Return to Article Details A review of History of Minorities in the Far Maghreb: The Case of Christians during the Middle Ages

مراجعة كتاب تاريخ الأقليات في المغرب الأقصى المسيحيون خلال العصر الوسيط أنموذجًا

A review of History of Minorities in the Far Maghreb: The Case of Christians during the Middle Ages

رابحي رضوان*Rabhi

Radwan

الملخّص

المؤلف : الحسن الغرايب. عنوان الكتاب : مسيحيو المغرب الأقصى في العصر الوسيط . الناشر : مطابع الرباط نت، الرباط. سنة النشر : 2015. عدد الصفحات : 376 صفحة. احتضنت جُل المجتمعات البشرية منذ القدم أقليات [1] وطوائف عرقية أو دينية أو مذهبية أو لغوية أو ثقافية. وما كان المغرب ليشكّل استثناءً من هذه القاعدة، بحكم موقعه الجغرافي المنفتح على عوالم متنوعة؛ فقد ظل ملتقى لعدد من الثقافات والديانات المختلفة، في مقدمتها الديانات الكتابية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، وشكّلت حقبة العصر الوسيط البوتقة التي التأمت فيها هذه الديانات في المغرب الأقصى. بيد أن اهتمام أغلب الدراسات التاريخية التي اعتنت بالحقبة الوسيطية في المغرب انصبّ على "الأغلبية المسلمة"، في حين شمل النسيان باقي مكونات المجتمع المغربي، خاصة الأقليات الدينية، إلى حدود العقود القليلة الماضية؛ إذ حازت "الأقلية اليهودية" بعض الاهتمام من طرف عدد من الباحثين [2] ، على عكس "الطائفة المسيحية" التي لم تنل حظها من الدرس؛ بذريعة انعدام الآثار المادية، وشُح المصادر، وندرة الدراسات.

Abstract

A review of History of Minorities in the Far Maghreb: The Case of Christians during the Middle Ages.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • الدين
  • الطوائف
  • الثقافة
  • الأقليات
  • العصر الوسيط

مقدمة

احتضنت جُل المجتمعات البشرية منذ القدم أقليات1 وطوائف عرقية أو دينية أو مذهبية أو لغوية أو ثقافية. وما كان المغرب ليشكّل استثناءً من هذه القاعدة، بحكم موقعه الجغرافي المنفتح على عوالم متنوعة؛ فقد ظل ملتقى لعدد من الثقافات والديانات المختلفة، في مقدمتها الديانات الكتابية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، وشكّلت حقبة العصر الوسيط البوتقة التي التأمت فيها هذه الديانات في المغرب الأقصى. بيد أن اهتمام أغلب الدراسات التاريخية التي اعتنت بالحقبة الوسيطية في المغرب انصبّ على "الأغلبية المسلمة"، في حين شمل النسيان باقي مكونات المجتمع المغربي، خاصة الأقليات الدينية، إلى حدود العقود القليلة الماضية؛ إذ حازت "الأقلية اليهودية" بعض الاهتمام من طرف عدد من الباحثين2، على عكس "الطائفة المسيحية" التي لم تنل حظها من الدرس؛ بذريعة انعدام الآثار المادية، وشُح المصادر، وندرة الدراسات. في هذا السياق يأتي مؤلَّف الباحث المغربي الحسن الغرايب3، بعنوان مسيحيو المغرب الأقصى في العصر الوسيط4، الذي استهدف مجال المغرب الأقصى على امتداد ثمانية قرون، بما في ذلك القرون الإسلامية الأولى التي "يتهرب" منها المؤرخون عادة. وقد استطاع تجاوز الطريقة المتبعة في دراسات سابقة5 ركّزت على قضايا وجوانب محددة من تاريخ المسيحيين في المغرب الوسيط تتوافر فيها المادة المصدرية نسبيًا، مقارنةً بقضايا أخرى.

