Return to Article Details The Reverberation of the Balfour Declaration in Jewish, Arab, Ottoman, and International Circles 1917–1920

صدى تصريح بلفور في الأوساط اليهودية والعربية والعثمانية والدولية 1920 - 1917

The Reverberation of the Balfour Declaration in Jewish, Arab, Ottoman, and International Circles 1917–1920

علي محافظةAli

Mahafzah

الملخّص

منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى في آب/ أغسطس 1914، اتخذت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية مقرها العام في برلين، وتولى رئاستها يهودي ألماني هو أوتو فاربورغ Otto Warburg. وأنشأت لها مكتبًا في إسطنبول تولى رئاسته ديفيد ياكبسون David Jacobson، ومكتبًا في لندن تولى رئاسته ناحوم سوكولوف Nahum Sokolow أول الأمر، ثم حل محله الدكتور حاييم وايزمان Chaim Weizman أستاذ الكيمياء الصناعية في جامعة مانشستر Manchester، ومكتبًا في نيويورك برئاسة القاضي في المحكمة الأميركية العليا لويس برانديس Louis Brandies، ومكتبًا في كوبنهاغن، باعتبارها عاصمة للدنمارك الدولة المحايدة في هذه الحرب، لتسهيل الاتصال بالممثلين الدبلوماسيين للدول المتحاربة. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1914، أعلنت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية في اجتماع عقدته في كوبنهاغن أنها تقف على الحياد من النزاع الدولي القائم. وكان هذا الإعلان بمنزلة مناورة سياسية ترمي إلى إشعار الأطراف المتنازعة بأنها لن تلتزم إلا مع من سيقدم لها ما تطلب من وعود وعهود [1] . وفي اجتماع المجلس الصهيوني العام الذي عُقد في لاهاي في 24 آذار/ مارس 1916، عرض الزعيم الصهيوني ديفيد ياكبسون، لأول مرة، موضوع إصدار تصريح من الحكومتين الألمانية والعثمانية يتضمن تعاطفهما مع الأماني الصهيونية في فلسطين، غير أن المجلس اعتبر هذا الاقتراح سابقًا لأوانه. والواقع أن القيادة الصهيونية شعرت، بعد العرض الذي تقدمت به دولتا الوسط (ألمانيا والنمسا - هنغاريا) في 12 كانون الثاني/ يناير 1916 لإبرام الصلح مع الحلفاء، أن الوقت قد حان لاستصدار تصريح من الحكومة الألمانية يؤيد الأطماع الصهيونية في فلسطين. ولما تشكلت حكومة عثمانية جديدة برئاسة طلعت باشا في مطلع عام 1917، سارعت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية إلى الاتصال بوزارة الخارجية الألمانية، تطلب منها بَذل المساعي لدى الحكومة العثمانية الجديدة للحصول على بيان مؤيد للأماني الصهيونية. ولما حُوّل الطلب إلى السفير الألماني في أسطنبول رايشارد فون كيلمان Reichard Von Kuelman ، أعرب عن تحفظه عليه. وبعث السفير برسالة إلى المستشار الألماني بيتمان هولفيغ Bethmann Hollweg، في 26 آذار/ مارس 1917، ذكر فيها أن صلة الصهيونية بيهود العالم ضعيفة، وأن دورها في التأثير في موقف الولايات المتحدة الأميركية لم يعد له أي قيمة، بعد أن قطعت علاقتها الدبلوماسية مع ألمانيا، ووقفت في صف الأعداء [2] . أما في بريطانيا، فقد ركّز مكتب المنظمة الصهيونية في لندن برئاسة ناحوم سوكولوف منذ قدومه إليها في أواخر عام 1914 على وزارة الخارجية البريطانية التي رفضت استقباله، في حكومة هربرت أسكويث Herbert Asquith، وكان يتولاها إدوارد غراي Edward Grey. وبررت وزارة الخارجية البريطانية موقفها بأن لديها معلومات كافية عن الصهيونية، ولا ترى حاجة إلى لقاء سوكولوف. وكانت حكومة أسكويث تضم يهوديين أولهما هربرت صموئيل Herbert Samuel؛ وهو صهيوني الميول، وابن خاله إدوين مونتاغو Edwin Montagu المعارض للحركة الصهيونية. سعى القادة الصهاينة في بريطانيا لدى القيادات السياسية والدبلوماسية والعسكرية البريطانية لكسبها إلى جانبها وتبنّي المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين. واستعملوا نفوذ العلماء والصحافيين ورجال المال اليهود، ولجؤوا إلى مختلف الأساليب والوسائل لكسبهم. ولما تولى حاييم وايزمان قيادة حركتهم، نجح في مهمته، بعد أن تعرّف إلى ديفيد لويد جورج David Lloyd George وزير المجهود الحربي في وزارة أسكويث، وأصبح مستشارًا له في تصنيع مادة الأسيتون Acetone الضرورية لصناعة المتفجرات في أيلول/ سبتمبر 1915. وعُيّن أيضًا في وزارة البحرية التي كان يتولاها آرثر بلفور Arthur Balfour مستشارًا. وأقام وايزمان علاقات وثيقة مع هربرت صموئيل وديفيد لويد جورج وآرثر بلفور وجيمس دو روتشيلد James de Rothchild والصيرفي البريطاني عضو مجلس اللوردات وتش. ب. سكوت Ch. P. Scott رئيس تحرير صحيفة ذي غارديان The Guardian ، ومارك سايكس Mark Sykes الوزير الجديد في حكومة ديفيد لويد جورج. وكسبهم لمساندة الحركة الصهيونية وتبنّي مشروعها الاستعماري في فلسطين [3] .

Abstract

Previously worked as Professor of Modern History at the History Department, Faculty of Social Sciences and Humanities, Jordanian University and as a diplomat in the Jordanian Foreign Ministry in a number of Arab states 1962  -  1971. He has held many academic posts, including President of Mutah University (1981 – 1989) and Yarmouk University (1989 – 1993).

الكلمات المفتاحية:
  • وعد بالفور
  • اليهود
  • العرب والعثمانيون
  • فلسطين
  • الإنتداب البريطاني

مقدمة

منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى في آب/ أغسطس 1914، اتخذت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية مقرها العام في برلين، وتولى رئاستها يهودي ألماني هو أوتو فاربورغ Warburg Otto. وأنشأت لها مكتبًا في إسطنبول تولى رئاسته ديفيد ياكبسون Jacobson David، ومكتبًا في لندن تولى رئاسته ناحوم سوكولوف Sokolow Nahum أول الأمر، ثم حل محله الدكتور حاييم وايزمان Weizman Chaim أستاذ الكيمياء الصناعية في جامعة مانشستر Manchester، ومكتبًا في نيويورك برئاسة القاضي في المحكمة الأميركية العليا لويس برانديس Brandies Louis، ومكتبًا في كوبنهاغن، باعتبارها عاصمة للدنمارك الدولة المحايدة في هذه الحرب، لتسهيل الاتصال بالممثلين الدبلوماسيين للدول المتحاربة. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1914، أعلنت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية في اجتماع عقدته في كوبنهاغن أنها تقف على الحياد من النزاع الدولي القائم. وكان هذا الإعلان بمنزلة مناورة سياسية ترمي إلى إشعار الأطراف المتنازعة بأنها لن تلتزم إلا مع من سيقدم لها ما تطلب من وعود وعهود1. وفي اجتماع المجلس الصهيوني العام الذي عُقد في لاهاي في 24 آذار/ مارس 1916، عرض الزعيم الصهيوني ديفيد ياكبسون، لأول مرة، موضوع إصدار تصريح من الحكومتين الألمانية والعثمانية يتضمن تعاطفهما مع الأماني الصهيونية في فلسطين، غير أن المجلس اعتبر هذا الاقتراح سابقًا لأوانه. والواقع أن القيادة الصهيونية شعرت، بعد العرض الذي تقدمت به دولتا الوسط (ألمانيا والنمسا - هنغاريا) في 12  كانون الثاني/ يناير 1916 لإبرام الصلح مع الحلفاء، أن الوقت قد حان لاستصدار تصريح من الحكومة الألمانية يؤيد الأطماع الصهيونية في فلسطين. ولما تشكلت حكومة عثمانية جديدة برئاسة طلعت باشا في مطلع عام 1917، سارعت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية إلى الاتصال بوزارة الخارجية الألمانية، تطلب منها بَذل المساعي لدى الحكومة العثمانية الجديدة للحصول على بيان مؤيد للأماني الصهيونية. ولما حُوّل الطلب إلى السفير الألماني في أسطنبول رايشارد فون كيلمان Kuelman Von Reichard، أعرب عن تحفظه عليه. وبعث السفير برسالة إلى المستشار الألماني بيتمان هولفيغ Hollweg Bethmann، في 26  آذار/ مارس 1917، ذكر فيها أن صلة الصهيونية

  1. عمل أستاذًا للتاريخ الحديث بقسم التاريخ في كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية في الجامعة الأردنية. وعمل دبلوماسيًا في وزارة الخارجية الأردنية في عدد من الدول العربية خلال الفترة 1962  -  1971، وشغل مناصب علمية عديدة؛ من بينها رئيس جامعة مؤتة (1981  -  1989)، ورئيس جامعة اليرموك (1989  -  1993.)
  2. علي محافظة، العلاقات الألمانية  -الفلسطينية، 1841  -  1945 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، ص 160  -  161.

بيهود العالم ضعيفة، وأن دورها في التأثير في موقف الولايات المتحدة الأميركية لم يعد له أي قيمة، بعد أن قطعت علاقتها الدبلوماسية مع ألمانيا، ووقفت في صف الأعداء2. أما في بريطانيا، فقد ركّز مكتب المنظمة الصهيونية في لندن برئاسة ناحوم سوكولوف منذ قدومه إليها في أواخر عام 1914 على وزارة الخارجية البريطانية التي رفضت استقباله، في حكومة هربرت أسكويث Asquith Herbert، وكان يتولاها إدوارد غراي Grey Edward. وبررت وزارة الخارجية البريطانية موقفها بأن لديها معلومات كافية عن الصهيونية، ولا ترى حاجة إلى لقاء سوكولوف. وكانت حكومة أسكويث تضم يهوديين أولهما هربرت صموئيل Samuel Herbert؛ وهو صهيوني الميول، وابن خاله إدوين مونتاغو Montagu Edwin المعارض للحركة الصهيونية. سعى القادة الصهاينة في بريطانيا لدى القيادات السياسية والدبلوماسية والعسكرية البريطانية لكسبها إلى جانبها وتبنّي المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين. واستعملوا نفوذ العلماء والصحافيين ورجال المال اليهود، ولجؤوا إلى مختلف الأساليب والوسائل لكسبهم. ولما تولى حاييم وايزمان قيادة حركتهم، نجح في مهمته، بعد أن تعرّف إلى ديفيد لويد جورج George Lloyd David وزير المجهود الحربي في وزارة أسكويث، وأصبح مستشارًا له في تصنيع مادة الأسيتون Acetone الضرورية لصناعة المتفجرات في أيلول/ سبتمبر 1915. وعُيّ أيضًا في وزارة البحرية التي كان يتولاها آرثر بلفور Balfour Arthur مستشارًا. وأقام وايزمان علاقات وثيقة مع هربرت صموئيل وديفيد لويد جورج وآرثر بلفور وجيمس دو روتشيلد Rothchild de James والصيرفي البريطاني عضو مجلس اللوردات وتش. ب. سكوت Scott. P. Ch رئيس تحرير صحيفة ذي غارديان Guardian The، ومارك سايكس Sykes Mark الوزير الجديد في حكومة ديفيد لويد جورج. وكسبهم لمساندة الحركة الصهيونية وتبنّي مشروعها الاستعماري في فلسطين3.

السعي الحثيث لإصدار تصريح بلفور

استقالت حكومة أسكويث وتشكّلت حكومة جديدة برئاسة ديفيد لويد جورج في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1916، وعُيّ آرثر بلفور المتعاطف مع الحركة الصهيونية وزيرًا للخارجية. وقال بلفور لهارولد نيكلسون Nicolson Harold، وهو من كبار موظفي وزارته: "اليهود أكثر أجناس البشرية موهبة منذ اليونان في القرن الخامس، فقد نفوا وتشردوا واضطهدوا. إذا استطعنا إيجاد ملاذ لهم ووطن آمن في بلادهم، عندها ستتفتح عبقريتهم وتزهر وتنتشر. سيجد يهود الغيتوات في أوروبا الشرقية المضطهدون حياة جديدة في فلسطين، وسيطورون لأنفسهم هُوية جديدة وقوية. وسيجعل اليهودي المتعلم القادم من جميع أنحاء العالم من جامعة القدس مركزًا للحياة الثقافية ورعاية مشعة للعلوم والفنون"6. بعد إبرام اتفاقية سايكس-بيكو بين الحكومتين البريطانية والفرنسية، في 16 أيار/ مايو 1916، لاقتسام منطقة الهلال الخصيب العربية بينهما، بَذل مارك سايكس جهده لمساعدة الحركة الصهيونية. وباعتباره كاثوليكيًا مخلصًا لكنيسته، سعى في ربيع عام 1917 لإقناع البابا والسلطات البابوية في روما بالتعاطف مع الحركة الصهيونية. ومن روما سافر سايكس إلى فلسطين لإقناع المسؤولين في رهبنة الفرنسيسكان وبطريرك اللاتين في القدس بالتعاون مع الحركة الصهيونية.

4  Leonard Stein, The Balfour Declaration (Jerusalem and London: The Magnes Press, The Hebrew University/ The Jewish Chronicle, 1961), pp. 117  -  120 , 127  -  128 , 131 , 137 , 147 , 153  -  156. 5  Ibid., p. 157

  1. المرجع نفسه، ص 161  -  169.

