Return to Article Details The Role of Herbert Samuel in Instituting and Implementing the Balfour Declaration 1914-1925

دور هربرت صموئيل في التأسيس لتصريح بلفور وتنفيذه (1914-1925)

The Role of Herbert Samuel in Instituting and Implementing the Balfour Declaration 1914-1925

محمد ماجد الحمزاوي

Mohammed Majid Al-Hazmawi

الملخّص

عندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914 نظر إليها زعماء الصهيونية على أنها فرصة لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية بمساعدة إحدى الدول الأوروبية، على الرغم من أنّ الصهيونية اتخذت في بداية الحرب موقفًا محايدًا، وذلك بهدف الوقوف على ميزان القوى ثمّ اختيار الدولة التي ستقف إلى جانبها تحقيقًا لأهدافها. فأخذ عدد من زعماء الصهيونية، على الرغم من هذا الموقف، على رأسهم حاييم وايزمان Chaim Weizmann وهربرت صموئيل Herbert Samuel وغيرهما، يُجري الاتصالات مع عددٍ من رجال السياسة الإنكليزية، انطلاقًا من اقتناعٍ بأنّ اليهود سيجدون في بريطانيا نصيرًا لهم. ومن هنا، حاولت الصهيونية إغراء بريطانيا بأهمّية الربط بين المصالح والأطماع الاستعمارية نحو فلسطين، وذلك من خلال العمل على تشجيع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين ومن ثمّ ضمان الحفاظ على المصالح البريطانية وحماية نفوذها، خصوصًا في قناة السويس. لقد أسفرت هذه الاتصالات عن إقناع العديد من الشخصيات السياسية البريطانية بضرورة تبنّي المشروع الصهيوني الذي تُوِّج بإصدار وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور Arthur Balfour في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 تصريحه المعروف باسمه.

Abstract

Professor of Modern and Contemporary History in the Department of Humanities, University of Qatar.

الكلمات المفتاحية:
  • وعد بلفور
  • فلسطين
  • إسرائيل
  • الانتداب البريطاني
Keywords:
  • Balfour Declaration
  • Palestine
  • Israel
  • British Mandate
  • Herbert Samuel

مقدمة

بذلت الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر جهودًا في تعزيز وجودها في فلسطين وإنشاء عدد من المستوطنات اليهودية، ومحاولة الحصول على براءةٍ واعتراف دولييَن بحقّ اليهود في إقامة دولتهم في فلسطين. لكن بقيت هذه الجهود تفتقر إلى التنظيم والتخطيط حتى تطوّرت إلى حركة سياسية على يد ثيودور هرتزل Herzl Theodor الذي يُعدّ المؤسِّس الحقيقي للصهيونية السياسية؛ حيث تمكّن من صياغة الأفكار الصهيونية في حركة سياسية ذات طابع عالمي عندما نجح في عقد أوّل مؤتمر صهيوني عالمي عام 1897 في مدينة بازل بسويسرا. وفي هذا المؤتمر تمّ الإعلان عن ولادة المنظمة الصهيونية العالمية، وتمّ اتخاذ القرار الرئيس بأنّ هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام. وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914 نظر إليها زعماء الصهيونية على أنها فرصة لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية بمساعدة إحدى الدول الأوروبية، على الرغم من أنّ الصهيونية اتخذت في بداية الحرب موقفًا محايدًا، وذلك بهدف الوقوف على ميزان القوى ثمّ اختيار الدولة التي ستقف إلى جانبها تحقيقًا لأهدافها. فأخذ عدد من زعماء الصهيونية، على الرغم من هذا الموقف، على رأسهم حاييم وايزمان Weizmann Chaim وهربرت صموئيل Samuel Herbert وغيرهما، يُجري الاتصالات مع عددٍ من رجال السياسة الإنكليزية، انطلاقًا من اقتناعٍ بأنّ اليهود سيجدون في بريطانيا نصيرًا لهم. ومن هنا، حاولت الصهيونية إغراء بريطانيا بأهمّية الربط بين المصالح والأطماع الاستعمارية نحو فلسطين، وذلك من خلال العمل على تشجيع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين ومن ثمّ ضمان الحفاظ على المصالح البريطانية وحماية نفوذها، خصوصًا في قناة السويس. لقد أسفرت هذه الاتصالات عن إقناع العديد من الشخصيات السياسية البريطانية بضرورة تبنّي المشروع الصهيوني الذي تُوِّج بإصدار وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور Balfour Arthur في 2  تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 تصريحه المعروف باسمه.

أولً: نشاط هربرت صموئيل وجهوده يف خلال فترة الحرب العالمية الأولى

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى وإعلان الدولة العثمانية وقوفها إلى جانب ألمانيا والنمسا ضدّ دول الحلفاء التي ضمّت كلًّ من بريطانيا وفرنسا وروسيا، أخذت الحركة الصهيونية تنشط لتحقيق الحلم الصهيوني في إقامة الوطن القومي اليهودي المزعوم على أرض فلسطين، وكان هربرت صموئيل من أبرز الشخصيات البريطانية التي أخذت تطرح مسألة فلسطين ومستقبلها بعد انتهاء الحرب.

  1. كلية الآداب والعلوم– جامعة قطر.

ففي 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، عرض صموئيل على وزير الدولة للشؤون الخارجية اللورد إدوارد غراي Grey Edward مذكرته الأولى بشأن فلسطين التي أشار فيها إلى أنّ الدولة العثمانية بعد دخولها الحرب ستنهار وستختلف دول الحلفاء فيما بينها على مستقبل فلسطين، لذا ستكون الفرصة سانحة لتحقيق أماني الشعب اليهودي القديمة في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين. وفي اليوم ذاته، تحدّث صموئيل بشأن هذه المقترحات مع وزير المالية في الحكومة البريطانية لويد جورج George Lloyd الذي أبدى تأييده الحاسم لذلك، غير أنّ غراي الذي أيّد الاقتراح لم يكن يتصوّر كما يبدو إنشاء كيان سياسي مستقلّ في فلسطين، ففضّل إنشاء مركز ثقافي يهودي1. ويبدو أن في هذه الفترة لم يكن بين حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية وهربرت صموئيل تنسيق أو انسجام، بل إنّ وايزمان كان يعتقد أنّ صموئيل يُعدّ من الشخصيات اليهودية البريطانية المعارضة للمشروع الصهيوني، فيروي في مذكراته أنه اجتمع مع محرّر جريدة المانشستر غارديان Guardian Manchester The المستر ج. ب. سكوت Skoot. B. G وكان معروفًا بميله إلى اليهود وحبّه لهم، واقترح عليه أن يرتب له لقاءً مع لويد جورج في حكومة أسكويث Asquith، وخاطبه بالقول: "إنّ لكم يهوديًا في الحكومة هو المستر هربرت صموئيل، فقلت له بحرارة أو بما يشبه قلة الذوق "لأجل الله يا مستر سكوت [...] لا تدع لنا علاقة بهذا الرجل"، ويضيف وايزمان قائلً "لقد كنت أعتقد أن هيربرت صموئيل هو من نوع اليهود الذين يعارضوننا، وثبت فيما بعد أنّ كنت مخطئًا"2. وتُوّجت هذه الجهود بعقد اجتماع بين وايزمان ولويد جورج بحضور كلٍّ من سكوت وصموئيل واثنيَن آخرَين وذلك في 3 كانون الأول/ ديسمبر 1914. وفي هذا اللقاء استفسر لويد جورج من وايزمان بشأن فلسطين والمستعمرات اليهودية فيها، وعدد اليهود الموجودين فيها، والعدد الذي من الممكن إرساله إلى هناك، وقد دُهِش وايزمان من هذا الاجتماع عندما أخذ "هربرت صموئيل يقول ويقدّم بعض الآراء والملاحظات والأقوال المشجّعة لأنّ كنت أخشى وجوده في الاجتماع". وأضاف وايزمان أنّ صموئيل ذكر في هذا الاجتماع أنّه "يُعدّ مذكرة لرفعها لرئيس الوزارة عن إنشاء دولة يهودية في فلسطين"، الأمر الذي أثار استغراب وايزمان ودهشته من هذا الطرح حتى إنّه قال "كدت لا أصدّق ما أسمعه"3. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1914، قدّم صموئيل مذكّرة ثانية للحكومة البريطانية اقترح فيها الحماية البريطانية على فلسطين تمنح خلالها المنظمات اليهودية التسهيلات اللازمة للهجرة والاستيطان وإقامة المعاهد التعليمية والتعاون في تطوير اقتصاد البلاد ومع مرور الوقت سينشأ مركز يهودي في فلسطين يحقّق مقدارًا من العظمة الروحية والفكرية يؤدّي إلى رفع معنويات الشعب اليهودي4. وبعد أسابيع قليلة أجرى صموئيل تعديلً على آرائه، فقدّم مسودة مذكّرة لوزارة الخارجية البريطانية أيّد فيها إقامة كومنولث يهودي في فلسطين برعاية بريطانية، وقد جاء هذا الاقتراح بعد أن أدرك أنّ إنشاء دولة يهودية فكرة غير قابلة للتطبيق في ظلّ الظروف الحاضرة آنذاك، لا سيّما أنّ السكان العرب في فلسطين يشكّلون خمسة أسداس عدد السكان. وقد انتقد رئيس الحكومة البريطانية هذه الآراء بقوله: "تلقيّت للتوّ مذكّرة من هيربرت صموئيل بعنوان مستقبل فلسطين [...] أنّه يعتقد أنّنا قد نزرع في هذه المنطقة غير الواعدة ثلاثة أو أربعة ملايين من اليهود الأوروبيين. وأنّ ذلك سيكون له وقع طيّب على أولئك الباقين خلفهم [...] إنّه لتصوير غريب أنْ نجد

  1. عمر عبد العزيز عمر، تاريخ المشرق العربي 1516 - 22 19 (بيروت: دار النهضة العربية، 1985)، ص 498؛ سحر الهنيدي، التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي: فترة هيربرت صموئيل 1920 - 25 19 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003)، ص 110؛ ذياب عبود حسين الفهداوي، "هربرت صموئيل: حياته ودوره السياسي في تأسيس الكيان الصهيوني"، مجلة كلية التربية الأساسية (جامعة الأنبار)، العدد 74 (2012)، ص 218.
  2. حاييم وايزمان، مذكرات قادة الدولة الصهيونية: مذكرات وايزمان، ترجمة هشام خضر (الجيزة: دار طيبة للطباعة والنشر، [د.ت.])، ص 74.
  3. المرجع نفسه.
  4. الفهداوي، ص 218.