  1. يعرض السوسيولوجي الأميركي لويس ويرث Wirth Louis أبرز خصائص الأقلية قائلً: "هي جماعة من الناس تنفصل عن بقية أفراد المجتمع بصورة ما، نتيجة خصائص عضوية أو ثقافية، تعيش في مجتمعها في ظل معاملة مختلفة غير متساوية مع بقية أفراد المجتمع"، انظر: سميرة بحر، المدخل لدراسة الأقليات (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1982)، ص 10.
  2. خلال العقود القليلة الماضية، اهتم عدد من الباحثين بموضوع الأقلية اليهودية في المغرب خلال العصر الوسيط. على سبيل المثال لا الحصر، انظر: حاييم الزعفراني، يهود المغرب والأندلس، ترجمة أحمد شحلان (الرباط: دار مرسم، 2000)؛ حاييم الزعفراني، ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب: تاريخ، ثقافة، دين، ترجمة أحمد شحلان وعبد الغني أبو العزم (الدار البيضاء: [د.ن].، 1987)؛ عطا علي محمد شحاته ريه، اليهود في بلاد المغرب الأقصى في عهد المرينيين والوطاسيين (دمشق: دار الكلمة، 1999)؛ محمد الغرايب، "يهود مجتمع المغرب الأقصى الوسيط"، أطروحة دكتوراه الدولة في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، المغرب، 2002؛ أحمد شحلان، اليهود المغاربة من منبت الأصول إلى رياح الفرقة: قراءة في الموروث والأحداث (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2009)؛ فاطمة بوعمامة، اليهود في المغرب الإسلامي خلال القرنين السابع والثامن هجري الموافق ل  14  -  15 ميلادي (الجزائر: مطابع كنوز الحكمة، 2011)؛ وانظر أيضًا: André Goldenberg, Les Juifs du Maroc: Images et textes (Paris: Editions du Scribe, 1992).
  3. باحث مغربي، حاصل على الدكتوراه في التاريخ من كلية الآداب بجامعة مولاي اسماعيل بمدينة مكناس، يشتغل حاليًا أستاذًا بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمدينة صفرو. صدرت له، إلى جانب الكتاب موضوع القراءة، مجموعة من الدراسات والمقالات، من بينها "تنظيم ملكية الأرض وبناء المدن بالمغرب الأقصى في العصر الوسيط: فاس ومراكش نموذجان"، في: مجموعة مؤلفين، التاريخ والقانون: التقاطعات المعرفية والاهتمامات المشتركة، ج 2 (مكناس: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009)، ص 211  -  220؛ "فقهاء إفريقية ومفكروها: التدافع المستمر"، في: مجموعة مؤلفين، السلطة والفقهاء والمجتمع في تاريخ المغرب: الائتلاف والاختلاف (أعمال تكريمية مهداة إلى الأستاذ أحمد عزاوي)، (القنيطرة: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013)، ص 47  -  60؛ "الرباط وقناتها المائية الموحدية"، في: مجموعة مؤلفين، مدينة الرباط: التاريخ والذاكرة، تنسيق علال ركوك وحفيظة الهاني ورشيد يشوتي (الرباط: منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي/ مطابع الرباط نت، 2015)، ص 75  -  84؛ El Hasan Laghraib, “Le Maroc du XVI eme siècle d’après Léon africain, les juifs et leurs activité,” in: Le Maroc au temps des Wattassides, à travers les descriptions de Léon l’africain , Mohamed Stitou (coordination), (Rabat: Rabat net editions, 2011).
  4. هذا المؤلَّف في الأصل أطروحة دكتوراه نوقشت في كلية الآداب، جامعة مولاي اسماعيل، مكناس، تحت إشراف إبراهيم القادري بوتشيش.
  5. من بين الدراسات والمقالات التي تناولت جوانب وقضايا محددة من تاريخ المسيحيين في المغرب الأقصى الوسيط: خوسي أليماني، "الكتائب المسيحية في خدمة الملوك المغاربة"، ترجمة أحمد مدينة، مجلة دعوة الحق، العدد 187 (أيار/ مايو 1978)؛ مصطفى نشاط، "الارتزاق المسيحي بالدولة المرينية"، في: مجموعة مؤلفين، الغرب الإسلامي والغرب المسيحي خلال القرون الوسطى، تنسيق محمد حمام (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1995)؛ إبراهيم القادري بوتشيش، "الجاليات المسيحية بالمغرب الإسلامي خلال عصر الموحدين"، مجلة الاجتهاد، العدد 28 (صيف 1995)، ص  77  -  107؛ إبراهيم القادري بوتشيش، "مسألة بناء الكنائس بالمغرب الأقصى خلال عصر المرابطين: من منتصف القرن 11 إلى منتصف القرن 12 م"، في: مجموعة مؤلفين، الغرب الإسلامي والغرب المسيحي، ص 93  -  100؛ غوردو عبد العزيز، "‫الارتزاق خلال عصر المرابطين والموحدين "، أطروحة دكتوراه، إشراف مصطفى نشاط، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، المغرب، 2002. للمزيد من التفصيل، يمكن العودة إلى البيبليوغرافيا الوافية الواردة في الكتاب موضوع القراءة: الحسن الغرايب، مسيحيو المغرب الأقصى في العصر الوسيط، تقديم عبد العزيز عينوز (الرباط: مطابع الرباط نت، 2015)، ص  312  -  342. ‬