كان أمام بلفور، في 13 حزيران/ يونيو 1917، مذكرة من إعداد أحد مستشاريه يقترح فيها أنه حان الوقت لتلبية أماني الصهيونية، وتقديم تأكيد بأن حكومة جلالته في تعاطف تام مع أماني الصهيونيين. وفي هذه الأثناء التقى وايزمان بالسفير الأميركي لدى الدولة العثمانية هنري مورغينثاو Morgenthau Henry في جبل طارق في نهاية حزيران/ يونيو 1917، بناءً على طلب وزير الخارجية الأميركي روبرت لانسينغ Lansing Robert؛ لربط الصهيونيين بجهود التسوية التي يقوم بها في أوساط الحكومة العثمانية8. ولم يعد وايزمان إلى لندن إلا في 22 تموز/ يوليو 1917. وأثناء غياب وايزمان تعذّر إعداد صيغة صهيونية لتصريح الحكومة البريطانية بشأن الأماني الصهيونية ليُقدّم إلى بلفور. وكان وايزمان قد اتفق مع اللورد روتشيلد، قبل مغادرته لندن، أن تبدأ الخطوة الأولى من قِبل وايزمان وروتشيلد، بحيث يقترح روتشيلد الصيغة، أو الصيغ، التي تُقدّم إليه لبيان رأيه فيها، ثم ترسل هذه الصيغة إلى بلفور الذي سيعرضها بدوره على مجلس الحرب البريطاني Cabinet War The للموافقة عليها، ومن ثمّ تتمّ إعادة الصيغة الموافق عليها من مجلس الحرب إلى بلفور الذي سيرسلها في رسالة موجهة إلى اللورد روتشيلد. تلقى بلفور الصيغة التي أقرها روتشيلد في 18 تموز/ يوليو 1917، وهي: "عزيزي السيد بلفور، وأخيرًا أستطيع أن أرسل إليك الصيغة التي طلبتها مني. إذا كانت حكومة جلالته سترسل إليَّ رسالة وفق خطوط هذه الصيغة. وإذا كانت كذلك، وأنت توافق عليها، سأرسلها إلى الاتحاد الصهيوني لإعلانها في اجتماع يعقد لهذه الغاية. آسف أن أقول إن خصومنا بدؤوا حملتهم علينا بمناورة كثيفة جدًا، أي بإثارة التشويش، وعداء اليهود البريطانيين لليهود الأجانب. لقد بدؤوا ذلك يوم الأحد السابق حينما تحدوا في مجلس المندوبين الذين انتُخبوا حديثًا، إن كانوا جميعًا من مواليد بريطانيا وأنا منهم. المخلص روتشيلد"11. أما مسودة التصريح، فهي: " 1. تقبل حكومة جلالته المبدأ بوجوب جعل فلسطين وطنًا قوميًا للشعب اليهودي. 2. سوف تبذل حكومة جلالته أقصى جهودها لضمان تحقيق هذا الهدف، وسوف تبحث في الأساليب والطرق الضرورية لتحقيق ذلك مع المنظمة الصهيونية." مرت ثلاثة أشهر على النظر في هذه المسودة التي عُدّلت بصورة جذرية في تصريح بلفور. عُمّمت رسالة روتشيلد ومسودة التصريح المرفقة بها على الوزراء البريطانيين المعنيين في بداية آب/ أغسطس 1917. ونظر مجلس الحرب فيها في 3 أيلول/ سبتمبر 1917، وأقر مجلس الحرب صيغة تصريح بلفور التي أعدها وزير المالية ألفرد ميلنر Milner Alfred في اجتماع المجلس في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1917. وفُوّض بلفور بإبلاغها إلى روتشيلد في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917. وفيما يلي نص تصريح بلفور والرسالة المرفقة به: "عزيزي اللورد روتشيلد،

7  Stein, pp. 462 , 465 , 470.

  1. جوني منصور، مئوية تصريح بلفور (1917  -  2017): تأسيس لدولة وتأشيرة لاقتلاع شعب (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2018)، ص 162.

يسرني جدًا أن أنقل إليكم، نيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي يتضمن التعاطف مع الأماني اليهودية الصهيونية الذي قُدّم إلى مجلس الحرب وأقره. تنظر حكومة جلالته بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وبذل خير مساعيها لتحقيقه، شريطة أن يكون مفهومًا عدم إلحاق الضرر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين، أو بالحقوق التي يتمتع بها اليهود في البلدان الأخرى وبوضعهم السياسي فيها. وأكون ممتنًا لو أبلغتم الاتحاد الصهيوني بهذا التصريح. باحترام آرثر جيمس بلفور 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 "17. نشُر تصريح بلفور هذا في الصحف البريطانية في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917. واحتفل الصهاينة اليهود والبريطانيون من أنصارهم في دار الأوبرا بلندن في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1917. وجلس على المنصة الوزير السابق هربرت صموئيل، ومساعد وزير الخارجية البريطاني روبرت سيسل Cecil Robert، ومساعد وزير الحرب السير مارك سايكس، واللورد جيمس روتشيلد وحاييم وايزمان وناحوم سوكولوف. شكر روتشيلد الحكومة البريطانية وقال: "نلتقي في أهم مناسبة في تاريخ اليهود في السنوات الألف والثماني مئة الأخيرة. نحن هنا لنشكر حكومة جلالة الملك على التصريح الذي يؤشر إلى مرحلة جديدة وعهد جديد. فلأول مرة، منذ الشتات، تلقّى الشعب اليهودي استعادة مكانته الخاصة به بتصريح من إحدى الدول الكبرى". وتحدّث بقية الصهاينة وأنصارهم في هذا الاحتفال، وتبادلوا التهاني18. لقد ساهمت في إصدار هذا التصريح المنظمة الصهيونية العالمية بمختلف فروعها ومكاتبها بصورة مباشرة، أو غير مباشرة. وقد بيّ المؤرخ البريطاني جوناثان شنير Schneer Jonathan، في كتابه: تصريح بلفور: جذور الصراع العربي – الإسرائيلي Balfour The Conflict Israeli - Arab of Origins The: Declaration، بالتفاصيل الدقيقة الجهود التي بذلها الصهاينة لدى الوزراء ورئيس الوزراء البريطانيين منذ عام  1904 حتى صدور تصريح بلفور. كما أوضح دور الولايات المتحدة الأميركية في الضغط على الحكومة البريطانية لإصدار التصريح.

صدى تصريح بلفور

1 ي. صدى التصريح ف الأوساط اليهودية

بينَّا في ما سبق احتفال القيادات الصهيونية اليهودية في بريطانيا بالتصريح بعد مرور شهر واحد على صدوره. أما اليهود من غير الصهاينة، فكان يمثلهم مجلس المندوبين اليهود Jews British of Deputies of Board، برئاسة لوسيان ولف Wolf Lucien (1857  -  1930) الذي كان يسعى لإقناع السياسيين البريطانيين بالدفاع عن المصالح اليهودية ومساندة اليهود خارج بريطانيا. ويؤمن هذا المجلس بدمج اليهود في

Ibid., pp. 471  -  473 , 484 , 521 , 548  -  549 ; Jonathan Schneer, The Balfour Declaration: The Origins of Arab-Israeli Conflict (London: Bloomsbury Publishing, 2011), pp. 335 , 341. 9  Schneer, p. xxxvii.

  1. منصور، ص 199؛ وانظر أيضًا:

المجتمعات التي يعيشون فيها. وناصب هذا المجلس الحركة الصهيونية العداء19. كما كان الوزير اليهودي إدوين مونتاغو في حكومة ديفيد لويد جورج يقاوم بشدة تصريح بلفور، ويعتقد أنه يسيء إلى اليهود في جميع أنحاء العالم، ويشكّك في ولائهم للدول التي يعيشون فيها. وكان لوسيان ولف قد تولى تحرير صحيفة العالم اليهودي World Jewish في لندن. وعارض الحركة الصهيونية في بريطانيا كلود مونتيفيوري Montefiori Claude رئيس الرابطة الأنغلو-يهودية Association Jewish - Anglo، الذي رأى في الحركة الصهيونية خضوعًا للاسامية. ونادى بحتمية زوال القومية اليهودية أمام الطابع العالمي للديانة اليهودية، مؤكدًا أن اليهود قد تحرروا من الغيتو Ghetto (الحي الخاص باليهود في المدن الأوروبية) وانتشروا في العالم بوصفهم أحرارًا، فلا يمكن، ولا يعقل، أن يعود اليهود إلى حدود جغرافية تقيدهم. فاليهودي ابن ديانة معينة ولا ينتمي إلى شعب يهودي. وكان من معارضي الحركة الصهيونية في بريطانيا هاري ساكر Sacher Harry (1881  -  1971) الصحافي اليهودي الذي ساهم في تأسيس "لجنة فلسطين البريطانية"، وكان يعارض إقامة دولة يهودية في فلسطين، ولا يمانع في إنشاء مشاريع ثقافية واجتماعية يهودية فيها مثل إنشاء جامعة عبرية. ومن بين اليهود المقيمين في بريطانيا البالغ عددهم 300 ألف نسمة، انتمى ثمانية آلاف منهم إلى الحركة الصهيونية عام 1913. ومن بين يهود لندن البالغ عددهم في العام نفسه 150  ألف نسمة، كان عدد المنتمين منهم إلى الحركة الصهيونية أقل من أربعة آلاف عضو20. وعلى الصعيد الصهيوني، اقترح الصحافي اليهودي الروسي المهاجر حديثًا إلى بريطانيا زئيف فلاديمير جابوتنسكي Vladimir ve ' Ze Jabotinsky إنشاء جيش يهودي ليقاتل إلى جانب قوات الحلفاء في فلسطين. وقد التقى حاييم وايزمان بديفيد لويد جورج في نيسان/ أبريل 1917، وبحث معه الموضوع، فنال تأييده. ورأى بعض اليهود البريطانيين أن إنشاء هذا الجيش، أو اللواء، قد يدفع الأتراك في سورية إلى الانتقام من اليهود فيها؛ ولذا لا حاجة إلى إنشائه ما دام المواطنون اليهود البريطانيون يعملون في القوات المسلحة البريطانية24. وفي روسيا، حيث كان يعيش فيها ما يربو على نصف عدد اليهود في العالم، قامت ثورة آذار/ مارس 1917، التي أعطت اليهود فرصة التعبير عن رأيهم. وكانت الطبقات الفقيرة من هؤلاء اليهود الروس ترى في الهجرة إلى فلسطين خلاصًا من الفقر والاضطهاد الاجتماعي والإقامة في الأراضي المقدسة. ورأى كثير من يهود روسيا الذين تبنّوا الأفكار الاشتراكية في الحركة الصهيونية خطرًا كبيرًا لتماهيها مع الاستعمار والرأسمالية. وكان يمثّل هؤلاء "الاتحاد من أجل نيل الحقوق الكاملة لليهود في روسيا" Full of Attainment the for Union Russia in Jews the for Rights. نادى هذا الاتحاد بتأليف كتلة برلمانية تعمل على الاعتراف الرسمي باليهودية بوصفها قومية لا أرض لها في الإمبراطورية الروسية. وقد تشكّل هذا الاتحاد في أعقاب ثورة روسيا عام 1905. وفي روسيا كان انجذاب الشباب اليهود إلى الأخوة الاشتراكية العالمية قويًا. ومع مطلع القرن العشرين، كان اليهود الروس الذين يقومون بدور فاعل في الحركات الراديكالية الرئيسة؛ مثل الثوريين الاشتراكيين Revolutionaries Social، والفوضويين Anarchists، والاشتراكية الماركسية (الديمقراطيون الاشتراكيون). وبدأ العمال اليهود في المدن الروسية الكبرى، مثل فيلنا Vilna وبياليستوك Bialystok، بإنشاء اتحادات عمالية وجمعيات للمساعدة المتبادلة وتنظيم التظاهرات لتحسين الأجور وأحوال العمال. وأسس مجموعة من المثقفين والعمال اليهود في فيلنا "الاتحاد العام للعمال اليهود في ليتوانيا وبولندا وروسيا، في تشرين الأول/ أكتوبر 1897، المعروف باسم البوند Bund ". وغدا الاتحاد العام للعمال اليهود أقوى منافس للحركة الصهيونية في روسيا وبولندا وليتوانيا. وحمى الاتحاد اليهودَ أثناء تعرضهم للمذابح في روسيا. وسعى لنيل

10  Ibid., p. xxviii.

Ibid., p. xxi. 12  Schneer, pp. 314  -  315.

  1. منصور، ص 113  -  115؛ وانظر أيضًا:

الاعتراف به ممثلً وحيدًا للعمال اليهود في روسيا. غير أن الديمقراطيين الاشتراكيين (الحزب الشيوعي الروسي) بقيادة لينين رفضوا ذلك. وفي عام 1905 طالب منظّر البوند فلاديمير ميديم Medem Vladimir بضمانات قانونية للتطور الحر للثقافة اليهودية في روسيا. ومنذ عام 1907 أصبحت لغة الييديش Yiddish (الألمانية - العبرية) لغة البوند30. ومع قيام ثورة آذار/ مارس 1917، انتهى حكم القياصرة من أسرة رومانوف في روسيا، وألغت الحكومة المؤقتة التمييز القانوني ضد اليهود في 16 آذار/ مارس 1917. وتلا ذلك ثورة البولشفيك بقيادة لينين في تشرين الأول/ أكتوبر 1917. وكان لليهود دور واضح فيها، وتولى قيادة الجيش الأحمر اليهودي ليون تروتسكي Trotsky Leon، وكان من قيادة الحزب الحاكم اليهوديان كامنيف Kamenev وزينوفيف Zinoviev32. أما في الولايات المتحدة الأميركية، فلم يتجاوز عدد اليهود المهاجرين إليها عند نيلها الاستقلال، عام  1776، ألفين وخمسمئة يهودي، ولكن أعدادهم ارتفعت خلال الفترة 1841  -  1880 حتى بلغت ربع مليون نسمة. وكان معظمهم قد قدم من ألمانيا وبوهيميا وهنغاريا وروسيا ورومانيا. وفي الفترة 1881  -  1914 بلغ عدد اليهود في الولايات المتحدة مليونَ نسمة، جاء معظمهم من أوروبا الشرقية. وأنشأ اليهود المهاجرون الألمان في عام 1906 اللجنة اليهودية الأميركية Committee Jewish American33. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، سعى لويس برانديس، القاضي في المحكمة العليا الأميركية، وصديق الرئيس الأميركي وودرو ويلسون Wilson Woodrow، لبسط هيمنة الصهاينة على حياة الجالية اليهودية الأميركية، بصفته المسؤول الأول عنها. وكان له دور بارز في إقناع الرئيس ويلسون بدخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء في نيسان/ أبريل 1917. كان عدد اليهود الصهاينة في الولايات المتحدة عام 1914 لا يتجاوز 12 ألف عضو. وتولى برانديس رئاسة اللجنة اليهودية الأميركية، وعقد اتحاد الصهاينة الأميركيين Federation Zionist American مؤتمرًا استثنائيًا في نيويورك، في 3 آب/ أغسطس 1914، أسفر عن تشكيل هيئة خاصة باسم اللجنة التنفيذية المؤقتة للشؤون الصهيونية العامة