هذه النغمة الغريبة نابعة من عقل هيربرت صموئيل الذي يتّسم بالمنطقية والمنهجية"5، غير أنّ هذه الانتقادات لم تثنِصموئيل عن مواصلة جهوده؛ ففي 5 آذار/ مارس 1915 قدم مذكّرة ثالثة بعد أن أجرى بعض التعديلات على مذكّرتيه السابقتين حيث وزّعها على مجلس الوزراء6. طرح صموئيل في مذكّرته عدّة حلول واقتراحات بشأن مستقبل فلسطين في حال أسفرت الحرب العالمية الأولى عن انهيار الدولة العثمانية. واشتملت هذه المذكّرة على خمسة احتمالات: الاحتمال الأول إقدام فرنسا على ضم فلسطين. أمّا الاحتمال الثاني، فيتمثل بترك البلاد بيد الحكم العثماني، وفي هذه الحالة على حدّ زعمه يبقى سكانها "غارقين في القذارة" والتخلّف. ويتمثّل الاحتمال الثالث بالتدويل. وتحدّث في الاحتمال الرابع عن إنشاء دولة يهودية تتمتّع بالحكم الذاتي، غير أنّه أكد أنّ مصير هذه الدولة في تلك الفترة سيُمنى بالفشل، فعدد اليهود في فلسطين لا يساوي سوى سدس السكان الأصليين، لذا قد "يتلاشى حلم الدولة اليهودية المزدهرة والتقدمية، ومَعقل المدنية المتألقة إثر سلسلة من النزاعات القذرة مع السكان العرب. أمّا الاحتمال الخامس فكان إنشاء محميّة بريطانية أو جعل فلسطين ضمن الحماية البريطانية، وهو يرى أن هذا الاحتمال هو الحلّ العملي الوحيد، ويأمل فيما لو تحققت هذه الفكرة بأن تمنح الحكومة البريطانية "تسهيلات للمنظّمات اليهودية في شراء الأراضي وإقامة المستعمرات وإنشاء المؤسسات الدينية والتربوية، والتعاون في التطور الاقتصادي للبلاد، وأن تُعطى الهجرة اليهودية، بعد ضبطها بعناية فائقة، الأفضلية حتى تُمكّن السكان اليهود مع مرور الوقت من أن يصبحوا أكثرية مستوطِنة في البلاد، وبذلك ينالون مقدارًا من الحكم الذاتي وِفقًا لما تتيحه الظروف القائمة فيما بعد7. لم تجد مذكّرة صموئيل صدى لدى رئيس الحكومة أسكويث الذي وصفها بأنّها عبارة عن قصيدة حماسية، كما عارضها أيضًا اللورد كتشنر Kitchener وزير الدولة للحرب، بينما أيّدها لويد جورج الذي أكّد أنّه سيكون من قبيل الإهانة ترك الأماكن الدينية المقدّسة للمسيحيين تخضع لنفوذ فرنسا الملحدة على حدّ تعبيره، كما أيّدها أيضًا ألفرد ملنر Milner Alfred الذي أصبح عام 1917 عضوًا بارزًا في وزارة الحرب8. وبعد استقالة حكومة أسكويث عام 1916 ومجيء لويد جورج إلى الحكم الذي عيّ آرثر بلفور وزيرًا للخارجية، أخذت الأمور تسير لصالح الصهيونية، وتُوِّجت بعد سلسلة من الاجتماعات التي عُقِدت بين العديد من الشخصيات السياسية البريطانية وزعماء اليهود بإصدار تصريح بلفور في 2  تشرين الثاني/ نوفمبر  1917. وبذلك يكون لصموئيل الأثر الأكبر في إصدار هذا التصريح وإقناع الحكومة البريطانية بأهمية المشروع الصهيوني للحفاظ على النفوذ البريطاني في المنطقة.

ثانيًا: تعيين هربرت صموئيل أوّل مندوب سامٍ يف فلسطين

بعد موافقة المجلس الأعلى للحلفاء، في 25 نيسان/ أبريل 1920 في سان ريمو بإيطاليا، على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، تمّ تعيين هيربرت صموئيل مندوبًا ساميًا على فلسطين ليتولى بذلك إدارة أول حكومة مدنية بريطانية في البلاد وينتهي عهد الإدارة العسكرية.

  1. الهنيدي، ص 111؛ الفهداوي، ص 219.
  2. حول النص الكامل لهذه المذكرة انظر: جمهورية مصر العربية، وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، ملف وثائق فلسطين: مجموعة وثائق وأوراق خاصة بالقضية الفلسطينية، الجزء الأول من 637 م- 1949 م، 1969، ص 159 - 163.
  3. المرجع نفسه، ص 159 - 163.
  4. الهنيدي، ص 112؛ الفهداوي، ص 221. ويذكر وايزمان في مذكراته أن لويد جورج "لا يعنيه من اليهود لا ماضيهم ولا حاضرهم ولا مستقبلهم وإنّما هو رجل متعصّب. فهو يفضّل إعطاء فلسطين لليهود على أن لا تذهب إلى فرنسا الكاثوليكية، وفرنسا الكاثوليكية عند لويد جورج هي دولة كافرة" انظر: الحسيني الحسيني معدي، مذكرات حاييم وايزمان: التجربة والخطأ 1874 - 1952 (القاهرة: دار الخلود للنشر والتوزيع، 2015)، ص 132.

وممّا يُذكر أنّ هذا المنصب كان قد عرض على صموئيل في خلال مؤتمر سان ريمو، غير أنّه تخوّف من ردّة فعل السكان العرب، وذلك على اعتبار أنه يهودي، ولذلك تردّد في بداية الأمر في قبول هذا المنصب، ثمّ استشار عددًا من الزعماء اليهود، وخصوصًا حاييم وايزمان، فأشاروا عليه بقبول المنصب ممّا دعاه إلى مراسلة رئيس الحكومة آنذاك لويد جورج يبلغه بموافقته على استلام الإدارة المدنية في فلسطين9. وبذلك تكون الحركة الصهيونية قد أدت دورًا مهمًّا في تعيين صموئيل أوّلَ مندوب سامٍ على فلسطين، وقد أكّد ذلك وايزمان بقوله: "لقد كنت مسؤولً بصفة رسمية عن تعيين السير هربرت صموئيل في فلسطين [...] ولم يكن هناك شخص يعمل من أجل تعيين صموئيل أو يسُرّ لهذا التعيين أكثر مني أنا. لقد كان صموئيل صديقًا لنا، وعمل معنا بولاء منذ اللحظة الأولى. وقد قبل هذا المركز الصعب بناءً على الطلب المدعم بمساندتنا المعنوية. إنه صموئيلنا، إنه نتاج يهوديتنا"10. ويسجّل صموئيل نفسه في مذكراته أنّ الحكومة البريطانية عيّنته، وهي تدرك تمامًا ميوله الصهيونية، بل إنّ هذه الميول كانت السبب الرئيس لتعيينه في هذا المنصب، وأكّد وايزمان أنّ قدوم صموئيل إلى فلسطين مندوبًا ساميًا يمثّل ختام فصل مهمّ في الصهيونية السياسية، وبداية عهد جديد تمثل باتساع النفوذ اليهودي في فلسطين11. غير أنّ الحكومة البريطانية برّرت تعيينه بما كان يتمتع به من كفاءة إدارية من دون أن تنظر إلى ديانته، فيروي الأديب المقدسي خليل السكاكيني في يومياته ليوم الأحد، 22 حزيران/ يونيو 1920، أنّه التقى إحدى الشخصيات البريطانية في مدينة القدس حيث ذكر له أنّ الحكومة تنظر إلى صموئيل على أنه إنكليزي "وأنتم تنظرون إليه كيهودي، وقد اختارته الحكومة الإنكليزية لإدارة فلسطين أولً لاقتداره، وثانيًا لأنّ الحاكم إذا كان مسيحيًا فإنّ اليهود يتهمونه دائمًا بالتعصب، فرأت الحكومة أنْ تعيّ لهم واحدًا منهم، فمهما عمل لا يستطيعون أن يتهموه أنّه يحتقر اليهود ويعمل على معاكستهم، ومهما كان صموئيل فلا يستطيع أنْ يكون إلا إنكليزيًا يعمل على تنفيذ السياسة الإنكليزية لا السياسة اليهودية، وقد أحسّ بذلك اليهود، وعقلاؤهم ينظرون إلى تعيينه نظرة خوف واستياء"12. غير أن هذا التبرير كان كذرّ الرماد في العيون، فلا شكّ في أنّ كابت لو كان يدرك عكس تبريره تمامًا، وما تعيين صموئيل في هذا المنصب إلا بتخطيط صهيوني بريطاني مشترك لتنفيذ مهمة أساسية تتمثّل بالعمل على وضع تصريح بلفور موضع التنفيذ. وما قبول صموئيل وتحمّسه لهذا المنصب إلا لتنفيذ المخططات الصهيونية فقط، فبينما كان يستعدّ للإبحار إلى فلسطين في حزيران/ يونيو 1920 كتب إلى ابن أخيه قائلً "ربما تغدو هناك أغلبية يهودية بين السكان في غضون خمسين عامًا، وعندئذ تكون الحكومة يهودية في الغالب. وفي الجيل الذي يلي هذا قد ينشأ ما يمكن أن نطلق عليه بصورة صحيحة بلدًا يهوديًا له دولة يهودية. إنّ هذا هو الشيء المأمول الذي يثير بحق مثل هذه الحماسة الرائعة. والأمل بتحقيق ذلك المستقبل هو ما يجعلني مستعدًا للتضحية بالكثير في الوقت الحاضر"13. حرص صموئيل أن يجعل الأغلبية العظمى من كبار الموظفين يهودًا أو من المتعاطفين مع الصهيونية من الإنكليز، وقد أعدّت المنظمة الصهيونية مسبقًا قوائم بالمرشحين للعمل في مختلف دوائر الإدارة المدنية بمستوياتها المختلفة، فقد عهد صموئيل بأهمّ

  1. كامل خلة، فلسطين والانتداب البريطاني 1922 - 39 19 (طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، 1982)، ص 130.
  2. محمد عبد الرؤوف سليم، نشاط الوكالة اليهودية لفلسطين منذ إنشائها وحتى قيام دولة إسرائيل 1922 - 48 19 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982)، ص 138 - 139.
  3. خلة، ص 130.
  4. أكرم مسلم (محرر)، يوميات خليل السكاكيني: يوميات ورسائل وتأملات: اختبار الانتداب وأسئلة الهوية 1919 - 22 19، ج 3 (رام الله: مؤسسة الدراسات المقدسية، 2004)، ص 223.
  5. الهنيدي، ص 127.

مركزَين في الإدارة وهو السكرتير المدني (النائب الأول فيما بعد) والسكرتير القانوني (النائب العام فيما بعد) إلى كلٍّ من وندم ديدز Deedes Wyndham ونورمان بنتويش Bentwich Norman، فالأوّل كان متعاطفًا مع الصهيونية ومتحمّسًا لفكرتها، بينما كان الثاني يهوديًا وصهيونيًا مخلصًا14. كما ضمّت هيئة حكومة الانتداب 15 موظفًا يهوديًا تبوأ معظمهم منصب قائمقام في عدد من المدن الفلسطينية، بينما ضمّت دائرة الخزينة خمسة موظفين منهم أربعة موظفين شغلوا منصب مساعد مدير الخزينة، بينما شغل الخامس منصب مراقب البنوك. أمّا دائرة الشرطة، فكان فيها ستة موظفين يهود شغل كلّ واحدٍ منهم منصب مساعد المفتش العام15.

