائجه)، وأن الضوء لم يُسلَّط بقدر كافٍ على هذه الشخصيات ودورها في خدمة المشروع الهوياتي العراقوي، ولكنها بقيت في إطار البحث التأريخي المناطقي، أو أُفرِغت من محتواها لمصلحة فرضيات تأريخية أخرى. لذا، يعتقد الباحث أن معرفة هذه الشخصيات تكشف بطلان ادعاء غياب الهوية العراقية في مضامين الوعي الثقافي العراقي قبل تشكُّل الدولة العراقية الحديثة في عام 1921. وضِمْن هذا المنحى، يجد الباحث أن سياق مصطلح "العراق"، وتوحُّد الوحدات الإدارية، وحضور هذا المصطلح في تصورات بعض مؤرخي الولايات العراقية ومثقفيها منذ القرن الثامن عشر، على سبيل المثال لا الحصر، بمنزلة المفاهيم الأولية الممهِّدة لكينونة العراق، إداريًّا وجغرافيًّا في العصر الحديث، التي سرعان ما اشتدَّت وبرزت ملامحها مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. يعتقد الباحث أن ثمة تمددًا إداريًّا لمفهوم العراق إداريًّا، وامتزاجًا لمضامين الصيغ القديمة لمصطلح "العراق العربي" ولجزء مهم من إقليم الجزيرة في صيغة جغرافية جامعة؛ إذ تشهد الأسبقيات التأريخية بوجود حالات تكليف لحكام ولايات عثمانية امتدت مهماتهم الإدارية من البصرة جنوبًا وحتى شهرزور شمالً؛ ما أعطى زخمًا للاعتقاد بانضواء ما اعتُقد خطأً أنها ولايات منفصلة في هوية عراقية جغرافية موحَّدة.

أولً: الأسبقيات العثمنية: لاستمرارية التاريخية لإقليم "العراق"

حين أَخضع العثمانيون إقليم العراق إداريًّا منذ مطلع القرن السادس عشر، كوَّنوا أقسامًا إدارية فرعية استمرت بعض الوقت، وتجلى ذلك في التقسيم الثلاثي لجغرافية العراق على نسق إيالات (صارت ولايات منذ عام 1864)، هي: بغداد، والموصل، والبصرة2. لكن هذا التقسيم أصبح محط استغلال أصحاب سردية "العراق المختلَق"؛ إذ ادَّعى كثير من الدراسات المتمحورة حول هذه السردية،

  1. انظر التفاصيل الإدارية المستفيضة في الدراسة القيّمة الآتية: فاضل بيات، الدولة العثمانية في المجال العربي: دراسة تاريخية في الأوضاع الإدارية في ضوء الوثائق والمصادر العثمانيّة حصرًا (مطلع العهد العثماني - أواسط القرن التاسع عشر)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص 243  -  392.

ولا سيَّما الغربية منها، أن مرتكَز الدولة الحديثة في العراق قد قام على "مزيج تصادفي" لثلاث ولايات عثمانية متفرقة ومتباينة عرقيًّا3. والواقع أن تفكيك هذه السردية هي ونظيراتها البحثية يحتاج إلى مراجعة تأريخية مكثفة وقراءة معمَّقة للإرث العراقي وخصوصياته؛ بغية كشف ملابسات هذه السردية والدعوات التي ظهر كثير منها منذ أكثر من نصف قرن. لقد بُنِي العراق الحديث على أساس مجموعة من الأسبقيات المستمَدة من العهود العثمانية المتراكمة على مدى أربعة قرون. ويجب تأكيد أن هذه الأسبقيات لم تخرج في مجملها عن دائرة المرجعيات المحلية الطابع. والأهم هو أن التقسيمات الإدارية لولايات العراق الثلاث لم تخضع لمؤثرات الهويات العرقية - الطائفية. ولهذا، يصح القول إن العثمانيين لم يستحضروا أي أبعاد إثنية أو طائفية في تقسيماتهم الإدارية لإقليم العراق حين قسموه إلى ثلاث ولايات؛ هي بغداد، والموصل، والبصرة. وفي المقابل، قد يصح أيضًا، لدى غير الملمِيّن بالتحولات التاريخية التدرُّجية، ادعاء أن التقسيم الثلاثي هو بالأساس عامل تقسيمي، لا توحيدي، في نواة تشكُّل الدولة الحديثة في العراق. وعلى الرغم من وجاهة هذا الادعاء شكليًّا، فهناك ثلاثة عناصر بالغة الأهمية يجب استحضارها في سيرورة تكوُّن العراق الحديث وبناء أعمدته المؤسِّسة للدولة في مفهومها العام؛ هي: المركزية الإدارية التي غطت ولايات العراق العثماني الثلاث (ولا سيَّما في القرن التاسع عشر) تحت قيادة ولاية بغداد، وتداخلات هذه المركزية في عملية "الاندماج الاجتماعي - الاقتصادي" التي فرضتها الجغرافية المحلية بين الولايات الثلاث. الاهتمام بمصطلح "العراق" بدلالة جغرافية شبه بديلة (للتسميات التقسيمية الثلاثية)، ولا سيَّما منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعدًا، وانعكاسات هذا الاهتمام في المراسلات والتقارير الإدارية والدبلوماسية. تمظهرات استخدام مصطلح "العراق" لدى الفئات المجتمعيَّة العامة والنخبوية العراقية، وحضوره الفاعل بوصفه معطى جغرافيًّا وهوياتيًّا معروفًا بداهةً. إن عملية القفز على تقييم معطيات هذه العناصر الثلاثة، أو محاولة إفراغ أحدها أو تغليبه على الآخر، هي عملية غير مُجدِية، وبعيدة عن التحري التأريخي الواقعي لنشأة العراق الحديث (وطنًا وهوية). أقول ذلك لأن تصورات فرضية الدولة المصطنَعة (ولا سيَّما السردية البريطانية) قد ركزت على الأنموذج الأوروبي في تكوين الدولة الحديثة؛ ذلك الأنموذج الذي يقدِّم مفهوم "الدولة-الأمّة" على ما سواه من تفسيرات تكوين الدول الحديثة، ويقصرها عليه، معتبرة أنه الأنموذج الأكمل في قياس درجة تطور الدول الحديثة النشأة واندماج سكانها وتجانسهم داخل إطار الحدود الإدارية. وبهذا المعنى، فإن عدم التماهي مع أنموذج "الدولة-الأمّة" يؤدي إلى الإخفاق في تجانس المكونات الشعبية، وإقحام الإدماج القسري المختلَق في تكوين الدولة وبُناها، سياسيًّا وإداريًّا؛ وهذا بالضبط ما أرادت أن تُروِّجه السردية البريطانية ونظيراتها.

1. ولايات متأقلمة وسيرورات لاندماج لاجتمعي  -لاقتصادي: بغداد نواةً للمركزة الإدارية

يثور سؤالان مهمان: كيف برزت حالة المركزية التي شهدتها ولاية بغداد ومكَّنتها من الإشراف على بقية الوحدات الإدارية؟ وهل مارست ولاية بغداد سلطاتها الإدارية خارج نطاق حدودها الإدارية، وأقامت بذلك أول أنماط "التوحُّد الإداري الفوقي"؟ الواقع أن الإجابة عن مثل هذين السؤالين تستلزم إبراز أمثلة وشواهد وأسبقيات إدارية مارست في ضوئها ولاية بغداد تلك المهمات، وجعلتها أولى لبنات البناء التكويني للدولة العراقية الحديثة. ويرى المتابع للوحدات الاندماجية الأولى بين بغداد

  1. ستتم مناقشة ذلك بالتفصيل في الدراسة، انظر على سبيل المثال: هنري فوستر، نشأة العراق الحديث، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، ج 1 (بغداد: منشورات المكتبة العلمية، 1989)، ص  12؛ غسان العطية، العراق نشأة الدولة 1908  -  1921، ترجمة عطا عبد الوهاب، تقديم حسين جميل (لندن: دار اللام، 1988)، ص 36.

والولايتين الأخريين المكوِّنتين لإقليم العراق تلك التحولات في المنظومة الإدارية خلال العهد العثماني؛ فقد رصد كثير من المؤرخين، ولا سيَّما الغربيين، تلك المؤشرات الأولى الدالة على "التوحُّد الإداري" مع بغداد، ولا سيَّما منذ نهاية القرن السابع عشر، وعَدُّوه "أمرًا مسلَّمًا به"4؛ فقد أشار لونكريك وأندرياس بيركن وأداموف في مؤلَّفاتهم التوثيقية إلى أن بغداد قد شهدت منذ تسعينيات القرن السابع عشر تجارب حكم ووحدة اندماجية طويلة الأمد مع البصرة وشهرزور. ورأى لونكريك أن: "تحرُّكات حسن باشا [والي بغداد 1704  -  1723] في إيالة شهرزور تعد مهمة، لأنها تتضمَّن عملية امتصاص وإدماج، كما كانت حركاته في البصرة من قبل"5. وفوق ذلك، نرى أن ولايتي الموصل وشهرزور قد أصبحتا خاضعتين لبغداد على نحو فاعل في عام 1780، حتى في حالة تمتع الموصل بنوع من الاستقلال الذاتي، وكان ذلك محور ما استنتجته ببراعة المؤرِّخة الأميركية اللبنانية دينا رزق خوري من الأرشيفات العثمانية في عملها الوثائقي المهم عن تاريخ الموصل حينما قالت: "ضمن السياق العراقي، لا بد لاستثنائية الوضع الموصلي أن توازَن بفهم واضح للتحولات الإقليمية. لقد شهد القرن التاسع عشر ذروة إعادة التراصف في التسلسل الهرمي للتجارة والمراكز الإدارية في العراق، الذي بدأ في النصف الثاني من القرن الثامن عشر [...] لقد أتاح توسُّع التجارة مع بريطانيا لحكام بغداد المماليك بناء بيوتاتهم العسكرية على احتكار المبالغ المستلَمة من هذه التجارة. وأصبح المجتمع التجاري [الماركنتيلي] الموصلي منشغلً على نحو متزايد في التجارة مع الجنوب، فعيَّ له وكلاء في البصرة وبغداد. إن الروابط الاقتصادية مع بغداد تعززت بفعل انشغال حكَّام بغداد في سياسة الموصل في النصف الثاني [من القرن التاسع عشر] [...] وبلغت الخطط الجشعة لبغداد أوجها في العقود الأولى من القرن التاسع عشر... ومع بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أتاحت التقسيمات الإدارية للعراق أفضلية لبغداد، بمنحها السيطرة على مناطق تمتد بعيدًا حتى الشمال إلى ماردين. وبالتالي، فإن هيمنة بغداد لم تأتِ مع إصلاحات التنظيمات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بل إن الإجراء الإداري لهذه الإصلاحات بُنِي على إعادة اصطفاف مناطقية بدأت منذ القرن الثامن عشر"6. وبناء عليه، كانت مركزية ولاية بغداد إحدى أبرز سمات نشأة "الوحدة الجغرافية - الإدارية التدرُّجية" لدولة ناشئة في طور التشكُّل؛ فقد استمرت تبعية الوحدات الإدارية لولاية بغداد حتى في لحظات الانفصال الوقتية؛ إذ سرعان ما كانت تلك الوحدات الإدارية تعود لتخضع لبغداد من جديد. وبينما نجد تلك التحولات التدرجية في التبعية والخضوع الإداري لولاية بغداد، نرى في المقابل أن ثمة واجهات أخرى للتحولات التدرجية، ولكن على مستوى الاندماج الاجتماعي؛ فقد عكست المناقلات الإدارية وحركة الناس الانسيابية في العهد العثماني المتأخر وجود "مجتمع محلي كبير متجانس" تخطَّى أطر عمل التفرد الإداري للأقسام الفرعية المكوِّنة لوحدات الولايات التي قد تنبثق وتختفي تبعًا لمتغيرات السياسة الفوقية. فمثلً، أشارت بيانات القاعدة البحرية العثمانية في ولاية البصرة في أواخر القرن التاسع عشر إلى أن البغداديين تحديدًا، وأناسًا من الموصل إلى حدٍّ ما أيضًا، كانوا قد شغلوا مناصب قيادية إلى جانب شريحة نخبوية من المواطنين المهنيين

  1. Reidar Visser, "Proto-Political Conceptions of 'Iraq' in Late Ottoman Times," International Journal of Contemporary Iraqi Studies , vol. 3 , no. 2 (2009), p. 144.
  2. ستيفن هيمسلي لونكريك، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، ط 6 (بغداد: منشورات مكتبة اليقظة العربية، 1985)، ص 157؛ وانظر أيضًا: Andreas Birken, Die Provinzen des Osmanischen Reiches (Wiesbaden: Dr. Ludwig Reichert Verlag, 1976), p. 226 ; وأشارَ المؤرخ العراقي، علاء موسى كاظم نورس، إلى اكتمال صيرورة الوحدة العراقية مع ولاية البصرة: "وتمكن [حسن باشا] في سنة 1708 من استرجاع البصرة من أيدي المنتفق [...] غير أن الهيمنة الكاملة لحكومة بغداد على البصرة كانت سنة 1719 إذ أنيطت إلى ابنه أحمد باشا، فكان هذا بداية لتوحيد العراق وجعله تحت حكم باشا بغداد [...] إذ سبق أن تولى الأخير ولاية شهرزور سنة 1715 "، انظر: علاء موسى كاظم نورس، حكم المماليك في العراق 1750  -  31 18، سلسلة الكتب الحديثة 84 (بغداد: دار الحرية للطباعة، 1975)، ص 18  -  22؛ الكسندر أداموف، ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها، ترجمة هاشم صالح التكريتي، ط 2 (بيروت/ لندن: شركة الوراق للنشر المحدودة، 2011)، ص 390، 398.
  3. دينا خوري، الموصل: الدولة والمجتمع الإقليمي في الإمبراطورية العثمانية 1540  -  1834، ترجمة يحيى صديق يحيى، مراجعة وتقديم جزيل عبد الجبار الجومرد (الموصل: مطبعة الديار، 2011)، ص 71  -  72، 218  -  220.

من مختلف ضواحي إسطنبول7. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أثمرت عملية التحرك الانسيابية التي شهدتها المكونات الاجتماعية للإقليم العراقي تخطي العوائق المفترضة التي روجها معتنقو عدم اندماج فئات المجتمع العراقي؛ فمثلً، شكَّل تركمان كركوك عنصرًا بالغ الأهمية في الجهاز الإداري الحكومي (البيروقراطي)، وبوصفهم حرفيِيّن مهَرة من الشمال وحتى الجنوب، واندمج بعضهم في وسط العراق واشتهر بأصوله البغدادية8. إنَّ تتبع سيرورات "الاندماج الاقتصادي" وحاجات السوق المحلية التي انتظمت في ولايات العراق الثلاث هو جزء مهم في مقوِّمات تشكُّل كينونة "الدولة العراقية" بمعناها العام. بل إن حاجة السوق بين هذه الولايات، وحجم التبادل التجاري وانسيابيته، فاقا حاجة الجوار الجغرافي الإقليمي؛ الأمر الذي دفع إلى اعتقاد إمكانية دحض ادعاءات عدم تناغم هذه الولايات. والواقع أن السردية البريطانية ونظيراتها أهملت، أو بالأحرى تجاوزت، المرجعيات الجغرافية – الاقتصادية، وأغفلتها. ومهما يكن من أمر، يكفي أن نستقي معلومات مهمة من أنموذجين بارزين من المدوَّنات التاريخية قدَّما تصوُّرات شاملة عن الطبيعة الاقتصادية الاندماجية للولايات العراقية في مطلع القرن التاسع عشر وفي مطلع القرن العشرين. أما الأنموذج الأول، فهو المدونات التي كتبها الرحالة، المقيم البريطاني في العراق، مندوب شركة الهند الشرقية، كلوديوس جيمس ريج، في الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وأما الأنموذج الآخر، فهو المدونات التي كتبها القنصل الروسي في ولاية البصرة، الكسندر أداموف، خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين. أوضح ريج كيف أن حاجة السوق البغدادية جعلت لعملية جلب الخشب من جبال كردستان أهمية كبرى في هذه الولاية9. وكانت علاقة شرق كردستان العراق التجارية ببقية مناطق الولايات العراقية متيسرة؛ بل كان لسكان كركوك دور محوري، بوصف هذه المدينة حلقة وصل وطريق إمداد: "إن مدينة كركوك هي السوق التي تُرسَل إليها جميع منتجات هذا القسم من كردستان، لا من الكرد أنفسهم، بل من الكركوكيين الذين يأتون إلى السليمانية لهذا الغرض، ويُقرضون المزارعين المال لقاء شلَبهِم وعسلهم... ويصدَّر العفص إلى كركوك، ومنها إلى الموصل"10. أما تجارة ولاية بغداد مع المناطق الشمالية فبلغت شأوًا كبيرًا، وأوضح ريج عملية المتاجَرة التي قامت بها مدينة السليمانية؛ فمن بين ست مناطق مارست السليمانية تجارتها معها، حظيت مدن كركوك والموصل وبغداد بالنصيب الأوفر11؛ الأمر الذي يكشف عملية اندماجية تجارية فرضها التجاور الجغرافي الطبيعي لهذه المناطق. في المقابل، تطرَّق أداموف إلى أن ولايتَي بغداد والموصل كانتا متناغمتين في الصادرات المتنوعة خلال المدة 1891  -  1910: "إنَّ شعر الماعز والصمغ والعفص وجزءًا من الحنطة المصدَّرة من بغداد تأتي من ولاية الموصل"، بل إن اعتماد ولاية الموصل على تصدير الصوف جعلها غير قادرة عن الاستغناء عن بغداد خلال العقد الأول من القرن العشرين: "إن القسم الأغلب من الصوف يُنقَل إلى تلك المدينة [بغداد] لغرض كبسه في المكابس الهيدروليكية واليدوية القائمة، ولهذا أصبحت أهمية بغداد التي تمرُّ عبرها ثلاثة أرباع كمية الصوف المصدَّرة تفوق أهمية البصرة"، وبينما احتكرت بضع شركات مسيحية في بغداد التجارة بشعر الماعز المجلوب من كردستان، اضطرت

  1. بصرة ولايتي سالنامة سي سنة 1308 [1890]، بصرة مطبعة سنده باصلمشدر، دفعه 1، ص 65  -  69؛ بصرة نك ولايت سالنامة سي سنة 1317 [1899]، ولايتيمطبعة سنده باصلمشدر، اوچنجي دفعه، ص 118  -  122؛ أداموف، ص 398  -  399. وقد استمرت عملية المناقلة من دون النظر إلى المحددات الإدارية حتى مطلع القرن العشرين؛ إذ أشارت مجلة لغة العربإلى بروز مصطلح "مفتش العراق": "عين جلال بك متصرف كربلاء سابقًا، ووالي ولاية البصرة مفتشًا عامًا لإصلاح شؤون العراق" في عام 1912، انظر: لغة العرب: مجلة شهرية أدبية علمية تاريخية، السنة الأولى، العدد 12 (أيار/ مايو 1912)، ص 493.
  2. ستيفن هيمسلي لونكريك، العراق الحديث من سنة 1900 إلى سنة 1950، ترجمة سليم طه التكريتي، ج 1 (بغداد: دار الفجر للنشر والتوزيع، 1988)، ص 30.
  3. كلوديوس جيمس ريج، رحلة ريج: المقيم البريطاني في العراق عام 1820 إلى بغداد – كردستان - إيران، ترجمة اللواء بهاء الدين نوري (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2008)، ص 109.
  4. المرجع نفسه، ص 143  -  144.
  5. المرجع نفسه، ص 289  -  290.