Affairs Zionist General for Committee Executive Provisional The، برئاسة برانديس. وقام كل من الدكتور جوداه ماغنيس Judah

Magnes وشماريا ليفين Levin Shmarya، وهما يهوديان أميركيان، بدور مهم في الولايات المتحدة لصالح المشروع الصهيوني. وساهم هؤلاء جميعًا في دعم القيادة الصهيونية بلندن في سعيها لإصدار تصريح بلفور. ولقي التصريح ترحيبًا واسعًا في الأوساط اليهودية الأميركية34. وفي ألمانيا كُلّف أوتو فاربورغ وآرثر هانتكه Hantke Arthur بإدارة المقر العام للمنظمة الصهيونية العالمية في برلين، بعد أن خرج تشيلنوف وسوكولوف إلى بريطانيا والولايات المتحدة مع بداية الحرب العالمية الأولى. وتعاونا مع فيكتور ياكبسون الذي ترأس مكتب إسطنبول، ثم تولّ إدارة مكتب كوبنهاغن في نهاية عام 1916. والواقع أن علاقات السفير الألماني في العاصمة العثمانية أدولف هيرمان فون مارشال بيبرشتاين Bieberstein Marschall Von Hermann Adolf الذي تولى هذا المنصب في الفترة 1897  -  1911، بالحركة الصهيونية قد اتسمت بالعداء؛ لذا استقبل الصهاينة نقله من موقعه بارتياح شديد. ولما جاء خلَفه فانغينهايم Wangenheim عام 1914، سارع المندوب الصهيوني في إسطنبول ريتشارد ليشتهايم Lichtheim Richard إلى لقائه، في 15 حزيران/ يونيو 1914، وسعى لإقامة صلات وثيقة به. وبعد أسبوعين من هذا اللقاء، طلب منه ليشتهايم التوسط لدى السلطات العثمانية للسماح لمئتين من المهاجرين الروس بدخول فلسطين، فاستجاب السفير لطلبه، ونجح في وساطته36.

13  Robert M. Seltzer, Jewish People, Jewish Thought: The Jewish Experience in History (New York and London: Macmillan Publishing Co./ Collier Macmillan Publishers, 1980), pp. 639  -  640. 14  Ibid., pp. 649 , 651. 15  Ibid., pp. 642  -  647. 16  Stein, pp. 188  -  190 , 195  -  197.

  1. محافظة، ص 160  -  161.

ولما دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب دولتَي الوسط: ألمانيا والنمسا – هنغاريا، في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، أصدر أحمد جمال باشا، الوالي العثماني على بلاد الشام، في 7 كانون الأول/ ديسمبر 1914، أمرًا نص على وجوب مغادرة اليهود الذين يحملون جنسية أجنبية على البواخر المغادرة للموانئ الفلسطينية، وأغلق بنك فلسطين الإنكليزي Bank Palestine - Anglo The. ولما بلغت أنباء هذه التدابير المندوب الصهيوني في إسطنبول، اتصل بالسفير الألماني الذي استجاب له، فقابل الصدر الأعظم أنور باشا ووزير الداخلية طلعت بك، وتم الاتفاق على إيقاف تهجير اليهود الروس من فلسطين. وصدرت الأوامر بذلك إلى جمال باشا، فانصاع لها، وعزل سكرتيره بهاء الدين بك من منصبه، بناءً على طلب الصهاينة، وأوقف إجراءات التهجير، وأفرج عن الزعماء الصهاينة المعتقلين، وأعاد فتح بنك فلسطين الإنكليزي. وأصدر بيانًا وُزّع على أهل فلسطين، أعلن فيه عن ثقته بالمواطنين اليهود، وحذّر من الشائعات القائلة بعدم ولائهم. واستُقبل، على أثر ذلك، في تل أبيب، في 2 آذار/ مارس 1915، بمناسبة احتفال رسمي أقيم في مدرسة هرتسليا الثانوية، وألقى جمال باشا خطابًا في هذه المناسبة قال فيه: "لي الثقة بكم، وأنا متأكد أننا سنتمكن من التعاون من أجل بناء وطننا المشترك. ضعوا ثقتكم بنا، وسوف تقدم البلاد التي ترتبطون بها الحماية لكم. نحن نعتبركم عنصرًا طيبًا ومخلصًا". وتزلفًا منه إلى اليهود، سمح جمال باشا للعمال اليهود في الجيش العثماني بالراحة يوم السبت. كما فتح أبواب مستشفيات الجيش لمعالجة الفقراء من اليهود، وأباح لهم شراء المواد الغذائية من مخازن الجيش بأسعار منخفضة. وبلغ تزلفه إليهم أوجه بتعيين ألبرت عنتيبي Antibi Albert اليهودي الشرقي، الذي كان يتقن اللغات التركية والفرنسية والعربية، عضوًا في اللجنة الاستشارية السياسية والاقتصادية لولاية سورية، ومستشارًا خاصًا له. كما عيّ موشيه ويلبوشفتز Wilboschwitz Moshe رئيسًا للمهندسين المدنيين ومديرًا لدائرة التنمية في ولاية سورية37. وفي ألمانيا نفسها، أحدثت وزارة الخارجية دائرة خاصة باليهود سمّتها دائرة الشؤون اليهودية Frage Judische fuer Abteilung، وعمل فيها ناحوم غولدمان Goldmann Nahum، الزعيم الصهيوني المعروف، في قسم الدعاية التابع لهذه الدائرة. ووضعت السفارة الألمانية في إسطنبول حقيبتها الدبلوماسية تحت تصرف الصهاينة لتأمين سرية الاتصال بين مندوبيهم في إسطنبول وبرلين ويافا والقدس. كان هدف الحكومة الألمانية من هذا التعاون أن يمارس يهود الولايات المتحدة الأميركية نفوذهم على الحكومة الأميركية ليضمنوا حيادها في الصراع الدولي القائم. واشتد اهتمام الحكومة الألمانية بالحركة الصهيونية في نهاية عام 1915، بعد أن خابت آمال الألمان في إحراز نصر حاسم وسريع على الجبهة الأوروبية الغربية. وأصدرت السفارة الألمانية في إسطنبول تعليماتها، في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1915، إلى القناصل الألمان في فلسطين وسورية لحماية المستعمرات اليهودية والعطف على "المطالبة الحقة لليهود للمدى الذي لا يتعارض والمصالح الوطنية للأتراك". وعلى الرغم من هذه الإجراءات، كتب المندوب الصهيوني في إسطنبول إلى الزعيم الصهيوني الألماني شتراوس Strauss، في 6 تموز/ يوليو 1915، قائلً: "لن تضحي ألمانيا بتحالفها مع تركيا من أجلنا، فالصهيونية لا تحتل مقام الأولوية لديها [...] وبوجه عام يمكن أن نعرب عن ارتياحنا لما فعلته السفارة الألمانية من أجلنا"38. ولما تألفت حكومة عثمانية جديدة برئاسة طلعت باشا في عام 1917، سارعت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية إلى الاتصال بوزارة الخارجية الألمانية، طالبةً منها بذل المساعي لدى الحكومة العثمانية الجديدة للحصول على بيان مؤيد للأماني الصهيونية. ولما

  1. المرجع نفسه، ص 161  -  163.
  2. المرجع نفسه، ص 163  -  165.

حوّل الطلب إلى السفير الألماني في إسطنبول رايشارد فون كيلمان Kuelmann Von Reichard، أعرب السفير عن تحفظه عليه. وبعث برسالة إلى المستشار الألماني بيتمان هولفينغ Hollweg Bethmann، في 26 آذار/ مارس 1917، ذكر فيها أن صلة الصهيونية بيهود العالم ضعيفة، وأن دورها في التأثير في موقف الولايات المتحدة الأميركية لم يعد له قيمة، بعد أن قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع ألمانيا، ووقفت في صف "الأعداء" في نيسان/ أبريل 1917، وأعلنت الولايات المتحدة الحرب على ألمانيا. وبهذه المناسبة، اقترح الملحق البحري الألماني في العاصمة العثمانية على الحكومة العثمانية طرد المندوبين الصهاينة في الدولة العثمانية لارتباطهم بالمخابرات الأميركية39. وبوجه عام، يمكن القول إن تصريح بلفور لم يحظَ بإجماع أكثرية اليهود في العالم، وإن الحركة الصهيونية لم تنتشر حتى بداية الحرب العالمية الأولى على نطاق واسع في الأوساط اليهودية الكبرى؛ أي في روسيا، والولايات المتحدة الأميركية، رغم نجاحها على الصعيد السياسي الدولي.

2 ي. صدى التصريح ف الأوساط الغربية

أ. الصدى في بريطانيا

دار نقاش في مجلس العموم البريطاني حول مضمون التصريح، وإن كان يعني موافقة الحكومة البريطانية على قيام دولة يهودية مستقلة أو حكم ذاتي Autonomy يهودي في فلسطين أو الكومنولث Commonwealth البريطاني. وحتى في مجلس الحرب الذي قرر تصريح بلفور، لم يفكر رئيس المجلس ديفيد لويد جورج في إمكان إقامة دولة يهودية في فلسطين. ولما ناقش المجلس صيغة التصريح، سأل عضو المجلس ناثانيال كيرزون Curzon Nathaniel، بصفته اللورد رئيس المجلس Council the of President Lord، زملاءه: "كيف يمكن اقتراح طرد الأغلبية الموجودة من السكان المسلمين، واستقدام يهود بدلً منهم؟ وما هو مصير شعب هذا البلد، وقد سكن آباؤهم فيه ألفًا وخمسمئة سنة تقريبًا؟ وهم يمتلكون الأرض ويعتنقون العقيدة المحمدية. إنهم لن يقبلوا أن تصادر ممتلكاتهم من أجل المهاجرين اليهود، وأن يعملوا مجرد حطابين وسقاة لهؤلاء". لقد عارض كيرزون وإدوين مونتاغو الوزير اليهودي العضو في مجلس الحرب إصدار تصريح بلفور، بينما أيده كل من رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج، وآرثر بلفور وزير الخارجية، والسير ألفرد ميلنر وزير المالية40. ودار نقاش في بريطانيا حول حدود فلسطين؛ فهل تشمل جنوب لبنان وهضبة الجولان وجزءًا من حوران وكل شرق الأردن، كما أراد الصهاينة؟ لقد حسم الموضوع تصريح رئيس الوزراء بونار لو Law Bonar في مجلس اللوردات، في كانون الأول/ ديسمبر 1920، بقوله: فلسطين المعروفة الواردة في العهد القديم من دان إلى بئر السبع، وبذلك حددها شمالً وجنوبًا وغربًا بالبحر المتوسط وشرقًا بنهر الأردن. وكان الرأي السائد في مجلس العموم البريطاني، في أوائل عام 1920، أن نهر الأردن هو الحد الأمثل بين فلسطين والبلاد العربية؛ "لأنه سيكون من المستحيل علينا الإنكليز أن نحمي أي مستعمرة صهيونية إلا إذا توافرت لدينا قوات كبيرة من الفرسان والطيران؛ ولهذا فإننا نأمل أن يكون نهر الأردن الحد الفاصل بين الصهاينة والعرب"41.

21  Schneer, pp. 341  -  342. 22  Hansard, Parlimentary Debates , H. C. (29 / 4 / 1920), vol. 40 , col. 1515.

  1. المرجع نفسه، ص 166  -  169.

ولما دخلت القوات الفرنسية إلى دمشق، في تموز/ يوليو 1920، وقضت على المملكة العربية الفتية، صرح بونار لو أمام مجلس العموم في 28 تموز/ يوليو 1920 بقوله: "إن إدارة حكومة فلسطين لن تضم الأراضي الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن"42. وكان موقف حزب المحافظين في بريطانيا معارضًا لفكرة الوطن القومي اليهودي؛ لأنها ستثير ملايين المسلمين الواقعين تحت الحكم البريطاني. كما أن الحزب لا يعترف باليهود شعبًا أو أمةً لافتقارهم إلى مقومات الأمة والدولة. وكان حزب الأحرار البريطاني يعارض تصريح بلفور أيضًا لرفضه أي احتلال بريطاني جديد في أي بقعة من العالم. وكانت الكنيسة الأنغليكانية Anglican The Church في بريطانيا تعارض تصريح بلفور بشدة لخشيتها أن يؤثر ذلك في وضع الأماكن المقدسة في فلسطين وفي حج المسيحيين إلى هذه الأماكن43. وفي تقاريرهم السرية، ذكر ضباط المخابرات والقادة العسكريون البريطانيون في مصر وبلاد الشام آراءهم في تصريح بلفور. فهذا توماس إدوارد لورنس يرى أن العرب لن يوافقوا على الاستقلال اليهودي في فلسطين44. وأبرق غلبرت كلايتون Clayton Gilbert، مدير الاستخبارات العسكرية البريطانية في القاهرة، في 2 أيار/ مايو 1919، إلى لندن بمذكرة ينصح فيها رئيس الإدارة العسكرية البريطانية في فلسطين الجنرال موني Money. Gl الحكومة البريطانية بالتخلي نهائيًا عن تصريح بلفور45. وكان كلايتون قد اقترح على مارك سايكس المستشار السياسي للجنرال إدموند أللنبي Allenby Edmund Sir، قائد قوات الحملة المصرية - البريطانية التي احتلت فلسطين، أن تمتنع الحكومة البريطانية عن إصدار أي تصريح علني لصالح الصهيونية، لا لأنه لا مكسب منه، بل "لأنه سيثير معارضة العرب لنا"46. وعلقت غيرترود بيل Bell Gertrude، عضو المكتب العربي (الاستخبارات البريطانية) في القاهرة على وعود بريطانيا السرية أثناء الحرب العالمية الأولى في رسالة إلى أمها بقولها: تدفعني الخبرة التي اكتسبتها خلال الحرب إلى استنكار الوعود غير الحذرة والاتفاقيات الخيالية بشدة. نحن مثل الناس الذين يمشون في أرض مجهولة يغطيها الضباب، ويجب علينا أن نعرف طريقنا وننتبه لكل خطوة نخطوها. وبشأن تصريح بلفور كتبت إلى أمها: "إنني أعتقد أنه لا يمكن تحقيقه، فالبلاد غير ملائمة لأهداف اليهود المعروفة، هي بلاد فقيرة، وغير قابلة للتنمية، وثلثَا سكانها من العرب المسلمين الذين ينظرون إلى اليهود باحتقار. إنه مشروع مصطنع كليًا، لا علاقة له البتة بالحقائق، وأتمنى له الفشل الذي يستحقه، وسيفشل كما أتخيل"47. بعد أشهر قليلة من صدور تصريح بلفور، كتب لورنس رسالة إلى مارك سايكس جاء فيها: "أعترف تمامًا أننا قد نبيع أصدقاءنا الصغار [العرب] من أجل مصلحة أصدقائنا الكبار (الحركة الصهيونية العالمية وفرنسا)، أو نبيع لفرنسا أمننا المستقبلي في الشرق الأدنى، مقابل انتصارنا الحالي في الفلاندرز [بلجيكا]. إذا أخبرتني مرة أخرى ماذا علينا أن نعطي اليهود، وماذا علينا أن نعطي الفرنسيين، فسأعمل كل شيء ممكن لتسهيل ذلك. إنني موالٍ جدًا لبريطانيا وموالٍ أيضًا للعرب"48. يشير لورنس في رسالته السابقة الذكر إلى رفضه لاتفاقية سايكس-بيكو ولتصريح بلفور. وجاء في كتاب جيمس بار Barr James

23  Ibid., (28 / 7 / 1920), vol. 132 , col. 1419.

25  Seltzer, p. 638. 26  Ibid., p. 645. 27  Ibid., pp. 522  -  523. 28  Schneer, pp. 83  -  84. 29  Ibid., pp. 320  -  321.