ثالثًا: سياسة صموئيل تجاه مسألة الأرايض

بعد أن تمكّنت القوات البريطانية، بقيادة الجنرال إدموند اللنبي Allenby Edmund، من اجتياز حدود فلسطين في تشرين الأول/ أكتوبر  1917، ثم نجحت في أواخر كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه في دخول مدينة القدس لتستكمل سيطرتها على كلّ الأراضي الفلسطينية في أيلول/ سبتمبر 1918، حيث أعلنت عن تشكيل الإدارة العسكرية ومقرّها مدينة القدس16. تَوجَت الإدارة العسكرية عملها بشأن الأراضي بقرار أصدره الجنرال آرثر مونيَّMoney Arthur في أيار/ مايو  1918 بوقف جميع معاملات الأراضي الأميرية والخاصة، وإغلاق دوائر تسجيل الأراضي (الطابو)17 نظرًا إلى اضطراب حالة الملكية الناتجة من الانسحاب العثماني من البلاد وسحب القوات العثمانية معها سجلات الأراضي إلى دمشق. هذا علاوةً على ازدياد الإلحاح الصهيوني من جانب حاييم وايزمان الذي تقدّم بمذكّرة إلى وزارة الخارجية البريطانية طالب فيها بتعيين لجنة للأراضي يُمثّل فيها اليهود بغرض إجراء مسح شامل للأراضي في فلسطين والبحث في قوانين الأراضي العثمانية وإمكانيّة تعديلها لا سيّما كما ورد في المذكّرة أنّ هناك مساحات واسعة من أراضي الدولة والأراضي المهملة غير المزروعة، وذلك بهدف إتاحة المجال للمؤسسات الصهيونية لاستملاك المزيد من هذه الأراضي18. وبعد ذلك، أصدر الجنرال موني في تشرين الثاني/ نوفمبر 1918 منشورَين رقم 75 و 76 تضمّنا تعليمات بشأن انتقال الأراضي، أكّد فيهما أنّ المتصرّفين في الأموال غير المنقولة لا يمتلكون حقّ نقل حقوق التصرف فيها إلّ بعد إعادة فتح دائرة الطابو، وكل انتقال مخالف لذلك يعتبر لاغيًا وباطلً. ووضّح أنّ كلمة التصرف تعني البيع والرهن وفك الرهن وإنشاء الوقف وكل تصرّف آخر يتعلق بالأموال غير المنقولة19.

  1. المرجع نفسه، ص 134.
  2. صالح سعود أبو يصير، جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، ط 4 (بيروت: دار الفتح للطباعة والنشر، 1971)، ص 97 - 98.
  3. أعلنت الحكومة البريطانية بعد استكمال سيطرتها على فلسطين عن تشكيل إدارة بلاد العدو الجنوبية المحتلة. وعيّنت الجنرال كلايتون Clayton الضابط السياسي العام في المكتب العربي في القاهرة مديرًا للإدارة العسكرية، ثم استبدلته في نيسان/ أبريل 1918 بالجنرال آرثر موني Money Arthur، ثمّ جاء بعده الجنرال ووطسون Watson وأخيرًا الجنرال بوز Bolles. انظر: خلة، ص 34؛ صابر موسى، "نظام م لكية الأراضي في فلسطين في أواخر العهد العثماني"، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 95 (1979)، ص 46.
  4. الطابو: هي كلمة تركية تعني الطاعة والانقياد والتبعية، واستخدمت في الاصطلاح للدلالة على الخرج النقدي الذي يقدّمه المتصرف في الأراضي الأميرية الذي تحال عليه أرض الخزينة، ويعتبر ذلك نوعًا من أنواع التبعية والانقياد لأوامر الخزينة وإجراءاتها القابضة على رقبة الأرض. انظر: أمين أبو بكر، ملكية الأراضي في متصرفية القدس 1858 - 19 19 (عمّان: مؤسسة عبد الحميد شومان، 1996)، ص 481.
  5. خلة، ص 42؛ بهجت صبري، فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها 1914 - 20 19 (القدس: جمعية الدراسات العربية، 1982)، ص 193 - 195.
  6. دعيبس المر، أحكام الأراضي المتبعة في البلاد العربية المنفصلة عن السلطنة العثمانية، ج 2 (القدس: مطبعة بيت المقدس، 1923)، ص 138 - 140.

وفي عام 1919، أعدّت الإدارة العسكرية مشروع قانون عُرف باسم "قانون انتقال الأراضي لعام 1919 " طرحته للمناقشة أمام عدد من الخبراء والمختصيّن البريطانيين بقصد تنظيم معاملات الأراضي، والعمل على إعادة فتح مكاتب الطابو. وأكّد هذا المشروع مفهوم كلمة التصرّف كما ورد في منشور موني السابق. كما أوضح أيضًا الإجراءات التي يجب اتخاذها عند تنفيذ عملية نقل الملكية، واشترط أن يكون المشتري مقيمًا في فلسطين، وأن لا تتجاوز مساحة الأراضي التي يجري عليها التصرّف 200 دونم أو أن لا تتجاوز قيمتها 1000 جنيه مصري، وأن يقتنع الحاكم العسكري أنّ المشتري سيعمل على زراعة الأرض، وأنّ لدى البائع قطعًا أخرى سواءً في المنطقة نفسها أو في مناطق أخرى20. غير أنّ وايزمان اعترض على هذا المشروع وأحقيّة التصرّف في هذه الممتلكات، وكان يرمي إلى وضع العراقيل أمام إنشاء الوقف لأنّ إنشاء المزيد من العقارات الوقفية من شأنه أنْ يؤدّي إلى الحدّ من استملاك اليهود لتلك العقارات وحريّة التصرّف في الأراضي، وبالنتيجة فهذا المشروع على حدّ زعمه "ضدّ المصالح الصهيونية وسياستها الرامية إلى الاستيلاء على المزيد من أرض فلسطين، وهو يتطلّع إلى مشروع لا يكون عائقًا أمام الجمعيات والمنظمات الصهيونية في شراء الأراضي"21. وفور استلام صموئيل مهمّات عمله شكّل لجنةً للأراضي برئاسة ألبرت أبرامسون Abramson Albert وعضوية موظّفين آخرين أحدهما يهودي والآخر عربي23، وذلك لإعداد تقرير حول ماهيّة الخطوات الواجب اتباعها لتسجيل أراضي الدولة بدقة. وبناءً على توصيات هذه اللجنة، تمّ تنظيم دائرة الأراضي لتحديد ممتلكات الدولة وتسجيلها كافّة. كما جرت عدّة مراسلات بين رئيس وزراء الحكومة اللورد كيرزون ورئيس المنظمة الصهيونية وايزمان حول كيفية تنظيم قوانين الأراضي وإقرارها بما يتناسب ومصالحهم المشتركة24. وكان صموئيل قد أذاع بعد وصوله بيانًا عن الخطّة التي سيسير عليها في إنشاء الحكومة الجديدة، وممّا قاله بشأن الأراضي "إنّ بيع الأراضي وكلّ ما يختصّ بمعاملاته سيعود إلى ما كان عليه ويكون خاضعًا لبعض قيود يُراد بها منع المتاجرة بالأراضي، وسيوضع قانون خاص. وإنّ عازم على تأليف لجنة للأملاك تكون موضع ثقة اليهود والمسلمين والمسيحيين"25. لقد شرع صموئيل في إصدار العديد من القوانين المتعلقة بالأراضي، وكان من أهمّها:

1. قانون تصحيح سجلات الطابو لعام 1920

تم نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية في الأول من آذار/ مارس 1921، وكانت الغاية منه إلغاء الأوامر الصادرة في المنشورَين رقم 75 و 76 الصادرَين في شباط/ فبراير 1918 في خلال فترة الإدارة العسكرية والمتعلقيَن بوقف التسجيل وإغلاق دوائر الطابو26. وكان هدف هذا القانون كما ورد في ديباجته وجود كثير من القضايا التي يدّعي فيها شخص غير مالك للأرض أنّ له تعلّقًا بالأرض المسجلة إما مالكًا أو مرتهنًا أو خلاف ذلك. وفي كثير من الأحوال سُجّلت أراضٍ بأسماء مستعارة أو بأسماء أشخاص لا يمتلكونها في العهد العثماني نظرًا إلى حالة الفوضى التي سادت البلاد في أثناء الحرب العالمية الأولى وما قبلها، وقد حال نشوب الحرب دون إمكانية طلب الأشخاص

  1. صبري، ص 196.
  2. كان العضو العربي في هذه اللجنة فيضي العلمي أحد كبار ملاّك الأراضي، وقد كان في الفترة 1906 - 1909 رئيسًا لبلدية القدس. انظر: الهنيدي، ص 268.
  3. المرجع نفسه، ص 268؛ عبلة المهتدي، الحاج أمين الحسيني والتحديات الوطنية في فلسطين 1917 - 37 19 (عمّان: دار المايا للنشر والتوزيع، 2012)، ص 299.
  4. إبراهيم نجم وأمين عقل وعمر أبو النصر، جهاد فلسطين العربية (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2009)، ص 41.
  5. موسى، ص 52.
  6. 22  المرجع نفسه، ص 197.

في كثير من الأحيان تصحيح السجل، لذا فقد جاء هذا القانون ليعطي الفرصة لأيّ شخص أو شركة تدّعي ملكية أرض سُجِّلت باسم آخر لكي تطلب تصحيح السجل27. ومنح هذا القانون الحقّ لكلّ من يدّعي ملكية أرض مسجّلة ليس بصفته مالكها المسجّل أو مرتهنها أو وارث المالك المسجل أو المرتهن أنْ يُستدعى إلى المحكمة ويطلب منها إعطاء أمر للشرح على السجلّ الخاصّ بتلك الأرض بأنه يدّعي أنّ له منفعة فيها، ويجوز للمحكمة بعد الاستماع إلى الطرفين أنْ تأمر إذا أرادت إدخال ذلك الشرح مع تبيان نوع المنفعة المُدَّعى بها مع التفصيلات المتعلقة بالأدلة لإثبات مثل هذه الادعاءات، ومن أهمّ هذه الأدلة إثباتًا عن دفع (الويركو)28 عن الأراضي المبحوث عنها مدّة ثلاث سنوات قبل الاستدعاء.

2 ي. قانون محاكم الأراض

أصدرت حكومة الانتداب قانون محاكم الأراضي في 8 نيسان/ أبريل 1921 بهدف البتّ في ملكيّة الأراضي المتنَازع عليها، وأسند أمر الإشراف عليها للسكرتير القضائي نورمان نبتويش. وخوّلت هذه المحاكم سلطة طلب تقديم كلّ ادّعاء بأيّ نوع من أنواع الأراضي وتأمر بتسجيلها في دوائر الطابو، كما أُعطِيت الحقّ بإصدار القرار في أيّ نزاع يحدث من تقسيم الأراضي المملوكة بالمشاع وأراضي الحكومة غير الأراضي الأميرية، وبعد أنْ تُصدِر المحكمة قرارها تقوم دائرة الطابو بإصدار حجج التملّك29. وكانت محكمة الأراضي برئاسة قاضٍ بريطاني وعضو فلسطيني، وفي حال وقوع خلاف بينهما يجوز للمحكمة أن تستدعي أيّ حاكم صلح أو عضو في المحكمة المركزية أو أي قاضٍ كعضو ثالث30. ويتضح الدور الخطير الذي كان لهذه المحاكم في تقرير مصير مساحات واسعة من أراضي عرب فلسطين، لا سيّما أنّ كثيرًا من الأراضي كانت مرهونة للمرابين اليهود خصوصًا بعد إغلاق البنك الزراعي العثماني ومنع صموئيل تصدير الحبوب والزيت أساس ثروة البلاد، ما أدّى إلى تضخّم الأسواق بهذه المحاصيل ثمّ أعقب ذلك انخفاض كبير في الأسعار. وقد احتفظ هؤلاء المرابون برهن أراضي الفلاحين ضمانًا لحصولهم على أموالهم، وفي حال عجْز الفلاحين عن الوفاء بما عليهم من قروض كان هؤلاء المرابون يلجؤون إلى محاكم الأراضي التي لن تتردّد في اتخاذ القرارات بنزع ملكية الأراضي المرهونة من أيدي أصحابها الشرعيين31.

