مراجعات في التاريخ التركي العثماني: قراءة في كتاب نحن وتاريخنا لإلبر أورطايلي
Revisions of Ottoman Turkish History A Reading of We and Our History by Ilbert Ortayli.
الملخّص
الكاتب: إلبر أورطايلي ترجمة وتحقيق: عبد القادر عبد اللي. عنوان الكتاب: إعادة اسكتشاف العثمانيين، نحن وتاريخنا. الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت. سنة النشر: 2015. عدد الصفحات: 229 صفحة. تعتبر المراجعات مهمة علمية جديرة بالاهتمام، وأكاد أقول إن المراجعة هي أساس العلم، لا سيما في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فهي تؤكد حيوية الحقول البحثية. لقد تأثرت الكتابة التاريخية عن الدولة العثمانية بمؤثرات أيديولوجية، ولبست هذه الكتابة لبوسًا أيديولوجيًا منذ فترة طويلة. ففي أوروبا تأثرت برغبة القوى الأوروبية في التخلص من الرجل المريض، فنسجت النظريات حول تاريخ الدولة العثمانية. وفي العالم العربي وقع العرب في فخ الاستعمار، فربطوا الجمود والانحطاط بسيادة العثمانيين على أوطانهم. أما في تركيا فقد هُمشت الدراسات العثمانية فترة طويلة، وأولى الأتراك الفترات السابقة على تأسيس الدولة العثمانية اهتمامًا كبيرًا، بل عادوا بعيدًا إلى التاريخ القديم مهووسين بالبحث عن هُوية مفقودة. ومنذ فترة ليست بالقصيرة، تصدى باحثون سواء في الغرب أو في العالم العربي، على نحو أقل، وكذلك في تركيا، لمراجعة ما تكوَّن عن الدولة العثمانية من أحكام معظمها مُجانبٌ للصواب. ومن بين المؤرخين الأتراك الذين تصدوا لهذا الموضوع إلبر أورطايلي. لم يكن أورطايلي الوحيد من المؤرخين الأتراك الذي سكنه هاجس المراجعة؛ بل سبقه إلى ذلك ثلة من المؤرخين. وارتكزت هذه المراجعات على البحث العميق في الأرشيف العثماني وأرشيفات البلدان التي ارتبطت بها الدولة العثمانية وحفظت الوثائق التي ارتبطت بهذه العلاقات.
Abstract
Review of the Arabic translation of Ilbert Ortayli's Tarihimiz ve biz.
- الدولة العثمانية
- الكتابة التاريخية
- إلبر أورطايلي
- Ottoman Empire
- history
تعتبر المراجعات مهمة علمية جديرة بالاهتمام، وأكاد أقول إن المراجعة هي أساس العلم، لا سيما في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فهي تؤكد حيوية الحقول البحثية. لقد تأثرت الكتابة التاريخية عن الدولة العثمانية بمؤثرات أيديولوجية، ولبست هذه الكتابة لبوسًا أيديولوجيًا منذ فترة طويلة. ففي أوروبا تأثرت برغبة القوى الأوروبية في التخلص من الرجل المريض، فنسجت النظريات حول تاريخ الدولة العثمانية. وفي العالم العربي وقع العرب في فخ الاستعمار، فربطوا الجمود والانحطاط بسيادة العثمانيين على أوطانهم. أما في تركيا فقد هُمشت الدراسات العثمانية فترة طويلة، وأولى الأتراك الفترات السابقة على تأسيس الدولة العثمانية اهتمامًا كبيرًا، بل عادوا بعيدًا إلى التاريخ القديم مهووسين بالبحث عن هُوية مفقودة. ومنذ فترة ليست بالقصيرة، تصدى باحثون سواء في الغرب أو في العالم العربي، على نحو أقل، وكذلك في تركيا، لمراجعة ما تكوَّن عن الدولة العثمانية من أحكام معظمها مُجانبٌ للصواب. ومن بين المؤرخين الأتراك الذين تصدوا لهذا الموضوع إلبر أورطايلي. لم يكن أورطايلي الوحيد من المؤرخين الأتراك الذي سكنه هاجس المراجعة؛ بل سبقه إلى ذلك ثلة من المؤرخين. وارتكزت هذه المراجعات على البحث العميق في الأرشيف العثماني وأرشيفات البلدان التي ارتبطت بها الدولة العثمانية وحفظت الوثائق التي ارتبطت بهذه العلاقات. ولعل من بين شروط المراجعة التي ارتكز عليها المؤرخون الأتراك ما يلي: أولً: التعامل مع الإنتاج الأجنبي، فلم يضع هؤلاء المؤرخون إنتاج الغرب واجهة للصراع، بل عملوا على الاستفادة من التراكم المعرفي الذي حققه الغرب متنبهين إلى مزالقه، ولعل أحسن مثال على