ولاية البصرة إلى الاعتماد على بغداد في تصدير الجلود غير المدبوغة. واستمرت أهمية بعض البضائع في ميزان الصادرات بين هذه الولايات العراقية، وكشفت انسيابية جغرافية متراصَّة في العقد الأول من القرن العشرين؛ إذ بقي العفص يَرِد إلى ولاية بغداد من كردستان العثمانية وكردستان الفارسية، ليُسَل بعد ذلك عَبْ البصرة إلى بريطانيا وأميركا، بينما سدَّت ولاية بغداد، في العقد ذاته، حاجتها المتعاظمة إلى الأعمدة والألواح الخشبية من خلال ولاية الموصل12. وعلى أي حال، كان كيان "العراق الموحد"، من البصرة إلى شمال بغداد، حاضرًا في أغلب القرن الثامن عشر، بل في مدة لا بأس بها من القرن التاسع عشر. وتتعلق نقطة جوهرية أخرى لا تقل أهمية عما أشير إليه آنفًا بنظرة المناطق الشمالية إلى ولاية بغداد، ولا سيَّما خلال الفترة 1780  -  1880، على أنها عاصمتها الإقليمية. وقد خلَّف هذا الأمر، وفقًا للمؤرخ فسر، إرثًا من المركزية؛ إذ كانت بغداد، في مراحل زمنية طويلة استمرَّت قرونًا، عاصمة لأناس من البصرة في الجنوب إلى السليمانية في الشمال13.

2. مأسسة التداول العثمني لمصطلح "العراق": داللت جغرافية/ إدارية - خرائطية

ثمة إشارات خاصة تتعلق بتطور تداول مصطلح "العراق" كانت قد وردت تباعًا في المرحلة الأولى من عملية التأرخة المتعلقة بالجغرافية العراقية، وتجلَّت في صنفين مهمين من المصادر، يمكن من خلالهما متابعة تلك الإشارات: أولهما هو ما تناولته المدوَّنات والتقارير العثمانية الرسمية، والآخر هو الخرائط العثمانية. بدأ التدرُّج في إضفاء الطابع المؤسسي (الرسمي العام) في استخدام مصطلح "العراق" في المرحلة الأولى من عملية التأرخة تجاه الجغرافية العراقية ليبرز في علم رسم الخرائط Cartography على نحو أوضح في مراحل لاحقة ومتأخرة، جاءت بعد عملية التأرخة. لقد استخدم العثمانيون، على النقيض مما أورده كثير من الباحثين الغربيين، مصطلح "العراق" على نحو متكرر لوصف هذه الأراضي، فضلً عن استخدامهم إياه بمعنى سياسي–إداري. فقد شق مصطلح "العراق" طريقه في التقارير والمدونات العثمانية على نحو متكرر منذ القرن السادس عشر14، أي بُعَيد انضواء أراضي العراق تحت حظيرة الدولة العثمانية؛ إذ برزَ اكتساب الصفة العمومية لهذا المصطلح في التداول العثماني خلال القرنين الأولين للحكم العثماني، حين تمظهر مصطلح "العراق" في كثير من الأحيان في الأحوال الجغرافية العامة، كما في تعابير على غرار طرف العراق أو محيطه "عراق طرفلرنده"، أو في التعبير عن جهة العراق "عراق جهتلرنده"؛ حيث أُدرِجت البصرة وبغداد في هذا التوصيف المفاهيمي على نحو جلي15. أي إن التقارير العثمانية أسبغت على منطقة جغرافية واسعة انضوت إليها ولايتان كبيرتان معروفتان، هما بغداد والبصرة، معنى جامعًا وذا صفة توحيدية. لم تقتصر تلك التعابير على الإشارات الجغرافية العامة، ولكنها تعدَّت ذلك لتشمل بعض ملامح الكينونة السياسية - الإدارية الناشئة، على غرار الإشارات الواردة في التقارير الأرشيفية العثمانية الخاصة بأحوال العراق بتعبير "عراق أحوال سي" العثماني، أو الاستقصاء عن النظام السياسي في العراق بتعبير "عراق نظامنن استحصالي" العثماني؛ بل إن بعض التقارير العثمانية أشارت تحديدًا، وإن بصفة غير رسمية، إلى إطلاق تعبير أراضي وبلاد العراق "عراق مملكته" كأحد أوصاف الحكم الذاتي الذي تمتعت به هذه الأراضي في حقبة الحكم المملوكي 1747  -  183116. ومن بين الإشارات المهمة ذات الدلالة في هذا السياق ما تناولته رسالة باللغة العربية وجهها

  1. أداموف، ص 527، 543  -  545، 550، 580.
  2. Visser, p. 145.
  3. أبرز مصداق لهذا التحري تصدُّر اسم "العراق" في عنوان الحملة التي قام بها السلطان سليمان القانوني (حياته 1495  -  1566 / حكمه 1520  -  1566) على العراق وفتحه بغداد في عام 1534، إذ عُر فت في التواريخ العثمانية باسم "عراقين سفري"، لأنها أسفرت عن انضواء "عراق العجم" أي القسم الشمالي الغربي من إيران والقسم الشمالي الشرقي من العراق، و"عراق العرب"، أي القسم الأوسط والجنوبي من العراق، للدولة العثمانية. كما أشار مرافق حملة السلطان سليمان القانوني، مطراقجي نصوح السلاحي، في عنوان كتابه صراحةً: بيان منازل سفر عراقين، انظر: بيات، ص 255  -  256، 268؛ مطراقي زاده، رحلة مطراقي زاده: لنصوح السلاحي الشهير بمطراقي زاده (توفي بعد 958 ه)، ترجمة صبحي ناظم توفيق، تحقيق عماد عبد السلام رؤوف (أبوظبي: المجمع الثقافي، 2003)، ص 9.
  4. Visser, pp. 145  -  146.
  5. من أجل متابعة عهد المماليك في العراق، انظر: نورس.

السلطان محمود الثاني (1808  -  1839) إلى بعض شيوخ العشائر العراقية في عام 1830، حثَّهم فيها على مساندة الوالي المكلَّف، علي رضا باشا اللاظ (1831  -  1842) بعد عزل والي بغداد، داود باشا (1817  -  1831)17، بسبب خروجه ومخالفته الأوامر السلطانية، فضلً عن اتهامه بقتل مبعوث السلطنة، محمد صادق أفندي. ومما جاء في مضمون هذه الرسالة الاستدلال العام الذي طرحه السلطان محمود الثاني بشأن مصطلح العراق، واقترانه بمصطلح آخر هو مصطلح "الخطة" الذي سبق أن تناولته المصادر التاريخية العربية الإسلامية للاستدلال على أقاليم المدن وحدودها. وجاء في نص الرسالة: "فاعلم أن داود باشا الوالي بإيالة بغداد، لمَّا طال زمان غيَّ شأنه وازداد عن الحق عميانه [...] وكثر أنواع الجور والتعديات يومًا فيومًا على أهالي خطة العراق"18. والواقع أن أهمية هذه الرسالة السلطانية متأتية من النظرة التي حملها السلطان العثماني تجاه ولايات العراق، وإشارته الصريحة إلى مفهوم "العراق" بوصفه النظير العملي للولايات الثلاث المكوِّنة للعراق، فضلً عن إشارة أخرى تنم عن اتساع الرقعة الجغرافية واندماج الوحدة الإدارية من ولاية البصرة إلى غاية شمال العراق (شهرزور) تحت يد الوالي المكلَّف الجديد: "ولتنفيذ إرادتنا هذا [هذه] وجَّهنا إيالة بغداد والبصرة وشهرزور إلى دستور وزيري علي باشا"20. والوثيقة (1) توضح ذلك. لقد اتسعت وتائر استخدام مصطلح "العراق" اتساعًا كبيرًا مع حلول أواخر القرن التاسع عشر، حين شغل مفهوم العراق "حيزًا إداريًّا مستقلًّ"، وتزامن ذلك مع تبنِّي العثمانيين ما عُرِف اصطلاحًا باسم "جيش العراق: عراق أوردوسو"، ليعبِّ العثمانيون بذلك عن وحدة منفصلة للجيش السادس الذي شملت مسؤولياته عموم العراق، وكان مقرُّه بغداد21، وليتجاوزوا بذلك التقسيمات الإدارية الفرعية السابقة التي طرحت في المكان من حين إلى آخر، ولتضاف وظائف ومهمات أخرى للصلات ما بين "العراق" بوصفه منطقة جغرافية، و"العراق" بوصفه مجالً سياسيًّا. لقد اشتدَّت فكرة إضافة مصطلح "العراق" بوصفه اسمًا جامعًا يُذكَر إلى جانب أسماء الولايات العثمانية الثلاث، ولكن بطباعته بصيغة أكبر في الخرائط العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وعلى الرغم من هذا التداول الحثيث (ولا سيَّما إلى جانب اسمَيْ ولايتَيْ بغداد والبصرة)، لم ينتبه إلا قلة من الباحثين لهذا التحوُّل الفني الجديد في مضمار رسم الخرائط العثمانية، ولدور هذه الإضافة النوعية وإسهامها في الدفع باتجاه تبنِّيها اسمًا للدولة الحديثة التي نشأت في الأراضي العراقية. والخريطة (1) توضح ذلك. وأشارَ صفوت كيلانكل، أحد مؤلفي كتب الجغرافية التي كانت تُدرَّس في المدارس الثانوية في الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، في أحد خرائط كتابه: يكي رسملي وخريطه لي جغرافياي رياضي وعثماني، إلى تعددية مصطلح العراق واستخداماته؛ إذ برزت عبارة "عراق عرب" (العراق العربي ذو الغالبية السكانية العربية) في القسم الأعلى من هذه الخريطة لتغطي ولاية بغداد، أما القسم الأسفل من الخريطة فقد غطته عبارة "عراق" على الإقليم المعني بولاية البصرة، لتتواءم مع ما وُضِع على ولاية بغداد، ولتوحي بأن الولايتين تتأطران بمشترك واحد، فضلً عن ذكر عبارة "بادية العراق" في إشارة واضحة إلى الامتدادات الجغرافية الواسعة التي تقع إلى جنوب ولاية البصرة. ولم تكن عملية إضفاء مصطلح "العراق" على الخرائط المعنية بالولايات العراقية خلال العهد العثماني مقصورة على مَن عمِل في سلك التعليم

  1. عبد العزيز سليمان نوار، داوُد باشا والي بغداد (القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1968). في الواقع، زخرت تعبيرات "العراق" في العهد المملوكي، وأطلق على الوالي في هذا العهد، في بعض الأحيان، تعبير "وزير العراق". وكان الوالي داود باشا نفسه قد عُيِّ على ولايات بغداد والبصرة وشهرزور. ونجد متابعة مهمة لتجليات مصطلح "العراق" في العهد المملوكي في كتاب دوحة الوزراء الذي أُلِّف وطُبع بتكليف من الوالي داود باشا في عام 1830، انظر: رسول الكركوكلي، دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء، ترجمة موسى كاظم نورس (قم: منشورات الشريف الرضي، 1413 ه)، ص 275.
  2. سنان معروف أغلو، العراق في الوثائق العثمانية: الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق خلال العهد العثماني (عمَّان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2006)، ص 233  -  234، وأصل الوثيقة: ص 280  -  281. 19 المرجع نفسه.
  3. Bruce Masters, The Arabs of The Ottoman Empire 1516  -  1918: A Social and Cultural History (Cambridge: Cambridge University Press, 2013), p. 163.

والتدريس، كما في المثال المذكور آنفًا، ولكنها شملت مَن عملوا في السلك العسكري أيضًا، ممن وظفوا مهاراتهم الفنية في رسم الخرائط؛ ففي عام 1868 أَصدر الملازم أول حافظ علي شريف في باريس أطلس سمّاه الأطلس الجديد Atlas Yeni، ضمَّ خريطة كُتِبت عليها عبارة "عراق عرب" (أي ما يعرف بالعراق العربي) غطَّت جنوب العراق ووسطه. والخريطة (2) توضح ذلك. الوثيقة (1) رسالة السلطان محمود الثاني وإشارته إلى مصطلح "خطة العراق" ومَرْكزة الإدارة من الجنوب لغاية الشمال في عام (1830)

المصدر: سنان معروف أغلو، العراق في الوثائق العثمانية: الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق خلال العهد العثماني (عمَّان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2006)، ص 280.

الخ(يطة 1)
الخريطة (1)
مصطلح "عراق عرب، وعراق" بوصفه دلالة جغرافية - خرائطية بارزة لولايتَي بغداد والبصرة في خريطة عثمانية
صادرة في عام 1913
المصدر:
Safvet Geylanlıgil , Yeni Resimli ve Haritalı Coğrafyayı Riyazî ve Osmanî (İstanbul: Matbaa - i Hayriye ve
Şürekâsı , 1331 [1913]).
هذه الخريطة مقتبسة من النسخة العثمانية، إذ وردت بعد ص 180 مباشرة.
83
الخ(يطة 2)
الخريطة (2)
مصطلح "عراق عرب" يغطي جنوب العراق ووسطه في خريطة عثمانية صادرة في عام 1868
المصدر:
Servet Özağaç , Cumhuriyet Dönemi Türk Haritacilik Tarıhı (Ankara: Yüksek Lisans Tezi , Türk İnkılap
Tarıhı Enstitüsü , Ankara Üniversitesi , 2006), pp. 50 - 51 ; Kemal Özdemir , Ottoman Cartography (İstanbul:
Creative Yayıncılık ve Tanıtım Ltd. Şti., 2008), p. 244 ; Mustafa Önder , Geçmişten Günümüze Resimlerle Türk
Haritacılık Tarihi (Ankara: Harita Genel Komutanlığı , 2002), p. 130.
84