3 ي. قانون انتقال الأراض لعام 1920

تمّ الإعلان عن هذا القانون في 23 أيلول/ سبتمبر 1920، وأصبح نافذ المفعول اعتبارًا من الأول من تشرين الأول/ أكتوبر  1920. وحدّدت المادّة السادسة من القانون أحكامًا تقضي بمراقبة معاملات التصرّف والفراغ، واشترطت ألّ تتم الموافقة على بيع التصرّف أو نقله إلّ إذا اقتنع حاكم المقاطعة أو المنطقة أنّ الشخص الذي ينوي امتلاك هذا التصرّف أو الشخص المنقول إليه حقّ التصرف مقيم

  1. المرجع نفسه؛ إبراهيم رضوان الجندي، سياسة الانتداب البريطاني الاقتصادية في فلسطين 1922 - 1939 (عمّان: دار الكرمل، 1986)، ص 24 - 43؛ المر، ص
  2. الويركو: كلمة تركية تعني الجزية أو الخراج أو المال الميري أو رسمًا، ومصدرها ويرمك وتعني الوهب أو العطاء والمنح أو الهبة. وفرضت هذه الضريبة بموجب خط كولخانة الصادر عام 1839. وتنقسم ضريبة الويركو إلى قسمين هما: ويركو الأملاك وتُفرض على الأملاك كالبيوت، وويركو التمتع التي فُر ضت على التجار. وفي عام 1885 شملت هذه الضريبة أصحاب الرواتب والمشاهرات. انظر: عبد العزيز محمد عوض، الإدارة العثمانية في ولاية سورية 1864 - 1914 (القاهرة: مطبعة المعارف، 1969)، ص
  3. لمزيد من التفاصيل حول قانون محاكم الأراضي، انظر: المر، ص 155 - 161.
  4. المرجع نفسه، ص 161.
  5. سليم، ص 247؛ صبري، ص 200؛ الجندي، ص 25 - 26.

في فلسطين، وأن يقوم بزراعة الأرض وتحسينها بنفسه. كما لا يُسمح للشخص الواحد من خارج المدن بامتلاك أكثر من 300 دونم من الأراضي الزراعية على أنْ لا تتجاوز قيمتها 3000 جنيه مصري، أمّا في داخل المدن فلا يُسمح للشخص أنْ يمتلك أكثر من 30 دونمًا مهما كانت قيمتها32. ووضّحت المادّة الرابعة من القانون الإجراءات الواجب اتباعها لنقل ملكية الأرض، إذ يجب أولًالحصول على موافقة خطيّة من الإدارة، وذلك من خلال تقديم طلب بواسطة دائرة الطابو إلى حاكم المركز الذي تقع في دائرته الأرض المراد التصرّف فيها، ويبيّ في هذا الطلب شروط التصرّف المراد عقده مرفق به إثبات ملكية الناقل وطلب تسجيل الحُجّة مع توضيح أيّ من الطرفين الذي سيتحمل العطل والضرر إذا ما رفض أحدهما إتمام معاملة التصرّف بعد التصديق عليها33. أمّا ما ورد من شروط في المادة السادسة، فلم يكن سوى شروط شكلية، بل كانت حبرًا على ورق، فبيع الأرض كان يعتمد على قناعة حاكم المنطقة الذي كان بريطانيًا، وعلى الأغلب متحيّزًا إلى جانب اليهود. ولعلّ تحديد الملكية ب 300 دونم للشخص الواحد، وأن يكون مقيمًا يعني ذلك حرمان الإقطاعيين الفلسطينيين ممّن كانوا يمتلكون مساحات واسعة من الأراضي في العهد العثماني من تلك المساحة، فهناك الكثير من الأسر الإقطاعية التي كانت تزيد ملكيتها على 300 دونم، وبموجب هذا القانون حُرِمت من امتلاك الأراضي التي كانت تتصرّف فيها من قبل، كما أنّ اشتراط الإقامة زاد أيضًا من حرمان الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في الخارج. بينما يُمنح اليهودي الذي جاء إلى البلاد وحاز الجنسية الفلسطينية حقّ التملك. وجاءت المادّة الثامنة لتنسف الشروط التي حدّدتها المادّة السادسة عندما منحت المندوب السامي صلاحيات باستثناء تلك الشروط، وصموئيل بالأساس لم يكن يحتاج إلى مثل هذه الاستثناءات وسيستغل هذا القانون ليضفي على إجراءاته الصفة القانونية، فلم يتردّد في الوقوف إلى جانب الصهيونية وفتح المجال أمامها لاستملاك المزيد من الأراضي. ولا شكّ في أنّ مساحة ال 300 دونم لم تكن مرضية للمؤسّسات الصهيونية التي كانت تعمل على شراء آلاف الدونمات من الأراضي، ولذلك أجازت المادّة الثامنة للمندوب السامي بالموافقة، على زيادة مساحة الأراضي المنقولة لتلك المؤسّسات. فقد منحت حكومة الانتداب شركة البوتاس اليهودية 75 آلف دونم مجّانًا و 64 ألف دونم باعتها للشركة بثمن رمزي، ومنحت شركة الكهرباء اليهودية 18 ألف دونم مجّانًا، وكلّ ذلك بحجّة القيام بمشروعاتها34.

4 ي. قانون أراض الموات

عرّف القانون العثماني أراضي الموات بأنّها الأراضي الخالية والبعيدة عن العمران وليست بتصرّف أحد، والتي لم تتُرك ولم تُخصَّص لأهالي القرى والقصبات، كما أنّها لم تكن بتصرّف أحد بالطابو، وتبعد عن أقصى العمران مسافة ميل ونصف الميل أو نصف ساعة سيرًا على الأقدام بحيث لا تسمع فيها صيحة الرجل الجهير الصوت36. وأجاز القانون للأهالي إحياء هذه الأراضي بموافقة الحكومة في مدّة

Jacob Stoyanovsky, The Mandate for Palestine: a Contribution to the Theory and Practice of International Mandates (London: Longmans, Green, 1928), p. 115 ; Abraham Granovsky, Land Policy in Palestine (New York: Bloch Publishing, 1940), p. 153.

35  Abraham Granott, The Land system in Palestine: History and Structure (London: Eyre & Spottiswoode, 1952), p. 105 ;

  1. المر، ج 1، ص 131؛
  2. المر، ج 1، ص 134؛ جون هوب سمبسون، تقرير عن الهجرة ومشاريع الإسكان والعمران (القدس: دار الأيتام الإسلامية، 1930)، ص 52.
  3. عادل أحمد الجادر، أثر قوانين الانتداب البريطاني في إقامة الوطن القومي اليهودي (بغداد: مطبعة أسعد، 1976)، ص 201؛ عادل الجادر، "التشريعات البريطانية وتهويد الأراضي الفلسطينية 1917 - 1948 "، مجلة مركز الدراسات الفلسطينية (جامعة بغداد)، مج 4، العدد 3 (1975)، ص 86. الدستور، ترجمة نوفل نعمة الله نوفل، ج 1 (بيروت: المطبعة الأدبية، 1883)، ص 37؛ شاكر الحنبلي، موجز في أحكام الأراضي والأموال غير المنقولة (دمشق: مطبعة الترقي، 1928)، ص 37.

لا تزيد عن ثلاث سنوات، وإذا لم تُستصلح في خلال هذه المدّة تُستَدّ للدولة وتُعطى لشخص آخر، فإذا أحياها في تلك الفترة تُعطى له بعد أن يدفع بدل الطابو المستحَقّ عليها38. ولتسهيل استملاك الحركة الصهيونية هذا الصنف من الأراضي أصدر صموئيل في الأول من آذار/ مارس  1921 قانونًا عُرِف بقانون أراضي الموات، وبموجبه غيّ الفقرة الأخيرة من المادة 103 من قانون الأراضي العثماني واستعاض عنها بالفقرة التالية: "كلّ شخص يفلح أو يستعمل أرضًا مُفرغة من دون مصادقة الإدارة لا يكون له أدنى حقّ في حجّة تملّك هذه الأرض، وعلاوةً على ذلك يعرِّض نفسه للمحاكمة بسبب تعدّيه. وكلّ شخص يستغلّ هذه الأرض من دون تصريح يجب عليه أن يُعلِم مسجّل الأراضي بدائرة الطابو في خلال شهرين من نشر هذا القانون ويطلب حجّة تملّك"39. يبدو واضحًا من النصّ أنّ من يقوم باستصلاح هذه الأراضي يُعدّ خارجًا عن القانون ويخضع للعقاب، ولا شكّ في أنّ المقصود بذلك العرب، كما غدت مسألة استصلاح هذه الأراضي مرتبطة بموافقة حكومة الانتداب، ولا شكّ في أنّ الحكومة ستضع العراقيل أمام العرب فيما لو تقدّم أيٌّ منهم لاستصلاح تلك الأراضي بهدف تملّكها لأنّ ذلك في نظر المندوب السامي يتعارض مع المخطّطات البريطانية والصهيونية في تمليك اليهود لأراضي الدولة. ونتيجة لذلك قاوم الفلاحون عمل الكثير من اللجان الحكومية التي تشكّلت لترسيم حدود أراضي الموات، فقد رفض المخاتير وأعيان القرى مصاحبة هذه اللجان إلى مواقع عملها ورفضوا إعطاءها المعلومات الضرورية لذلك40.