ذلك ما كتبه خليل إينالجيك Inalcik Halil، الذي مثّل كتابه عن العصور الكلاسيكية فاتحة هذه المراجعات. ثانيًا: الإمساك بالأدوات التي تسمح بالمراجعة البنَّاءة، ومن بين هذه الأدوات اللغة أو لغات الأرشيفات، إذ كرّس هؤلاء جهودهم للتمكن من اللغة العثمانية أولً ثم لغات أخرى كالبرتغالية بالنسبة إلى صالح أزبران مثلً والألمانية بالنسبة إلى إلبر أورطايلي وآخرين. نشر أورطايلي دراسات عدة تنخرط ضمن توجه المراجعات، فقد خصص أبحاثه الأولى للحياة داخل القصر العثماني، ثم عكف على دراسة الإصلاحات والتنظيمات والدور الذي قامت به ألمانيا في هذه الإصلاحات. وقد ركّز في هذا الباب على الإدارة المحلية بعد التنظيمات خلال الفترة 1840 - 1878، وقاده هذا العمل الضخم إلى الاهتمام بالبحث في تاريخ البلديات في تركيا، كل هذا قبل أن ينتبه إلى أهمية القرن الثامن عشر في فهم خلفيات الإصلاحات والتنظيمات، إذ أنجز كتابه القرن الثامن عشر: القرن الأطول. وفي السنوات الأخيرة سكنه هاجس المراجعات فنشر سلسلة مكونة من أربعة أجزاء بعنوان: إعادة استكشاف العثمانيين، التي يمثّل كتاب نحن وتاريخنا الجزء الرابع منها. يقع الكتاب في 229 صفحة، ويتوزع على 28 فصلً، خصصها المؤلف لمراجعة العديد من القضايا المرتبطة بنظرة الأتراك إلى تاريخهم. وتشمل هذه النظرة بعض الأفكار التي غدت بمنزلة مسلّمات بالنسبة إلى المؤرخين والباحثين الأتراك وحتى الأجانب على العموم. ويمكن أن نجمل هذه المراجعات التي يحفل بها الكتاب في سبعة محاور، يمكن القول إنها تخترق الفصول الثمانية والعشرين للكتاب. وهذه المحاور هي: المحور الأول، يتعلق بمسألة الوعي التاريخي وتكوين الهُوية التاريخية لتركيا التي يتعرض لها في الفصل الأول، إذ يرى المؤلف أن هذا المصطلح بات يستعمل بكثير من الاستخفاف خاصة في الكتابات التركية. ويعترف بأنه من الصعب وضع تعريف متفق عليه، بيْد أنه يقترح تعريفًا بسيطًا يتمثل في كون الوعي التاريخي هو مجموع القيم التي يلتف حولها المجتمع، وتأتي على رأس قائمة ما يشكّل هذا المشترك اللغة والدين والأرض. ويرى أن هذا المشترك لا يتأسس إلا في إطار مدى زمني طويل بما في ذلك اللغة، فاللغة بدورها تتشكل من خلال عيش مشترك ضمن تاريخ أو زمن طويل. في هذا الباب يتوقف المؤلف في الفصل الثالث ليراجع مُسلَّمة مفادها "أن تركيا هي
ثمرة الجمهورية، فالأمة التركية أسست دولة حديثة ووطنًا جديدًا، وبالنتيجة فإن تاريخنا يبدأ بتأسيس الجمهورية" (ص. 12). يرى أورطايلي أن هذا أكبر خطأ يرتكبه العديد من المؤرخين والمثقفين؛ ذلك أن الفترة الجمهورية لا تمثّل سوى الصفحة الأخيرة من صفحات التاريخ الطويل، ولا يمكن تجاهل القرون السبعة من التاريخ العثماني التي تشكلت فيها هُوية تركيا، والوعي التاريخي المشترك بُني خلال هذه المرحلة الطويلة من التاريخ. يقف أورطايلي في فصل آخر عند تسمية تركيا، ويرى أن هذا الاسم أطلقه الغير على هذا المجال الجغرافي بحسب القومية الطاغية، وفي ذلك إصرار على ربط الجغرافيا بالهُوية القومية مثلما يقع بالنسبة إلى العديد من المجالات كفرنسا مثلً. المحور الثاني، يتعلق بصناعة التاريخ أو بصنعة التاريخ، وفي إطارها يعالج المؤلف مسألة الجهل باللغات وكتابة التاريخ، ويعتبر أن هناك علاقة وطيدة بين علم التاريخ وعلم اللغات أو العلم باللغات. ويرى أنه لا يمكن تصور مؤرخ عن العصر البيزنطي لا يعرف اللغة اليونانية. وعدم معرفة المؤرخين باللغة العثمانية مهما بلغت درجة احترافيتهم لا يمكن إلا أن يكونوا مؤرخين هواة. ولطالما جرى الربط بين التكوين اللغوي ومؤسسات ومدارس مثلما حدث في فرنسا عندما أسست مدرسة اللغات الشرقية في باريس، بيْد أن هذا الربط لا يمكن أن يكون صحيحًا دائمًا، ويكفي أن نضرب مثلً بالعالِم الشهير المُحدِّث البخاري الذي لم يكن ليتمكن من الفهم الجيد