والواقع أن تمظهر مصطلح "العراق" في الخرائط المعنية بتوثيق الولايات العراقية العثمانية كان قد شق طريقه مع أوائل الأطالس العثمانية النادرة التي طُبِعت مع مطلع القرن التاسع عشر؛ إذ نجد في الأطلس الجديد Atlas Cedid، وخصوصًا في الخريطة المعنية بشبه جزيرة الأناضول ومنطقة الهلال الخصيب، بروز مصطلح "عراق عرب" الذي غطى جميع ولاية البصرة وولاية بغداد، وصولً إلى نقطة تقع فوق بلدة قرة تبة وجنوب طاش كوبري في كركوك. والخريطة (3) توضح ذلك. والأطلس الجديد الذي اقتُبست منه هذه الخريطة، هو أول أطلس جغرافي يُطبع في العالم الإسلامي، ولم تُطبع منه سوى 50 نسخة، وبهذا فهو يعد من أندر الأطالس الجغرافية ذات القيمة التاريخية على مستوى العالم والشرق الأوسط. وأخذ مصطلح "العراق" يتمظهر في المطبوعات العربية مع مطلع القرن العشرين، وتجلى ذلك في الكتابات الجغرافية العربية التي نحت منحى السياق العثماني في تناول هذا المصطلح في الخرائط الجغرافية العامة، ونجد في الخريطة (4) مصطلح "عراق" يتوسَّط المنطقة الممتدة بين ولايتي بغداد والبصرة على نحو فاق في حجمه اسمَي مركزَي الولايتين المذكورتين. والمثير في الأمر أن المستقرئ للوثائق العثمانية يرى جليًّا المناحي والتعبيرات الجديدة التي وُظِّف فيها مصطلح "العراق"، وكيف بدأ يتداخل ليعبِّ عن تجاوزه الإطار الجغرافي الضيق الذي رُسِم له في السابق (أو بالأحرى الذي ألغى دوره)، حين تمَّ تبني أسماء الولايات العراقيَّة الثلاث؛ فنجده هذه المرة يتداخل في القضايا الحساسة التي أقلقت الدولة العثمانية. على سبيل المثال، أبدى الإداريون العثمانيون خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر قلقهم من الانتشار المطّرد للتشيُّع في الجزء الشرقي من السلطنة العثمانية؛ وسرعان ما عبَّ أحد التقارير عن هذا القلق بعنوانه "انتشار التشيُّع يومًا بعد يوم في العراق"، ليتخطى العثمانيون بهذا التعبير الأطُر والتسميات الإدارية المعروفة للولايات. ويتضح ذلك في الوثيقة (2) في الاقتباس الوثائقي. وفي وقت لاحق، وتحديدًا في عام 1907، أشارت رئاسة الوزراء العثمانية إلى التدابير التي من شأنها أن "تعزز العقيدة والتسنُّن في العراق"، ومنها زيادة أجور الدعاة السنّة، وتحسين ظروفهم في كل من البصرة وبغداد. واستمرت هذه التعبيرات الدالة على أوضاع العراق بدلً من استخدام الأسماء الصريحة للولايات العثمانية، حتى بعد ثورة عام 1908 ووصول الاتحاديين إلى سدَّة الحكم؛ ففي شباط/ فبراير 1910، كان ثمة نقاش آخر في رئاسة الوزراء العثمانية بشأن الفوائد المتوخاة من إرسال المزيد من الدعاة والمعلمين إلى "العراق"22. والواقع أن الولايات العثمانية العراقية شهدت تحولً مهمًّا مع إطلالة العقد الثاني من القرن العشرين، تَمثَّل بنوع من النزوع المركزي الذي زاوج بين دمج السلطات الإدارية للولايات العثمانية الثلاث بيد والي بغداد، وتداوُل مصطلحَي "العراق" و"الخطة العراقية" في الأدبيات النشرية المحلية المعنية بتأرِخة عهد الوالي ناظم باشا (1910  -  1911)23 الذي، على الرغم من قِصَ عهده، لم يكن مجرَّد والٍ على ولاية بغداد، ولكن مهماته الإدارية اتسعت لتشمل الولايتين الأخريين، ولُقِّب بالمُصلح الثاني (تيمُّنًا بالمصلح الأول، الوالي الشهير، مدحت باشا) نتيجة أعماله الخدمية الشهيرة. ولهذا، كان العثمانيون أيضًا قد أسهموا، بطريقة أو بأخرى، في إنماء نوع من البنية الفوقية للهوية الرمزية للكيان العراقي الإقليمي الجنيني بعاصمته بغداد، على غرار ما سعى إليه الوالي ناظم باشا في عام 1911، حينما نظَّم مؤتمرًا عشائريًّا لعموم "العراق"24. في المقابل، تناغمت المنشورات المحلية العراقية مع واقع التحولات والألقاب الجديدة. ولذلك، نرى في أحد المنشورات غير الرسمية إضفاء نعوت وأوصاف على الوالي ناظم باشا، مثل "ملجأ الولاية البغدادية، ومُصلِح الخطة العراقية"، كما هو موضح في الوثيقة (3).

  1. Visser, p. 146 ; B.B.A., Y.E.E., 14 / 257 / 126 / 8 , 13 August 1323  /  26 August 1907 , Quoted in: Selim Deringil, "The Struggle against Shiism in Hamidian Iraq: A Study in Ottoman Counter-Propaganda," Die Welt des Islams , New Ser., Bd. 30 , Nr. 1 / 4. (1990), p. 52.
  2. لقراءة موسعة عن عهد هذا الوالي، انظر: نضر علي أمين الشريف، "إدارة الوالي ناظم باشا لولاية بغداد 1910  -  1911 "، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، العدد 90 (2009)، ص 124  -  157.
  3. Retrospect in IO/LPS/ 10 / 732. Fortnightly report no. 20 , 11 October 1918 , Quoted in: Visser, p. 148.
الخ(يطة 3)
الخريطة (3)
مصطلح "عراق عرب" في خريطة عثمانية نادرة مطلع القرن التاسع عشر (1803)
المصدر:
Özdemir , 198 ; " Osmanlinin Basili ilk Atlasi , Atlas Cedid ," Suffagahat , accessed on 30 / 4 / 2018 , at:
https:// goo. gl / 7 BaWc 7
86
الخ(يطة 4)
الخريطة (4)
مصطلح "عراق" في كتاب جغرافي باللغة العربية مطلع القرن العشرين (1912)
المصدر: أندراوس كرشه ويورغاكي أبيض،، الثمار الشهية في جغرافية المملكة العثمانية (طرابلس، لبنان: المطبعة الوطنية 1912)، بعد ص 92.
87
ال(ث قة 2)
الوثيقة (2)
اقتباس يوضح استخدام مصطلح "العراق" للتعبير عن القلق العثماني الطائفي في إقليم العراق في عام 1889
المصدر:
YEE 9 / 3. Memorandum by Mehmed Ali Bey , 8 / 1 - 1304 / 20 January 1889 , Qouted in: Reidar Visser , " Proto -
Political Conceptions of ' Iraq ' in Late Ottoman Times ," International Journal of Contemporary Iraqi
Studies , vol. 3 , no. 2 (2009), p. 146 ; Reidar Visser , " Ottoman Provincial Boundaries , Shiite Federalism , and
Energy Conflict in Iraq ," historiae. org , accessed on 30 / 4 / 2018 at: https:// goo. gl / YNW 9 Q 4
الوثيقة (3)
نعتا "العراق" و"الخطة العراقية" في إهداء كتاب تقويم هلال الزوراء إلى الوالي ناظم باشا (1911)
المصدر: ليون لورنس، تقويم هلال الزوراء: لعام 1911 (بغداد: مطبعة الآداب، 1911)، ص 2، 29.
88

3 ي. ولاية الموصل وانتمؤها العراقي ف التصورات العثمنية

يثور تساؤل مهم عن ولاية الموصل (بتركيبتها الإدارية الواسعة النطاق): هل يوجد ارتباط وظيفي لهذه الولاية بمصطلح "العراق"؟ حينما تم تداول مصطلح "العراق" بكثافة للتعبير عن البديل العملي من ولايتَي البصرة وبغداد، وجدنا إشارات وأدلة أرشيفية ومدوَّنات عثمانية أشارت صراحة إلى تمازج ولاية الموصل العثمانية مع مصطلح "العراق" على غرار ولايتَي بغداد والبصرة. يتجلى ذلك في إحدى الوثائق العثمانية التي عالجت موضوعات تخصُّ ولاية الموصل، وأشارت إلى تعبيرات عُدَّت فيها هذه الولاية جزءًا لا يتجزأ من كينونة "العراق"، وإلى أن "العراق" هو الإطار الإداري الجامع للولايات الثلاث؛ إذ عالجت مضبطة يعود تاريخها إلى عام 1886، حررتها لجنة مختصة مكوَّنة من مسؤولين عثمانيين، بينهم الصدر الأعظم وعدد من وجهاء اللجان والتنظيمات العثمانية ورؤسائها، ورُفِعت إلى دائرة الكتابة في قصر يلدز (مقر السلطان)، شؤون الأمن الداخلي لولايتي بغداد والموصل. وبينما تناولت هذه المضبطة الشؤون الأمنية، والقلاقل التي أحدثتها بعض العشائر الكردية في كركوك، وأطرافها، فإن استخدام تعبير "الخطة العراقية" وإناطة مهمات الأمن في ولاية الموصل بعهدة والي بغداد هما مؤشران مهمّان دالّن على نمطية التصورات العثمانية إزاء الولايات العراقية، وعَدِّها إدارة يكمل بعضها بعضًا، وشبه مندمجة. ومما جاء في هذه المضبطة: "ونظرًا لأن مثل هذه الحوادث العادية يمكن أن تحصل في كل مكان، ولأن منع حدوثها يدخل ضمن المهام الاعتيادية... فإن تعيين هيئة فوق العادة وإرسالها سيجعل مسألة داخلية في الخطة العراقية [...] لأجل تمام وانتظام الخطة العراقية ومحو آثار الشقاوة، يُعهَد إلى سلطة الوالي الموجود في ولاية بغداد. وإن كون ولايتي الموصل والبصرة من المكملات المدنية الطبيعية لبغداد يعني أن دائرة صلاحيات الفيلق الهمايوني السادس تشملها أيضًا25 [...] ارتؤي أن من مقتضيات الإصلاحات المتصورة هو إعادة ولاية البصرة والموصل إلى متصرفيات، وإلحاقها بولاية بغداد كما في السابق [...] وبناءً على اتضاح لزوم إجراء الإصلاحات المطلوبة في الخطة العراقية من قبل السلطات المحلية [...] يجب مراجعة [السلطات المحلية] أيضًا"26. وثمة إشارة أخرى على درجة عالية من الأهمية وردت في عام 1887 في البرقية التي أرسلها مأمور الإصلاحات في كركوك، المشير إسماعيل حقي، إلى دائرة رئاسة الكتابة في قصر السلطان، تضمنت في بعض جوانبها الأبعاد الجغرافية لمصطلح "الخطة العراقية"، ومدلوله الذي كُشِفَ فيه الحد الفاصل لتشكُّل حدود دولة العراق الحالية؛ إذ جاء فيها: "أهالي الخطة العراقية الممتدة من بغداد إلى زاخو، التي هي منتهى حدود ولاية الموصل"27. لقد أخذ النزوع العثماني تجاه مفهوم "العراق" يتأطر أكثر فأكثر بالمنطقة الواقعة شمال ولاية بغداد، فقد أشار مسؤولون إداريون عثمانيون في عام 1892 إلى ولاية الموصل بوصفها جزءًا من العراق خلال البحث في كيفية إنفاذ التدابير اللازمة لتقدم المعارف في الموصل وشهرزور والسليمانية؛ إذ جاء في الرسالة التي رفعها والي الموصل، عزيز باشا، إلى رئاسة

  1. امتدت مهمات الجيش العثماني الذي أُعيد تنظيمه في عام 1848 خلال عهد الإصلاحات (التنظيمات)، وأصبح يتألف من ستة فيالق، وكان مقر قيادة الفيلق السادس في ولاية بغداد، وشمل نطاق عملها ولاية الموصل؛ فثمَّة إشارة مهمة أوردتها وثيقة تابعة لهيأة الأركان العامة - الدائرة الحربية/ الشعبة الرابعة في عام 1849 تناولت فيها سلطات الجيش الهمايوني ضمن إطار "الخطة العراقيّة" التي غطت الولايات الثلاث: بغداد، والبصرة، والموصل. وثمة إشارات أسبق تدل على امتزاج الثقافة الموصلية المحلية مع مصطلحات "العراق" المتداولة في العهد العثماني؛ فقد ذكر المؤرخ الموصلي، سعيد الديوه جي، في كتابه تاريخ الموصلمحلة اسمها "محلة باب العراق"، كانت مقرًّا للفرقة العسكرية 31 العثمانية في عام 1729، فضلً عن إشارته إلى كبرى الفرق العسكرية العثمانية في الموصل التي كانت تسمى "أورطة عراق"، أي باب العراق، انظر: T.C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, Osmanlı Arşivi Daire Başkanlığı, Musul- Kerkük ile ilgili Arşiv Belgeleri (1525  -  1919) Yayın Nu: 11 (Ankara: T.C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, Osmanlı Arşivi Daire Başkanlığı, 1993), s. 306  -  308 ; سعيد الديوه جي، تاريخ الموصل، ج 2 (الموصل: مديرية دار الكتب للطباعة والنشر - جامعة الموصل، 2001)، ص 150.
  2. T.C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, s. 178  -  182 ; راجع كذلك ترجمة بعض أجزاء من هذا الكتاب الوثائقي في: مختارات من كتاب الموصل وكركوك في الوثائق العثمانية، ترجمة وتعليق خليل علي مراد (السليمانية: بنكه ى ژين، 2005)، ص 28  -  33، وأصل الوثيقة باللغة العثمانية في ص 196  -  199.
  3. T.C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, s. 194 ; مختارات من كتاب الموصل وكركوك في الوثائق العثمانية، ص 40، وأصل الوثيقة باللغة العثمانيّة، ص 204.

كتابة المابين الهمايوني ما نصه: "إن الخطة العراقية، وبخاصة ولاية الموصل، بقيت في أدنى درجات سُلَّم التقدم [...]". وجاء الرد الرسمي العثماني على هذه الرسالة ليؤكد عَد المناطق المذكور آنفًا تحت صفة موحَّدة هي العراق، إذ نص على ما يلي: "إن ترقية العلوم والمعارف بالتركية، وفي العراق بالذات أمرٌ مهم ومطلوب الآن وفي المستقبل"28. وفي عام 1906، ارتبط مفهوم العراق على نحو جلي بالولايات الثلاث؛ إذ أشير إلى "البصرة وبغداد والموصل التي تُشكِّل منطقة [أو إقليم] العراق". ومع مطلع القرن العشرين كان هناك ميل معتاد في إسطنبول إلى رؤية العراق كيانًا سياسيًّا موحَّدًا (كما شهد بذلك، على سبيل المثال، إصدار خرائط حكومية منفصلة عن "العراق)"29. ومن الإشارات المهمة في هذا السياق ما تناولته خريطة صادرة في مطلع القرن العشرين، أشارت صراحة إلى عائدية إقليم الموصل إلى العراق في أثناء حقبة الحكم الأتابكي للموصل (521  -  660 ه/ 1127  -  1261 م) وتأسيس ما يعرف بأتابكية الموصل؛ إذ كتب مصمم الخريطة ما نصه: "أتابكان عراق موصل 521  -  631 "، وغطت مساحة هذه الأتابكية غالبية مساحة شمال العراق تقريبًا؛ بالترافق مع مصطلح "عراق عرب" الذي غطى جميع منطقة جنوب العراق ووسطه. والخريطة (5) توضح ذلك. والواقع أن بعض الإشارات الواردة في المصادر العثمانية مع نهاية القرن التاسع عشر، مثل الكتاب الموسوعي للمؤرخ والجغرافي العثماني علي جواد30، أخذت تنحو منحى تأكيد تنامي النسبة العددية للوجود العربي في ولاية الموصل، وإضفاء ملامح الغلَبة العددية لهذا الوجود هناك، وربما تنامت هذه المعلومات النادرة عن الهوية العربية في الموصل وألقت بظلالها حين تزامنت مع معطى الإشارات

  1. Y. MTV 72  /  43. " Letter from the governor of Mosul to the Ottoman cabinet dated 22 / 4  -  1310 / 12 November 1892 ," Qouted in: Visser , p. 146 ; T. C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü , s. 235  -  238 ; مختارات من كتاب الموصل وكركوك في الوثائق العثمانية، ص 64  -  67، وأصل الوثيقة باللغة العثمانية، ص 222  -  223. كما أشار مصدر جغرافي عثماني آخر إلى وضع الولايات الثلاث (الموصل وبغداد والبصرة) في عام 1890 تحت تعبير جامع هو "الخطة العراقية"، انظر: علي توفيق، ممالك عثمانية جغرافياسي (إستانبول: كتابجى قره بت، 1308 [1890])، ص 319. وكان علي توفيق معلِّم الجغرافية في "مكتب إعدادي" (المدرسة الإعدادية)، وأُجيز الكتاب من خلال ترخيص من "معارف عموميه نظارت" وزارة المعارف.
  2. BOA, İrâde Dâhiliye, note by Umûm Erkân-ı Harbiyye Dâ'iresi (Üçüncü Şu'besi) dated 28 November 1906 , Qouted in: Visser, p. 146 ; C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, s. 305.
  3. تخرج المؤلف علي جواد في الإعدادية العسكرية. وله مؤلفات تاريخية وجغرافية معروفة، برزت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويبدو أن اقتباس هذه الإحصائية التفصيلية النادرة لولاية الموصل ونسبة القوميات والطوائف الدينية فيها قد استُقي من المصدر الوثائقي المهم للمستشرق الفرنسي، فيتال كوينيه، أحد كبار موظفي إدارة الديون العمومية في الدولة العثمانية، عضو الجمعية الجغرافية في باريس، المعنون: تركيا الآسيوية الصادر في أربعة أجزاء. ومن المفيد في هذا المقام أن نذكر أن القيمة التاريخية لكتاب كوينيه بقيت مهمة في أوقات لاحقة، حتى إن لجنة عصبة الأمم المشكَّلة للبت في النزاع بشأن عائدية ولاية الموصل بين العراق وتركيا في عام 1925 قد لجأت إليه من بين مصادر أخرى في سبيل تفنيد الحجج الاقتصادية لتركيا، وخلصت هذه اللجنة في تقريرها إلى ضرورة إلحاق ولاية الموصل بالعراق. قارن بإحصائية ولاية الموصل الآتية: المصدر: Vital Cuinet, La Turquie D'Asie: Gèographie et Raisonnèe de Chaque Province de L'asie- Mineure , Ernest Leroux (ed.), Tome Deuxième (Paris: Ernest Leroux, Editeur, 1894), p. 764 ; فاضل حسين، مشكلة الموصل: دراسة في الدبلوماسية العراقية – الإنجليزية - التركية وفي الرأي العام، ط 4 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2015)، ص 136  -  137.