5 ي. قانون الأراض المحلولة

تُعدّ الأراضي المحلولة جزءًا من الأراضي الأميرية، وتحوّلت إلى محلولة إمّا بتركها غير مزروعة من ق بَل المتصرّف بها مدّة ثلاث سنوات متتالية أو لأنّ المالك توفِّ من دون أن يترك وريثًا ذا علاقة مباشرة، وفي هذه الحالة يحقّ للدولة أن تفوّض شخصًا آخر بها، وتستوفي على ذلك بدل المثل "الطابو". غير أنّه ليس من الضرورة أن يكون معنى هذا الانتهاء أنّه يحقّ للدولة أنْ تختار الشخص الذي تريده، بل هناك أشخاص لهم حقّ الأولوية في ذلك، إذ يعطى أولً للذين يملكون البنايات والمغروسات على تلك الأرض، ثمّ الشركاء، ثمّ أبناء القرية التي تقع فيها الأرض41. وفي 11 تشرين الأول/ نوفمبر 1920، أصدر المندوب السامي قانون الأراضي المحلولة ونفيُشِ في الجريدة الرسمية 1 شباط/ فبراير 1921 وبموجبه طُلِب من كلّ شخصٍ وضع يده قبل صدور هذا القانون على أراضٍ محلولة أن يُبلِغ الإدارة بذلك في ثلاثة أشهر من صدور القانون، كما طلبت الإدارة من المخاتير إبلاغها في فترة ثلاثة أشهر بجميع الأراضي المحلولة التي وضعت اليد عليها بطريقة غير شرعية مع بيان الأشخاص الذين وضعوا أيديهم عليها، وفرَضت غرامة ماليّة على كلّ من وضع يده على أرض محلولة من دون إبلاغ الإدارة بما لا يزيد عن خمسين جنيهًا أو السجن مدّة لا تتجاوز الثلاثة أشهر أو بالعقوبتين معًا. وفرضت على كلّ مختار لا يبلّغ الإدارة بذلك مع علمه بوضع شخص ما يده على أرض محلولة بغرامة مالية قيمتها خمسة وعشرون جنيهًا أو بالسجن مدّة لا تتجاوز الشهر أو بالعقوبتيَن معًا42.

37  Ibid;

  1. المادة 103 من قانون الأراضي العثماني، انظر: 105. p , Granott. الجندي، ص 240.
  2. الهنيدي، ص 271.
  3. سعيد حمادة (محرر)، النظام الاقتصادي في سوريا ولبنان (بيروت: الجامعة الأميركية، 1936)، ص 101 - 102؛ موسى، ص 53؛ الجادر، "التشريعات البريطانية..."، ص 88.
  4. المر، ج 2، ص 148 - 149؛ الجادر، "التشريعات البريطانية..."، ص 88 - 89؛ الجندي، ص 239؛ 104. p , Granott.

لقد كان من أبرز قضايا الأراضي وأهمّها التي ظهرت في فترة ولاية صموئيل 1920 - 1925 وأظهرت بوضوح مدى محاباته للصهيونية وحرصه على تمليك اليهود أكبر مساحة ممكنة من الأراضي هما: قضيتا أراضي بيسان وأراضي مرج ابن عامر.

أ-ي أراض بيسان (غور المدوّرة)

كان من بين النتائج التي ترتّبت على قانون الأراضي العثماني الصادر عام 1858 قيام بعض الملُاك الصغار وأصحاب الملكيّات المتوسطة إلجاء أراضيهم بأيدي أصحاب السلطة والمتنفذين في الدولة العثمانية وتسجيلها بأسمائهم في المحاكم الشرعية ودفاتر الطابو مقابل بدل رمزي أو بلا مقابل، وذلك بهدف حصولهم على الحماية والأمن، أو الخوف من وقوع أراضيهم بأيدي المرابين، أو نتيجة لتراكم الضرائب عليهم43. ويعتبر السلطان عبد الحميد الثاني (1876 - 1909) من أكبر أصحاب الملكيات الواسعة نتيجة لسياسة الإلجاء وغيرها من الوسائل الأخرى؛ فقد قُد رت مساحة أملاكه بنحوِ50 مليون دونم انتشر نحو ثلاثة أخماسها [...] ما بين سورية وفلسطين، وقد عرفت هذه الأراضي باسم الأراضي السلطانية أو الجفتلك السلطاني أو الأراضي السنية45. وتُعد أراضي غور بيسان من بين الأراضي التي سجلت باسم السلطان عبد الحميد الثاني، فقد تراكمت الضرائب من بقايا الأعشار والويركو على أصحاب هذه الأراضي حتى بلغت نحو 40 قسطًا ممّا أدّى إلى تسجيلها باسم السلطان عام 1870 وأُلجئت إلى إدارة الجفتلك السلطاني46. بلغت مساحة أراضي غور بيسان نحو 771. 381 دونمًا، منها 720. 111 دونمًا أراضٍ مرويّة، و 334. 123 دونمًا أراضٍ غير مروية، و 717. 146 دونمًا طرق وسكك حديدية وأراض غير مزروعة47. وفي عامي 1908 و 1909 أُجبِ السلطان عبد الحميد الثاني على التنازل عن جميع أراضيه لخزينة الدولة بموجب إرادتين سلطانيتين الأولى مؤرخة في 8 أيلول/ سبتمبر 1908، بينما صدرت الثانية في 3  أيار/ مايو  1909، وغدت تُعرف باسم المدوّرة أي المنتقلة، وأصبحت دوائرها ومديرياتها تُعرَف باسم الأراضي المدوّرة48. لقد اعتبرت سلطات الانتداب جميع الأراضي المسجّلة باسم السلطان عبد الحميد الثاني والأراضي غير المسكونة والأميرية غير المزروعة والأراضي المحلولة والممتلكات غير المنقولة التي صادرتها السلطات العثمانية وفاءً للديون المستحقة عليها، إضافة إلى الأراضي التي كانت مرهونة واستحق سداد دينها عام 1919، اعتبرتها كلّها ممتلكات دولة49. وهكذا فقد اعتبرت الحكومة أراضي غور بيسان من بين أراضي الدولة؛ وبناء عليه، شكّل صموئيل لجنة حكومية في آب/ أغسطس 1920 لبحث وضع هذه الأراضي، فَقُدّمت توصية بتأجيرها للمزارعين الذين كانوا يتصرّفون فيها من قبل، وللوصول إلى اتفاق مع أهالي بيسان بشأن هذه الأراضي اجتمع صموئيل في 13  نيسان/ أبريل  1921 في مقرّ حكومة بيسان بوفد من عرب غور بيسان بيّ لهم أن

44  Granott, p. 99 ;

  1. أمين أبو بكر، "ملكية السلطان عبد الحميد الثاني في فلسطين 1876 - 1937 "، مجلة جامعة النجاح للأبحاث: العلوم الإنسانية، مج 17 (2003)، ص 228 - 134؛ المهتدي، ص 320.
  2. أبو بكر، "ملكية السلطان عبد الحميد الثاني..."، ص 224؛ هند البديري، أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ (القاهرة: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، 1998.)
  3. تقرير اللجنة الملكية لفلسطين (لجنة بيل) 1937 (القدس: مكتب الطباعة والقرطاسية، 1937)، ص 343؛ المهتدي، ص 320. البديري، ص 161.
  4. أبو بكر، "ملكية السلطان عبد الحميد الثاني..."، ص 246؛ المهتدي، ص 320.
  5. البديري، ص 188 - 189.

الحكومة لا تنوي وضع يدها على تلك الأراضي وسلبهم حقوقهم الزراعية، بل ترغب في تأجيرهم لتلك الأراضي ليستمرّوا في زراعتها بالمحاصيل الصيفية والشتوية، كما ذكر أنّ الحكومة ستُعيّ لهم مساحات مخصّصة للمراعي50. اتفاقية بيسان (غور المدورة) بقي المزارعون العرب مصُرّين على موقفهم في رفض عقود الإيجار طويلة المدى التي طرحتها عليهم حكومة الانتداب في المناطق التي كانوا يزرعونها؛ ما اضطر الحكومة إلى التراجع عن موقفها وإبرام اتفاقية مع المزارعين في 19 تشرين الأول/ نوفمبر 1921 مُنح المزارعون بموجبها أرضًا أميرية تُسجّل بأسمائهم في دائرة طابو بيسان. ومُنِحت كلّ عائلة الأراضي التي أثبتت بأنها كانت تقوم بزراعتها مدة عشر سنوات متتالية، وسجّلت باسمها جميع الأراضي التي كانت تزرعها بالمحاصيل الشتوية والصيفية في السنة الأخيرة من توقيع الاتفاقية. وجُع ل الحدّ الأدنى لملكية العائلة الواحدة 150 دونمًا، وإذا كانت العائلة تتكوّن من أكثر من خمسة أفراد تزداد المساحة بنسبة 30 دونمًا لكل فرد فوق الخمسة. وحددت الاتفاقية ثمن تطويب الأرض ب 150 قرشًا لدونم الأرض المروية و 125 قرشًا لدونم الأرض غير المروية. كما خصصت الاتفاقية مساحات محدّدة للعشائر التي تقيم في المنطقة، بينما منحت العائلات التي لا تعمل بالزراعة أراضي للعيش فيها51. وقد اشتملت هذه الاتفاقية على أراضي 18 قرية وأربع قبائل بدوية52. ولتنفيذ هذه الاتفاقية، شكّلت حكومة الانتداب لجنة حدّدت مهمتها بترسيم حدود الأراضي وتعيينها، وتشكّلت من مندوب عن دائرة الأراضي، ومندوب عن حاكم اللواء، ومندوبيَن عن أهالي بيسان، وأُجيز لها أن تعيّ عضوًا خامسًا في حال الاختلاف في الرأي، وقد شرعت في أعمالها عام 1921 واستمرّت في عملها حتى عام 193353. وبلغت مساحة الأراضي التي تمّت تسويتها 906. 381 دونمًا54.

ب-ي أراض مرج ابن عامر

تمتدّ أراضي مرج ابن عامر في عرض فلسطين من عكّا وحيفا على الساحل غربًا والناصرة في الشمال الشرقي وجنين جنوبًا، ويتربّع هذا المرج في أربعة أقضية هي حيفا وعكا والناصرة وبيسان. ويُعدّ من أخصب أراضي فلسطين55. وتعود قضية أراضي مرج ابن عامر إلى عام 1869 عندما تمكنت عائلة سرسق اللبنانية56 من شراء 230 ألف دونم من أراضي المرج من الحكومة العثمانية في صفقة واحدة مقابل ثمانية قروش للدونم الواحد، وقد عُرِضت هذه الأراضي للبيع بعد أن تخلّف أصحابها عن دفع الضرائب المستحقّة عليها. واشتملت هذه الصفقة على 22 قرية من قرى المرج57.

  1. الوثيقة رقم (46): مقابلة المندوب السامي لوفود بيسان"، في: زهير غنايم ومحمد محافظة، وثائق القضية الفلسطينية 1918 - 48 19 (عمان: دار ورد للنشر والتوزيع، 2007)، ص 84 - 85.
  2. تقرير اللجنة الملكية، ص 345؛ محمد الحزماوي، ملكية الأراضي في فلسطين 1918 - 48 19 (عكا: مؤسسة الأسوار، 1998)، ص 101 - 102.
  3. وهي: أراضي أشرفية الصقر، وأراضي أشرفية الغزاوية، وأراضي أشرفية البشاتوه، وأراضي بلدة بيسان، وأراضي قرى سمرين وسمخ وكفر مصر والطيرة ودنة وكفرة وكوكب الهوى والمطلة وجبول ويبلى والبيرة والمرصص والسامرية والفروانة والأشرفية وتل الشوك وجسر المجامع وغور الفارعة. انظر: الحزماوي، ص 102.
  4. تقرير اللجنة الملكية، ص 345.
  5. الحزماوي، ص 103.
  6. البديري، ص 240.
  7. تنتمي عائلة سرسق إلى أسرة مسيحية أرثوذكسية ترجع جذروها إلى أصول يونانية، استقرّت في قرية البربارة إحدى قرى جبل لبنان، وانخرط أبناؤها في القطاعات الاقتصادية المختلفة الزراعية والحرفية والتجارية والمصرفية. أنشأت هذه العائلة العديد من المراكز التجارية في عدد من المدن الشامية، كما عملت في تصدير المحاصيل الزراعية وغزل الحرير وتعبيد الطرق. وصاهرت عائلة سرسق عددًا من الأسر المتنفذة في الشام واحتلّت مكانة مرموقة في المجتمع والهيئات الإدارية العثمانية المدنية والعسكرية. لمزيد من التفاصيل انظر: نائلة الوعري، موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني 1856 - 1914 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012)، ص 36؛ أمين أبو بكر، "ملكية آل سرسق في فلسطين 1869 - 1948 "، مجلة جامعة النجاح للأبحاث: العلوم الإنسانية، مج 18، العدد 2 (2004)، ص 398 - 410.
  8. أبو بكر، "ملكية آل سرسق..."، ص 399، 411.