للإسرائيليات لو لم يكن على دراية كافية باللغة العبرية. هذا التمكن من اللغات هو الذي جعل الألمان على دراية كبرى بالثقافتين التركية والفارسية، ويرجع الفضل إلى المؤرخ النمساوي جوزيف هامر الذي استطاع أن ينقل بأمانة منطوق النصوص التركية والفارسية، وأدى دورًا كبيرًا في التأثير الذي مارسه حافظ الشيرازي في غوته. وهذه الأعمال أبهرت فريدريك إنجلز الذي اعترف بهزالة الإنتاج البريطاني حول الدولة العثمانية وغياب عمقه. يرى إلبر أورطايلي أن مثل هذا التكوين هو ما يفتقده المؤرخون الأتراك المعاصرون، بل يذهب إلى أكثر من ذلك عندما يصف الأتراك بضعف الثقافة التاريخية (ص. 19). ويعطي مثالً لذلك بكيفية تناول المؤرخين قيام الدولة العثمانية. فقد اختلفوا حول تاريخ قيام الدولة، ووضعت سنة القيام اعتباطًا في الفترة 1299 - 1301 م. والسبب هو غياب نصوص تاريخية تساهم في حسم هذا الموضوع، ففي الفترة 1300 - 1440 م، ليس هناك أي سجل لأحداث الدولة الجديدة، وهو ما "حوَّل تأسيس الدولة العثمانية إلى أسطورة". ولكن ألم يكن بإمكان المؤرخ العودة إلى نصوص سجلات البندقية وجنوة، فأفضل نسخة للجد قورقت korkut Dada وجدت في مكتبة الفاتيكان في إيطاليا (ص. 27). لا يمكن، كما يقول إلبر أورطايلي، تناول ماضي الدولة العثمانية فقط بالاعتماد على النصوص المحلية، بل ينبغي أن نتناول تقييم الآخرين أيضًا. و"إذا أردنا تناول الحضارة العثمانية ودولتها فإننا مضطرون لطَرق مصادر مختلفة من أجل فهم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لدولة عاشت ستة قرون وتأسست على جغرافية أمم عديدة وأدارت مجموعات قومية مختلفة" (ص. 136). ولا يقتصر هذا الأمر على الباحثين والمؤرخين الأتراك بل ينطبق أيضًا على الباحثين الأجانب. ومن ثمَّ يُنهي أورطايلي الفصل المتعلق بصنع التاريخ بنبرة تشاؤمية، ويرى أن "التأريخ العثماني في وضع يرثى له [...] ولم يقدم أبناء هذا البلد ولا الأجانب الذين يجب أن يبحثوا في هذا الأمر مساهمة كبرى في هذا المجال، ولم تخطُ خطوات ملموسة فيه" (ص. 28). وعلاوة على مسائل اللغة والأرشيف والنصوص المعتمدة، يطرح أورطايلي قضية المنهج، ويرى أن بعض الموضوعات يقتضي اتّباع نهج التاريخ المقارن (ص. 203)، فهي السبيل الوحيدة من أجل فهم التاريخ فهمًا صحيحًا. في هذا الباب يطرح إعادة النظر فيما يسمى الإبادة (إبادة الدولة العثمانية للأرمن)، فهناك، من جهة، المصطلح الذي أطلق على الأحداث التي عرفتها سنة 1915، إذ يخلط المؤرخون، بما في ذلك الأتراك، بين "الإبادة" و"المجزرة". ومن جهة ثانية مسألة المساومة بالتاريخ، فقد نشأ تيار داخل تركيا يقول بالقبول "بالإبادة لكي نقبل بأوروبا"، وهو تيار بدأ يتقوى مع مرور الزمن. وهو أمر يرفضه أورطايلي ويرى أن "الإبادة إن وقعت لا تسقط بالتقادم" (ص. 204)، ويرى أنه لا مجال للحديث عن الإبادة على اعتبار أنه لم تكن هناك "بنية تحتية ثقافية وإدارية للإبادة"، فلا نجد في الأدب الشعبي التركي أي تحريض على الأرمن يثير الكراهية ضدهم كما الشأن بالنسبة إلى يهود أوروبا في القرن التاسع عشر. إن القول بالهولوكوست
الأرمني في أوروبا، خاصة في ألمانيا، تحرّكه الرغبة في البحث عن شركاء في الجريمة أو على مجرمين شبيهين، إنه يدخل في إطار تبرير أفعال الإبادة والقول إنها استمرار لمحاكم التفتيش وما ارتكبه السابقون، وإنها في النهاية تنسجم مع منطق العصر. تعيد قضية "الإبادة الأرمنية" أورطايلي إلى طرح مسألة الأرشيف، ويرى أن من يقول إن الأرشيف موصد في وجه الباحثين في هذا الموضوع مجانب للصواب ولا يعرف الأرشيف العثماني وكيفية كتابة الوثيقة العثمانية. إنهم منخرطون في الدعاية، ولا يستثني المؤلف من هذا الجهل المدافعين عن براءة الدولة العثمانية، "فعندما نفكر دون معلومات نجد أنفسنا أمام حالة هجوم من طرف واتخاذ طرف آخر لموقف الدفاع" (ص