  1. منصور، ص 231  -  232.

إحراق الصحراء: توماس إدوارد لورنس وحرب بريطانيا السرية في البلاد العربية، 1916  -  1918: Fire on Desert the Setting 1918  -  1916 , Arabia in War Secret s ' Britain and Lawrence E. T الصادر في لندن عام 2006، قول لورنس: "لو قيض للحلفاء أن ينتصروا، فإن وعود بريطانيا للعرب لن تكون سوى حبر على ورق. ولو كنت رجلً شريفًا وناصحًا أمينًا لصارحتهم بذلك، وسرّحت جيوشهم، وجنّبتهم التضحية بأرواحهم في سبيل أناس لا يحفظون لهم أمانة ولا ذمة. أما الشرف، فقد فقدته يوم أكدت للعرب أن بريطانيا ستحافظ على وعودها لهم. وقد جازفت بخديعة العرب، لاعتقادي أن مساعدتهم ضرورية لانتصارنا القليل الثمن في الشرق، ولاعتقادي أن كسبنا للعرب مع الحنث بوعودنا أفضل من عدم الانتصار. وإني أكثر ما أكون فخرًا أن الدم الإنكليزي لم يسفك في المعارك التي خضتها، لأن جميع الأقطار الخاضعة لنا لم تكن تساوي في نظري موت إنكليزي واحد. لقد جازفت بخديعة العرب لأنني كنت أرى أن كسبنا للحرب مع الحنث بوعودنا أفضل من عدم الانتصار"49. لقد عبّ لورنس بهذه العبارات عن خيانة بريطانيا للعرب ولقيادتهم الهاشمية التي تحالفت معها في الحرب العالمية الأولى. وعبّ بمرارة عن رفضه القاطع لاتفاقية سايكس-بيكو وتصريح بلفور؛ لذا سعى بكل ما لديه من قوة ونفوذ للوصول إلى دمشق بقوات الأمير فيصل بن الحسين قبل وصول الحلفاء إليها وتحرير سورية حتى يقطع على الفرنسيين والصهاينة تحقيق مخططاتهم. وعلى الصعيد الإسلامي، اجتمعت في لندن الجمعية الإسلامية Society Islamic The في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، واتخذت القرار التالي: "نحن أعضاء الجمعية الإسلامية ننظر بقلق شديد إلى الحركة المؤذية التي بدأها بعض الناس الذين يسمون أنفسهم صهاينة. ونأمل أن تصدر الحكومة البريطانية مرة ثانية تصريحًا عن سياستها في أقرب وقت لإزالة أي سوء فهم ينشأ في آذان المسلمين". وبعد ذلك بخمسة أيام، كرر أمير علي، المحامي المسلم مؤسس جمعية الهلال الأحمر، هذه المخاوف. وقال في رسالة إلى اللورد هاردينغ Harding Lord، الأمين العام الدائم لوزارة الخارجية البريطانية: "فلسطين تُعد في نظر المسلمين بلادًا مقدسة، والقدس تأتي في قدسيتها بعد مكة والمدينة، وروح نبيهم انطلقت من القدس في صعودها إلى السماء. والقدس وما حولها تعج بالأماكن الإسلامية المقدسة والمساجد والأضرحة. وسوف تكتشف، يا سعادة اللورد، كيف كانت الفكرة مؤذية لهم بوجوب وضع أماكنهم المقدسة في فلسطين تحت سيطرة اليهود"50.

ب. الصدى في فرنسا

كان همُّ الحكومة الفرنسية منصبًّا على ضرورة الالتزام باتفاقية سايكس-بيكو، وأن يكون لهم دور في تقرير مصير فلسطين. ولكن مساعي مارك سايكس لدى السلطات الفرنسية في باريس لإقناعها بجدوى تصريح بلفور، ومساعي المكتب الصهيوني في باريس برئاسة ناحوم سوكولوف، أثمرت بقبول التصريح. واقتنع جورج كليمنصو Clemenceau Georges بذلك، ودفع وزير خارجيته ستيفان بيشون Pichon Stéphane إلى إصدار بيان يتضمن تعاطف الحكومة الفرنسية مع تصريح بلفور. وجاء في رسالة بيشون الموجهة إلى سوكولوف مندوب المنظمة الصهيونية العالمية في 14 شباط/ فبراير 1918: "إن التفاهم تام بين الحكومتين الفرنسية والإنكليزية في ما يتعلق بمسألة استيطان اليهود في فلسطين". أما الرأي العام الفرنسي، فكان معاديًا للتصريح، ولفكرة قيام دولة يهودية في فلسطين51. وسوف نرى تغير الموقف الفرنسي أثناء مؤتمر الصلح في باريس خلال عامَي 1919 و 1920.

Ibid., p. 323. 31  Schneer, pp. 372  -  373.

  1. منصور، ص 90؛ وانظر أيضًا:
  2. علي محافظة، موقف فرنسا وألمانيا وإيطاليا من الوحدة العربية، 1919  -  1945 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص 46  -  47.

ج. الصدى في إيطاليا

ترددت إيطاليا في دخول الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء، رغبة منها في الحصول على تنازلات منهم على صعيد المستعمرات. وفي 4 آذار/ مارس 1915 قدّم إمبريالي Imperiali، سفير إيطاليا في لندن، مذكرة إلى وزير الخارجية البريطاني إدوارد غراي تضمنت المطالبة بالحفاظ على التوازن في البحر المتوسط، وتقديم ضمانة بريطانية - إيطالية لليمن. وفي 26 نيسان/ أبريل 1915 وقّعت اتفاقية لندن التي أدت إلى دخول إيطاليا الحرب إلى جانب الحلفاء. وبقيت هذه الاتفاقية سرية، وفي ضوئها أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا في 23 أيار/ مايو 1915، ولكنها لم تعلن الحرب على ألمانيا إلا في 8  آب/ أغسطس 1916. ولم تعلم إيطاليا باتفاقية سايكس-بيكو إلا في 7 تموز/ يوليو 1916 عن طريق قنصلها في القاهرة سلفاغو راجي Raggi Salvago. وبذلت جهودًا دبلوماسية مضنية حتى تمكنت من الاطلاع عليها في 5  تشرين الأول/ أكتوبر 1916 عن طريق وزير الخارجية البريطاني. وفي السادس عشر من الشهر نفسه أبرق وزير خارجية إيطاليا سيدني سونينو Sonnino. S إلى سفيره في لندن، مبديًا تحفظاته عليها. وفي الرابع والعشرين منه، بعث بمذكرات إلى باريس ولندن وبطرسبرغ تتضمن الرد الرسمي الإيطالي على اتفاقية سايكس–بيكو، وهو رد يحتوي على المطالبة بإشراك إيطاليا في المفاوضات مع العرب حول مستقبل منطقتَي "أ" و"ب" الواردتين في الاتفاقية، وأكدت المذكرات المصالح الإيطالية في البحر الأحمر. واستمرت إيطاليا، طوال الحرب، تؤكد مطالبها هذه، ففي خطاب ألقاه رئيس وزرائها باولو بوزلي Boselli.  P في مجلس النواب الإيطالي، في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1916، قال: "إن إيطاليا دولة متوسطية أساسية، ونحن لا نسعى للهيمنة، وإنما لتوازن القوى الذي يعتبر شرطًا ضروريًا للسلام والرخاء [...] وتنظيم السلام يؤمن هذا التوازن في الجزء الشرقي من البحر المتوسط الذي يؤلف إحدى قواعد السياسة الإيطالية". وتحت إلحاح إيطاليا، اقترح وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور عقد اجتماع رباعي في روما يحضره ممثلون عن بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا لإيجاد حل سريع لمسألة آسيا الصغرى (تركيا حاليًا). وعقد الاجتماع في كانون الثاني/ يناير 1917، من دون الوصول إلى حل حاسم. وتلاه اجتماع آخر عُقد في لندن في التاسع والعشرين من الشهر نفسه، واجهت إيطاليا فيه معارضة أنغلو-فرنسية لأطماعها في آسيا الصغرى. ولما بلغت إيطاليا أنباء عن حملة أنغلو-فرنسية يُنتظر إرسالها إلى فلسطين، سعت لدى حلفائها ومارست ضغوطًا شديدة لضمان مشاركتها فيها. وبمساعٍ من بريطانيا وفرنسا، عقد اجتماع في سان جان دوموريان Maurienne de Jean Saint في 19 نيسان/ أبريل 1917 في عربة القطار القادم من باريس؛ لبحث إمكان إبرام صلح منفرد مع الإمبراطورية النمساوية - الهنغارية. وتقرر في هذا الاجتماع تأكيد المطالب الإيطالية في اتفاقية لندن في 26 نيسان/ أبريل 191554. نادت إيطاليا بتدويل فلسطين، حتى يكون لها نصيب فيها. كما طالبت بحيادها من دون جعلها وطنًا قوميًا لليهود. وتعرضت إيطاليا لضغوط من بريطانيا ومن المنظمة الصهيونية العالمية، واستجابت لهذه الضغوط، وأعلن وزير خارجيتها سونينو عن موافقة حكومته على تصريح بلفور واستعدادها لتوفير الدعم اللازم لإنشاء مركز يهودي فيها. وعلى الرغم من موقف الفاتيكان في روما من التعاطف مع الأماني اليهودية، فقد رأى في تصريح بلفور خطرًا على مصالح البابوية والكنيسة الكاثوليكية في فلسطين؛ لذا عارض الفاتيكان تصريح بلفور، وطالب بأن تتولى فرنسا الكاثوليكية إدارة فلسطين وليس بريطانيا البروتستانتية59.

  1. المرجع نفسه، ص 43  -  45.
  2. منصور، ص 235.

د. الصدى في الولايات المتحدة الأميركية

كانت فرنسا وإيطاليا تنافسان بريطانيا في اقتسام ممتلكات الدولة العثمانية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. أما الولايات المتحدة الأميركية فلم يكن لها دور في هذا التنافس، ولم يكن تقسيم الإمبراطورية العثمانية من أحد أهدافها في الحرب. وقد امتنعت عن إعلان الحرب على الدولة العثمانية. ولكن هذه الحقيقة كانت في حد ذاتها عقبة أمام تأييد الولايات المتحدة لتصريح بلفور. ويبدو أن وزير الخارجية الأميركي روبرت لانسينغ لم يحبذ التصريح، ولكنه مع اقتناع رئيس الجمهورية وودرو ويلسون، بقي صامتًا، وكأن حجته الرئيسة أن فلسطين هي أرض تركية، والولايات المتحدة وتركيا ليستا في حالة حرب. وقد بيّ موقفه هذا في رسالة في 13 كانون الأول/ ديسمبر 1917، نصح فيها الرئيس ويلسون بمقاومة ضغوط الصهاينة على الأميركيين لإصدار بيان يؤيد تصريح بلفور. وجاء فيها ما يلي: "أولً [ذكّر الرئيس] نحن لسنا في حالة حرب مع تركيا، ولذلك يجب تجنب أي ظهور بأخذ أراضٍ من تركيا بالقوة. ثانيًا: اليهود ليسوا بأي حال جماعة لها الرغبة في إعادة لمّ شمل جنسها كشعب مستقل [...] ثالثًا: سوف يرفض العديد من الطوائف والأفراد المسيحيين، بلا شك، تحويل البلاد المقدسة للسيطرة المطلقة لعرق مسؤول عن قتل المسيح. ولأغراض عملية لا أعتقد أننا نحتاج إلى الذهاب إلى أبعد مما جاء في السبب الأول، لأنه الأساس المناسب للامتناع عن إعلان أي سياسة تتصل بالمصير النهائي لفلسطين". ومرفق بهذه الوثيقة في أرشيف وزارة الخارجية الأميركية مذكرة من لانسينغ جاء فيها: "أعاد الرئيس لي هذه الرسالة في اجتماع مجلس الوزراء في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1917، قائلً إنه مجبر على الاتفاق معي رغم أنفه، ولكنه قال إن لديه انطباعًا بأنه قد وافق على التصريح البريطاني بشأن إعادة فلسطين لليهود". لقد أصيب الصهاينة الأميركيون بخيبة أمل إزاء صمت الرئيس ويلسون والتردد في إعلان موافقته على تصريح بلفور. ومضت عشرة أشهر حتى اقتنع ويلسون بإعطاء الصهاينة بعض التشجيع. وجاء ذلك في جوابه على رسالة الحاخام ستيفن وايز Wise Stephen Rabbi الذي حل محل برانديس رئيسًا للجنة المؤقتة للشؤون الصهيونية العامة، بعد ترقية برانديس لعضوية المحكمة العليا. وكان وايز قد أعلم الرئيس ويلسون بأن برنامج بازل الذي أقره المؤتمر الصهيوني الأول وتصريح بلفور لم يشيرا إلى طبيعة السيادة على الأرض التي ستكون وطنًا لليهود، وأن ذلك متروك لتقريره على مائدة السلام. رد ويلسون على رسالة وايز، في 31 آب/ أغسطس 1918، متجنبًا أي بيان رسمي للسياسة الأميركية، ومؤكدًا للصهاينة نيته الحسنة شخصيًا. وجاء في الرد: "أرحب بهذه المناسبة للتعبير عن ارتياحي الذي شعرت به نحو تقدم الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة وفي البلاد الحليفة، ولتصريح السيد بلفور نيابة عن الحكومة البريطانية [...] وأعتقد أن جميع الأميركيين سيسعدهم جدًا أن يعلموا أنه حتى في هذا الوقت من الضغط استطاعت أن تضع حجر الأساس للجامعة العبرية في القدس". هذا وقد التقى الرئيس ويلسون بحاييم وايزمان في كانون الثاني/ يناير 1919، قبيل افتتاح مؤتمر الصلح (السلام) في باريس، وأكد له أن في إمكان الصهاينة الاعتماد على دعمه الشخصي.