بدأت محاولات اليهود لشراء هذه الأراضي منذ عام 1891 حيث اتفق يهوشع خانكين ممثّل شركة تطوير أراضي فلسطين لشراء 120 ألف دونم، إلاّ أنّ هذه الصفقة فشلت بعد أنْ تدخلت الدولة العثمانية وأوقفت البيع58. وبعد تأسيس الإدارة المدنية تمكّنت عدّة جمعيات يهودية في الفترة 1921 - 1925 من شراء نحو مئتي ألف دونم من أراضي المرج اشتملت على أراضي 22 قرية وبلغ ثمنها 726000 جنيه إسترليني، وكان من أبرز المؤسسات اليهودية التي شاركت في عملية الشراء الصندوق القومي اليهودي، وشركة تطوير أراضي فلسطين59. كان المزارعون العرب في القرى المبيعة يدفعون لأصحاب الأراضي خُمس الحاصلات، غير أن عقود الإيجار لم تكن بحوزتهم؛ ما أدّى إلى سهولة طردهم من الأراضي المبيعة بعد أنْ أخذوا تعويضًا على ذلك، باستثناء فلاحي قرية معلول البالغة مساحتها 16000 دونم ويقيم فيها 64 عائلة تتكون من 900 شخص، فقد رفضوا قبول التعويضات المالية والخروج من الأرض، علمًا أنه استثني من البيع 2000 دونم من الأراضي الزراعية التي توجد عليها بيوت القرية، مما دفع الحكومة واليهود إلى العمل من أجل إيجاد حل لفلاحي معلول، فاقترح الصندوق القومي اليهودي تأجير الفلاحين 3150 دونمًا لفلاحي القرية مدة 6 سنوات، من 1921 إلى 1927، على أن يدفع الفلاحون خمس المحصول ويتعهد الصندوق القومي بتزويدهم بشبكات المياه. وبعد انتهاء مدة الاتفاق تمكنت حكومة الانتداب من تمديد فترة التأجير مدة أربع سنوات أخرى، أي حتى عام 1931. غير أن الطرفين لم يلتزما ذلك فلم يدفع الفلاحون خمس المحصول، كما لم يلتزم الصندوق القومي تزويدهم بالمياه، وبقيت القضية قائمة حتى عام 1945 حيث حصل الصندوق القومي على قرار من المحكمة بملكية أراضي القرية، ومع ذلك فقد رفض الفلاحون القرار واستمروا متشبثين بأرضهم حتى عام 194860. بلغ عدد الأسر التي طُردت من هذه الأراضي وِفقًا لتقديرات اللجنة التنفيذية العربية 1746 أسرة بلغ مجموع أفرادها 8730 شخصًا، على اعتبار أن الأسرة الواحدة تتكون من خمسة أفراد. وقد بقي هؤلاء المطرودون يقيمون في المناطق القريبة لقراهم من دون أن يبقى لهم مصدر يعيشون منه، فاضطروا إلى العمل في قطع الحجارة وحرق الكلس. ولم يقتصر الضرر على فلاحي القرى، بل لحق أيضًا البدوَ القاطنين في المناطق المجاورة الذين اعتادوا الاعتماد على تلك الأراضي بعد انتهاء موسم الحصاد لرعي مواشيهم فيها، فكان نصيب البدو كنصيب الفلاحين؛ حيث قطع رزقهم منها بعد أنْ أصبح محظورًا عليهم الاقتراب منها61. وإضافة إلى تسهيل انتقال الأراضي لليهود، لجأ صموئيل إلى إرهاق الأهالي بخاصة الفلاحين بالضرائب؛ ففي تموز/ يوليو عام 1923، أصدرت حكومة الانتداب نظام تخمين الأعشار62، وتمّ بموجبه تشكيل لجان لتخمين قيمة الضريبة المستحقة على المحاصيل الزراعية؛ حيث كان يجري تخمينها بعد حصادها على البيادر قبل درسها وتذريتها63.

Granovsky, A. The Land Issue in Palestine (Jerusalem: Jewish National Fund, 1936), p. 93 ; A Survey of Palestine , Prepared in Dec. 1945 and Jan. 1946 for the information of the Anglo American Committee of inquiry, Jerusalem, printed by the government printer, 1946 , vol. 1 , pp. 300 - 302.

  1. أسعد منصور، تاريخ الناصرة (الناصرة: دار الهلال، 1923)، ص 228؛ تمارا غوجانسكي، تطور الرأسمالية في فلسطين، ترجمة حنا إبراهيم (تونس: منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الثقافة، 1987)، ص 161.
  2. تقرير لجنة التحقيق عن اضطرابات فلسطين التي وقعت في شهر آب سنة 1929 (القدس: دائرة المطبوعات والقرطاسية، 1930)، ص 155؛ الهنيدي، ص 281.
  3. لمزيد من التفاصيل حول قضية أراضي معلول انظر: تقرير لجنة التحقيق عن اضطرابات فلسطين التي وقعت في شهر آب سنة 1929، ص 155؛
  4. تقرير لجنة التحقيق عن اضطرابات فلسطين التي وقعت في شهر آب سنة 1929، ص 156؛ دورين انغرامز، أوراق فلسطين 1917 - 1922: جذور القضية (بيروت: دار النهار للنشر، 1972)، ص 137؛ أبو يصير، ص 468؛ البديري، ص 240.
  5. فُرِضت الدولة العثمانية عام 1840 ضريبة العشر؛ حيث كانت تستوفى على المحاصيل الزراعية بنسبة 10 في المئة من الإنتاج نقدًا أو عينًا، ثم رُف عت في الفترة 1883 - 1900 لتصل إلى 63. 12 في المئة لتمويل المصرف الزراعي والأشغال العامّة والطرق والمعارف والتجهيزات العسكرية، ثم خُفِّضت عام 1906 إلى 5. 12 في المئة تسهيلً لجبايتها. انظر: عوض، ص 168؛ عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس (القدس: مكتبة الأندلس، 1960)، ص 330.
  6. روبرت هاربي درايتون، مجموعة المناشير والأوامر والقوانين الفلسطينية، ج 3 (القدس: مطبعة دير الروم، 1936)، ص 2779 - 2785.

وفي العام نفسه أصدرت الحكومة قانون "إخفاء المحصولات" الذي يُعاقب بموجبه كلّ من ينقل قسمًا من محاصيله من الحقول أو البيادر قبل تخمينها، وكلّ من أخفى قسمًا منها أو نقلها إلى مكان آخر غير البيدر المصرّح به، وكانت العقوبة على ذلك السجن مدّة شهر أو دفع غرامة مالية بقيمة 15 جنيهًا، ويجوز للمحكمة أنْ تجبره إضافة إلى هذه العقوبة بدفع ضعف مقدار العشُر المستحقّ عن ذلك القسم من المحاصيل التي نقلها أو أخفاها أو عن جميع محاصيله64. كما لجأ صموئيل إلى إغلاق البنك الزراعي العثماني عام 1921 والحجز على مزروعات المدينين بالقروض الزراعية، حيث كان مأمور المالية يعيّ خفراء على البيادر منذ بداية الحصاد وحتّى انتهاء الأعمال فيها لمراقبة الحاصلات حتى لا يتصرّف الفلاح في أيّ جزء منها، بل كان على هؤلاء الفلاحين دفع أجرة الخفراء؛ ما جعلهم في نهاية المطاف عاجزين عن سداد الديون المطلوبة منهم، علاوةً على عدم قدرتهم على تجهيز الأرض للفلاحة والزراعة للموسم التالي65.

رابعًا: مرشوع روتنبرغ

لم تكتفِ سلطات الانتداب البريطاني بقوانين الأراضي الجائرة التي أصدرتها، بل عمدت أيضًا إلى العمل لإحكام السيطرة اليهودية على الموارد الاقتصادية بأول مشروع اقتصادي عُرف باسم "مشروع روتنبرغ" الذي منحته لليهودي الروسي بنحاس روتنبرغ Rutenberg Pinhas في 12 أيلول/ سبتمبر 1921 والمعروف بامتياز العوجا ويتضمّن هذا المشروع استخدام مياه حوض العوجا لتوليد الطاقة الكهربائية وتوريدها للإنارة والقوّة والريّ في قضاء يافا66. حدّدت الفترة الزمنية لهذا الامتياز باثنتين وثلاثين سنة، ومنح صاحب الامتياز الحقّ في استعمال مياه حوض العوجا لتوليد الكهرباء من القوة المائية، واستعمال الطاقة الكهربائية وتوريدها في منطقة الامتياز، وقد منح المندوب السامي لصاحب الامتياز السلطة لنزع ملكية أيّ أراضٍ أو أبنية أو مشاريع توجد ضمن منطقة الامتياز. كما تعهد المندوب السامي أيضًا بأن لا يمنح في خلال مدة الامتياز أيّ شخص أو شركة امتيازًا آخر إلّ بموافقة من روتنبرغ، وأعفيت الشركة في السنوات السبع الأولى من دفع أيّ ضرائب67. وبناءً على شروط الامتياز بتأسيس شركة برأسمال لا يقلّ عن مليون جنيه، تمّ تأسيس شركة الكهرباء الفلسطينية عام 1923 التي منحت في 5 آذار/ مارس 1926 امتيازًا من أجل استخدام مياه نهر الأردن واليرموك لتوليد الطاقة الكهربائية وتوريدها68. وبموجب هذا الاتفاق مُنحت الشركة الحقّ في الاستفادة من مياه نهر الأردن وحوضه ونهر اليرموك وجميع روافد نهر الأردن، وسُمِح للشركة بإنشاء محطّة طاقة كهربائية على جسر المجامع، وأن تستعمل بحيرة طبرية خزانًا للمياه. كما سمح لها أيضًا بإنشاء سدٍّ لتخزين مياه بحيرة طبرية وتخفيض مياهها لأدنى منسوب وجرّ المياه بقنوات خاصة. وأجاز الامتياز للشركة الحقّ في نزع ملكية الأراضي والأبنية اللازمة لإقامة السدود والأحواض والأقنية والمحطات الكهربائية. كما أُعفِيت من دفع أيّ ضريبة في السنوات العشر الأولى من الامتياز، واعتبرت أرباحها في هذه المدّة مصاريف وليست أرباحًا، ولا تدفع أيّ ضريبة إذا كان ربحها السنوي يقلّ عن 6 في المئة.