مضامين الكتاب

رام الباحث في هذا العمل استكشاف واقع مسيحيي المغرب الأقصى الوسيط بالتفاعل مع إشكاليته المركزية: أي تاريخ لمسيحيي المغرب الأقصى الوسيط؟ على امتداد صفحات الكتاب البالغ عددها 376 صفحة، توزّعت على ستة فصول، علاوة على ملاحق تضمّنت خرائط اقتفت آثارَ استقرار المسيحيين في المغرب طوال الفترة المدروسة، إلى جانب فهارس للأعلام والأماكن والمصطلحات الحضارية. واجه المؤلف عوائق كثيرة يرتبط بعضها بطبيعة الموضوع المدروس؛ فالطائفة المسيحية لم تكن قَط مجموعة بشرية معزولة عن محيطها، بل إن تاريخها تداخل مع تاريخ باقي الديانات والملل، ومع المجتمع بصفة عامة. ويتعلق بعضها الآخر بالمادة المصدرية؛ ففي ظلّ ضياع مصادر مهمة يمكن الاتكاء عليها لتسليط الأضواء على تاريخ المسيحية خلال الفترة السابقة للموحدين خاصة، كان المؤلف ملزمًا بأن يجمع نتفًا وإشارات متناثرة، عبر استقصاء عشرات المصادر الثانوية (غير المباشرة)؛ مثل كتب التاريخ العام، والجغرافيا، والمناقب، والنوازل. في الفصل الأول من الكتاب، نقّب المؤلف عن جذور الوجود المسيحي في المغرب الأقصى قبل وصول الإسلام، وبيّ أن للمسيحية بموريتانيا الطنجية6 "جذورًا تعود إلى ما قبل الإعلان الرسمي لها بكونها ديانة الدولة (الرومانية)" (ص. 55)، وأنها وُجدت بها فعليًا منذ نهاية القرن الثالث الميلادي، على الأقل، بحيث ساهمت المسالك البرية والبحرية في انتقالها إلى بلاد المغرب التي مثّلت وجهة مُفضلة للفارّين من الاضطهاد الروماني للمسيحيين. وخلص إلى وجود المسيحيين - سواء منهم "الرجال القادمون من البحر"8 (ص 33، 64)، أو الذين تمسّحوا من الأهالي - في جميع مناطق المغرب الأقصى، بالمدن والقرى، شمال "خط الليمس"10 وجنوبه، على الضفة اليمنى لوادي درعة تحديدًا، حيث "تزاحمت" الديانة الجديدة مع اليهودية والوثنية، وأوجدت لنفسها موطئ قدم، من خلال مملكة مسيحية قاعدتها مدينة تين سيتا11 (ص. 68). أما الفصل الثاني، فقد أطلعنا فيه المؤلف على دور المسيحية والمسيحيين إبان الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، من خلال مملكَتيَن نصرانيتين، هما مملكة "البرانس" بزعامة كسيلة بن لمزم، ومملكة "الأوراس" بقيادة ديهيا بنت ماتيا بن تيفان؛ المرأة الأمازيغية التي اعتبر الباحث أنها تدين بالنصرانية، ومعها بعض القبائل المكوّنة للّف القبلي "جراوة". ولم يمنع انتشار هذه الديانة التبشيرية الجديدة في الحواضر والقرى وممارسة المسيحيين طقوسهم في المنازل والمعابد المخصصة من استمرار بعض العادات السابقة، خاصة "الارتياد الجماعي لأماكن التبرك بالأولياء المحليين" (ص. 47)، وهو ما يعكس الامتزاج الذي حصل في المغرب بين مكونات دينية وثقافية متنوعة. في الفصل الثالث، تتبعَ المؤلف أوضاع المسيحيين خلال القرون الهجرية الأولى في المغرب، أو فترة "الأسلمة"، التي لم تُؤدِّ إلى اندثار كلي للمسيحية مثلما يزعم الإخباريون والجغرافيون العرب. وساقَ عددًا من القرائن التي تدعم موقفه. فبعد نهاية الفتح الإسلامي للمغرب الأقصى، الذي تُوّج بوصول المسلمين إلى الأندلس، شارك المسيحيون في جيش طارق بن زياد؛ القائد الميداني الذي حصل أيضًا