ه. الصدى في ألمانيا

بينما كان قادة الحركة الصهيونية في لندن، بزعامة حاييم وايزمان، يتفاوضون مع الحكومة البريطانية (منذ حزيران/ يونيو 1917) حول إصدار تصريح يعطف على الأماني الصهيونية في فلسطين، قدّمت لجنة العمل الصهيونية، المنبثقة من اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، مذكرة إلى وزارة الخارجية الألمانية في 22 تموز/ يوليو 1917 تحث الحكومة الألمانية على الإسراع بمساعدة الصهاينة قبل أن يكسبهم الحلفاء إلى صفوفهم، غير أن وزارة الخارجية الألمانية لم تُعِر هذا التحذير أذنًا صاغية.

35  Stein, pp. 593  -  595.

وبعد أسبوعين من صدور تصريح بلفور، نشرت الصحيفة اليهودية الألمانية Rundschau Judische مقالين للزعيم الصهيوني ليشتهايم أشاد فيهما بالتصريح البريطاني، واعتبره حدثًا ذا أهمية تاريخية ودولية. وطالب دول الوسط أن تأخذ العبرة من السياسة البريطانية. وانساقت بعض الصحف الوطنية الألمانية، بتأثير من الصهاينة الألمان، نحو كيل المديح للحركة الصهيونية وتأييد مطالبها، مثل: صحيفة الشعب البرلينية Volkszeitung Berliner Die وصحيفة الشرق الألمانية Levantzeitung Deutsche Die وصحيفة الساعي الفرنجي Kurier Fraenkischer. وقد أعربت هذه الصحف عن شفقتها على ألمانيا التي فشلت في الاستفادة من النفوذ الصهيوني وأتاحت لبريطانيا إحراز نصر معنوي سهل. وجدت الحكومة الألمانية نفسها، بعد تصريح بلفور، أمام خيارين: إما الاستمرار في تجاهل الأطماع السياسية الصهيونية، وإما انتهاج سبيل مماثلة لما انتهجته بريطانيا وإصدار بيان علني لصالح الصهيونية. وضاعفت القيادة الصهيونية في ألمانيا جهودها من أجل حمل صانعي القرار السياسي في برلين على أن يحذوا حذو بريطانيا. وتمكنت هذه القيادة من دفع زعيم حزب الوسط الكاثوليكي إيرتسبرغر Erzberger إلى تقديم مشروع تصريح ألماني إلى وزير الخارجية الألماني الجديد فون كيلمان (السفير السابق في إسطنبول) في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، يتضمن عطف الحكومة الألمانية على الأماني الصهيونية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، والسعي لإقناع الحكومة العثمانية بإصدار تصريح مماثل. غير أن وزير الخارجية المعروف بموقفه المعادي للصهيونية، رفض هذا المشروع. واقترح في المقابل أن تصدر الحكومة الألمانية وعدًا بإقامة استقلال ثقافي ذاتي في المناطق الروسية والبولندية الواقعة تحت الاحتلال الألماني. وقد أيده في هذا الاقتراح الذي رفعه إلى القيصر، رئيس أركان القوات المسلحة الألمانية الجنرال لودندورف Ludendorff، غير أن الحكومة الألمانية رفضت هذا الاقتراح. غادر أحمد جمال باشا والي سورية بيروت بعد أن ألقى خطابًا وداعيًا، في مطلع كانون الأول/ ديسمبر 1917، شدد فيه على ضرورة عدم التخلي عن القدس؛ لأنها، على حد تعبيره، مفتاح سورية. ولكن القيادة العليا الألمانية لم تُعر آراء أنور باشا وجمال باشا اهتمامًا، وأمرت القوات العثمانية بالانسحاب من المدينة المقدسة في 8 كانون الأول/ ديسمبر 1917، فدخلها الجيش البريطاني بقيادة الجنرال أللنبي في اليوم التالي من دون قتال. لم يوقف سقوط القدس في أيدي البريطانيين مساعي الصهاينة للحصول على تصريح رسمي ألماني مماثل لتصريح بلفور. فقد طالب الزعيم الصهيوني الألماني هانتكه في اجتماع اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية، الذي عقد في 23  -  24 كانون الأول/ ديسمبر 1917، باتخاذ قرار يدعو ألمانيا إلى تصريح علني يؤيد الأماني الصهيونية. وتم له ذلك. وانتهز الصهاينة كل فرصة سانحة؛ ففي أثناء زيارة الصدر الأعظم العثماني طلعت باشا إلى برلين، التقى في 2 كانون الثاني/ يناير 1918 بالزعيم اليهودي الألماني ألفرد نوسيغ Nossig Alfred الذي بحث معه موضوع اليهود في الدولة العثمانية. وأوضح له طلعت باشا أن موقف الحكومة العثمانية من رعاياها اليهود ينطلق من النيَّة الحسنة، وأنها تقدّر ولاءهم الصادق، وأن له أصدقاء يهودًا عديدين، ولم يتردد في إلغاء القيود المفروضة عليهم حينما كان وزيرًا للداخلية. وأكد طلعت باشا في حديثه هذا أن الباب العالي سوف يعيد تنظيم الأوضاع، حالما تعود القدس وجنوب فلسطين إلى السيادة العثمانية بطريقة تكفل رضا اليهود التام وتحقق أمانيهم كافة. وقد نشرت فحوى هذا الحديث في الصحف الألمانية في اليوم التالي من اللقاء. تلقت الحكومة الألمانية حديث طلعت باشا ببالغ الارتياح. وفي اليوم نفسه استدعى وكيل وزارة الخارجية الألمانية بالوكالة فون ديم بوشيه هادنهاوزن Hadenhausen Busche Dem Von الزعيمين الصهيونيين فاربورغ وهانتكه، عضوي اللجنة التنفيذية للمنظمة

  1. محافظة، العلاقات الألمانية -  الفلسطينية، ص 170  -  173.

الصهيونية، يرافقهما من الزعماء اليهود الألمان: أوبنهايمر Oppenheimer، وفريدمان Friedmann، وزوبرهايم Soberheim (من أعضاء لجنة الشرق Osten den Fuer Komite)، إلى مكتبه وسلّمهم البيان الرسمي التالي: "نحن نؤيد رغبة الأقليات اليهودية في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، وتميل إلى دعم أمانيها، أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وبخاصة أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة [الألمانية] ترحب بالتصريح الذي أدلى به مؤخرًا الصدر الأعظم طلعت باشا، والذي يعبّ عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المقيدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية، وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها". وتشكّلت في ألمانيا اللجنة الفلسطينية Komite Palaestina - Pro برئاسة الأمير بيرنشتورف Bernstorph لتكون موازية للجنة فلسطين البريطانية Committee Palestine British، بهدف تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين، وإحداث تغيير جذري في السياسة الألمانية نحو الحركة الصهيونية. وضمت اللجنة التنفيذية لهذه الهيئة عدة شخصيات ألمانية علمية وبرلمانية وحزبية وأدبية بارزة.

3 ي. صدى التصريح ف الدولة العثمنية

بعد أن قررت القوات البريطانية في مصر اجتياح فلسطين، منيت بالهزيمة من خلال معركة غزة الأولى في 26 آذار/ مارس 1917. وفي اليوم التالي وصل عزت بك، متصرف القدس، إلى يافا، وجمع أعيان المدينة وأبلغهم قراره بترحيل المدنيين كافة عن يافا بسبب تقدّم قوات العدو. ولم يسمح إلا للفلاحين بالبقاء من أجل جني المحصول. وأبلغ المتصرف المجتمعين أن في إمكان المغادرين أن يقيموا في أي مكان من سورية باستثناء المدن الساحلية الثلاث: حيفا وعكا وبيروت، وأن من لا يستطيع الانتقال ستتولى السلطات العثمانية نقله إلى الداخل. أثار هذا القرار غضب اليهود الذين رفضوا مغادرة المدينة، واتصل زعماؤهم بالقنصلين الألماني والنمساوي في القدس من أجل إبقاء اليهود في يافا. وجّه القنصلان المذكوران نداءً إلى متصرف القدس أكدا فيه ألّ مبرر لهذا القرار بعد هزيمة القوات البريطانية في غزة. ولكن المتصرف لم يُعر نداءهما اهتمامًا. أما القنصل الألماني في يافا، فقد تدخّل ثلاث مرات لدى المتصرف، وهدد بالرحيل مع اليهود الألمان في حال رحيلهم. غضب أحمد جمال باشا من تدخّل القنصل الألماني في يافا كارل فون شابنغر Schabinger Von Karl. ووجّه إنذارًا إلى القنصل الألماني العام في القدس الدكتور بروده Brode. Dr، في 1 نيسان/ أبريل 1917، وهدده بتقديم شابنغر إلى المجلس العرفي إنْ تمادى في التدخل في الشؤون الداخلية العثمانية. وزار جمال باشا بعد يومين يافا والتقى بأعيانها، وبيّ لهم أن أمر إخلاء يافا يرجع إلى أسباب إنسانية. ومدد الأجل المقرر لإجلاء اليهود من يوم 31 آذار/ مارس إلى يوم 9  نيسان/ أبريل 1917. وسمح للمزارعين منهم بالبقاء. ومع ذلك تم إجلاء نحو تسعة آلاف يهودي من يافا وتل أبيب. غير أن نحو ستة آلاف منهم استقروا في مستعمرة بتاح تكفا، واتجه الباقون إلى نابلس. استغلت الصحافة الصهيونية في العالم، وصحافة الحلفاء هذه الحادثة للتشهير بجمال باشا والسياسة العثمانية نحو يهود فلسطين. وصدرت مقالات في الصحيفتين البريطانيتين Times The و Guardian Manchester Telegraph Daily The، وفي الصحيفة الفرنسية Temps Le الفرنسية، تشهّر بهذه الحادثة. واستدعى جمال باشا قناصل الدول الأجنبية في القدس بعد هذه الحادثة بعشرة أيام، وطلب منهم أن ينصحوا رعاياهم بمغادرة القدس خلال أربع وعشرين ساعة. ولكن القنصل الألماني العام، بالتضامن مع القناصل الآخرين تحدّى أوامر جمال باشا ورفض

  1. نشُر هذا التصريح في الصحيفة الألمانية شمال ألمانيا العامة Allgemeine Norddeutsche (في 6 كانون الثاني/ يناير 1918)، كما نشر في الصحيفتين اليهوديتين الألمانيتين Runschau Judische و Presse Judische (في 11 كانون الثاني/ يناير 1918)، وقد علقتا عليه وعلى السياسة الألمانية الجديدة بإطراء وثناء.
  2. محافظة، العلاقات الألمانية -  الفلسطينية، ص 173  -  175.

الامتثال لها، بحجة أن الخطر العسكري ما زال بعيدًا عن القدس. واحتج على هذه الأوامر رئيس هيئة أركان الفرقة الثانية في الجيش العثماني الرابع الكولونيل الألماني كريس فون كريسنشتاين Kressenstein Von Kress، وبعث برسالة حول الموضوع إلى السفارة الألمانية في إسطنبول. وتدخّل وكيل وزارة الخارجية الألمانية في 26 نيسان نيسان/ أبريل 1917 لدى أنور باشا لإلغاء القرار. وتدخّل الزعماء الصهاينة لدى وزارة الخارجية الألمانية، حتى إن المسألة أثيرت في الرايخستاغ (البرلمان الألماني)، واضطر وكيل وزارة الخارجية إلى إنكار إخلاء القدس في لقائه بلجنة الموازنة في الرايخستاغ في 8 أيار/ مايو 1917. وفي اليوم نفسه، أبرق سكرتير الدولة الألماني إلى السفير الألماني في إسطنبول يقول: "إن سياسة جمال باشا سوف تثير الرأي العام العالمي ضد تركيا وألمانيا، وبذلك نعطي العدو سلاحًا جديدًا".

معهم. وكلّف رئيس بلدية تل أبيب مئير ديزنغوف Dizengoff Meir بتشكيل لجنة لإغاثة اليهود. وتبرع بمبلغ ثلاثة آلاف ليرة تركية للجنة المذكورة. كما تبرع بألف ليرة للحاخام الأكبر نسيم دنون، وبألف أخرى للحاخام ماركوس هوروفيتز Horrowitz Marcus لإنقاذ يهود القدس.

ففي 4 أيلول/ سبتمبر 1917، ألقى الأتراك القبض على حمامة زاجلة تحمل رسالة رمزية. وحُولت الرسالة إلى السلطات العسكرية فحُلت رموزها، وتبيّ أنها مرسلة إلى شبكة التجسس في مستعمرة زخرون يعقوب اليهودية قرب عتليت. وبعد ذلك بعشرة أيام أُلقي القبض على نامان بلكند Belkind Naaman أحد أفراد الشبكة وهو يحاول العبور إلى الخطوط البريطانية جنوب بئر السبع. ووجدت معه قائمة بأسماء أعضاء الشبكة وخططهم.