المحور الثالث، يتعلق بالتوسع العثماني وعلاقات المركز بالمحيط، وتخترق هذه القضية فصولً كثيرة بدءًا من الفصل الثالث المخصص ل "تكوين تركيا" ومرورًا ب "السيطرة العثمانية على الأناضول"، وانتهاء ب "الفتوحات العثمانية في البلقان". إن تكوين تركيا مرتبط في البداية بالتوسع في المجال الأوروبي؛ بمعنى أن هذا التكوين مرتبط أساسًا بهذا المجال وليس بالمجال الأناضولي الذي لم تنتبه إليه الدولة العثمانية سوى في الفترات اللاحقة. لم يُعنَ العثمانيون بالأناضول إلا في عام 1402 م عندما وجّهوا حملة إلى أنقرة، غير أن هذا التوجه الأناضولي لم يتكرس إلا بعد عام 1473 وزاد تكريسًا في عهد السلطان سليم الأول عندما قاد معركتين جعلتا الأناضول تحظى بأهمية إستراتيجية في التوسع العثماني. ثمة بعض القضايا التي توقف عندها أورطايلي وهي على قدر كبير من الأهمية، أما القضية الأولى فهي أنه وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية "إمبراطورية عسكرية، ولكن البنى التي أسستها لأهداف عسكرية هي مهمة بالمعنى الاقتصادي أيضًا" (ص. 34). ويتمثل السبب في أن الدولة العثمانية كانت مطالبة بتطوير بُنى المجالات التي سيطرت عليها من أجل تأمين الاستمرارية. أما القضية الثانية فهي أن التوسع العثماني كان مخططًا ومدروسًا؛ عندما توجّه سليم الأول إلى مصر ونجح في القضاء على دولة المماليك، فإن نجاحه يعود بالأساس إلى "معرفته الجغرافية وطقسها وحسب حسابها" (ص. 49)، ولم يكن التفوق في التقنية العسكرية هو الوحيد الذي حسم الصراع مع المماليك كما عرف في كل الكتابات التاريخية التي تناولت الفتح العثماني لمصر عام 1516. توقف المؤلف عند علاقة التوسع بالاقتصاد، وأبدى ملاحظة قد تبدو أول وهلة بسيطة، بيْد أنها عميقة، ويتعلق الأمر بالمقارنة التي يقيمها بين التوسع في الأناضول والتوسع في الروملي أو في بلاد الروم. ففي بلاد الروم أنشأ العثمانيون الجسور والقناطر والطرق وطوّروا تقنيات الري وساهموا في تحسين الإنتاج الزراعي والحيواني إلى درجة دفعت مؤرخًا مثل المؤرخ البلغاري نيكولاي تودوروف1إلى القول إن العثمانيين استثمروا في الروملي حتى على حساب بقاء الأناضول متخلفًا (ص. 53). وهي وضعية استمرت إلى القرن التاسع عشر عندما بدأ العثمانيون يخسرون الأراضي في البلقان. ومع ذلك استمر الاستثمار فيما تبقى من هذه الأراضي، ولا ينبغي أن تغيب عنا مشروعات مدحت باشا في هذه المجالات2. المحور الرابعالذي يثيره المؤلف والذي لا بد أن يسترعي انتباه القارئ يتعلق بقراء التخلف العثماني أو انهيار الدولة العثمانية، إذ ارتبط هذا التدهور عند العديد من المؤرخين بما بات يعرف ب "سلطنة النساء". وكان أول من أعطى هذا التحليل مؤرخ تقليدي لم يستطع أن يستوعب ما حصل في القرن السادس عشر، ويتعلق الأمر بالصدر الأعظم زمن السلطان سليمان القانوني، لطفي باشا، في كتابه آصف نامه. يرى أورطايلي أن ربط التدهور "بقضية سلطنة النساء أو السلاطين الأولاد فيه عملية استسهال [...] وسذاجة بالكتابة" (ص. 119). إن هذه الأمور موجودة في التاريخ ولكنها ليست بالأهمية التي تصورها بعض الكتابات، ومن هنا لا يمكن أن نقيّم التاريخ كله اعتمادًا على هذا. ومثلما ركّزت الكتابات المتعلقة بالانحطاط على قضية النساء والمؤامرات في القصر العثماني، ركّزت على قضية أخرى تتعلق بغدر المتحولين إلى الإسلام renégats Les الذين شكّلوا عصب قوات الإنكشارية. فالعديد من الكتابات يرى أن