  1. المرجع نفسه، ج 1، ص 542.
  2. البديري، ص 305؛ "وثيقة رقم (58): منشور حكومة تصفية البنك الزراعي العثماني"، في: غنايم ومحافظة، ص 106.
  3. درايتون، ج 1، ص 727 - 742.
  4. المرجع نفسه، ج 1، ص 742.
  5. المرجع نفسه، ج 1، ص 707 - 725.

لقد أتاح هذا المشروع لليهود نزع ملكية مساحات واسعة من الأراضي المملوكة للعرب الفلسطينيين، فضلً عن توفير فرص العمل لليهود؛ الأمر الذي يعطي بدوره الذريعة لتدفق الهجرة اليهودية إلى البلاد69.

خامسًا: الهجرة اليهودية إىل فلسطين

بعد الإعلان عن تشكيل الإدارة المدنية، أخذت حكومة الانتداب تسعى جاهدة لفتح أبواب فلسطين على مصراعيها أمام تدفق المهاجرين اليهود والقيام بكلّ ما يلزم لتسهيل مهمّة إقامة ما يسمّى بالوطن القومي اليهودي في فلسطين، فقد جاءت المادّة السادسة من صكّ الانتداب لترسّخ ضرورة تسهيل الهجرة اليهودية ضمن أحوال ملائمة مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق فئات الأهالي الأخرى ووضعها. وقد اقترنت عملية تهويد فلسطين بتهجير اليهود إليها وتوطينهم ومنحهم الجنسية حتى يشكّلوا في نهاية الأمر أغلبية السكان. فقد نصت المادة السابعة من صكّ الانتداب على أن "تتولى إدارة فلسطين مسؤولية سنّ قانون الجنسية، ويجب أنْ يشتمل ذلك القانون على نصوص تسهيل اكتساب الجنسية الفلسطينية لليهود الذين يتخذون فلسطين مقامًا دائمًا لهم"70. بعد شهرين من تعيينه مندوبًا ساميًا على فلسطين، أصدر صموئيل في 26 آب/ أغسطس 1920 أوّل قانون للهجرة فُتحت بموجبه أبواب فلسطين أمام المهاجرين اليهود للتدفق على البلاد. وقد أعدّ هذا القانون نورمان بنتويش رئيس الدائرة القانونية، وذلك بالتنسيق والتشاور مع المنظمة الصهيونية التي لم تقدّم أيّ تعديلات على مواده سوى اقتراحات قليلة؛ نظرًا إلى التساهل الذي أبدته سلطات الانتداب في مسألة الهجرة71. وبموجب هذا القانون، أجاز المندوب السامي لنفسه في بعض الأحوال الاستثنائية أن يمنح إذنًا بالدخول إلى فلسطين لأيّ شخص لا يستطيع الحصول على جواز سفر أو مأوىً، مستندًا لأيّ سبب كان، على ألّ تُتّخذ الإجراءات القانونية بشأن أيّ جرم ينطبق على أحكام هذا القانون بعد مضيّ سنتين من ارتكابه. وحدّدت المادة الرابعة من القانون الفئات التي يُسمح لها بدخول فلسطين، وتضمّ ذوي الوسائل المستقلة، والأشخاص المؤمّنة لهم أسباب المعيشة، وممّن لهم أمل ثابت في الاستخدام في البلاد. وتظهر المادّة الخامسة من القانون مدى التحيّز الواضح للحركة الصهيونية والتساهل في استقدام المهاجرين؛ فقد جاء في البند الرابع منها أنّه يحقّ للوكالة اليهودية إبلاغ مدير دائرة الهجرة بوجود آمال معقولة لاستخدام عدد من الأشخاص في فلسطين سواءً بذكر أسمائهم أو من دون ذكرها، وأنْ تطلب منه الإذن لهم بدخول فلسطين على أنْ يُرفَق الطلب بكفالة لإعالة الأشخاص مدّة سنة على الأقل72. توضح هذه النصوص سياسة الليّن والتساهل التي أبدتها سلطات الانتداب البريطاني تجاه الهجرة اليهودية، فالشروط والقيود المذكورة لم تكن سوى حبر على ورق، لا سيّما إذا علمنا أنّ الحركة الصهيونية هي التي أشرفت على صياغة القانون بأكمله، ولذلك فلا يُعقل أنْ تضع شروطًا في غير صالحها أو أنْ تُعِيق استقدام المهاجرين. هذا علاوةً على أنّ صموئيل بنفسه الذي يُفترض أن تكون له السلطة الكاملة على تنفيذ هذا القانون كان شديد المحاباة للصهيونية.

  1. الهنيدي، ص 258؛ سميح شبيب، الأصول الاقتصادية والاجتماعية للحركة السياسية في فلسطين 1920 - 48 19 (عكا: دار الأسوار، 1999)، ص 43.
  2. للاطلاع على مواد صك الانتداب، انظر: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين، المجموعة الأولى 1915 - 46 19 (القاهرة: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، 1957)؛ أنغرامز، ص 167 - 173.
  3. الهنيدي، ص 243.
  4. بويصير، ص 123 - 125؛ وليم فهمي، الهجرة اليهودية إلى فلسطين (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984)، ص 47.

وفي ضوء أحداث يافا، أصدر صموئيل في 3 حزيران/ يونيو 1921، أي بعد اندلاع الاضطرابات بنحو شهر، تعديلً جديدًا لقانون الهجرة، وبموجب هذا التعديل تمّ تحديد أصناف المهاجرين المصرّح لهم بالدخول إلى البلاد. وفي 25 أيلول/ سبتمبر 1925، صدر قانون جديد للهجرة ثم أُلحِق به نظام آخر في تموز / يوليو  1926 ثمّ عُدّل مرة أخرى في 1 كانون الأول/ ديسمبر 1927، ليصبح المرجع القانوني لتحديد الهجرة إلى فلسطين. وحدّد هذا القانون الفئات التي يُسمَح بدخولها البلاد بالأشخاص وأصحاب الحرف والمهن وممّن لهم إيراد ثابت، علاوةً على الأشخاص الذين يوجد ضمان لإعالتهم73. ويُستدلّ من بعض التقارير البريطانية الرسمية أنّ الوكالة اليهودية كثيرًا ما كانت تحتال على هذه القوانين، وتنقل لجنة سمبسون الكثير من الأمثلة التي توضح طرق الاحتيال على قوانين الهجرة، من ذلك أنّ بعض الأفراد كانوا يتجنّبون المراقبة على الحدود، ويدخلون البلاد من دون أيّ معاملة، لا سيما أنّ المراقبة كانت تنحصر في المخافر الرئيسة على الطرق العامة، وهكذا كان بعض المهاجرين غير الشرعيين يتجنّبون الطريق العام ويسلكون الشعاب والجبال197. لقد أسهمت قوانين الهجرة التي سنّتها حكومة صموئيل في ازدياد أعداد المهاجرين اليهود ازديادًا مطّردًا، فقد شهدت فترة ولايته ثلاث سنوات من موجة الهجرة الثالثة (1919 - 1923) وسنتين من موجة الهجرة الرابعة (1924 - 1931)، زيادة مطّردة في أعداد المهاجرين اليهود. فمنذ تسلمه الإدارة المدنية وحتى مغادرته البلاد، دخل البلاد في خلال أربعة أشهر من عام 1920 نحو 5514 مهاجرًا، ليرتفع في العام التالي إلى 9149 مهاجرًا وذلك بزيادة 3635 مهاجرًا أي بزيادة نسبتها 66 في المئة. وشهد عام 1924 زيادة واضحة عوّضت التراجع الذي شهده العامان السابقان، على الرغم من تراجع العدد في عامَي 1922 و 1923. ومع ذلك فقد كان عام 1925 الأكثر ازديادًا في عدد المهاجرين؛ إذ بلغ عددهم 33801 مهاجر ليتجاوز العدد بذلك الإجمالي للمهاجرين الذين دخلوا البلاد في الفترة 1920 - 1923 ب 3873 مهاجرًا، بينما يقلّ عن العدد الكلي للمهاجرين الذين دخلوا على مدار الأعوام 1920 - 1924 ب 8983 مهاجرًا. ويمثّل هذا العدد أيضًا نسبة 13. 44 في المئة من العدد الكلي للمهاجرين على مدار السنوات المذكورة (1920 - 1924) والبالغ عددهم 76585 مهاجرًا، ونسبة 79 في المئة من إجمالي عدد المهاجرين الذين دخلوا البلاد في الأعوام 1920 - 1924. لقد ترتّب على ازدياد تدفق الهجرة اليهودية إلى البلاد في فترة صموئيل انخفاض نسبة السكان العرب إلى المجموع الكلّ للسكان؛ فمع انتهاء فترة عمله تضاعف عدد السكان اليهود من 61 ألف عام 1920 إلى أكثر من 120 ألف عام 1925، وانخفضت نسبة السكان العرب إلى المجموع الكلي للسكان من نحو 90 في المئة عام 1920 إلى نحو 83 في المئة عام 1925.

خاتمة

وهكذا يبدو واضحًا أنّ بريطانيا منذ احتلالها فلسطين، وتشكيل الإدارة العسكرية ثم استبدالها بإدارة مدنية عام 1920، وتعيين هربرت صموئيل أول مندوب سامٍ على فلسطين، كانت جادّة في عزمها على وضع تصريح بلفور موضع التنفيذ، وفي تبنيها لتحقيق المشروع الصهيوني بإقامة ما يسمّى الوطن القومي اليهودي.

  1. سمبسون، ص 172؛ عوني عبد الكريم الذيب، "موقف الصحف العربية الفلسطينية من سياسة الانتداب البريطاني في قضيتي الهجرة والأراضي 1922 - 1939 "، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمّان، 1989، ص 57 - 58.
  2. سمبسون، ص 180.
  3. تقرير لجنة التحقيق عن اضطرابات فلسطين، ص 131؛ تقرير اللجنة الملكية (بيل)، ص 368؛ سعدي بسيسو، الصهيونية: نقد وتحليل (القدس: المطبعة التجارية، 1945)، ص 114؛ فهمي، ص 71.
  4. الهنيدي، ص 241.