  1. يُقصد بموريتانيا الطنجية في الفترة السابقة لوصول الإسلام المجال الممتد من وادي ملوية - مع تمدّد الحدود الشرقية وتقلصها - إلى الساحل الأطلسي (شمال المغرب الحالي). للمزيد من التفصيل، انظر: محمد اللبار، "موريطانيا الطنجية"، في: مجموعة مؤلفين، معلمة المغرب، ج 21 (الرباط: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر/ مطابع سلا، 2005)، ص 7311  -  7315. 7 أطلق الأهالي على المسيحيين الوافدين من الخارج اسم "الرجال القادمون من البحر"، ويُنبه الكاتب إلى صعوبة تحديد من يكون هؤلاء.
  2. خط الليمس": هو جدار، أو جهاز مركب، يضم خنادق ومسالك وتحصينات دفاعية، أقامه الرومان في شمال أفريقيا، ابتداء من القرن الميلادي الثاني، للدفاع والتوسع والاستقرار الاستعماري. للمزيد من التفصيل، انظر: مصطفى أعشي، "الليمس"، في: معلمة المغرب، ج 20، ص 6913. ويرى الحسن الغرايب أن الليمس هو خط تلاقح ثقافي قبل أن يكون حاجزًا عسكريًا، وأنّ انتقال المسيحية عبره إلى الجنوب أمرٌ وارد (ص. 39). 9 تقع تين سيتا على الضفة اليمنى لوادي درعة، على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من زاكورة.

على مساعدة من "إمارة غمارة المسيحية" في سبتة تمثّلت في عدد من السفن. كما لم يستبعد الكاتب مشاركة المسيحيين في "ثورات البربر" أثناء بداية القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي؛ احتجاجًا على تعسّف ولاة الدولة الأموية وعمّالها. وأدت هذه الثورات إلى قيام دول أو إمارات مغربية مستقلة عن الخلافة في المشرق، من بينها "إمارة الأدارسة" التي بيّ الباحث حضور المسيحيين خلال عهدها، مبرزًا دورهم في انتقال الأدارسة أنفسهم من مدينة وليلي إلى مدينة فاس، ووجودهم المكثف في هاتين المدينتين ومحيطهما، وحول بعض المناجم في جنوب المغرب خصوصًا. أما الفصل الرابع، فقد كان فرصة لنكتشف، مع المؤلف، واقع المسيحيين إبان العهدين المرابطي والموحدي، فقد برز حضورهم من خلال استخدامهم في الكتائب العسكرية من قِبَل بعض أمراء الدولتين معًا وسلاطينهما، إلى جانب نشاطهم في الميدان التجاري. وساهم هذا الوضع في استقرار المسيحيين في عدد من الحواضر، وفي مقدمتها العاصمة مراكش وفاس ومكناسة وسبتة وسلا، إلى جانب استقرار أعداد مهمة منهم في الجنوب والجنوب الشرقي، خاصة في سجلماسة ودرعة ووادي نون. تطرّق المؤلف في الفصل الخامس إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدينية للمسيحيين خلال عصرَي المرابطين والموحدين، مبرزًا أثر التحولات الاقتصادية والسياسية للغرب المسيحي، خلال العصور الوسطى في المغرب، بحكم العلاقات التجارية التي جمعت الطرفين، والتي بلغت أوجها خلال القرن الثاني عشر الميلادي، مُؤطّرة بعدد من الاتفاقيات والمعاهدات. ونتج من هذا الانفتاح التجاري، إلى جانب التغريب والأسْ وجلب المسيحيين للخدمة في الجيشين المرابطي والموحدي، ارتفاع أعدادهم في بلاد المغرب الأقصى؛ فقد ارتادوا موانئه ومارسوا تجارات مختلفة من بينها تجارة الأثواب، واستقروا في أماكن وفنادق خاصة بهم، تطوّر بعضها إلى ما يشبه مدنًا قائمة الذات، تمتّعوا فيها بكامل حريتهم الدينية (ص. 226). كما وُجد بها "قناصل" يُديرون شؤونها العامة، و"موثّقون" يسهرون على ضبط المعاملات التجارية بين المسيحيين والمسلمين. ولم يقتصر المسيحيون على التجارة، بل مارسوا أيضًا بعض الصناعات؛ مثل صناعة الأثواب، وبعض المهن المرتبطة بالبناء والفلاحة والطب، إلى جانب صناعة الخمور وبيعها. أما الفصل السادس، فقد أفرده المؤلف لعرض مشاهد من التعايش والتسامح بين المسلمين والمسيحيين؛ فبعد أن فنّد ما سمّاه "أسطورة الاضطهاد المسيحي" خلال العصرين المرابطي والموحدي، قدّم بعض مظاهر الاندماج الذي حصل بين الطرفين في المغرب؛ إذ استمرت الاحتفالات المشتركة في المواسم والأعياد؛ على غرار الاحتفال بيوم "دانتيسيا" عند ظهور بعض أسنان الأطفال (ص 294  -  295)، وعيد مولد النبي عيسى، على الرغم من نهي بعض الفقهاء عن مشاركة المسلمين في هذه الاحتفالات بوصفها "بدعًا". كما عرف المجتمع المغربي ظاهرة الزيجات المختلطة بين المسيحيين والمسلمين، حتى إن المرأة المسيحية تمكّنت من اقتحام قصور الدولتين المرابطية والموحدية، وكان لبعضهن دور حاسم خلال الفترات السياسية المضطربة. فعلى سبيل المثال، أخذت حُباب الرومية البيعة لابنها الرشيد الموحدي بعد وفاة والده المأمون عام 630 ه/ 1232 م (ص. 297). كما تعلّم بعض التجار والرهبان اللغة العربية، واعتنق عدد منهم الإسلام، مثلما اعتنق بعض المسلمين المسيحية، في تعارُضٍ صارخٍ مع فتاوى بعض الفقهاء التي ظلت تنهى عن ذلك.