الخريطة (5) خريطة عثمانية توضح عائدية إقليم الموصل إلى العراق خلال العصر الأتابكي (صادرة في عام 1908)

المصدر: محمد أشرف، مختصر تاريخ عمومي وعثماني أطلسي (إستانبول: مكتب حربية مطبعه سي، 1326 [1908]). وكان مؤلف هذا الأطلس، محمد أشرف، بيكباشي (مقدمًا) في الجيش العثماني ومعلمًا في الإعدادية العسكرية.

السابقة المتعلقة بالتصوُّرات العثمانية الرسمية التي عدَّت الموصل جزءًا متممًا للهوية العراقوية المكوَّنة من الولايات الثلاث. والاقتباس من الوثيقة (4) من الموسوعة الجغرافية - اللغوية يوضح ذلك. ومهما يكن من أمر، فإنّ التقارير العثمانية لم تتوقف عن إدراج المناطق والقصبات التابعة لولاية الموصل إداريًّا تحت اسم "العراق"، فعلى الرغم مما شهدته بعض أجزاء ولايات العراق من احتلال بريطاني، مثل ولاية البصرة منذ عام 1914، استمر المسؤولون العثمانيون في التلميح بتلك الأوصاف في تقاريرهم الخاصة؛ إذ تطرق تقرير أحد المسؤولين الإداريين العثمانيين في قضاء كويسنجق التابع لشهرزور في عام 1916 إلى مصطلح "العراق"31 في خمس إشارات متفرقة عالجت مختلف الأحوال الإدارية والاقتصادية والمدنية والعسكرية والقضائية32.

  1. سبق أن استخدم العثمانيون مصطلح "العراق" لوصف التشكيلات العسكرية التي ستقاتل في "إقليم العراق" في أثناء دخول الحرب العالمية الأولى في عام 1914، تحت انظر:. Iraq Area Command (Irak ve Havalisi Komutanlıgı) "اسم "قيادة منطقة العراق Edward J. Erickson, Ottoman Army Effectiveness in World War I: A Comparative Study (London and New York: Routledge/ Taylor & Francis Group, 2007), pp. 63  -  68.
  2. T.C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, Musul- Kerkük ile ilgili Arşiv Belgeleri , s. 364  -  374 ; مختارات من كتاب الموصل وكركوك في الوثائق العثمانية، ص 136  -  146، وأصل الوثيقة باللغة العثمانية، ص 282  -  292.
ال(ث قة 4)
الوثيقة (4)
صفحة من موسوعة عثمانية جغرافية - لغوية، والإشارة إلى غلبة الوجود العربي في ولاية الموصل أواخر القرن
التاسع عشر (1896)
المصدر: علي جواد،، ممالك عثمانيه نك تاريخ وجغرافيا لغاتى (إستانبول: قصبار مطبعه سى 1314 [1896])، قسم أول، لغات جغرافية،
مجلد ثالث وذيل، ص 788
92
مجلد ثالث وذيل، ص 788.

ومما له دلالة في هذا المقام استمرار المكاتبات الرسمية العثمانية المتبادلة في عَدِّ مناطق تابعة إداريًّا لولاية الموصل جزءًا من مفهوم "العراق"، حتى حين وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وخرجت ولاية الموصل من دائرة الهيمنة العسكرية العثمانية عمليًّا؛ فقد أشارت رسالة من مسؤول عثماني رفيع في وزارة الداخلية، رُف عت إلى وزارة الخارجية العثمانية في عام 1919، إلى حدوث اضطرابات فيما سمَّته "العراق" في سياق الحديث عما عُدَّ تحريضات بريطانية لأهالي بغداد والموصل وكركوك وعشائرها ضد أمن الدولة العثمانية33. وهذا الأمر، في الواقع، مثار مفارقة؛ فبينما احتجَّت الدولة العثمانية على تمدد الوجود البريطاني واحتلال القوات البريطانية ولاية الموصل في عام 1918 (إذ عدَّت هذا التدخل خرقًا لأنه حدث في أعقاب توقيع هدنة مودروس في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1918 ووقف الأعمال القتالية)34، استمر مسؤولوها الرسميون في إضفاء نعوت تدل على تابعية هذه المناطق المحتلة في ولاية الموصل لمسمى "العراق". ويقودنا هذا إلى طرح فرضية مفادها أن الطروحات العثمانية الخاصة بمفهومي "العراق" و"الخطة العراقية"، بوصفهما بديلين عمليين جامعين من تسميات الولايات الثلاث، بالتزامن مع نهاية الحقبة العثمانية، هي التي عجَّلت في تبنِّي بريطانيا اسم "المملكة العراقية" وتفضيل هذا الاسم على سائر الأسماء الأخرى، من قبيل اسم "ميزوبوتاميا - بلاد ما بين النهرين"، الذي زخرت به سرديَّاتها وتواريخها المتعلقة بإرث العراق؛ بل ربما أسهمت حتى في تبنِّي بريطانيا حدود هذه المملكة الجديدة من خلال الاستلهام من الإرث العثماني الغزير المتعلق بالجغرافية العراقية، وإن جاوزت ذلك وأنكرته صراحة.

ثانيًا: "العراق" يف تصوّرات الفئات المجتمعية: قراءة يف الوثائق العثمنية والبريطانية

لم يكن مصطلح "العراق" أسير التصوُّرات الفوقية التي روَّجتها المصادر العثمانية بشِقَّيها الرسمي والعام، أو التوظيفات التي أطَّرت هذا المصطلح في الموضوعات الجغرافية والإدارية فقط؛ ولكن تداول مصطلح "العراق" امتد ليشمل الفئات المجتمعية في الجغرافية العراقية أيضًا؛ تلك الفئات التي عبَّت من خلال استخدامها مصطلح "العراق" عن صيرورة هوياتية جنينية لوطن في طور التشكُّل. ولم تمنع التراتبية الطبقية والبيئات الاقتصادية العشائرية المحلية المنغلقة التي أحاطت معظم الفئات المجتمعية في الولايات العراقية العثمانية من أن تعبِّ عن متخيَّلها المحلي الخاص، وعن اعتقاداتها إزاء مصطلح "العراق"، وأن تَعُده نمطًا من أنماط "الوطن" البديل من "الديرة" أو "العشيرة" حتى في أضيق معانيه. وللاستدلال على ذلك، نسوق مثالً على قدر كبير من الأهمية وقع في منتصف القرن التاسع عشر؛ إذ وجَّه الشيخ بندر السعدون رسالة إلى دفتردار بغداد في عام 1856، ناشده فيها عدم إطلاق سراح بعض شيوخ العشائر، لما قد يسببه من إثارة العشائر في جنوب العراق. ومما جاء في نص الرسالة: "وإذا ما مسكتوهم وتحفظتم عليهم [...] ويصعب الأمر على الجميع، وإذا تشوشت عشائرنا وأطراف ديرتنا كل عراقكم يفسد ويصير أمر عظيم"35. وقد برز خلال هذه المناشدة أمران

  1. أشارت برقية عثمانية متزامنة في عام 1919 من ولاية وان إلى وزارة الداخلية العثمانية، إلى مثل تلك التعابير الدالة على مصطلح "العراق" وجاء فيها: "وقد وردني خبر موثوق عن حدوث اضطرابات في العراق مؤخرًا... وإذا تأكدت الخلافات، فإن الإنكليز لن يبقى لهم نفوذ في هذه المناطق وفي العراق". وذلك فضلً عمَّا تناولته مذكرة عسكرية للفرقة الخامسة عشرة في عام 1919 في ولاية أرضروم بخصوص أوضاع البريطانيين ومصادماتهم العسكرية مع الثائر الشيخ محمود الحفيد في السليمانية، حيث أشارت المذكرة إلى حضور شخصيات بريطانية تحت صفة مسؤولياتهم الجديدة فيما سمَّته "منطقة العراق"، إذ جاء فيها: "وبعد فترة جاء مأمور بغداد وقائد منطقة العراق بواسطة الطائرة إلى السليمانية". انظر: T.C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, s. 401  -  406 , 408  -  410 ; مختارات من كتاب الموصل وكركوك في الوثائق العثمانية، ص 170  -  175، وأصل الوثيقة باللغة العثمانية، ص 308  -  313، ص 178  -  181، وأصل الوثيقة باللغة العثمانية، ص 316  -  319.
  2. حسين، ص 20  -  22. ومن المفارقات استخدام بعض الولاة العثمانيين مصطلح "العراق" في مؤلفاتهم للتعبير عن هوية المنطقة التي خدموا فيها؛ فالوالي سليمان نظيف الذي أصبح واليًا على البصرة في عام 1909، ثم الموصل في عام 1913، وأخيرًا في بغداد في عام 1915. أصدر كتابًا باللغة العثمانية في عام 1918 بعنوان فراق العراق. انظر: سليمان نظيف، فراق عراق: مصائب آغلايان برقاچ نشيده، در سعادت- محمود بك مطبعه سي، 1918.
  3. معروف أغلو، ص 33، وأصل الوثيقة: ص 97. أما عن أسماء الشيوخ الذين طلب الشيخ بندر السعدون عدم إطلاق سراحهم فهم كل من: منصور بك ومشاري وفارس الماجد.

مهمَّان: أولهما تعبير الشيخ بندر السعدون، ونظرته إلى العراق بوصفه وطنًا جامعًا يربط أبناء الجنوب بالوسط من خلال مخاطبته دفتردار بغداد، وثانيهما تخطي المحلية الضيقة المتعلقة بعائدية المنتفق، التي انتمى إليها الشيخ بندر، لولاية البصرة؛ الأمر الذي أوضح التفاهم المتناغم بين الفئات المجتمعية في ولايتي البصرة وبغداد، حتى إن كان ضمن دائرة المصالح الذاتية المشتركة. لقد استمر مصطلح "العراق" بالحضور في المتخيَّل الشعبي والذهنية العشائرية الجمعية؛ إذ عكست وثائق عثمانية مهمة في مطلع القرن العشرين استمرارية هذا المصطلح لدى بعض العشائر الجنوبية، ولا سيَّما عند مخاطبة المؤسسات العثمانية الرسمية. ومن ذلك أنه في عام 1911، أي بعد مرور ثلاث سنوات على وصول جمعية الاتحاد والترقي واستلام زمام الأمور في الدولة، أكدت إحدى البرقيات (الصادرة من مدينة الناصرية)، الموجهة إلى الصدارة العظمى العثمانية، ضرورة صَوْن الوطن، وبذل أقصى الجهود لدرء الأخطار والهجمات الخارجية. ومما تناولته هذه البرقية الإشارة إلى عَدِّ منطقة المنتفق جزءًا من العراق، والتلويح بأن العراق هو بمنزلة الحاضنة الكبرى، والبديل العملي الجامع من منطقة الجنوب؛ إذ ورد فيها: "حضرنا مترددين بين أمرين، هل إنكم سلَّمتم العراق لبعض طالبيه الأجانب ولم تقبلون من نجى من عليه، أو أغفلتكم إشعارات بعض المأمورين". وقد ذُيِّلت هذه البرقية بتوقيع كثير من رؤساء العشائر الجنوبية المعروفة36. لقد عكست نمطية المخاطبات والمناشدات التي اضطلع بها كثير من زعماء العشائر (على الرغم من ركاكة بعضها تعبيريًّا)، الرؤية المحلية الآنية لموقع العراق ومكانته الاعتبارية؛ فالاستعارات اللفظية والإيحاءات الصريحة وتكرار كلمة "العراق" في أكثر من إشارة في الرسالة الواحدة دليل بارز على الحضور القوي لمصطلح "العراق" بوصفه وطنًا وهوية جامعيَن. وتدل الإشارة الموثقة الآتية على هذا الأمر؛ ففي برقية صادرة من سوق الشيوخ، مركز إمارة المنتفق، أرسلها رئيس عشائر المنتفق، عجمي المنصور، إلى نظارة (وزارة) الحربية العثمانية في عام 1913، نجد أن مصطلح "العراق" قد تكرر ثلاث مرات في تلك البرقية الموجَّهة بالأساس لتحذير نظارة الحربية مما عُدَّ ممارسات خيانية في نشاطات طالب النقيب؛ فقد جاء في نصها: "بالدفعات عرضنا لدولتكم كيفية إغواءات تلميذ أبو الهدى37 في البصرة طالب النقيب ومَنْوِيَّاته الفاسدة حسب استخدامه عند الأجانب [...] واتباعه لفكرهم في إفساد العراق [...] وبناءً عليه بأننا موقوفين بكافة أتباعنا [...] فهل من مجير يجير العراق من طالب بك الذي هو أخطر إنسان مُضٍِّ ذاته بنفسه بالبصرة [...] أكتفي، وبعد هذه لا أراجع، حيث أكسب القناعة أن لا محافظ للعراق وما حوله من التبعة من عدل أولياء الأمور فرمان"38. ولم يكن مصطلح "العراق" مقصورًا على البديل الجغرافي من الانتماءات العشائرية فقط، ولكنه شغل حيِّزًا أكبر خلال مطلع القرن العشرين، باقترانه بمصطلح آخر هو مصطلح الأمة لدى الرعيل الأول من صحافيي ولاية بغداد حينذاك. فقد ذُيِّلت نهاية البرقية التي أرسلها مفتي زادة كامل (أو محمد كامل مفتي زاده، المشرف السابق في القسم العربي لصحيفة بين النهرينالتي تولى إصدارها اليهوديان البغداديان: إسحاق حزقيل، ومناحيم عاني، منذ نهاية عام 190939 إلى نظارة الداخلية العثمانية للاستبشار بمقتل الصدر الأعظم محمود شوكت باشا في إسطنبول في عام 1913 بالتعبير المهم الآتي: "باسم الأمة العربية العراقية"40. والواقع أن نزوع الفئات المجتمعية لاستخدام مصطلح "العراق" اشتد مع بروز التنظيمات والجمعيات في العقد الثاني من القرن العشرين؛ لذلك نرى أن كتابات

  1. المرجع نفسه، ص 222  -  223، وأصل الوثيقة: ص 286  -  287. وموقعوا هذه الوثيقة هم من شيوخ عشائر حطيط والبوشامة والبوحمدان وبني مشرف.
  2. يُقصد أبو الهدى الصيادي، مستشار وشيخ مشايخ دار الخلافة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. من أجل متابعة مستفيضة لشخصية أبي الهدى الصيادي، راجع: بطرس أبو منه، "السلطان عبد الحميد الثاني والشيخ أبو الهدى الصيَّادي"، مجلة الاجتهاد، السنة الثانية، العدد 5 (خريف 1989)، ص 59  -  88.
  3. معروف أغلو، ص 212  -  213، وأصل الوثيقة: ص 302.
  4. عصام جمعة أحمد المعاضيدي، الصحافة اليهودية في العراق (القاهرة: الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، 2001)، ص 43.
  5. معروف أغلو، ص 215، وأصل الوثيقة: ص 300.

"جمعية البصرة الإصلاحية" (التي أ سِّست في 28  شباط/ فبراير 1913 في البصرة، وهي التي كان طالب النقيب41 من أبرز مؤسسيها، إلى جانب كونه أحد أشهر أقطاب الجنوب)، قد ضمَّت توظيفات مصطلح "العراق" بكثافة، وامتزج ذلك التوظيف بنزعة وطنية - سياسية تجاوزت أطر المناطقية الجنوبية بالتزامن مع الخطابات المناهضة لتوجهات حكومة الاتحاد والترقي وسياساتها آنذاك. ومما جاء في أحد خطاباتها الموجَّهة إلى ما عُرِف بالأمّة والجيش العثماني في عام 1913 بعنوان "الصيحة العراقية الأولى" ما نصه: "إن نفرًا لا يتجاوزون عدد الأصابع من الرعاع تغلبوا على هذه الدولة [...] كل هذا ولم تشبع بطونهم، بل بدؤوا الآن ببيع العراق تدريجيًّا [...] فدفعًا لهذه الويلات وتخفيفًا للمصائب [...] تأسست في البصرة قوة عظيمة مؤلفة من طبقات العثمانيين، ولها شعبات مهمة في أنحاء العراق وبلاد الكرد والقطر السوري والأناضول"42. لقد كانت هذه الجمعية من أوائل التنظيمات المحلية التي دعت في برنامجها إلى اللامركزية الإدارية، وإلى وجوب أن يكون الولاة عراقيين، فضلً عن إعلان رغبتها الصريحة في اعتماد اللغة العربية لغة رسمية متداولة في الدوائر الرسمية43. وشددت هذه الجمعية، في خطابها الثاني (الصرخة الثانية) الصادر في عام 1913، الموجَّه إلى ما أسمته "الجيش الباسل العسكري" و"الأمّة العربية الكريمة"، على التمرد على حكومة الاتحاد والترقي، والانضمام إلى الحركة السياسية العربية المطالِبة بالإدارة اللامركزية، ولم تُغفل مصطلح "العراق" في ثنايا التماسها الذي ورد فيه: "أتعرفون مَن هذه الفئة المارقة [...] هي تلك [التي] في طليعتها حقي بك البابان، مبعوث بغداد الأسبق، الذي لما جاء إلى العراق [...] قدم تقريرات إلى الباب العالي، منها أراد إعلان الإدارة العرفية في العراق، وقتْل رؤساء العرب [...] عطفًا على ما قد ينشئ بسببها حربًا داخلية ما بين الملة والدولة بما أن العراق كله جعفرية تتفقان دون إجراء ذلك، ولو كانت لتَلِفَت ثم النفوس وحصدت الرؤس"44. وتعززت المحاولات التي زاوجت بين العمل التنظيمي السياسي في إنشاء الجمعيات والتنظيمات وتوظيف مصطلح "العراق" هويةً ومدلولً جغرافيًّا؛ وخير من مثَّل عملية المزاوجة تلك "جمعية العهد العراقي" التي أ سِّست بدمشق في بداية عام 1919، وأَنشأت لها فروعًا في العام ذاته في كل من حلب والموصل وبغداد. وأهم ما جاء في برنامجها ما تضمَّنه الفصل الثالث المتعلق بأداء القسَم الذي تناول المفهوم الجنيني لفكرة الدولة المستقلة تحت اسم "العراق": "أَقسم بالله، وباسم الحق والشرف، بأني قد أوقفت نفسي لخدمة جمعية العهد العراقي التي ترمي إلى استقلال العراق وإسعاد الأمّة العربية ضمن وحدتها الجامعة". ونصَّت الفقرة (أ) من المادة الأولى من برنامج الجمعية على الأفكار الأولية لحدود "العراق" المستقل الطبيعية ودمج ولاياته الثلاث السابقة: "استقلال العراق استقلالً تامًّا ضمن الوحدة العربية وداخل حدوده الطبيعية وهي: يُقسَّم العراق على ثلاث مناطق الأدنى والأوسط والأعلى، ويمتد من حدود الفرات الواقعة شمال دير الزور وضفة دجلة الممتدة من قرب شمال ديار بكر إلى خليج البصرة، ويشمل ضفتي دجلة والفرات من الشِّمال واليمين المحدود بالموانع الطبيعية"45.