5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، وتوسلوا إليه أن يأمر بتخفيف إجراءات المراقبة المفروضة عليهم. غير أن جمال باشا لم يبقَ في قيادة الجيش العثماني الرابع إلا أيامًا معدودة، إذ نقل منها وحل محله محمد جمال باشا الصغير الذي أشرف على محاكمة أعضاء شبكة نيلي في دمشق.

إلى برلين (في 2 كانون الثاني/ يناير 1918)، متمثل بالتعاطف مع الأماني الصهيونية وإزالة جميع القيود التي تعرقل هجرة اليهود إلى فلسطين.

مطالب الحركة الصهيونية، وهي تتلخص فيما يلي: المساواة القانونية والفعلية في الحقوق والواجبات بين اليهود والرعايا العثمانيين. ӵ ӵ الحرية الدينية لليهود. الحق في الهجرة الحرة والنشاط الاقتصادي في أرجاء الدولة العثمانية كافة. الحق في الهجرة من دون قيود إلى فلسطين، وقيام استقلال ثقافي لليهود فيها. استجابت حكومة طلعت باشا لهذه الضغوط. واضطر جمال باشا إلى الالتقاء بزعماء اليهود في فلسطين والإعراب عن تعاطفه

وشددت الرقابة على اليهود من جديد، بعد اكتشاف شبكة تجسس يهودية تعمل لصالح بريطانيا عرفت بشبكة Ring Spy NILI.

وانتهز الصهاينة زيارة الجنرال فون فالكنهاين Falkenhayn Von رئيس البعثة العسكرية الألمانية في الدولة العثمانية إلى القدس في

وقد بينَّا في ما سبق كيف نجحت الضغوط الصهيونية والألمانية في الحصول على تصريح (حديث) مع الصدر الأعظم طلعت باشا أثناء زيارته

وبعد عودته إلى فلسطين، استدعى طلعت باشا النائب اليهودي في البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) قره صو، وتباحث معه حول

  1. المرجع نفسه، ص 168  -  169.
  2. المرجع نفسه، ص 168  -  170.

تحمّس قره صو وألّف لجنة من عشرين عضوًا يمثلون مختلف الاتجاهات اليهودية لدراسة البرنامج، ووضع خطة عملية لتنفيذه. قامت هذه اللجنة، بعد مناقشات طويلة، بتقديم مشروع للصدر الأعظم ينص على إنشاء شركة ذات امتياز في إسطنبول تفوّض من الحكومة العثمانية بمنح الحكم الذاتي للمناطق المأهولة من اليهود. وبموجب هذا الامتياز تتولى الشركة جمع الضرائب وتأليف قوات من الشرطة وإدارة البلديات. وافق طلعت باشا على المشروع، ووعد قره صو ولجنته بأن تتبناه الحكومة العثمانية عند بحث شروط الصلح. وبينما كان حاييم وايزمان يتجول في فلسطين، خلال نيسان/ أبريل-تموز/ يوليو 1918، ويسعى لإنشاء الجامعة العبرية في القدس، كان وفد يهودي ألماني يستعد للسفر إلى إسطنبول للتفاوض مع الحكومة العثمانية حول مستقبل فلسطين. وتألّف الوفد من فيكتور ياكوبسون Jacobson Victor وآرثر روبين Robin Arthur من اللجنة التنفيذية الصهيونية، وبرنار كان Kahn Bernard من جمعية الإغاثة اليهودية، وماكس غرينفالد Gruenwald Max عن يهود النمسا، وموزس أورباخ Auerbach Moses، وإيزاك بروير Breuer Isaac، والحاخام ماركوس هوروفيتز، والحاخام بيرلموتر Perlmutter، عن اليهود الأرثوذكس. قابل الوفد الصدر الأعظم طلعت باشا، وطالب بإقامة مركز يهودي في فلسطين عن طريق الهجرة والاستعمار المنظميَن. غير أن طلعت باشا أوضح للوفد تعاطفه مع اليهود، ووعدهم بتحقيق بعض مطالبهم. وصدر في أعقاب هذا اللقاء بيان رسمي في 14 تموز/ يوليو 1918، جاء فيه ما يلي: "وخلال لقاء فخامة الصدر الأعظم بالوفد أعرب له عن تعاطفه نحو هذا العمل. واقتناعًا منه بالأهمية والفائدة التي قد تجنيها الدولة العثمانية من استقرار اليهود في فلسطين، رغب في أن يحظى هذا العمل بحماية الدولة العثمانية وبتشجيعها بكل الوسائل التي تتفق وحقوق السيادة للدولة العثمانية، ودون الإضرار بحقوق السكان غير اليهود. وسوف يصدر فخامته الأوامر القاطعة بإلغاء جميع القيود المفروضة على هجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين. ولأجل أن يضمن الشعب اليهودي فيها، انسجامًا مع التقاليد العثمانية، معاملة جيدة تقوم على قاعدة المساواة التامة مع العناصر الأخرى، سيقوم فخامته بتعيين لجنة خاصة لإعداد برنامج مفصل لهذا العمل بأسرع وقت ممكن". وتشكلت اللجنة الوارد ذكرها في هذا البيان برئاسة الوزير مدحت شكري. وقد علّق السفير الألماني في إسطنبول البارون فون بيرنشتورف على تشكيل هذه اللجنة بقوله: "سوف يرينا المستقبل أن هذه اللجنة لن تنتهي إلى أي شيء سوى دفن الآمال الصهيونية". كان السفير الألماني مقتنعًا بأن الحكومة العثمانية غير جادة في كل ما جاء في بيانها السابق الذكر. فلماذا إذًا أقدمت على هذه التنازلات؟ ولماذا أصدرت بيانًا قريبًا في محتواه من تصريح بلفور؟ ربما كان تدهور الوضع العسكري العثماني على جميع الجبهات، وفقدان معظم فلسطين سببًا في ذلك. وربما اعتقدت الحكومة العثمانية أن تحقيق بعض المطالب اليهودية قد يجعل وضعها أفضل في مؤتمر الصلح المقبل. لا شك في أن ضعف النفوذ الأدبي العربي في إسطنبول بعد إعلان الثورة العربية الكبرى قد شجّع الحكومة العثمانية على إصدار هذا البيان. ولا يُستبعد أن يكون للضغوط الرسمية الألمانية أثرها الفعال في دفع الحكومة العثمانية إلى هذا الموقف، وذلك لإبطال مفعول تصريح بلفور، والحفاظ على علاقات ودية مع المنظمة الصهيونية؛ من أجل خدمة أغراض السياسة الخارجية الألمانية.

4 ي. صدى التصريح ف الأوساط العربية

أعني بالأوساط العربية في هذا الموضوع أربع جهات، هي: عرب فلسطين، والنواب العرب في "مجلس المبعوثان"، والمثقفون السوريون (الشوام) في مصر الذين كانوا على اتصال بدار المندوب السامي البريطاني والمكتب العربي (دائرة الاستخبارات العسكرية البريطانية) في القاهرة، وقيادة الثورة العربية الكبرى (الملك حسين بن علي وأبناؤه).

  1. المرجع نفسه، ص 174  -  175.
  2. المرجع نفسه.

أ. الصدى لدى أهالي فلسطين والنواب العرب في مجلس المبعوثان

شعر أهالي فلسطين بخطورة الهجرة اليهودية إلى بلادهم في مرحلة مبكرة؛ ذلك أنهم بعثوا، عام  1891، ببرقيات إلى الصدر الأعظم العثماني يطالبون فيها بمنع هجرة اليهود إلى البلاد. وكان شكري العسلي قائم مقام الناصرة، من أوائل المسؤولين العرب الذين أدركوا خطر الصهيونية ومشروعها الاستعماري في فلسطين، ولكن من دون أن يعرف حقيقة الحركة الصهيونية ونشاطها الواسع في أوروبا والولايات المتحدة، وفي الدولة العثمانية نفسها. بعث العسلي برسالة إلى سامي باشا الفاروقي، قائد الحملة العسكرية لتأديب أهالي حوران والكرك، عام 1910، جاء فيها: "إن الجمعية الصهيونية ورفيقاتها جمعيات البيكا وفاغولين والأليانس وغيرها تسعى إلى استرجاع فلسطين التي وعدهم بها ربهم في الإصحاح الثاني والثلاثين من الكتاب المقدس، والآن عملً بهذه الآية يشترون الأراضي في فلسطين على حساب الفضة، ويشترطون البيع على أن يكون الثمن فضة، ويكتبون الصكوك ويشهدون". ولما أصبح العسلي نائبًا عن دمشق في "مجلس المبعوثان" في مطلع عام 1911، أثار المسألة الصهيونية في المجلس المذكور، وحذّر أعضاء المجلس من الخطر الصهيوني، وألّف العسلي قوة ضاغطة منه ومن روحي الخالدي نائب القدس ورياض الصلح نائب بيروت للضغط على حكومة الاتحاد والترقي؛ من أجل سن قوانين لوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين والاستيطان فيها. وساهم نائب غزة حافظ السعيد في مناقشات "مجلس المبعوثان" حول أخطار الصهيونية. وكانت استجابة النواب الأتراك ضعيفة لما طالب به النواب العرب. وكتب العسلي في صحيفة المقتبسالدمشقية في 25 حزيران/ يونيو 1911: "العرب والسوريون في غضب على أولئك الذين يسهلون لليهود والصهيونيين الساعين في احتلال فلسطين وسورية والعراق ليؤسسوا حكومة يهودية". واستمر العسلي والنواب العرب في الكشف عن النيات الحقيقية للحركة الصهيونية في البرلمان العثماني. وقد أدرك عرب فلسطين خطورة الهجرة اليهودية إلى بلادهم، بعد أن اتخذت شكلً منظمًا وكثيفًا في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وقاد طاهر الحسيني، مفتي القدس، المقاومة الفلسطينية لهجرة اليهود الكثيفة إلى المدينة المقدسة، معتبرًا ذلك تحديًا يهدف إلى تهويد المدينة وإزالة قداستها الإسلامية. وكان مفتو القدس السابقون من آل الحسيني قد اعترضوا على محاولات حماية اليهود وتشجيعهم على الإقامة في القدس من قِبل القنصل البريطاني جيمس فين Finn James فيها في عقدَي الأربعينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر. ولعل أولَ من أشار إلى أطماع الصهيونية في فلسطين هم الرهبان الكاثوليك الذين كانوا يتابعون باهتمام وقلق النشاط الصهيوني. فقد نشر الأب هنري لامنس اليسوعي مقالة في مجلة المشرقعام 1899 بعنوان "اليهود في فلسطين ومستعمراتهم"، عرض فيها المستعمرات اليهودية ونشأتها والجمعيات والأفراد الذين يدعمونها ماليًا. وحذّر في ختام مقالته من الأطماع اليهودية في شرق الأردن وقال: "هذا ولم يزل اليهود يطمحون ببصرهم نحو عبر الأردن. ولما اجتزنا منذ ثلاث سنين في تلك الأقطار، أخبرنا مختار مكيس [أم قيس] أن للبارون دو روتشيلد عمالً في تلك النواحي يطوفونها في كل جهاتها ليمتلكوا أراضي يجعل فيها اليهود ليفلحوا ويستغلوا خيراتها".

  1. أنشئت جمعية PICA عام 1883 برعاية المصرفي اليهودي إدموند روتشيلد لشراء الأراضي في فلسطين، انظر: فدوى نصيرات، دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين، 1876  -  1909 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 145.
  2. سهيلا سليمان الشلبي، شكري العسلي، 1868  -  1916: من أجل الاستقلال العربي ومقاومة الصهيونية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 145.
  3. المرجع نفسه، ص 146  -  157.
  4. جيمس فن، أزمنة مثيرة: وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس، 1853  -  1856، ترجمة جمال أبو غيدا (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
  5. علي محافظة، الحركات الفكرية في عصر النهضة في فلسطين والأردن (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1987)، ص 124.