يف التفاعل مع مضامين الكتاب

سعى المؤلف من خلال هذا العمل لدراسة أوضاع المسيحية والمسيحيين في بلاد المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط. ولئن أحرز قصب السبق في اقتحام موضوع ظلّ "يحتفظ بعذريته" طوال عقود من الزمن، ونجح في تركيب إحدى الحلقات المفقودة في الكتابة

التاريخية المغربية، فإن عدة عوامل؛ من قبيل شساعة المجالين الجغرافي والزمني اللذين شملتهما الدراسة، وجدّة الموضوع وتشعّب إشكالياته، والإكراهات المرتبطة بندرة الإشارة إلى المسيحيين في المصادر التي ألّفها المؤرخون المسلمون أو المسيحيون12، اجتمعت لتجعل بعض القضايا التي أثارتها الدراسة في حاجة إلى مزيد من المناقشة والبحث. فيما يتعلق بالإطار الزمني، تتبّع الباحث ظروف الأقلية المسيحية في المغرب الأقصى منذ ما قبل وصول الإسلام إلى بلاد المغرب حتى حقبة الموحدين، وهو أمَدٌ زمني يلائم طبيعة الموضوع الذي يتطلب الإمساك ببعض خصائصه وتمفصلاته الاشتغالَ بحقبة زمنية طويلة، فتجشّم بذلك عناء التنقيب في فترة غامضة من تاريخ المغرب، لكن طول المدة التي انكبّ عليها، وما تخلّلها من دينامية سياسية، وما أثارته من قضايا وإشكاليات، جعلت كثيرًا من الجزئيات والخصوصيات الجهوية داخل المغرب الأقصى في حاجة إلى مزيد من الاستقصاء، من بينها وضعية المسيحيين في بعض الإمارات المستقلة الناشئة بعد ثورات الخوارج في بداية العقد الثاني من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، خاصة "برغواطة" التي يُستشف من بعض النتف المصدرية وجود مؤثرات مسيحية في عقيدتها، على نحو ما أورد أبو عبيد الله البكري متحدثًا عن صالح بن طريف البرغواطي الذي زعم أنه "سينصرف إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وأنه المهدي الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجال، وأن عيسى بن مريم سيكون من أصحابه وسيصلّ خلفَه، وتكلّم في ذلك كلامًا كثيرًا نسبه إلى موسى الكليم وإلى سطيح الكاهن وابن عباس"13. ويظهر من خلال الكلام المنسوب إلى صالح بن طريف المزج الذي حصل بين معتقدات دينية متنوعة، عبر استحضار شخصيات ذات رمزية دينية، من بينها النبي عيسى. أما من حيث مجال الدراسة، فقد حصره المؤلف في المغرب الأقصى "حتى يكون حظه من الدراسة أوفر" (ص. 13)، وهو اختيار يبدو صعبًا وموفقًا في الآن نفسه؛ صعب بسبب شُح المصادر، وموفق لأن البحث في مجال أوسع كان سيفوّت على الدراسة كثيرًا من الخصوصيات المحلية. ومع ذلك فإن المجالات المجاورة للمغرب الأقصى التي كان يمتد إليها نفوذ دول الغرب الإسلامي، التي ظلت تشترك مع المغرب الأقصى في مجموعة من الخصائص البنيوية الاقتصادية والاجتماعية والذهنية، في حاجة إلى دراسات وبحوث تميط اللثام عن تاريخ الأقلية المسيحية فيها14، مع العلم أن المسيحية في "الأندلس الإسلامية" كانت موضوعًا لعدد من الأبحاث15استفادت من وفرة النصوص المصدرية والآثار المادية، مقارنةً بالمغرب.