  1. سليمان فيضي، مذكرات سليمان فيضي: من رواد النهضة العربية في العراق، تحقيق وتقديم باسل سليمان فيضي، ط 3 (بيروت: دار الساقي، 1998)، ص 104.
  2. معروف أغلو، ص 238  -  241، وأصل الوثيقة: ص 307  -  308.
  3. فيضي، ص 104. ولمتابعة معمَّقة لبرنامج "جمعية البصرة الإصلاحية"، راجع: حسين هادي الشلاه، طالب باشا النقيب البصري: ودوره في تاريخ العراق السياسي الحديث (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2002)، ص 277  -  287.
  4. معروف أغلو، ص 242  -  246، وأصل الوثيقة: ص 309  -  310.
  5. أُسِّست جمعية العهد على يد الضابط العربي، عزيز علي المصري، في إسطنبول سرًّا في 28  تشرين الأول/ أكتوبر  1913، وكان معظم منتسبيها من الضباط العرب، ولا سيما العراقيين، بهدف توحيد صفوف العرب. وسرعان ما تأسست لهذه الجمعية فروع في كل من: دمشق، وبيروت، وبغداد، والموصل، والبصرة؛ لمناهضة سياسة التتريك. لكن نشاطها توقف إثر إندلاع الحرب العالمية الأولى. ولما انتهت الحرب، انقسمت هذه الجمعية على فرعين: أولهما سوري، والآخر عراقي. انظر: فؤاد قزانجي (محرر/ مترجم) العراق في الوثائق البريطانية 1905  -  1930، تقديم ومراجعة عبد الرزاق الحسني (بغداد: دار المأمون للترجمة والنشر، 1989)، ص 115  -  127؛ وميض جمال عمر نظمي، ثورة 1920: الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية "الاستقلالية" في العراق، ط 2 (بغداد: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص 142  -  148.

لقد تضمنت الوثائق البريطانية، مثلما تضمنت الوثائق العثمانية، تصوُّرات الفئات المجتمعية إزاء مفهوم "العراق"؛ إذ قدمت إشارات إلى ما كان يدور في خلد كثير من تلك الفئات، ونظرتها تجاه ما عدَّته تكوينًا لدولة يُراد لها أن تأتلف من الولايات العثمانية الثلاث المكونة للعراق في وحدة جغرافية وإدارية واحدة. وعلى الرغم مما أُشيع في بعض الكتابات التأريخية عن أن هذه الوثائق تمثل وجهة النظر البريطانية الخاصة تجاه مكونات العراق الاجتماعية، أو أنها تمثل ما كانت الإدارة البريطانية تأمل أن يروج في وثائقها وكتاباتها وسرديَّاتها من تصوُّرات (واقعية أو مجافية للواقع) بهدف دفع القوى العراقية لتبنِّيها في المراحل اللاحقة من تكوين الدولة، فيجب ألا يغيب عن البال أن الأغلبية الساحقة من هذه الوثائق كانت سِّية، ولم تكن متاحة إلا بعد مرور ما لا يقل عن ثلاثين سنة. ولهذا، تكتسب بعض المجموعات الوثائقية البريطانية أهميتها من الموضوعات التي عالجتها، وتأتي في مقدمتها الوثائق التي عُنِيت بكشف بعض مضامين توجُّهات العراقيين وأحوالهم بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد اكتمال احتلال بريطانيا للعراق بضم ولاية الموصل، وقبيل حدوث ثورة العشرين التي أسفرت عن تشكيل أول حكومة عراقية في ظل الوجود البريطاني، فقد كشفت وجود نزعات لدى الفئات المجتمعية لرؤية عراق موحَّد. أشارت وثيقة بريطانية مؤرخة في كانون الثاني/ يناير 1919، إلى تقصِّ المسؤولين البريطانيين عن توجهات العراقيين وتصريحاتهم إزاء إمكانية تأسيس إمارة46. وإذا ما نحينا مبالغة البريطانيين بشأن تحبيذ الأهالي للوجود البريطاني جانبًا، فسنرى أن الخلاصة المستوفاة من وثائق كهذه هي رغبة معظم المناطق والبلدات في رؤية اتحاد يجمع الولايات العثمانية العراقية الثلاث؛ فقد جاء فيها: "الرأي العام في الموصل [...] يحبذون الاتحاد مع بغداد تحت بريطانيا مقابل حكم عربي، ووثائق كثيرة التواقيع سُلِّمت بهذا الخصوص من جميع المجتمعات المختلفة". ولم تختلف الناصرية عن الموصل، إذ ورد في شأنها ما نصه: "الرأي مُجمِع على تحبيذ اتحاد الموصل ببغداد والبصرة"47، والمثير أن بعض المناطق، وإن كانت ذات أغلبية تركية (كما أشارت إليها بعض الوثائق البريطانية، ويُقصد بهم التركمان)، فضَّلت دمج ولاية الموصل في العراق الجديد، ولم تحبذ عودتها إلى السيادة العثمانية، وكما جاء في الوثيقة: "مندلي وهم عمومًا سُنَّة أتراك، طلبوا أن تُضمَّ الموصل إلى العراق بلا أمير، ولكن مندوب سامي بريطاني". أما منطقة بعقوبة، فقد جاء بشأنها ما عبَّ عن التوجهات الإدماجية لولايات العراق الثلاث: "أهل مدينة بعقوبة الذين جاؤوا بكثرة من بغداد يطالبون بشيء من الحياء برئيس عربي اسمي ليحكم من الموصل إلى البصرة". أما كركوك، فعلى الرغم من أن الوثيقة البريطانية أشارت إلى أنها ذات صبغة تركية، فقد حبَّذت إقامة دولة عراقية تشتمل على ولاية الموصل؛ إذ جاء في الوثيقة: "تطلب الأكثرية دولة عراقية تشمل الموصل، وتبقى تحت حماية بريطانية بلا أمير. أقلية صغيرة تحبذ أميرًا، ولكنها غير قادرة تمامًا على تسمية مرشَّح مقبول. كركوك عمومًا تركية، وفيها خليط من أكراد وعرب (جماعة

  1. من المهم في هذا السياق أن نذكر أن الشخصية الوطنية النجفية، أحد رجالات ثورة العشرين، محمد رضا الشبيبي (1889  -  1965)، كان قد أدلى بطروحاته المتعلقة بدمج ولاية الموصل ضمن مفهوم "العراق" من دون رعاية أجنبية في الاجتماع الذي عُقد في النجف بتاريخ 11 كانون الثاني/ يناير 1918 للتحضير للاستفتاء العام؛ إذ قال: "إن الشعب العراقي يرتئي أن الموصل جزء لا يتجزأ من العراق، وإن العراقيين يرون من حقهم أن تتألف حكومة وطنية مستقلة استقلالً تامًّا، وليس فينا من يفكر في اختيار الحاكم الأجنبي"، انظر: جعفر الشيخ باقر آل محبوبة، ماضي النجف وحاضرها، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الأضواء، 1986)، ص 356.
  2. أجرى البريطانيون، في سياق تحري آراء العراقيين بشأن طبيعة الحكم والدولة، استفتاءً في شتاء 1918  -  1919 في مناطق عدة من الولايات العراقية، وجاءت في مضبطة الناصرية أبعاد تاريخية - اقتصادية: "كنا نسمع منذ عهد الصغر بأن العراق يتألف من ولايات البصرة وبغداد والموصل، وكانت تُسمَّى كلها العراق. وكانت بغداد عاصمة هذه الولايات على الدوام. وبذا فإن الموصل متصلة ببغداد، لأن بغداد تسقى بماء الموصل وتحصل الموصل على طعامها من بغداد بواسطة التجارة البحرية. وعلى هذا فإننا لا يمكن أن نوافق مطلقًا بأن تُفصَل ولاية الموصل عن العراق. وفي صدر الإسلام، عندما استعرت الحرب بين علي ومعاوية، كانت سورية وتوابعها تحت حكم معاوية بينما كان العراق ومن ضمنه الموصل تحت سيطرة علي، وهذا سبب كاف"، انظر: فيليب ويلارد آيرلاند، العراق: دراسة في تطوره السياسي: كتاب يبحث في نشوء الدولة العراقية وتقدمها، ترجمة جعفر الخياط (بيروت: دار الكشاف، 1949)، ص 128؛ حسين، ص 24. والنص الأصلي الذي احتوى على لهجة عامية عراقية ورد في مضابط "تقرير المصير في العراق"، أو ما عُرف باسم "الاستقلال في العراق" باللغتين العربية والإنكليزية: Self-Determination in 'Iraq': Reproductions of original declarations by the people of 'Iraq' regarding the future of their country , 1919 , p. 8.

متشابكة لا يمكن حلها) ومسيحيين ويهود". وكان موقف منطقة كفري مشابهًا لكركوك تقريبًا: "طلب جماعي لدولة عراقية تشمل الموصل وتبقى تحت حماية بريطانية"48. ورددت برقية بريطانية استلمتها الإدارة البريطانية في الهند بتاريخ 28 كانون الثاني/ يناير 1919 ما تناولته الوثيقة المشار إليها آنفًا؛ إذ تضمنت جوابًا عن سؤال سبق طرحه على وجهاء بغداد بتاريخ 9 كانون الثاني/ يناير لبحث صيغة الحكم المرتجى، إلا أن الجواب لم يحبِّذ بقاء الإدارة البريطانية على الرغم من المطالبة بدمج ولايات العراق الثلاث: "قدم المندوبون المسلمون وثيقة يطالبون فيها بدولة عربية واحدة من الموصل إلى الخليج تحت حكم أحد أبناء الشريف، من غير ذكر للحماية الأجنبية"49. وتناولت وثيقة مماثلة - وجَّهتها وزارة الهند إلى وكيل الحاكم الملكي البريطاني العام في العراق، السير آرنولد ويلسون (1884  -  1940)، في عام 1919 - تلك التلميحات، ولكن بصيغة استجلاء لرأي الوجهاء العراقيين، عبر أسئلة محددة؛ هي: هل يحبذون دولة عربية واحدة تحت وصاية بريطانية من الحدود الشمالية لولاية الموصل إلى الخليج الفارسي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يرون أن الدولة الجديدة يجب أن توضع تحت قيادة حاكم عربي يحمل لقبًا شريفيًّا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يقترحون أميرًا لدولة العراق في المستقبل؟ وكان الرد الذي أوردته الوثيقة ذاتها صراحةً منسجمًا مع ما طُرح آنفًا عن دمج الولايات الثلاث: "كان الإجماع العام يحبِّذ تأسيس حكومة واحدة تمتد من الموصل إلى الخليج الفارسي"50. وفي نسخة أخرى لوثيقة بريطانية، جاء الجواب كالآتي: "[...] الإجماع، اعتبر الجميع أن ولاية الموصل يجب أن توحَّد مع ولايتَي بغداد والبصرة51.

ثالثًا: المسيحيون العراقيون ومأسسة مصطلح "العراق" يف الذاكرة الجمعية

أدى تبني المسيحيين العراقيين مصطلح "العراق" وزجه في المنشورات الصحفية والتعليمية خلال العقدين الأوَّلَيْ من القرن العشرين إلى الإسهام في تحوُّل هذا المصطلح إلى مفهوم هوياتي بديل من الولايات العثمانية الثلاث في الذاكرة الجمعية العراقية؛ فقد شهدت الولايات العراقية، ولا سيَّما ولاية بغداد، النصيب الأوفر من هذا التحوُّل المفاهيمي، وكانت، حقًا، الممهد الأول في تفاعل رؤى التوجهات النخبوية البغدادية وتزامنها مع ما ارتأته الإدارة البريطانية في الدفع تجاه تبنِّي اسم "المملكة العراقية". والواقع أن الوجيه المحامي عبد الجبار باشا الخياط (1856  -  1924)52 كان من أوائل المسيحيين العراقيين الذي قدَّموا مصطلح "العراق" في الصحافة المحلية، واستخدموه عنوانًا لجريدة سياسية، في سابقة تُعَد الأولى من نوعها في توظيف كلمة "العراق" عنوانًا لجريدة محلية أُسِّست في بغداد في الأول من كانون الثاني/ يناير 1909، وفقًا للبحَّاثة العراقي عبد الرزاق الحسني53؛ إذ لم تسفر المحاولات التي سبقت إصدار هذه الجريدة إلا عن إصدار جرائد تُعنَى بأوصاف مناطقية، مثل بغداد والبصرة والموصل وغيرها.

  1. ألف دي ل. رش (محرر استشاري)، العراق في سجلات الوثائق البريطانية 1914  -  1966، ترجمة كاظم سعد الدين، مج 2 (بغداد: بيت الحكمة، 2013)، ص 188  -  189.
  2. المرجع نفسه، ص 190.
  3. ثمَّة فرق فني بسيط أوردته بعض المصادر التي ترجمت تلك الوثيقة، ويمكن مراجعة هذا الفَرْق بسهولة في أثناء التحري عن صيغة تلك الأسئلة الثلاثة من أصل سبعة عشر سؤالً. انظر: رش (محرر)، مج 2، ص 247، 274، 375؛ وقارن: حسين، ص 23.
  4. رش (محرر)، مج 2، ص 274.
  5. للاطلاع على ترجمة وافية لسيرة عبد الجبار باشا الخياط، انظر: مير بصري، أعلام السياسة في العراق الحديث، ج 2 (لندن: دار الحكمة، 2004)، ص 33.
  6. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الصحافة العراقية، ج 1، ط 3 (صيدا: مطبعة العرفان، 1971)، ص 62.