"الإنكشارية حضروا لكارثة الإمبراطورية العثمانية لأنهم محولون دينيًا ولا يحملون الدم التركي". لا بد أن نشير هنا إلى لا تاريخية هذا الحكم على اعتبار أن مسألة التحويل انتهت في القرن السابع عشر وأصبح الأناضول مصدر الإنكشارية. المحور الخامس، يتعلق بمراجعات تهم مسألة الإصلاحات بين التحديث والتغريب. لعل من أهم القضايا التي أثارها أورطايلي في هذا الباب هي أن التحديث العثماني يعتبر ظاهرة عالمية بامتياز، على اعتبار "أنها المرة الأولى التي تأخذ فيها إمبراطورية إسلامية من المؤسسات الغربية لتخوض معركة البقاء" (ص. 107). كان التحديث العثماني تدريجيًا، وفي كل مرة كان يجيب عن أسئلة مؤرقة في معركة البقاء. وبعد إصلاح الجيش وتحديثه، توجهت الدولة العثمانية إلى المؤسسات الإدارية وقامت باستحداث الوزارات، ويبدو أن العثمانيين لم يجدوا أي صعوبة في استحداث هذه المؤسسات بالنظر إلى اعتمادها تقاليد الإدارة المركزية العثمانية، وجاء تحديث المجتمع نتيجةً لإصلاح المؤسسات. وفي السياق الإصلاحي انتبهت الدولة العثمانية إلى التعليم، فمدّت يدها إلى المدارس، وكان لهذا الإجراء تأثيرات اجتماعية وبيروقراطية مهمة جدًا؛ فعندما شجعت الدولة العثمانية تدريس البنات، كانت بذلك تخلخل القواعد الاجتماعية. وعندما أصبحت المدرسة أداة لتكوين بيروقراطيي الدولة، أدى ذلك إلى التأثير العميق في اللغة وفي طريقة كتابتها؛ فقد بدأ المثقفون والمتعلمون يكتبون بلغة بسيطة، ولنا في حالة المؤرخ التركي أحمد جودت خير مثال على ذلك. وكانت النتيجة أن جرى تأسيس قواعد اللغة التركية التي نعرفها اليوم، أي إنها وضعت زمن التنظيمات. وفي الوقت نفسه، تنبّهت الدولة العثمانية إلى المجال الاقتصادي فسعت إلى تحديثه وإصلاحه سواء على مستوى التقنيات، إذ أنشأت خطًا للسكة الحديدية وصل إلى أنقرة عام 1894، أو على مستوى التكوين المهني والهندسي، إذ أنشأت كليات للهندسة تخرّج فيها من طوَّر طرقَها وزراعتها، فأثناء الحرب مع اليونان "أكل الجيش التركي أول مرة حبوب الأناضول"، أي إن الدولة العثمانية استغنت نهائيًا عن استيراد الحبوب من روسيا. لعل ما ينبغي أن يقف القارئ عنده هنا هو أن ما أقدمت عليه الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر من خلال التنظيمات كان عملً قاعديًا في أفق تحديث الدولة والمجتمع. ويرى أورطايلي أن المطبوعات أدت دورًا أساسيًا في انتشار قيم الحداثة. وأصبح الأتراك يطّلعون على أخبار الدولة والعالم، واكتست الصحافة - ولعل هذا هو الأهم - طابعًا موسوعيًا. لم تكن الصحافة متخصصة في نقل الأخبار فحسب، بل كانت أداة تكوينية تعرَّف الأتراك من خلالها إلى تاريخ العالم وجغرافيته. وابتدع الأتراك طريقة فريدة لقراءة الصحف تمثلت في الأمكنة التي تدعى "قراءة خانة" وهي التي يجتمع فيها "أكثر من خمسين رجلً تقريبًا حول جريدة واحدة يقرؤها أحدهم ويستمع إليه الباقون" (ص. 113). نتج من هذه الدينامية التحديثية بروز ثقافة عثمانية، أو لنقل، مثقفين عثمانيين، وكان هؤلاء المثقفون ينتمون إلى طوائف وملل مختلفة، ولم يكن هؤلاء المثقفون يستندون إلى جاه أو إلى مال، فقد كانت البيروقراطية العثمانية التي شكّلت عصب الطبقة المثقفة، تتغذى من "القاعدة" في الأناضول منذ تعميم التمدرس (ص. 116). وكانت هذه الثقافة العثمانية هي "هوية العصر". وبخصوص التغريب، يرى المؤلف أنه "لم يحدث بشكل وضعي وعقلي" (ص. 100)، فلم يكن قصد العثمانيين تعلّم الحضارة الغربية والأخذ بها والتحول إليها، بل كان مدخل التغريب مقترنًا بتحديث المؤسسة العسكرية بعد أن وقف العثمانيون على مواطن خللها3. لقد ظهر التغريب العثماني باعتباره حداثة عسكرية، لكنه سرعان ما شمل بقية المجالات، فانتبه العثمانيون إلى أن مواصلة تحديث الجيش غير ممكنة في ظل الأساليب المالية القديمة، ومن ثمَّ كان هذا الارتباط الوثيق بين النظام المالي والعسكري في إصلاحات سليم الثالث (1789 - 1807) مثلً. ولم يكن التغريب على المستوى الحقوقي قرارًا اتخذته الإدارة العثمانية بهدف التغريب فقط، بل