  1. Dominique Valérian, "La permanence du christianisme au Maghreb: l'apport problématique des sources latines," in: Dominique Valérian, Islamisation et arabisation de l'Occident musulman médiéval (VIIe-XIIe siècle) , (Paris: Edition de la Sorbonne, 2011), accessed on 28 / 3 / 2017 , at: https://goo.gl/LwKweo
  2. أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك: الجزء الخاص ببلاد المغرب، تحقيق زينب عزاوي، تقديم أحمد عزاوي (الرباط: مطابع الرباط نت، 2012)، ص 249. ويذكر ابن عذاري ادعاء صالح العودة في عهد الملك السابع من ملوك برغواطة وصلاة النبي عيسى خلفه، انظر: محمد بن عذاري، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ومراجعة كولان وبروفنسال، ج  1، ط 3 (بيروت: دار الثقافة، 1983)، ص 224.
  3. من بين الدراسات التي عُنيت بالمسيحية والمسيحيين في بلاد المغرب: ناصر جبّار، "فنادق التجار المسيحيين في الدولة الحفصية"، مجلة الأندلس والمغرب، العدد 17 (2010)، ص 77  -  89. Virginie Prevost, “Les dernières communautés chrétiennes autochtones d’Afrique du Nord,” Revue de l’histoire des religions , no. 4 (2007), pp. 461  -  483 ; Valérian, pp. 131  -  149 ; Abdelkader Hadouch, “Les communautés chrétiennes en Afrique du Nord du viiie au XVe siècle,” thèse de doctorat en histoire, sous la direction d’A. Vauchez, l’université Paris 10 , France, 2001.
  4. من بينها على سبيل المثال: رينهرت دوزي، المسلمون في الأندلس: إسبانيا الإسلامية، ترجمة حسن حبشي، ج 2 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994)؛ عبادة كحيلة، تاريخ النصارى في الأندلس (القاهرة: المطبعة الإسلامية الحديثة، 1993)؛ إبراهيم القادري بوتشيش، "المرابطون وسياسة التسامح مع نصارى الأندلس: نموذج من العطاء الحضاري الأندلسي "، مجلة دراسات أندلسية، العدد 11 (1994)، ص 22  -  34؛ عصمت دندش، "علاقة الأندلس بمملكة قشتالة من خلال الأقليات (أهل الذمة) إلى القرن السابع الهجري"، في: مجموعة مؤلفين،   الغرب الإسلامي والغرب المسيحي، ص 101  -  116؛ وانظر أيضًا: Brahim Harakat, “La communauté chrétienne et celle d’origine chrétienne en Espagne musulmane, vues par les sources arabes,” in: مجموعة مؤلفين، الغرب الإسلامي والغرب المسيحي، ص 182  -  179؛ محمد بشير العامري، التفاعل الحضاري بين أهل الأندلس المسلمين والإسبان النصارى في القرون الوسطى (بيروت: دار الكتب العلمية، 2014).