من جهة أخرى، ورد اسم البحَّاثة اللغوي، المحقق، الأب أنستاس ماري الكرملي (1866  -  1947)54 في مقدمة قائمة الإنتلجنسيا العراقية التي أسهمت في دفع مصطلح "العراق" بوصفه مفهومًا هوياتيًّا حين أصدر مجلته المعروفة، لغة العرب، في عام 1911، وهي التي دبَج صفحاتها عمود منتظم بعنوان: "تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره"55. ولم يكتفِ الكرملي بوضع هذا العنوان الفرعي في مجلته، ولكنه راح يسبغ على مضامين قراءاته التاريخية أبعاد هوية العراق وإسقاطاتها المعرفية – الجغرافية؛ إذ جاء في إحدى مقالاته المتعلقة بالكلدانيين في عام 1911: "كان الكلدانيون في سابق العهد أمّة عظيمة [...] وكانت تسكن العراق من شماليه إلى جنوبيه [...] الآثار والعاديات التي اكتشفوها في بلادنا نحن في غفلة عنها [...] ولهذا رأينا من الواجب علينا أن نتعرض لهذا البحث الغزير الفائدة ليقف عليه أهل الوطن، ويعرف ما كان عليه أصحاب هذه الديار في سابق الأعصار"56. وألقى فضاء الحرية المحدود الذي عاشته الولايات العراقية بعد وصول الاتحاديين إلى سدة الحكم بعد ثورة عام 1908 بظلاله على كتابات هذه المرحلة المفصلية من التكوُّن الأوَلّي للدولة العراقية، فبين لحظة تأسيس جريدة عبد الجبار باشا الخياط، العراق، في عام 1909، التي تخللها توظيف العمود الصحفي للأب الكرملي الذي حمل كلمة "العراق" في مجلة لغة العربمنذ عام 1911، ولحظة تأليف كتاب مدرسي مهم طبعه الكرملي في عام 1919 في البصرة بعنوان: خلاصة تاريخ العراقعقد من الزمان يحتاج إلى إعادة مراجعة وفحص دقيقين. إن المتتبع لأسباب تأليف كتاب الأب الكرملي عن العراق في عام 1919 يجد العلاقة الحسنة التي جمعته مع بعض الإداريين البريطانيين؛ إذ ألمح جون جوزيف دسكن إلى أن الأب الكرملي ألف هذا الكتاب برغبة بريطانية57، ولهذا، أشار الكرملي في مطلع مقدمته للكتاب بقوله: "هذا الكتاب اقترحه عليَّ ناظر معارف بغداد بعد الاحتلال البريطاني بأكثر من سنة. وهو الذي رسم لي فصوله [...] وأتممته في ثلاثة أشهر، لأنه اقترحه عليَّ في حزيران [يونيو] سنة 1918، ولم أشرع به إلا في أيلول [سبتمبر] [...] ولم أُنهِه إلا في تشرين الثاني [نوفمبر] [...] هذا التأليف موضوع للمدارس"58. وكان اندفاع البريطانيين في هذه المرحلة في التعامل مع أي طرف عراقي قد يكون حلقة وصل يُنتفَع بها في التحولات المرتقَبة بعد تأسيس الحكومة العراقية، هو، ما رسم طبيعة العلاقة الإيجابية التي رافقت انفتاح الأب الكرملي مع بعض الإداريين البريطانيين الذين حزموا أمرهم خلال هذه المرحلة على وضع اللمسات الأخيرة لإجراء الاستفتاء في عام 1918  -  1919. ولم يكن الكرملي بمعزل عن هذه التحولات القيمية الجديدة التي رافقت وجود البريطانيين ومحاولتهم كسب ودِّ بعض رموز النخب البغدادية منذ أن دخلوا بغداد في عام 1917؛ ولهذا نجده حاضرًا حين أراد الجانب البريطاني استشارته في طبيعة اسم الصحيفة البغدادية التي أرادوا لها أن تصدر وتكون لسان حالهم، ولم يجدوا شخصًا نخبويًّا بصفة صديق ليمنحهم الرد الملائم سوى الأب الكرملي الذي استشار بدوره محمود شكري الآلوسي، وأشار عليه بأن يسميها جريدة العرب59. وعلى الرغم مما قيل بخصوص أن الكرملي امتدح الوجود البريطاني بحكم صداقته للبريطانيين، ولا سيَّما أن تلميحاته الصريحة الواردة في كتابه خلاصة تاريخ العراقعكست آماله الكبيرة في هذا الوجود، مثل قوله: "إن الحكومة البريطانية تريد أن تُرقِّي أحوال

  1. للاطلاع على ترجمة وافية لسيرة الأب الكرملي، انظر: مير بصري، أعلام اليقظة الفكرية في العراق الحديث، ج 1، سلسلة الكتب الحديثة 38 (بغداد: دار الحرية للطباعة، 1971)، ص 90  -  99.
  2. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره: في (مجلة لغة العرب البغدادية - يوليو 1911  - أكتوبر 1931 م)، تحقيق إبراهيم حامد الخالدي (بيروت: جداول للنشر والترجمة والتوزيع، 2014.)
  3. لغة العرب: مجلة شهرية أدبية علمية تاريخية، السنة الأولى، العدد 2 (آب/ أغسطس 1911)، ص 52  -  53.
  4. John Joseph Diskin, "The Genesis of the Government Educational System in 'Iraq'," Ph.D thesis, University of Pittsburgh, Pittsburgh - Pennsylvania, 1971 , p. 297 n. 1.
  5. أنستاس ماري الكرملي، خلاصة تاريخ العراق: منذ نشوئه إلى بداية القرن العشرين (بيروت/ لندن: شركة الوراق للنشر المحدودة، 2012)، ص 9.
  6. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج 4 (بغداد:]د.ن].، 1974)، ص 370. لم يشر الحسني في كتابه المذكور آنفًا عن الصحافة العراقية إلى أن مقترَح اسم جريدة العربقد جاء بنصيحة من الآلوسي، وذكر أنه جاء من الكرملي فقط، وصدرت جريدة العربفي بغداد بتاريخ 4 تموز/ يوليو 1917. انظر: الحسني، ص 75  -  76.

هذه الأصقاع الاجتماعية بأن تُؤمِّن الطرق، وتنشر الزراعة، وتُبعد عن أهاليها كل ما يُعرِّض أتعابهم للتلف"60، وقوله: "وكانت الدولة البريطانيا [البريطانية] تحب دائمًا إعمار العراق وترقيته وجمع كلمة أهاليه وضم شتاتهم لما بين العراق والدولة البريطانيا من التآلف والتقارب والتظافر"61، فيجب ألا تغيب عن البال نقطة مهمة، وهي أن تفاعلات هذا التقارب بين الكرملي والجانب البريطاني62، ربما أسهمت، بطريقة أو أخرى، في تسريع وتائر تخلِّ البريطانيين عن مصطلحات مثل "ميزوبوتاميا"، والاستعاضة عنها بمصطلح "العراق"، ولا سيَّما أن مجلة الكرملي، لغة العرب، كانت قد أطنبته شرحًا وتفصيلً. يقول سالم الآلوسي: "كانت هذه المجلة الميدان الذي تبارت على صفحاتها الآراء والاجتهادات والتفسيرات حول (اسم العراق ومعناه")63. وحتى إذا ما نحَّينا هذه الفرضية جانبًا، فيبقى هناك وجه آخر يتمثل بأسبقية الحضور والترويج لمصطلحات "العراق" في المظان النشرية المحلية والصحفية العراقية، كانبلاج جريدة العراقفي عام 1909، فضلً عن الدور الذي مارسته مجلة لغة العربمنذ صدورها في عام 1911، أي قبل الوجود البريطاني، وبمعزل عنه.

رابعًا: تشريح الرسدية البريطانية: نقائض ونقائص

ارتكزت السردية البريطانية المتعلقة بنشأة "العراق" في صورة دولة "مصطنعة" على جملة من الكتابات والتوثيقات البريطانية التي عُنِيت بتأرخة المجال الإقليمي لكيان الولايات العراقية الثلاث، سواء خلال العهد العثماني أو بعد إتمام مهمة الاحتلال البريطاني كامل أراضي هذه الولايات. وقد لا تكون ثمة دولة دُعِيت مصطنعة أكثر من العراق، على حد تعبير الباحثة الأميركية سارة برسلي64؛ إذ دأبت هذه السردية في استقاء معلوماتها من التصورات والكتابات التي خلَّفتها مجموعة مهمة من المسؤولين الإداريين والضباط العسكريين البريطانيين، زخرت جميعها بالتلمحيات والإشارات إلى هؤلاء كانوا وراء "خلق" أو "ابتكار" أو "إيجاد" "دولة العراق". ولم تكتفِ هذه السردية باستحضار هذه المفردات المثقلة بالمعاني، ولكنها راحت تُذكِّر القراء بأن هذه الأرض المختلَقة كانت فيما سبق مجرد "ولايات عثمانية غير مترابطة، وعشوائية، وتصادفية"، ولهذا، امتزج خطاب تلك السردية في بعض الأحيان بطابع سلبي ولهجة استعلائية، وغالبًا ما اقترن بشخصيتين بريطانيتين، كانتا مصدرًا لكل ذلك الجدل التاريخي؛ هما: وكيل الحاكم الملكي البريطاني العام في العراق، آرنولد ويلسون، والمستشارة، السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي في العراق، المس غيرترود بيل (1868  -  1926). كان آرنولد ويلسون، بحكم موقعه الوظيفي، وتحضيراته بشأن استفتاء عام 1918  -  1919 المتعلق بشكل الحكم المرتقب، قد أدلى باقتناعاته المتمحورة حول "عراق متحد بولاياته الثلاث"؛ إذ أشارت إحدى الوثائق إلى اعترافه الضمني بالأهمية السوقية الكامنة في اتحاد ولاية الموصل ببقية الولايات، قائلً: "إن عدم ضم ولاية الموصل إلى العراق سوف يؤدي إلى حرمان تلك الولاية من حرية الاتصال التجاري مع العراق والمنافع المادية التي للبريطانيين وحدهم في الشرق القوة على جلبها إلى تلك المناطق [...] ولكن من المفيد إظهار تصميم سير آرنولد

  1. الكرملي، ص 218.
  2. المرجع نفسه، ص 266  -  267.
  3. تزامن جزء من هذه التفاعلات مع انتهاء الكرملي من تأليف كتابه خلاصة تاريخ العراقفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، كما أشار في مقدمة الكتاب، واضطلاعه بإدارة مجلة بريطانية بعنوان: دار السلامصدرت في بغداد بتاريخ 6  تشرين الأول/ أكتوبر 1918 ومن ثم الاستعاضة عنها بصدور مجلة تابعة للبريطانيين تُدعى مرآة العراقصدرت بتاريخ 8 شباط/ فبراير 1919، وطُبعت في البصرة، ووُزِّعت في بغداد. انظر: الحسني، ص 36  -  37.
  4. سالم الآلوسي، اسما العراق وبغداد: الأصل. المعنى في العصور التاريخية (بيروت/ لندن: شركة الوراق للنشر المحدودة، 2013)، ص 21.
  5. على الرغم من ريادة بحث سارة برسلي بشأن تفنيد أسطورة الدولة المصطنَعة، الذي خصصته في دحض خريطة سايكس- بيكو وكيفية رسم خطوط حدود العراق، فإنها وقعت في تعميم خاطئ حين ذكرت أن العثمانيين لم يستخدموا مصطلح "العراق" إلا في حدود ضيقة تتعلق بولايتي بغداد والبصرة جغرافيا، انظر: Sara Pursley, “‘Lines Drawn on an Empty Map’: Iraq’s Borders and the Legend of the Artificial State,” Part 1 , Jadaliyya, 2 / 6 / 2015 , accessed on 30 / 4 / 2018 at:https://goo.gl/dnERhc

ويلسون في ضم ولاية الموصل، وبوصفها جزءًا متكاملً من العراق"65. وليس مستغربًا أن تشيد به مصادر حديثة وتهلل له بوصفه "مهندس دولة العراق"، أو "المناضل الذي اخترع العراق"66. واستلهم كثير من الباحثين تلك الإشارات ووظَّفوها في كتاباتهم؛ إذ كتبت الباحثة في دراسات الشرق الأوسط بجامعة كولومبيا الأميركية، ريڤا سايمون، قائلة: "وكمَثل واضح على دولة وُلدت مصطنَعة، ظهر العراق في نهاية الحرب العالمية الأولى بإرادة بريطانية؛ إذ كان لا بد من خلق حدود جديدة في الشرق الأوسط بعد انحلال الإمبراطورية العثمانية. وبوصفهم المنتصرين، خطط البريطانيون التقسيم الترابي بما يلائم اهتماماتهم الإستراتيجية التي باتت تتطلب تغييرًا في السياسة [...] ورسموا الخطوط الجديدة في مؤتمر القاهرة في عام 1921 الذي خلق العراق البلد انطلاقًا من الولايات العثمانية السابقة، بغداد والبصرة والموصل"67. ولم تكتفِ هذه الدراسات بإشاحة نظرها عن الخلفية التاريخية للإرث العثماني، وترابط الولايات الثلاث واعتماديتها الداخلية المتبادَلة اقتصاديًّا، والحضور الفاعل لمصطلح "العراق" و"الخطة العراقيّة" في المخيال الرسمي والمحلي قبل الوجود البريطاني، ولكنها أغفلت وجهًا آخر من الاستقراء التاريخي لتفاصيل مرويات السردية البريطانية ذاتها أيضًا. فقد أشار آرنولد ويلسون في إحدى برقياته إلى اندماجية الولايات العراقية قبل الوجود البريطاني، وعدَّها وحدة طبيعية؛ إذ "طالب بوحدة الأراضي العراقية، بدعوى أنْ ليس في الإمكان فصلها على شكل ولايات؛ فهي منذ قديم التاريخ كانت، ولا تزال، تشكِّل وحدة متكاملة"68. وفي الوقت ذاته، لم يغب عن هذه المصادر استحضار مكانة النفط وأهميته في مخيلة المسؤولين البريطانيين وثنايا تصريحاتهم، بِعَدِّه من موجبات اندفاعهم في الدعوة لدمج ولاية الموصل بولايتي بغداد والبصرة69. ولهذا، كان لولاية الموصل دور حيوي ومثمر في تأكيد صيرورة رواية اختلاق "العراق"؛ لأن سياقات تقديم الرواية البريطانية أضفت هالة كبيرة على الصراع الذي اضطلعت به بريطانيا التي زعمت أنها وراء تأكيد هوية انتماء ولاية الموصل إلى التراب العراقي في أثناء المفاوضات مع تركيا لتثبيت الحدود الفاصلة بين الدولة العراقية الجديدة وتركيا حتى عام 1925. ولقيت السردية البريطانية صداها لدى مؤرخين وأكاديميين عراقيين مغتربين في الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية، ومنهم عديد دويشا الذي كتب ما نصُّه: "القصة قديمة قِدَم تاريخ الدولة العراقية نفسه، وقد وُلِدت جراء الامتزاج القسري لثلاث ولايات عثمانية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية [...] فقد عكست آلية إنشاء الدول في الشرق الأوسط في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى المصالح الاستعمارية البريطانية والفرنسية في المنطقة. ولذا، لم تتكون الدول بالضرورة استجابة لمطالب وطنية للسكان الأهليين، بل لإرضاء المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الاستعمارية. ولم تواجه المكوِّنات المصطنَعة الناشئة مهمة إدارة وحسب، وهي أصلً مهمة صعبة، بل واجهت مهمة صهر كيانات ومصالح أهلية متعددة أيضًا، وهي في الغالب مهمة أكبر من كونها غير ذات طابع يتسم بالصراع"70.

  1. رش (محرر)، مج 2، ص 375.
  2. كارل إى. ماير وشارين بلير بريزاك، صُناع الملوك: اختراع الشرق الأوسط الحديث، ترجمة فاطمة نصر (القاهرة: إصدارات سطور الجديدة، 2010)، ص 199، 212.
  3. Reeva S. Simon, "The Imposition of Nationalism on a Non-Nation State: The Case of Iraq During the Interwar Period, 1921  -  1941 ," in: James Jankowski & Israel Greshoni (eds.), Rethinking Nationalism in the Arab Middle East (New York: Columbia University Press, 1997), p. 87 ; عصام الخفاجي، "تشكُّل العراق الحديث: الوقائع والأساطير"، مجلة كلمن: فصلية ثقافية، العدد 7 (صيف 2012)، ص 2؛ عصام الخفاجي، "تشكيل العراق الحديث: الوقائع والأساطير"، جريدة التيار الديمقراطي، 2014 / 6 / 1، ص 4.
  4. فاروق صالح العمر، حول سياسة بريطانيا في العراق 1913  -  21 19 (بغداد: مطبعة الإرشاد، 1977)، ص 48؛ وفي ترجمة أخرى: "أدى ويلسون دورًا حاسمًا في تحقيق تقدم بريطاني في اتجاه الشمال إلى الموصل. وفي رأيه أن هذا يجلب الوحدة السياسية لمنطقة كانت كيانًا عضويًّا واحدًا اقتصاديًّا وجغرافيًّا - وبذلك خلق الحد الأدنى المطلوب لأرض متصلة على بعضها لتحقيق دولة قابلة للحياة"، انظر: ريدر فسر، البصرة وحلم الجمهورية الخليجية: حدود الانفصالية الجنوبية ومنابع الوطنية العراقية، ترجمة سعيد الغانمي (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2008)، ص 161؛ آيرلاند، ص 116.
  5. ماير وبريزاك، ص 196، 210.
  6. عديد دويشا، عراق الحقبة الملكية: تاريخ سياسي، ترجمة مصطفى نعمان أحمد، مراجعة إحسان عبد الهادي الجرجفجي (بغداد: مؤسسة مصر مرتضى، 2012)، ص 14  -  15.