وكانت أولى الصحف العربية في فلسطين التي نبّهت إلى الخطر الصهيوني صحيفة الكرملمنذ صدورها عام 1908، وتلتها في هذا الشأن صحيفة فلسطين. وقد دعت الكرمل إلى إنشاء "جمعية وطنية فلسطينية" تضم أعيان نابلس والقدس ويافا وحيفا وغزة لشراء أراضي الدولة (الأراضي المدورة) قبل أن يستولي عليها الصهاينة. ومنذئذ أصبحت هذه القضية شغل الصحافة الوطنية الشاغل، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وعبَّ إسعاف النشاشيبي عن قلقه إزاء الخطر الصهيوني شعرًا ونشره في مجلة النفائس العصرية، في تشرين الأول/ أكتوبر 1910، نقتطف منه ما يلي: يا فتاة الحي جودي بالدماء بدل الدمع إذا رُمت البكاء فلقد ولَّت فلسطين ولم يبقَ يا أخت العلُا غير ذماء نكبت أقدامَها سُبل الهدى فشَتها للعدا شرَّ شراء سوف تشكين وتبكين دمًا يوم لا يجدي ولا يغني البكاء إن الاستعمار قد جاز المدى دون أن يعدوه عن سير عداء إنها أوطانكم فاستيقظوا لا تبيعوها لقوم دخلاء وقام عضو الهيئة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية ناحوم سوكولوف بزيارة سورية وفلسطين في نيسان/ أبريل 1917 لتهدئة مخاوف العرب. ودامت زيارته ثلاثة أشهر التقى خلالها عددًا من زعماء الحركة القومية العربية؛ ومنهم شكري العسلي، ومحمد كرد علي، وعبد الوهاب الإنكليزي، وجورج فاخوري. وسهّل له مهمته نظيف بك الخالدي، أحد أعيان القدس. واتفق هؤلاء مع سوكولوف على عقد مؤتمر عربي - صهيوني تمهيدي في برمانا بلبنان، في 2 تموز/ يوليو 1914، بمشاركة عشرة مندوبين من كل طرف. غير أن والي بيروت العثماني لم يوافق على عقد المؤتمر المذكور. وانقطعت الاتصالات بين هؤلاء المثقفين العرب والصهاينة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. كانت ردة فعل أهالي فلسطين على تصريح بلفور ضعيفة، ولذلك أسباب أوردها الأديب والمفكر المقدسي خليل السكاكيني في مقال له بعنوان "ماذا فهم العرب من وعد بلفور؟" نشرته صحيفة السياسة المصرية في 1 حزيران/ يونيو 1923، جاء فيه: "إن العرب كانوا من الضعف والإعياء لا يستطيعون معهما أن يهتموا بشيء، وإنهم قدروا أن الوعد قد صدر لضرورات حربية اقتضتها أوضاع الحرب العالمية الأولى، فإذا زالت تلك الضرورات سقط الوعد من تلقاء نفسه، وأنهم كانوا يعرفون بوعود بريطانيا للعرب والتي سبقت وعد بلفور، كما توهموا أن الأمة البريطانية أعلى من أن ترضى بمثل هذه الخيانة لقضية العرب. ولذا فلا بد أن تنكر على حكومتها هذه السياسة الخرقاء. واعتقد العرب بقدرتهم على إبطال وعد بلفور متى تنفسوا الصعداء، ووقفوا على أقدامهم بعد انتهاء الحرب. كما ذهب بعضهم إلى الظن أن اليهود أعجز من أن ينالوا فلسطين، ما دامت الأمة العربية حيَّة واعية. كما تصوروا أن الوعد أقرب إلى الخيال والحلم منه إلى الحقيقة، وأن اليهود متى ثابوا إلى رشدهم وأدركوا المصاعب والمتاعب التي ستواجههم في فلسطين وفي غيرها من أقطار الدنيا تراجعوا وتخلوا عنه. وقدر العرب أيضًا أن فلسطين لن تتسع لليهود، وأن الوطن القومي لا يُشترى بالمال ولا يُنال بالدسائس والدعاية والمؤامرات السياسية". وما إن شعر العرب بالنشاط اليهودي المنظم في فترة الاحتلال العسكري البريطاني (1917  -  1920) وممالأة الإنكليز لليهود، حتى أسرعوا إلى إنشاء الجمعيات الإسلامية - المسيحية في مدن فلسطين الكبرى في عامَي 1918 و 1919، بهدف مقاومة قيام وطن قومي يهودي في بلادهم. وكانت هذه الجمعيات حجر الأساس الذي قامت عليه الحركة الوطنية الفلسطينية، والتي اتخذت شكلها المنظم

  1. علي محافظة، "الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للحرب العالمية الأولى على فلسطين والأردن"، في: مجموعة مؤلفين، الطريق إلى سايكس  -بيكو: الحرب العالمية الأولى بعيون عربية، رشيد خشانة (محرر)، (الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات/ الدار العربية للعلوم ناشرون، 2016)، ص 80.

بانعقاد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس في 27 كانون الثاني/ يناير 1919. وكان من أسباب عقد هذا المؤتمر النظر في نتائج تصريح بلفور على فلسطين. وكان أول قرار اتخذه المؤتمرون إرسال برقية إلى مؤتمر الصلح في باريس للاحتجاج على "ما سمعوه من جعل بلادهم وطنًا قوميًا لليهود ومنحهم حق الهجرة والاستعمار، وأنهم سيرفعون إلى المؤتمر تقاريرهم المؤيدة بالبراهين والمثبتة حق أقلية اليهود القليلة جدًا مالً ونفوسًا وأملاكًا". واحتوت المذكرة الأولى التي بعث بها المؤتمرون إلى مؤتمر الصلح أربعة بنود: تضمن أولها دحضًا تاريخيًا ودينيًا لمزاعم اليهود في التاريخ، واحتوى ثانيها رفضًا قاطعًا لتصريح بلفور. أما البند الثالث، فردّ على ادعاءات الصهاينة بأنهم يطلبون فلسطين باعتبارهم من الشعوب الضعيفة التي وعدها الحلفاء بالحرية. واحتوى البند الرابع على بيان بالأملاك والعقارات التي يملكها اليهود في فلسطين ولا تتجاوز نسبتها واحدًا إلى أربعين (أي 5. 2 في المئة)، بينما لا تتجاوز نسبة اليهود تسعة في المئة من مجموع السكان.

ب. الصدى لدى السوريين في مصر

وصل نبأ تصريح بلفور إلى مصر أولً، فأثار موجة من الاحتجاج لدى السياسين والمثقفين السوريين فيها، ومنها انتقل إلى فلسطين، وسعت القيادة العسكرية البريطانية لإخفائه. وما إن حل ربيع عام 1918 حتى كاد شعور المسؤولين والمثقفين العرب يدمّر التحالف العربي - البريطاني. وتألفت هيئة من سبعة أشخاص من السياسيين والمثقفين السوريين في مصر من أجل العمل المشترك للقضية العربية، بعد أن تزعزعت ثقتهم بالحلفاء. فقدّموا مذكرة للحكومة البريطانية صوروا فيها الوضع كما رأوه. وطلبوا منها إيضاح سياستها نحو البلاد العربية بعامة، ونحو سورية وفلسطين والعراق بخاصة، ومصير هذه الأقطار بعد الحرب. وسُلمت هذه المذكرة إلى المكتب العربي في القاهرة ليتولى نقلها إلى لندن. ردت وزارة الخارجية البريطانية على مذكرة السوريين السبعة، في 16 حزيران/ يونيو 1918، وأرسلت نسخة من هذا الرد إلى الملك حسين بن علي. قسمت وزارة الخارجية البلاد العربية الآسيوية، وهي التي طالب الشريف الحسين بن علي بحريتها واستقلالها ووحدتها، إلى أربعة أقسام؛ استنادًا إلى الموقف العسكري آنذاك. يشمل القسم الأول البلاد العربية التي كانت حرة ومستقلة قبل الحرب، بينما يشمل القسم الثاني الأراضي التي حُررت من السيطرة التركية بجهد العرب أنفسهم. ويشمل هذان القسمان شبه جزيرة العرب من عدن حتى العقبة، وتعترف الحكومة البريطانية ب "الاستقلال التام والسيادة للعرب الذين يقطنون هذه الأراضي". ويضم القسم الثالث البلاد العربية التي حررت من الحكم التركي على يد الجيوش المتحالفة. ويشمل العراق من الخليج العربي إلى خط يمتد على مسافة إلى الشمال من بغداد، وفلسطين من الحدود المصرية إلى خط على مسافة إلى الشمال من القدس ويافا، وقالت الحكومة البريطانية: "إن الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب أن تقوم على مبدأ موافقة المحكومين"، وأكد الرد البريطاني أن هذه السياسة ستظل دائمًا هي السياسة التي ستنتهجها الحكومة البريطانية. أما القسم الرابع، فهو يشمل المناطق العربية التي كانت ما تزال تحت الحكم التركي. ويضم هذا القسم معظم سورية وولاية الموصل في العراق. وقد أكد الرد البريطاني "أن الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب أن تفوز بالحرية والاستقلال". أكد الرد البريطاني نقطتين تتعارضان كليًا مع اتفاقية سايكس-بيكو وتصريح وعد بلفور، هما:

  1. علي محافظة، الفكر السياسي في فلسطين في نهاية الحكم العثماني حتى نهاية الانتداب البريطاني، 1918  -  1948، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002)، ص 213  -  218.
  2. المرجع نفسه، ص 135.

إن بريطانيا ستظل تعمل لتنال سورية وفلسطين والعراق حريتها واستقلالها، فضلً عن تحريرها من الحكم التركي. تعهدت بريطانيا بأنها لن تقيم في هذه البلاد أي نظام من أنظمة الحكم لا يقبل به السكان فيها. لا شك في أن هذا الرد الرسمي من الحكومة البريطانية أهم كثيرًا من التطمينات التي أدلى بها مارك سايكس وديفيد هوغارث Hogarth David إلى الملك حسين أثناء لقاءاتهما به في أعقاب إبرام اتفاقية سايكس-بيكو وتصريح بلفور. وعمَّت عرب آسيا موجة من الاغتباط عندما ذاعت محتويات الرد البريطاني على مذكرة الزعماء السوريين السبعة. وبعد بضعة أسابيع من إذاعة هذا البيان البريطاني، ألقى الرئيس الأميركي وودرو ويلسون خطابه في مونت فرنون Vernon Mount، في 4 تموز/ يوليو 1918، وقد أعلن فيه أن تسوية ما بعد الحرب ستكون مبنية على "القبول الطوعي لدى الشعوب التي تعنيها التسوية مباشرة". وكان لهذين الوعدين البريطاني والأميركي أثرهما الحاسم في تبديد الشكوك والمخاوف التي أثارتها اتفاقية سايكس-بيكو وتصريح بلفور.

ج. الصدى لدى الحسين بن علي وأنجاله

كان أول المعنيين بتصريح بلفور الحسين بن علي، ملك الحجاز، وأنجاله قادة قوات الثورة العربية الكبرى، وكان الحسين في مراسلاته مع هنري مكماهون MacMahon Henry، المندوب السامي البريطاني في مصر، قد طالب باعتراف بريطانيا باستقلال البلاد العربية في آسيا وقيام مملكة عربية واحدة تشملها. ووافق مكماهون في رده على رسالة الشريف حسين، في 29 آب/ أغسطس 1915، على مطالب الحسين بقوله: "نؤكد لكم نص رسالة اللورد كيتشنر Kitchener Lord التي تضمنت رغبتنا في استقلال البلاد العربية وسكانها، مع موافقتنا على الخلافة العربية حينما يجب إعلانها"، وجاء في الرسالة نفسها بشأن مسألة حدود الدولة العربية: "أما بشأن مسألة الحدود، فيبدو من السابق لأوانه إشغال وقتنا في بحث تفاصيل كهذه في حمى الحرب". وبطبيعة الحال، كانت فلسطين جزءًا من الدولة العربية التي طالب بها الحسين ووافق عليها مكماهون وقبله اللورد كيتشنر. رد الحسين على رسالة مكماهون هذه غاضبًا، في 9 أيلول/ سبتمبر 1915، باعتباره زعيمًا لحركة ثورية منظمة، وأكد له في رده هذا أن الحدود التي أشار إليها ضرورية لصالح الدولة العربية المقبلة. وقال فيها أيضًا إنه ليس هو شخصيًا الذي يطالب بهذه الحدود التي تشمل الجنس العربي، ولكنها كلها مطالب الشعب الذي يؤمن بأنها ضرورية لحياته الاقتصادية. لما علم الملك حسين، ملك الحجاز، بتصريح بلفور استوضح من المسؤولين البريطانيين في جدة والقاهرة عن حقيقة هذا التصريح، وجاء إليه هوغارث، رئيس المكتب العربي في القاهرة (جهاز الاستخبارات العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط)، وقابله في جدة بين 8 و 14 كانون الثاني/ يناير 1918، عشر مرات لم تَقلَّ مدة كل منها عن ساعة ونصف الساعة. وقد قرأت تقريره عن هذه الزيارة والمقابلات العشر التي أجراها مع الملك حسين، ونشُر في النشرة التي يصدرها المكتب العربي، في صفحات ثلاث، فلم أجد فيه ما يشير إلى الحجج التي استعملها هوغارث ووسائل الإقناع (أي أساليب الخداع والتضليل التي لجأ إليها المسؤول الأول عن الاستخبارات العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط) للقبول بتصريح بلفور. لا شك في أن هوغارث قد استعمل مختلف أساليب الخداع والتضليل لإقناع الملك حسين بقبول تصريح بلفور، طوال ستة أيام التقى به خلالها عشر مرات (دامت هذه اللقاءات نحو عشرين ساعة)، والدليل على أن الملك العربي خُدع وضُلل؛ أنه فوجئ عند انتهاء

52  Schneer, pp. 59  -  60. 53  David Hogarth, "Mission to King Hussein," Arab Bulletin , no. 77 (January 27 , 1918), pp. 21  -  24.

  1. جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، ط 8 (بيروت: دار العلم للملايين، 1987)، ص 375  -  382.