بالنسبة إلى منهج البحث، وظّف المؤلف منهجًا تاريخيًا منفتحًا تتفاعل داخله ثلاث آليات: الوثيقة والزمن والمقارنة. كما عمد إلى تفكيك بعض النصوص التاريخية الوسيطية وتأويلها، مُنبّهًا إلى الصعوبات التي ترافق ذلك. ومكّنه هذا التنويع في المناهج من تجاوز السرد التقليدي للأحداث التاريخية، واستنطاقها من أجل الكشف عن واقع المسيحية والمسيحيين في المغرب الأقصى الوسيط. وبما أنه كان أمام موضوع جديد، فقد عوّل على ما جادت به المتون اللاتينية والعربية من نصوص، لكنها لم تُسعفه في معالجة بعض القضايا والظواهر التي ارتبطت عادة بالمسيحية؛ مثل انتظار "عودة المسيح"، وعلاقتها بالمهدوية عند المسلمين واليهود، خلال العصر الموحدي خاصّة16. ففي هذا الصدد يذهب سيمون ليفي إلى حدّ القول إن بعض اليهود اعتقدوا أن "المهدي" ابن تومرت هو المسيح الذي أخبر به الربي موسى الدرعي، وكان هذا الرجل قد أعلن من على منابر بيعات فاس قربَ وصول المسيح قبل سنوات قليلة من ظهور ابن تومرت17. ومن المعلوم أن اليهود والمسلمين، على حد سواء، يترقبون عودة المسيح18. لم يقتصر المؤلف على المسيحيين من الأهالي، أو ما عُرف بأهل الذمة19، بل تناول بالدرس والتحليل أحوال المسيحيين غير المغاربة أو "الجالية الأوروبية"، مُراهنًا على إبراز الجانب الاجتماعي - اليومي عند الأقلية المسيحية في المغرب، بحيث تمكّن من رسم صورة لنمط حياة أفرادها، على أن بنيات الأسرة المسيحية المغربية الوسيطية، وتفاصيل طقوسها وعاداتها، خاصة عند الولادة والزواج والموت، تظل في حاجة إلى مزيد من البحث. وبالمثل، تنتظر بعض القضايا الشائكة المرتبطة بالعلاقات بين مسيحيي المغرب وإخوانهم في الجوار الأوروبي والآسيوي أن يلتفت إليها الباحثون، وفي مقدمتها تأثير العلاقات بين العالميَن الإسلامي والمسيحي في وضعية مسيحيي المغرب. فإذا كانت بعض الدراسات قد تطرّقت إلى موضوع مشاركة المسلمين في "الحروب الصليبية"20، فكيف تمثّل المسيحيون المغاربة الحروب الصليبية نفسها؟ وهل يمكن الحديث عن "مساهمة من نوع ما" لمسيحيي المغرب في هذه الحروب التي تم خوضها باسم الدين؟ وما انعكاسات هذه الحروب على أوضاع المسيحيين في المغرب؟ لقد قدّم المؤلف شواهد تاريخية عديدة تبرز بعض أجواء التسامح التي سادت بين المسلمين والمسيحيين في المغرب الوسيط، وحمّل المسيحيين المغاربة جزءًا من المسؤولية في تكدير صفو العلاقات الحسنة بين الطرفين قائلً: "إن المناخ الذي كان سائدًا آنذاك لم يُعكّره إلا تلك الحوادث التي كان فيها لبعض النصارى دور في إذكاء الحقد والمعاداة، إما عبر تسهيل الأمر لجيوش المسيحيين لحصار أو مهاجمة المدن الإسلامية بالأندلس، أو احتقار وسب الديانة مما أوجب إنزال عقوبات عبر فتاوى الفقهاء الذين أعطوا الشرعية لردة فعل الخلفاء والأمراء إزاء هذه التحديات" (ص 289  -  290). قد يرى بعض القراء في هذا الموقف نوعًا من الذاتية التي تُلقي اللوم على

  1. Halima Ferhat, "Faux prophètes et mahdis dans le Maroc medieval," in: Halima Ferhat, Le Maghreb aux XIIème et XIIIème siècles: les siècles de la foi (Casablanca: Wallada, 1993), p. 167.
  2. محمد المغراوي، الموحدون وأزمات المجتمع (الرباط: جذور للنشر، 2006)، ص 126؛ أصراف روبير، معطيات من تاريخ اليهود بفاس من 808 م إلى اليوم، تعريب محمد مزين (الرباط: دار أبي رقراق، 2010)، ص 40. وظهر موسى الدرعي بفاس سنة 1127 م، انظر: جعفر هادي حسن، فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام، ط 2 (بيروت: مؤسسة الفجر، 1988)، ص 23.
  3. Michael Brett, "Le Mahdi dans le Maghreb médiéval," Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée , no. 91  -  94  (Juillet 2000), accessed on 22 / 2 / 2017 , at: https://goo.gl/uAFLCo
  4. الذمة في اللغة هي العهد والأمان والضمان، انظر: ابن منظور، لسان العرب، مج 12 (بيروت: دار صادر، [د.ت.])، ص 221. وهو مصطلح تاريخي يُقصد به اليهود والنصارى الذين كانوا يعيشون في مجتمعات إسلامية، حيث يُمنحون وضعًا خاصًا يضمن لهم حرية ممارسة الطقوس الدينية مقابل أداء مبلغ من المال عُرف بالجزية. للمزيد من التفصيل، انظر: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، تحقيق وتعليق يوسف البكري وشاكر العاروري، مج 1 (الدمام: رمادي للنشر، 1997)؛ حسن الممي، أهل الذمة في الحضارة الإسلامية (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998).
  5. من بين ما كُتب في هذا الشأن: محمد العروسي المطوي، الحروب الصليبية في المشرق والمغرب، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1982)؛ محمد المنوني، "نماذج من مساهمات الغرب الإسلامي في الحروب الصليبية بالشام وما إليه"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، العدد 20  -  21 (1996  -  1997)، ص 143  -  149؛ Marcel Dieulafoy, “Le Maroc et les croisades,” Académie des Inscriptions & Belles-Lettres , vol. 62 , no. 1 (1918), pp. 23  -  32.