لقد عكست هذه الأنماط من الكتابة مبلغ التجاوز والتغافل في النظر في ثنايا التبريرات ذاتها التي ساقها البريطانيون حينما تناولوا إرث ولايات العراق قبل الوجود البريطاني، والتحولات الاندماجية التي عاشتها الولايات العراقية الثلاث في كينونة إدارية واحدة؛ ذلك الاندماج الذي جعل شخصًا مثل آرنولد ويلسون يقر به: "في سنة 1910 نُصِّب (ناظم باشا) واليًا على الولايات الثلاث: البصرة وبغداد والموصل، فكانت بيده مقاليد الأمور العليا"71. وأعطت بعض القراءات المجتزأة لبعض الوثائق البريطانية صورة أحادية الجانب، تنحو منحى ادعاء الفضل والأسبقية لبريطانيا في خلق حدود العراق الكلية، بمعزل عن متغيرات العوامل الجيواجتماعية والسياسات وتفاعلاتها محليًّا وإقليميًّا، بينما أظهرت تلك الوثائق أنّ ثمة سياقات محلية وأنماطًا اجتماعية عززت الإقرار بين اندماج ولاية الموصل والولايتين العراقيتين الأخريَيْ؛ فمثلً، ورد في وثيقة بتاريخ 27  تشرين الأول/ أكتوبر 1918 ما نصه: "يرتبط سكان الموصل ارتباطًا عريقًا [...] وصِلَة قديمة جدًّا ببغداد. ويشاطرون سكان العراق تمامًا في كراهية السريان [...] إن ولاية الموصل هي أقصى بلاد العراق وليس سورية، والتجارة تتطور مع العراق وليس مع سورية. وحدود ولاية الموصل الشمالية تسير مع حدود كردستان التركية، وتشترك تقريبًا مع الحدود الجنوبية لأرمينيا. لذلك أُفضل أنْ يكون الخط - الذي تدل الاعتبارات المحلية على أنه أفضل تكييف لفصل مجالات التأثير الفرنسي والبريطاني - من القائم، على الفرات إلى جزيرة ابن عمر على دجلة حصرًا، ثم شرقًا (أي يتبع حدود ولاية الموصل قبل الحرب تقريبًا")72. إن القول بأن مرجعية الرسم النهائي لخريطة الحدود العراقية كانت لبريطانيا يجافي الواقع، وربما يصح القول إن الحضور الفاعل في المشهد السياسي كان لبريطانيا، وإنها أقرَّت رسم واقع الحدود القائمة فعليًّا بشهادة المسؤولين البريطانيين أنفسهم الذين لجؤوا إلى خيار الحد الإداري الشمالي لولاية الموصل، بوصفه حدًّا فاصلً كما اتضح في الوثيقة المذكورة آنفًا. لكن يجب ألا نُغفل في الوقت نفسه وضعيات التَّخْم الغربي لدولة العراق، على سبيل المثال أيضًا، بوصفه حدًّا فاصلً مُدركًا بين دولتي العراق وسورية، وقد اعتمد الرحَّالة، ومنهم البريطانيون، نهرَ الفرات حدًّا فاصلً بين سورية والعراق؛ فهو يفصل البوكمال (الواقعة على ضفته الغربية) عن عانة (الواقعة على ضفته الشرقية)73، فضلً عن أن ترسيم خط الحدود بين سورية والعراق في شهر أيار/ مايو 1920، المار بين البوكمال والقائم - وهو خط الحدود الحالية بين الدولتين - قد تطابق تقريبًا مع حدود سنجق دير الزور الشرقية قبل الحرب العالمية الأولى74. من جهة أخرى، استمر فريق آخر من البريطانيين في ادعاء تفسير دمج ولايات العراق قسرًا تحت ذرائع تنافر مكوِّناته الاجتماعية، أو لاحتمال أن يقوم الشيعة الذين قد يشغلون أغلبية المقاعد النيابية باستلاب الدور البريطاني؛ الأمر الذي استلزم، وفق الرؤية البريطانية، ضرورة ضم ولاية الموصل إلى بقية ولايات العراق في سبيل معادلة الكفة مع المكون السُّنِّي عدديًّا. وقد أدلت المس بيل بتلك الاحتمالات في إحدى رسائلها الخاصة في 3  تشرين الأول/ أكتوبر  1920، قائلة: "وإذا كنتَ ماضيًا إلى تكوين مؤسسات تمثيلية حقيقية [...] فستجد الشيعة يحوزون الأغلبية. ولهذا السبب [...] لا تستطيع إقامة ثلاث مناطق تتمتَّع جميعها بالحكم الذاتي أبدًا. ويجب الاحتفاظ بالموصل السُّنية جزءًا من دولة بلاد ما بين النهرين لغرض تحقيق التوازن. لكنها بحسب اعتقادي إحدى المحاجّات الأساسية لأجل منح بلاد ما بين النهرين حكومة مسؤولة. نحن كغرباء غير قادرين على التمييز بين السُّنة والشيعة، ولا بد من ترك هذا الجانب لهم، لأنهم سوف يتجاوزون الصعوبة بطريقة ملتوية، تمامًا كما فعل الأتراك. وفي الوقت الحاضر فهذه هي الطريقة الوحيدة لتجاوزها.

  1. سر أرنلد تي. ويلسون، بلاد ما بين النهرين بين ولاءين: خواطر شخصية وتأريخية، ترجمة فؤاد جميل، تقديم ومراجعة علاء نورس، ج 3، ط 2 (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1992)، ص 49.
  2. رش (محرر)، مج 2، ص 664.
  3. الخفاجي، "تشكُّل العراق الحديث"، ص 9؛ آن بلنت، قبائل بدو الفرات عام 1878، ترجمة أسعد الفارس ونضال خضر معيوف (دمشق: الملاح للطباعة والنشر، [د.ت.])، ص 136، 188، 401  -  410.
  4. Eleizer Tauber, "The Struggle for Dayr al-Zur: The Determination of Borders between Syria and Iraq," International Journal of Middle East Studies , vol. 23 , no. 3 (August 1991), p. 378.

أنا لا أشك للحظة في أن السلطة في النهاية يجب أن تكون بيد السُّنة، على الرغم من كونهم أقل عددًا، وخلاف ذلك سيكون لدينا دولة دينية يديرها المجتهد، وهي الشيطان بعينه"75. لقد ألقت بعض أنماط الكتابات الأكاديمية المتأثرة بالسردية البريطانية بظلالها على تأرخة التكوين الأوَلّي للدولة العراقية، وغدت صنفًا من أصناف تعليل إرهاصات الهوية العراقوية بعد إخضاعها لإعادة قراءة من منظور تحليلي أحادي، تمثل في ربط نشأة العراق بمفهوم الدولة-الأمّة، وكأن هذا المفهوم هو الذي رسم حدود العراق في المرحلة العثمانية. وهكذا تغافلت هذه الكتابات عمدًا عن الشبه الكبير بين حدود العراق التقريبية السابقة وحدوده المفترضة في ظل الوجود البريطاني، ليُقدَّم تكوين الدولة العراقية وكأنه جديد ومختلف كليًّا. لقد جادل الباحث العراقي فنر حداد، وأقر بأنه كانت ثمة هوية عراقية وإحساس بالعراق، لكنه لم يقترن بالطابع السياسي؛ ذلك الطابع الذي افترضه عاملً حاسمًا يرسم أبعاد الدولة: "من الواضح أن بعض الأشخاص في الأقل قد شعروا بنوع من شغف شعور الانتماء إلى العراق في الولايات الثلاث. ومن المثير أن نلاحظ أن المرحلة الفاصلة بين [إعلان] الجهاد وتمرد [كذا] عام 1920 هي مرحلة حُبلى بالوعي السياسي العراقي. فليس ثمَّة نقص بالإشارات عن العراق خلال هذه المرحلة - أو بالأحرى خلال العهد العثماني فيما يتعلق بهذه المسألة - ولكن كيفية إضفاء الطابع السياسي على مصطلح 'العراق' في الفرات الأوسط قبل عام 1920 محط شك"76. وعلى الرغم من اتفاقنا معه إلى حد ما، فيجب أن نتذكر أن سمات ضعف أي هوية وقوتها جغرافيًّا تبقى مرتبطة بفضاء واسع من العوامل في مرحلة التكوين الجنيني للهوية العراقية، غير أن العامل السياسي وحده ليس هو العامل الحاسم في صيرورة أي هوية على غرار هوية العراق التي غدت مفهومًا جامعًا على مراحل زمنية متعاقبة. ولهذا أعاد حداد تأكيده حصر مفهوم الهوية العراقية بمنظور مفهوم الدولة-الأمّة في خاتمة بحثه في صورة مسلَّمة: "فيما يخص أغلبية سكان الفرات الأوسط، كان العراق بحلول عام 1920 إما هدفًا محبَّذًا، أو - ولعله الأكثر شيوعًا - مفهومًا مؤكَّدًا ومعترفًا به، ولكنه لا يُهِمُّهم إلى حدٍّ كبير، لكونه مبنيًّا على تصورات مسبقة قديمة، غالبًا ذات أهمية ثانوية خالية من الدلالات السياسية. وهذا ما يفس - إلى جانب الحوادث التي حصلت في أوائل القرن العشرين وتأثيراتها - القبول السريع [لمفهوم] الدولة - الأمّة العراقية وموالاتها"77. إن تمفصل البنى المحلية المتشكلة في العراق من حيث الأصل، وتفاعل القوى والعوامل الإقليمية والدولية القائمة هو الذي ساعد بريطانيا في رسم الحدود، وليس العكس. وليس هذا ادعاءً بأن الحدود كانت مرسومة ومقررة سلفًا، وإنما هو شهادة على أولوية الديناميات الداخلية التي تُجبِ القوى الدولية على التكيف مع الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع العراقي78؛ بل - وهنا نقطة مهمة - إن هوية العراق في اللحظات الحرجة من عمر الدولة العراقية لم تشهد أي تحدٍّ يفضي إلى تأكيد مسلَّمات السردية البريطانية التي راهنت على شَْطية الإدماج القسري وتلازمه في بقاء هذه الدولة وديمومتها، وهذا ما توصل إليه الباحث فسر في صورة مُسلَّمة: "لم يبرز أي تهديد انفصالي خطير للدولة العراقية 'الجديدة' في أي مكان من جنوب كردستان خلال سنوات الانتقال الحرجة

  1. إليزابيث بيرغوين، جيرتروود بيل: من أوراقها الشخصية 1914  -  26 19، ترجمة نمير عباس مظفر، تقديم عبد الرحمن منيف (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002)، ص 292. وتُفضَّل العودة إلى النص الكامل لرسالة المس بيل إلى والدها في التاريخ ذاته على موقع جامعة نيوكاسل البريطانية التي نشرت جميع أرشيفها مفهرسًا، في: " Gertrude Bell Archive," Newcastle University, accessed on 2  /  5  /  2018 , at: https://goo.gl/QUL 2 Bd
  2. Fanar Haddad, "Political Awakenings in an Artificial State: Iraq, 1914  -  1920 ," International Journal of Contemporary Iraqi Studies , vol. 6 , no. 1 (2012), p. 25.
  3. Ibid., p. 34. وعلى الرغم من ذلك، عرَّف حداد مدَيات الهوية قائلً: "إن الهوية تطور زخمها الخاص، وهي بمثابة 'حقيقة' كما يعتقدها الناس أن تكون. فهي من خلال تكرار الأفعال اللفظية والجسدية للانتماء، بوعي أو بغير وعي، وبعبارة أخرى، من خلال الطقوس وفكرة على غرار الأمة من شأنها أن تكتسب أهمية وتصبح حقيقة واقعة"، انظر:. Ibid., p. 36
  4. الخفاجي، "تشكُّل العراق الحديث"، ص 14، 16.

خلال عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته. وتمثلت الحركة الانفصالية الوحيدة الجديرة بالملاحظة بمحاولة عزل البصرة بوصفها جيبًا بريطانيًّا محميًّا [عريضة وجهاء البصرة في عام 1921]، لكن هذا المخطط أخفق في خلق الحماس الشعبي، بل والأهم من ذلك، واجه صعوبة في إيجاد أطر بديلة لهوية إقليمية من شأنها تحدي [هوية] العراق"79. ولذلك، فإن أحد إخفاقات سردية الدولة العراقية المصطنَعة هي اللجوء إلى فنتازيا التجانس العرقي والطائفي أساسًا للدولة المستقرة، بينما رفضت هذه السردية الإقرار بالمعاني الضمنية الحتمية لتلك الفنتازيا وأرجحيتها على تكوُّن العراق وصيرورته80. إن سردية دولة العراق المصطنَعة، كما أشارت سارة برسلي، بزغت من الصراعات والسيرورات التاريخية نفسها التي كان يعاد توظيفها لتفسَّ من جديد، ولكي تُحجَب أيضًا. وبدلً من وضع هذه السردية في سياق تاريخي، عبر استقصاء بزوغها في الأعوام التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، فإنّ باحثين ومعلقين كثُرًا استخدموها وعاودوا استخدامها كي يفرغوا العراق من تاريخه.

خاتمة

تمظهر البزوغ الهويَّاتي الجنيني الذي رافق حقبة الإدارة العثمانية لولايات العراق تأريخيًّا، وتنوعت تجلياته ضمن إطار نزعات عراقوية راسخة، انبثقت مع ما كرَّسته الإدارة العثمانية من توظيفات في مراحل متعددة من حكم تلك الولايات، كان من أبرز ملامحها الالتجاء إلى وحدة الإدارة المركزية لتلك الولايات تحت قيادة ولاية بغداد، أو الإقرار بها، بالتزامن مع عملية الاندماج الاجتماعي – الاقتصادي التي فرضتها الجغرافية المحلية على تلك الولايات. ورافقت جميعَ تلك التحولات محاولات جادة لتقديم اسم "العراق" في الخرائط العامة المتعلقة بهذه الولايات؛ إذ وقفت وراء تلك التحولات جهات كثيرة، كان من بينها السلطان (أعلى سلطة في الدولة العثمانية)، مرورًا ببقية المسؤولين العثمانيين، لتعكس نوعًا من تجاوز أطر التوصيفات المناطقية الخاصة بولايات بغداد والموصل والبصرة. وهذا ما تجلى في الاستخدام المكثف لمصطلحَي "العراق" و"الخطة العراقية" في المخاطَبات والتقارير والمنشورات والموسوعات والوثائق والأطالس العثمانية. وإن الترويج لهذين المصطلحين بوصفهما بديليَن عمليَيّن جامعيَن من تسميات الولايات الثلاث، بالتزامن مع نهاية الحقبة العثمانية، هو ما عجَّل في تبنِّي بريطانيا اسم "المملكة العراقية"، وتفضيله على سائر الأسماء التي زخرت بها سرديَّاتها وتواريخها المتعلقة بإرث العراق، مثل "ميزوبوتاميا" (أي بلاد ما بين النهرين)؛ بل إن ذلك أسهم حتى في تبني بريطانيا حدود هذه المملكة الجديدة من خلال الاستلهام من الإرث العثماني الغني المتعلق بالجغرافية العراقية، وإن تجاوزت ذلك وأنكرته صراحة. أسهمت الفئات المجتمعية العامة والنخبوية المحلية، كذلك، في توظيف رؤاها، والدفع بمصطلح "العراق" إلى الأمام بوصفه هوية جامعة، وبرز ذلك في كثير من المخاطبات المحلية والتقارير الخاصة مع الجهات الرسمية التي اشتملت على مفهوم "العراق" بوصفه

  1. لفهم أعمق وموسَّع، انظر: فسر؛ وانظر أيضًا: 153. p , Visser.
  2. Pursley.
  3. Sara Pursley, "'Lines Drawn on an Empty Map': Iraq's Borders and the Legend of the Artificial State," Part 2 , Jadaliyya, 3 / 6 / 2015 , accessed on 30 / 4 / 2018 , at: https://goo.gl/eNiu 43 ومن جملة الباحثين الذين وظفوا السردية البريطانية في كتاباتهم الخاصة بنشأة العراق: تشارلز تريب، صفحات من تاريخ العراق المعاصر، ترجمة زينة جابر إدريس (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2006)، ص 67؛ توبي دوج، اختراع العراق، ترجمة عادل العامل (بغداد: بيت الحكمة، 2008)، ص 21  -  26؛ شيركو كرمانج، الهوية والأمة في العراق، ترجمة عوف عبد الرحمن عبد الله (بيروت/ أربيل: دار الساقي/ دار آراس للطباعة والنشر، 2015)، ص 20. وأعاد كرمانج أفكاره في بحثه "صِدام الهويات في العراق"، في: مجموعة مؤلفين، العراق بين احتلالات: من 1920 إلى الوقت الحاضر، تحرير أماتزيا بارام وآخرون، ترجمة مصطفى نعمان أحمد (بغداد: دار المرتضى، 2015)، ص 124؛ داي ياماو، تاريخ الأحزاب الإسلامية في العراق: التحول في حزب الدعوة (1957  -  2009)، ترجمة وتقديم فلاح حسن الأسدي ومحمود عبد الواحد، سلسلة كتب ثقافية شهرية 31 (بغداد: بيت الحكمة، 2012)، ص 21  -  28؛ فيبي مار، تاريخ العراق المعاصر: العهد الملكي، ترجمة مصطفى نعمان أحمد (بغداد: المكتبة العصرية، 2006)، ص 15؛ ليورا لوكيتز، العراق والبحث عن الهويَّة الوطنية، ترجمة دلشاد ميران، السلسلة الثقافية 315 (أربيل: منشورات آراس، 2004)، ص 32، 36.