ارتبط بواقع العلاقات التجارية العثمانية – الأوروبية، وبات من الضروري تكييف القوانين التجارية. وبسبب الترابط الموجود بين بقية القوانين، فقد كان من الضروري أن يشمل التغريب القوانين الإدارية والحقوق المدنية. ويرى أورطايلي أن الدولة العثمانية كانت مضطرة إلى الأخذ بشروط العصر الذي عاشته ولم تشكل استثناء في هذا الباب. بيْد أن التغريب العثماني لم يتوقف عند تحديث المؤسسات العسكرية والإدارية للدولة، بل كان التغريب عميقًا عكس ما يراه البعض، وتمثّل في الانفتاح على الفلسفة الغربية وآدابها، وجرت ترجمة العديد من الأعمال، وفي هذا الباب يرى المؤلف "أن ترسيخ الذهنية في الشرق يتم بالرواية والجريدة، وبما تجلبه هذه الأمور من ترجمة وتقليد" (ص. 102). يقف أورطايلي في الفصل المعنون بالتغريب العثماني عند مقارنة التغريب العثماني بالتجربتين الروسية واليابانية (ص 165 - 171). أما القاسم المشترك بين التجربتين الروسية والعثمانية فهو أن التغريب لم يكن بقرار إداري فحسب، بل كان يندرج ضمن سياق بدأ منذ القرن الثامن عشر4. ولم يكن القرار منفصلً عن الواقع وعن الفاعلين الذين كانوا قد تشبّعوا بثقافة الغرب. وهؤلاء هم وقود التغريب في العالمين الروسي والعثماني. وكانت كوادر التغريب تتكون بالأساس من هذه العناصر التي تكونت في المؤسسات العلمية التي أحدثتها الدولة في القرن التاسع عشر ومن بينها ثانوية غلاطة سراي Saray Galata عام 1860. كما أدت العناصر الأجنبية دورًا متميزًا في هذا الباب، ويمكن أن نذكر البارون توت في القرن الثامن عشر، إضافة إلى اللاجئين المجريين والبولونيين الذين تحوّل بعضهم إلى الإسلام وكانوا خبراء في مجالات علمية وعسكرية عديدة. لم يكن بإمكان العثمانيين مواجهة الجيشين الروسي والنمساوي بالتقنيات العتيقة، لذا كانت الدولة العثمانية مضطرة إلى تبنّي الهندسة الغربية التي أدت بدورها إلى إنشاء مدارس للرياضيات من أجل تحديث العلم العسكري. أما الفارق بينهما فيتمثل في أن التغريب في تركيا لم يخُض صراعًا كما حدث في روسيا أو حتى في إيران، إضافة إلى كونه حركة لم تبُنَ أيديولوجيًا ونظريًا. لقد كان التغريب التركي بأقل الآلام. ويبدو أن المجتمع العثماني كان يعيش بوتيرتين؛ وتيرة الانفتاح على الغرب ووتيرة "الإخلاص لما هو قديم والمحافظة على التقاليد بشكل كبير" على النحو الذي أوضحه ستانفورد شاو في كتابه عن السلطان سليم الثالث (ص. 178). بيْد أن التغريب العثماني عانى نقاط ضعف كثيرة إذا ما قورن بالتجارب التغريبية الأخرى بما في ذلك التجربة الإيرانية. ولعل من أهم نقاط الضعف، أن المدافعين عن تغريب التعليم لم يقيِّموا تجربة المدارس الدينية، وقاموا بشطبها من دون الانتباه إلى جودة التعليم فيها والاستفادة منها في تطوير التعليم الحديث. لقد كانت هذه المدارس تدرس المنطق الأرسطي وتدرس الشرائع والقوانين "أفضل حتى من كليات الحقوق الحديثة" التي تم استحداثها في عهد السلطان محمود الثاني والتي بقي تعليمها ضعيفًا إلى درجة دفعت محمد فؤاد كوبريللي بعد قرن من الزمن إلى القول إنه "لا يمكن تعلم أي شيء من هذه المدرسة" وتركها (ص. 168). ومن بين نقاط الضعف أيضًا أن التغريب لم يمسّ الحياة الاقتصادية، وظل تأثيره في المجالين الصناعي والزراعي محدودًا جدًا. فقد ظلت الصناعة العثمانية من دون نهج، كما ظلت الزراعة محدودة فقد "ظل الفلاحون يتوجهون نحو إنتاج ما يلبي حاجة الصناعة الغربية وأسواق الغرب" (ص. 170). وكما كان للتغريب كوادره، كان له داعموه في أوروبا. ومن بين الدول التي دعمت حركة التغريب في الدولة العثمانية ألمانيا التي ارتبطت بعلاقات وثيقة بالدولة. وجرى تحديث الجيش في فترة المشروطية الثانية وفق التعليمات الألمانية والنظام الألماني. وهذا التحديث السريع هو الذي أدى إلى دخول الأتراك الحرب العالمية الأولى (ص. 181). يتوقف المؤلف عند تقييم الدعم الألماني للتحديث العثماني، ويسجل الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: وهي أن من استقدمتهم الدولة العثمانية من المستشارين الألمان كانوا سيئين، ويفسر ذلك بعدم رغبة السلطان العثماني في أن يكونوا مؤثرين، ويعتبر فعلً هذا الازدواج من الأوجه الغريبة في تاريخ السلطان عبد الحميد. الملاحظة الثانية: وهي أن المشروعات الألمانية ومنها مشروع السكة الحديدية كان من بين المشروعات المثيرة للجدل في تاريخ حركة الإصلاح العثمانية. لقد كانت السكة الحديدية متخلفة عن عصرها وإن كانت تبدو أفضل من الناحية التقنية وأحسن من السكك الفرنسية والإنكليزية. لقد أنشئت بطريقة خاطئة وكان إصلاحها مكلفًا للغاية (ص. 180). وبناء عليه، لم تساهم في تحقيق الغايات التي أنشئت من أجلها باستثناء كونها أثّرت في الإنتاج الفلاحي، إذ ساهم الخط الحديدي في انتشار حقول زراعة الحبوب من حواليه وأدى ذلك إلى الاستغناء عن حبوب البلقان. المحور السادس، يتعلق بمراجعات عن الصور النمطية التي تكوّنت عن بعض الفترات، خاصة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ فالقرن الثامن عشر غالبًا ما اختزل في "الحروب مع النمسا وروسيا إضافة إلى قضية الخلافة"، وهو أمر نلاحظه في الكتابات الموسوعية عن الدولة العثمانية، ولنا في الكتاب الذي أشرف عليه روبير مونتران5 خير مثال على ذلك، إذ تم التركيز غالبًا على الخسارات المجالية للدولة العثمانية. إن القرن الثامن عشر هو القرن الذي افتتح بمعاهدة كارلوفجة التي وقعت في السنة الأخيرة من القرن السابع عشر (26 كانون الثاني/ يناير 1699). وكانت أحداث القرن الثامن عشر بصورة عامة عاقبة من عواقب هذه الاتفاقية. ومن هذا المنطلق درس معظم الدارسين انعكاسات هذه المعاهدة وتبعاتها6، بيْد أن ما لم يجر الانتباه إليه قضيتان أساسيتان: الأولى، تتعلق بكون الدولة العثمانية لم تعد منذ ذلك الحين قوة ذات امتياز اقتصادي في القرن الثامن عشر. كان العثمانيون قبل معاهدة كارلوفجة يتحكمون في منح الامتيازات، كانت هذه الامتيازات تقتصر على الدول التي ترتبط بعلاقات ودية بالدولة العثمانية، غير أنها أصبحت تفرض بالقوة بعد هذه المعاهدة. الثانية، تتعلق بتراجع الدولة في النظام الزراعي، وكانت النتيجة أن شرعت في التحول من الناحية المالية إلى المركزية الشديدة، فقد ألغيت في بداية القرن الثامن عشر صلاحيات جميع الإدارات المركزية وتسلمت العملية إدارة مركزية واحدة. وهذا التحول لم يكن سهلً في أي مكان، فقد خاضته فرنسا طوال القرن السابع عشر ولم تفلح فيه روسيا. أما بالنسبة إلى القرن التاسع عشر، فقد وصف عادة بأنه "قرن التقهقر"، وهذا صحيح إذا ما نظرنا إلى ما خسرته الدولة العثمانية من الأراضي، أي إذا تركز بحثنا على "الخرائط" (ص. 111). غير أن قراءة متأنية لما حدث في هذا القرن على مستويات عدة اقتصادية ومؤسسية واجتماعية تجعلنا نقول إن القرن التاسع عشر كان قرن التحولات التي عرفها المجتمع التركي والدولة العثمانية اللذان كانا يتجددان ويضعان أسسًا متينة في بناء دولة حديثة. وعلاوة على ذلك، يتميز القرن التاسع عشر بكونه مرحلة عرفت زخمًا منقطع النظير في الكتابات حول العالم العثماني، وهنا لا بد من تأكيد الدور الذي تقوم به هذه النصوص في كتابة تاريخ الدولة العثمانية (ص. 136)، حقيقة أن هؤلاء لم يتناولوا هذه المرحلة بملاحظة المحيط المادي، بل أطّروها بأحكامهم المسبقة، ولكن لا يمكن أن نشطب هذه الأحكام بجرة قلم، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن نتجاهلها أيضًا. فأصحاب هذه الكتابات كانوا على دراية كافية بالمجتمع (ص. 137). في هذا الإطار يرى أورطايلي أن ترجمة هذه الكتابات إلى اللغة التركية لا شك في أنها ستغني المعرفة التاريخية المتعلقة بالدولة العثمانية، وتمكّن من المعرفة الجيدة بهذا القرن ومراجعة نظرتنا إلى القرن التاسع عشر بوصفه "قرن التقهقر".