الطرف الآخر، وشيئًا من التعميم؛ بحيث لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد في كل الحالات التي اشتد فيها التوتر بين المسلمين والمسيحيين، لكن هذا الجدال بين من يؤكد تعرّض المسيحيين للاضطهاد خلال العصر الوسيط وبين من يعارض ذلك، لن يحسمه سوى اكتشاف نصوص جديدة، أو ظهور مصادر تتسم بحد أدنى من الحياد والموضوعية. من الواضح أن المؤلف كان على دراية تامة بالصعوبات التي ترافق النبش في موضوع يهمّ جالية اعتبرت "الهيستوريوغرافيا" العربية أفرادها غرباء21، فلاذت بالصمت تجاههم؛ إذ قال: "إنّ غياب أي نص أدبي أو نقيشة حول مراحل تطور المسيحية بالمغرب يجعل معالجة الموضوع أمرًا صعبًا لن يتجاوز في بعض الأحيان عتبة الافتراض"22، وهو ما يجعل انتظار ظهور مصادر مغربية أو لاتينية أو اكتشافات أثرية جديدة أمرًا لا بد منه؛ من أجل حلحلة مجموعة من القضايا والمسائل، من قبيل: كيف كانت الأجواء بين الطرفين خلال فترات الكوارث والمحن والأزمات السياسية؟ وأين كان المسيحيون يدفنون موتاهم؟ راقب الباحث أوضاع المسيحيين في المغرب الأقصى على امتداد العصر الوسيط، بحيث يمكن القول إن الثابت فيها هو استمرار استقرار المسيحيين في المغرب منذ ما قبل الإسلام. أما المتغير، فهو يتعلق بالأدوار التي قام بها المسيحيون في المغرب، والتي يظهر أنها تأثرت بالمسار العام لتطور البنيات الاقتصادية والاجتماعية، كما خضعت لاحتياجات الدول المغربية الوسيطية منذ العصر المرابطي على الأقل، بعد أن تم دمج المسيحيين في أسلاك الجيش، وهو أمرٌ أدى إلى ارتفاع أعدادهم وتحسين وضعيتهم الاجتماعية والدينية، إذ سمحت السلطة الموحدية ببناء كنائس خاصة بالمسيحيين. غير أن توقّف الدراسة على عتبة الحقبة المرينية، التي تُعدّ منعطفًا في تاريخ المغرب، يجعل بعض الأسئلة مشروعة، من بينها: لماذا استمر حضور اليهودية قويًا في المغرب مقارنةً بالمسيحية خلال العصر الوسيط، على الرغم من أن المسيحية ديانة تبشيرية بخلاف اليهودية؟ وكيف كانت أوضاع المسيحيين خلال نهاية الحقبة الوسيطية وبداية الحقبة الحديثة في المغرب؟

خاتمة

تنبع أهمية الدراسة من اعتبارين اثنين: أولهما أنها تبحث في قضية غير مطروقة؛ ومن ثم يمكن أن تعطي النتائج التي تمّ التوصل إليها "أملً في إعادة كتابة تاريخنا الوسيط وقراءته بمنظور الاختلاف" (ص. 14)، وثانيهما من راهنية موضوعها وجِدّته، والدور الذي يمكن أن يؤديه في "التحسيس بأهمية الأقليات ماضيًا وحاضرًا". إن هذا العمل "الحفرياتي" الذي سلّط الأضواء على جوانب مهمة من تاريخ الأقلية المسيحية ظلّت منسية في الكتابة التاريخية المغربية، يفتح الآفاق أمام الدارسين لمواصلة سبر أغوار تاريخ هذه الأقلية النشيطة في تاريخ المغرب.