جامعًا بديلً من منظومة "العشيرة" اجتماعيًّا، أو وطنًا بديلً من مفهوم "الديرة" جغرافيًا، الأمر الذي دحض الاعتقاد السابق بعدم وجود مناخ وتصورات محلية يدعمان شواهد استحضار مفهوم "العراق" خلال الحقبة العثمانية؛ بل إن تمظهرات استخدام مصطلح "العراق" لدى الفئات المجتمعية العامة والنخبوية العراقية، وحضوره الفاعل في صورة معطى جغرافي وهوياتي من مؤكدات الاعتقاد بوجوده بداهة. وقد تناغمت المنشورات المحلية العراقية مع واقع التحولات والألقاب الجديدة، فنرى في أحد المنشورات غير الرسمية إضفاء نعوت وأوصاف من قبيل "ملجأ الولاية البغدادية، ومُصلِح الخطة العراقية"، على غرار ما كان متداولا رسميًّا في صورة ألقاب جامعة مثل "وزير العراق" و"والي العراق" و"مفتش العراق". لقد ركزت فرضية الدولة المصطنَعة (ولا سيَّما السردية البريطانية) على الأنموذج الأوروبي في تكوين الدولة الحديثة؛ ذلك الأنموذج الذي يقدم مفهوم "الدولة -  الأمّة" على ما سواه من تفسيرات في تكوين الدول الحديثة، ويقْصِها عليه، معتبرًا إياه الأنموذج الأكمل في قياس درجة تطور الدول الحديثة النشأة واندماج سكانها وتجانسهم داخل إطار الحدود الإدارية. أي إن عدم التماهي مع أنموذج "الدولة-الأمّة" من شأنه أن يفرز إخفاقًا في تجانس المكونات الشعبية وإقحامًا لإدماج قسري مختلَق في تكوين الدولة وبنيتها السياسية والإدارية؛ وهذا بالضبط ما أرادت أن تروِّجه السردية البريطانية ونظيراتها. ويؤكد الباحث أنْ لا فضل عمليًّا لادعاء الكتابات البريطانية تحديدًا، ومن سارَ على نهجها، أطروحة جمع العراق من ولايات شتى بُعَيد انقضاء مؤتمر سان ريمو في عام 1920 وتشكيل الدولة العراقية في عام 1921، بل إن الشواهد على أسبقيات الطرح العراقي والتعامل في الكثير من الكتابات (العثمانية والمحلية/ المناطقية) بمصطلح العراق قبل الاحتلال البريطاني هي التي دفعت الجانب البريطاني إلى الإقرار بواقع موجود ومعمول به؛ ومن ثم، كان الادعاء البريطاني مقصورًا على الجانب الفني. لم تكن لبريطانيا مرجعية الرسم النهائي لخريطة الحدود العراقية، وربما يصحُّ القول إن الحضور الفاعل في المشهد السياسي كان لبريطانيا، وإنها أقرت رسم واقع الحدود القائمة فعليًّا بشهادة المسؤولين البريطانيين أنفسهم الذين تبنَّوا الحد الإداري الشمالي لولاية الموصل؛ فأحد أبرز تلك الأدلة هو المحددات العثمانية لحدود ولاية الموصل التي عدَّت أهالي ما سُمِّي "الخطة العراقية" ضمن "ما امتد من بغداد إلى زاخو بوصفها نهاية حدود ولاية الموصل"، وهو الحد الفاصل، كما هو معروف، لشمال دولة العراق الحالية. لكن يجب ألا نغفل في الوقت نفسه وضع التَّخْم الغربي للعراق، بوصفه حدًّا فاصلً مُدرَكًا بين دولتي العراق وسورية، وهو الحدُّ الذي اعتمده الرحَّالة، ومنهم البريطانيون، في أواخر القرن التاسع عشر، خطًّا حدوديًّا فاصلً بين البلدين، فضلً عن أن ترسيم خط الحدود بين سورية والعراق في أيار/ مايو 1920 المار بين البوكمال والقائم، وخط الحدود الحالية بين البلدين يطابق تقريبًا حدود سنجق دير الزور الشرقية قبل الحرب العالمية الأولى. وهكذا؛ فعلى الرغم من أن هدف فرضية الدولة المصطنَعة كان، ولم يزل، هو سلب التاريخ المحلي وإفراغه من محتواه لمنح أولوية للآخر في رسم الأدوار، فإننا نستطيع القول إن بريطانيا ربما استطاعت خلق نظام ملكي في العراق، لكنها بالتأكيد لم تستطع أن ترسم حدوده وتتجاوز سياق الإرث التاريخي - الجغرافي وأسبقياته العثمانية، ولا سيَّما منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعدًا.

المراجع

العربية

آل محبوبة، جعفر الشيخ باقر. ماضي النجف وحاضرها. ط 2. بيروت: دار الأضواء، 1986.

بيروت: دار الكشاف، 1949.

المحدودة، 2011.

الشروق للنشر والتوزيع، 2006.

بصري، مير. أعلام اليقظة الفكرية في العراق الحديث. سلسلة الكتب الحديثة 38. بغداد: دار الحرية للطباعة، 1971.

________. أعلام السياسة في العراق الحديث. لندن: دار الحكمة، 2004.

بلنت، آن. قبائل بدو الفرات عام 1878. ترجمة أسعد الفارس ونضال خضر معيوف. دمشق: الملاح للطباعة والنشر،[د.ت.].

(مطلع العهد العثماني - أواسط القرن التاسع عشر). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.

المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002.

الخالدي. بيروت: جداول للنشر والترجمة والتوزيع، 2014.

تريب، تشارلز. صفحات من تاريخ العراق المعاصر. ترجمة زينة جابر إدريس. بيروت: الدار العربية للعلوم، 2006.

الحسني، عبد الرزاق. تاريخ الصحافة العراقية. ط 3. صيدا: مطبعة العرفان، 1971.

العربية للدراسات والنشر، 2015.

الخفاجي، عصام. "تشكُّل العراق الحديث: الوقائع والأساطير". مجلة كلمن: فصلية ثقافية. العدد 7 (صيف 2012).

وتقديم جزيل عبد الجبار الجومرد. الموصل: مطبعة الديار، 2011.

دوج، توبي. اختراع العراق. ترجمة عادل العامل. بغداد: بيت الحكمة، 2008.

مؤسسة مصر مرتضى، 2012.

الآلوسي، سالم. اسما العراق وبغداد: الأصل. المعنى في العصور التاريخية. بيروت/ لندن: شركة الوراق للنشر المحدودة، 2013.

آيرلاند، فيليب ويلارد. العراق: دراسة في تطوره السياسي: كتاب يبحث في نشوء الدولة العراقية وتقدمها. ترجمة جعفر الخياط. أبو منه، بطرس. "السلطان عبد الحميد الثاني والشيخ أبو الهدى الصيَّادي". مجلة الاجتهاد. السنة الثانية. العدد 5 (خريف 1989). أداموف، الكسندر. ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها. ترجمة هاشم صالح التكريتي. ط 2. بيروت/ لندن: شركة الوراق للنشر أوغلو، سنان معروف. العراق في الوثائق العثمانية: الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق خلال العهد العثماني. عمَّان: دار بيات، فاضل. الدولة العثمانية في المجال العربي: دراسة تاريخية في الأوضاع الإدارية في ضوء الوثائق والمصادر العثمانية حصرًا بيرغوين، إليزابيث. جيرتروود بيل: من أوراقها الشخصية 1914  -  1926. ترجمة نمير عباس مظفر. تقديم عبد الرحمن منيف. بيروت: تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره: في (مجلة لغة العرب البغدادية - يوليو - 1911 أكتوبر 1931 م). تحقيق إبراهيم حامد حسين، فاضل. مشكلة الموصل: دراسة في الدبلوماسية العراقية – الإنجليزية - التركية وفي الرأي العام. ط 4. بيروت: المؤسسة خوري، دينا. الموصل: الدولة والمجتمع الإقليمي في الإمبراطورية العثمانية 1540  -  1834. ترجمة يحيى صديق يحيى. مراجعة دويشا، عديد. عراق الحقبة الملكية: تاريخ سياسي. ترجمة مصطفى نعمان أحمد. مراجعة إحسان عبد الهادي الجرجفجي. بغداد: الديوه جي، سعيد. تاريخ الموصل. الموصل: مديرية دار الكتب للطباعة والنشر  - جامعة الموصل، 2001.

رش، ألف دي ل. (محرر). العراق في سجلات الوثائق البريطانية 1914  -  1966. ترجمة كاظم سعد الدين. بغداد: بيت الحكمة، 2013. ريج، كلوديوس جيمس. رحلة ريج: المقيم البريطاني في العراق عام 1820 إلى بغداد – كردستان – إيران. ترجمة اللواء بهاء الدين نوري. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2008.

زاده، مطراقي. رحلة مطراقي زاده: لنصوح السلاحي الشهير بمطراقي زاده (توفي بعد 958 ه). ترجمة صبحي ناظم توفيق. تحقيق عماد عبد السلام رؤوف. أبوظبي: المجمع الثقافي، 2003.

الشريف، نضر علي أمين. "إدارة الوالي ناظم باشا لولاية بغداد 1910  -  1911 ". مجلة كلية الآداب. العدد 90 (2009).

الشلاه، حسين هادي. طالب باشا النقيب البصري: ودوره في تاريخ العراق السياسي الحديث. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2002.

العطية، غسان. العراق نشأة الدولة 1908  -  1921. ترجمة عطا عبد الوهاب. تقديم حسين جميل. لندن: دار اللام، 1988.

العمر، فاروق صالح. حول سياسة بريطانيا في العراق 1913  -  1921. بغداد: مطبعة الإرشاد، 1977.

فسر، ريدر. البصرة وحلم الجمهورية الخليجية: حدود الانفصالية الجنوبية ومنابع الوطنية العراقية. ترجمة سعيد الغانمي. كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2008.

فوستر، هنري. نشأة العراق الحديث. ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي. بغداد: منشورات المكتبة العلمية، 1989.

فيضي، سليمان. مذكرات سليمان فيضي: من رواد النهضة العربية في العراق. تحقيق وتقديم باسل سليمان فيضي. ط 3. بيروت: دار الساقي، 1998.

قزانجي، فؤاد (محرر/ مترجم). العراق في الوثائق البريطانية 1905  -  1930. تقديم ومراجعة عبد الرزاق الحسني. بغداد: دار المأمون للترجمة والنشر، 1989.

كرشه، أندراوس ويورغاكي أبيض. الثمار الشهية في جغرافية المملكة العثمانية. طرابلس، لبنان: المطبعة الوطنية، 1912.

الكركوكلي، رسول. دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء. ترجمة موسى كاظم نورس. قم: منشورات الشريف الرضي، 1413 ه. كرمانج، شيركو. الهوية والأمة في العراق. ترجمة عوف عبد الرحمن عبد الله. بيروت/ أربيل: دار الساقي/ دار آراس للطباعة والنشر، 2015.

الكرملي، أنستاس ماري. خلاصة تاريخ العراق: منذ نشوئه إلى بداية القرن العشرين. بيروت/ لندن: شركة الوراق للنشر المحدودة، 2012.

لسترنج، كي. بُلدان الخلافة الشرقية. ترجمة وتعليق بشير فرنسيس وكوركيس عواد. [د.م.]: مؤسسة الرسالة، [د.ت.].

لغة العرب: مجلة شهرية أدبية علمية تاريخية. السنة الأولى. العدد 2 (آب/ أغسطس 1911).

. السنة الأولى. العدد 12 (أيار/ مايو 1912).

لوكيتز، ليورا. العراق والبحث عن الهويَّة الوطنية. ترجمة دلشاد ميران. السلسلة الثقافية 315. أربيل: منشورات آراس، 2004.

لونكريك، ستيفن هيمسلي. أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث. ترجمة جعفر الخياط. ط 6. بغداد: منشورات مكتبة اليقظة العربية، 1985.

________. العراق الحديث من سنة 1900 إلى سنة 1950. ترجمة سليم طه التكريتي. بغداد: دار الفجر للنشر والتوزيع، 1988. لورنس، ليون. تقويم هلال الزوراء: لعام 1911. بغداد: مطبعة الآداب، 1911.

مار، فيبي. تاريخ العراق المعاصر: العهد الملكي. ترجمة مصطفى نعمان أحمد. بغداد: المكتبة العصرية، 2006.

الجديدة، 2010.

بغداد: دار المرتضى، 2015.

مختارات من كتاب الموصل وكركوك في الوثائق العثمانية. ترجمة وتعليق خليل علي مراد. السليمانية: بنكه ى ژين، 2005.

المعاضيدي، عصام جمعة أحمد. الصحافة اليهودية في العراق. القاهرة: الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، 2001.

العراق. ط 2. بغداد: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.

نوار، عبد العزيز سليمان. داوُد باشا والي بغداد. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1968.

الوردي، علي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. ج 4. بغداد: [د.ن].، 1974.

ط 2. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1992.

ومحمود عبد الواحد. سلسلة كتب ثقافية شهرية 31. بغداد: بيت الحكمة، 2012.

العثمنية

أشرف، محمد. مختصر تاريخ عمومي وعثماني أطلسي. إستانبول: مكتب حربية مطبعه سي، 1326 [1908].

بصرة نك ولايت سالنامة سي سنة 1317 [1899]. ولايتيمطبعة سنده باصلمشدر، اوچنجي دفعه.

بصرة ولايتي سالنامة سي سنة 1308 [1890]. بصرة مطبعة سنده باصلمشدر، دفعه 1.

جواد، علي. ممالك عثمانيه نك تاريخ وجغرافيا لغاتى. إستانبول: قصبار مطبعه سى، 1314 [1896].

توفيق، علي. ممالك عثمانية جغرافياسي. إستانبول: كتابجى قره بت، 1308 [1890].

نظيف، سليمان. فراق عراق: مصائب آغلايان برقاچ نشيده. در سعادت- محمود بك مطبعه سي، 1918.

الأجنبية

ماير، كارل إى. وشارين بلير بريزاك. صُناع الملوك: اختراع الشرق الأوسط الحديث. ترجمة فاطمة نصر. القاهرة: إصدارات سطور مجموعة مؤلفين. العراق بين احتلالات: من 1920 إلى الوقت الحاضر. تحرير أماتزيا بارام وآخرون. ترجمة مصطفى نعمان أحمد. نظمي، وميض جمال عمر. ثورة 1920: الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية "الاستقلالية" في نورس، علاء موسى كاظم. حكم المماليك في العراق 1750  -  1831. سلسلة الكتب الحديثة 84. بغداد: دار الحرية للطباعة، 1975.

ويلسون، سر أرنلد تي. بلاد ما بين النهرين بين ولاءين: خواطر شخصية وتأريخية. ترجمة فؤاد جميل. تقديم ومراجعة علاء نورس. ياماو، داي. تاريخ الأحزاب الإسلامية في العراق: التحول في حزب الدعوة (1957  -  2009). ترجمة وتقديم فلاح حسن الأسدي

• Birken, Andreas. Die Provinzen des Osmanischen Reiches. Wiesbaden: Dr. Ludwig Reichert Verlag, 1976.

• Cuinet, Vital. La Turquie D'Asie: Gèographie et Raisonnèe de Chaque Province de L'asie-Mineure. Ernest

Leroux (ed.). Tome Deuxième. Paris: Ernest Leroux, Editeur, 1894.

• Deringil, Selim. "The Struggle against Shiism in Hamidian Iraq: A Study in Ottoman Counter-Propaganda." Die

Welt des Islams. New Ser. Bd. 30. Nr. 1 / 4. (1990).

• Diskin, John Joseph. "The Genesis of the Government Educational System in 'Iraq'." Ph.D thesis, University of

Pittsburgh, Pittsburgh – Pennsylvania, 1971.

• Erickson, Edward J. Ottoman Army Effectiveness in World War I: A Comparative Study. London and New York:

Routledge/ Taylor & Francis Group, 2007.

• Geylanlıgil, Safvet. Yeni Resimli ve Haritalı Coğrafyayı Riyazî ve Osmanî. İstanbul: Matbaa-i Hayriye ve

Şürekâsı, 1331 [1913].

• “Gertrude Bell Archiv.” Newcastle University. at: https://goo.gl/QUL 2 Bd

• Haddad, Fanar. "Political Awakenings in an Artificial State: Iraq, 1914  -  1920." International Journal of

Contemporary Iraqi Studies. vol. 6. no. 1 (2012).

• Jankowski, James & Israel Greshoni (eds.). Rethinking Nationalism in the Arab Middle East. New York: Columbia

University Press, 1997.

• Lewis, B. et al (eds.). The Encyclopaedia of Islam. vol. II. 4 th ed. Leiden: E. J. Brill, 1991.

• Masters, Bruce. The Arabs of The Ottoman Empire 1516  -  1918: A Social and Cultural History. Cambridge:

Cambridge University Press, 2013.

• Önder, Mustafa. Geçmişten Günümüze Resimlerle Türk Haritacılık Tarihi. Ankara: Harita Genel Komutanlığı, 2002.

• "Osmanlinin Basili ilk Atlasi, Atlas Cedid." Suffagahat, at: https://goo.gl/ 7 BaWc 7

• Özağaç, Servet. Cumhuriyet Dönemi Türk Haritacilik Tarıhı. Ankara: Yüksek Lisans Tezi, Türk İnkılap Tarıhı

Enstitüsü, Ankara Üniversitesi, 2006.

• Özdemir, Kemal. Ottoman Cartography. İstanbul: Creative Yayıncılık ve Tanıtım Ltd. Şti., 2008.

• Pursley, Sara. "'Lines Drawn on an Empty Map': Iraq's Borders and the Legend of the Artificial State." Part 2.

Jadaliyya. 3 / 6 / 2015. at: https://goo.gl/eNiu 43

• ________. "'Lines Drawn on an Empty Map': Iraq's Borders and the Legend of the Artificial State." Part 1.

Jadaliyya. 2 / 6 / 2015. at: https://goo.gl/dnERhc

• Redhouse, J. W. Redhouse's Turkish Dictionary. 2 nd ed. London: Bernard Quaritch, 1880. Part II: Turkish and

English.

• Self-Determination in ‘Iraq’: Reproductions of original declarations by the people of ‘Iraq’ regarding the future

of their country, 1919.

• T.C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, Osmanlı Arşivi Daire Başkanlığı. Musul- Kerkük ile ilgili

Arşiv Belgeleri (1525  -  1919). Yayın Nu: 11. Ankara: T.C. BaşBakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlügü, Osmanlı

Arşivi Daire Başkanlığı 1993.

• Tauber, Eleizer. "The Struggle for Dayr al-Zur: The Determination of Borders between Syria and Iraq."

International Journal of Middle East Studies. vol. 23. no. 3 (August 1991).

• Visser, Reidar. "Proto-Political Conceptions of 'Iraq' in Late Ottoman Times." International Journal of

Contemporary Iraqi Studies. vol. 3. no. 2 (2009).

• ________. "Ottoman Provincial Boundaries, Shiite Federalism, and Energy Conflict in Iraq." historiae. org. at:

https://goo.gl/YNW 9 Q 4