المحور السابع، يتعلق بالمسألة الثقافية في التاريخ التركي العثماني. ومن القضايا التي يطرحها أورطايلي قضية الرواية التاريخية في تركيا. وبعد استعراض سريع لوضع الروايات التاريخية في ألمانيا وبولونيا، ينتهي المؤلف إلى خلاصة تتمثل في أن الرواية التاريخية في تركيا ظهرت متأخرة، لكنها لا تقدم معطيات الرواية التاريخية ولا نماذج متنوعة (ص. 214). كانت الرواية التاريخية الأولى تلك التي أصدرها كمال طاهر بعنوان الأم دولة، والتي استعرضت الأدوار الأولى للدولة العثمانية. والحقيقة أن هذه الرواية، على الرغم من أهميتها، لم تناقش بالجدية اللازمة، وعكست واقعًا مترديًا للنقد الروائي في تركيا آنذاك. وبقدر ما كانت الرواية التاريخية محدودة كان المسرح المستلهم للتاريخ محدودًا أيضًا. لقد كانت مسرحية رشاد نوري تساقط الأوراق dokumu Yaprak رائدة في هذا الباب، وناقشت سير التغيير في عائلة، وكيفية مواجهة عائلة نازحة إلى إسطنبول التغيرات التي شهدها المجتمع التركي نتيجة اختراقه من الحضارة الغربية. يروي رشاد نوري أن رب عائلة استقال من وظيفته نتيجة تذمره من الأجواء العامة التي سادت الإدارة العثمانية في القرن التاسع عشر ويوضح مواجهته ردات فعل أسرته الصغيرة، المكونة من زوجته وأبنائه الخمسة، والمجتمع الإسطنبولي العاجز عن مقاومة التيارات الغربية الجارفة. ولقيت هذه المسرحية نجاحًا بفعل "شعور المجتمع بضرورة إجراء محاسبة تاريخية لمرحلة التغريب" (ص. 215). يطرح أورطايلي في باب الفنون المرتبطة بالتاريخ، لا سيما الرواية التاريخية والمسرح، مسألتين بالغتي الأهمية، أما الأولى فتتعلق بمدى إخلاص الروائي أو الكاتب المسرحي للوقائع التاريخية إخلاص الباحث المؤرخ، ويعتبر أنه ليس من الضروري أن يكونا كذلك شريطة عدم الانحراف أو تحريف الوقائع. والثانية أنه لا يتوقع قفزات مهمة في الرواية التاريخية حيث لا تتطور الأبحاث الأكاديمية، فهناك علاقة وطيدة بين البحث التاريخي الأكاديمي وهذه الفنون من حيث اضطرار كتَّاب الرواية إلى الاطلاع الدقيق على الأبحاث الأكاديمية؛ فلا يكفي أن يتوافر مبدعون موهوبون لكتابة هذا الفن الذي يستلزم معرفة دقيقة بالوقائع وسياقاتها. على مستوى آخر يثير المؤلف قضية المتاحف في التاريخ التركي العثماني ويعرض كيفية إنشائها في أوروبا في القرن الثامن عشر. ويقر أن تركيا العثمانية لم تكن خارج هذا الأمر بل كانت سبَّاقة إلى ذلك، منذ زمن السلطان محمد الفاتح. لقد اعتنى هذا السلطان بجمع التحف وأحدث لها مجالً لحفظها، ولم يكتف الفاتح بالعناية بالمجوهرات بل جمع التماثيل والمجموعات الخزفية التي تقدر ب 1200 قطعة، بيْد أن هذه التجربة توقفت، وإن كان السلطان سليمان القانوني قد أغناها بجلب مكتبة ماتياس من بودا (ص. 219). واستُؤنفت هذه التجربة في القرن التاسع عشر في إطار حركة التغريب العثمانية. ولكن الانطلاقة الحقيقية للمتحفية التركية كانت مع العهد الجمهوري في إطار تصور جديد للتاريخ الوطني وإعادة بناء الهوية التركية. ولم تكلل هذه التجربة مع ذلك بالنجاح، ولقيت مصير سابقتها نفسه في العصر العثماني، ويربط أورطايلي فشلها بالفقر و"ليس نتيجة الجهل" ويترجم هذا الأمر في خروج العديد من التحف النادرة مقابل مبالغ مالية زهيدة. ويخص أورطايلي المطبعة والكتاب في الدولة العثمانية ببعض المراجعات، ولعل من بينها ذلك الربط الوثيق بين استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، فهذا الاستبدال الذي ليس قصرًا على الأتراك فقط بل سبقت إلى ذلك ألبانيا وأذربيجان، لا يرتبط فحسب بتنظيم قواعد الإملاء في اللغة التركية (ص. 225) أو لأغراض صواتية كما سبق أن بينّا في موضع سابق7، ولكن بالرغبة الملحّة أيضًا في استخدام المطبعة بشكل رخيص من أجل تحقيق هدف تعميم لهجة إسطنبول التركية لتطغى على اللهجات المحلية. ساهمت المطبعة في تسريع تعليم الناس ونشر القراءة والإسهام في التنوير، وكانت بمنزلة أداة تحديثية، غير أن الأتراك، على الرغم من ابتداع المطبعة، ظلوا أوفياء لنسخ الكتب وتقليد قراءة خانة التي أشرنا إليها سابقًا. إن كتاب نحن وتاريخنا جدير بالقراءة، ويعكس النظرة النقدية لتاريخ تركيا، ولا يتوقف عند السجال الذي ميز العديد من الكتابات. إنه يعكس نضج الكتابة التاريخية التركية وتعاطيها مع التاريخ العثماني وتاريخ تركيا الجمهورية.
المراجع
العربية
بنحادة، عبد الرحيم. العثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة. الدار البيضاء: مطبعة النجاح، 2008.
الأجنبية
References
• Bonine, Michael. “The Balkan City 1400-1900 , by Nikolai Todorov.” Review of Middle East Studies. vol. 18. no. 1
(July 1984).
• Shaw, Stanford J. “The Origin of Ottoman Military Reform: The Nizam-I Cedid Army of Sultan Selim III.”
Journal of Modern History. vol. 37. no. 3 (1965).
• Mantran, Robert. Histoire de l'empire Ottoman. Paris: Fayard, 1989.
• Lewis, Bernard. Europe-Islam: Actions et réactions. Paris: Gallimard, 1992.