لقد جاء صكّ الانتداب البريطاني الذي أُعد بالأساس في لندن بالاتفاق والتشاور والتنسيق الكامل مع المنظمة الصهيونية لمصلحة المشروع الصهيوني كليًّا؛ ويتضّح ذلك من خلال ما ورد في مقدّمته التي أكّدت الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، وبالأسس المعتمدة لإعادة إنشاء الوطن القومي اليهودي فيها. ويتسم صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين بعدم المشروعيّة. ويتناقض مع المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم التي أكّدت أنّ المبدأ الأساس الذي وُجِد من أجله الانتداب عامة هو مصلحة الشعوب المنتدب عليها وتقدّمها وخدمتها وفائدتها، وهو أمر لم تعمل حكومة الانتداب على تنفيذه والقيام به أو السعي من أجله فضلً عن أنّ مجلس عصبة الأمم لم يصدق على هذا الصك إلا في شهر تموز/ يوليو 1922؛ ما يعني أنّ كلّ الإجراءات التي اتخذتها حكومة الانتداب والتشريعات والقوانين التي أصدرتها قبيل هذا التاريخ تُعدّ من الناحية القانونية لاغية وباطلة ولا أساس لها. لقد اتخذت حكومة الانتداب البريطاني من صكّ الانتداب غطاءً دوليًا وقانونيًا لتنفيذ المخطّطات الصهيونية وتنفيذ تصريح بلفور؛ فقد تضمّن مواد صريحة تخوِّل الدولة المُنتدِبَة العمل من أجل تسهيل إقامة الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين. ولمّا كانت قضيتا الأرض والهجرة قضيتيَن حاسمتيَن وأساسيتيَن للمشروع الصهيوني ومرتبطتيَن إحداهما بالأخرى ارتباطًا وثيقًا، وذلك من خلال ما يتطلّبه تغيير الوضع الديموغرافي في فلسطين بجعل أغلبية السكان من اليهود وما يتطلّبه ذلك من تسهيل استملاكهم الأراضي، فقد أخذ صموئيل يعمل جاهدًا وبالتعاون مع حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية على إصدار العديد من الأنظمة والتشريعات والقوانين المتعلّقة بالأراضي والهجرة، وتبنّي كلّ الوسائل الممكنة لتمليك اليهود أراضي الدولة وفتح أراضي فلسطين على مصراعيها أمام تدفق المهاجرين اليهود من مختلف الدول الأوروبية، ومنحهم مساحات واسعة من الأراضي على حساب السكان الأصليين بحجج تفتقر إلى أدنى الأسس القانونية والأخلاقية والإنسانية. ولم تكتفِ سلطات الانتداب البريطاني بتشجيع الهجرة اليهودية وإتاحة المجال لليهود لاستملاك الأراضي، بل عمدت أيضًا إلى مصادرة أهمّ شرايين المياه والموارد المائية والمعدنية ووضعتها بين أيدي اليهود، وذلك من خلال استغلال المادة الحادية عشرة من صكّ الانتداب التي أعطت الدولة المنتدبة سلطة إصدار القوانين والأحكام للسيطرة على أيّ مورد من موارد البلاد الطبيعية أو الأشغال والمنافع والخدمات العامة الموجودة في البلاد، وخوّلت هذه المادة حكومة الانتداب بالاتفاق مع الوكالة اليهودية في إنماء أيٍّ من موارد البلاد الطبيعية. وعلى هذا الأساس منحت حكومة الانتداب اليهود عددًا من أهم المشاريع الاقتصادية على شكل امتيازات اقتصادية متنوعة كخطوة مهمّة نحو إحكام قبضتهم على الموارد الاقتصادية في فلسطين وتأمين البنية التحتية اللازمة لإقامة الوطن القومي المزعوم. ولا بد من الإشارة أيضًا في خاتمة هذه الدراسة إلى نتيجة مهمّة مفادها أنه على الرغم من سياسة الانحياز التامة لحكومة الانتداب البريطاني إلى اليهود ومحاباتها لهم، وإصدارها مختلف القوانين والتشريعات لصالحهم والسياسة الاقتصادية التي اتبعتها لإفقار الفلاحين الفلسطينيين من خلال منعهم من تصدير محاصيلهم إلى الخارج، وإرهاقهم بالضرائب المفروضة عليهم ولا سيما العشر والويركو، علاوة على الإغراءات المالية التي كانت تعرضها المؤسسات اليهودية خصوصًا الصندوق القومي اليهودي على الفلسطينيين لبيع أراضيهم، فإن نسبة ملكية اليهود من الأراضي الفلسطينية حتى عام 1948 لم تزد على 7 في المئة من مجموع المساحة الكلية لفلسطين، علمًا أنّ الجزء الأكبر من هذه الحيازة تَشكَّل من أراضي الدولة وأراضي الملاكين العرب من غير الفلسطينيين؛ ما يؤكد تمسك الفلسطينيين بأرضهم وحفاظهم عليها وعدم التفريط فيها وثباتهم فيها.

المراجع

العربية

أبو بكر، أمين. ملكية الأراضي في متصرفية القدس 1858 - 19 19. عمان: مؤسسة عبد الحميد شومان، 1996.

17، العدد الأول (2003).

أبو يصير، صالح سعود. جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن. ط 4. بيروت: دار الفتح للطباعة والنشر، 1971.

لجامعة الدول العربية، 1957.

انغرامز، دورين. أوراق فلسطين 1917 - 1922: جذور القضية. بيروت: دار النهار للنشر، 1972.

بسيسو، سعدي. الصهيونية: نقد وتحليل. القدس: المطبعة التجارية، 1945.

تقرير اللجنة الملكية لفلسطين (لجنة بيل) 1937 (القدس 1937.)

بغداد). مج 4. العدد 3 (1975).

_______. أثر قوانين الانتداب البريطاني في إقامة الوطن القومي اليهودي. بغداد: مطبعة أسعد، 1976.

الجزء الأول من 637 م- 1949 م. 1969.

الحزماوي، محمد. ملكية الأراضي في فلسطين 1918 - 1948. عكا: مؤسسة الأسوار، 1998.

حمادة، سعيد (محرر). النظام الاقتصادي في سوريا ولبنان. بيروت: الجامعة الأميركية، 1936.

الحنبلي، شاكر. موجز في أحكام الأراضي والأموال غير المنقولة. دمشق: مطبعة الترقي، 1928.

خلة، كامل. فلسطين والانتداب البريطاني 1922 - 39 19. طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، 1982.

References

________. "ملكية السلطان عبد الحميد الثاني في فلسطين 1876 - 1937 "، مجلة جامعة النجاح للأبحاث: العلوم الإنسانية. مج ________. "ملكية آل سرسق في فلسطين 1869 - 1948 ". مجلة جامعة النجاح للأبحاث: العلوم الإنسانية. مج 18. العدد 2 الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين، المجموعة الأولى 1915 - 6419. القاهرة: الأمانة العامة البديري، هند. أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ. القاهرة: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، 1998.

تقرير لجنة التحقيق عن اضطرابات فلسطين التي وقعت في شهر آب سنة 1929. القدس: دائرة المطبوعات والقرطاسية، الجادر، عادل. "التشريعات البريطانية وتهويد الأراضي الفلسطينية 1917 - 1948 "، مجلة مركز الدراسات الفلسطينية (جامعة الجندي، إبراهيم رضوان. سياسة الانتداب البريطاني الاقتصادية في فلسطين 1922 - 1939. عمان: دار الكرمل، 1986.

جمهورية مصر العربية. الهيئة العامة للاستعلامات. ملف وثائق فلسطين: مجموعة وثائق وأوراق خاصة بالقضية الفلسطينية، درايتون، روبرت هاربي. مجموعة المناشير والأوامر والقوانين الفلسطينية. القدس: مطبعة دير الروم، 1936.

الدستور. ترجمة نوفل نعمة الله نوفل. بيروت: المطبعة الأدبية، 1883.

الذيب، عوني عبد الكريم. "موقف الصحف العربية الفلسطينية من سياسة الانتداب البريطاني في قضيتي الهجرة والأراضي 1922 - 1939 ". رسالة ماجستير. الجامعة الأردنية. عمّان، 1989.

سليم، محمد عبد الرؤوف. نشاط الوكالة اليهودية لفلسطين منذ إنشائها وحتى قيام دولة إسرائيل 1922 - 1948. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982.

سمبسون، جون هوب. تقرير عن الهجرة ومشاريع الإسكان والعمران. القدس: دار الأيتام الإسلامية، 1930.

شبيب، سميح. الأصول الاقتصادية والاجتماعية للحركة السياسية في فلسطين 1920 - 19 84. عكا: دار الأسوار، 1999.

صبري، بهجت. فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها 1914 - 1920. القدس: جمعية الدراسات العربية، 1982.

العارف، عارف. المفصل في تاريخ القدس. القدس: مكتبة الأندلس، 1960.

عمر، عبد العزيز عمر. تاريخ المشرق العربي 1516 - 1922. بيروت: دار النهضة العربية، 1985.

عوض، عبد العزيز محمد. الإدارة العثمانية في ولاية سورية 1864 - 1914. القاهرة: مطبعة المعارف، 1969.

غنايم، زهير ومحمد محافظة. وثائق القضية الفلسطينية 1918 - 1948. عمان: دار ورد للنشر والتوزيع، 2007.

غوجانسكي، تمارا. تطور الرأسمالية في فلسطين. ترجمة حنا إبراهيم. تونس: منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الثقافة، 1987.

الفهداوي، ذياب عبود حسين. "هربرت صموئيل: حياته ودوره السياسي في تأسيس الكيان الصهيوني". مجلة كلية التربية الأساسية (جامعة الأنبار). العدد 74 (2012).

فهمي، وليم. الهجرة اليهودية إلى فلسطين. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984.

المر، دعيبس. أحكام الأراضي المتبعة في البلاد العربية المنفصلة عن السلطنة العثمانية. القدس: مطبعة بيت المقدس، 1923.

مسلم، أكرم (محرر). يوميات خليل السكاكيني: يوميات ورسائل وتأملات: اختبار الانتداب وأسئلة الهوية 1919 - 1922. رام الله: مؤسسة الدراسات المقدسية، 2004.

معدي، الحسيني. مذكرات حاييم وايزمان: التجربة والخطأ 1874 - 1952. القاهرة: دار الخلود للنشر والتوزيع، 2015.

منصور، أسعد. تاريخ الناصرة. الناصرة: دار الهلال، 1923.

المهتدي، عبلة. الحاج أمين الحسيني والتحديات الوطنية في فلسطين 1917 - 1937. عمان: دار المايا للنشر والتوزيع، 2012.

موسى، صابر. "نظام م لكية الأراضي في فلسطين في أواخر العهد العثماني". مجلة شؤون فلسطينية. العدد 95 (1979.)

نجم، إبراهيم وأمين عقل وعمر أبو النصر. جهاد فلسطين العربية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2009.

الهنيدي، سحر. التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي: فترة هيربرت صموئيل 1920 - 25 19. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.

وايزمان، حاييم. مذكرات قادة الدولة الصهيونية: مذكرات وايزمان. ترجمة هشام خضر. الجيزة: دار طيبة للطباعة والنشر، [د ت.]. الوعري، نائلة. موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني 1856 - 1914. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012.

الأجنبية

• A Survey of Palestine. Prepared in Dec. 1945 and Jan. 1946 for the information of the Anglo American Committee

of inquiry. Jerusalem: printed by the government printer, 2 volume, 1946.

• Granovsky, Abraham. Land Policy in Palestine. New York: Bloch Publishing, 1940.

• ________. The Land Issue in Palestine. Jerusalem: Jewish National Fund, 1936.

• Granott, Abraham. The Land system in Palestine: History and Structure. London: Eyre & Spottiswoode, 1952.

• Stoyanovsky, Jacob. The Mandate for Palestine: a Contribution to the Theory and Practice of International

Mandates. London: Longmans, Green, 1928.