الحرب العالمية الأولى بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين والعراق، ورفض ذلك رفضًا قاطعًا. كما رفض إبرام معاهدة مع بريطانيا تنص على اعترافه بما تم في مؤتمر الصلح في باريس. واستمرت هذه المفاوضات بين الملك حسين وبريطانيا أربع سنوات (1921  -  1924)، انتهت بالفشل، وأسفرت عن تخليه عن عرشه وسوقه إلى قبرص منفيًا تحت الحكم البريطاني حتى قرب أجله عام 1931. كان الحسين وأنجاله الأربعة، مثل بقية المسؤولين والمثقفين العرب يجهلون حقيقة الحركة الصهيونية ومخططاتها في فلسطين، ولا يعرفون شيئًا عن نشاط هذه الحركة في عواصم الدول الأوروبية الكبرى وفي أوساط الحكام العثمانيين. وكل ما عرفوه ما نقله إليهم ضباط الاستخبارات البريطانيين في المنطقة العربية. ولعل المقال الافتتاحي الوارد في العدد 183 من صحيفة القبلة الناطقة بلسان الثورة العربية الكبرى والمملكة الحجازية، الصادر في يوم الخميس 13 شعبان 1336 ه الموافق 15 أيار/ مايو 1918، يدل على مدى جهل المسؤولين عن الإعلام في الثورة العربية الكبرى والمملكة الحجازية بحقيقة الهجرة اليهودية إلى فلسطين. فالمقال الافتتاحي يشيد بجهد مراسل صحيفة المقطمالمصرية الذي زار فلسطين أثناء وجود وفد صهيوني فيها برئاسة حاييم وايزمان لإقناع عرب فلسطين بجدوى الهجرة اليهودية إلى بلادهم وإزالة مخاوفهم بعد صدور تصريح بلفور. وقد زوّد مراسل المقطمصحيفته بتقارير عن "المستعمرات الإسرائيلية في فلسطين"، أثنى فيها على المشروعات الزراعية اليهودية، وحثَّ عرب فلسطين على تقليد اليهود في هذا المضمار. لم تكتفِ بريطانيا بتضليل الملك حسين، وإنما أرسلت بعثة صهيونية برئاسة حاييم وايزمان إلى فلسطين في ربيع عام 1918، لإقناع أهلها بقبول المشروع الصهيوني. ولما التقى وايزمان وبعثته بأعيان القدس، في 27 نيسان/ أبريل 1918، قال لهم: "يرغب الصهاينة في خلق ظروف يتم فيها التطور الأخلاقي والقومي للشعب اليهودي الذي اختار بحرية القدوم إلى فلسطين. وهذا التطور لا يكون على حساب أي جماعة من الجماعات المقيمة في البلاد أو مخالفًا لمصالحهم، ولن يكون كذلك. كل المخاوف المعبّ عنها علنًا أو سرًا من قبل العرب تُعزى إلى سوء الفهم الأساسي للأهداف والنيات الصهيونية، أو النشاطات الشريرة لأعدائهم المشتركين". سافر وايزمان من القدس إلى العقبة للقاء الأمير فيصل بن الحسين، قائد جيش الثورة العربية الكبرى الشمالي، فالتقى به في معسكر وهيدة. وحضر اللقاء الكولونيل جويس Joyce. Col من ضباط المكتب العربي في القاهرة الملحقين بجيش فيصل، بصفته مترجمًا. وجاء في تقرير جويس إلى المكتب العربي ما يلي: "تم الاجتماع بين الأمير فيصل والدكتور وايزمان في الرابع من حزيران/ يونيو 1918 في وهيدة، كان الكولونيل جويس حاضرًا ويعمل مترجمًا. فالكولونيل لورنس كان غائبًا في منطقة العمليات الشمالية في ذلك الوقت، وحال المرض دون وجود الميجور أورمسبي غور Gore Ormsby Major ودون سفره مع الوفد (الصهيوني). كان الاجتماع وديًا، ويبدو أنه أدى إلى ارتياح متبادل. واتفق الطرفان على أن التعاون الوثيق بين اليهود والعرب ضروري وفي مصلحة كل منهما إذا توافر الاستقلال الثابت في البلاد الناطقة بالعربية. ولكن الأمير فيصل امتنع عن الدخول في إصدار بيان عن الترتيبات السياسية الدقيقة التي يفكر فيها، وردَّ (على طلب وايزمان) بأن والده وحده القادر على إصدار مثل هذه البيان. وأخبره الدكتور وايزمان أن اليهود لا ينوون إقامة حكومة لهم وإنما يتمنون العمل تحت الحماية البريطانية لاستعمار فلسطين وتطويرها، آخذين في الاعتبار المصالح المشروعة القائمة. رد فيصل أنه في ضوء الاستعمال الخطِر من قِبل دعاية العدو لأي بيان من جانبه بشأن أي أرض عربية تسيطر عليها أيدٍ غير عربية، سوف يبدي رأيه الشخصي الذي يتمثل بأن رغبة الدكتور وايزمان ليست قابلة للتحقيق، وأنه يرحب بالعرض الأخير المتعلق بتمثيل أهداف العرب واليهود في أميركا. وأعرب فيصل عن أمله في لقاء آخر فيما بعد. والحصيلة العملية لهذا اللقاء ليست أكثر من التعارف المتبادل بين زعيم الاتحاد

55  Stein, p. 634.

  1. الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها"، صحيفة القبلة، 13 شعبان 1336 ه، 15  /  5  /  1918.

الصهيوني والزعيم العربي الذي من المحتمل أن يكون له دور مثل أي شخص آخر في تكوين المصير السوري. ونشأ احترام متبادل بينهما، وحينما يأتي وقت التفاوض سيبدأ الفريقان بفكرة ما عن قيمة كل منهما والهدف الذي يسعيان له". كان فيصل، مثل والده، لا يعرف شيئًا عن الحركة الصهيونية وبرنامجها ونشاطاتها، ولم يُدْلِ أي من ضباط الاستخبارات العسكرية البريطانية المرافقين له؛ بمن فيهم توماس إدوارد لورنس الذي كان يرافقه كظله، بأي معلومات صحيحة عن الحركة الصهيونية وبرنامجها ونشاطاتها. بعث مارك سايكس برسالة إلى الأمير فيصل، في 3 آذار/ مارس 1918، جاء فيها: "أعرف أن العرب يحتقرون اليهود ويدينونهم ويكرهونهم. ولكن العاطفة والتعصب يدمران الأمراء والشعوب، وأولئك الذين اضطهدوا اليهود أو دانوهم يخبرونك القصة. فإمبراطورية إسبانيا في أيامنا ترينا طريق الدمار الذي أدى إليه اضطهاد اليهود. قد تقول لنفسك: ما هو هذا العرق المحتقر والمنبوذ والممقوت الذي لا يستطيع القتال والذي لا وطن له وليس له أمة؟ يا فيصل، أستطيع قراءة ما في قلبك وما في عقلك. هناك مستشارون حولك قد يوشوشون بأشياء مماثلة في أذنيك. صدقني، إنني أقول الحقيقة حينما أقول إن هذا العرق المحتقر والضعيف عالمي وقوي ولا يمكن إخضاعه". كان سايكس يسعى لإقناع الأمير العربي بالتعاون مع الصهاينة. وردّ عليه فيصل برسالة، في 18 تموز/ يوليو 1918، جاء فيها: "أنا لا أحتقر أيًا كان بسبب دينه ولن أحتقره؛ لذلك وبوجه عام، أود أن أرحب بأي تفاهم طيب مع اليهود. ولكن لا أعرف ما يجري، ولا أعرف أساس الترتيب المَنْوي عمله في فلسطين لليهود والعرب". كان فيصل، إذًا، يجهل نيات البريطانيين في فلسطين، وتفاصيل المفاوضات بين مجلس الحرب البريطاني والقادة الصهاينة. انتهت الحرب العالمية الأولى في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، وكُلّف الأمير فيصل بن الحسين بتثميل مملكة الحجاز في مؤتمر الصلح الذي تقرر عقده في باريس. ووصل إلى لندن في أول زيارة له يقوم بها إلى أوروبا في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1918. وأمضى فيها ثلاثة أسابيع، علم خلالها بحقيقة اتفاق سايكس–بيكو، وتعرض لضغوط شديدة من الحكومة البريطانية للتعاون مع الصهاينة في مؤتمر الصلح. وكُلّف لورنس بإقناع فيصل بإعطاء الصهاينة اعترافًا رسميًا بأمانيهم في فلسطين، نيابة عن مملكة الحجاز. وكان الصهاينة وعلى رأسهم حاييم وايزمان في أمسّ الحاجة إلى هذا الاعتراف لتقديمه إلى مؤتمر الصلح. كان مطلب الحكومة البريطانية والحركة الصهيونية خارج مهمة فيصل التي كلّفه بها والده. وحاول فيصل أن يحصل على توجيهات من والده، غير أن والده أصر على أنه لا يرضى بشيء من دون إنجاز العهود التي قطعتها بريطانيا المتمثلة باستقلال البلاد العربية ووحدتها. شعر فيصل بالحرج والقلق الشديدين وزادهما شدةً جهلُه باللغتين الإنكليزية والفرنسية، وبأساليب الدبلوماسية الأوروبية. واقتنع بعداء الفرنسيين له ورفضه ممثلً للحجاز في مؤتمر الصلح، وبصداقة الإنكليز الذين أصروا على صحة تمثيله هو والوفد المرافق له في مؤتمر الصلح. وأقنعه لورنس ألّ ضرر من إبرام الاتفاق مع الصهاينة شريطة الاعتراف الكامل بمطالب العرب من طرف بريطانيا. وقَّع فيصل اتفاقه مع حاييم وايزمان، في 3 كانون الثاني/ يناير 1919، واشتمل الاتفاق على النقاط التالية: يجب أن يسود جميع علاقات والتزامات الدولة العربية وفلسطين أقصى النيات الحسنة والتفاهم المخلص، وللوصول إلى هذه الغاية تؤسس وكالات عربية ويهودية معتمدة، بحسب الأصول، في كل بلد منهما.

56 " Faisal and Weizmann," Arab Bulletin , no. 93 (June 18 , 1918), p. 208. 57  Schneer, pp. 371  -  372. 58  Ibid., p. 372.

المتعاقدان على تعيينها.

المؤرخ في اليوم الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917.

أن تُحفظ حقوق الفلاحين والمزارعين المستأجرين العرب، ويجب أن يساعدوا في سيرهم نحو التقدم الاقتصادي.

تمييز أو تفضيل، ويجب ألّ يطالب قَط بشروط دينية لممارسة الحقوق المدنية أو السياسية. يجب أن توضع الأماكن الإسلامية المقدسة تحت رقابة المسلمين.

كل نزاع قد يثار بين الفريقين المتنازعين يجب أن يحال على الحكومة البريطانية للتحكيم. وجاء في تحفظات الأمير فيصل في نهاية الاتفاقية باللغة العربية، ما يلي:

الثاني/] يناير سنة 1919 المرسلة إلى وزارة خارجية بريطانيا العظمى. لكن إذا وقع أقل تعديل أو تحويل فيجب أن لا أكون عندها مقيدًا بأي كلمة وردت في هذه الاتفاقية التي يجب اعتبارها ملغاة لا شأن ولا قيمة قانونية لها، ويجب أن لا أكون مسؤولً بأية طريقة مهما كانت".

فرضًا فوقَّعها، وإلى جانب توقيعه وضع بخط يده شروطه بالعربية.

ولعل الفارق الحضاري والثقافي والمعرفي المتعلق بشؤون العالم والعلاقات الدولية، لا سيما بين الدول الكبرى، كان كبيرًا جدًا بين العرب والصهاينة. فقد كان العرب يجهلون العلاقات الدولية والحركة الصهيونية جهلً تامًا، بينما كان الصهاينة على معرفة دقيقة وواسعة بهذه العلاقات وبصنّاع القرار السياسي في كل دولة كبرى، وعلى اتصال مباشر بهم، وكذلك سعوا لكسب تأييدهم لمشروعهم الاستعماري الاستيطاني، ونجحوا في ذلك. بعد إتمام مشاورات مؤتمر السلام مباشرة، يتمّ تحديد الحدود النهائية بين الدول العربية وفلسطين من ق بل لجنة يتفق الطرفان عند إنشاء دستور إدارة فلسطين، تُتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية

يجب أن تُتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مدى واسع، والحث عليها بأقصى ما يمكن من السرعة، لاستقرار المهاجرين في الأرض عن طريق الإسكان الواسع والزراعة الكثيفة. وأثناء اتخاذ مثل هذه الإجراءات يجب

يجب ألّ يُسنَّ نظام أو قانون يمنع، بأي طريقة كانت، ممارسة الحرية الدينية والقيام بالعبادات أو يُتدخل في ذلك، من دون

تقترح المنظمة الصهيونية أن ترسل إلى فلسطين لجنة من الخبراء لتقوم بدراسة الإمكانات الاقتصادية في البلاد، وأن تقدم تقريرًا عن أحسن الوسائل للنهوض بها، وستضع المنظمة الصهيونية اللجنة المذكورة تحت تصرف الدولة العربية من أجل دراسة الإمكانات الاقتصادية في الدولة العربية، وأن تقدّم تقريرًا عن أحسن الوسائل للنهوض بها. وستسخدم المنظمة الصهيونية أقصى جهودها لمساعدة الدول العربية من خلال تزويدها بوسائل استثمار الموارد الطبيعية والإمكانات الاقتصادية في البلاد. يوافق الفريقان المتعاقدان على العمل بالاتفاق والتفاهم التاميَن في جميع الأمور التي شملتها هذه الاتفاقية لدى مؤتمر الصلح.

"يجب أن أوافق على المواد المذكورة أعلاه بشرط أن يحصل العرب على استقلالهم، كما طلبت بمذكرتي المؤرخة في الرابع من شهر [كانون

يتضح من نص هذه الاتفاقية أنها لم تكن حصيلة مفاوضات بين طرفين متساويين، وإنما هي اتفاقية فُرضت على الأمير فيصل

خلاصة القول، إن العرب - نتيجة جهلهم بالحركة الصهيونية - كانت ردود فعلهم على تصريح بلفور مشتتة ومترددة وضعيفة.

  1. أنطونيوس، ص 592  -  595.

المراجع

العربية

للملايين، 1987.

الوحدة العربية، 2010.

المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.

الجزيرة للدراسات/ الدار العربية للعلوم ناشرون، 2016.

محافظة، علي. العلاقات الألمانية -الفلسطينية، 1841  -  1945. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981.

________. الحركات الفكرية في عصر النهضة في فلسطين والأردن. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1987.

________. موقف فرنسا وألمانيا وإيطاليا من الوحدة العربية، 1919  -  1945. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.

المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002.

والنشر، 2018.

دراسات الوحدة العربية، 2010.

الأجنبية

أنطونيوس، جورج. يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. ط 8. بيروت: دار العلم الشلبي، سهيلا سليمان. شكري العسلي، 1868  -  1916: من أجل الاستقلال العربي ومقاومة الصهيونية. بيروت: مركز دراسات فن، جيمس. أزمنة مثيرة: وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس، 1853  -  1856. ترجمة جمال أبو غيدا. بيروت: مجموعة مؤلفين. الطريق إلى سايكس - بيكو: الحرب العالمية الأولى بعيون عربية، رشيد خشانة (محرر). الدوحة/ بيروت: مركز ________. الفكر السياسي في فلسطين في نهاية الحكم العثماني حتى نهاية الانتداب البريطاني، 1918  -  1948. ط 2. بيروت: منصور، جوني. مئوية تصريح بلفور (1917  -  2017): تأسيس لدولة وتأشيرة لاقتلاع شعب. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات نصيرات، فدوى. دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين، 1876  -  1909. بيروت: مركز

• " Faisal and Weizmann." Arab Bulletin. no. 93 (June 18 , 1918).

• Hogarth, David. "Mission to King Hussein." Arab Bulletin. no. 77 (January 27 , 1918).

• Schneer, Jonathan. The Balfour Declaration: The Origins of Arab-Israeli Conflict. London: Bloomsbury

Publishing, 2011.

• Seltzer, Robert M. Jewish People, Jewish Thought: The Jewish Experience in History. New York and London:

Macmillan Publishing Co./ Collier Macmillan Publishers, 1980.

• Stein, Leonard. The Balfour Declaration. Jerusalem and London: The Magnes Press, The Hebrew University/

The Jewish Chronicle, 1961.